ونتيجة لوفرة تحصيل ابن حجر على النحو المشار إليه وجودة فهمه، فإن العراقي بكر بتخريجه، حيث أذن له بعد نحو ٣ سنين من الملازمة بتدريس علوم السنة مع توثيقه، ومنحه الألقاب الحديثية المصطلح عليها، تشجيعا له وتقديرا لما أبداه من الاجتهاد في التحصيل وجودة الفهم، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ٧٩٩ هـ (^١)، فكتب له بخطه بعد بيان أهمية علم الحديث: «لما كان الشيخ العالم الكامل .. الإمام المحدث المفيد المجيد، الحافظ المتقن الثقة المأمون، شهاب الدين أحمد أبو الفضل .. ممن وفقه الله لطلبه، فجمع الرواة والشيوخ، وميز بين الناسخ والمنسوخ، وجمع الموافقات والأبدال (^٢) وميز بين الثقات والضعفاء من الرجال وأفرط بجده الحثيث، حتى انخرط في سلك أهل
_________________
(١) «الجواهر والدرر» / ١٩ أ.
(٢) نوعان من أنواع علو السند.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
الحديث. وحصل في الزمن اليسير على علم غزير ..» ثم ذكر مما قرأه عليه بتعقل وبحث، ألفيته وشرحها ونكته على مقدمة ابن الصلاح، بالإضافة إلى قراءة عدة أجزاء من مروياته العالية الإسناد، وكتابة عدة مجالس من الأمالي كما قدمت، ثم قال: «وأجزت له أن يروي ذلك عني ويقرئ الألفية والشرح عليها والنكت المذكورة، ويفيدها لمن أراد، ويقرئ كتب الحديث وعلوم الحديث وأذنت له أن يروي ذلك، ويلقي بذلك الدروس الحديثية، ويروي عني جميع مؤلفاتي ومروياتي .. وهو غني عن التوصية، لرغبته في الخير، زاده الله علما وفهما ووقارا وحلما …» (^١)
وجدير بالذكر أن العراقي كان أول من منح ابن حجر كل هذه الصلاحيات (^٢)، وبموجبها صار من رجال السنة وحفاظها المعتمدين والمؤهلين على يد رائد السنة في عصره، لممارسة جميع أنشطتها، وبذلك كان العراقي هو الأستاذ الأول لابن حجر، وبداية انطلاقه إلى مجده العلمي المشهود له به حتى الآن، رواية وتدريسا وبحثا وتأليفا، وإليه - بعد الله تعالى - يرجع الفضل الأكبر في تفجير عبقريته العلمية، وتنمية مواهبه بالمناقشة والبحث، وتغذيتها بعلمه، على امتداد سني الملازمة، وصقلها بخبرته، وقد قرر ذلك أبو زرعة ابن العراقي فقال: «إن ابن حجر صحب والده من سنة ٧٩٦ هـ وتخرج به وتنبه وفهم هذا الشأن كما ينبغي، وخرج وصنف وأفاد» (^٣).
_________________
(١) الجواهر والدرر/ ٥٢ أ، ب.
(٢) «الجواهر والدرر» / ١٩ أ.
(٣) «الجواهر والدرر» ٥٦ أ.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وقال الغزي وغيره من تلاميذ ابن حجر: «إنه تخرج على حافظ العصر وبقية الأعلام أبي الفضل العراقي، ومهر عليه وقرأ عليه الكثير من مصنفاته وغيرها».
على أنه قد تتلمذ للعراقي أيضا في علم الفقه، رغم تلقيه من قبل عن إمام عصره فيه، وهو السراج البلقيني وعن ولده جلال الدين، حتى أذن له العراقي بالإفتاء والتدريس عقب إذنهما، فكتب بخطه: «كذلك أجزت له أن يدرس ويشغل ويفتي بما حصله مما ذكره وما علمه من مذهب الشافعي ﵁، لما اجتمع فيه من العلم والفهم والإفادة» (^١).
ولما كان التخرج كما قدمت من قبل، مجرد مرحلة ينطلق منها الدارس إلى ما بعدها من التبحر في العلوم والإستيعاب، فإن ابن حجر ظل بعد تخرجه ومزاولة نشاطه الحديثي والفقهي مواظبا على التلمذة لمخرجه، إلى ختام نشاطه العلمي كما قدمنا، وظل العراقي أيضا يوالي إفادته ويوليه عنايته وتقديره ويتابع نشاطه وإنتاجه العلمي، فمن ذلك أنه كان يذهب بنفسه لتوديعه عند السفر في رحلاته العلمية خارج مصر، ولتهنئته بسلامة العودة منها (^٢)، وذلك غاية التشجيع والتقدير من أستاذ لتلميذه، كما كان يجلسه بجانبه عندما يحضر مجلس الإملاء، وكان ابن حجر يعرض على شيخه ما ينجزه من مؤلفاته، فيقرظها له ويثني في ذلك عليه، ومن ذلك كتابه الضخم «لسان الميزان» الذي كثر اعتماده فيه على عدة مؤلفات للعراقي كما سيأتي، وقد
_________________
(١) «الجواهر والدرر» / ٥٢ ب.
(٢) المرجع السابق/ ٥٣ أ.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
منحه في تقريظه من الألقاب الحديثية ما لم يمنحه له عند التخرج، تقديرًا منه لتقدمه الكبير في علوم السنة، حيث قال: «كتاب لسان الميزان»، تأليف الحافظ المتقن الناقد الحجة شهاب الدين أحمد .. وأرخ ذلك في ٢١ شوال سنة ٨٠٥ هـ (^١) ويلاحظ أن العراقي احتجب في نفس الشهر المذكور، مما يدل على متابعته لنشاط تلميذه لآخر حد ممكن، كما أنه في أواخر أيامه أخذ تلاميذه يحسون بالفراغ الذي سيتركه، فيسألونه عمن يستحق أن يخلفه في ريادة مدرسة السنة، فسأله كمال الدين بن العديم عمن بقي بعده من الحفاظ؟ فبدأ بابن حجر وثنى بولده أبي زرعة وثلث بالهيثمي، ثم سأله نور الدين الرشيدي مرة أخرى فقال: في الشيخ شهاب الدين ابن حجر كفاية (^٢).
وحين يقدم الأستاذ تلميذه على ولده الأثير عنده والمشارك له في نفس التخصص، فإنه يقدم أكبر دليل على تجرده وإنصافه، ولهذا كان اعتزاز ابن حجر كبيرًا بهذا التقديم المطلق من شيخه له (^٣) وعده مؤرخوه من مفاخره (^٤).
وكما كان للعراقي أثره الكبير في التكوين العلمي لابن حجر ورفع مكانته حتى قدمه على ابنه وساواه بنفسه، واعتمد على تخريجه وتأليفه في بعض أماليه، فقد كان له أيضًا أثره الخالد في كثير من مؤلفاته في علوم السنة سواء الموسوعات الضخمة التي عرف بها، كـ «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» و«الإصابة في تمييز الصحابة» و«لسان الميزان» و«تغليق التعليق»، أو
_________________
(١) المرجع السابق/ ٥١ ب.
(٢) المرجع السابق ٥٢ ب.
(٣) انظر: «إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٧.
(٤) «الجواهر والدرر» / ٥٢ ب.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
المؤلفات الدقيقة، كالقول المسدد، وغيره، حيث طعم ابن حجر هذه المؤلفات وغيرها، كما سنفصله، بمروياته عن العراقي وبما استفاده منه شفاهة خلال دروسه، وببعض مؤلفاته كاملة بنصها، أو ما يحتاجه المقام منها، ومن مؤلفاته ما وافق فيه شيخه العراقي فكرة ومنهجا وموضوعا كما سيأتي تفصيله ومثال ذلك: جمعه لزوائد كتب السنة على بعضها وتبويبها، وأجمع ماله في ذلك كتاب (المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية) وهو مطبوع حاليا في صورته المختصرة ٤ مجلدات وفي صورته المسندة أيضا أكثر من طبعة، بل إن لابن حجر بعض المواقف الدالة على تأثره بالعراقي في منهجه التعليمي حيث أراد تدريب العلاء القلقشندي ليكون معه كالهيثمي مع العراقي، لكن لم يتيسر له ذلك وقد تتلمذ له (العلاء) هذا بعد أن تتلمذ لشيخه العراقي، فأخذ عنه أكثر شرح ألفية الحديث، ولازمه حتى كتب عنه الكثير من أماليه، وأثبت العراقي بنفسه اسمه في عدة مجالس (^١) ومن أجل هذا قرر ابن حجر بنفسه التأثير العام للعراقي فيه فقال إنه: شيخنا وأستاذنا وسيدنا وقدوتنا ومعلمنا ومفيدنا ومخرجنا (^٢).
وقد شكل ابن حجر بجهوده في نشر السنة وتعليمها امتدادا علميا لشيخه العراقي فقد حدث طلابه بغالب مروياته عنه، كما تقدم، ذكرها من مؤلفاته وغيرها طويلها ومختصرها (^٣)، وكان من يتأسف على عدم إدراك العراقي وولده أبي زرعة لأخذ الحديث عنهما يجد عزاءه في إدراك تلميذهما ابن
_________________
(١) (الضوء اللامع) ج ٥/ ١٦١ - ١٦٣.
(٢) (إنباء الغمر) جـ ٣/ ٣١١ و(المجمع المؤسس) / ٣٦٦، ٣٦٧ و(الضوء اللامع) ج ٤/ ١٧٥.
(٣) (الجواهر والدرر) / ٤٥ ب.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
حجر ويقول: «نحمد الله على وجود الشيخ شهاب الدين بن حجر» (^١).
وقد أحيا أيضا سنة الإملاء بعد العراقي وولده، وصرح باقتدائه بهما في ذلك (^٢).
كما أنه تناول بعض مؤلفات شيخه بالشرح أو التعليق أو الاستدراك كما سيأتي تفصيله.
وبهذا كله كان خير خلف له في حمل لواء السنة داخل مصر وخارجها، وتكميل مسيرته بمختلف جوانبها حتى صار حافظ الدنيا بأجمعها في عصره وانتهت إليه رئاسة الحديث بمصر وغيرها إلى أن توفي بالقاهرة بمنزله داخل باب الشعرية في ٢٨ ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ، وقد قرر السيوطي أنه ختم به الفن وقرر غيره تحول مدرسة السنة من مصر بعد تلاميذه، كالسخاوي والسيوطي، إلى الهند (^٣).
١٠ - ومن تلميذاته:
«هاجر» ابنة المحدث الشرف محمد بن محمد القدسي أسند أهل عصرها (^٤): وهي عزيزة ابنة محمد بن محمد بن أبي بكر المعروف بالمحدث الشرف أبي الفضل القدسي الأصل، القاهري، وقد ولدت في ربيع الأول سنة ٧٩٠ هـ بعد وفاة أخت لها كانت تسمى «عزيزة» فسميت باسمها، ثم ترك هذا
_________________
(١) «الجواهر والدرر» / ٦٠ أ.
(٢) «المجمع المؤسس» ٥/ ٣٦٧.
(٣) «الحديث والمحدثون» لشيخنا الشيخ محمد أبو زهو ﵀ ١/ ٤٣٩، ٤٤٠.
(٤) «الضوء اللامع» ج ١٢/ ١٣١، ٢٣٢.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
الاسم، إلى «هاجر» لتمييزها عن أختها، ولما كان والدها محدثا فإنه اعتنى بتنشئتها الحديثية، فأحضرها الكثير جدا من عوالي الأجزاء والكتب والمشيخات والفوائد الحديثية على كثير من الشيوخ والشيخات، وكان ممن أحضرت وأسمعت عليه الحافظ العراقي، ومما حضرته عليه وهي في الرابعة من عمرها كتاب (الأربعين العشارية الإسناد) وهو من أعلا مروياته (^١).
وقد عمرت فوق الثمانين، فصارت أسند أهل عصرها من النساء، وتزاحم عليها الطلبة وقرأ السخاوي عليها كثيرا، وأسمع ولده بقراءته عليها، وبذلك انتشرت مروياتها عن العراقي، وممن قرأ عليها (الأربعين العشارية) له، المحدث شرف الدين يحيى بن محمد بن سعيد القبابي التاجر، وسمعها عليها بقراءته، المحدث بدر الدين محمد بن أحمد العلائي (^٢)، وقد توفيت في ٦ من المحرم سنة ٨٧٤ هـ.
١١ - ومنهن: ابنته (زينب) التي حدثت بالكثير، وتزوجها ابن يعقوب، المحدث، تلميذ العراقي:
وقد ذكر السخاوي أنها ولدت قبيل الصبح من ليلة ١٢ ذي الحجة سنة ٧٩١ هـ وعني أبوها بتوجيهها لطلب الحديث منذ الصغر، فأحضرها عليه وعلى غيره، ثم أسمعها منه أيضا ومن غيره، ومما سمعته عليه بعض مسند أحمد، واستجاز لها أيضا في سنة ٧٩٥ هـ وما بعدها من كثيرين، وبعضهم من شيوخه المعمرين، ذوي السند العالي، كالتاج بن موسى السكندري.
_________________
(١) انظر «الأربعين العشارية» / ٢١ ب.
(٢) «الأربعين العشارية» ٨/¬٢١ ب.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
وقد مكنها ذلك كله من التصدي للتحديث بالكثير، وسمع منها الفضلاء، ومنهم السخاوي الذي أثنى عليها، وقد تزوجها المحدث الشهاب أحمد بن يعقوب تلميذ والدها أيضا كما تقدم التعريف به، وتكونت بذلك منهما أسرة حديثية تعاونت على نشر السنة وإذاعة مروياتهما عن العراقي. وقد توفيت في ٢٨ ربيع الأول سنة ٨٦٥ هـ بعد أن كف بصرها، وثقل سمعها (^١).
١٢ - ومنهن ابنته أيضا (جويرية) التي سمع منها الأئمة وتزوجها تلميذ المحدث الكلوتاتي (^٢):
وقد ولدت على الراجح قبل سنة ٧٨٨ هـ تقريبا، وعني والدها أيضا بضمها لأسرة السنة كباقي أخوتها، فاستجاز لها كثيرا من الشيوخ في الحرم سنة ٧٨٨ هـ فما بعدها، وأسمعها منذ الصغر على نفسه، وعلى غيره وقد اصطحبها معه في الحج، وفي مدة عمله بالمدينة المنورة، مما أتاح لها التلقي الكثير عنه، والتربية على يديه علما وخلقا، وأتت ثمار تربيته لها، فكانت صالحة خيرة، وأحبت الحديث، وتصدت لنشر ما تلقته عن والدها وعن غيره، فسمع منها كثير من الأئمة كالسخاوي وغيره.
وقد تردد السخاوي في ترجمته لها، في تحديد من تزوجها من تلاميذ والدها فقال: «وتزوجها» الهيثمي ظنا، والشهاب الكلوتاتي وقتا، لكنه قطع في ترجمة الكلوتاتي بأنه تزوجها، وقطع في ترجمة الهيثمي بأنه تزوج ابنة أخرى للعراقي تسمى (خديجة)، كما قدمت ذكره في التعريف بهما.
_________________
(١) (الضوء اللامع) ج ١٢/¬٤١، ٤٢، و«نظم العقيان» /¬٣٠ أ.
(٢) انظر «الضوء اللامع» جـ ١٢/¬١٨ و«نظم العقيان» / ٢٧ أ.
[ ٢ / ٦٠١ ]
وبذلك اندفع تردده، وقد تكونت منها ومن زوجها أسرة حديثية، تتلمذت على يد العراقي وقام عضواها بنشر السنة من بعده، وقد توفي زوجها من قبلها سنة ٨٥٦ هـ، وظلت هي قائمة برسالتها حتى توفيت في ٤ من المحرم سنة ٨٦٣ هـ.
