بعد أن ذكر العراقى أنه يورد في كتابه هذا الصحاح والحسان، قال: وربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب وفعله، ولاشك أن رواية من هو مستور الحال أو مجهول، أولى ممن عُلم جرحه مفسرا عند أهله، ثم قال: واجتنبت إيراد رواية من عُرف بالكذب، كأبي هدبة، وموسى
_________________
(١) ينظر الجرح والتعديل ٧/¬٤١.
(٢) ينظر الإصابة ٤/ ترجمة (جمرة بنت عبد الله).
[ ٥ / ١٩٨٨ ]
الطويل، ودينار الحبشى، ويغنم بن سالم والأشج (^١) وهؤلاء الضرب الذين لا يفرح بعواليهم إلا من غلب عليه غباوة جهله (^٢) فيستفاد من كلامه هذا، أنه لم يقتصر في كتابه على الصحيح ولكنه يذكر الضعيف أيضا، وإن كان قليلا بالنسبة إلى مجموع أحاديث الكتاب، وهذا فعلا مطابق لواقع الكتاب، كما سيأتي توضيحه.
ثم إن العراقي أشار إلى نقاش درجات الضعف، بحسب درجات من يرويه، من مجهول أو مستور، أو مصرح بجرحه المفسر بفعل الكذب في الحديث تعمدا، وقرر أنه اجتنب إيراد حديث من عُرف بتعمد الكذب وفعله في الحديث، وقد وفي العراقى بذلك فعلا، بالنسبة للأربعين العشارية التي هي أصل موضوع الكتاب، وذلك لما هو معروف: أن الحديث إذا انفرد به من ثبت تعمده الكذب في الحديث، كان هذا الحديث بسببه موضوعا، مكذوبًا عليه ﷺ (^٣) كما سيأتي بيانه.
ومعنى هذا أن ما لم يجتنبه من الضعيف، بل أورد القليل منه في أصل موضوع الكتاب وهو العشاريات، فإنه حرص على أن يكون ضعفه أخف من ضعف من عرف بتعمد الكذب في الحديث.
_________________
(١) هو عثمان بن الخطاب المغربي، أبو عمر البلوى، أبو الدنيا، الأشج، روى عن علي بن أبي طالب بعد الثلاثمائة، فافتضح أمره، وكذبه النقاد/ ينظر تاريخ بغداد ١١/ ٢٠٩٩ والميزان ٣/¬٣٣ و٤/ ٥٢٢.
(٢) الأربعين العشارية/ ١٢٣.
(٣) ينظر مقدمة جامع التحصيل للعلائي/ ٣٤ وما بعدها. والكامل لابن عدى ٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧/ ترجمة (حميد بن الربيع) وأجوبة الحافظ ابن حجر على ما وصف بالوضع من أحاديث مشكاة المصابيح ٣/ ١٧٧٨، ١٧٨٤ (الحديث الثامن). وتنزيه الشريعة ١/¬١٠، ٢/ ١٣٣ - ١٣٤ واللآلئ المصنوعة للسيوطى ١/ ٤٣٧ - ٤٣٩.
[ ٥ / ١٩٨٩ ]
وبمراجعة ما حكم العراقي عليه بالغرابة فقط خلال الكتاب، نجد أن مراده بالغريب: ما تفرد به راو مجهول وهذا في موضع واحد (^١) أو ما تفرد به راو مصرح بتضعيفه ضعفا يقبل الانجبار بما يعضده وهذا في (٣) مواضع، ولم يراع ما يوجد للحديث أو لبعضه من شاهد يعضده، ويدفع غرابته (^٢) مع أنه في تقريظه لكتاب «نظم اللآلئ» لتلميذه ابن حجر، راعى ذلك فقال: والغرائب التي هي عن النكارة مبرأة (^٣).
لكنه في كتابه هذا اقتصر على الحكم بالغرابة للطريق التي روى هو منها الحديث فقط، دون نظر لما قد وجده غيره من الشواهد، وقد أيد حكمه في ثلاثة أحاديث بذكر وصف الترمذي لكل منها بالغرابة المقيدة بالوجه الذي رواه العراقي منه (^٤).
ولما كان العراقي من أئمة الاصطلاح تأليفا، وتطبيقا، في دراسة الأسانيد والحكم عليها، خلال مؤلفاته بما فيها هذا الكتاب نفسه، فإنه كان ينبغي أن لا يقتصر على وصف الغرابة المجردة، ويترك استنتاج اتصاف الإسناد بالضعف للقارئ، بناء على ما يذكره من حال الراوى المنفرد، بل كان الأولى أن يصرح في إجمال منهجه بذلك، فيقول مثلا: «وربما أوردت الغريب الضعيف إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب … الخ» وقد فعل مثل هذا في غير هذا الكتاب، كما سيأتي في موضعه، وفعل هذا الذهبي أيضا في حكمه.
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية مع حواشيها ص ١٧٢، ٢٠٥، ٢١٦.
(٢) ينظر الأربعين العشارية مع حواشيها ص ١٧٢، ٢٠٥، ٢١٦.
(٣) ينظر نظم اللآلئ بالمائة العوالي/ ١٤٤.
(٤) ينظر الأربعين العشارية مع حواشيها/ ١٧٢، ٢٠٥، ٢١٦.
[ ٥ / ١٩٩٠ ]
على الحديث الأربعين عند العراقي، ومثله الحديث الأول مما زاده على الأربعين من الثلاثة التساعيات، ونقل العراقي حكم الذهبي المصرح بالتفرد والضعف، وأقره (^١).
كما ينبغي أيضا أن يراعى أن أكثر تلك الأحاديث التي وصفها بالغرابة، قد وجد لها من الشواهد ما يرقى بعضها إلى الحسن، وبعضها إلى الصحة (^٢). وبمقتضى هذا تخرج عن دائرة الضعف، وترقى إلى درجة الاحتجاج بها.
أما ما أشار العراقي إلى ضعفه بغير وصف الغرابة، فهو قليل، فمنه طريق للحديث الأول، حيث أخرجه أولا بسنده، من طريق الصلت بن قويد عن أبي هريرة، وحسنه، ثم ذكر طريقا آخر للحديث، عزاها لعبد الله بن أحمد في زياداته على المسند عن إبراهيم بن عبد الله الهروي، وذكر في سندها بين الصلت بن قويد، وبين أبي هريرة «أبا أحمر» وتعقب العراقي ذلك بأنه وهم من إبراهيم الهروي، ثم قال: وسبب الوهم: أن الصلت كنيته «أبو أحمر» كما قال يحيى بن معين والنسائي وأبو أحمد الحاكم، وابن حبان في الثقات، ثم بين أن إبراهيم مختلف فيه تضعيفا وتوثيقا، ولكنه خلاف لا ينزله إلى درجة الضعف في عامة رواياته، ولكن ما يظهر خطؤه فيه فقط، مثل تلك الرواية، فتضعف بخصوصها (^٣).
ومجموع الآراء في حال إبراهيم، وخلاصتها يؤيد ذلك (^٤).
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٧.
(٢) ينظر الأربعين العشارية، وحواشي محققها الفاضل/ ٢٠٦ - ٢٠٧، ٢١٦ - ٢١٧، ٢٢٠ - ٢٢٣.
(٣) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٩.
(٤) ينظر تاريخ بغداد ٦/¬١٢ والكاشف ١/ ترجمة (١٥٢) والتهذيب ١/ ترجمة رقم (٢٣٥) والتقريب (ترجمة رقم ١٩٣).
[ ٥ / ١٩٩١ ]
لكن هذه الرواية لم أجدها في طبعات المسند الحالية، وقد ذكرها الحافظ في التعجيل، وأشار إلى سبق العلائي إلى ذكرها في مسلسلاته وتبعية العراقي في ذلك لشيخه العلائى، ولم يتعقبهما بشيء (^١) مع أنه لم يذكر هذه الرواية في كتابه «المسند المعتلى» في أطراف المسند.
وقد بين العراقي بهذا أن تلك الرواية بزيادة راو في الإسناد، لا تعلى الرواية الأخرى الخالية من الزيادة والتي حكم بحسنها، لكون الوهم في رواية الزيادة هذه ظاهر، ويقتضى ضعفها.
وروى العراقي أيضا متابعة للحديث الخامس عشر كما تقدم، وبين ضعفها الخفيف الذي ارتقى بالطريق الصحيحة للحديث إلى الصحيح لغيره، كما قدمت (^٢).
وروى العراقي الحديث الأربعين من طريق جعفر بن حميد عن عمر بن أبان قال: أراني أنس بن مالك الوضوء (الحديث)، وذكر قول الطبراني: لم يرو عمر (^٣) بن أبان عن أنس حديثا غير هذا، ثم قال: هذا حديث غريب، أخرجه الطبراني هكذا في معجميه، الصغير (^٤) والأوسط (^٥) وأورده الحافظ أبو عبد الله الذهبي في الميزان، في ترجمة (جعفر بن حميد) (^٦) وقال: تفرد به.
_________________
(١) تعجيل المنفعة ١/ ترجمة (٤٨٢).
(٢) وينظر الأربعين العشارية/ ١٦٣ - ١٦٥.
(٣) في المطبوع «عمرو» والتصويب من النسخة المصرية.
(٤) حديث (٣٢٢).
(٥) حديث (٣٣٦٢).
(٦) الميزان ١/ ترجمة (١٤٩٩).
[ ٥ / ١٩٩٢ ]
عنه الطبراني، وعمر بن أبان لا يدرى من هو؟ والحديث ثماني لنا على ضعفه (^١).
فأفاد الذهبي بهذا جهالة كل من: عمر بن أبان، وجعفر بن حميد، وصرح بضعف الحديث من طريقهما، وبتفرد الطبرانى به عن جعفر، وعلى ضوء ذلك حكم العراقي على الحديث بأنه غريب، مع إقراره الذهبي على تضعيفه. وقد أوضح بصنيعه هذا ما أشار إليه في مقدمة الكتاب من أنه ربما ذكر حديثا غريبا، يكون ضعفه خفيفا لجهالة أو ستر راويه، وعدم جرحه بتعمد الكذب.
ونلاحظ أنه لم يذكر العراقي ولا الذهبي لهذا الحديث ما يدفع غرابته ويجبر ضعفه من متابع أو شاهد، في حين يوجد له شاهد بنحوه من حديث على ﵁ أخرجه البزار في مسنده، وقال الحافظ ابن حجر عنه: إسناده مقارب (^٢).
فيمكن به دفع الغرابة، وارتقاء الحديث إلى الحسن لغيره.
وأيضا تثليث الوضوء ماعدا مسح الرأس، له عدة شواهد (^٣) وقد أخرج ابن حجر هذا الحديث في عشارياته من طريق الطبراني، به ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وذكر كلام الذهبى السابق عن كل من: جعفر وعمر ابن أبان، وتضعيف الحديث لأجلهما، وعقب على ذلك بقوله: و«عمر بن أبان» ذكره ابن حبان في الثقات (^٤) وكذا ذكر الهيثمي رفيق العراقي (^٥).
