ذكر العراقي من أسباب تأليفه هذا الكتاب - كما قدمت - أن جماعة من طلبة العلم الواردين إلى المدينة النبوية طلبوا منه أن يملى عليهم بعض عوالي مروياته، فقال: «ورغبوا أن يكون ذلك من الأحاديث العالية الإسناد، المتصلة بنقله، فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشارية الإسناد، فهي أعلا ما يقع اليوم للشيوخ مع ثقة رجال الإسناد ووصله» (^٢).
ومن يراجع الأحاديث الأربعين التي هي موضوع الكتاب الأصلي، يجد سند العراقي بها عشاريا، كما سبق توضيحه، بل إنه ذكر أثرا موقوفا في معنى الحديث رقم (٢٠)، فكان سنده به عشاريا كذلك (^٣).
وفي آخر الحديث (٤٠) من الكتاب، ذكر أنه وقع له بإسناد آخر تساعيا، مع ضعفه، وساق سنده التساعي به (^٤).
ثم قال: وقد وقع لنا حديثان آخران في المعجم الصغير للطبراني، بهذا الإسناد، تساعيان، في الثاني منهما نظر، فرأيت إيرادهما مع بيان أمرهما،
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٤٥.
(٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٢ - ١٢٣.
(٣) الأربعين العشارية/ ١٨٠ - ١٨١.
(٤) الأربعين العشارية/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
[ ٥ / ١٩٥٠ ]
للفائدة، ثم ذكرهما (^١).
وبذلك يكون ما ذكر في كلامه السابق من أن العشاري الإسناد هو أعلا ما يقع اليوم للشيوخ، يقصد بذلك نفسه، وأقرانه من معاصريه الذين يقاربونه في السن، ويشاركونه في الشيوخ، كالبلقيني وابن الملقن، والهيثمي.
وأما قوله في شرحه لألفية المصطلح له: وأعلا ما يقع للشيوخ في هذا الزمان من الأحاديث الصحاح المتصلة بالسماع، ما هو تساعى الإسناد، ثم قال: ولا يقع لأمثالنا من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد، وقد يقع لنا التساعي الصحيح، ولكن بإجازة في الطريق (^٢). فمراد العراقي في هذا الموضع بالشيوخ هم شيوخه هو، بدليل قوله عقبه كما ترى: ولا يقع لأمثالنا من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد.
ولما كان علو الإسناد عدة أنواع (^٣) فقد أشار العراقي في كتابه هذا إلى ثلاثة أنواع.
أحدها: علو مطلق، لكن بإسناد منتقد، بمعنى قلة عدد الرواة بين الراوى الأخير، كالعراقي، وبين الرسول ﷺ مع وجود من هو معروف بالكذب أو متهم بالوضع، في الإسناد، وهذا النوع قرر العراقي أنه علو لا يفرح به إلا من هو جاهل، وأنه قد اجتنبه في كتابه هذا (^٤).
الثاني: علو مطلق بإسناد نظيف خال ممن هو كذاب أو متهم، وهذا ما
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٨ - ٢٣٥.
(٢) فتح المغيث للعراقي ٣/ ١٠٠.
(٣) ينظر فتح المغيث للعراقي ٣/ ٩٨ - ١٠٧.
(٤) الأربعين العشارية/ ١٢٣.
[ ٥ / ١٩٥١ ]
فضله، والتزم الرواية به في عشارياته، وأشار إلى أن ما ورد في فضل علو الإسناد فالمقصود به هذا النوع.
لكنه اقتصر في فضل علو الإسناد على تقرير أنه سنة عمن سلف فقط (^١) في حين أنه في ألفيته في المصطلح قرر أنه سنة مطلقا، فتنصرف إلى السنة النبوية، وفي شرحه لها ذكر قول الإمام أحمد: (طلب الإسناد العالى سنة عمن سلف)، وأتبعه بتقرير الحاكم أنه ثبت فيه سنة صحيحة، وهي حديث ضمام بن ثعلبة في وفادته على الرسول ﷺ، فهي سنة تقريرية، ثم أتبع ذلك ببيان أن المذهب المخالف في فضل علو السند، مذهب ضعيف، وهكذا قرر ابن الصلاح وغيره، وذكر السخاوى مع حديث ضمام السابق، حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام، وحكاه للرسول ﷺ فأمره بالقائه على بلال ليؤذن به (^٢).