١٣، ١٤ - ومنهن الأختان: «زليخا» و«زينب» اللتان أحضرتا في الطفولة وحدثتا من بعده:
وكلتاهما ابنتا إبراهيم بن محمد بن أحمد، وقد اعتنى والدهما بإحضارهما منذ الصغر مجالس الحديث، لتحصيل علو السند فأحضرهما على العراقي بعض السنن «لأبي داود» والمجلس الأخير من مجالس إسماع (البخاري) التي سبق ذكرها في نشاط العراقي، وكان ذلك في سنة ٧٩٨ هـ حيث كانت دروس العراقي متكاثرة في عدة أماكن كما مر، وقد كانت «زليخا» حينئذ في الرابعة من عمرها، و«زينب» في الثالثة، وهما نموذجان لتلمذة الأسر على العراقي ولتلمذة أصغر من أدركه من جيل المحدثات من بعده حيث قامت كل منهما بالتحديث بعد تأهلها للأداء، وسمع منهما الأئمة، وقد كان ما حضرتاه على العراقي من عوالي ما حدثتا به، لتحملهما عنه في الصغر كما ذكرنا، وقد قرأ السخاوي على (زليخا) بعض مروياتها، كما كانت (زينب) تعني بالاطلاع في كتب السنة، وظلتا تؤديان رسالتهما حتى توفيت (زليخا) سنة ٨٦٧ هـ وتوفيت (زينب) سنة ٨٧٩ هـ (^١)
_________________
(١) «الضوء اللامع» ج ١٢/¬٣٧، ٣٩.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
خلاصة نتائج وظائف العراقي العلميّة واثرها في السنّة
مما تقدّم في بحث وظائف العراقي وبيان آثارها في علوم السنّة يتلخص لنا تحقيق النتائج التالية:
١ - أن قيام العراقي برسالته العلمية في مجال السنّة كان أسبق وأعم من توظفه رسميًا لذلك، وقد استمر قائمًا بذلك خلال أزيد من ستين عامًا، منذ ٧٤٥ هـ حتى ٨٠٦ هـ التي توفي فيها ولعل هذا ما جعل ابن حجر يقول في رثائه: ومن ستين عامًا لم يجارى … ولا طمع المجاري في اللحاق (^١)
٢ - أنه في مراحل عمله الثلاثة قد تقلد عدة وظائف رسمية، بمصر وبالمدينة المنورة، عن كفاءة علمية وخُلقية، ودون طلب منه أو منازعة لأحد، كما كان يحدث من غيره.
٣ - أن هذه الوظائف تركزت في التكليف برواية السنّة وتدريس علومها، فأفاد وتكلّم على العلل والإسناد، ومعاني المتون وفقهها فأجاد، مع المشاركة في تدريس غيرها، خاصة علمي الفقه وأصوله، وتولي القضاء وتوابعه من الفتوى والإمامة والخطابة.
٤ - أنه قام خلال مراحل عمله داخل مصر وخارجها بجهود عامة ومواقف رائدة، أحدثت تأثيرًا عامًا في النهوض بالسنّة وإحيائها علمًا وعملا ودفع غير الأكفاء عن حقلها، فحقق بذلك ريادته لمدرسة علوم السنّة في عصره ومصره.
٥ - أن من أبرز جهوده الرائدة والمؤثرة، إحياء سنة إملاء الحديث بعد اندثارها من العالم الإسلامي عمومًا، قرابة قرن ونصف، وابتدأ ذلك في
_________________
(١) ٥ إنباء الغمر، جـ ٢/ ٢٧٩، و«حسن المحاضرة»، جـ ١/ ٣٦٢
[ ٢ / ٦٠٣ ]
الروضة الشريفة بالمدينة المنورة، ثم استأنف مواصلته بالقاهرة فوق عشر سنوات إلى أواخر حياته، فأدى بذلك مئات الأحاديث بأسانيدها ومعناها بأقوى وجوه الأداء، وخلف تراثًا ضخمًا، ثم اقتدى به تلاميذه وغيرهم من بعده.
٦ - أنه كما تحمل علوم السنة عن شيوخه بأسانيدها وحصلها بمختلف وجوه التحمل والتحصيل الإصطلاحية والمتعارفة في عصره، فإنه قام في مراحل عمله الثلاثة بأداء ما تحمله رواية، وما استوعبه فهمًا ودراية، وما ألفه إلى تلاميذه متبعا في أدائه القواعد المصطلح عليها للأداء عند علماء السنة والمناهج المتعارفة في ذلك حتى عصره، من قراءة، وعرض، وإسماع، وإجازة ومناولة وتصحيح لنسخ المراجع والأمالي، ومقابلتها وغير ذلك، وبهذا وصل جيلا من طلاب وطالبات السنة بأسانيدها وتراثها منذ عصره حتى عصر النبوة، كما أمدهم خلال دروسه بآرائه وفهمه، وخبرته المستمدة من شيوخه وممارسته الواسعة لكتب السنة، وجرى في تدريسه على ما تقضي به المناهج الصحيحة للتربية والتعليم، من المناقشة فيما يدرس وإثارة أفكار وملكات التأمل والبحث عند الطلاب، وتغذية مداركهم بعلمه وخبرته وتوسيعها بتوجيهه، وإتاحة الفرصة لهم لإبداء آرائهم وإظهار علمهم دون تهيب أو جمود، وتشجيعهم على ذلك، مع المتابعة والتصحيح، وبذلك أدى جميع مهماته باعتباره مسندا، ومحدثا، وحافظا، وأستاذا، وموجها.
٧ - أنه قد أدى علوم السنة خلال منهجه التعليمي ونشاطه التثقيفي والتوجيهي إلى عامة الناس وخاصتهم من العلماء والسلاطين والأمراء وتتلمذ له بمختلف وجوه التلمذة، الآباء والأبناء والبنات والأحفاد، من مختلف بقاع العالم الإسلامي، وتكون منهم جيل متكامل من المسندين والمسندات
[ ٢ / ٦٠٤ ]
والمحدثين والمحدثات الذين عاونوه في نشر السنة شرقا وغربا في حياته، ونهضوا بذلك بعد مماته.
كما تخرَّج به صفوة من الحفاظ الأعلام الذين تأثروا كثيرا بفكره وتراثه في تكوينهم العلمي وإنتاجهم، وصاروا خلفاءه وسفراءه في مواطنهم ومواقعهم التي شملت العالم الإسلامي من الأندلس وبلاد المغرب، حتى الهند وبلاد فارس والروم، وبواسطتهم انتشرت السنة وعلومها، واستعادت بقدر جهودهم نهضتها الغابرة في تلك الأقطار رواية وتدريسا وعملا وتأليفا ولعل آخر ما يجسد أثر العراقي في علوم السنة بتخريج هؤلاء الأعلام ما قررته إحدى تلميذات الدكتور طه حسين عن أثره فيها حيث تقول: «فكم أخذتُ عنك في حياتك، وكم سأظل آخذ عنك ما حييت، فما أنا إلا كتاب من كتبك» (^١).
فلو أننا اعتبرنا كل تلميذ خرَّجه العراقي بمثابة كتاب من تأليفه، لتجمع لدينا من ذلك مئات الكتب، بل ما يزال تراث الأعلام الذين خرجهم والمطعم بعلمه، عمدة المشتغلين بالسنة حتى الآن.
- أنه قام بما يماثل نظام الدراسات الجامعية العليا في عصرنا فَوَجَّه تلميذه الحافظ الهيثمي إلى التأليف في بعض جوانب علوم السنة التي لم تنل عناية العلماء من قبله، ورسم له المنهج الذي يسير عليه، وأمده بما توفر لديه من المراجع، ثم أشرف عليه وتابع أعماله بالمراجعة والتوجيه، حتى خرجت إلى حيز الوجود، وسَمَّى له بعضها، كما كان يمنح طلابه من الألقاب العلمية
_________________
(١) «ذكرى طه حسين» للدكتورة/ سهير القلماوي/ ٩ طبع دار المعارف سنة ١٩٧٤ م.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
المصطلح عليها، ما يناسب درجتهم في الاجتهاد والتحصيل ويجيزهم بممارسة التدريس والتأليف والفتوى.
٩ - أنه أسهم ببعض دروسه الحديثية في أحداث عصره وشدائد مجتمعه كجفاف النيل، والغلاء والمجاعات، وإضطراب الأحوال العامة للبلاد.
١٠ - بجانب هذا كله قام العراقي بإنجاز كثير من مؤلفاته التي تركز أغلبها في علوم السنة نظما ونثرا، مع تبييض ما كمل منها ومراجعته وتحرير عباراته ومضامينه كما سنعرض له في الباب التالي وما بعده بعون الله.
وبهذا كانت حياة العراقي عطاء حافلًا ومؤثرا في علوم السنة وعلمائها بمختلف وجوه التأثير العلمي وتحقق فيه قول تاج الدين السبكي: «إن العالم مهما بلغ اجتهاده في نشر العلم، فنفعه قاصر على مدة حياته ما لم يُصنف كتابا يخلده بعده، أو يورث علمًا ينقله عنه تلميذ أو تهتدي به فئة (^١)».
_________________
(١) «التعريف بآداب التأليف» للسيوطي/ ٤٥٨/ ضمن مجموعة خطية بدار الكتب المصرية.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وفاة العراقي وتصحيح تاريخها وتحديد مكانها بالقاهرة
ذكرت من قبل أن العراقي لم تطل حياته بعد خطبته البليغة التي ختم بها نشاطه العلمي كلية، عقب صلاته بالناس صلاة الاستسقاء. وقد عاش بعد ذلك عدة أشهر، احتجب فيها عن الناس وتفرغ للعبادة، وذكر ولده ولي الدين أبو زرعة: أنه كان ملازما لوالده حينذاك، وأنه أوصى وصيته حال صحته وقوته، ثم كان يشكو انحطاط قواه، المجاوزة عمره إحدى وثمانين سنة فلما قربت وفاته مرض مرض الموت (^١) ويبدو أنه كان مرضًا خفيفًا بحيث تمكن معه من الخروج من منزله إلى الحمام في الساعات الأخيرة من حياته، حيث كانت الحمامات تقام حينذاك لعامة الناس خارج البيوت في كل حي أو شارع، ويتفق عامة مؤرخيه من تلاميذه وغيرهم، على أنه عقب خروجه من الحمام، وعودته إلى منزله بالقاهرة (^٢) حضرته الوفاة، وذلك في ليلة الأربعاء، منتصفها، أو قبل التسبيح منها، أو وقت التسبيح قبيل الفجر، ثامن شهر شعبان سنة ٨٠٦ هـ (^٣) الموافق ٢١ فبراير سنة ١٤٠٤ م وبهذا يكون عمر العراقي بالتحديد: واحدًا وثمانين عاما وثلاثة أشهر، إلا أياما، وقد ساوى بذلك عمر قرينه في إمامة العصر: سراج الدين البلقيني الذي تقدمه في الميلاد والوفاة بشهور
_________________
(١) وطرح التثريب (جـ ٦/ ١٩٠ وجـ ٨/ ١٨٨، ١٨٩.
(٢) تقدم في مرحلة عمله الأخيرة بالقاهرة تحديد مكان منزله.
(٣) ا مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«ذيل الدرر الكامنة» / ٧٢ وو«المجمع المؤسس» ١٧٩ و٥ «عقد الجمان» / جـ ٢٥ قسم ٢ وفيات ٨٠٦ هـ وهـ «ذيل التقييد» / ٢٢٠ أو «النكت الوفية» للبقاعي/ ١ أ وهـ المنهل الصافي وجـ ٢/ ٣١٣ أ وهـ الضوء اللامع وجـ ٤/ ١٧٧ و٥ حسن المحاضرة وجـ ١/ ٣٦٠ و٥ البدر الطالع، جـ ٢/ ٣٥٦
[ ٢ / ٦٠٧ ]
ولهذا يقول تلميذهما ابن حجر:
لا ينقضي عجبي من وفق عمرهما العام كالعام حتى الشهر كالشهر … عاشا ثمانين عاما بعده سنة وربع عام سوى نقص المعتبر
وذكر أنه أشار بقوله (سوى نقص) إلى أنهما لم يكملا ربع السنة، بل ينقص أياما (^١).
لكن أكثر المراجع المترجم فيها للعراقي لا يجتمع في واحد منها هذا التحديد الدقيق لعمر العراقي، ولزمن وفاته معا، حتى لو كان المؤلف عالمًا بذلك، فإنه يكتفي بالتقريب والإجمال، فمع تحديد ابن حجر السابق لعمر العراقي، نجده في مرجع آخر يكتفي بتحديده بواحد وثمانين عاما وربع ولا يُعنى ببيان نقص الأيام كما حددها بنفسه فيما تقدم، ويذكر أن الوفاة في ٨ شعبان، دون عناية بتحديد الوقت الذي مر ذكره (^٢).
أما العيني فيحدّد الوفاة بوقت التسبيح من ليلة الأربعاء، ثم يجمل في تقدير عمر العراقي بواحد وثمانين عاما وربع، دون عناية بذكر نقص الأيام (^٣)، ثم نجد ابن فهد، يتردد في تحديد الوقت، بين ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء (^٤) وهو تردد في غير محله؛ لأن اليوم يُطلق على الليل والنهار معا فكيف يتردد بين ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء؟!
ثم إن المحدّدين للوقت غيره، متفقون على ليلة الأربعاء، وإن تعدد تحديدهم
_________________
(١) (إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٧
(٢) (ذيل الدرر الكامنة) / ٧٣
(٣) (عقد الجمان) جـ ٢٥ قسم ٢/ وفيات سنة ٨٠٦ هـ.
(٤) (لحظ الألحاظ) / ٢٣٤
[ ٢ / ٦٠٨ ]
للجزء الذي وقعت فيه الوفاة منها كما مر ذكره.
ونجد ابن قاضي شهبة في (طبقات الشافعية) يذكر وفاة العراقي في شعبان سنة ٨٠٠ هـ (^١).
وغالب الظن أن هذا خطأ من ناسخ الكتاب، بدليل أن ابن قاضي شهبة نفسه ذكر في كتابه (الأعلام) وفاة العراقي في شعبان سنة ٨٠٦ هـ، وحدّد عمره إجمالًا بواحد وثمانين عاما و٣ أشهر (^٢)، وتبعه على هذا الغزي (^٣).
ونجد السخاوي في (الضوء اللامع) يذكر التحديد الدقيق لعمر العراقي ولزمن وفاته كما قدمته، ثم يجملهما في (فتح المغيث) فيقول: (إنه تُوفي في شعبان سنة ٨٠٦ هـ عن أزيد من واحد وثمانين عاما) (^٤).
وأكثر من هذا إجمالًا قول المناوي: «إنه توفي في شعبان سنة ٨٠٦ هـ فعمر واحدا وثمانين سنة» (^٥) وأكثر المراجع المتأخرة تكتفي بذكر سنة الوفاة فقط (^٦).
ثم إن تلميذ العراقي ابن الجزري حدّد تاريخ الوفاة بالثاني من شعبان (^٧) وهذا خلاف المتفق عليه من بقية تلاميذ العراقي وغيرهم، وهو الثامن من شعبان
_________________
(١) انظر/ ١١١/ أ منها.
(٢) «الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ ب.
(٣) انظر: بهجة الناظرين، للغزي/ ١٣١.
(٤) (فتح المغيث) للسخاوي جـ ١/¬٩.
(٥) ١ مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة) مخطوطين.
(٦) «فهرس الفهارس» للكتاني جـ ٢/ ١٩٧ و«هدية العارفين» مجلد ١/ ٥٦٢ و«الأعلام» للزركلي جـ ٤/ ١١٩.
