ابن أبي شيبة:
هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، ولد بالكوفة سنه ١٥٩ هـ ١ ونشأ وتعلم بها، ثم رحل إلى البصرة وبغداد ومكة والمدينة٢. وكان من بيت علم اشتهر منه أخواه عثمان والقاسم وابنه إبراهيم بن أبي بكر وابن أخيه محمد بن عثمان بن أبي شيبة٣.
ومن أشهر من تلقى العلم وروى الحديث عنهم شريح بن عبد الله القاضي وعبد لله ابن المبارك ووكيع ابن الجراح وأخوه عثمان ابن أبي شيبة، وآخرون غيرهم٤ أكثر من رواية التاريخ عنهم مثل عبد الله بن إدريس وأبي أسامة.
أما أشهر من تلقى عنه فهم الشيخان الإمام البخاري ومسلم، وأبو داود وابن ماجه، والإِمام أحمد وابنه عبد الله والإِمام إبراهيم الحربي وآخرون كثيرون٥.
ووصفه الإِمام البخاري بأنه من أقران أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه
_________________
(١) ١ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج١٠ ص٦٦. ٢ نفسه. ٣ الذهبي: سير أعلامء النبلاء ج١١ ص١٢٢-١٢٣. ٤ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج١٠ ص٦٦. ٥ البخاري: كتاب التاريخ الصغير ج٢ ص٣٣٣.
[ ٥٦٣ ]
ويحيى بن معين وعلي بن المديني١، وقال الذهبي في السن والمولد والحفظ ٢.
وقال يحي بن معين والإمام أحمد: إنه صدوق٣. ووصفه الذهبي بالحافظ الكبير الحجة، وأن إليه المنتهى في الثقة٤. نظرًا لما عرف عنه من قوة الحفظ حتى كان فيه مضرب المثل.
عصره:
عاش ابن أبي شيبة ما بين منتصف القرن الثاني والثالث أي في العصر العباسي الأول، وأدرك من خلفائه الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق وبداية عهد المتوكل. وكان المتوكل يقربه ضمن من قرب من علماء الدولة، وفي سنه ٢٣٤ هـ ندبه في الرد على المعتزلة في قولهم بخلق القرآن، فجلس ابن أبي شيبة يفند آراءهم في مسجد الرصافة ببغداد فاجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا٥. ويدل ذلك على غزارة علمه ومكانته بين الناس حتى يحضر دروسه مثل هذا العدد.
وتوفي ﵀ ببغداد سنة ٢٣٥ هـ٦.
كما عاش ابن أبي شيبة في هذا العصر، وهو عصر نضج التدوين والتأليف في مختلف العلوم الإسلامية، عاش فيه الأئمة الأربعة والإمام البخاري ومسلم وعبد الله بن المبارك.. وغيرهم كثير. وهو أيضًا عصر التأليف التاريخي وآخر مراحل اتصاله بعلم الحديث بعد أن كانا صنوي نشأة ومنهج وقتًا طويلًا.
_________________
(١) ١ البخاري. كتاب التاريخ الصغير ج٢ ص٣٣٢-٣٣٣. ٢ سير أعلام النبلاء ج١١ ص- ١٢٢. ٣ المصدر السابق: ج١١ ص١٢٣-١٢٤. ٤ الذهبي: ميزان الاعتدال ج٢ ص٤٩٠. ٥ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج١٠ ص٦٧. ٦ البخاري: كتاب التاريخ الصغير ج٢ ص٣٣٥.
[ ٥٦٤ ]
ولهذا عاصر ابن أبي شيبة عددًا من المؤرخين الذين كانوا أعلامًا وقتذاك ولكنهم اشتهروا في التاريخ أكثر من غيره إلى جانب تبريز بعضهم في علوم أخرى مثل ابن إسحاق وابن هشام وابن سعد وخليفة بن خياط وعمر بن شبة ومصعب الزبيري.