وبذلك كان الأولى أن يقول العراقى هنا: إن علو الإسناد سنة نبوية تقريرية، بدلا من الاقتصار على كونه سنة عمن سلف فقط.
النوع الثالث: العلو النسبى، أي بالنسبة إلى سند معين، يكون الحديث رواه به أحد الأئمة أصحاب المصنفات الحديثية، كالبخاري ومسلم والإمام أحمد، وغيرهم.
وعلو إسناد العراقى في هذا الكتاب نوعان، كل منهما باعتبار. فالأول: وهو العشاري، يعتبر من العلو المطلق، باعتبار قرب العراقي من
_________________
(١) الأربعين العشارية/ ١٢٤.
(٢) ينظر الألفية مع فتح المغيث للعراقي ٣/ ٩٨ - ٩٩ وعلوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٢٥٧، وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٣٤ - ٣٥٤.
[ ٥ / ١٩٥٢ ]
الرسول ﷺ، بسند متصل خال ممن هو معروف بالكذب، أو متهم بالوضع، كما قدمت.
وهذا هو القسم الأول أيضا من أقسام العلو، كما قرره العراقي نفسه (^١) وغيره (^٢).
والثاني: هو العلو المقيد، أو العلو النسبي، أي بالنسبة للقرب من إمام من أئمة الحديث أصحاب المصنفات الحديثية المشهورة التي خرجت الأحاديث التي رواها العراقي بسنده في هذا الكتاب، والتقى سنده مع سند أصحاب تلك المصنفات في راو معين.
ويسمى هذا النوع من العلو بعدة أسماء، بحسب الراوى الذي يلتقى فيه الإسنادان، كما سيأتى في الأمثلة.
فمنه ما يسمى علو موافقة، وهو أن يلتقى الإسنادان في شيخ مصنف الكتاب الذي اشترك مع العراقى في رواية الحديث، مع علو طريق العراقي بقلة عدد رواته بواحد فأكثر عما لو روى الحديث من طريق صاحب الكتاب المشارك له (^٣).
ولأجل اتفاقه مع مصنف الكتاب في شيخه، سمى موافقة.
ومنه ما يسمى علو بدل، وهو أن يلتقى الإسنادان في شيخ شيخ مصنف الكتاب الذي شارك العراقى في رواية الحديث، مع علو سند العراقي كما
_________________
(١) ينظر فتح المغيث للعراقي ٣/ ٩٩ - ١٠٠.
(٢) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٢٥٧ وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠ وشرح الشرح للشيخ على قارى/ ١٩٣.
(٣) ينظر فتح المغيث ٣/ ١٠٢ وللسخاوى ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥.
[ ٥ / ١٩٥٣ ]
تقدم (^١) ويسمى بدلا، لأن الحديث وقع للعراقي من طريق راو بدل الراوى الذي أخرجه مصنف الكتاب من طريقه. ومنه ما يسمى علو مساواة، وهو أن يكون الرواة في السند من العراقي إلى الصحابي، أو إلى من دونه في غير المرفوع، عددهم متساويا مع عدد رواة إسناد مصنف الكتاب المشارك للعراقي في رواية الحديث إلى الصحابي نفسه أو من دونه (^٢).
ولأجل هذا التساوى في العدد سمى علو مساواة.
فإن علا إسناد أحد المصنفين عن إسناد المساواة مع العراقي براو واحد، سمى علو العراقي علو مصافحة، كأنه لقى هذا المصنف وتحمل الحديث عنه، مع تصافحهما عند ذلك كما هو شأن المتلاقيين (^٣).