(٧) : «غاية النهاية» لابن الجزري جـ ١/ ٣٨٢.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
كما تقدم، وقد أسلفت في التعريف بابن الجزري أنه كان بسمرقند حين وفاة العراقي، فلعل هذا ما وصل إليه، كما أني لا أستبعد أن يكون اشتبه على الناسخ أو المحقق لكتاب ابن الجزري لفظ «الثامن» بلفظ «الثاني» لتقارب شكلهما في الكتابة العددية واللفظية.
ومع ذلك فقد تسرب هذا الخطأ إلى المراجع المتداولة لبعض المؤرخين المتأخرين والمفهرسين (^١) فَلْيَتَنَبَّه لذلك، منعًا لمواصلة الخطأ.
أما «بروكلمان» فتردد بين الثامن والسابع والعشرين من شعبان أيضًا (^٢).
ثم عاد فاقتصر على السابع والعشرين (^٣)، وهناك مراجع أخرى شائعة التداول من تأليف بعض الباحثين في علوم السنة والمؤرخين للتراث، والمحققين له والمفهرسين، وقد أرخوا فيها وفاة العراقي سنة ٨٠٥ هـ (^٤).
وهناك مراجع أخرى ترددت بين سنة ٨٠٥ هـ وسنة ٨٠٦ هـ (^٥).
_________________
(١) انظر (معجم المؤلفين) جـ ٥/ ٢٠٤، و(فهرس مكتبة عمر مكرم) الملحقة بدار الكتب المصرية/ ١٢.
(٢) انظر (تاريخ الأدب العربي) لبروكلمان (الأصل الألماني) جـ ٢/ ٧٧.
(٣) ملحق كتابه السابق جـ ٢/ ٦٩ (الأصل الألماني).
(٤) انظر (جامع كرامات الأولياء) للنبهاني جـ ٢/¬٨ و(لسان الميزان) لابن حجر جـ ٧ ص ١ من ترجمة ابن حجر للمحقق بآخر الكتاب، و(شرح ألفية السيوطي) للترمسي/ ٦ وفهرس مكتبة (نور عثمانية) بتركيا/ ٣٦ و(فهرس التاريخ والسيرة) بمكتبة بلدية الإسكندرية إعداد أحمد بشير الشندي/ ٧ و(ألفية العراقي في السيرة) نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم (١٢) مجاميع قولة.
(٥) انظر (كشف الظنون) ٥/ ٢١٨، ٢٤٧، ٤٦٤، ٥٥٩، ١٨٨٠.
[ ٢ / ٦١٠ ]
وأكثر من هذا أن بعض المراجع أرخت وفاة العراقي بسنة ٨٢٦ هـ (^١) وهذا ناتج من اشتباه العراقي بولده ولي الدين أبي زرعة؛ لأن هذا تاريخ وفاة «أبي زرعة» كما قدمنا.
والصواب من ذلك كله، التحديد بسنة ٨٠٦ هـ؛ لأنه الموافق لما قرره أبو زرعة ابن العراقي الذي حضر وفاة والده، أنه جاوز إحدى وثمانين سنة (^٢) وقد وافقه في هذا عامة المؤرخين من تلاميذ والده وغيرهم كما قدمنا. وعليه يكون التاريخ المعتمد لوفاة العراقي هو: (ليلة الثامن من شعبان سنة ٨٠٦ هـ) ولا يعتد بما خالفه، مهما كان انتشاره في مراجع عربية أو أفرنجية، وبالله التوفيق.
تحديد مكان دفن العراقي ومَن صلَّى عليه، ومسجده حاليا بالقاهرة:
كما ثبت لنا من قبل أن العراقي ولد ونشأ بإحدى ضواحي القاهرة، على شاطئ النيل المبارك الجميل، فإن كافة مؤرخيه مجمعين على أنه توفي بالقاهرة حيث كان منزله كما قدمنا، ثم حُمِلَتْ جنازته صبيحة الأربعاء في مشهد مهيب حافل، إلى جامع الحاكم بأمر الله، وهو معروف إلى الآن بالقاهرة (^٣) حيث صلي عليه، ثم دفن بتربته التي كانت مقامة بالصحراء، تجاه خانقاة الطويل، خارج السور الشرقي للقاهرة من ناحية أحد بابيها الشرقيين المعروف.
_________________
(١) انظر فهرس مكتبة (أيا صوفيا) بتركيا/ كتاب رقم (٤٧٣) فن الحديث وفهرس مكتبة (كوبريلي زاده) / كتاب رقم (٢٢٢).
(٢) «طرح التثريب» (جـ ٨/ ١٨٩).
(٣) يوجد هذا الجامع الشهير بشارع المعز لدين الله الفاطمي قرب الجامع الأزهر.
[ ٢ / ٦١١ ]
بـ «باب البرقية» (^١).
وهكذا كانت مصر مولد هذا الحافظ الكبير ومرباه، ومركز مجده العلمي ثم كان بها وفاته ومثواه الأخير، وستظل تربتها حفيظة على رفاته بين أحضانها الحانية إلى يوم النشور، ولهذا انتسب كما قدمنا في مشخصاته العامة إلى مصر والقاهرة ومنشأة المهراني التي ولد بها على شاطئ النيل وعده السيوطي من حفاظ السنة المصريين، وستظل مصر تفخر به كعلم للسنة في عصره من أبنائها.
وأما ذكر بعض الباحثين في عصرنا له ضمن مشاهير العلماء الذين ظهروا ببغداد والبلاد العراقية في القرن الثامن الهجري (^٢). فهو أخذ بظاهر نسبته للعراق فقط، والتي سرت إليه من والده وأصل أسرته واشتهر بها كما قدمنا في مشخصاته، لكن هذا خلاف الإجماع التاريخي كما ترى، على أنه مصري المولد والمنشأ والوفاة والمدفن ولم يقدر له دخول أي بلد عراقي، ولو راحلا في طلب العلم كما تقدم في رحلاته. ولهذا عده الكتاني ضمن حفاظ السنة المصريين، ثم عقد فصلا لبيان حفاظ العراق ولم يورده فيهم (^٣).
_________________
(١) «الخطط التوفيقية» جـ ٣/ ١٧٦ و«مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«النكت الوفية» ا/ ١ أ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٤ و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٣٧ و«عقد الجمان» / جـ ٢٥/ قسم ٢ وفيات سنة ٨٠٦ هـ و«المنهل الصافي» وجـ ٢/ ٣١٣ أو «مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة» و«البدر الطالع» للشوكاني ج ١/ ٣٥٦.
(٢) «عصر الانحدار» للدكتور محمد أسعد طلس/ ١٦٤.
(٣) «فهرس الفهارس» للكتاني جـ ١/¬٢٤، ٢٧.
[ ٢ / ٦١٢ ]
ومن كل ذلك يتضح أنه ليس لمن عدّ العراقي من مشاهير العلماء الذين ظهروا بالبلاد العراقية، مستند يعول عليه.
هذا وقد ذكر ابن خطيب الناصرية، أنه قدم لإمامة الناس في صلاة الجنازة على العراقي: برهان الدين الأبناسي (^١) وذلك مخالف لما قدمناه في التعريف بالأبناسي اعتمادًا على مصادر موثقة، أنه توفي سنة ٨٠٢ هـ أي قبل وفاة العراقي بنحو ٤ سنين، فلعل الصواب ما ذكره السخاوي من أن الذي قدم للصلاة هو الشيخ شهاب الدين بن الذهبي (^٢).
ويظهر أنه دفن بجانب العراقي بعض أفراد أسرته، حيث يقول غير واحد من مؤرخيه: «ودفن بتربتهم» (^٣).
كما قرر غير واحد أيضًا أن ولده أبا زرعة دفن بجنبه (^٤).
وعندما اتجهت للبحث عن مكان قبر العراقي بالقاهرة الحالية بعد تغيرها الكبير عن وقته، وجدتُ الشيخ حسن القويسني الذي كان موجودًا سنة ١٢٤١ هـ يقرر أن قبر العراقي موجود بإحدى الحارات بحي يُعرف حاليا بحي «العطوف»، وأن عنده قبر ولده أبي زرعة (^٥).
_________________
(١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي).
(٢) «الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٧.
(٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«الضوء اللامع»، جـ ٤/ ١٧٧.
(٤) و«ذيل التقييد» / ١١٦ و«رفع الإصر»، قسم ١/ ٨٣ و(المجمع المؤسس) ٣٦٧ و(إنباء الغمر، جـ ٣/ ٣١٢.
(٥) «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي» للأنصاري/ ١ أ (هامش) نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم ٣٠٨ مصطلح.
[ ٢ / ٦١٣ ]
لكني وجدت صاحب (الخطط التوفيقية) ذكر عدة أضرحة بأحياء مختلفة بالقاهرة، كل منها يعرف بـ «ضريح العراقي» دون تحديد الاسم والنسب (^١) غير أن الذي يتفق مع ما قدمته عن مؤرخي العراقي وعن الشيخ القويسني الذي قابلته في الحي نفسه، وهو من المعمرين فيه، هو ما ذكره صاحب «الخطط» بقوله: (حارة العراقي) وعُرفت بذلك لأن بها ضريحًا يُعرف بضريح (سيدي العراقي). ثم حدد موقعها بقوله: «وهي عن يمين المار من حارة العطوف، وبنهايتها أرض براح» أي فضاء ثم قال: «وبوسط حارة العراقي أيضًا ضريح يعرف صاحبه بالشيخ محمود» (^٢).
ولهذا ترجح عندي أن قبر الحافظ العراقي هو المقام عليه الضريح المشار إليه، وما عداه فهو لبعض الشيوخ العراقيين الذين كانوا يفدون أو يهاجرون كأسرة العراقي إلى القاهرة، ويتوفون ويدفنون بها، وقد اتجهت بنفسي إلى حارة العطوف المذكورة، وهي كائنة الآن بحي الجمالية جهة الشرق من مسجد الإمام الحسين بن علي ﵄، وكان ذهابي إلى هناك يوم الجمعة ٢٧ من ربيع الأول سنة ١٣٩٥ هـ الموافق ٩ من مايو سنة ١٩٧٥ م فوجدت حارة العراقي المذكورة متفرعة فعلا من العطوف وبوسطها ضريح الشيخ «محمود» الذي أشار إليه صاحب (الخطط)، أما الأرض الفضاء التي أشار إليها فقد بنيت، واسم الحارة تغير من اسم «العراقي» إلى «كوم الريش» ثم إلى حارة «الوسائيمة» حاليا، ووجدت بها قبر الحافظ العراقي فعلا في حجرة صغيرة ملاصقة لمؤخرة مسجده، ولها باب خاص يفتح على المسجد،
_________________
(١) انظر «الخطط التوفيقية» جـ ٣/ ٦٣، ٧٧، ٨٥.
(٢) «الخطط التوفيقية» جـ ٢/ ٦٧، ٩٣.
[ ٢ / ٦١٤ ]
ومن يدخل المسجد يكون باب حجرة القبر عن يساره.
وقد أقيم عليه مقصورة تحجزه عن المسجد، ويفتح باب المسجد في الحارة المذكورة ورقمه فيها (٢٩)، والمسجد والضريح يكونان شكلا مستطيلا، مساحته (١٣٠ مترا مربعا تقريبا)، وبناؤهما عادي، ويقع الضريح في الركن الخلفي للمسجد، عن يسار الداخل، وهو عبارة عن حجرة مربعة الشكل مساحتها ١٦ مترًا مربعًا تقريبًا، وأرضيتها منخفضة عن أرضية المسجد بنحو نصف متر تقريبا، وفي وسطها قبر الحافظ العراقي مكسوا بالقماش المطرّز عليه اسمه، وبهذا الضريح شباكان أحدهما من الجهة البحرية، ويطل على حارة (ست الملك) والآخر من الجهة الغربية ويطل على «حارة الوسايمة» التي يُفتح فيها المسجد، وتقام بالمسجد صلاة الجمعة والأوقات ودروس الوعظ، وقد التقيت بإمام المسجد لمعرفة بعض المعلومات للتأكد، فاستدعى لي رجلا يدعى (الشيخ محمد أحمد عطية)، وشهرته الشيخ (عطية)، وقال لي إنه منشئ هذا المسجد والضريح بمعاونة أهالي الحي، فَيُعْتَبَرُ شاهد عيان، وقد ذكر لي الشيخ عطية أنه من مواليد حي العطوف، ويبلغ السادسة والستين من عمره، وأن قبر العراقي كان موجودًا في هذا المكان، وفي مقدمه حجر نقش عليه اسمه وتاريخي ميلاده ووفاته، وكان بجواره قبر يُعرف بقبر الشيخ الملاخ وبجوارهما بعض الأراضي الفضاء، ومكتب صغير، كان الشيخ عطية نفسه يعلم فيه الأطفال ويُحفظهم القرآن الكريم، وفجأة جاء شخص يريد عمل الفضاء المجاور لقبري العراقي والملاخ «مربطا» للبغال وغيرها، غير مكترث بحرمة القبرين، فاستنهض الشيخ عطية حمية أهل العطوف لمنع هذا الرجل وإقامة مسجد بدل «المربط» وفعلا أنجح الله هذا
[ ٢ / ٦١٥ ]
المسعى وتعاون أهل الحي مع الشيخ عطية في إقامة المسجد مع إدخال القبرين ضمن سور المسجد، لكنهم أقاموا ضريحا واحدا على قبر العراقي كما وصفت، وذكر لي الشيخ عطية أنهم للأسف سووا قبر الشيخ الملاخ بأرضية المسجد وردموها عليه، لذهاب أكثر معالمه، ثم سألته عما إذا كانوا وقفوا على دفن أحد مع العراقي خاصة ولده أبو زرعة الذي أثبت المؤرخون دفنه بجانبه، فأجاب بأنهم لم يجدوا ما يدل على شيء من ذلك، وبهذا صار الجامع والضريح المذكوران، معروفين في حي العطوف عموما بجامع وضريح «سيدي العراقي».
ومن المعروف أن هذا البحث الجغرافي والتاريخي الميداني، له قيمته في دراسة جوانب الشخصيات الرائدة، ولهذا اقتضى الأمر إعطاء هذه الصورة الحية لتحديد قبر العراقي الآن؛ لتكون دليلا لمن بعدنا من مؤرخي الأعلام.
لكن لابد من التنبيه إلى أن إقامة مثل هذه الأضرحة، واتخاذها مساجد كلاهما من الأمور المبتدعة التي عمت بلاياها ربوع العالم الإسلامي وأساءت للإسلام وأهله، ناهيك عما يقع عندها من جهلة الناس، من شركيات ومخالفات، يتأذى بها، ويبرأ منها أموات المسلمين، وأحيائهم!
[ ٢ / ٦١٦ ]
ألقاب العراقي العلمية، وتجديده للقرن الثامن وتقدير العلماء وغيرهم له حتى الآن
بعد أن مر بنا الاستعراض الموثق الجوانب شخصية العراقي، وبيان ما توافر لديه عبر مراحل حياته، من صنوف التحمل والأداء، لعلوم الرواية، وفنون الدراية، وإحياء ما أميت أو أُهمل من السنن العملية والعلمية، مع ما سيأتي من جهود مشهودة في التصنيف في علوم السنة، والمشاركة الجيدة في بقية العلوم المكملة لرسالته الحديثية من لغة وفقه، وأصوله، وعلوم القراآت والتفسير، يسوغ لنا أن نقرر هنا: أن ذلك قد أَهله لاستحقاق مختلف الألقاب الحديثية والعلمية التي وصف بها - عن استحقاق وكفاءة - أمثاله من كبار أئمة وعلماء وحفاظ السنة وعلومها، ورواد مدارسها في العصور المختلفة بل إنه صار يحتكم إليه في شروط من يستحق تلك الألقاب في عصره والمفاضلة بينهم - كما سيأتى، وقد ذكر السخاوى عن لقب «الحافظ»: إنه لا ينبغي أن يقبل الوصف به إلا من موصوف به (^١).