وإذا كان عصره لا يزال يمثل اتصال التاريخ بعلم الحديث ولما كان ابن أبي شيبة من علماء الحديث، فإن كتابته للتاريخ كانت متأثرة بذلك منهجًاَ وغاية، فقد ضمن عدد من معاصريه من المحدثين كتبهم أبوابًا في التاريخ حيث كانت المغازي بابًا ثابتًا في مؤلفاتهم فجاءت مثلًا عند الصنعاني في مصنفه والبخاري ومسلم في صحيحيهما في الوقت الذي كثر فيه التأليف التاريخي المستقل، وظهر فيه الخروج على قواعد منهج المحدثين فيما يتعلق بالدقة والتحري، وبقي فيه بعض ضوابطه كالسند وهو منحى مهم يزيد في قيمة الكتابة التاريخية عندما تكون في هذا الوقت من مثل هذا العلم، وحسب التاريخ أن يكتب فيه مثله.
إن الإغراض في التأليف التاريخي والتساهل في السند كان حافزًا مهمًا للمحدثين، ولبعض المؤرخين، لكتابة التاريخ على منهج تدوين الحديث والإبقاء عليه، مثلما فعل الطبري في تاريخه فيما بعد.
وعلى الرغم من استقرار منهج المحدثين رواية ودراية في علمهم وقتذاك، إلا أنه في تدوين التاريخ لم يكن بنفس القوة والتطبيق، فقد شاح عنه المؤرخون منذ ذلك الوقت وتحففوا منه ثم تركوه في العصور التالية.
ولكن بقي بعض المحدثين خلال القرن الثالث يعقلون به تدوين التاريخ وعلى رأسهم ابن أبي شيبة.
[ ٥٦٥ ]
مؤلفاته:
ألف ابن أبي شيبة عددًا من الكتب، هي كتاب السنن في الفقه، وكتاب التفسير، وكتاب المسند في الحديث١.
ولم يذكر المتقدمون مثل النديم صاحب الفهرست والخطيب البغدادي أن له كتابًا اسمه المصنف في الحديث بينما ذكره المؤرخون كابن كثير ٢ وحاجي خليفة٣ وإسماعيل البغدادي٤.
حتى أن النديم لم يذكر كتابًا لأي مؤلف بهذا الاسم، وأكثر من ذكر أسماء الكتب المتفقة مع مؤلفاته هذه في الاسم بما فيها المسند سواء لعلماء سبقوه أو عاصروه، ومناقشة ذلك خارج هذا الموضوع.
أما مؤلفاته التاريخية، فيذكر النديم إنها كتاب التاريخ، وكتاب الفتن، وكتاب صفين، وكتاب الجمل، وكتاب الفتوح. ولم يذكر الخطيب البغدادي شيئًا منها.
وكانت موضوعاته من أغراض التأليف المهمة في التاريخ، وقد ألف فيها الكثير مثل أبي مخنف (ت ١٥٧هـ) ٥ والواقدي (ت ٢٠٧ هـ) ٦ ونصر بن مزاحم المنقري (ت ٢١٢ هـ) ٧ وعلي بن محمد المدائني (ت ٢٢٥ هـ) ٨ وعمر بن شبة (ت ٢٦٢ هـ) ٩.
_________________
(١) ١ النديم: الفهرست ٢٨٥؛ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ج١٠ ص٦٦. ٢ البداية النهاية: ج١٠ ص٣١٥. وزاد ابن كثير: "ولم يصنف أحد مثله قط لا قبله ولا بعده". ج١٠ ص٣٥٦. ٣ كشف الظنون ج٢ ص١٣١١. ٤ هدية العارفين ج١ ص٤٤٠. ٥ النديم ص١٠٥. ٦ المصدر السابق ص١١١. ٧ ياقوت: معجم الأدباء ج٧ ص٢١٠. ٨ النديم ص١١٤. ٩ المصدر السابق ص١٢٥.
[ ٥٦٦ ]
أما من المحدثين فقد ضمن كل من الصنعاني والبخاري ومسلم مؤلفاتهم أبوابًا في التاريخ كالمغازي والسيرة النبوية ولكنها تقل عددًا عما ورد عند ابن أبي شيبه.
وقد اشتمل كتابه المصنف في الحديث على كتبه التاريخية السابقة١ أو هكذا وصلتنا والسؤال هل كان كل واحد منها كتابًا مستقلًا، ثم ضمت إلى المصنف وأصبح الرجوع إليها يتم من خلاله.
