ومما عرضته من هذا المجلس بتمامه، يتضح لنا الآتي: -
١ - أن من تلك الأمالي من مستخرج العراقي على أمالي الرافعي ما كان الواحد منها يشتمل على عشرة أحاديث أو أكثر، وبعض الآثار، والأشعار.
٢ - أن العراقي حرص على تخريج ما علا سنده به ما أمكن، من المصافحات والموافقات والأبدال، سواء كان العلو بالنسبة لإسناد الرافعي الذي استخرج العراقي على أماليه، أو بالنسة لأصحاب المصنفات الأصلية السابقة عليهما، فالحديث الأول من هذا المجلس، بعد أن أخرجه العراقي بإسناده، عزاه إلى كل من الترمذي وأبي داود، ثم بين علو سنده عن سند الترمذي علو موافقة (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح - الأدب حديث (٥٩٨٤) ومسلم - البر والصلة حديث (٢٥٥٦).
(٢) حيث التقى سند العراقي والترمذي بالحديث في شيخ الترمذي.
[ ٥ / ٢٠٩٣ ]
وعلو سنده عن سند أبي داود بالحديث نفسه علو بدل (^١)
وأيضا ذكر علو سنده على سند كل من البخاري ومسلم بحديث جبير بن مطعم المتفق عليه منهما وهو: لا يدخل الجنة قاطع. وأما بالنسبة للإمام الرافعي، فقد أخرج العراقي الحديث الأول في المجلس بسنده إلى سفيان بن عيينة. ثم ذكر أن الرافعي في روايته له في أماليه، بلغ عدد الرواة بينه وبين سفيان، سبعة، ثم قال: فكأني سمعته من الرافعي هـ.
وبالمراجعة لسند العراقي بالحديث نجد بين شيخه وبين سفيان سبعة أشخاص، مع تأخر تاريخ إملاء العراقي المستخرجه هذا عن تاريخ وفاة الرافعي قرابة قرنين من الزمان.
وهذا يسمى علو المصافحة (^٢) ولذا قال العراقي: كأني سمعته من الرافعي.
٣ - أيضا أخرج العراقي في هذا المستخرج عدة أحاديث، بسنده، دون أن يبين علو سنده بها.
كما نجده ذكر بعض أحاديث، في المتابعات، مع حذف سنده بها والاكتفاء بالإشارة إليه بقوله: «رويناه»
وبعض الأحاديث نجده يخرجها بالعزو فقط إلى مصدرها الأصلى مثل البخاري وابن حبان في صحيحيهما، وأبو داود والترمذي في سننهما، وذلك فيما يذكره للاستشهاد به. بل في بعض روايات حديث (الرحم شجنة من الرحمن) اكتفى بالعزو الإجمالي للصحابى، دون ذكر مصدر لروايته فقال: «ورواه آخرون من الصحابة» وتقدم تخريجى لرواية ثلاثة من الصحابة، من
_________________
(١) حيث التقى الإسنادان في شيخ شيخ أبي داود
(٢) ينظر كتاب العلو لابن القيسراني/ ٨٩ وتدريب الراوى ٢/ ٦١٢ - ٦١٣.
[ ٥ / ٢٠٩٤ ]
مصادر متوافرة لا تخفى على مثل العراقي.
ومقتضى هذا أن احتسابنا هذه الأمالي من روايات العراقي المسندة، إنما هو بحسب الروايات الأصلية، لأحاديث أمالى الرافعي التي استخرج العراقي رواياتها بأسانيده هو مثل رواية علو المصافحة السابق ذكرها.
٤ - أن العراقي قد زاد في مستخرجه هذا أحاديث مستقلة، بإسناده، لم يوردها الرافعي في أماليه، مثل حديث عبد الله بن عمرو الذي بلفظ: «الراحمون يرحمهم الرحيم …» (الحديث)، وقد نبه بنفسه على سبب زيادته لهذا الحديث، وهو ذكر لفظ (الرحيم) فيه وهو أحد كلمات سورة الفاتحة، ولكن الرافعي لم يذكر له رواية تشتمل عليه، فذكر العراقي تلك الرواية زيادة على ما أورده الرافعي، تحقيقا لفائدة استيفاء ألفاظ الفاتحة التي لم يورد الرافعي في أماليه ما يشتمل عليها.
