وَقَدْ يَكُونُ فِي الْإِسْنَادِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ
فَالْأَوَّلُ كَمَا رَكَّبَ مَهَرَةُ مُحَدِّثِي بَغْدَادَ لِلْبُخَارِيِّ، حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ، إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَتْنٍ حديث آخَرَ، وَرَكَّبُوا مَتْنَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى إِسْنَادٍ آخَرَ، وَقَلَبُوا (٢) مثاله: مَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ نَافِعٍ، وَمَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنْ سَالِمٍ، وَهُوَ مِنَ الْقَبِيلِ الثَّانِي وَصَنَعُوا ذَلِكَ فِي نَحْوِ مِائَةِ حَدِيثٍ أَوْ أَزْيَدَ، فَلَمَّا قَرَأَهَا رَدَّ كُلَّ حَدِيثٍ إِلَى إِسْنَادِهِ، وَكُلَّ إِسْنَادٍ إِلَى مَتْنِهِ، وَلَمْ يَرُجْ عَلَيْهِ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ مِمَّا قَلَبُوهُ وَرَكَّبُوهُ، فَعَظُمَ عِنْدَهُمْ جِدًّا، وَعَرَفُوا مَنْزِلَتَهُ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، -[فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَدْخَلَهُ (٣) الْجِنَانَ] «١» -.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] الحديث المقلوب: إما أن يكون القلب فيه في المتن، وإما أن =
_________________
(١) انظر: "مقدمة ابن الصلاح" ص ٢٨٤، و"النكت" للزركشي ٢/ ٢٩٩، و"التقييد والإيضاح" ص ١٣٤، و"الشذا الفياح" ١/ ٢٣٠، و"النكت لابن حجر" ٢/ ٨٦٤، و"فتح المغيث" ٢/ ١٣٣، و"تدريب الراوي" ١/ ٣٤٢.
(٢) في الأصل: قبلوا، والصواب ما أثبتناه من باقي المخطوطات.
(٣) في "ب": أسكنه، وما بين المعكوف ساقط من "ط".
[ ٢٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= يكون في الإسناد فمثال المقلوب في المتن: ما رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" [١] من حديث أُنيسة مرفوعًا "إذا أذَّن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا" والمشهور من حديث ابن عمر وعائشة "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" [٢].
وما رواه مسلم [٣] في السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة "ورجل تصدق بصدقة أخفاها، حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله" فهذا مما انقلب على أحد الرواة وإنما هو كما في "الصحيحين" [٤] "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"
وما رواه الطبرانيٍ [٥] من حديث أبى هريرة مرفوعًا "إذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم"، فإن المعروف ما في "الصحيحين" [٦] "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم"
وأما القلب في الإسناد فقد يكون خطأ من بعض الرواة في اسم راو أو نسبه، كأن يقول "كعب بن مرة" بدل "مرة بن كعب".
وقد ألف الخطيب في هذا الصنف كتابا سماه "رفع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب" وقد يكون الحديث مشهورًا براوٍ من الرواة أو إسناد، فيأتي بعض الضعفاء أو الوضاعين، ويبدل الراوي بغيره، ليُرَغِبْ فيه المحدثون، كأن يكون الحديث معروفًا عن سالم بن عبد الله، فيجعله عن نافع، أو يبدل الإسناد بإسنادٍ آخر كذلك. =
_________________
(١) أحمد (٢٧٤٤٠)، وابن خزيمة (٤٠٤)، وابن حبان (٣٤٧٤)
(٢) أخرجه البخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢) من حديث ابن عمر، والبخاري (٦٢٢) من حديث عائشة
(٣) برقم (١٠٣١)
(٤) قال الشيخ الألباني [بل البخاري (٦٦٠) لأن مسلما لم يروه إلا باللفظ المقلوب] [قلنا]: بل ذكره مسلم أيضا (١٠٣١) لكن لم يذكر المتن لكنه من رواية مالك ومالك لم يروِ إلا الوجه الأول كما في الموطأ ت الأعظمي (٥/ ١٣٨٩) رقم ٣٥٠٥/ ٧٦١. والله أعلم
(٥) المعجم الأوسط (٢٧١٥)
(٦) البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)
[ ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= مثل ما روى حماد بن عمرو النَّصيبي-الكذاب -عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدءوهم بالسلام" [١] الحديث، فإنه مقلوب، قلبه حماد، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، هكذا أخرجه مسلم [٢] من رواية شعبة والثوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز الدراوردي، كلهم عن سهيل. وهذا الصنيع يطلق على فاعله أنه يسرق الحديث، إذا قصد إليه وقد يقع هذا غلطا من الراوي الثقة، لاقصدًا كما يكون من الوضاعين. مثاله: ما روى إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني".