وفي عصر العراقي وسابقه ولاحقه كان هناك اهتمام من المحققين من العلماء بتحديد الشروط والصفات التي ينبغي توافرها في الشخص حتى يستحق لقبا أو أكثر من تلك الألقاب الحديثية، وغيرها من الألقاب العلمية، التي توضح مرتبة أصحابها في اختصاصهم العلمى في جوانب الشريعة وعلوم السنة، مع تحديد بعضهم لمن ينطبق عليه ذلك من الأشخاص، كما سيأتي.
ومجمل ما أوقفنى عليه البحث والتتبع، أن العراقي قد لقب بالآتى:
_________________
(١) الجواهر والدرر للسخاوي ١/ ٨٩.
[ ٢ / ٦١٧ ]
١ - الشيخ (^١)
والمراد به كما ذكر الملا على قارى: هو الكامل في فنه، ولو كان شابا (^٢).
وقال الكتاني: يطلق الشيخ مجازًا على المعلم والأستاذ لكبره وعظمته (^٣).
وفي ذلك يقول ابن حجر تلميذ العراقي في رثائه:
فتى كرم يزيد وشيخ علم لدى الطلاب مع حمل المشاق (^٤) ولقبه تلميذه ابن الجزري بـ «شيخ الديار المصرية» (^٥). ولقبه غيره بـ «شيخ الحديث» (^٦).
وأبرز شيوخ العراقي وهو عز الدين ابن جماعة في مصنفه في تخريج أحاديث الرافعي، شحن حواشيه بخطه، بقوله: يُسأل من الشيخ عبد الرحيم عنه (^٧).
ولقبه معاصره ابن ناصر الدين الدمشقى بـ «شيخ العصر» (^٨)
_________________
(١) انباء الغمر لابن حجر ٢/ ٢٧٥، وعقد الجمان للعيني قسم ٢ من ج ٢٥ وفيات سنة ٨٠٦ هـ، ومقدمة عمدة القاري له ١/¬٤ ط الحلبي، والرد الوافر لابن ناصر الدين/ ١٧٩ ط المكتب الإسلامي، وبهجة الناظرين للغزي/ ص ١٢٩/ مخطوط، ومقدمتى شرحى المناوي لألفية العراقي في السيرة/ مخطوط
(٢) شرح شرح نخبة الفكر للملا على قاري/ ٣ والألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق/ للدكتور حسن الباشا/ ٣٦٤ - ٣٦٦ ط دار النهضة.
(٣) فهرس الفهارس ١/ ٦٨.
(٤) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٩ وحسن المحاضرة للسيوطي ١/ ٣٦٢.
(٥) غاية النهاية ١/ ٣٨٢.
(٦) الضوء اللامع ٤/ ١٧٧.
(٧) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٢٧.
(٨) الرد الوافر له/ ١٧٩.
[ ٢ / ٦١٨ ]
٢ - المسند (^١) - بكسر النون -
وهو من يروى الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به، مثل العراقي، أو ليس له إلا مجرد الرواية، وهذا أدنى درجة من المحدث: فمن اقتصر على المرويات، ومارس القراءة والسماع، ورحل في ذلك للقاء الأشياخ، وحصل من ذلك ما يطلق عليه اسم الاستكثار من ذلك عرفا، وأهمل مع ذلك معرفة الاصطلاح، بحيث لا يصلح أن يُدَرِّسَه، ويُفيده، فهذا يقال له، مسند وراو، وقد يطلق عليه اسم محدث، لكن بالنسبة لمن جمع الأمرين - يعنى الرواية ومعرفة الاصطلاح - إنما يقال له ذلك مجازا (^٢)؛ لأنه بناء على ما تقدم يكون أعلا مرتبة من المسند المجرد، وقد تقدم، وسيأتي ما يفيد أن العراقي حقق مطالب الرواية والإسناد، بجانب مطالب الدراية، وقد قال عنه صاحب فهرس الفهارس: إنه من مسندى الحجاز، ومصر، والشام (^٣).
٣ - المفيد (^٤)
قال السمعاني: هذه اللفظة لمن يفيد الناس الحديث عن المشايخ، قال: واشتهر به جماعة (^٥).
_________________
(١) عقد الجمان للعيني - قسم ٢ من جزء (٢٥) مخطوط، وفيات سنة ٨٠٦ هـ، معجم المؤلفين لعمر كحالة ٥/ ٢٠٤.
(٢) الجواهر والدرر ١/ ٧٦، وفتح المغيث ١/¬٩ كلاهما للسخاوى، وفتح المغيث للعراقي ١/¬٧ وتدريب الراوى ١/¬٢٩ - ٣٠.
(٣) فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ١٩٧.
(٤) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/¬٣٣.
(٥) الأنساب ١٢/ ٣٧٧ ونحوه ذكر ابن الأثير/ اللباب ٣/ ٢٤٤.
[ ٢ / ٦١٩ ]
ومن أقدم من لقب بذلك أبوبكر محمد بن أحمد بن يعقوب المتوفى سنة ٣٧٨ هـ، حيث قال: إن موسى بن هارون سماني «المفيد»، وموسى هذا من شيوخ أبي بكر المذكور، فهو متقدم في الزمن عن سنة ٣٠٠ هـ، ولذلك علق الذهبي على هذا بقوله: فهذه العبارة - يعني «المفيد» أول ما استعملت لقبا، في هذا الوقت، قبل الثلاثمائة (^١)، ثم بين مرتبة هذا اللقب، فقال: والحافظ أعلا من المفيد في العرف، كما أن الحجة فوق الثقة (^٢)، وسيأتي عن ابن ناصر الدين وابن فهد المكي وصف العراقي بأنه «حدث وأفاد»، وقال تلميذه ابن حجر: قدوتنا ومعلمنا ومفيدنا (^٣) وتقدم تصريح ابن كثير باستفادته منه تخريج حديث صعب على غيره من المحدثين بالشام تخريجه حينذاك (^٤).
٤ - المحدث ومؤكداته (^٥)
وتقدم أنه لقب أعلا من «المفيد»، وقد تعددت الأقوال في شروط المحدث لدى المتقدمين والمتأخرين حتى عصر العراقي وشيوخه (^٦).
كان المحققون منهم يراعون ذلك فيمن يصفونه بهذا اللقب (^٧)، وغالبها
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٧٩.
(٢) التذكرة ٣/ ٩٧٩.
(٣) الضوء اللامع ٤/ ١٧٥.
(٤) الضوء اللامع ٤/ ١٧٣ ومجموع ابن خطيب الناصرية/ مخطوط/ ترجمة العراقي، وذيل: التذكرة لابن فهد/ ٢٢٣ وفيها تحرفت «استفدنا» إلى «استبعد».
(٥) عقد الجمان/ قسم ٢ من جزء (٢٥) مخطوط، وفيات سنة ٨٠٦ هـ، ومعجم المؤلفين لعمر كحالة ٥/ ٢٠٤.
(٦) ينظر التدريب ١/¬٢٩ - ٤١ ط دار الكوثر بالرياض ونكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح والعراقي ١/ ٢٢٨ - ٢٣١ و٢٦٨ والبحر الذي زخر للسيوطي ١/ ٢٥١ - ٢٩٢ والجواهر والدرر ١/ ٦٨ - ٧٩.
(٧) ذيل ولى الدين ابن العراقي على العبر ٢/ ٣٥٤ وفيات سنة ٧٧٤ هـ ترجمة/ تقى الدين =
[ ٢ / ٦٢٠ ]
يدور على العدالة في الدين، وتحصيل علوم الرواية وفنون الدراية، كما قدمت تفصيلها في صدر هذا الكتاب، وخلال جوانب شخصية العراقي.
وأقرب ما يصور هذا قول معاصر العراقي: أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري المتوفى سنة ٧٣٤ هـ لما سئل عن ذلك فقال: المحدث في عصرنا، من اشتغل بالحديث رواية ودراية (^١) وجمع واطلع على كثير من الرواة والروايات، في عصره وتميز في ذلك حتى عُرف فيه خطه، واشتهر فيه ضبطه (^٢) ويقرب من هذا تعريف العراقي نفسه للمحدث، في شرحه الكبير لألفيته في المصطلح كما سيأتي، وقال ابن الجزرى تلميذ العراقي: المحدث من تحمل الحديث رواية واعتنى به دراية (^٣).
وقد لقب العراقي بالمحدث فقط كما قدمت، وقال شيخه عز الدين ابن جماعة - كما تقدم أيضًا - كل من يدعى الحديث في الديار المصرية سواه فهو مُدع أو مدفوع (^٤).
وأما شيخه تقى الدين ابن رافع السلامي (ت ٧٧٤ هـ) من أبرز حفاظ الشام (^٥) فإنه لما رأى العراقي بمكة سنة ٧٦٣ هـ قال: ما في القاهرة محدث إلا هذا والقاضي عز الدين بن جماعة، فلما بلغه وفاة القاضي عز الدين وهو
_________________
(١) = محمد بن رافع السلامي.
(٢) كذا في التدريب ١/¬٣٨ والبحر الذي زخر ١/ ٢٨١ - ٢٨٢، وفي أجوبة ابن سيد الناس ٢/ ١٦٥ (رواية وكتابة)، وكذا في الجواهر والدرر ١/ ٦٩.
(٣) البحر الذي زخر ١/ ٢٨١ - ٢٨٢ وأجوبة ابن سيد الناس ٢/ ١٦٥.
(٤) شرح شرح النخبة للقاري/ ٣.
(٥) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٧٧ والضوء اللامع ٤/ ١٧٣ والبدر الطالع للشوكاني ١/ ٣٥٤.
(٦) ذيل العبر لولي الدين ابن العراقي ٢/ ٣٥٢
[ ٢ / ٦٢١ ]
بدمشق قال: ما بقى الآن بالقاهرة محدث إلا الشيخ زين الدين العراقي (^١).
وقد توفى عز الدين جماعة سنة ٧٦٧ هـ وهو من أبزر شيوخ العراقي كما تقدم. وبذلك نرى أن شيخيه ابن جماعة وابن رافع قد قررا جدارته بالتفرد بهذا اللقب من بين أقرانه، سواء في عاصمة مصر، وهى القاهرة، أو في عامة الديار المصرية، وأن ذلك كان في وقت مبكر من حياته، وتقدم كذلك أنه تولى مشيخة الحديث بعدة مواضع، ودرسه بعدة مدارس، منها المدرسة الكاملية، وشرط مدرسها أن يكون أعلم أهل القاهرة بالحديث (^٢).
وكل من أحمد بن حجي (ت ٨١٦ هـ) وابن ناصر الدين (ت ٨٤٢ هـ) من أبرز حفاظ الشام، وقد وصفا العراقي بأنه شيخ المحدثين (^٣).
ووصفه كل من تلميذه ابن الجزري وأحمد بن حجي، وابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ) بأنه كان محدث الديار المصرية، وزاد ابن حجي: انتهت إليه بها معرفة علم الحديث (^٤).
وقال تلميذه ابن فهد: وقد انتهت إليه رئاسة الحديث، ودرس بعدة أماكن وأفتى، وحدث كثيرا بالحرمين، ومصر والشام، وأفاد (^٥)، وقال ابن ناصر
_________________
(١) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٢٧.
(٢) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر/ ص ١٧٨/ مخطوط.
(٣) ينظر الأعلام لابن قاضي شهبة ٤/ ٢١٩/ أ والرد الوافر لابن ناصر الدين/ ١٧٩ وبهجة الناظرين للغزي/ ص ١٣١/ مخطوط.
(٤) غاية النهاية لابن الجزري ١/ ٣٨٢ والأعلام لابن قاضي شهبة ٤/ ٢١٩/ ب مخطوط، وطبقات الشافعية له ٤/¬٣٣، ٣٧ وبهجة الناظرين للغزى/ ص ١٣١ (مخطوط).
(٥) ذيل تذكرة الحفاظ/ ٢٢٧.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
الدين: وحدث وأملى، وأفاد، وقال هو وابن فهد (ت ٨٧١ هـ) في وصف العراقي: وتكلم على العلل والإسناد، ومعاني المتون وفقهها فأجاد (^١) زاد ابن ناصر الدين: وخرج تخاريج رويت وانتشرت
٥ - الحافظ ومؤكداته (^٢):
وهذا أشهر ألقاب العراقي عموما، واتفق عليه كبار شيوخه كتقى الدين السبكي وصلاح الدين العلائي، وجمال الدين الاسنوى، وكبار تلاميذه كابن حجر العسقلاني وبدر الدين العيني، وبرهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي، فمن بعدهم (^٣).
_________________
(١) الرد الوافر لابن ناصر الدين/ ١٧٩ وذيل التذكرة لابن فهد/ ٢٣٤.
(٢) ينظر البحر الذي زخر للسيوطي ١/ ٢٨١ - ٢٨٣، والجواهر والدرر للسخاوي ١/ ٨١ والأجوبة لابن سيد الناس ١/ ١٦٥ والألقاب الإسلامية للدكتور حسن باشا/ ٢٥٢.
(٣) ينظر مجموع ابن خطيب الناصرية/ مخطوط/ في صدر ترجمة للعراقي، وخلالها، وعقد الجمان رقم ٢ من ج ٢٥ وفيات سنة ٨٠٦ هـ (مخطوط) وعمدة القاري في شرح صحيح البخاري ١/¬٤ كلاهما للعيني، والمجمع المؤسس/ ١٧٦ مخطوط، وذيل الدرر الكامنة/ ١٤٥ وإنباء الغمر ٢/ ٢٧٥/ ثلاثتها لابن حجر، وذيل التقييد للتقى الفاسي تلميذ العراقي ٢/ ١٠٦، ١٠٨ وذيل تذكرة الحفاظ لتلميذه بالمكاتبة تقى الدين محمد بن فهد/ ١٤١، ٢٢٠، ٢٢٣، ٢٢٥، ٢٢٧، وروى عنه بالمكاتبة من عواليه المسلسل بالحفاظ/ ٢٣٦ - ٢٣٩، وطبقات الشافعية للإسنوى ٢/ ٢٨٧ (ترجمة ابن سيد الناس)، وتذكرة الطالب المعلم بمن يقال إنه مخضرم لسبط ابن العجمي/ ٤٠ بتحقيق حسن مشهور. وغاية النهاية لابن الجزري ١/ ٣٨٢ والأعلام ٤/ ٢١٩/ أ، ب مخطوط وطبقات الشافعة - كلاهما لابن قاضي شهبة ٤/¬٣٣ - ٣٧، والضوء اللامع ٤/ ١٧٣، ١٧٥، ١٧٦ والجواهر والدرر ١/ ٨٥، ٩١، ٩٢، ٩٣، ٩٥ كلاهما للسخاوي، والمنهل الصافي لابن تغرى بردى ٢/ ٣١١ ب، ٣١٢/ ب، وذيل تذكرة الحفاظ/ ٣٧٠ وحسن المحاضرة ١/ ٣٦٠ كلاهما للسيوطى وبهجة الناظرين للغزى/ =
[ ٢ / ٦٢٣ ]
ولهذا لقبته به في عنوان هذا الكتاب كما ترى، ولم يقتصر الواصفون للعراقي على لفظة (الحافظ) فقط، ولكنهم أضافوا إليها بعض الألفاظ التي تؤكد: استحقاقه لهذا اللقب العلمي، وتفيد ارتفاع منزلته إلى درجة الريادة للموصوفين به من أقرانه ومعاصريه، سواء بمصر أو بغيرها من بلاد الإسلام حينذاك.