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٢) نصب الراية للزيلعي ١/¬٣١ - ٣٢ والدراية لابن حجر ١/¬٢٧ - ٢٨.
(٣) ينظر نصب الراية ١/¬٣١ - ٣٢.
(٤) الأربعين العشارية لابن حجر ٥/ ب (مخطوط).
(٥) مجمع الزوائد ١/ ٢٣٥.
[ ٥ / ١٩٩٣ ]
ويبدو أن هذا اشتباه منهما، فإن ابن حبان ذكر ممن اسمه (عمر بن أبان) في الثقات، راويين، أحدهما في التابعين (^١) والثاني في أتباع التابعين (^٢) ولكن ماذكره عن كل منهما لا ينطبق على الذى معنا.
ولعل مما يؤيد هذا أن ابن حجر لما ذكر عمر بن أبان هذا في اللسان، أقر حكم الذهبي بجهالته، ولم يذكر أن ابن حبان قد ذكره في الثقات (^٣) وأيضا تعقب ابن الجزرى ما ذكره الذهبى عن راوبي هذا الحديث، وتضعيفه له فقال: رحم الله الذهبي، ما أسرعه إلى التضعيف والجرح، أما جعفر بن حميد فلا يضره تفرد الطبراني عنه، بل رفع عنه الجهالة، ولا نعلم أحدا تكلم فيه، وأما عمر بن أبان فقد ذكره ابن حبان في الثقات، فحكمه على الحديث بالضعف غير مسلم (^٤).
وما قدمته بشأن ذكر (عمر بن أبان) في ثقات ابن حبان، يفيد اشتباه الأمر على ابن الجزرى كذلك، ويؤيد الحكم بضعف الحديث بسنده هذا، كما ذكر الذهبي والعراقي، لكنهما متعقبان بوجود شواهد للحديث ترقيه إلى: الحسن لغيره، كما قدمت، ولم يذكر أي منهما شيئا منها.
أما الضعيف الذي ذكره العراقى فيما زاده على الأربعين، وهو الأحاديث الثلاثة التساعية، فالأول منها، رواه بسنده، من طريقه السابق، لكن بإسناد
تساعى، فيكون أعلا درجة من إسناده العشارى به (^٥) وقد اكتفى العراقي عن
_________________
(١) الثقات ٥/ ١٥٣
(٢) الثقات ٧/ ١٧١
(٣) اللسان ٤/ ترجمة (٨٠٦).
(٤) ينظر الأربعين العشارية لابن الجزري/ ٧١ - ٧٣ (مخطوط).
(٥) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٧ - ٢٢٨
[ ٥ / ١٩٩٤ ]
الكلام على رواته، وتضعيفه بما تقدم، وبالتالي يتعقب بما قدمت أيضا من وجود شواهد عاضدة له، لم يذكر العراقي منها شيئا.
وأما الحديث الثانى من التساعيات فهو من الشديد الضعف الذي كثرت طرقه، فأشار العراقى إلى أنه يتقوى بذلك، كما سأوضحه.
فقد قال العراقي: وقد وقع لنا حديثان آخران في المعجم الصغير للطبراني بهذا الإسناد - يعنى إسناده إلى الطبراني فمن فوقه - تساعيان، في الثاني منهما نظر، فرأيت إيرادهما مع بيان أمرهما للفائدة.
ثم ساق سنده التساعي بالحديث الأول منهما إلى الطبراني قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد القصاص قال: حدثنا دينار بن عبد الله - مولى أنس - حدثني أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ طوبى لمن رآني (الحديث).
ثم قال: حديث ضعيف، رواه الطبراني هكذا في معجميه الصغير (^١) والأوسط (^٢)، ثم قال: وقد رواه عن أنس جماعة من الضعفاء المتهمين، منهم: يغنم بن سالم بن قنبر (^٣) وأبو هدبة ابراهيم بن هدبة (^٤) وموسى الطويل (^٥) ودينار الحبشى، هذا (^٦) وكلهم كذابون، متهمون بالوضع (^٧).
_________________
(١) حديث رقم (٨٥٨).
(٢) حديث رقم (٦١٠٦).
(٣) الكشف الحثيث للبرهان الحلبى/ ترجمة (٨٥١).
(٤) الكشف الحثيث/ ترجمة (٢٤).
(٥) الكشف الحثيث/ ترجمة (٧٩٣).
(٦) الميزان ٢/ ت (٢٦٩٢).
(٧) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٨ - ٢٣٠.
[ ٥ / ١٩٩٥ ]
ويلاحظ هنا أن العراقي وصف الحديث بالضعف فقط، مع تعليل ذلك بأن رواته الأربعة عن أنس كذابون متهمون بالوضع بما فيهم دينار بن عبد الله الحبشى مولى أنس الذى روى العراقي الحديث من طريقه.
وقد كان مقتضى وصفهم بالكذب أن يكون الحديث من طريق كل منهم موضوعا، وليس ضعيفا فقط، كما ذكر العراقي.
لكن من شروط الحكم بالوضع كما قدمت أن يكون الراوى المعروف بتعمد الكذب في الحديث، قد تفرد به، فلم نجد له متابعا ولا شاهدا، وبوجود المتابعات، وبعض الشواهد - كما سيأتى - لهذا الحديث، انتفى شرط الحكم بوضعه، فلا يكون موضوعا.
ومتابعة الأربعة المعروفين بالكذب بعضهم بعضا على رواية الحديث، أصبح كل منهم متهما فقط بالنسبة لهذا الحديث لمشاركة مثله له في روايته، وبهذا الاعتبار جمع لهم العراقي هنا مع الاتصاف بالكذب، الاتهام بالوضع. مع:
اقتصاره في مقدمة الكتاب على وصفهم الأصلي وهو الكذب فقط كما قدمت.
وباعتبار متابعة الثلاثة المذكورين، لرابعهم الذى روى العراقي الحديث من طريقه وجدناه حكم بضعف الحديث فقط.
وبذلك أفادنا قاعدة تطبيقية فى مجال دراسة الأسانيد والحكم عليها لانجد بيانها في مظانها من مؤلفاته في المصطلح، فصنيعه هذا يستفاد منه أن الحديث إذا روى من طريق من هو معروف بالكذب في الحديث، أو متهم بذلك، ولكنه لم ينفرد به، بل وجد له بعض المتابعات - ولو من مثله - أو الشواهد، فإنه في تلك الحالة لا يحكم بوضعه، ولكن ينظر فيما وُجد له من متابعات أو
[ ٥ / ١٩٩٦ ]
شواهد، فإن وجد منها عدد اثنين فأكثر ممن هو معروف بالكذب أو متهم به، فلا يصلحون لترقية الحديث إلى درجة الحسن لغيره، ولكن يصلحون لترقيته داخل دائرة الضعف، فيتحول من كونه منكرا موضوعا، إلى كونه بمجموع طرقه هذه ضعيفا فقط، كما تقدم في عبارة العراقي.
وقد جاء نحو هذا عن تلميذ العراقى الحافظ ابن حجر، وتابعه عليه غيره. فقد ذكر الحافظ تعليل المنذرى لحكم السلفى بصحة حديث «من حفظ على أمتى أربعين حديثا»، بقوله: لعل السلفى كان يرى أن مطلق الأحاديث الضعيفة، إذا انضم بعضها إلى بعض أخذت قوة.
وعقب الحافظ على هذا فقال: قلت: لكن تلك القوة لا تخرج هذا الحديث عن مرتبة الضعف، ولكن الضعف يتفاوت، فإذا كثرت طرق حديث، رجح على حديث فرد، فيكون الضعيف الذى ضعفه ناشئ عن سوء حفظ رواته إذا كثرت طرقه، ارتقى إلى مرتبة الحسن، والذى ضعفه ناشئ عن تهمة أو جهالة، إذا كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال، إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال (^١).
أقول: وقد جاء نحو هذا عمن عاصر السلفى ووقف على قوله بتصحيح هذا الحديث في أربعينه (^٢) وهو الحافظ أبو القاسم ابن عساكر (٥٧١ هـ) حيث روى الحديث المذكور بسنده من حديث كل من أبي الدرداء، وابن عباس، وابن مسعود، وفى أسانيده بتلك الأحاديث من نسب إلى الكذب
_________________
(١) ينظر الامتاع بالأربعين المتباينة لابن حجر/ ٢٩٩ بتحقيق صلاح الدين مقبول أحمد.
(٢) ينظر الأربعين البلدانية لابن عساكر/ ٣٩.
[ ٥ / ١٩٩٧ ]
والوضع (^١) ثم ذكر أن الحديث روى أيضا عن ١٦ صحابيا وسرد أسماءهم، وعقب على الجميع بقوله: في أسانيدها كلها مقال، ليس فيها، ولا فيما تقدمها للتصحيح مجال، لكن الأحاديث الضعيفة إذا ضم بعضها إلى بعض أخذت قوة، لاسيما ما ليس فيه إثبات فرض (^٢).
وبهذا خالف قول معاصره السلفى بتصحيح الحديث، بمجموع طرقه الكثيرة، ولكن أثبت له بمجموعها قوة تجعله يصلح دليلا لما ليس بفرض مثل الآداب والفضائل ونحوهما، وهذا كما ترى قريب مما ذكره الحافظ ابن حجر في تعقب السلفى كما قدمت.
وأيضا الإمام النووى قد حكم بأن هذا الحديث بمجموع طرقه ضعيف وأقره الحافظ ابن حجر (^٣).
وقال في الفتح: الكثرة الواهية تفيد (^٤) وفى النكت على ابن الصلاح ذكر تفاوت مراتب الصحيح والحسن، والاستفادة منها عند التعارض، ثم قال: وكذلك أقول في الضعيف، إذا روى بأسانيد كلها قاصرة عن درجة الاعتبار بحيث لا يُجبر بعضها ببعض، إنه أمثل من ضعيف روى بإسناد واحد كذلك، وتظهر فائدة ذلك في جواز العمل به، أو منعه مطلقا (^٥).
وقال السيوطي: وأما الضعف لفسق الراوى أو كذبه، فلا يؤثر فيه موافقة
_________________
(١) ينظر مقدمة الشيخ عبد الله الجديع لتحقيق الأربعين في الحث على الجهاد لابن عساكر/. ٢١، ١٠ - ١٢
(٢) ينظر الأربعين البلدانية لابن عساكر/ ٤٣
(٣) الأربعين المتباينة/ ٣٠٠ - ٣٠١.
(٤) فتح البارى ١٠/ ٤٤٦
(٥) النكت على ابن الصلاح لابن حجر ١/ ٤١٩ - ٤٢٠ ..
[ ٥ / ١٩٩٨ ]
غيره له، إذا كان الآخر مثله، لقوة الضعف، وتقاعد الجابر، ثم قال: نعم يرتقى بمجموع طرقه عن كونه منكرًا أو لا أصل له، صرح به شيخ الإسلام - يعنى ابن حجر (^١). ثم قال السيوطى: بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور، أو السيء الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل، ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن (^٢).