لكن العراقي لم يذكر في هذا الكتاب لنفسه شيئا من علو المساواة، ولا من المصافحة، وإنما ذكر مصافحة واحدة لبعض شيوخ شيوخه، كما سيأتي، لكنه أخرج مساواة لبعض شيوخه، ومصافحة لنفسه في شرحه للألفية (^٤).
ومثال ما ذكره في كتاب الأربعين هذا من الموافقة، أنه روى الحديث الأول بسنده إلى عمار بن محمد عن الصلت بن قويد الحنفى سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي أبا القاسم يقول: لا تقوم الساعة حتى لا تنطح ذات قرن جَمَّاء، ثم قال: رواه الإمام أحمد في مسنده عن عمار بن محمد، فوقع موافقة له عالية (^٥).
_________________
(١) وانظر «فتح المغيث للعراقي» ٣/ ١٠٢ وللسخاوى ٣/ ٣٤٦.
(٢) «فتح المغيث للعراقي» ٣/ ١٠٣ وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٤٨.
(٣) ينظر «فتح المغيث للعراقي» ٣/ ١٠٣ - ١٠٤ وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
(٤) «فتح المغيث للعراقي» ٣/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٥) تنظر المشارية/ ١٢٧ - ١٢٨.
[ ٥ / ١٩٥٤ ]
فنلاحظ أن إسناد العراقي التقى مع إسناد الإمام أحمد في شيخ أحمد، وهو عمار بن محمد، فصارت موافقة بينهما، ولو روى العراقي الحديث نفسه من طريق الإمام أحمد، زاد إسناده واحدًا، وهو الإمام أحمد، فتعتبر موافقته لأحمد في شيخه موافقة عالية بدرجة (^١).
ومثال البدل أن العراقى روى الحديث (١٣) من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق عن البراء بن عازب ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فأحرمنا بالحج (الحديث).
ثم قال: أخرجه ابن ماجه عن محمد بن الصباح، ورواه النسائي في سننه الكبرى في عمل اليوم والليلة عن أبي كريب، كلاهما عن أبي بكر بن عياش، فوقع لنا بدلا لهما عاليا بثلاث درجات (^٢) وذلك لكون أبي بكر بن عياش الذي التقى فيه سند العراقى مع سند ابن ماجه والنسائي، يعتبر الحلقة الثالثة في إسنادهما، كما ترى.
وقد ذكر العراقي من البدل ما هو عال بدرجتين، وثلاث، وأربع، وخمس وست (^٣).
وقد يكون الحديث فيه علو الموافقة والبدل معا باعتبار طرق الحديث عند من يعزوه إليه من المصنفات.
فقد روى الحديث (٢٦) من طريق أبي عاصم عن يزيد بن أبي عبيد عن
_________________
(١) وينظر له علو موافقة أيضا في حديث (٢)، ٧، ٢٤، ٣١، ٣٨.
(٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٥٦ - ١٥٧.
(٣) ينظر الأحاديث رقم/ ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٥، ١٧، ١٨، ١٩، ٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٨، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٧، ٣٩.
[ ٥ / ١٩٥٥ ]
سلمة ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية (الحديث). ثم قال: أخرجه البخاري عن أبي عاصم، وعن مكي بن ابراهيم، فرقهما، عن يزيد بن أبي عبيد، فوقع لنا موافقة له عالية من طريق أبي عاصم، وبدلا له عاليا من طريق مكي بن ابراهيم (^١).
وأما المصافحة لبعض شيوخ شيوخه، فقد جاء ذلك في حديث واحد من الأربعين، وهو حديث (٧)، فقد رواه بسنده إلى محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان ابن لأم سليم يقال له: أبو عمير، كان النبي ﷺ يمازحه (الحديث).
ثم قال: أخرجه الإمام أحمد في مسنده، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، فوقع موافقة له عالية.
ثم قال: ورواه النسائي في سننه الكبرى، في عمل اليوم والليلة عن عمران ابن بكار البراد الحمصي عن الحسن بن خمير عن الجراح بن مليح عن شعبة عن محمد بن قيس عن حميد، بنحوه، فوقع لنا عاليا بست درجات، وكأن شيوخ شيوخنا لقوا النسائي وصافحوه به (^٢).