قال إسحق بن عيسى: فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث؟ فقال: وهِمَ أبو النضر- يعنى جرير بن حازم- إنما كُنّا جميعا في مجلس ثابت، وحجاج بن أبى عثمان معنا، فحدثنا حجاج الصواف عن يحيي بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس. فقد انقلب الإسناد على جرير، والحديث معروف من رواية يحيى بن أبى كثير [٣]، رواه مسلم والنسائي من طريق حجاج بن أبي عثمان الصواف عن يحيي [٤].
وقد يقلبُ بعض المحدثين إسناد حديث قصدا لامتحان بعض العلماء لمعرفة درجة حفظهم، كما فعل علماء بغداد حين قدم عليهم الإمام محمد بن إسماعيل
_________________
(١) المعجم الأوسط (٦٣٥٨)
(٢) برقم (٢١٦٧)
(٣) انظر التقييد ص ١٣٥، والترمذي (٥١٧) وقال: قال محمد (يعني البخاري): ويروى عن حماد بن زيد، قال: كنا عند ثابت البناني، فحدث حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» فوهم جرير، فظن أن ثابتا حدثهم، عن أنس، عن النبي ﷺ
(٤) مسلم (٦٠٤)، والنسائي (٧٩٠)
[ ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
البخاري، فيما رواه الخطيب [١] فإنهم اجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا لإسناد آخر وإسناد هذا لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة. وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث؟ فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يلقى عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فَهِمَ الرجل، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة؟ فقال البخاري: لا أعرفه فلم يزل يلقي إليه واحد بعد واحد، حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه ثم انتدب إليه الثالث والرابع، إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا والثالث، والرابع، على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل، أ. هـ
وهذا العمل محرم أن يقصده العالم به، إلا إن كان يريد به الاختبار. وشرط الجواز- كما قال الحافظ ابن حجر [٢]- أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة.
_________________
(١) انظر القصة في "مشايخ البخاري" لابن عدي ص ٦٢ ومن طريقه الخطيب في "تاريخ بغداد"٢/ ٣٤٠، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥٢/ ٦٦، قال ابن حجر "النكت" ٢/ ٨٦٩: " سمعت شيخنا غير مرة يقول: ما العجب من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب في الأحاديث لاتساع معرفته، وإنما يتعجب منه في هذا لكونه حفظ موالاة الأحاديث على الخطأ من مرة واحدة."
(٢) (ص ٩٦ - نزهة)
[ ٢٠٦ ]
وَقَدْ نَبَّهَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو (١) هَهُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُكْمِ بِضَعْفِ سَنَدِ الْحَدِيثِ الْمُعَيَّنِ الْحُكْمُ بِضَعْفِهِ فِي نَفْسِهِ; إِذْ قَدْ يَكُونُ لَهُ إِسْنَادٌ آخَرُ، إِلَّا أَنْ يَنُصَّ إِمَامٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ «١».
(قلت) (٢): يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أبداها المُناظر، وينقطع، إذ الأصل عدم ما سواها، حتى يثبت بطريق أُخرى. والله أعلم.