وذكر السخاوى نحو ذلك، لكن بدون عزو شيء منه لشيخه ابن حجر، مع أنه مثل لما كثرت طرقه على النحو المذكور بحديث «من حفظ على أمتى أربعين حديثا» (^٣) وهو الحديث الذى علق عليه الحافظ بكلامه السابق، والمتضمن لما ذكر السيوطى والسخاوى، ولعل عدم عزو السخاوى شيئا لشيخه، لكونه لم يأخذ بكل ما ذكره، كما يلاحظ ذلك من مقارنة كلاميهما.
أما البقاعي في نكته الوفية التى ذكر أن معظمها مستفاد مما حضره من دروس شيخه ابن حجر، فإنه ذكر ما ذكره السيوطى - فيما قدمته - وأضاف قائلا: وقد جعلنا مجموع تلك الطرق الواهية بمنزلة الطريق التي فيها ضعف يسير، فصار ذلك بمنزلة طريقين، كل منهما ضعفه يسير (^٤) وما قرره كل من السخاوى والبقاعي والسيوطى من مرحلة الترقى إلى الحسن لغيره، يلتقى مع صنيع العراقي بالنسبة لبقية طرق حديث أنس هذا، حيث إنه بعد حكمه
_________________
(١) كما تراه ضمن كلامه السابق.
(٢) ينظر التدريب مع التقريب ١/ ١٩٤ ط مكتبة الكوثر.
(٣) ينظر فتح المغيث للسخاوى ١/ ٨٣ ط مكتبة الطبرى.
(٤) النكت الوفية بما في شرح الألفية - يعنى شرح العراقى لألفيته في المصطلح - ٦٩/ ب مخطوط.
[ ٥ / ١٩٩٩ ]
بضعفه باعتبار مجموع الطرق الأربعة التي عرف رواتها بالكذب والاتهام بالوضع، أتبع ذلك بذكر متابعة أخرى وبين ضعفها فقط، فقال: وقد روى أحمد في مسنده من رواية جسر عن ثابت البناني عن أنس مرفوعا: طوبى لمن رآني (الحديث)، ثم قال: و«جسر» هو ابن فرقد، ضعفه ابن معين والنسائي (^١).
ثم ذكر العراقي شاهدين آخرين للحديث وبين ضعف كل منهما. فقال في أولهما: ورواه أحمد هكذا من حديث أبي أمامة، من رواية أيمن عنه، ثم قال: وأيمن هذا لا أعرفه (^٢) فأشار إلى ضعف هذا الشاهد لجهالة «أيمن» المذكور، حسب علمه.
ولكن لا يسلم هذا للعراقي ﵀ فقد ذكر تلميذه ابن حجر «أيمن» هذا في اللسان وذكر تبعا للميزان وصفه بأنه شيخ مجهول، ثم قال: شيخنا في آخر أربعينه العشارية: لا أعرفه، ثم تعقب هذا فقال: قلت: وقد ذكره ابن حبان في الثقات فقال: هو أيمن بن مالك الأشعرى (^٣)، ثم ذكر ابن حجر أن حديثه الذى معنا وهو «طوبى لم رآني» قد اختلف فيه على همام على وجهين أحدهما: عن قتادة عن أيمن عن أبي أمامة، والثاني: عن قتادة عن أيمن عن أبي هريرة، وذكر أن ابن حبان أخرج في صحيحه الحديث بالوجهين وصححهما، ولم يذكر الحافظ ولا غيره جرحا في «أيمن بن موسى»
_________________
(١) الأربعين العشارية/ ٢٣٠ والمسند لأحمد ٣/ ١٥٥ وتحرف فيه «جسر» إلى «حسن» والميزان ١/ ٣٩٨ واللسان ٢/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٢) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٣١.
(٣) الثقات ٤/¬٤٨.
[ ٥ / ٢٠٠٠ ]
هذا (^١) فمقتضى قاعدة التعديل الفعلى التى أقرها العراقى خلال هذا الكتاب نفسه، كما قدمت، وأقرها غيره كما قدمت أيضا، يكون أيمن هذا بناء على تصحيح ابن حبان لحديثه منفردًا، معروف العين والحال عنده، دون معارض، ويكون حديثه الذى معنا حسنا لذاته، وليس ضعيفا كما أشار العراقى، وقد قال رفيقه الهيثمى عن رواية أحمد التى من طريق أيمن: رجالها رجال الصحيح غير أيمن بن مالك الأشعرى، وهو ثقة (^٢) ولا يطعن هذا في قاعدة التعديل الفعلى، ولكن يتعقب العراقى بعدم تطبيقه لها في هذا الموضع كما طبقها في غيره، مما تقدم، ويبدو أنه ﵀ لم يقف على الحديث في صحيح ابن حبان، بدليل أنه لم يعزه إليه، في حين وقف عليه تلميذه ابن حجر، فتعقب شيخه وغيره في وصف «أيمن» بالجهالة، وأقر تصحيح ابن حبان للحديث من طريقه.
أما الشاهد الثانى: فقد ذكره العراقى بقوله: ورواه - يعنى أحمد في مسنده - من حديث أبى سعيد الخدري نحوه، من رواية ابن لهيعة عن دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد (^٣).
وفي إسناده كما ترى رواية ابن لهيعة له بالعنعنة، ورواية دراج أبي السمح عن أبي الهيثم فيها ضعف كما في التقريب (^٤) وبذلك يكون هذا الشاهد ضعيفا.
_________________
(١) اللسان ١/ ترجمة (١٤٥٦) والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان برقم (٧١٨٩).
(٢) ينظر مجمع الزوائد ١٠/ ٦٧.
(٣) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٣٢ مع المسند لأحمد ٣/ ٧١.
(٤) ينظر التقريب (١٨٢٤).
[ ٥ / ٢٠٠١ ]
فإذا مشينا على عدم تعقب العراقى في تضعيفه رواية «أيمن بن موسى» نجد أنه بمجموع ما ذكره لهذا الحديث من المتابعات الأربعة والشاهدين، أشار إلى أنه يتقوى إلى درجة الحسن لغيره، حيث إنه صدر كلامه عن هذا الحديث والذي بعده بقوله: (في الثاني منهما نظر) ومعناه أن أولهما وهو حديث أنس هذا ليس في قبوله نظر عنده.
كما أن للحديث متابعة خامسة لم يذكرها العراقي (^١).
وقد كان الأولى من إشارة العراقى هذه المجملة إلى قبول الحديث بمجموع ما ذكره له من متابعات وشواهد، أن يصرح بتحسينه لغيره على الأقل، لتوافر ما يحقق شرط الحسن لغيره في طرقه كما تقدم.
لكن قد مر بنا في بيانه لدرجات الأحاديث في كتابه (المغنى عن حمل الأسفار) أنه كان يفعل مثل هذا أيضا، فيذكر من طرق الحديث ما يرقيه إلى الصحة أو الحسن لغيره، ويترك استنتاج ذلك للقارئ الخبير. وقد أفادنا العراقي بهذا التطبيق العملى أن تلك الطرق الثلاثة التي ضعفها يسير في تقديره، يرتقى الحديث ولو بواحد منها، عن درجة الضعف اليسير التي أوصله إليها متابعة جماعة المتهمين، إلى درجة الحسن لغيره، فأصبح ليس في قبوله نظر.
ولا يعكر على هذا ما سبق تعقب العراقى فيه من كون أحد الشاهدين اللذين ذكرهما للحديث يترجح أنه حسن لذاته، فإن هذا تعقب جزئى لا يقدح في أصل ما أفاده تطبيق العراقي هنا، واتفق معه غيره في مثله، من أن الطرق الكثيرة التي لا يصلح كل منها بمفرده للاعتبار، وإن لم يتقو مجموعها إلى
_________________
(١) ينظر تاريخ واسط لبحشل/ ٧٢ وتعليق فضيلة محقق كتاب الأربعين العشارية، بحاشية ص ٢٣٢
[ ٥ / ٢٠٠٢ ]
درجة الاحتجاج، لكنه يتقوى إلى درجة الضعف اليسير الذي يصلح للاعتبار.
وبهذا يمكن التوفيق بين من يقول: إن مثل هذه الطرق، ولو كثرت فلا تجبر مثلها ولا تنجبر به، لشدة ضعف كل منها.
وبين من يقول: إنها تجبر وتنجبر، فيحمل القول الأول على نفى الجبر والانجبار بالمثل إلى درجة الحجية، ويحمل القول الثاني على إثبات الجبر والانجبار بالمثل من أضعف إلى ضعيف يعتبر به فقط.
أما الحديث الثانى التساعي الذي قال العراقي: إن فيه نظرا، وهو يعتبر الحديث الثالث والأخير من التساعيات التي زادها على الأربعين العشارية، فقد رواه من طريق الطبراني أيضا قال: أخبرنا عبيد الله بن رماحس القيسي، برمادة الرملة سنة ٢٧٤ قال: حدثنا أبو عمرو زياد بن طارق - وكان قد أتت عليه (١٢٠) سنة قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم حنين (الحديث) بقصته، وشعره، قال الطبراني: لم يرو عن زهير بن صرد بهذا التمام إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبيد الله بن رماحس (^١).
ثم قال العراقي: هذا حديث غريب، أخرجه الطبراني هكذا في معاجمه الثلاثة، وشيخه عبيد الله بن رماحس، روى عنه جماعة منهم أبو سعيد بن الأعرابي، ثم قال: قال أبو عبد الله الذهبي في الميزان: ما رأيت للمتقدمين فيه جرحا، وما هو من المعتمد عليهم، ثم نقل عن الذهبي أيضا قوله: ثم رأيت الحديث الذي رواه - يعنى حديثنا هذا - له علة قادحة، قال أبو عمر بن
_________________
(١) ينظر الأربعين البلدانية لابن عساكر/ ٣٧
[ ٥ / ٢٠٠٣ ]
عبد البر، في شعر زهير - يعنى الذى في هذا الحديث -: رواه عبيد الله بن رماحس عن زياد بن طارق، عن زياد بن صرد بن زهير عن أبيه عن جده زهير بن صرد، فعمد عبيد الله إلى الإسناد فأسقط رجلين منه، وما قنع بذلك حتى صرح أن زياد بن طارق قال: حدثني زهير، ثم نقل العراقي عن الذهبي قوله: زياد ابن طارق، نكرة، لا يُعرف، تفرد عنه عبيد الله بن رماحس، ثم قال: وإنما ذكرت هذه الأحاديث التساعية، لبيان أمرها، خصوصا هذا الأخير الذي فيه إسقاط رجلين، ثم أشار إلى انتقاد كل من: الحافظ الشريف الحسيني، لايراد هذا الحديث في ثمانيات النجيب، وأبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري، لا يراده في ثمانيات «مؤنسة خاتون» وسباعياتها (^١).