وهناك ثمانية أحاديث من هذه الأربعين اقتصر العراقي فيها على العلو العشاري المطلق، ولم يذكر فيها علوا نسبيا (^٣).
وأما لطائف الإسناد فقد ذكر العراقي منها أمرين:
أولهما: التسلسل بالأولية، بمعنى أن يذكر الراوى أن الحديث المذكور هو
_________________
(١) وانظر أيضا حديث (٧).
(٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٤٢.
(٣) ينظر الأربعين العشارية/ ١٦٠، ١٦٧، ١٧٠، ١٩٦، ٢٠٠، ٢٠٢، ٢١٦، ٢٢٧.
[ ٥ / ١٩٥٦ ]
أول حديث سمعه من شيخه الذي يرويه عنه، وقد قال العراقي: «ورأيت أن أقدم قبل الأربعين، إملاء الحديث المسلسل بالأولية، وإن لم يكن عشاريا، ليحصل التسلسل لمن ابتدأ السماع من الصبيان، والغرباء»، ثم ساق الحديث فقال: حدثنا أبو الفتح محمد بن محمد بن ابراهيم بن أبي القاسم … الميدومى، سماعا من لفظه، وهو أول حديث سمعته من لفظه … وساق بقية إسناد الحديث، وفيه تصريح كل واحد ممن فوق الميدومي بأنه أول حديث سمعه من شيخه، حتى الراوى السابع وهو عبد الرحمن بن بشر بن الحكم فقال: حدثنا سفيان بن عيينة وهو أول حديث سمعته منه، ثم توقف التسلسل بالأولية عند سفيان فقال: عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎ ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء (^١).
أقول: وقد من الله تعالى علي فسمعت هذا الحديث مسلسلا بالأولية، من لفظ عدد من شيوخي رحمهم الله تعالى، وهم بحسب الترتيب الزمنى السماعي منهم: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ثم الشيخ حمود التويجرى، ثم الشيخ محمد ياسين الفاداني، ثم الشيخ حماد بن محمد الأنصارى، ثم أجازني كل منهم بمروياته عموما، وأثبتوا لي ذلك كتابة، فجزاهم الله تعالى عنا كل خير، وألحقني بهم على خير حال آمين. وسماعي لهذا الحديث من شيخي الشيخ حماد بن محمد الأنصاري سنده
_________________
(١) ينظر الأربعين/ ١٢٤ - ١٢٥.
[ ٥ / ١٩٥٧ ]
إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني عن شيخه الحافظ العراقي بسنده المذكور في هذا الكتاب (^١) ولله الحمد والمنة.
الثاني: التسلسل بالآخرية، وهو أن يكون كل راو في الإسناد هو آخر من بقى حيا من الرواة عن شيخه، مطلقا، أو مقيدًا بأحد طرق الرواية، ولاسيما السماع.
وقد جاء ذلك عند العراقى في الحديث الأول من الأربعين، فقال: أخبرني أبو الفتح محمد بن محمد بن ابراهيم الميدومي بقراءتي عليه عودًا على بدء (^٢)، قال: أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصيقل الحراني، وشيخنا آخر من حدث عنه بالسماع على وجه الأرض.
ثم قال العراقي: وأخبرني أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن الخباز بقراءتي عليه بدمشق في الرحلة الأولى قال: أخبرنا أحمد بن عبد الدائم ابن نعمة المقدسي، قراءة عليه، وأنا حاضر، وإجازة لما يرويه، وهو آخر من بقى ممن حضر عنده. ثم ساق باقى الإسنادين مسلسلين بالآخرية إلى الصلت بن قويد الحنفى الراوى للحديث عن أبي هريرة، قال: لا تقوم الساعة حتى لا تنطح ذات قرن جماء.
ثم قال العراقي: هذا حديث عجيب التسلسل بالآخرية (^٣).