فلقب بالحافظ الكبير، الشهير، والحافظ المعتمد، والحافظ الجهبذ، والحافظ الكامل، وعُدة الحفاظ، وحافظ الديار المصرية، وحافظ مصر والشام، وحافظ الوقت، وحافظ العصر، حافظ الإسلام (^١) وقد تقدم تعريف ابن سيد الناس للمحدث وبيان شروطه في عصره الذي هو عصر العراقي وشيوخه، وبعد ذكره التعريف والشروط قال: فإن انبسط في ذلك وعرف أحوال من تقدم شيوخه من شيوخهم، وشيوخ شيوخهم طبقة طبقة، بحيث تكون السلامة من الوهم في المشهورين غالبة عليه، ويكون ما يعلمه من أحوال الراوة في كل طبقة أكثر مما يجهله، فهذا حافظ، ثم قال: وأما ما نقل عن المتقدمين في ذلك من سعة الحفظ: فيمن يسمى حافظا، والدؤوب في الطلب الذي لا يستحق الطالب أن يطلق عليه (محدث) إلا به، كما قال بعضهم: كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء، فذلك بحسب أزمنتهم (^٢).
_________________
(١) = ص ١٢٩ - ١٣١ والبدر الطالع للشوكاني ١/ ٣٥٤، وشذرات الذهب ٧/ ٥٥، ومقدمتى شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة/ مخطوطين ١/¬٣ أو ١/¬٢ ب، وفهرس الفهارس للكتاني ٢/ ١٩٧.
(٢) تنظر المصادر السابق الإحالة عليها.
(٣) تنظر أجوبة ابن سيد الناس ٢/ ١٦٥ - ١٦٦ والبحر الذي زخر ١/ ٢٨١ - ٢٨٣ والتدريب ١/¬٣٤، ٣٧ - ٣٨ كلاهما للسيوطي، والجواهر والدرر للسخاوى ١/ ٨١ والأجوبة المكية لأبي زرعة ابن العراقي/ ٧٠ بتحقيق محمد تامر وفهرس الفهارس للكتاني ١/ ٧٧.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
ومن هذا يعرف أن ما ذكره الملا على قاري، بأن الحافظ هو من أحاط علمه بمائة ألف حديث (^١) هو بحسب عرف المتقدمين وأزمنتهم
والحافظ تقى الدين السبكي ت (٧٥٦ هـ) من أبرز شيوخ العراقي وأقدم من لقبه بالحافظ كما تقدم، وقد سأل رفيقه جمال الدين المزي عن حد الحافظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ؟ قال يرجع إلى العرف، فقال له السبكي: وأين أهل العرف؟ قليل جدا قال: أقل ما يكون، أن يكون الرجال الذين يعرفهم، ويعرف تراجمهم وأحوالهم، وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب فقلت له هذا عزيز في هذا الزمان، فذكر له أنه يمكن تحققه في وقته في الحافظ شرف الدين الدمياطي (ت ٧٠٥ هـ) (^٢)
ومن هذا يفهم أن السبكي لما وصف العراقي بالحافظ كان وصفه عن معرفة الحد الاصطلاحي لذلك، ومباحثته فيه مع قرينه المزي المشهود له بالخبرة العالية في هذا الاختصاص، لكن لما كان ما قرره المزي وأقره السبكي بشأن هذا اللقب، فيه تشدد عما تقدم عن ابن سيد الناس، فإن الحافظ ابن حجر اتجه إلى شيخه العراقي في ذلك لمعرفة موقفه، فسأله عن الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان المتأخر عمن سبقاه، استحق أن يسمى حافظا، وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها الحافظان المزي وابن سيد الناس لنقص الزمان أم لا؟
_________________
(١) شرح شرح النخبة له/ ٣، والتدريب ١/¬٣٧.
(٢) ينظر تدريب الراوى ١/¬٣٧ والبحر الذي زخر ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠ والجو اهر والدرر ١/ ٨١ والأجوبة المكية لأبي زرعة ابن العراقي/ ٦٩
[ ٢ / ٦٢٥ ]
فأجابه بما خلاصته أن الوصف بذلك أمر اجتهادي في باب الجرح والتعديل فيختلف باعتبارات متعددة من حيث وقت حصول غلبة ظن الواصف أو عدم حصولها، أو كثرة مخالطته للموصوف أو قلتها، أو تشدده في تحقق الشروط أو تساهله، وأن كلام المزي السابق فيه تشدد، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي، وأن كلام أبى الفتح ابن سيد الناس أسهل، ثم ذكر أن الوصف بالحافظ يتنوع، فإن أريد الوصف به في نوع معين من أنواع علوم الحديث، فذلك سهل ممكن لمن جعل فنه ذلك النوع فقط دون غيره، أما إن أريد الاتصاف بالحفظ في كافة علوم الرواية والدراية فذلك صعب، لاحتياجه إلى فراغ، وطول عمر، وانتفاء الموانع، وعليه فيحمل كلام المتقدمين والمتشددين من المتأخرين على رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمان الموصوف غيره ممن يوصف بالحفظ أيضا، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه (^١).
ومن هذا يتضح أن العراقي لم يقتصر أمره على وصف غيره له باستحقاق هذا اللقب على المستوى العام في عصره، ولكنه كان يحتكم إليه في تحديد المواصفات الحديثية لمن يستحق هذا اللقب في عصره. كما يلاحظ أن جوابه السابق عن شروط هذا اللقب، فيه إشارة إلى ما يسمى في عصرنا هذا بالتخصص الدقيق داخل دائرة التخصص العام، وأن لقب «الحافظ» هذا يمكن اطلاقه باعتبار التخصص الدقيق فقط لمن برز فيه، وإن كان قاصرا عن ذلك في باقى فروع تخصص علوم السنة، وسيأتى ظهور أثر ذلك في تطبيق العراقي، وتطبيق أبرز تلاميذه عليه وعلى غيره.
_________________
(١) ينظر الجواهر والدرر ١/ ٨٢ - ٨٤ والبحر الذي زخر ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥ والأجوبة المكية لأبي زرعة ابن العراقي/ ٧٠ - ٧١.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
فمن ذلك قول تلميذه ابن حجر: الحافظ: من مهر في معرفة الحديث (^١) وقوله أيضا: للحافظ في عرف المحدثين شروط، إذا اجتمعت في الراوى سموه حافظا، وهو الشهرة بالطلب، والأخذ من أفواه الرجال، لا من الصحف، والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم، والمعرفة بالتجريح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم، حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره، مع استحضار الكثير من المتون، فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوى سموه حافظا (^٢)، وزاد في موضع آخر أنهم اصطلحوا على أن الحافظ: من يعرف العلل، والجرح، وطرق الحديث (^٣)، وقال أيضا: لا يكون حافظا ولا محدثا في الاصطلاح إلا من عرف الأمرين، ومارس الفنين - يعنى الرواية والدراية - فمن جمعهما فهو الكامل (^٤). وسيأتى تقريره تحقق ذلك في شيخه العراقي.
وذكر الحافظ أبو شامة المقدسي (ت ٦٦٥ هـ) إن علوم الحديث في عصره ثلاثة، أشرفها: حفظ متونها، ومعرفة غريبها، وفقهها، والثاني: حفظ أسانيدها، ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من سقيمها .. والثالث: جمعه وكتابته وسماعه، وتطريقه، وطلب العلو فيه، والرحلة إلى البلدان (^٥).
_________________
(١) نزهة الألباب في الألقاب ١/ ١٨٨.
(٢) ينظر النكت على ابن الصلاح له ١/ ٢٦٨.
(٣) الجواهر والدرر ١/ ٨٢.
(٤) الجواهر والدرر ١/ ٧٦ - ٧٧.
(٥) النكت على ابن الصلاح والعراقي لابن حجر ١/ ٢٣٠ والتدريب ١/¬٣٣، والبحر الذي زخر ١/ ٢٥٦.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
ومما عقب به الحافظ ابن حجر على ذلك أن كلا من هذه الثلاثة له أهميته. وأن من جمع الثلاثة كان حافظا وفقيها ومحدثا كاملا، ومن جمع الأول والثاني وقصر في الثالث ففيه قصور، ومن اقتصر على الثاني والثالث فهو محدث صرف، ولكن فيه نقص عمن جمع الثلاثة (^١).
وعلق السيوطي على هذا بأن في ثنايا كلام الحافظ ابن حجر ما يشعر باستواء المحدث والحافظ، وأن السلف كانوا يطلقونهما بمعنى، وذكر من كلام بعضهم ما يؤيده.
ثم قال: والحق أن الحافظ أخص (^٢) وتقدم من كلام ابن سيد الناس تقرير أن الحافظ أعلا من المحدث، وفي كلام الخطيب ما يؤيد هذا، ويفيد علو درجة الحافظ حيث ذكر أن الوصف بالحافظ عند الإطلاق، ينصرف إلى أهل الحديث خاصة، دون سواهم، ثم قرر أنه أعلا صفات، وأسمى درجات الناقلين، وأن من بلغ تلك الدرجة قبلت أقاويله، وسلم له تصحيح الحديث وتعليله، ثم قال: غير أن المستحقين لها يقلون، بل يتعذر وجودهم (^٣).
وقد أشار السخاوي إلى اعتناء شيخه ابن حجر بانطباق شروط المتأخرين في حد الحافظ على من يلقبه بذلك، فقال: إنه لم يكن بالمتساهل في الوصف بلفظة (الحافظ) هذه (^٤).
_________________
(١) ينظر التدريب ١/¬٣٣ - ٣٤ والبحر الذي زخر ١/ ٢٥٣ - ٢٥٧ والنكت على ابن الصلاح والعراقي ١/ ٢٢٨ - ٢٣١.
(٢) التدريب ١/¬٣٤.
(٣) الجواهر والدرر ١/ ٨٥.
(٤) الجواهر والدرر ١/ ٩٠ - ٩١.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وقد جاء عنه مباحثة تطبيقية في هذا مع شيخه العراقي، وقرر هو فيها انطباق الشروط كاملة على شيخه العراقي، فقد سأل ابن حجر شيخه العراقي عن أربعة من المحدثين تعاصروا أيهم أحفظ وأدرى بفن الحديث خاصة، ومن منهم أولى أن يُسمى حافظا لاجتماع ما شرطه الأئمة المتأخرون في حد الحافظ، لا المتقدمون؟ وهم ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ومغلطاي (ت ٧٦٢ هـ)، وابن رافع (ت ٧٧٤ هـ) والحسيني (ت ٧٦٥ هـ) فأجاب بأن أحفظهم للمتون، ابن كثير، وأعلمهم بالأنساب، مغلطاي على أغاليط تقع له في ذلك، وأكثرهم طلبا وتحصيلا للشيوخ، والمؤتلف والمختلف، ابن رافع، … وأما الحسيني فمتأخر عن طبقتهم، ثم قال: وقد أطلق على كل من المذكورين وصف الحفظ باعتبار غلبة فن من فنون الحديث عليه (^١).
وعقب ابن حجر على جواب شيخه هذا بقوله: إن الإنصاف أن ابن رافع أقرب إلى وصف الحفظ على طريقة أهل الحديث من ابن كثير، لعنايته بالعوالي والأجزاء والمسموعات، دون ابن كثير، وابن كثير أقرب إلى الوصف بالحفظ على طريقة الفقهاء، لمعرفته بالمتون الفقهية والتفسيرية، دون ابن رافع فيُجمع منهما حافظ كامل، ثم قال: وقل من جمعهما - يعني حفظ الحديث والفقه - بعد أهل العصر الأول كابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والبيهقي وفي المتأخرين شيخنا العراقي (^٢) وفي هذا كما ترى شهادة خبير وملازم باستحقاق العراقي درجة الحافظ الكامل بجمعه شروط حفظ الحديث والفقه.
_________________
(١) الجواهر والدرر ١/ ٩١
(٢) ينظر الجواهر والدرر ١/ ٩٠.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
باصطلاح عصره، وارتفاع منزلته في ذلك إلى مصاف عدد ممن اجتمع فيه ذلك من المتقدمين.
وقد قال السخاوي تلميذ ابن حجر: والله ما رأيت أحفظ منه، هو ما رأى أحفظ من شيخه العراقي (^١)، وسيأتي عنه أيضا إضافات أخرى.
أما الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ) معاصر العراقي فقد ذكر أن الحافظ في المتأخرين: هو المكثر من الحديث حفظا ورواية، المتقن لأنواعه، ومعرفة رواته دراية، المدرك للعلل، السالم في الغالب من الخلل (^٢).
ثم جاء عنه وصف العراقي بالحافظ، وبعدة ألقاب أخرى مؤكدة، ففى كتابه الذي نظم فيه وفيات الحفاظ وأعيان العلماء، ذكر العراقي بقوله: - لابن العراقي الحافظ البهاء وعوده ضمانها الوفاء (^٣).
ولما ترجم له في كتاب «الرد الوافر» قال: - الشخ الإمام العلامة الأوحد، شيخ العصر، حافظ الوقت، شيخ المحدثين علَمُ الناقدين، عمدة المخرجين، حدث وأملى، وأفاد، وتكلم على العلل والإسناد، ومعاني المتون وفقهها فأجاد (^٤).
وتلميذ العراقي: على بن محمد المعروف بابن خطيب الناصرية (ت ٨٤٣ هـ) قال: ووصفه أئمة عصره المشايخ بالحفظ والإتقان، والمعرفة والتحقيق
_________________
(١) ينظر الجواهر والدرر ١/ ٩٥.
(٢) الجواهر والدرر ١/ ٨٢.
(٣) ينظر الجواهر والدرر ١/ ٨٨ وبديعة البيان عن موت الأعيان/ ٢٤٦/ ط دار ابن الأثير بالكويت سنة ١٤١٨ هـ.
(٤) الرد الوافر/ ١٧٩.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
والعرفان، كالعلامة تقى الدين السبكي والحافظ العلائي وقاضي القضاة عز الدين بن جماعة والشيخ جمال الدين الإسنوى، وغيرهم، وأخذ عنه العلم والحديث الأئمة (^١).
ونحو هذا ذكر تلميذاه تقى الدين الفاسي وابن حجر (^٢) وابن قاضي شهبة (^٣) وزاد فيمن أثنى عليه الحافظ ابن كثير، وكذلك السيوطي (^٤).
وابن تغرى بردى، وقال: أخذ عنه الأئمة والحفاظ (^٥)، والمناوي (^٦) ويلاحظ اتفاق هؤلاء جميعا على أن العراقي قد لقب بلقب الحافظ هذا ومؤكداته من أبرز شيوخه بمصر والشام، الذين عايشوه، وخبروه علميا، كما قدمت في جوانب شخصيته.
أما تلميذه البرهان الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي (ت ٨٤١ هـ) فقال: حفاظ مصر أربعة أشخاص، وهم من مشايخي: البلقيني وهو أحفظهم لأحاديث الأحكام، والعراقي وهو أعلمهم بالصنعة، والهيثمي وهو أحفظهم للأحاديث من حيث هي، وابن الملقن، وهو أكثرهم فوائد في الكتابة على الحديث (^٧).
_________________
(١) مجموع ابن خطيب الناصرية/ ترجمة العراقي (مخطوط).
(٢) ذيل التقييد ٢/ ١٠٨ وذيل الدرر الكامنة/ ١٤٤، ١٤٥ والمجمع المؤسس ص ١٧٧ (مخطوط) والضوء اللامع ٤/ ١٧٣.
(٣) الأعلام له ٤/ ٢١٩/ ب مخطوط وطبقات الشافعية له ٤/¬٣٧ - ٣٨.
(٤) ذيل تذكرة الحفاظ/ ٣٧٠ وحسن المحاضرة ١/ ٣٦٠.