ومن كلام العراقي هذا على الحديث يظهر معنى إشارته السابقة إلى أن فيه نظرًا، ففي سنده ما يقتضى ضعفه سواء من جهة إعضاله بسقط راويين، أو من جهة ضعف عبيد الله بن رماحس، وجهالة زياد بن طارق مع التفرد عن المتابع والشاهد.
لكن تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر تعقبه في هذا، حيث أخرج الحديث نفسه في أول الأربعين العشارية له، وذلك من طريق الطبراني، به، ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وعزاه إلى ابن قانع في معجم الصحابة له عن عبد الله ابن على الخواص عن عبيد الله - يعنى ابن رماحس - شيخ الطبراني. وإلى الضياء المقدسي في المختارة، من طريقين عن الطبراني، عن عبيد الله بن رماحس، به، وذكر قول الضياء عقب الحديث: «زهير» لم يذكره البخاري.
_________________
(١) الأربعين العشارية/ ٢٣٣ - ٢٣٥.
[ ٥ / ٢٠٠٤ ]
ولا ابن أبي حاتم في كتابيهما، ولا زياد بن طارق، وقد روى محمد بن إسحق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحو هذه القصة والشعر، وساقه من طريق الطبراني بتمامه (^١) وعقب الحافظ على ذلك، فقال: قلت: ولا أعلم للحافظ ضياء الدين في تصحيحه سلفا، لكن رواته لم يجرحوا، وقد صرح كل منهم بالسماع من شيخه، فهو فرد غريب، لا وجه لتضعيفه، ثم ذكر ما تقدم نقل العراقي له في تضعيف الحديث من كلام ابن عبد البر والذهبي، ووصفه بأنه تحكم بلا دليل، ورده من جانبه هو بالدليل، ثم ذكر كلام شيخه العراقي بإقراره لما ذكره كل من ابن عبد البر والعراقي، وتقدم لكل من الشريف الحسيني وابن سيد الناس، وقال: إنه قلد في ذلك الحافظ أبا عبد الله الذهبي (^٢).
لما تعرض الحافظ ابن حجر لهذا الحديث أيضا في عدد من كتبه (^٣) وتوسع أكثر في اللسان (^٤) فبين طرق الحديث ورد إعلال كل من ابن عبد البر والذهبي له، وكذا في الأربعين المتباينة بشرط السماع (^٥) وفيهما بين أن الحديث حسن لغيره بشاهده الذي رواه ابن إسحق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية لابن حجر ٢/ ب مخطوط، والمختارة للضياء المقدسي ٩/ حديث (٨٧) بتحقيق معالي الدكتور/ عبد الملك بن دهيش، لكن من طريق واحد فقط عن الطبراني، ولم أجد في هذا الموضع كلام الضياء عن زهير بن زياد ولا عن زياد بن طارق، ولا ذكره لرواية ابن إسحق.
(٢) ينظر الأربعين العشارية لابن حجر ٢/ ب - ٤/ مخطوط.
(٣) ينظر الفتح ٨/¬٣٤ والإصابة ١/ ٥٥٣ ترجمة «زهير بن صرد».
(٤) لسان الميزان/ ٤/ ٩٩ - ١٠٤/ ترجمة «عبد الله بن رماحس».
(٥) حديث (٢٢) / ١٧١ - ١٧٧ بتحقيق صلاح الدين مقبول.
[ ٥ / ٢٠٠٥ ]
ويفهم ذلك أيضا من كلامه في الفتح (^١).
أما في الأربعين العشارية له فقال: حسن غريب، وهو فرد غريب لا وجه لتضعيفه (^٢) وهذا يفيد تحسينه لذاته.
وعلى أى من القولين، يكون اقتصار العراقي على الحكم يضعف هذا الحديث مطلقا، مردود، لرد ما ضعفه لأجله، كما تقدم، وقول الحافظ ابن حجر: إنه فرد غريب، يرده ما ذكره الحافظ نفسه من شاهده الذي رواه ابن إسحق كما تقدم.
د - إشارته إلى الحديث الموضوع، وذكر بعض رواته، ونقده لمن يفرح بمواليهم.
أما الحديث الموضوع فلم يذكر العراقي شيئا منه في هذا الكتاب، بل أشار صراحة إلى استبعاده فقال: واجتنبت إيراد رواية من عرف بالكذب، كأبى هدبة، وموسى الطويل، ودينار الحبشى، ويغنم بن سالم والأشج، وهؤلاء الضرب الذين لا يفرح بمواليهم، إلا من غلبت عليه غباوة جهله (^٣).
وقد أعاد ذكر هؤلاء الرواة الخمسة في الكلام على الحديث التساعي الذي رواه من طريق أحدهم وهو دينار الحبشى، وذكر متابعة: كل من: يغنم وأبو هدبة، وموسى الطويل له، كما تقدم، وذكر أنهم كذابون متهمون بالوضع (^٤).
_________________
(١) فتح البارى ٨/¬٣٤.
(٢) الأربعين العشارية لابن حجر ٢/ ب مخطوط.
(٣) الأربعين العشارية/ ١٢٣.
(٤) الأربعين العشارية/ ٢٢٨ - ٢٣٠.
[ ٥ / ٢٠٠٦ ]
ولا يعتبر ذكره هذا الحديث من طريقهم إخلالا بشرطه في اجتناب رواية هؤلاء وأمثالهم، لأن هذا ليس من الأربعين العشارية التي هي الموضوع الأصلي للكتاب، ولكنه من التساعيات التي زادها للفائدة فقط، ثم إن هذا الحديث لم يتفرد به دينار الحبشى، بل وجد له متابعات وشواهد، ذكر منها العراقي ما يرقيه إلى الحسن لغيره، ولذلك قرر العراقي نفسه أنه ليس في قبوله نظر، كما قدمت توضيحه.
أما ما تفرد به بعض هؤلاء الموصوفين بالكذب، وأمثالهم، فبين أنه يوجد من طريقهم أحاديث تكون بالنسبة له ولأقرانه أعلا إسنادا، فتكون تساعية مثلا، ولكن لا يصح سندها، ثم يقول: ولا فائدة في العلو مع عدم الصحة (^١) ويقول إن هؤلاء الرواة المعروفين بالكذب، وأضرابهم، لا يفرح بعواليهم إلا من غلب عليه غباوة جهله بقواعد النقد، وبخطورة الكذب على رسول الله ﷺ (^٢).
وقد ذكر ممن وقع منه ذلك معاصريه اثنين هما: الحافظ الشريف عز الدين الحسيني (المتوفى سنة ٧٦٥ هـ) في كتابه «ثمانيات النجيب الحراني»، والحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري (المتوفى سنة ٧٣٤ هـ) في كتابيه «ثمانيات المسندة» مؤنسة خاتون بنت الملك العادل (^٣) وسباعياتها (^٤).
وذكر أيضا الحافظ ابن حجر أن شيخه وقرين العراقي، سراج الدين بن الملقن (المتوفى سنة ٨٠٤ هـ) كان عنده عوالى كثيرة، ومع ذلك فقد
_________________
(١) الأربعين العشارية/ ٢٣٥.
(٢) الأربعين العشارية/ ١٢٣.
(٣) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/¬٢٦.
(٤) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٣٥.
[ ٥ / ٢٠٠٧ ]
عقد مجلس الإملاء، فأملى الحديث المسلسل بالأولية ثم عدل إلى أحاديث «خراش» (^١) وأضرابه من الكذابين، فرحا بعلو الإسناد، وعقب ابن حجر على ذلك بقوله: وهذا مما يعيبه أهل النقد، ويرون أن النزول أولى من العلو في هذا الموضع، إذا كان العالى من رواية الكذابين، وذلك لأنه عندهم كالعدم (^٢).
وعبارة العراقي السابقة بأنه لا يفرح بعوالى الكذابين إلا من غلبت عليه غباوة جهله، تعتبر شدة في النقد لم نعهدها منه، والمحمل المناسب لها هو ما وصف به من الشدة في الحق، كما تقدم في دراسة شخصيته، ويتفق موقفه هذا مع ما قرره النقاد المعتبرون من قبله ومن بعده، من أن العبرة في العلو مع قلة عدد رجال الإسناد، سلامتهم من تعمد الكذب أو الاتهام به، كما أشار الحافظ ابن حجر في عبارته السابقة.
خامسا: من القواعد والفوائد وآراء العراقي خلال الكتاب.
خلال ما تقدم من عناصر منهج العراقى في هذا الكتاب، ذكرت بعض القواعد والتطبيقات التي أوردها العراقي تبعا لما يتعلق بها من مشتملات الكتاب، وهنا سأورد بعض النماذج الأخرى لقواعد وفوائد وآراء أشار إليها العراقي أيضا خلال الكتاب، حتى يستفاد بها فيما يماثلها.
فمن ذلك: جمعه بين أوجه الاختلاف من الثقات على الراوى الثقة الذي يكون عليه مدار طرق الحديث، وذلك بحمل الخلاف على تعدد شيوخ المدار،
_________________
(١) الكشف الحثيث عمن رمى بوضع الحديث/ ١٦٦ قال ابن حبان: كان يضع الحديث وضعا/ ترجمة (٢٧٣).
(٢) المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ٣١١ و٢/ ٣١٦ وفتح المغيث للسخاوى ٣/ ٣٤١.
[ ٥ / ٢٠٠٨ ]
وبالتالي صحح الطرق المختلفة للحديث. فقد روى الحديث السابع من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان ابن لأم سليم يقال له: أبو عمير، كان النبي ﷺ يمازحه (الحديث). وقال: هذا حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن محمد بن عبد الله الأنصاري، ثم قال: ورواه النسائي في سننه الكبرى، في عمل اليوم والليلة، عن عمران بن بكار البراد الحمصي، عن الحسن بن خمير عن الجراح بن مليح عن شعبة عن محمد بن قيس عن حميد، بنحوه. ثم قال: وقد اختلف في هذا الحديث على شعبة، فرواه الجراح بن مليح والد وكيع، عنه. يعنى عن شعبة - هكذا وخالفه آدم بن أبي إياس، وعبد الله ابن إدريس الأودي، ويزيد بن زريع، فرووه عن شعبة عن أبي التياح - واسمه - يزيد بن حميد الضبعي - عن أنس. وعزاه إلى الأئمة الستة خلا أبا داود، من رواية شعبة، هكذا وقال: وهو المحفوظ. ثم قال: ورواه سعيد بن عامر عن شعبة عن قتادة عن أنس، وعزاه إلى النسائي في اليوم والليلة أيضا. ثم قال: ورواية الأنصاري - يعنى التي رواها العراقي بسنده كما تقدم - له عن حميد عن أنس صحيحة (^١). فأصبح هناك تعارض في ظاهر الأمر بين حكمه هذا بصحة الوجه المخالف لأكثر الثقات، وبين وصفه ما رواه أكثر الثقات بأنه هو المحفوظ، وتصحيح الشيخين وغيرهما له.
_________________
(١) الأربعين العشارية/ ١٤٢ - ١٤٣.