وقد ذكر العراقي خلال إسناد الحديث أن إسماعيل بن محمد بن اسماعيل الصفار هو آخر من حدث عن الحسن بن عرفة (^٤).
_________________
(١) الأربعين العشارية/ ١٢٤ - ١٢٥.
(٢) يعنى عدة مرات.
(٣) الأربعين العشارية/ ١٢٧ - ١٢٨.
(٤) الأربعين العشارية/ ١٢٧.
[ ٥ / ١٩٥٨ ]
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه قد قرأ هذا الكتاب بما فيه هذا الحديث، على شيخه العراقي، وبعد مدة وقف في تذكرة الحفاظ على أن على بن الفضل الستورى هو آخر من حدث عن الحسن بن عرفة، فذكر ذلك لشيخه، فذكر له أن سلفه في ذلك الشيخ صلاح الدين العلائي، وأحضر تاريخ بغداد للخطيب فوجد في ترجمة على بن الفضل هذا ما يؤيد ما ذكره الذهبي (^١).
قال الحافظ ابن حجر: قلت فعلى هذا يكون إسماعيل الصفار هو آخر من حدث عن الحسن بن عرفة بالحديث المذكور، بخصوصه، وقد رجع شيخنا عما قال أولا، وزاد فيه - يعنى في سند الحديث. وهو آخر من حدث عنه بهذا الحديث، ثم قال ابن حجر: ولى مع الشيخ مراجعات كثيرة يطول شرحها (^٢).
وهذا الموضع يستفاد منه أمور:
أحدها: أريحية الحافظ العراقى وصفاء نفسه في تقبل النقد والتصويب من أحد تلاميذه، وهو الحافظ ابن حجر، وأيضا حسن مسلك الحافظ مع شيخه، فلم يمنعه تقديره وإجلاله له من ابداء الصواب لما ظهر له خطؤه فيه، كما لم يخرجه ذلك عن حدود الأدب الواجب مع إسناده، فجاء الرد هادئا، ومؤيدا بالدليل الناصع على موضع التعقب، ولم نعرف أن العلاقة بين الرجلين تكدرت بسبب هذا، ولا غيره من التعقبات العلمية المنصفة التي أبداها ابن حجر، سواء على هذا الكتاب في غير هذا الموضع كما سيأتي، أو على غيره من مؤلفات شيخه، كما تقدمت إشارته إلى ذلك.
_________________
(١) تنظر التذكرة للذهبي ٣/ ٨٥٩ وتاريخ بغداد ١٢/¬٤٧.
(٢) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٨ - ١٨٩ والجواهر والدرر للسخاو ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩.
[ ٥ / ١٩٥٩ ]
فينبغي أن يكون لكل من الأساتذة والطلاب في كل منهما أسوة حسنة.
الأمر الثاني: ما ذكره العراقي من التعويل على شيخه العلائي في موضع الخطأ، قد صرح به في كتابه التقيد والإيضاح، كما سيأتي، ولعله اكتفى بذلك عن التصريح به هنا في كتاب الأربعين العشارية لتأخر تأليفها عن تأليف التقييد والإيضاح.
وتعويل العراقي هذا على شيخه العلائى مثال على أن من العلماء المعتبرين كالعراقي من كان يعول على غيره ممن يثق في علمه العلائي، ولكنه مع ذلك يقبل إعادة النظر عند وجود ما يستدعى ذلك، كما فعل العراقي عند معارضة تلميذه ابن حجر له في هذا كما تقدم.
لكن إذا قارنا هذا الموضع، ببقية الكتاب، وعناية العراقي بذكر مصادره المتعددة فيه، كما قدمت، فسنجد أن هذا أمر نادر، فلا يقدح مثله في أصل الدقة العلمية المشهود بها للعراقى، كما لا يقدح مثل هذا في القيمة الحديثية للكتاب، وجهود العراقي فيه.