وقد يكون أصل الرواية عند الرافعي، ولكن تشتمل رواية العراقي المستخرجة عليها، على زيادة تفيد معنى زائدا، مثل عبارة (في مرضه) ﷺ التي جاء في رواية العراقي لحديث أنس (أرحامكم أرحامكم)، ونبه عقبها على أنها لم تذكر في رواية الرافعي، ومثل هذه الزيادة في المتن، وكذا في الإسناد، بزيادة بعض الطرق، معروف في المستخرجات (^١).
٥ - كذلك ذكر العراقي أنه استبعد بعض أحاديث أمالي الرافعي لكونه وجد في إسنادها ما يقتضى أنها موضوعة بهذا الإسناد. وذكر بدلها ما ليس موضوعا، وهذا يدل على أنه اجتنب في أماليه إخراج ما يعلم أنه موضوع،
_________________
(١) ينظر النكت الوفية للبقاعي/ ٣٣/ أ، ب ٣٥/ أ. ونكت ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٢٩١ - ٢٩٣، ٣٢٢ - ٣٢٣. والتدريب ١/ ١١٧ - ١١٩.
[ ٥ / ٢٠٩٥ ]
مثل ما رواه الرافعي من حديث ثوبان مرفوعا: «إن أرفعكم درجة في الجنة، أشدكم رحمة للعامة».
فهذا الصنيع من العراقي يعتبر من مميزات مستخرجه هذا على أمالي الرافعي التي استخرج عليها.
٦ - حرص العراقي أيضا على ذكر بعض المتابعات أو الشواهد، العاضدة لرواية بعض الرواة المتكلم فيهم فيما ساقه من أسانيد، وبذلك دفع ما يظن من تفرد كل منهم بما روى، ولتعضيده بما يقوى روايته.
فبعد ذكره تصحيح الترمذي لحديث أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو بجملتيه كما تقدم، ثم ذكر متابعة أبي العنبس لأبي قابوس، في رواية الجملة الثانية من الحديث، وهي «الرحم شجنة من الله» (الحديث)، وذلك لأن في حال أبى قابوس ما يقتضى ضعف حديثه بمفرده (^١).
وبعد ذكره لتلك المتابعة ذكر أيضا بعض شواهد الحديث الصحيحة وبمجموعها يتأيد تصحيح الترمذي للحديث.
وتقدم أيضا أن العراقي روى بسنده حديث أنس «والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم» من طريق سنان بن سعد، وقال: هذا حديث حسن غريب، ثم قال: ولم ينفرد به سنان، تابعه عليه أخشن السدوسي عن أنس.
وكما عنى ببيان مثل تلك المتابعة وسابقتها، فإنه عنى أيضا ببيان من تفرد من رجال الإسناد، فلم يوجد له متابع على روايته.
_________________
(١) التهذيب لابن حجر ١٢/ ت (٩٤٢).
[ ٥ / ٢٠٩٦ ]
فقد روى بسنده من طريق الحسن بن محمد الزعفرانى عن سفيان عن عمرو ابن دينار عن أبي قابوس عن ابن لعبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو ﵄ يبلغ به النبي ﷺ قال: الراحمون يرحمهم الرحيم (الحديث).
ثم قال العراقي: هكذا انفرد الحسن بن محمد الزعفراني بقوله فيه: «الرحيم» وبزيادة «ابن عبد الله بن عمرو» في إسناده، ثم قال: ولم يتابع عليه.
٧ - كذلك نجد العراقي قد عنى ببيان درجات أكثر الأحاديث التي أوردها، سواء التي استخرجها بإسناده، أو التي خرجها بالعزو إلى مصادرها، وتنوع بيانه لدرجات الأحاديث، تارة بالعزو إلى من اشترط الصحة كالشيخين وابن حبان، وتارة بذكر قول من أخرج الحديث كالترمذي والحاكم.
وتارة بذكر حال راو أو أكثر من رجال الإسناد مثل قوله السابق بتفرد الحسن ابن محمد الزعفراني، بما لم يتابع عليه، مع الاتفاق على ثقته (^١) لكن خالف الأرجح في هذه الرواية.
وأيضا حديث ثوبان الذي رواه الرافعي في أماليه، أشار العراقي إلى وضعه ببيان أن في سنده خمسة رجال على الولاء، ما بين ضعيف وكذاب، ومجهول، ثم ذكرهم، وهم: خالد بن هياج البساطي، والراجح من حاله أنه ضعيف (^٢).
وأبوه: وهو هياج البساطى، جزم الذهبي بأنه ضعيف (^٣).
_________________
(١) التهذيب ٢/ ت (٥٥٢).