[ ٥ / ٢٠٠٩ ]
وقد اقتصر المزى هنا على الأخذ بقاعدة الترجيح بالأكثر، فوصف روايتهم بأنها هي المحفوظة (^١) ومقتضاه إعلاله للوجه المخالف الذي صححه العراقي، وذلك لكونه مخالف للمحفوظ، فيكون شاذا، وإن كان رجال إسناده ثقات.
لكن العراقي بين أنه يمكن دفع هذا التعارض الظاهري والشذوذ، بالجمع بين وجهى الخلاف، وذلك بحمله على تعدد شيوخ شعبة، وتعدد تحديثه عنهم، فيكون الكل محفوظا.
وذلك أنه بعد الحكم بصحة رواية الأنصارى، قال: ولا مانع أن يكون لشعبة فيه ثلاثة شيوخ، فحدث به مرة عن هذا، ومرة عن هذا، ومرة عن هذا، والله أعلم (^٢).
وقد أخذ تلميذه ابن حجر بهذا الجمع، دون عزوه لشيخه العراقي أو لغيره (^٣).
٢ - ويلاحظ أنه خلال تخريج العراقى لوجوه الخلاف في هذا الحديث، عزا بعضها إلى (عمل اليوم والليلة للنسائي)، وقرر أن هذا الكتاب يعتبر من كتب سننه الكبرى، وهذا يرد ما يظنه بعض المشتغلين بالحديث من أن هذا كتابا مستقلا عن السنن، متابعة منهم لصنيع المزى في تهذيب الكمال، حيث أفرده برمز خاص، دون بيان وجه لذلك، كما قال الحافظ ابن حجر (^٤) وقد كرر العراقي صنيعه هذا أيضا في تخريج الحديث (١٣) (^٥).
_________________
(١) تحفة الأشراف ١/ ٢٠٦.
(٢) الأربعين العشارية/ ١٤٣.
(٣) فتح البارى - كتاب الأدب باب الكنية للصبى ٩/ ٥٨٣.
(٤) تهذيب التهذيب لابن حجر ١/¬٦.
(٥) الأربعين العشارية/ ١٧٥.
[ ٥ / ٢٠١٠ ]
٣ - لما أخرج الحديث (١٣) من طريق أبى بكر بن عياش، بين خلاصة حاله كما قدمت، ثم تعرض لمبحث آخر، وهو تحقيق الخلاف في اسم هذا الراوى، فقال: وقد اختلف في اسمه على ثلاثة عشر قولا، فقيل اسمه شعبة، وصححه أبو زرعة الرازى، وقيل اسمه سالم، وقيل عبد الله، وقيل غير ذلك، ثم قال: والصحيح أن اسمه كنيته، صححه ابن حبان (^١) وابن عبد البر (^٢) وابن الصلاح (^٣) والمزى (^٤) والذهبي (^٥).
فيلاحظ أنه مع ذكر مجمل الأقوال، ذكر تصحيح من قبله لوجهين، ثم رجح منهما ما صححه الأكثرون.
٤ - في الحديث رقم (٢٠) ذكر العراقي أن والد «سُحَامة» أحد رواة الحديث، قد اختلف في تسميته، وأن ابن حبان سماه «عبد الرحمن» ثم قال: وهكذا قال ابن أبى حاتم عن أبيه فيما صدر به كلامه، ثم ذكر أن ابن أبى حاتم قال أيضا: وقيل عبيد الله (^٦).
فتقريره أن ابن أبى حاتم صدر كلامه بما يوافق ما ذكره ابن حبان، وذكره القول الثانى في التسمية بعبارة «قيل»، يعتبر استنتاجا منه لكون ابن أبى حاتم يرجح التسمية (بعبد الرحمن) التى ذكرها ابن حبان، ويضعف القول الثاني بأن اسمه «عبيد الله».
_________________
(١) الثقات ٧/ ٦٦٩.
(٢) الاستغناء في الكنى له ١/ ٤٤٠ - ٤٤٤.
(٣) علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٣٧٣ (معرفة الأسماء والكني).
(٤) تهذيب الكمال ٣٣/ ١٢٩ - ١٣٠.
(٥) تذكرة الحفاظ ١/ ٢٦٥.
(٦) الأربعين العشارية/ ١٧٩ - ١٨٠.
[ ٥ / ٢٠١١ ]
وهذا تطبيق من العراقي لقاعدة قررها وطبقها أيضا في نكته على ابن الصلاح، كما تقدم في موضعه (^١) وهي: أن تصدير العالم كلامه بأحد الآراء يفيد ترجيحه له على غيره، وقد زاد هنا فبين أمرا آخر وهو: أن حكاية أحد الأقوال بلفظ «قيل» يفهم منه تضعيفه إذا وجدت قرينة مؤيدة، مثل قرينة التصدير بالقول المخالف.
وبذلك يفهم من مجموع ما ساقه العراقى عن الخلاف في اسم والد «سحامة» هذا أنه يرجح كونه «عبد الرحمن»، استنتاجا من صنيع ابن أبى حاتم في ذكر الخلاف في هذا وتطبيق بعض قواعد الترجيح في هذا، فيمكننا الاستفادة من هذا فيما يتناسب معه من مواقع اختلاف الأقوال، وقد مشى الحافظ ابن حجر على مقتضى هذا الترجيح في ترجمة «سحامة» في التهذيب ٣/ ترجمة (٧٤٩) ولكنه عكس في التقريب/ ترجمة (٢٢١١).
٥ - اعتباره قول النسائي في الراوى: «لا بأس به» أنه توثيقا له عنده، مع ما هو معروف من أن النسائي يستعمل في التوثيق اللفظ الصريح في ذلك، وهو لفظ ثقة. فقد ذكر العراقي الأقوال في حال «اسماعيل بن موسى الفزاري» ومما ذكره قوله: «ووثقه النسائي، فقال: ليس به بأس» (^٢) ولم أجد تصريحا من النسائي بأنه يقصد بهذا اللفظ التوثيق، وقد ذكر هذا اللفظ عنه كل من المزى (^٣) والذهبي (^٤) وابن حجر (^٥) ولم يذكروا أنه يعتبر توثيقا عنده، فيعتبر هذا
_________________
(١) وينظر التقييد والإيضاح مع علوم الحديث لابن الصلاح/ ٣١٤، ٣١٧، ٣٧٨، ٣٩٠.
(٢) الأربعين العشارية/ ٢٠٦.
(٣) «تهذيب الكمال» ٣/ ترجمة (٤٩١٠).
(٤) الميزان ١/ ترجمة (٦١٣٥).
(٥) «تهذيب التهذيب» ١/ ت (٦٠٦).
[ ٥ / ٢٠١٢ ]
إستنتاجا من العراقي، يفيدنا به أن التوثيق عند النسائى مراتب، فمنه مرتبة يصرح فيها بلفظ: «ثقة» ومنه مرتبة يصف الراوى فيها بأنه «ليس به بأس» فيكون توثيقا أدنى من الصريح، فيستفاد من تفاوته هذا عند الاختلاف في حال الراوى، كما يستفاد بذلك في تقدير حال الراوى عند النسائي حين يصفه بهذه اللفظة وحدها.
٦ - روى العراقي الحديث رقم (١٨) بسنده إلى عكراش بن ذؤيب أن قومه بعثوه بصدقاتهم إلى رسول الله ﷺ فقدم المدينة ولقى الرسول ﷺ وسلمه الصدقات (الحديث). وقد علق العراقى على هذا الحديث بذكر الخلاف في آخر من مات من الصحابة مطلقا، في جميع بلاد الإسلام، مع بيان الراجح والمرجوح من ذلك بالدليل، وقد أفاض في تناول هذا الموضوع بنحو صفحتين (^١).
وقد تناول العراقي هذا المبحث نفسه في كتاب سابق على هذا الكتاب، وهو التقييد والإيضاح (^٢)، وما ذكره هنا متقارب مع ما ذكره هناك، فلعله أعاده هنا مراعاة لمن تلقوا عنه هذا الكتاب في مجالس إملائه بالمدينة النبوية لكونهم من الغرباء الوافدين من مختلف الأقطار، وقد لا يكون توافر لهم كتابه الآخر الذي بين فيه ذلك.
ولما كان هذا المبحث لم أتعرض له في دراسة كتاب التقييد والإيضاح، فإنه يمكن هنا بيان أهم ما يستفاد منه من تقعيد وآراء للعراقي في هذا الموضوع.
فقد ذكر صحبة صحابي هذا الحديث وهو عكراش بن ذؤيب، ثم ذكر أن
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٧٣ - ١٧٦.
(٢) ينظر التقييد والإيضاح/ ٣١٢ - ٣١٣.
[ ٥ / ٢٠١٣ ]
ابن قتيبة (الدينوري) ذكر في كتابه المسمى بـ «المعارف» (^١) أن عكراشا هذا حضر مع علي ﵁ وقعة الجمل، وأن عليا مسح على رأسه، وأن عكراشا عاش بعد ذلك مائة سنة (^٢).
وذكر أن ابن دريد ذكر هذا في كتابه المسمى «الاشتقاق» (^٣) وأنه أخذه مما ذكره ابن قتيبة في كتابه «المعارف» وأن بعض المتأخرين على ابن دريد احتج بهذا في اعتراض له على ابن الصلاح في قوله في كتاب علوم الحديث له: إن آخر الصحابة موتا على الإطلاق هو أبو الطفيل عامر بن واثلة، مات سنة ١٠٠ هـ، وبنى اعتراضه على ما يستنتج من قول ابن دريد: إن عكراشا عاش بعد موقعة الجمل مائة سنة، فيكون هو آخر الصحابة موتا على الإطلاق، وليس أبا الطفيل، كما ذكر ابن الصلاح.
ثم تصدى العراقي لرد هذا الاعتراض، فقال: وهذا مردود، إجماعا، وابن دريد لا يعتمد عليه في ذلك، وإنما حكى حكاية بغير إسناد، محتملة للتأويل، ثم ذكر كذلك أن ابن قتيبة حكى هذا بغير إسناد، ثم ذكر دليل الإجماع فقال: وقد أجمع أهل الحديث أن أبا الطفيل آخر من مات من الصحابة، وذكر خمسة من الأئمة النقاد قرروا آخرية وفاة أبي الطفيل مطلقا، وقال: وغيرهم، ثم قال: ولم أر لغيرهم خلاف ذلك إلا عن جرير بن حازم، فإنه قال: آخرهم موتا سهل بن سعد ثم قال: وكأنه أخذه من قول سهل بن سعد: لو مت لم تسمعوا أحدا يقول: قال رسول الله ﷺ، وإنما كان خطاب سهل.
_________________
(١) المعارف لابن قتيبة/ ١٣٤ مع الأربعين العشارية/ ١٧٤.
(٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٧٣ - ١٧٦.
(٣) الاشتقاق لابن دريد/ ٢٤٩ تحقيق عبد السلام هارون.
[ ٥ / ٢٠١٤ ]
ابن سعد لأهل المدينة، وإنما أراد جرير بن حازم ذلك - يعنى آخرية من مات بالمدينة فقط، بدليل أن وهب بن جرير بن حازم روى عن أبيه قال: كنت بمكة سنة ١١٠ هـ، فرأيت جنازة فسألت عنها فقالوا هذا أبو الطفيل.