الأمر الثالث: أن التصويب الذي ذكر ابن حجر أن شيخه العراقي قد أثبته، لم يوجد في النسخة التى حقق الكتاب وطبع بالاعتماد عليها، ولم يوجد كذلك في النسخة الحلبية التي أثبت عليها القراءة على العراقي بالمدينة المشرفة، ويبدو أن هذا التصويب ذكر في النسخة المصرية، لأن العراقي ذكر فيها ما لم يوجد في النسختين السابق ذكرهما، لكن للأسف أن موضع هذا الحديث في النسخة المصرية مخروم، فلم يمكن الوقوف عليه. ولكن أمكن الوقوف على بديل عنه ولله الحمد، فقد روى العراقى في كتابه التقييد والإيضاح عن شيخيه أبي الفتح الميدومى وأبى عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم.
[ ٥ / ١٩٦٠ ]
الأنصارى، كلاهما من طريق اسماعيل بن محمد الصفار قال حدثنا الحسن بن عرفة أنبأنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ يوم كلم الله موسى ﵇، كانت عليه جبة صوف (الحديث) (^١).
وسند العراقى بهذا الحديث عشارى إلى ابن مسعود، وابن مسعود هو الحادى عشر، وقد عزاه إلى الترمذى عن على بن حجر عن خلف بن خليفة، به، وذكر أنه بهذا الإسناد لا يقع لأحد في عصره أعلا منه على وجه الدنيا من حيث العدد، وأن علوه مطلق بالنسبة له وللترمذي، كما ذكر تسلسله بالآخرية المطلقة، من شيخه أبى الفتح الميدومى إلى «خلف بن خليفة» ونسب إلى شيخه العلائي القول بأن الصفار هو آخر من روى عن الحسن بن عرفة، صاحب الجزء المعروف، كما تقدم في مصادر العراقى (^٢).
أما في شرحه للألفية فذكر الحديث، ووجوده في جزء ابن عرفة، وذكر علوه المطلق به، بنحو ما تقدم، ثم قال: وكل واحد من شيخنا - يعنى الميدومى - فمن بعده إلى خلف هو آخر من رواه عن شيخه بالسماع من الجزء المذكور (^٣) وقد جاء بحاشية إحدى النسخ الخطية لشرح الألفية ما نصه «قوله من الجزء المذكور زاده العراقى بعد قراءة البرهان الحلبي عليه» وبهذا قيد آخرية رواية الصفار عن الحسن بن عرفة، بالسماع من جزئه المذكور، الذى روى العراقي من طريقه حديث أبى هريرة «لا تقوم حتى لا تنطح ذات قرن
_________________
(١) التقييد والإيضاح مع علوم ابن الصلاح/ ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٢) التقييد والإيضاح/ ٢٥٩
(٣) فتح المغيث للعراقي ٣/ ١٠١.
[ ٥ / ١٩٦١ ]
جماء» كما هو في عدد من نسخ الأربعين، وفي المطبوع الآن، والذي روى من طريقه أيضا حديث ابن مسعود السابق ذكره، وهذا التقييد بالسماع من الجزء كله، أعم من التقييد الذي ذكره ابن حجر بحديث واحد، كما سبق، والبرهان الحلبى هو سبط ابن العجمي، من تلاميذ العراقي البارزين، وتقدم في التعريف به أن رحلته إلى مصر التي قرأ فيها شرح الألفية على شيخه أن مع البحث والاستدراك بمثل هذه الزيادة، كانت سنة ٧٨٠ هـ و…، نحو خمس سنوات، ولكنها مع هذا تعتبر أسبق من قراءة الحافظ ابن حجر للأربعين العشارية، والتي كانت بعد عودة العراقى إلى مصر من المدينة النبوية خلال سنة ٧٩١ هـ، كما تقدم أيضا، وبذلك يكون تقييد الآخرية الذى في شرح الألفية، أسبق وأعم من التقييد الذى حصل في الأربعين العشارية بآخرية سماع الصفار الحديث واحد فقط، بناء على تنبيه الحافظ ابن حجر، كما تقدم.
وبهذا يستدل أيضا على أن أريحية العراقى في قبول المراجعة والنقد المفيد كانت مبدأ أصيلا عنده، ولم تكن قاصرة على شخص بعينه.