(٥) المنهل الصافي له ٢/ ٣١٢/ ب مخطوط.
(٦) مقدمتى شرحى المناوي لألفية العراقي في السيرة (مخطوطين).
(٧) الجواهر والدرر ١/ ٩٢.
[ ٢ / ٦٣١ ]
وقال عن شيخه العراقي: إنه غلب عليه فن الحديث فاشتهر به، وانفرد بالمعرفة فيه، مع العلو - يعنى في الإسناد - وقال أيضا: شيخنا الحافظ الجهبذ (^١). وقال أيضا: لم أر أعلم بصناعة الحديث منه، وبه تخرجت (^٢). وقال تلميذه ابن الجزري ت (٨٣٣ هـ) في مقدمة أربعينه العشارية: إنه من كبار الحفاظ (^٣) وفي كتاب آخر له في علوم الحديث قال عنه: آخر حفاظ الحديث وتمليه، وجامع أنواعه والمؤلف فيه، وبه خُتم أئمة هذا العلم.
ثم قال: وقد قلت لما بلغني وفاته وأنا بسمرقند:
رحمة الله للعراقي تترى … حافظ الأرض حبرها باتفاق
إني مُقْسِم أَلِية صدق … لم يكن في البلاد مثل العراقي
وقال في تعزيته لولي الدين ابن العراقي في وفاة والده: إذا فقد الناس العراقي حفاظا إمام هُدًى حَبْرا فأنت لهم وَلِيّ (^٤) وفي ترجمته له في طبقات القراء قال:
وبرع في الحديث متنا وإسنادا … وكتب، وألف، وجمع، وخرج، وانفرد في وقته (^٥).
ووصفه أيضا تلميذه صلاح الدين الأقفهسي بأنه برع في الحديث متنا وإسنادا، وشارك في الفضائل، وصار المشار إليه بالديار المصرية وغيرها
_________________
(١) تذكرة الطالب المعلم/ ص ٤٠. ط دار الأثر.
(٢) الضوء اللامع ٤/ ١٧٥.
(٣) ينظر الأربعين العشارية لابن الجزري/ ص ٣ مخطوط، والضوء اللامع ٤/ ١٧٦.
(٤) الضوء اللامع ٤/ ١٧٦.
(٥) غاية النهاية لابن الجزري ١/ ٣٨٢.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
بالحفظ والإتقان والمعرفة، مع الدين والورع (^١).
وكذلك تلميذه ابن حجر: قال: حافظ العصر … وصار المنظور إليه في هذا الفن، من زمن الشيخ جمال الدين الإسناوي (ت ٧٧٢ هـ) وهلم جرا، ولم نر في هذا الفن أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره، … ثم قال: وصار الهيثمي لشدة ممارسته أكثر استحضارًا للمتون من شيخه - يعنى العراقي - حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك، لأن الحفظ المعرفة (^٢).
وقال في صدر أسئلة كتب بها إليه: سألت سيدنا وقدوتنا، ومعلمنا ومفيدنا ومخرجنا، شيخ الإسلام، أوحد الأعلام، حسنة الأيام، حافظ الوقت (^٣).
وقد سطر ابن حجر أيضا نحو هذا ضمن رثائه له نظما فقال:
فيا أهل الشام ومصر فابكوا … على عبد الرحيم بن العراقي
على الحبر الذي شهدت قروم … له بالانفراد على اتفاق
على حاوي علوم الشرع جمعا … بحفظ لا يخاف من الإباق
دعاه بحافظ العصر الـ … إمام الكبير الإسنوى لدى الطباق (^٤)
وعلى قدره السبكي وابن الـ … علائى، والأئمة باتفاق (^٥)
_________________
(١) الضوء اللامع ٤/ ١٧٦.
(٢) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٦، وذيل الدرر الكامنة/ ١٤٤، وبهجة الناظرين للغزي/ ص ١٣١ (مخطوط).
(٣) الضوء اللامع ٤/ ١٧٥.
(٤) أى في كتابه طبقات الفقهاء/ ضمن ترجمة ابن سيد الناس اليعمرى ٢/ ٢٨٧ ط دار الكتب العلمية.
(٥) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٨ و٢٧٩ وحسن المحاضرة للسيوطى ١/ ٣٦٠ و٣٦٢.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وقال تلميذه بالمكاتبة: محمد بن فهد المكي (ت ٧٨١ هـ): الإمام الأوحد العلامة الحجة، الحبر الناقد، عمدة الأنام، حافظ الإسلام، فريد دهره، ووحيد عصره، من فاق بالحفظ والإتقان في زمانه، وشهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه، وقال أيضا: وكان إمامًا مُفَنَّنا حافظا ناقدا متقنا وصار المشار إليه في الديار المصرية بالحفظ والاتقان والمعرفة.
وقال أيضا: إنّه غلب عليه هذا الفن، وصار مشهورا به، فتقدم فيه وانتهت إليه رياسته في البلاد الإسلامية، مع المعرفة والإتقان والحفظ بلا ريب ولا مرية، بحيث إنه لم يكن له نظير في عصره، شهد له بالتفرد فيه عدة من حفاظ عصره، منهم السبكي، والعلائي، والعز بن جماعة وابن كثير والاسنائي، فكانوا يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة (^١) وقال أيضا: وأفتى وحدث كثيرا بالحرمين، ومصر والشام … وقصد من مشارق الأرض ومغاربها (^٢).
أقول: وكان هذا مما رشحه لتقرير غير واحد من العلماء بأنه يعتبر أحد من جدد للأمة الإسلامية أمر دينها على رأس القرن الثامن، كما سيأتي. وكذلك بقية الأقوال الآتية:
فقد قال تلميذه بدر الدين العيني: الشيخ الإمام العلامة مفتى الأنام، شيخ الإسلام، حافظ مصر والشام (^٣) وقال: المحدث المسند حافظ العصر (^٤).
_________________
(١) ينظر ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٢٠، ٢٢٦، ٢٢٧.
(٢) المصدر السابق/ ٢٣٤.
(٣) مقدمة عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ١/¬٤.
(٤) عقد الجمان قسم ٢/ ج ٢٥ وفيات سنة ٨٠٦ هـ (مخطوط مصور).
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وقال تلميذه عبد الرحيم بن عبد الكريم الشيرازي (ت ٨٢٨ هـ) (^١) عند ملازمته له بالمدينة النبوية المشرفة: لقيت فيها أوحد دهره علما وفضلا وأكمل عصره علما وعقلا، شيخ الإسلام على التمام، وخطيب منبر سيد الأنام، وإمام محرابه ﵊، رأسا للملة والشريعة والتقوى والدين (^٢).
وقال الحافظ محمد بن أحمد الغزى (ت ٨٦٤ هـ) الشيخ الإمام العلامة حافظ الإسلام، بقية الأعلام، … ثم قال: وشهرته تغنى عن الإطناب في أمره، وتصانيفه ناطقة بفضله، وهو شيخ الجماعة والأئمة الذين كانوا في عصره، ولعل غالبهم تلامذته في هذا الفن (^٣).
وقال الحافظ السخاوى (ت ٩٠٢ هـ) كان إماما علامة، مقرئا فقيها شافعي المذهب، أصوليا منقطع القرين في فنون الحديث، وصناعته وشهد له بالتفرد فيه أئمة عصره، وعولوا عليه فيه، ودرس وأفتى، وحدث وأملى، وولى قضاء المدينة … وانتفع به الأجلاء … وهو في مجموعة كلمة إجماع (^٤)، ولقيه أيضا بحافظ الوقت، وشيخ الإسلام، وتلقى من طريقه الحديث المسلسل بالحفاظ (^٥).
والسخاوى كما هو معروف من أهل الاصطلاح وممن عنى بمراعاة ذلك في
_________________
(١) ينظر الضوء اللامع ٤/ ١٨٠ - ١٨٢.
(٢) مقدمة الأربعين العشارية للعراقي/ بتحقيق الشيخ بدر البدر/ ١٢٠.
(٣) بهجة الناظرين في تراجم الشافعية المتأخرين له/ ١٣١ (مخطوط).
(٤) فتح المغيث ١/¬٣ - ٤ ط دار الإمام الطبري.
(٥) الجواهر والدرر ١/ ٩٣، ٢٥٩، ٢٦٨.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
إطلاق الألقاب الحديثية وعدم التساهل في إطلاقها لا سيما في رأس المائة الثامنة - التي هي عصر العراقي - ثم ما بعده (^١).
والحافظ السيوطي - تقدم عنه ما يفيد عنايته أيضا بتمييز لقب الحافظ عن المحدث والمسند (^٢).
وقد طبق هذا عمليا في كتابه حسن المحاضرة، فخصص فصلا بعنوان: "ذكر من كان بمصر، من حفاظ الحديث " وترجم للعراقي فيهم ترجمة حافلة، وفي مطلعها قال: الحافظ الكبير، حافظ العصر (^٣).
ثم ذكر بعد هذا فصلا بعنوان: من كان بمصر من المحدثين الذين لم يبلغوا درجة الحفظ (^٤)
وأيضا لما عمل ذيلا على تذكرة الحفاظ للذهبي، ترجم للعراقي فيه، وصدر ترجمته كذلك بقوله: الحافظ الإمام الكبير الشهير (^٥) وشرط الذهبي في التذكرة التي ذيل عليها السيوطى وغيره هو: ذكر معدلي حملة العلم النبوى ومن يرجع إلى اجتهادهم، في التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف (^٦).
وسيأتي تلقيب السيوطى للعراقي بأنه مجدد القرن الثامن الهجرى
أما الحافظ عبد الرءوف المناوي (ت ١٠٣١ هـ) والذي يعتبر العراقي جده
_________________
(١) ينظر الجواهر والدرر له ١/ ٦٥ - ٩٧
(٢) ينظر التدريب له ١/¬٢٩ - ٤٣/ ط دار الكوثر بالرياض.
(٣) حسن المحاضرة للسيوطى ١/ ٣٤٥ و٣٦٠ - ٣٦٦.
(٤) حسن المحاضرة ١/ ٣٦٧ وما بعدها.
(٥) ذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي/ ٣٧٠.
(٦) تذكرة الحفاظ للذهبي ١/¬١.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
الأعلا من جهة الأم، فإنه قال عنه: هو جدي الشيخ الإمام الحبر الهمام جمال الحافظ الفخام (^١).
وقال أيضا: جدنا الأعلا، حافظ مصر والشام (^٢).
وقال أيضا: وصار المنظور إليه في فن الحديث من بين أهل عصره، وانتفع به الأصاغر والأكابر (^٣).
ويلاحظ من شهادات هؤلاء تلقيب العراقي أيضا بألقاب علمية أخرى زائدة على ما تقدم، وتفيد تكامل جوانب شخصيته العلمية مع ريادته في تخصصه بعلوم الحديث لمدرسة الحديث في أبرز أقطار العالم الإسلامي في عصره. وتلك الألقاب هي:
٦ - الناقد، وتأكيده: عَلَمُ الناقدين
وهذا مأخوذ من (النقد) وهو في اللغة له إطلاقات، والمناسب منها لما هنا: اختبار الشيء أو الكلام، وتمييز الجيد من ذلك من الردئ والزيف والصحيح من الفاسد (^٤).
والمراد به في وصف العراقي ما ذكره السمعانى بقوله: هذه اللفظة لجماعة
_________________
(١) مقدمة الفتوحات السيمانية في شرح ألفية العراقي في السيرة النبوية ٣/ أ (مخطوط المكتبة الأزهرية).
(٢) ينظر مقدمة شرحه لألفية السيرة/ نسخة خطية بمكتبة الأوقاف ببغداد كما في فهرس المكتبة المذكورة لمحد أسعد طلس/ ٥٢.
(٣) مقدمة شرحه لألفية السيرة للعراقي ١/ ب (مخطوط).
(٤) ينظر أساس البلاغة للزمخشرى/ مادة (نقد) / ٦٥٠ وتاج العروس للزبيدي ٢/ ٥١٦ والمعجم الوسيط ٢/ ٩٤٢
[ ٢ / ٦٣٧ ]
من نقاد الحديث وحفاظه، لقبوا به، لنقدهم ومعرفتهم (^١).
والمراد بالنقد بيان صحيح الحديث من سقيمه، وتمييز مراتب الرواة، جرحا أو تعديلا، وغير ذلك من دقائق علوم السنة، وجهود العراقي في ذلك مشهودة، كما تقدم في وظائفه العلمية، وما سيأتي من مصنفاته الحديثية.
٧ - المتقن:
من الإتقان، وهو في الاصطلاح بمعنى زيادة الضبط، أو بمعنى الحفظ، أو زيادة الحفظ عن مجرد سرد المحفوظ في الذهن، دون فهم ولا تمحيص (^٢).
وتقدم قول العراقي نفسه: كم من حافظ غيره أحفظ منه، كما تقدم في شهادات العلماء بحفظ وفهم العراقي ما يؤيد استحقاقه لهذا اللقب بمعناه الاصطلاحي هذا (^٣).
٨ - الحجة:
وهو في اصطلاح المحدثين من أعلا مراتب التوثيق، حيث يعتبر أرفع من لفظ (ثقة) (^٤). وتقدم تقرير الذهبي لذلك (^٥).
وقد كان هذا اللقب في عصر المماليك - الذي عاش فيه العراقي من ألقاب أكابر العلماء والقضاة (^٦).
_________________
(١) الأنساب للسمعاني ١٣/¬١٦.
(٢) فتح المغيث للسخاوي ١/ ١١٢ والتدريب ١/¬٣٩.
(٣) وانظر الجواهر والدرر ١/ ٨٥، ٨٩.
(٤) وينظر تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٧٩ وفتح المغيث للسخاوي ٢/ ١١١ - ١١٣.
(٥) تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٧٩.
(٦) الألقاب الإسلامية للدكتور حسن الباشا/ ٢٥٦.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
٩ - الإمام:
وممن لقب العراقي به غير من تقدم شيخه ابن رافع (^١)، ويطلق هذا اللقب على من يؤم الناس في الصلاة، وعلى من يعتبر قدوة صالحة، ومثلا يُحتذى ويقتدى به الناس في أمور الدين، أو في علم العلوم الشرعية، كما يطلق على كبار رجال العلم الشرعي، وعلى الحكام وولاة أمر المسلمين (^٢).
١٠ - العلامة:
وَصْفٌ من العلم للمبالغة، وزيدت فيه التاء لتأكيد المبالغة (^٣) هو من ألقاب العلماء والمراد به العالم للغاية ومن هو من أعلام العلم والدين الشاهقة الخافقة (^٤)، وذكر ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩ هـ): أنه لقب يختص بالمفتى (^٥) ولعل ذلك باعتبار عصره، وسيأتى تلقيب العراقي بالمفتى أيضا، وتقدم في هذا المبحث جوابه عن بعض ما استفتى فيه، وسيأتى في نتاجه العلمى بعض فتاواه الجامعة بين الفقه والحديث.
١١ - الحبر:
وهو العالم، وجمعه «أحبار»، وشموا بذلك لما يبقى من أثر علومهم في
_________________
(١) ينظر الوفيات له ٢/ ٣٧٧ ضمن ترجمة نقيب المتعممين، أبو بكر بن عبد الكريم الدنيسرى المارديني الدمشقي (ت ٧٧٢ هـ).
(٢) ينظر شرح شرح نخبة الفكر لعلى قاري/ ٣ والألقاب الإسلامية/ ١٦٦ - ١٧٦ والمعجم الوسيط ١/¬٢٧ «أم» والأجوبة المكية/ ٧٣.
(٣) القاموس المحيط ٢/ ٦٢٤ مادة (علم).
(٤) أساس البلاغة/ ٤٣٤ «علم».