قال العراقي: وقد مات سهل قبل ذلك بمدة طويلة، وأكثر ما قيل في موته أنه سنة ٩١ هـ، فعلى هذا يكون الإجماع (واقعا) (^١) على أن آخرهم موتا أبو الطفيل، وإنما اختلفوا في سنة وفاته، ثم ذكر ثلاثة أقوال أخرى، ثالثها أنه سنة ١١٠ هـ وقال: وصححه أبو عبد الله الذهبي في الوفيات.
ثم قال: والدليل على كذب من ادعى أنه بقى بعد سنة ١١٠ هـ قوله ﷺ في الحديث الصحيح، في السنة التي مات فيها: أرأيتكم ليلتكم هذه على رأس مائة سنة منها، لا يبقى أحد على وجه الأرض، وعزا الحديث إلى البخاري في صحيحه، ثم قال: فعلى هذا لم يبق أحد بعد سنة ١١٠ هـ.
ثم قال: وكيف يظن عاقل أنه يعيش واحد من الصحابة إلى بعد الثلاثين ومائة في بلد من البلاد أو فى حى من الأحياء، ولا يعرف به أحد من أهل العلم، ولا يقصده أحد من أهل الحديث، ولا يسمع منه أحد، وإنما انفرد عنه ابنه عبيد الله بالرواية، هذا ما لا يقع في الذهن إمكانه، مع حرص أهل العلم على طلب الصحابة والسماع منهم، والله أعلم (^٢).
فمن خلال هذا المبحث يستفاد الآتي: -
أولا: إشارة العراقي إلى أن المتأخر إذا ذكر قولا موافقا لقول غيره ممن سبقه، فيمكن اعتباره مستفيدا ذلك ممن سبقه، ولو لم يصرح المتأخر بأخذه من
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٧٣ - ١٧٦.
(٢) في المطبوع «واحدا»، والتصويب من النسخ الأخرى.
[ ٥ / ٢٠١٥ ]
المتقدم، وذلك لأن جرير بن حازم لم نجد تصريحه بأخذ قوله مما يفيده قول سابقه سهل بن سعد، وكذلك ابن دريد (سنة ٣٢١ هـ) لم يصرح بأنه أخذ ما ذكره من قول سابقه ابن قتيبة (٢٧٦) هـ ولا من غيره (^١).
وهذه الإشارة من العراقي، قد أقرها وأخذ بها الكثير من العلماء والباحثين، قديما وحديثا في إثبات التأثير والتأثر بين السابق واللاحق من العلماء، والمدارس العلمية (^٢) وإن تفاوتت الأنظار في ذلك.
ثانيا: أهمية الاختصاص في تقدير آراء العلماء، فلا يعتد بقول المخالف إذا لم يكن من أهل الاختصاص المتعلق بهذا القول، وإن كان له مكانته المعروفة في غير هذا الاختصاص، كابن قتيبة، وابن دريد، فلم يعتد بقولهما المخالف في مبحث الصحابة المذكور، وإن كان لكل منهما منزلته العلمية في غير ذلك.
ثالثا: أن العلم المستفاد من المرويات يتوقف قبوله على ثبوت إسناد له يعول عليه، فإذا ثبت الإسناد، وتعارض مضمون المتن مع مساويه في القوة، فينظر في محمل معتبر لمضمونه يمكن على ضوئه الجمع بين المتعارضين في الظاهر، وذلك أن العراقي انتقد ما ذكره ابن قتيبة وابن دريد بعدم ذكر إسناد لما حكياه، مع كونه من باب الرواية، ثم ذكر أنه لو فرض وجود سند معتبر لما ذكراه، فإنه يمكن حمل القول بأن عكراشا عاش بعد الجمل مائة سنة، على معنى أنه عمره كله، وتم بالفترة التي بعد الجمل مائة سنة، وبذلك يتفق مع القول المجمع عليه بأن آخر الصحابة موتا على الإطلاق هو أبو الطفيل، ويندفع بذلك التعارض بينهما.
_________________
(١) ينظر الاشتقاق لابن دريد/ ٢٤٩ بتحقيق عبد السلام هارون.
(٢) ينظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ٤٥٢ (الضحاك بن مخلد).
[ ٥ / ٢٠١٦ ]
وأيضا بعد ثبوت سند قول سهل بن سعد، أمكن حمله على من خاطبهم به، وهم أهل المدينة النبوية فقط، فلا يعارض الآخرية العامة لوفاة أبي الطفيل، ولا ينقضى الإجماع على ذلك، كما لا ينقضه الخلاف في تحديد سنة وفاة أبي الطفيل، كما سبق.
رابعا: أن الصحيح من الأقوال قد يخالف المشهور منها، فقد ذكر العراقي أن القول المشهور في وفاة أبي الطفيل هو سنة مائة، ثم حكى قولا آخر بأنه بقى إلى سنة ١١٠ هـ، وذكر تصحيح الذهبي له، وأقره.
خامسا: أن المسائل النقلية ينبغى العناية بما يؤيدها من الشواهد الواقعية المعقولة، كما أشار إلى ذلك العراقى في إتباعه الرواية التي صح سندها بقوله: «وكيف يظن عاقل أنه … الخ».
٧ - من أنواع تحمل الحديث المعتد بها في اتصال الإسناد، تحمله بالإجازة، ولكنها أقل درجة من السماع من لفظ الشيخ ومن القراءة عليه، فتعتبر مرتبة ثالثة من أنواع التحمل، ولها عدة أنواع بلغ بها العراقي وغيره تسعة أنواع (^١).
وذكر العراقي أن النوع الثالث منها: الإجازة بتعميم المجاز له، وتعرف بالإجازة العامة، حيث يقول المجيز: أجزت لجميع المسلمين، أو لمن أدرك زماني، أو لكل أحد، ونحو ذلك، أن يروى عنى جميع مروياتي، أو يحدد بعضها، وهذا النوع كما ترى فيه توسع ظاهر، ولذلك اشتد الخلاف فيه فأجازه جماعة ورووا به، ورده جماعة أكثر، كما فصله العراقي
_________________
(١) فتح المغيث للعراقي مع ألفيته ٢/ ٦٥ - ٧٨ وللسخاوى ٢/ ٢١٤ - ٢٧٧ وتدريب الراوى ١/ ٤٤٧ - ٤٦٦.
[ ٥ / ٢٠١٧ ]
وغيره (^١) وقال العراقى في شرحه للألفية: وقد قرأت بها عدة أجزاء على الوجيه عبد الرحمن العوفي بإجازته العامة من عبد اللطيف القبيطي، وأبي إسحق الكاشغري، وابن رواج والسبط - يعنى سبط السلفي - وآخرين من البغداديين والمصريين، ثم قال: وفي النفس من ذلك شيء، وأنا أتوقف عن الرواية بها، ثم أجاب عن تحمله بها فقال: وأهل الحديث يقولون إذا كتبت فقمش - أي اجمع جمعا عاما - وإذا حدثت ففتش - أى تخير وانتق ما تحدث به (^٢) وفي (التقييد والإيضاح) ذكر ممن قرأ بها شيخه العلائي على أبي العباس بن نعمة بإجازته العامة من داود بن معمر الفاخر، ثم قال: وبالجملة ففى النفس من الرواية بها شيء، والاحتياط، ترك الرواية بها، والله أعلم (^٣).
لكن في هذا الكتاب تعدد صنيع العراقي، ففي بداية تأليفه له وإملائه، وقراءته عليه بالمدينة حتى جمادى الأولى سنة ٧٩١ هـ كما تقدم نجده قد روى فيه بالإجازة العامة في ثلاثة أحاديث، جميعها عن شيخه العوفي السابق ذكره له، وأولها من رواية العوفى عن ابراهيم بن عثمان الكاشغري إذنا عاما قال أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن البطى وعلى بن عبد الرحمن بن محمد المعروف بتاج القراء قالا … الخ (^٤).
والحديثان الآخران من رواية العوفى أيضا قال أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن
_________________
(١) ينظر فتح المغيث للعراقي ٢/ ٦٧ - ٦٨ وللسخاوى ٢/ ٢٢٣ - ٢٤٣ والتدريب ١/ ٤٥١ - ٤٥٤
(٢) ينظر فتح المغيث للعراقي ٢/ ٦٨ والتدريب ١/ ٤٥٣.
(٣) التقييد والإيضاح/ ١٨٣ والتدريب ١/ ٤٥٣.
(٤) الأربعين العشارية/ ١٩٨ مع تصويب بعض الألفاظ من النسخ الخطية.
[ ٥ / ٢٠١٨ ]
ابن مكي بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فيما أذن لنا عموما أن نروى عنه قال: أخبرني جدى لأمى الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي … الخ (^١).
وقد ذكر السخاوي صنيع العراقي هذا (^٢) وذكره تلميذه ابن الجزري وعقب عليه بقوله: والعجب أنه قال في شرح ألفيته؛ وفي النفس من ذلك شيء وأنا أتوقف عن الرواية به (^٣) ويبدو مما تقدم عن ظروف تأليف الكتاب وإملائه بالمدينة النبوية، أن العراقي اضطره إلى ذلك ضيق الوقت وبعده عن مكتبته الخاصة وغيرها، لكنه لما رجع إلى مصر حيث مكتبته الخاصة التي كانت غنية بالكتب والأجزاء الحديثية كما تقدم في التعريف بها، وكذلك وفرة المراجع الحديثية في المكتبات العامة بمصر آنذاك، مع شيء من سعة الوقت، كل ذلك ساعد العراقي على البحث في مرويات أخرى له عالية الإسناد، وخالية من الإجازة العامة، بل ومن الإجازة عموما؛ فعمل نسخة أخرى من هذه الأربعين وهي النسخة المصرية السابق ذكرها، فجاء فيها قيامه في ربيع الآخر سنة ٨٠٠ هـ بإلحاق حديثين بديلين عن حديثين مما فيه الرواية بالإجازة العامة، خاليين من الإجازة عموما (^٤).
وفيها أيضا إبدال حديثين مشتملين على إجازة خاصة (^٥).
_________________
(١) الأربعين العشارية/ ٢٠٨، ٢١٨.
(٢) فتح المغيث للسخاوى ٢/ ٢٢٧.
(٣) ينظر الأربعين العشارية لابن الجزري/ ٢١ (مخطوط).
(٤) ينظر النسخة المصرية ١٥/ أ، ب و١٦/ أ، ب مع ص ٢٠٨، ٢١٨ من المطبوع.
(٥) ينظر النسخة المصرية ١٨/ أ، ب مع المطبوع/ ١٨٩، ٢٢٤.
