أما المستشرق دوزي، وبعد ذكر عبارته معدلة، لأنها - على ما قال - «أوقح من أن نوردها على حالها» (٧٢)، والتي مفادها أن الكثير «من الموضوعات والمكذوبات تتخلل كتب الحديث» (٧٣) وأنها «تشتمل على أمور كثيرة يود المؤمن الصادق لو لم ترد فيها» (٧٤)، هذا مع العلم أنه قَدَّمَ لكلامه بمداخلة اعترف فيها بصحة قسم كبير من السنة النبوية التي حفظت في الصدور ودونت في الكتب بدقة بالغة وعناية لا نظير لها» (٧٥)، فهو لعله «يخدع برأيه المعتدل كثيرًا من علمائنا فضلًا عن أوساط المتعلمين فينا» (٧٦). ولكنه لم يكن غرضه خالصًا للعلم والبحث المجرد «حين مال إلى الاعتراف بصحة ذلك النصيب الكبير من السُنَّةِ، وإنما كان يفكر أولًا وآخرًا بما اشتملت عليه هذه السُنَّةُ الصحيحة من نظرات مستقلة في الكون والحياة والإنسان، وهي نظرات لا يدرأ عنها استقلالها النقدُ والتجريح، لأنها لم تنبثق من العقل الغربي المعجز، ولم تصور حياة الغرب الطليقة من كل قيد» (٧٧).
ولأن هؤلاء المستشرقين لم يكونوا متجردين تمامًا عند بحثهم لهذه الأمور العلمية، فإن الدكتور الصالح يرى أنه لا يمكن أن نكون عالة عليهم «في تحقيق شيء يتعلق بماضي ثقافتنا، وسنكون منهم على حذر في كل ما يؤرخونه لحضارتنا» (٧٨).
وهكذا نراه يقرر هذه النتيجة الكلية التي تنطبق على كل ما جاء به المستشرقون فلا بد للباحث أن يكون من ذلك على حذر.
وللتأكيد على عدم الوثوق المطلق بما حققه المستشرقون، انتقل الدكتور الصالح - ﵀ - إلى موضوع آخر يتصل بتدوين السنة، وقد تخبط فيه المستشرقون أيضًا، وهو ما قاله جولدتسيهر من «أن
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) المرجع السابق.
(٣) " علوم الحديث ومصطلحه ": حاشية ص ٢٦.
(٤) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص ٢٥.
(٥) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص ٢٦.
(٦) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص ٢٥.
(٧) المرجع السابق نفسه.
(٨) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص ٢٦.
(٩) المرجع السابق.
[ ١٤ ]
الأحاديث الواردة في شأن تدوين العلم، حثًا عليه أو نهيًا عنه، إنما كانت أثرًا من آثار تَسابُقِ أهل الحديث في جانب وأهل الرأي في جانب آخر إلى وضع الأقوال المؤيدة لنزعتَيْهم المتباينتين» (٧٩).
ولو أُخذ بهذا الكلام لكانت النتيجة أن كل ما دُوِّنَ من نصوص كان يخضع [للمزاجية] والمذهب. وهذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على جهل هؤلاء المستشرقين بأصول النقل العلمي عند علماء المسلمين، وكيف أنهم في قواعد النقد التي أصلوها للمرويات وللرواة، كانوا ينظرون في جملة ما ينظرون إليه مدى موافقة الرواية لمذهب الراوي، وبخاصة فيما يتعلق برواية المبتدع، فقد وضعوا لقبول روايته شروطًا منها أن لا تكون روايته تؤيد بدعته.
فمن يضع مثل هذه القواعد لا يمكن أن يتهم بأنه ما دُوَّنَ إلا ما يؤيد رأيه، وكأن الشريعة من وضع البشر لا من وضع رب البشر.
فهؤلاء الذين قالوا هذا الرأي فيما دون من العلم يرون «أن أهل الحديث ينزعون إلى جواز تقييد السنة ليكون مستندًا بين أيديهم لصحتها والاحتجاج بها، وأهل الرأي - على العكس- ينزعون إلى النهي عن الكتابة، وإثبات عدم تقييد العلم، تمهيدًا لإنكار صحته وإنكار الاحتجاج به» (٨٠). وكأن القضية تسابق على اتباع هوى لا على اتباع حكم.
وقد تأثر بما كتبه جولدتسيهر بعض الباحثين (٨١)، وتأثر هو ببعضهم من مثل سلفه المستشرق (شبرنجر Sprenger) وبخاصة بعد اطلاعه على مقاله في " نشأة الكتابة وتطورها "، وشبرنجر هذا هو الذي اكتشف سنة ١٨٥٥م كتاب " تقييد العلم " للخطيب البغدادي (٨٢)، ولكن الدكتور الصالح لاحظ الفروقات بين مَنْهَجِ المُسْتَشْرِقَيْنِ وأنهما يختلفان اختلافًا جوهريًا في هذا الموضوع، «أما شبرنجر فقد استنتج من نشأة الكتابة عند العرب، ومن خلال النصوص الواردة في الكتاب المذكور أن الحديث لا بد أن يكون قد دون منه الكثير في عهد الرسول - ﷺ -، وكان هذا ما يعنيه بالذات.
وأما جولدتسيهر فقد ارتاب في صحة جميع تلك النصوص، ورأى أن بعضها وضعه أهل الحديث، والبعض الآخر وضعه أهل الرأي» (٨٣).
_________________
(١) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص ٢٧.
(٢) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص ٢٧.
(٣) من مثل (روث مكنسون Ruth mackenson) في دراستها: " كتب عربية ومكتبات في العصر الأموي". ينظر: " علوم الحديث ومصطلحه ": ص ٢٧ حاشية.
(٤) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص ٢٧.
(٥) " علوم الحديث ومصطلحه " ص ٢٨.
[ ١٥ ]
وهو إذ يناقش مناهج المستشرقين، لا يفوته التنويه بكتابات صدرت في ذلك الوقت، بذل أصحابها فيها جهدًا في الرد على المستشرقين، ولكنه مع ذلك يبدي رأيه مع النقد والتحليل، فَحَيْثُ يَرَى أَنَّ البَاحِثَ أَصَابَ يُثْنِي، وَحَيْثُ يَرَى أَنَّ البَاحِثَ لَمْ يُصِبْ يُقوِّمُ (٨٤).
وهو في كل ذلك يعنيه أمر واحد هو «خطأ الاعتقاد بتناقل الحديث عن طريق التحديث وحده» (٨٥).
وبالرغم من أهمية ما حققه الدكتور الصالح - ﵀ - في شأن التدوين المبكر للحديث، إلا أننا للأسف وجدنا أن بعض المتأخرين ممن كتبوا في " دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث" قد أغفل ما كتبه الدكتور الصالح، بينما نجده ينقل عمن نقل عن الدكتور الصالح. وهذا قصور في ميدان البحث العلمي (٨٦).