ولما كان عددها يبلغ خمسة كتب بعضها في حجم مجلد صغير وآخر متوسط فإنه يصعب قبول أن تكون أبوابًا في المصنف لاسيما وأن النص واضح من قبل أن ابن أبي شيبة نفسه على تسميتها بالكتب وأن بعضها يتألف من عدة أبواب.
وإذا كان كتابا الفتن والمغازي هي ما تشتمل عليه كتب الحديث في الغالب على غرار مصنف الصنعاني والصحيحين مثلا، فإن كتب صفين والجمل والتاريخ والفتوح هي مما لم يألفه التأليف الحديثي ومن ثم عدم اشتماله على هذه المؤلفات كتبًا أو أبوابًا.
كذلك جاء في ترتيب كتاب التاريخ عند ابن أبي شيبة قبل كتاب المغازي، وهذا خلاف التسلسل الزمني والسياق الموضوعي للأحداث ولا أخال إلا أنه مقتحم بين كتاب الجهاد وكتاب المغازي. واتصال الكتابين يتطلب تتابعهما بدون فصل على غرار ورودهما كذلك عند الصنعاني في مصنفه، ولكن قد يكون ذلك ومن خطأ أحد النساخ، لكنه يدعم أن كتاب التاريخ كان مستقلًا عن المصنف ثم وضع إليه في أحد العصور.
كما أن إشارة النديم بأن له كتابًا اسمه الفتوح، وهو ما تؤكده دلالة كثرة
١ جاء كتاب التاريخ في ج١٢ ص٥٤٧ وج١٣ ص٥، وجاء كتاب المغازي في ج١٤ ص٢٨٣، وجاء كتاب الفتن ج١٥ ص٥، وجاء كتاب الجمل في ج١٥ ص٢٤٨، أما كتاب صفين وسماه ما ذكر في صفين فجاء في ج١٥ ص٢٨٨.
[ ٥٦٧ ]
التأليف فيه خلال القرن الثالث ولم يصلنا بابًا أو كتابًا مضمومًا إلى المصنف مما يدعم أن كتبه التاريخية كانت مستقلة على الأرجح.
ويظهر أن كتاب الفتوح ليس الكتاب التاريخي الوحيد المفقود للمؤلف وإنما له مرويات من كتب أخرى مفقودة، فقد أورد البلاذري روايتين منقولة عن ابن أبي شيبة تتعلقان بوفاة فاطمة وسعد بن أبي وقاص﵄١ وسياقهما ما بين كتابين الفضائل والتاريخ له، إلا أنهما غير موجودتين في نسخة المصنف الحالية مما يشير إلى أن بعض رواياته التاريخية ضائعة.
ثم إن النديم عندما يذكر غير كتابي السنن والمسند لأحد المؤلفين اللذين شاع التأليف باسميهما كثيرًا خلال القرن الثالث فمعنى ذلك أن بقية كتبه التي يذكرها ليست من أبواب أحدهما وإنما هي كتب مستقلة. فقد أورد لعبد الله بن المبارك كتاب السنن وكتاب التفسير وكتاب التاريخ٢.
وذكر لإِسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ) كتاب السنن وكتاب المسند وكتاب التفسير٣.
وذكر للإمام البخاري كتاب الصحيح وكتاب التاريخ الصغير والكبير.. الخ٤. ولعلي المديني (ت ٢٥٨ هـ) كتاب المسند وكتاب الضعفاء٥.
وهذا ما يرجح عند الباحث أنها كتب أخرى له صمت لكتابه الكَبير المصنف في عصر من العصور حتى غدت كأنها أبواب منه، وسواء كانت كذلك أم مؤلفات مستقلة عنه فإنه ولله الحمد وصلتنا محتوياتها.
_________________
(١) ١ البلاذري: أنساب الأشراف ج١ ص٤٠٤-٤٠٥. ٢ النديم ص٢٨٤. ٣ المصدر السابق. ٤ نفسه. ٥ نفسه.
[ ٥٦٨ ]