(٥) الألقاب الإسلامية/ ٤٠٥ - ٤٠٦.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
قلوب الناس، ومن أثر أفعالهم الحسنة المقتدى بها (^١).
وقال ابن الأثير: كان يقال لابن عباس: الحبر والبحر، لعلمه وسعته (^٢).
١٢ - المفنن:
وقد لقب بهذا تلميذه ابن فهد المكي، وأوضح مراده بذلك فقال: وكان لديه فنون من العلم، منها: القراآت والفقه، وأصوله، والنحو واللغة والغريب (^٣) وليس في ذلك منافاة لما تقرر من اختصاصه بعلوم الحديث وانفراده بالريادة في ذلك في عصره كما تقدم، لأن إلمامه بتلك الفنون من متممات شخصيته الحديثية، ولا يستغني عنها عالم الحديث مهما كان مبلغ علمه فيه، وسيأتي في نتاجه العلمي ما يؤيد ذلك.
ويؤيد هذا أن تلميذه ابن فهد نفسه الذي وصفه بهذا اللقب، وبما يطابقه من الفنون المتعددة، قد وصفه أيضا بأعلا الألقاب الحديثية والتخصص في فنونه، والتفرد فيها كما تقدم.
وجاء أيضا عن تلميذه سبط ابن العجمي وغيره، ما يؤيده، وعبارة السبط في هذا قال: وكان عالما بالنحو واللغة والغريب والقراآت والحديث والفقه وأصوله، غير أنه غلب عليه فن الحديث، فاشتهر به، وانفرد بالمعرفة فيه، مع العلو (^٤).
_________________
(١) المفردات للراغب/ ١٠٦ (حبر).
(٢) النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٢٨.
(٣) ذيل تذكرة الحفاظ/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٤) ينظر الضوء اللامع ٤/ ١٧٥ وذيل التقييد ٢/ ١٠٨ والبدر والطالع للشوكاني ١/ ٣٥٥.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
١٣، ١٤، ١٥ - المفتى، الفقيه، الأصولي.
فالمفتي: مأخوذ من الفتيا، أو الفتوى وهى الجواب عما يشكل من المسائل والأحكام (^١).
وهو في الاصطلاح: المتمكن من معرفة الوقائع شرعا بالدليل، مع استيعابه لأكثر الفقه (^٢).
والفقيه: على ما يؤخذ من تعريف الفقه - هو العالم بالأحكام الشرعية المستفادة من أدلتها التفصيلية مع الاجتهاد في الاستنباط (^٢) ومن تأهل للقضاء كان أهلا للفتوى (^٣).
والفرق بينهما: أن حكم القضاء ملزم، بخلاف الفتوى (^٤).
ومن شروط كل من المفتى والقاضي أن يكون مسلما عدلا، مكلفا، فقيها مجتهدا، ولو في بعض مذهب إمامه كالشافعي وأبي حنيفة، وذلك باعتبار ما بعد عصر أولئك الأئمة وحتى عصر العراقي فما بعده، ويشترط أيضا أن يكون كل من المفتى والقاضي صحيح الذهن والتصرف في الفقه وما يتعلق به عارفا بأصول الفقه (^٥).
_________________
(١) المعجم الوسيط ٢/ ٦٧٣، ٦٧٤ (ب) ينظر صفة الفتوى والمفتى والمستفتى لابن حمدان الحنبلي/ ٤، ١٧.
(٢) التعريفات للجرحاني/ ٩٠ فقه، ط تونس والبحر المحيط للزركشي ١/¬٢١ والأجوبة المكية لابن العراقي ٧١ - ٧٣.
(٣) صفة المفتى والمستفتى/ ٤.
(٤) أدب الفتوى لابن الصلاح/ ٥٦ بتحقيق الأخ الدكتور رفعت فوزى.
(٥) صفة الفتوى والمفتى/ ١٣ - ١٨.
[ ٢ / ٦٤١ ]
قال الصيرفي: موضوع هذا الاسم لمن قام للناس بأمر دينهم، وعلم جمل عموم القرآن وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك في السنن والاستنباط (^١) وقد ترجم للعراقي في فقهاء الشافعية (^٢).
والأصولي: نسبة إلى علم أصول الفقه، وهو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى الفقه (^٣) وقد سبق أن معرفته تعتبر من شروط كل من المفتي والقاضي.
١٦ - شيخ الإسلام:
قال السخاوي: هو يطلق على ما استقرئ من صنيع المعتبرين - على المتبع لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله، مع المعرفة بقواعد العلم والتبحر في الاطلاع على أقوال العلماء، والتمكن من تخريج الحوادث على النصوص، ومعرفة المنقول والمعقول على الوجه المرضى (^٤).
ثم ذكر أن الوصف به تزايد في عصر العراقي، ولكنه كان مقصورًا على قرين العراقي سراج الدين البلقيني حتى توفى سنة ٨٠٥ هـ (^٥) في حين تقدم وصف العراقي به من كل من بدر الدين العيني وابن حجر العسقلاني وكلاهما قد تتلمذ لكل من العراقي والبلقيني في فترة زمنية واحدة مع تأخر وفاة العراقي عن البلقيني بنحو سنة تقريبا.
_________________
(١) البحر المحيط للزركشي ٦/ ٣٠٥.
(٢) ينظر طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/¬٣٣، وحسن المحاضرة للسيوطى ١/ ٤٣٨ وبهجة الناظرين للغزي/ ١٢٩ - ١٣٢.
(٣) التعريفات للجرجاني/ ١٦ (الهمزة) ط تونس.
(٤) الجواهر والدرر ١/ ٦٥.
(٥) الجواهر والدرر ١/ ٦٧.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وفي ذلك يقول ابن حجر العسقلاني:
لا ينقضى عجبي من وفق عمرهما العام كالعام حتى الشهر كالشهر (^١) وبذلك لا يتصور أنهما لم يطلقا عليه هذا اللقب إلا خلال السنة الأخيرة من عمره فقط بعد وفاة البلقيني.
وجاء في جزء في التراجم وقفت عليه مخطوطا (^٢): أنه في عصر العراقي وما بعده كان من عاداتهم أن من ولى منصب «قاضي القضاة» يطلقون عليه (شيخ الإسلام) (^٣).
ومعلوم أن العراقي، وما ذكره السخاوى لهذا اللقب من شروط قد توافر في العراقي، فاستحقاقه له ثابت. سواء باعتبار توافر الشروط السابقة أو باعتبار توليه المنصب المذكور.
١٧ - مجدد القرن الثامن الهجري في علوم السنة
والأصل في هذا الوصف ومبعث الاعتناء به، هو حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن الله ﷿ يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها (^٤)
_________________
(١) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٨.
(٢) برقم (١٠٩٧) تارخ تمور.
(٣) ينظر الجزء المذكور ص ١٨.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم - باب ما يذكر في قرن المائة/ حديث (٤٢٩١) والحاكم في المستدرك ٤/ ٥٢٢ والبيهقي في المعرفة - باب مولد الشافعي من المقدمة ١/ ٢٠٨ حديث (٤٢٢) ثلاثتهم من طريق عبد الله بن وهب حدثني سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل بن يزيد المعافري عن أبي علقمة عن أبي هريرة - فيما أعلم - عن النبي ﷺ، به. وقال أبو داود =
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وقد اعتمد العلماء هذا الحديث، وعنوا ببيان معناه، ودلالاته، وأسهم العراقي نفسه في ذلك كما سيأتى بعد قليل وفي ترجمته لشيخه عبد الرحيم الإسنوى.
وخلاصة أقوال العلماء كالتالي:
أن المراد بقوله: يبعث أي يوجهه ويهيء لمن يبعثه ملكة يستطيع بها دفع الباطل ونصرة الحق (^١).
و«الأمة»: هم جماعة المسلمين في أقطار الأرض، و«رأس المائة» آخرها وابتداء ما بعدها، بحيث ينقضى أواخر القرن ويبدأ ما بعده، والمحدد حي بين الناس، عالم معروف بينهم قائم بالحجة، وتخصيص رأس القرن بذلك.
_________________
(١) = عقب تلك الرواية: رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، لم يجز به شراحيل. يعنى أعضله. وعقب السخاوى على ذلك بقوله: وسعيد - يعنى ابن أبي أيوب، راوى الوجه الموصول - أولى بالقبول، الأمرين: أحدهما: أنه لم يختلف في توثيقه، بخلاف عبد الرحمن فقد قال فيه ابن سعد: إنه منكر الحديث. والثاني: أن معه زيادة علم على من قطعه. ثم قال: وقوله: فيما أعلم، ليس بشك في وصله، بل قد جعل وصله معلوما له، وقال السخاوي: وسنده صحيح ورجاله كلهم ثقات/ المقاصد الحسنة/ حديث ٢٣٨ حرف الهمزة. ونقل السيوطى والمناوي وغيرهما عن الحاكم أنه صححه/ الجامع الصغير مع فيض القدير ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢ ولكن لم أجد ذلك في طبعة المستدرك الحالية، وذكر ابن حجر: أن سند المرفوع قوى، ورجاله ثقات/ توالى التأسيس له/ ٤٨ - ٤٩. وذكر المناوي في الفيض ٢/ ٢٨٢ عن العراقي قوله: سنده صحيح، وصححه كذلك الشيخ الألباني ﵀/ الصحيحة (٥٩٩).
(٢) ينظر وسيلة المجدين في شرح حديث التجديد وتراجم المجددين لمحمد بن محمد بن حجازي المالكي/ ٣/ أ (مخطوط).
[ ٢ / ٦٤٤ ]
لكونه مظنة انخرام علمائه غالبا، وظهور البدع والدجالين (^١).
فيظهر المجدد حينئذ، ويكون معروفا بين الناس في بلده وغيرها، مشهورا مشهودا له بالتفرد في مجاله الشرعى من فقه أو عقيدة أو تفسير، أو حديث أو دعوة أو ولاية لأمر المسلمين، أو غير ذلك مع قيامه الظاهر للكافة، بتقوية أمور الدين وتعليمها، وإحياء السنن وإماتة البدع والانحرافات، ونشر العلم الشرعي، وظهور آثار المجدد في ذلك علما وعملا، ونفى الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ، ونصرة دينه، وصيانة أمته ﷺ.
و«مَنْ» في قوله «مَنْ يُجدد» تصدق على الواحد وعلى الجمع وبالتالي، لا مانع أن يتعدد المجددون في رأس كل قرن، ويقوم كل منهم بما تأهل له من جوانب التجديد السابق الإشارة إلى أنواعها وبذلك يجمع بين أقوال وآراء من حددوا في رأس كل قرن مجدًدا من أهل اختصاصهم، كما أن كل قوم ينتفعون بما لا ينتفع به غيرهم (^٢).
وقد قرر العراقي وغيره أن تحديد شخص المجدد على رأس كل قرن، يكون بغلبة الظن من معاصريه من العلماء، بناء على ما يتبين لهم من قرائن أحواله وأعماله، كالتفرد في فنه الذي اختص به، ومعرفة كفاءته فيه، وظهور عموم نفعه بشخصه، وبتلامذته، ومصنفاته، وباعتبار أن العلماء هم ورثة الأنبياء وحملة رسالتهم إلى العالمين، وتأسيا بمن حد بعض أشخاص المجددين، كما
_________________
(١) فيض القدير للمناوي شرح الجامع الصغير للسيوطى ١/¬١٢ - ١٣.
(٢) ينظر التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة للسيوطى بتحقيق عبد الحميد شانوحة/ ١٩ - ٣٧، ٤٦ - ٥٢، ٧٤ - ٧٥، وفي هذه الطبعة أخطاء وأسقاط متعددة، وفيض القدير ١/¬١٠ - ١٣، ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢، وجامع الأصول لابن الأثير ١١/ ٣٢٠ - ٣٢٢ والمقاصد الحسنة حديث (٢٣٨).
[ ٢ / ٦٤٥ ]
جاء عن الإمام أحمد وغيره من السلف (^١)
وعلى ضوء ذلك قال الإمام بدر الدين الأهدل (^٢): إن المبعوث على رأس المائة الثامنة: قيل هو سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) وعزا ذلك إلى جماعة من فقهاء مصر منهم شمس الدين ابن الجزرى - تلميذ العراقي.
ثم قال: وقيل الإمام ناصر الدين بن بنت الميلق الشاذلي، وعزا ذلك إلى جماعة من الصوفية، ولكن رده بأن وفاة الشاذلي هذا كانت سنة ٧٩٧ هـ ثم قال: ويحتمل أنه الشيخ زين الدين العراقي، وكان حافظ عصره في الحديث، مع الديانة والأمانة والتصانيف النافعة، وكانت وفاته سنة ٨٠٦ هـ، ثم قال: ويحتمل كلهم - يعنى الثلاثة - فإن المجدد قد يكون واحدًا، أو أكثر (^٣).
وقد أشار الحافظ ابن حجر أيضا إلى ذلك، مع ذكر ابن الملقن بدل «الشاذلى» فقال: وهؤلاء الثلاثة: العراقي والبلقيني، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) كانوا أعجوبة هذا العصر على رأس القرن، الأول في معرفة الحديث وفنونه، والثاني في التوسع في معرفة مذهب الشافعي، والثالث في كثرة التصانيف (^٤)
_________________
(١) ينظر التنبئة ٤٨ - ٦٩ ووسيلة المجدين ٤/ ب ومبحث ترجمة العراقي لشيخه عبد الرحيم الإسنوي.
(٢) كان موجودا سنة ٨٣٠ هـ/ التنبئة/ ٦١.
(٣) التنبئة/ ٦١ - ٦٢.
(٤) المجمع المؤسس لابن حجر/ ٢٢٦/ مخطوط (ترجمة ابن الملقن).
[ ٢ / ٦٤٦ ]
وفي ترجمة ابن حجر لشيخه محمد بن يعقوب الشيرازي، الفيروزابادي (ت ٨١٧ هـ) قال: وهو آخر من مات من الرؤساء الذين انفرد كل منهم بفن فاق فيه أقرانه على رأس القرن الثامن، رحمهم الله تعالى أجمعين، الشيخ سراج الدين البلقيني في الفقه على مذهب الشافعي، والشيخ زين الدين العراقي في الحديث، والشيخ سراج الدين ابن الملقن في كثرة التصانيف، في فني الفقه والحديث … وذكر اثنين آخرين، ثم قال: والشيخ مجد الدين السيرازى في اللغة، ثم قال: وقد وفق الله أن الجميع ممن أخذت عنهم (^١).
وفي رثائه للعراقي قال:
فيا أهل الشام ومصر فابكوا … على عبد الرحيم بن العراقي
على الخبر الذي شهدت قروم … له بالانفراد على اتفاق
على حاوى علوم الشرع جمعًا … بحفظ لا يخاف من الإباق
ومن فتحت له قِدْمًا علوم … غدت عن غيره ذات انغلاق
وجاز إلى الحديث قديم عهد … فأحرز دونه خيل السباق
ثم قال:
ومن ستين عاما لم يجارى … ولا طمع المجارى في اللحاق (^٢)
وقال السخاوى في تعداده للمجددين على رأس كل قرن: وفي الثامنة - يعنى المائة الثامنة -: البلقيني أو العراقي (^٣) وذكر السيوطي أن عدد المجتهدين ازداد تناقصه إلى رأس المائة الثامنة فكان عليها في أقطار الأرض أكثر من مائة إمام
_________________
(١) ذيل الدرر الكامنة لابن حجر/ ٢٤٠ - ٢٤١.
(٢) حسن المحاضرة للسيوطى ١/ ٣٦١ - ٣٦٢ وإنباء الغمر لابن حجر ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٣) المقاصد الحسنة له/ حديث (٢٣٨) ص ٢٠٤.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
إلا أن المجتهدين منهم قليل، فمن كان على رأس الثمانمائة: البلقيني وولداه والعراقي وولده … وسرد تكملة سبعة وعشرين … ثم قال: وخلائق (^١).