(٢) اللسان ٢/ ت (١٥٩٤).
(٣) الكاشف ٢/ ت (٦٠١٢).
[ ٥ / ٢٠٩٧ ]
والحسن بن دينار، قد وصف من غير واحد بالكذب، ووصف أيضا بكثرة الغلط (^١) ولكن العراقي بعد ذكر الوصف بالكذب في الإجمال، اقتصر في التفصيل على الوصف بتهمة الكذب فقط، وهي أخف من الوصف بصريح الكذب، كما هو معلوم.
و«الخصيب بن جحدر» وصفه أيضا غير واحد بالكذب (^٢)
فوصف العراقي له في التفصيل بتهمة الكذب فقط توسع بدون مستند. وأما المجهول الذي أشار إليه العراقي فهو النضر بن شُفَى، وقد جاء في ترجمة «الخصيب» السابق أن «النضر» هذا لا يُدرى من هو؟ وكذا وصفه ابن القطان بأنه مجهول جدا (^٣)
- يلاحظ كذلك أن العراقي في مستخرجه هذا لم يقتصر على الأحاديث المرفوعة، ولكن روى بإسناده أحد الآثار المعضلة جدا، لكونها من رواية مالك ابن أنس ﵁ بلاغا عن سيدنا عيسى ﵇، وهي من الاسرائيليات، وإن كانت صحيحة المعنى، لكن سندها إلى عيسى معضل ظاهر الإعضال، ولعل هذا مما جعل العراقي لا ينبه على ضعفها لظهوره. لكن كان الأولى عدم ذكرها حتى لو كانت من أمالي الرافعي المستخرج عليها، فقد ذكر الخطيب أنه مما يجتنب ذكره في الأمالي: الاسرائيليات (^٤).
- أيضا فإن العراقي عنى بضبط وشرح ما جاء من الألفاظ الغريبة في بعض
_________________
(١) اللسان ٢/ ت (٩١٨) والتهذيب ٢/ ت (٥٠٢).
(٢) ينظر اللسان ٢/ ت (١٦٣١).
(٣) اللسان ٦/ ت (٥٧١).
(٤) ينظر التدريب ٢/ ٥٨٠: ٥٨١.
[ ٥ / ٢٠٩٨ ]
الأحاديث التي أملاها، وهو لفظ (الشجنة) وبين الراجح في ضبطه. وهذا من المطالب العلمية الهامة التي يطلب تحققها في الأمالي (^١).
١٠ - أورد العراقي في خاتمة هذا المجلس ثلاثة أبيات شعرية من نظمه، في معنى الرحمة التي اشتمل المجلس على الأحاديث المتعلقة بها، لاشتمال أوائل كلمات الفاتحة على (الرحمن والرحيم). فدل ذلك على ما قدمته عن شخصية العراقي العلمية من تمتعه بموهبة شعرية بجانب اختصاصه الحديثي، وأيضا في ذكره لهذه الأبيات توفية بما استحسنه المحدثون من ختم مجلس الإملاء ببعض الإنشادات الشعرية المفيدة (^٢).
١١ - في هذا المجلس أيضا أورد العراقي بعض الروايات من مصادر حديثية، تعتبر حتى الآن مفتقدة أو عزيزة النسخ الخطية، فقد ذكر إحدى الروايات من مسند محمد بن يحيى بن أبى عمر العدني (ت ٢٤٣ هـ) (^٣) وقد كان في حياة العراقي موجودا بعض نسخه الكاملة، حتى أتيح للحافظ ابن حجر قراءة معظمه على شيخه العراقي، ثم أخرج زوائده ضمن كتابه المطالب العالية (^٤) لكننا اليوم لا نعرف له نسخة خطية في مكتبات المخطوطات عموما المفهرسة. كما ذكر أيضا إحدى الروايات من كتاب فوائد أبي الحسن علي بن الحسن الخلعي المتوفى سنة ٤٩٢ هـ (^٥) ونسخها الخطية تعتبر عزيزة المنال حاليا.
_________________
(١) ينظر تدريب الراوي ٢/ ٥٨٠.
(٢) ينظر التدريب ٢/ ٥٨١.
(٣) السير ١٢/ ٩٦.
(٤) مقدمة المطالب العالية/ المسندة بتحقيق الأخوين الكريمين/ غنيم عباس، وياسر إبراهيم ١/¬٤٧، ٥٠.
(٥) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٣٠.
[ ٥ / ٢٠٩٩ ]