[ ٥ / ٢٠١٩ ]
ولكنه رغم هذا بقى حديث واحد مروى بالإجازة العامة في النسخة المصرية كما هو في غيرها (^١) وكذلك أبقى الحديثين اللذين ذكر بدلهما، كما هما لقصد الفائدة، فبهذا التغيير في النسخة المصرية، يتضح أنه تغير رأيه إلى جواز الرواية بالإجازة العامة عند الضرورة، فقط، فتكون حينئذ خيرا من إيراد الحديث بدون سند، وقد قررت هذا أيضا في الجمع بين قوله وصنيعه العملي، وذلك في دراستى السابقة لكتابه التقييد والإيضاح، وبنحو هذا قال تلميذه الحافظ ابن حجر (^٢) وتبعه في هذا السيوطى (^٣).
أثر الكتاب فيما بعده:
١ - من أهم آثار هذا الكتاب أنه حفظ لنا أنموذجا عمليا واضحا لإحياء سنة إملاء الحديث من حفظ المحدث، وإسماعه من لفظه، لمن حضر لتحمله عنه، كما فعل الرسول ﷺ مع صحابته، ثم صحابته فمن بعدهم إلى زمن …
٢ - أنه يعتبر أنموذجا محفوظا ومتداولا لاتصال أسانيد رواية الحديث، وخاصة بأعلا ما وجد في عصره من الأسانيد، ابتداء من مصدرها الأعلى، وهو الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وانتهاء بمن تحمل هذا الكتاب عن العراقي في أواخر القرن الثامن الهجرى، من طلبة علوم السنة وروايتها من مختلف الأعمار، من الصبيان الصغار فمن هو أكبر منهم، ومن مختلف أقطار الاسلام شرقا وغربا ممن وفد على مشكاة النبوة بالمدينة المشرفة، كما أشار العراقي إلى ذلك في مقدمة الكتاب في قوله: «ورأيت أن أقدم قبل الأربعين،
_________________
(١) ينظر المصرية ١٢/ أ، ب مع المطبوع/ ١٩٨.
(٢) شرح نخبة الفكر/ ٦٦ ط دار الكتب العلمية.
(٣) التدريب ١/ ٤٥٣.
[ ٥ / ٢٠٢٠ ]
إملاء الحديث المسلسل بالأولية وإن لم يكن عشاريا، ليحصل التسلسل لمن ابتدأ السماع من الصبيان، والغرباء» (^١).
٣ - أن الكتاب بعد إملاء العراقي له على من حضر مجالس الإملاء، صار ضمن مؤلفات علم الحديث الدراسية، فقرئ على العراقي، وسمعه طلابه منه أكثر من مرة، في المدينة النبوية في عدة مجالس بقراءة رفيقه نور الدين الهيثمي، كما تقدم في وصف نسخ الكتاب، وبيان منهج المؤلف فيه، وفي مصر قرئ الكتاب مرة أخرى عليه وسمعه جماعة وذلك بقراءة تلميذه البارز ابن حجر العسقلاني. وذلك في مجلس واحد في ١٢ شوال سنة ٧٩٦ هـ، وأجازهم كذلك، كما جاء بآخر نسخة دار الكتب المصرية السابق ذكرها. وأيضا كتبت من هذا الكتاب عدة نسخ خطية تداولها طلبة العلم والرواية كما تقدم في التعريف بنسخه الخطية.
وقد اتصل سند رواية أحاديث الكتاب إلى عصرنا الحاضر، كما أثبته الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه المعروف «فهرس الفهارس والأثبات» (^٢).
٤ - قد استفيد من مضامين هذا الكتاب رواية ودراية، جملة وتفصيلا، وأظهر الأمثلة لتلك الإفادة ما حصل لأحد تلاميذ العراقي البارزين وهو محمد ابن محمد بن محمد بن على الدمشقى المعروف بابن الجزرى، شيخ القراء في عصره المتوفى سنة ٨٣٣ هـ (^٣) وقد ألف كتابا في الأربعين العشارية الإسناد لنفسه، وقال في مقدمتها: وكان بعض شيوخنا من كبار الحفاظ ﵏.
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٤.
(٢) ينظر فهرس الفهارس له ٢/ ٨١٧، ٨٨٠ - ٨٨١.
(٣) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٣/ ٢٢٢ - ٢٢٩ والضوء اللامع للسخاوى ٩/ ٢٥٥ - ٢٦٠.
[ ٥ / ٢٠٢١ ]
قد جمع أربعين حديثًا عشارية الإسناد، ولم يكن في عصره أعلا منه في أقطار البلاد، فرأيت أن أقتدي به في ذلك، لأني له في كبار شيوخه موافق ومشارك (^١).
قال السخاوى: إن ابن الجزرى أشار بذلك إلى شيخه العراقي (^٢) وقد كثرت إقامة ابن الجزري في بلاد فارس والروم (^٣) وقد قال الحافظ ابن حجر: وقد أوقفنى بعض الطلبة من أهل تلك البلاد على جزء فيه أربعون حديثًا عشاريات - يعنى لابن الجزري - قال ابن حجر: فتأملتها، فوجدته خرجها بأسانيده من جزء الأنصاري وغيره، وأخذ كلام شيخنا - يعنى العراقي - في أربعينه العشاريات بفصه، فكأنه عمل عليها مستخرجا، بعضه بالسماع، وأكثره بالإجازة، ومنه ما خرجه شيخنا من جزء ابن عرفة، فإنه رواه عن ابن الخباز بالقراءة، فأخرجه ابن الجزرى عن ابن الخباز بالإجازة (^٤).
وقال ابن حجر أيضا: وخرج - يعنى ابن الجزري - لنفسه أربعين عشارية، لقطها من أربعى شيخنا العراقي وغيرها، فيها أشياء، ووهم فيها كثيرًا، وقد بينت وهمه في كراسة (^٥).
وقال السخاوى: إن ابن حجر كتب بخطه على العشاريات الأربعين التي خرجها ابن الجزري لنفسه: هذه قد انتزعها كلها من الأربعين العشارية
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية لابن الجزري/ ص ٣ (مخطوط).
(٢) الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٦
(٣) ينظر الضوء اللامع ٩/ ٢٥٦ - ٢٥٨
(٤) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٩/ ٢٥٩
(٥) المجمع المؤسس ٣/ ٢٢٧
[ ٥ / ٢٠٢٢ ]
لشيخنا أبي الفضل العراقي، إلا الحديث الحادي عشر، … . وساقه بسند ابن الجزري، ثم قال: وإيراد هذا في المشاريات غلط منه، ثم قال: ووقع له في خطبتها من الأوهام غير ذلك، والله المستعان (^١).
ومن هذا يظهر مدى أثر كتاب العراقي في كتاب تلميذه هذا، جملة وتفصيلا.
وقد سبق أن ذكرت بعض ما نقله ابن الجزري في أربعينه هذا عن شيخه العراقي، وتعقيبه عليه.
ومن آثاره أيضا ما سبق من نقل الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه لسان الميزان عن هذا الكتاب، وتعقيبه عليه.
وكذا نقله عنه في أربعينه المشارية مع التعقب كما قدمت. ولكن تلك التعقبات اليسيرة لا تغض من قيمة الكتاب وفوائده الحديثية، كما تقدم في دراسة الكتاب.
_________________
(١) الجواهر والدرر للسخاوي - بتحقيق الأخ الفاضل إبراهيم باجس ١/ ٣٧٨.
[ ٥ / ٢٠٢٣ ]
ثانيا: تخريج العراقي للأربعين حديثا النووية
أ - نسبة الكتاب إلى العراقى، وبيان عدم الوقوف على تسميته:
اتفق عير واحد ممن ترجم للعراقي، خصوصا من هو من تلاميذه، على نسبة كتاب «تخرج أحاديث الأربعين النووية» إلى العراقي، ولم أجد من ذكر لهذا الكتاب اسما معينا (^١) كالاسم الذي ذكره السخاوى لتخريج شيخه ابن حجر لكتاب الأربعين النووية هذا مثلا، كما سيأتي.
ب - التعريف بالكتاب إجمالا، وتاريخ تأليفه، وافتقاد نسخه حاليا.
ذكر غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم أنه لما عُزل عن وظائفه في المدينة النبوية، أدى فريضة الحج، ثم عاد إلى مصر، وأقام بالقاهرة، وشرع في الأمالي الحديثية بها، من سنة ٧٩٥ هـ إلى أن مات، فأملى أولا أشياء نثريات، ثم أملى على الأربعين النووية تخريجا لها (^٢).
وذكر ابن حجر أنه استملى على شيخه العراقى كثيرا من تلك الأمالي، وكتب بعضها، وأن شيخه كان يمليها من حفظه، متقنة محررة مهذبة، كثيرة الفوائد الحديثية (^٣)، وتابع ابن حجر على هذا غيره (^٤).
_________________
(١) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٣، وذيل ابن فهد لتذكرة الحفاظ/ ٢٣٣، والضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٤.
(٢) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٣، وذيل ابن فهد لتذكرة الحفاظ ٢٣٣/ والمنهل الصافي لابن تغر برد ٢/ ٣١٢/ ب، ٣١٣/ أ (مخطوط) وذيل التقييد للتقى الفاسي/ ٢٢٠/ أ (مخطوط) ومقدمة الشرح الصغير لألفية العراقى في السيرة للمناوى ٢/ أ، ب (مخطوط).
(٣) ينظر المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٧ وذيل الدرر الكامنة له/ ص ٧٢ (مخطوط)، والجواهر والدرر للسخاوى ١/ ١٣٧، ٢٧١/ بتحقيق الأخ الفاضل/ ابراهيم باجس.
(٤) ينظر بهجة الناظرين للغزى/ ص ١٢٩ (مخطوط) والأعلام لابن قاضي شهبة ٤/ ٢١٩/ أ، ب (مخطوط).
[ ٥ / ٢٠٢٤ ]
ومما تقدم يتبين لنا الآتى: -
١ - أن تخريج العراقى للأحاديث الأربعين للنووى، كان ضمن أماليه الحديثية بالقاهرة، وكان ترتيبه فيها الثاني، بعد إملائه بعض المجالس النثرية، أى التى تتعلق بموضوعات متفرقة، حسب المناسبات والوقائع، مثل فضل العشر من ذي الحجة، ونحو ذلك مما وجد من تلك الأمالي، كما سيأتى في موضعه.
فبعد أن أملى العراقى عددا من تلك الأمالي في الموضوعات المتفرقة، أملى تخريج الأحاديث الأربعين التي ألفها الإمام النووى، والمعروفة بالأربعين النووية. وقد أملى العراقي تخريجها هذا في مجالس أسبوعية متوالية كل يوم ثلاثاء غالبا (^١).
وكتاب الأربعين النووية هذا يعتبر من أشهر كتب الأربعينات، عموما، وأكثرها تداولا بين طلبة العلم وغيرهم، ولذا كثرت العناية بتخريج أحاديثه وشرحها.
وقد اختار النووى أحاديثه من جوامع كلمه ﷺ في الغالب، وهي ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، والأحكام المستفادة منه، مثل حديث «بني الإسلام على خمس» (الحديث)، وعدة أحاديث الكتاب بالتحديد اثنان وأربعون حديثا (^٢) وقد حذف الإمام النووى أسانيد تلك الأحاديث ما عدا الصحابي، واستعاض عن الأسانيد بعزو كل حديث إلى بعض مصادره التى فيها إسناده،
_________________
(١) بناء على ما وقفت عليه من تلك المجالس. مؤرخة بذلك.