قال (٣): وتجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب، والقصص والمواعظ، ونحو ذلك، إلا في صفات الله ﷿، وفي باب الحلال والحرام. (٤)
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر]: من وجد حديثا بإسناد ضعيف فالأحوط أن يقول: "إنه ضعيف بهذا الإسناد" ولا يحكم بضعف المتن- مطلقا من غير تقييد- بمجرد ضعف ذلك الإسناد فقد يكون الحديث واردا بإسناد آخر صحيح إلا أن يجد الحكم بضعف المتن منقولًا عن إمام من الحفاظ المطلعين على الطرق وإن نشط الباحث عن طرق الحديث، وترجح عنده أن هذا المتن لم يرد من طريق أخرى صحيحة وغلب على ظنه ذلك فإني لا أرى بأسا بأن يحكم بضعف الحديث مطلقا.
وإنما ذهب ابن الصلاح إلى المنع تقليدا لهم في منع الاجتهاد كما قلنا نحو هذا الكلام على الصحيح فيما مضى ص (***). [شاكر]
_________________
(١) المقدمة ص ٢٨٦
(٢) وهذا من زيادات ابن كثير على ابن الصلاح
(٣) المقدمة ص ٢٨٦
(٤) انظر حول العمل بالضعيف في الفضائل " تحرير علوم الحديث" للجديع ٢/ ١١٠٨ - ١١١٤ و"حكم العمل بالضعيف في الفضائل لأشرف سعيد" و" تدريب الراوي [١/ ٣٥٠] و" المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية [١٢/ ٦٥٩]
[ ٢٠٧ ]
قال (١): وممن يرخص في رواية الضعيف - فيما ذكرناه - ابن مهدي، وأحمد بن حنبل، رحمهما الله.
قال (٢): وإذا عزوته إلى النبي ﷺ من غير إسناد فلا تقل: " قال ﷺ كذا وكذا "، وما أشبه ذلك من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض، وكذا فيما يشك في صحته أيضًا «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] من نقل حديثًا صحيحًا بغير إسناده وجب أن يذكره بصيغة الجزم فيقول مثلا. "قال رسول الله ﷺ" وَيُقبَحُ جدًا أن يذكره بصيغة التمريض التي تشعر بضعف الحديث لئلا يقع في نفس القارئ والسامع أنه حديث غير صحيح وأما إذا نقل حديثًا ضعيفًا أو حديثًا لا يعلم حاله أصحيح أم ضعيف؟ فإنه يجب أن يذكره بصيغة التمريض كأن يقول: "روي عنه كذا": أو "بلغنا كذا" وإذا تيقن ضعفه وجب عليه أن يبين أن الحديث ضعيف لئلا يُغتر به القارئ أو السامع ولا يجوز للناقل أن يذكره بصيغة الجزم لأنه يوهِم غيره أن الحديث صحيح خصوصا إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يثق الناس بنقلهم ويظنون أنهم لا يَنْسِبونَ إلى رسول الله ﷺ شيئا لم يجزموا بصحة نسبته إليه وقد وقع في هذا الخطأ كثير من المؤلفين ﵏ وتجاوز عنهم.
وقد أجاز بعضهم رواية الضعيف من غير بيان ضعفه بشروط.
أولًا: أن يكون الحديث في القصص أو المواعظ أو فضائل الأعمال أو نحو ذلك مما لا يتعلق بصفات الله تعالى وما يجوز له ويستحيل عليه سبحانه ولا بتفسير القرآن ولا بالأحكام كالحلال والحرام وغيرهما.
ثانيًا: أن يكون الضعف فيه غير شديد فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب والذين فحش غلطهم في الرواية.
ثالثًا: أن يندرج تحت أصلٍ معمولٌ به.
رابعًا: ألا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط. =
_________________
(١) المقدمة ص ٢٨٦، وانظر الكفاية للخطيب ١/ ١٣٤.
(٢) المقدمة ص ٢٨٧.
[ ٢٠٨ ]