ولأجل هذا المعنى عقد الدكتور الصالح فصلًا في كتابه ينتقد فيه الذين يجرون وراء المستشرقين أمثال جولدتسيهر Goldziher، وسوفاجيه Sauvaget لينقلوا عنهم الاعتراف بالتدوين المبكر للحديث، في حين أن «كتبنا وأخبارنا ووثائقنا التاريخية لا تدع مجالًا للشك في تحقق تقييد الحديث في عصر النبي - ﷺ - نفسه، وليس على رأس المئة الثانية للهجرة كما يمن علينا هذان المستشرقان - عبارته - وهي تنطق - فوق ذلك - بصدق جميع الوقائع والأقوال والسير والتصرفات التي تنطوي عليها الأحاديث الصحاح والحسان في كتب السنة جميعًا، لا في بعضها دون بعض كما يظن Dozy دوزي» (٦٤).
وهكذا نجد أن عالمنا الصالح متسلح باطلاع واسع على ما كتبه المستشرقون بلغتهم حول السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، ولكن هذا الاطلاع كان بعين الناقد البصير. ويقينًا هو لم يطلع على كتاباتهم لمجرد النقد فقط، ولكنه، على ما تواتر عنه، كان بحاثةً يتمثل الحديث القائل: «الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ» (٦٥)، فهو طالب حكمة ومعرفة، ولكنه مع هذا لا يلغي عقله ولا شخصيته، ولا يجعل هذا الاطلاع على حساب انتمائه وهويته.
_________________
(١) ج ١ / ص ٢٥٠.
(٢) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص: ٢٣ و٢٤.
(٣) أخرجه الترمذي: [" السُنن "]: آخر حديث في كتاب العلم. حديث رقم ٢٦٨٧.
[ ١٢ ]
فاطلاعه على تراث البشرية اطلاع المستعلي بما عنده من قيم، وليس اطلاع المنهزم المسحوق الذي يُغَيِّبُ شخصيته وعقله لصالح الآخرين.
وهو، مع مناقشاته العلمية المدعمة بالأدلة القاطعة، لم يُخْفِ معرفته بأسباب ما كتبوه معتبرًا أن المستشرقين «لم يتجشموا جمع الأدلة والبراهين على إثبات تدوين السنة لإسداء خدماتهم الخالصة إلينا وإلى أدبنا وشريعتنا - وأنا أقتبس -، بل لهم أغراض إليها يهدفون، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون» (٦٦).