(٢) تنظر الأربعين النووية مع شرحه لها/ ٤، ٢٠ الحديث (٣)، ومقدمة جامع العلوم والحكم لابن رجب ١/ ٥٣ - ٥٧ ط مؤسسة الرسالة.
[ ٥ / ٢٠٢٥ ]
كما ذكر درجة ما ليس في الصحيحين، صحة أو حسنا.
ومع هذا لاحظ العلماء من بعده حاجة الكتاب إلى زيادة تخريج لطرق أحاديثه، وألفاظها، حتى إن الحافظ ابن حجر مع اطلاعه على تخريج شيخه هذا، قد تصدى أيضا لتأليف تخريج لأحاديثه يسمى (تخريج الأربعين النووية بالأسانيد العلية)، وكذلك فعل السخاوى مع علمه بتخريج شيخه ابن حجر (^١).
وقد بحثت كثيرا عن نسخة، أو بعض نسخة لكتاب العراقي هذا، أو حتى بعض نقول منسوبة إليه، فلم يتيسر لى شيء من ذلك، مع أن أماليه عموما - بما فيها هذا الكتاب - قد كتبت عنه في مجالس إملائه.
٢ - ولكن على ضوء ما ذكر عن أمالي العراقى فيما قدمته، وما وقفت عليه من بعض مجالسها، وكذا النظر في أمالي تلميذه ابن حجر المماثلة، يمكن تصور جهود العراقي في الكتاب، ومنهجه الاجمالي فيه، بأن الحديث الذي يذكره النووى في أربعينه من رواية صحابي معين، مثل عمر بن الخطاب، أو أبي هريرة ﵄، يقوم العراقى بتخريج هذا الحديث بطريقتين غالبا:
إحداهما: طريق الرواية بإسناده هو، فيسوقه عن شيوخه إلى صحابي الحديث الذي ذكر النووى الحديث عنه.
وثانيهما: تخريج الحديث نفسه بالعزو الإجمالي فقط، إلى بعض المصادر الأصلية، كما يتكلم عن درجة الحديث من الصحة وغيرها، عند الحاجة، ويذكر أيضا بعض ما يتعلق بالحديث من فوائد إسنادية أو متنيه، حتى يتحقق.
_________________
(١) ينظر الجواهر والدرر للسخاوى ٢/ ٦٦٧ و٣/ ١٠٨٥ وفهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٩٩٠.
[ ٥ / ٢٠٢٦ ]
ما تقدم من قول من حضرها وهو الحافظ ابن حجر: إن العراقي كان يمليها من حفظه متقنة محررة كثيرة الفوائد الحديثية.
وأيضا إملاء العراقي لها من حفظه سندا ومتنا، دليل على تمكنه الحديثي، وسلامة ذاكرته، واستيعابها الدقيق.
[ ٥ / ٢٠٢٧ ]
ثالثا: تخريج أربعين حديثا من تساعيات البياني
١ - نسبة الكتاب إلى العراقي، وتحديد المراد «بالبياني» الذي يروي هذه التساعيات:
ذكر هذا الكتاب ضمن مؤلفات العراقي في علم التخريج، كل من أبن فهد المكى - والشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني.
فابن فهد قال في ترجمته للعراقي: له المؤلفات المفيدة المشهورة في علم الحديث، والتخاريج الحسنة، … ثم عدد مؤلفاته، وتخاريجه حتى قال: وأربعون تساعية، وعشرون ثمانية، كلاهما من رواية البياني (^١).
وبمثل عبارة ابن فهد في ذكر هذين الكتابين ذكرهما الكتاني أيضا (^٢).
وقد ذكر محقق ذيول تذكرة الحفاظ تعليقا على نسبة البياني هذا فقال: هو أبو محمد عبد الرحيم بن غنائم بن إسماعيل التدمري البياني (^٣) وهذا خطأ لاشتراك البياني هذا مع صاحب تلك التساعيات في تلك النسبة، مع كون صاحب التساعيات، والثمانيات السابق ذكرهما شخص آخر هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر، الأنصاري الخزرجي البياني المقدسي المتوفى سنة ٧٦٦ هـ.
وقد تقدم التعريف به عند ذكر ما ألفه العراقى أيضًا له من فهرست حافل.
_________________
(١) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٣٢.
(٢) فهرس الفهارس والأثبات للكتاني ٢/ ٨١٧ ط دار الغرب الإسلامي.
(٣) ذيل التذكرة/ ٢٣٢ (حاشية) وهذه النسبة إلى الشيخ القدوة أبي البيان نبا بن محمد بن محفوظ القرشي الشافعي الدمشقي يعرف بابن الحوراني المتوفى سنة ٥٥١ هـ/ تبصير المنتبه ١/ ١٧١ والدارس للنعيمي ٢/ ١٩٢.
[ ٥ / ٢٠٢٨ ]
أو ذيل على مشيخته.
وقد تتلمذ له العراقي وولده أبو زرعة ابن العراقي (^١).
وسيأتي أيضا ذكره بهذا الاسم في عنوان نسخة كتاب التساعيات إن شاء الله، مع نسبة تأليف الكتاب إلى العراقي.
٢ - ما وقفت عليه من نسخ الكتاب:
وقفت على نسخة خطية لهذا الكتاب بدار الكتب المصرية برقم (٤٣٣) حديث تيمور.
وعدد أوراقها (١١) ورقة، وعدد سطور الصفحات مختلف من ٢٣ سطرا، فأكثر، وخطها رقعة حديث، قليل النقط. ولم يذكر اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، لكن فيها علامات توثيق أخرى، كما سيأتي توضيحه في بقية دراسة الكتاب.
٣ - عنوان النسخة: جزء فيه أربعون حديثا تساعيات الإسناد.
من مرويات الشيخ المسند أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن أحمد بن يعقوب بن إلياس الأنصاري الخزرجي البياني المقدسي.
تخريج حافظ العصر أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي - رحمه الله تعالى.
٤ - إسناد النسخة:
جاء بأول النسخة بعد البسملة والدعاء بالعون والتيسير، الآتى: -
_________________
(١) ينظر الوفيات لابن رافع السلامي ٢/ ترجمة ٨٣٢ والدرر الكامنة لابن حجر ٣/ ٣٨١ - ٣٨٢ والمعجم المفهرس لابن حجر/ ص ٦٥ وذيل أبي زرعة ابن العراقي على العبر ١/ ١٨٦ - ١٨٨ والنجوم الزاهرة ١١/ ٨٩. والمجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ٢٠٤.
[ ٥ / ٢٠٢٩ ]
أخبرنا الشيخ الإمام العلامة زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن محمد الزركشى المصرى الحنبلى شفاها، أنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البياني الخزرجي، إجازة إن لم يكن سماعا لها أو لبعضها.
ثم ذكر الحديث الأول فالثاني، وهكذا.
فمن هذا الإسناد يتأكد لنا أن هذه الأربعين ليست رواية البياني أبي محمد عبد الرحيم، كما ظن محقق ذيول تذكرة الحفاظ، ولكنها رواية بياني آخر هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، وقد ذكرت رواية الأربعين عنه بسماع بعضها وإجازة جميعها للعلامة زين الدين عبد الرحمن الزركشي، وقد ذكر ابن تغرى بردى في ترجمة أبي عبد الله البياني أن الزركشي هذا هو آخر من تأخرت وفاته ممن سمع على البياني المذكور (^١).
٥ - موضوع الكتاب:
هو تخريج أربعين حديثا بإسناد تساعى، بمعنى أن يكون بين أبي عبد الله البياني وبين الرسول ﷺ تسعة أشخاص بما فيهم الصحابي، وقد زاد العراقي حديثا آخر في نهاية الأربعين - كما سيأتي، فأصبح عدد الأحاديث (٤١) حديثًا.
وقد مر معنا أن أعلا أسانيد العراقي الخالية من شدة الضعف هي العشارية، فلما كان البياني من شيوخ العراقي كما أسلفت فإن تساعياته تكون أعلا أسانيد أقرانه المقبولة، وأعلا منها ما يكون ثماني، وسيأتي الكلام عليها عقب كتاب التساعيات هذا.
_________________
(١) ينظر النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى ١١/ ٨٩ وإنباء الغمر لابن حجر ٩/ ١٩٤ وفيات سنة ٨٤٦ هـ والضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٣٦.
[ ٥ / ٢٠٣٠ ]
أولا: المصادر المباشرة في هذا الكتاب ليست شيوخ العراقي
ثانيا: في الأربعين العشارية للعراقي جمع بين التخريج بالرواية بإسناده وبين التخريج بالعزو إلى المصادر الحديثية الأصلية، وذلك في أغلب الأحاديث أما هنا ففعل العكس
ومتون الأحاديث التساعيات هذه، متنوعة الموضوعات، منها ما يتعلق بالعقيدة، ومنها ما يتعلق بالطهارة، ومنها ما يتعلق بالصلاة ومنها ما يتعلق بالصوم ومنها ما يتعلق بالمعاملات ومنها ما يتعلق بالآداب.
٦ - منهج العراقي في الكتاب:
يعتبر منهج العراقي في هذا الكتاب مشابها لمنهجه في أربعينه العشارية، بمختلف عناصره التي سبق تفصيلها، سواء من ناحية المصادر أو التخريج أو بيان نوع العلو، أو درجات الأحاديث، وأحوال الرواة والأسانيد.
ولذلك لا أرى ضرورة لتكرير الكلام في هذا، لكن هناك بعض اختلافات في عناصر المنهج في الكتابين بحكم اختلاف موضوعهما، والأحاديث المخرجة في كل منهما، فيقتضى الأمر بيان ذلك، على النحو التالي:
أولا: المصادر المباشرة في هذا الكتاب ليست شيوخ العراقي، ولكن شيوخ شيخه أبي عبد الله البياني الذين روى عنهم هذه الأحاديث بسند تساعى كما قدمت توضيحه.
أما المصادر غير المباشرة وهي المصنفات الحديثية المشتملة على بقية أسانيد الأحاديث ومتونها، فمعظمها من المصادر التي أخذ العراقي منها عشارياته، وعزا إليها.
ثانيا: في الأربعين العشارية للعراقي جمع بين التخريج بالرواية بإسناده وبين التخريج بالعزو إلى المصادر الحديثية الأصلية، وذلك في أغلب الأحاديث أما هنا ففعل العكس، حيث اقتصر في أغلب الأحاديث على التخريج بالرواية بسند شيخه البياني فقط، فجمع بين نوعى التخريج في (١٥) حديثا فقط (^١) من
_________________
(١) تنظر الأحاديث ذات الأرقام ٤، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٦، ١٧، ١٩، ٢١، ٢٤، ٢٥.
[ ٥ / ٢٠٣١ ]