ثم قال: وقد نظمت أرجوزة، سميتها: «تحفة المهتدين بأسماء المجددين» … وساقها بتمامها، وذكر من عده العلماء مجدد قرنه، مبتدئا بعمر بن عبد العزيز في القرن الأول، فما بعده حتى قال: -
والثامن العَدُّ هو البلقيني أو حافظ الأنام زين الدين (^٢) وقد تابع السيوطي على هذا من جاء بعده (^٣).
_________________
(١) التنبئة/ ٧٢ - ٧٣.
(٢) التنبئة/ ٧٤ - ٧٥ وفيض القدير للمناوي ٢/ ٢٨٢.
(٣) ينظر وسيلة المجدين/ ١١/ ب (مخطوط) وفيض القدير للمناوي ٢/ ٢٨٢، وفهرس الفهارس للكتاني ٢/ ١٩٦ - ١٩٧.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
من تقدير العلماء وغيرهم للعراقي بعد وفاته حتى الآن
ونظرا لعلو منزلة العراقي العلمية وشهرته الواسعة على النحو السابق حتى لقب بمجدد القرن الثامن في علوم السنة على مستوى الأقطار الإسلامية عموما فإن وفاته أحدثت ضجة كبرى ترامت أصداؤها إلى أقاصي العالم الإسلامي الذي انتشر فيه علمه وتلاميذه كما قدمنا، فخفقت قلوب القاصي والداني بالحزن والأسى لرحيله، وزَرَفت العيون غزير الدمع لفراقه، وتوالت التعازي على ولده أبي زرعة من كل فج، وكما مدح العراقي في حياته غير واحد بالنظم كما مر ذكره. فقد لهجت الألسنة بعد مماته برثائه، وذكر مآثره، وعبر عامة الناس وخاصتهم عن تقديرهم لعلمه وفضله، فمن ذلك قول تلميذه الحافظ ابن الجزري إمام القراء في وقته: «لما بلغته وفاته وهو بـ (سمرقند) في أعماق آسيا»:
رحمة الله للعراقي تترى … حافظ الأرض حبرها باتفاق
إنني مقسم أَلِيَّةً صدق … لم يكن في البلاد مثل العراقي (^١)
ثم كتب إلى ولده أبي زرعة معزيا ومشجعًا له على مواصلة رسالة والده من بعده كما تقدم، ولا شك أن وصول نبأ وفاة العراقي من القاهرة إلى سمرقند، في وقت سمح لابن الجزري بالعزاء، دليل على شهرته الواسعة، والاهتمام بتناقل خبر وفاته والتأثر بذلك على أوسع نطاق. ولذلك يقول تلميذه المقريزي: «كان للدنيا بهجة ولمصر به فخر، وللناس به أُنس ولهم منه فوائد جمة» (^٢).
كذلك طار نبأ وفاته إلى الشام والحجاز، فتأثر القطران لفقده، وأعرب أعلام السنة بهما من تلاميذه عن تقديرهم البالغ لعلمه وخُلقه، وقد قدمت
_________________
(١) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦.
(٢) المرجع السابق جـ ٤/ ١٧٨.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
خلال تناولي الجوانب شخصيته بعض ما قرره في ذلك تلميذه «سبط ابن العجمي» من أعلام الشام، وتلميذاه المكيان: تقي الدين الفاسي، وابن فهد في ترجمة كل منهما له بعد وفاته، وسيأتي مزيد لذلك في موضعه بعون الله.
أما مصر التي حظيت منه بأوفر نصيب، فقد تكاثر أبناؤها وأعيان علمائها على حمله على أعناقهم وتشييعه، وأعرب كبار تلاميذه بها عن تقديرهم لمكانته.
فهذا تلميذه ورفيقه «الهيثمي» يرفض أن يتمشيخ بعده، ويكثر الثناء عليه كما تقدم في التعريف به. أما تلميذه البارز ابن حجر، فكان بالحجاز حين وفاته ووفاة قرينه السراج البلقيني من قبله بشهور، وكلاهما من أعيان شيوخه فما كاد يصل إلى القاهرة، حتى نظم في رثائهما قصيدتين كبيرتين، أجاد فيهما، مبنى ومعنى، بالنسبة لمستوى الشعر في ذلك العصر، وإحداهما «رائية» رثى بها البلقيني وضمنها رثاء العراقي أيضًا، تارة في أبيات خاصة به وأخرى في أبيات جمعه فيها مع البلقيني، ومما خصه به قوله:
نعم ويا طول حزني ما حييت على … عبد الرحيم فحزني غير مقتصر
لهفي على حافظ العصر الذي اشتهرت … أعلامه كاشتهار الشمس في الظهر
علم الحديث انقضى لما انقضى ومضى … والدهر يفجع بعد العين بالأثر
ومما جمعه فيه مع البلقيني قوله:
لهفي على فقد شيخي اللذين هما … أعز عندي من سمعي ومن بصري
الدين تتبعه الدنيا مضت بهما … رزية لم تهن يوما على بشر
بالشمس وهو سراج الدين يتبعه … بدر الدياجي زين الدين في الأثر (^١)
_________________
(١) (حسن المحاضرة) جـ ١/ ٣٣٣.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
ثم يقول:
دَمْعي عَلَيْهِمْ وَشِعْرِي فِي رِثَائِهِمْ … كَالدُّرِّ مَا بَيْنَ مَنْظُومٍ وَمُنْتَثِرْ
دَارَتْ كُؤُوسُ الْمَنَايَا حِينَ غِبْتَ عَلَى … أَحْبَابِ قَلْبِي فَلَيْتَ الْكَأْسَ لَمْ تَدُرْ (^١)
أما القصيدة الثانية: فهي «قافية» وقد خص ابن حجر بها شيخه العراقي وحده، ولذلك يقول «وقد ألممت برثائه في الرائية التي رثيت بها شيخ الإسلام البلقيني، وخصصته بمرثية قافية، وهي: وذكرها …».
وهذا دليل واضح على عظيم تقدير ابن حجر للعراقي حيث أشركه في مرثية البلقيني، ثم خصه بمرثية وحده، وإن كان وجه فيها بيتا واحدًا للبلقيني حيث يقول:
فأَطْفَأَتِ الْمَنُونُ سِرَاجَ عِلْمٍ … وَنَوَّرَ نَارُهُ لأَولي النِّفَاقِ (^٢)
وقد أطال ابن حجر النفس في مرثية العراقي هذه، حيث ذكر السيوطي أنها تبلغ ٣٥ بيتا، لكن بعض طبعات كتابه «حسن المحاضرة» ورد فيه «٢٨» بيتا، وبعضها ذكر فيه «٣٦» (^٣).
بينما وردت في الطبعة المحققة لكتاب ابن حجر «إنباء الغمر» ٣٧ بيتا (^٤). ومع هذا فإن البيت الثامن عند السيوطي ليس في الإنباء والسياق لا يستقيم بدونه فيصبح المجموع ٣٨ بيتا، ثم ذكر «ابن خطيب الناصرية» القصيدة
_________________
(١) (حسن المحاضرة) جـ ١/ ٣٣٤.
(٢) (إنباء الغمر) ج ٢/ ٢٧٨، ٢٧٩.
(٣) حسن المحاضرة للسيوطي، بتحقيق د. محمد أبو الفضل إبراهيم/ ١/ ٣٦٠ - ٣٦٢ ط عيسى الحلبي بمصر سنة ١٣٨٧ هـ.
(٤) ج ٢/ ٢٧٨، ٢٧٩.
[ ٢ / ٦٥١ ]
أيضًا في نهاية ترجمته للعراقي ضمن مجموعه، وبها ٣ أبيات أخرى زيادة على ما في (حسن المحاضرة) و(الإنباء) وهي الأبيات ٣٣ و٣٦ و٣٧ والسياق يقتضيها أيضًا، وبذلك يصبح عددها في أكمل ما وقفت عليه (٤١) بيتا، لكن المرجع الموجودة فيه هكذا وهو (مجموع ابن خطيب الناصرية) مخطوط ونادر جدا، ومصاب بالأرضه كما سيأتي التعريف به، و«حسن المحاضرة» و«الإنباء»، لم يعتن في طبعتهما المحققة بتصحيح نص الأبيات مع أن هذه المرثية لها قيمتها العلمية، حيث لم يقتصر فيها ابن حجر على بث مشاعر الأسى والحزن لوفاة العراقي؛ بل قرر فيها مكانته العلمية في عصره وفصل فيها مفاخره الخلقية وألقابه العلمية، ومؤلفاته، وعنايته بإفادة طلابه وإكرامهم، ولهذا أوردت عدة أبيات منها خلال بحثي السابق الجوانب شخصية العراقي وألقابه العلمية، وسأورد غيرها فيما يتعلق به من المباحث التالية إن شاء الله، وأكتفي هنا بذكر بعض مقتطفات منها:
فمن ذلك استهلال ابن حجر لها ببيان مدى الفجيعة بوفاة الحافظ الكبير حيث يقول:
مصابٌ لم يُنفَّس للخناق … أصارَ الدّمعُ جارٌ للمآقي
فروضُ العِلمِ بعدَ الزهوِ ذاوٍ … وروحُ الفضلِ قد بلغ التراقي
وبحر الدمع يجري في اندفاق … وبدر الصبر يسري في انمحاق
وللأحزان في القلب اجتماع … ينادي الصبر حي على افتراق (^١)
* ثم يشير إلى جوانب شخصيته فيقول:
_________________
(١) (إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٨.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
فِيَا أَسَفَى عَلَيْهِ لِحُسْنِ خُلُقٍ … أَرَقُّ مِنَ النَّسِيمَاتِ الرِّقَاقِ (^١)
وَيَا أَسَفَى عَلَيْهِ لِحِفْظِ وُدٍّ … إِذَا نُسِّيَتْ مَوَدَّاتُ الرِّفَاقِ (^٢)
وَيَا أَسَفَى لِتَقْيِيدَاتِ عِلْمٍ … تَوَلَّتْ بَعْدَهُ ذَاتُ انْطِلَاقِ (^٣)
* ثُمَّ خَتَمَ المَرْثِيَّةَ بِقَوْلِهِ:
عَلَيْهِ سَلامُ رَبِّي كُلَّ حِينٍ … يُلاقِيهِ الرِّضَا فِيمَا يُلاقِي
وَأَسْقَتْ لَحْدَهُ (^٤) سُحُبُ الغَوَادِي … إِذَا انْهَمَلَتْ بِهَا ذَاتُ الطِّبَاقِ
وَوَافَتْ رُوحَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ … تَحِيَّاتٌ إِلَى يَوْمِ التَّلاقِي (^٥)
ومن تقدير أبناء مصر في عصرنا الحاضر للحافظ العراقي ما قدمته عن إقامة أهالي العطوف مسجدا باسمه، وتولي وزارة الأوقاف له، بحيث تقام به الشعائر الدينية ودروس العلم التي كان العراقي فارس ميدانها، ثم أقام أحد أئمة المسجد ويدعى (أحمد الصوفي) اليمني الأصل، بمعاونة الشيخ عطية
_________________
(١) هذا البيت في (مجموع ابن خطيب الناصرية) وساقط من (الإنباء) وفي حسن المحاضرة جاء شطره الأول هكذا: (فيا أسفا ويا حزنا عليه) وهو غير مستقيم المعنى مع الشطر الثاني كما ترى! ومع ذلك لم يظفر من المحقق الفاضل بأي تعليق.
(٢) هذا البيت ساقط من (حسن المحاضرة) وموجود في (الانباء) جـ ٢/ ٢٧٩ و(مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي).
(٣) (حسن المحاضرة) جـ ٢/ ٣٦١ وما بعدها و(الانباء) جـ ٢/ ٢٧٨ و(مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي).
(٤) هذا يفيد أن إقامة الضريح الحالي على قبر العراقي أمر محدث، وأن مدفنه كان لحدا فقط، كما هي السنة.
(٥) هذا البيت ساقط من (حسن المحاضرة) وفي طبعة (الأنباء) المحققة: ودانت روحه، ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من (مجموع ابن خطيب الناصرية) وهو الملائم للمعنى وفي حسن المحاضرة: «وزانت رثيه» ويمكن استقامة المعنى عليه أيضا.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
السابق ذكره، بجمع ترجمة للحافظ العراقي من بعض المراجع وختمها بمرثية ابن حجر السابقة، ثم طبع ذلك بعنوان «تاريخ الإمام العراقي» في ٦ صفحات من الحجم الصغير، وقد أهداني الشيخ عطية نسخة منه، وفي نهايتها ما نصه: «جمع هذا التاريخ العظيم من أمهات الكتب الموجودة في دار الكتب المصرية، ومكتبة الأزهر الشريف خطيب مسجد الإمام العراقي ليعرف الناس في هذا العصر - خصوصا أهل حي العطوف - ما للإمام العراقي من الفضل في خدمة الدين وسنة سيد المرسلين».
ثم قال: وقد أقام الشيخ محمد أحمد عطية وهو من أهالي العطوف مسجدًا بجوار ضريحه (^١) فرحم الله العراقي، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا. كما كتبت صورة من هذا الكتيب في لوحة مساحتها نحو نصف متر مربع ووضعت في غلاف زجاجي وعلّقت داخل الضريح.
ولكن يجدر التنبيه إلى أني وجدت في تلك الترجمة عدة أخطاء تاريخية بعضها موجود بالمراجع المنقول عنها والتي وفقني الله لتصحيحها في ثنايا هذا البحث، وبعضها إضافة جامع الترجمة مثل قوله: «إن بيت العراقي كان في الجمالية بالدرب الأصفر»، وهو خلاف تحديدي السابق لمكان منزله اعتمادًا على المصادر الموثقة. ومثل قوله: «إن العراقي رزق زوجة صالحة ولدت له الولي أحمد وجويرية وزينب» (^٢).
وهذا خلاف ما أثبته أيضًا بالدليل القوي أن جويرية وزينب، من زوجة
_________________
(١) كذا قال في ص ٦ من الكتاب، وقد أشرتُ من قبل إلى أن الضريح داخل المسجد كما شاهدته الآن.
(٢) انظر هذين الخطأين في ص ٣ من الكتيب المذكور.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
أخرى، تزوجها العراقي بعد وفاة أم الولي أحمد، يعني أبا زرعة ابن العراقي، وقد سبق التعريف به ضمن تلاميذ والده. ومثل نسبته البيتين اللذين رثى بهما ابن الجزري شيخه العراقي، إلى الحافظ الهيثمي (^١) وهو خلاف ما قدمته أيضا، فليتنبه لذلك من يقف على هذا الكتيب، أو على صورته المعلقة بضريح العراقي منعًا لانتشار الأخطاء وتداولها وبالله التوفيق.
تعقيب:
ولعلي بهذا قد وفقت في البحث المنهجي لشخصية الحافظ العراقي في إطار عصرها، من عامة جوانبها، ممخصة ومتكاملة، منذ ولادته إلى رحيله لدار البقاء مع إبراز أثره الشخصي خلال نحو ٦٠ عاما من حياته، في إحياء السنة ونهضة علومها، حتى عده غير واحد المجدد لها بحق في القرن الثامن الهجري وذلك بالمواقف والجهود العامة، وبالتوفر على الرواية والتعليم والإشراف على الإنتاج والبحث، والتوجيه للعامة والخاصة، وبتخريج أعلام السنة على مستوى العالم الإسلامي. أما أثره الخالد بمؤلفاته وآرائه المدونة فسأتناوله في الباب التالي وما بعده بعون الله.
_________________
(١) انظر ص ٦ من نفس الكتيب.
[ ٢ / ٦٥٥ ]