رابعا: بيانه لدرجات الأحاديث، وأحوال الرواة:
ذكر العراقي في شرحه لألفيته في المصطلح: إنه لا يقع لأمثاله من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد (^١).
وقال في مقدمة كتاب الأربعين العشارية هذا: فهي أعلا ما يقع للشيوخ، مع ثقة رجال الإسناد ووصله، فلم يقيد الاتصال بكونه بالسماع، وذلك لأن
_________________
(١) فتح المغيث للعراقي ٣/ ١٠٠.
[ ٥ / ١٩٦٢ ]
بعض أسانيده متصلة بالإجازة له، أو لبعض من فوقه في الإسناد، كما سيأتى توضيحه.
لكنه ذكر شرط ثقة الرواة المقتضى للصحة، وقال في أواخر الكتاب: وقد روينا عدة أحاديث تساعيات لا تصح أسانيدها، ولا فائدة في العلو مع عدم الصحة (^١).
فمن مجموع ذلك نفهم أنه شرط على نفسه أن يورد في هذه الأربعين، أعلا ما عُرف من الإسناد في عصره لأقرانه وهو العشاري، مع مراعاة الصحة، باتصال السند، وثقة الرواة؛ لكنه في بقية كلامه في مقدمة الكتاب قال: فأوردت فيها الأحاديث الصحاح والحسان، وربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب وفعله، ولاشك أن رواية من هو مستور أو مجهول، أولى ممن علم جرحه مفسرا عند أهله (^٢).
فهذا يدل على أنه لم يقتصر في تلك الأربعين على ذكر الصحيح المتوافر فيه اتصال السند، وثقة الرواة، ولكن يذكر أيضا ما هو حسن، وراويه - كما هو معروف. في المرتبة الأنزل من الثقة مباشرة، وهي مرتبة: «الصدوق» كما صرح به العراقى في غير هذا الموضع، كما سيأتى.
وقوله: «ربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب» أفاد أنه يذكر أيضا نوعا ثالثا وإن كان قليلا، وهو الضعيف ضعفا غير شديد، لكون راويه ليس معروفا بتعمد الكذب، لكنه متفرد عن المتابع، فلذلك يعتبر غريبا، لكنه ليس منكرا، كما صرح به في غير هذا الموضع كما سيأتى.
_________________
(١) الأربعين العشارية/ ٢٣٥.
(٢) الأربعين العشارية/ ١٢٣ - ١٢٤.
[ ٥ / ١٩٦٣ ]
ثم أتبع العراقي ذلك ببيان تفاوت مراتب الضعف بحسب تفاوت أحوال الرواة، فقال: «ولاشك أن رواية من هو مستور أو مجهول أولى ممن علم جرحه مفسرا عند أهله».
وفي تقريظ العراقي لكتاب تلميذه ابن حجر «نظم الآلي بالمائة العوالي» قال: نظرت هذه الأحاديث العشاريات المائة المخرجة عن الشيوخ العوالي أحسن تخريج وأضواه، … من الأحاديث الصحاح والحسان والغرائب، التي هي عن النكارة، (مبرأة)، عن الثقات الأثبات، وأهل الصدق، والسُّنَن والصيانة المجزئة … (^١) فيلاحظ أنه ذكر ثلاث درجات للأحاديث هي الصحاح ثم الحسان ثم الغرائب غير المنكرة، وقابل الصحاح برواية الثقات الأثبات، والحسان برواية أهل الصدق والصيانة، فصارت الغرائب غير المنكرة دون هاتين، وهي الضعيفة ضعفا خفيفا.
ومن المراجعة التفصيلية لكتاب الأربعين للعراقي، وملاحظة كلامه السابق نجد أن الأحاديث في كتابه هذا ثلاث درجات: هي الصحيح والحسن والضعيف القابل للانجبار، مع بيانه خلال ذلك لما تواتر من الصحيح، ولأحوال الرواة المقتضية للصحة أو الحسن أو الضعف، وذلك على النحو التالي: -