القسم الأول: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي أَنْوَاعِ عِلْمِ التَّخْرِيجِ وَأَثَرِ ذَلِكَ
القسم الثاني: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي فِقْهِ السُّنَّةِ وشرحها وَبَيَانِ غريبها وأثر ذلك
القسم الثالث: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ
_________________
(١) (تعليق الشاملة): وقد قسمها المؤلف - حفظه الله - في المقدمة (١/ ١٤) إلى خمسة أقسام، دمجها هنا في ثلاثة فقط. وعلى كل حال، فقد انتهى ما وقفنا عليه من المطبوع في أثناء القسم الثاني
[ ٣ / ١٢٩٥ ]
القِسْمُ الْأَوَّلُ: تأْليفُ العِرَاقِيِّ وآرَاؤُهُ فِي أَنوَاعِ عِلْمِ التخريج وأثر ذَلِكَ
[ ٣ / ١٢٩٧ ]
مفهوم علم التخريج
التخريج مصدر خَرَّج العمل تخريجًا، بمعنى استخرجه، ومن المجاز خَرَّج فلان في العلم، أي نَبَغَ، وخرجه بمعنى استخرجه، وخرج الكتاب جعله ضروبًا مختلفة، وأطلق في اصطلاح المحدثين على شيئين:
أحدهما: إيراد الحديث بإسناده في كتاب أو إملاء، ومنه قولهم عن الحديث: خرجه البخاري ومسلم، أي أورداه بسنديهما في صحيحيهما ومنه أيضًا إخراج المحدث الحديث من بطون الكتب، وسياقه من مروياته، أو من مرويات غيره، كشيوخه وأقرانه، وعزوه لمن رواه من أصحاب الكتب الحديثية، مع بيان البدل والموافقة ونحوهما كما سيأتي من مؤلفات العراقي في ذلك.
والثاني: عزو الأحاديث إلى من خرجها من الأئمة سواء مع سياق أسانيدهم ورواياتهم، وبيان حالها قبولًا أو ردًا، أو الاقتصار على العزو فقط إلى المصادر، مع الكلام على درجات الأحاديث ولو في الجملة.
والإطلاق الثاني هو الذي يصدق على غالب الكتب المؤلفة في تخريج أحاديث الكتب الفقهية والأصولية وغيرها، مثل مؤلفات العراقي، ورفيقه الزيلعي، وقرينه ابن الملقن، وغيرهم كما سيأتي. (^١)
_________________
(١) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ٢ ص ٣٣٨ و«شرح السيوطي لألفيته» / ٤٦ أ، و«فتح الباقي بشرح ألفية العراقي» للأنصاري/ ١٥٣ أ و«حاشية الطوخي» على الشرح المذكور/ ٧٧ أ، و«فيض القدير» للمناوي/ ج ١/¬٢٠ وبعض كتب التخريج نفسها كما سيأتي ذكره منها في هذا الباب.
[ ٣ / ١٢٩٩ ]
١ - تخريج العراقي لأحاديث (كتاب إحياء علوم الدين)، للغزالي وأوليته في ذلك، وأهمية تخريجه.
أشرت في مبحث اختصاص العراقي بعلوم السنة (^١) إلى أن تأليفه لتخريج أحاديث (إحياء علوم الدين) كان باكورة مؤلفاته، وقد ألف في ذلك ثلاثة كتب متتالية هي: الكبير، والمتوسط، والصغير، كما سيأتي تفصيله.
ويعتبر العراقي بحسب ما أوصلني إليه البحث، أول من تصدى للتأليف في تخريج أحاديث كتاب (الإحياء) بأكمله، ولم يعرف حتى الآن من سبقه إلى ذلك (^٢) وإنما كانت الجهود حتى عصره، متجهة إما إلى تهذيب كتاب الإحياء بحذف ما فيه من الأحاديث الواهية، ومذاهب الصوفية التي لا أصل لها، كما فعل ابن الجوزي في كتابه (منهاج القاصدين) (^٣)، وإما إلى انتقاد الغزالي فيما أودعه في الكتاب، وخاصة الأحاديث الباطلة، كما فعل ابن الجوزي أيضًا (^٤)، وسِبطه، ومن بعدهما حتى عصر العراقي، كالمازري، وأبي الوليد الطرطوشي، وأبي عمرو بن الصلاح، وابن تيمية وتلميذه ابن القيم (^٥).
وفي مقابل هذا، نهض بعض العلماء للدفاع عن الغزالي في الجانب الحديثي وغيره من كتابه، ولكن على سبيل الإجمال، كما فعل المولى أبو الخير (^٦).
_________________
(١) انظر ص ٣١٢ وما بعدها من هذه الرسالة.
(٢) «اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين» للزبيدي ج ١/¬٤٠، ٤١.
(٣) «كشف الظنون» / ١٨٧٧.
(٤) «اتحاف السادة المتقين» ج ١/¬٢٨ و«تلبس ابلس» لابن الجوزي/ ١٦٠.
(٥) «اتحاف السادة المتقين» ج ١/¬٢٧ وما بعدها و«كشف الظنون» / ١٢٧٧ و«طبقات الشافعية» لابن السبكي ج ٦/ ٢٣٩ وما بعدها.
(٦) «اتحاف السادة المتقين» ج ١/¬٢٨.
[ ٣ / ١٣٠٠ ]
وشيخ العراقي تقي الدين السبكي وولده تاج الدين (^١)، الذي أتبع دفاعه الإجمالي بفصل خاص عنونه بقوله: (وهذا فصل جمعت فيه جميع ما وقع في كتاب (الإحياء) من الأحاديث التي لم أجد لها إسنادا).
أقول: وقد بلغ هذا الفصل أكثر من مائة صحيفة (^٢)، وبفحصي له وجدت الشيخ تاج الدين قد أورد فيه قرابة ألف حديث، بما فيها المكرر، وهي موزعة على جميع أبواب كتاب الإحياء، وقد ذكر في أكثرها فعلا قوله عن الحديث: إنه لم يجد له إسنادا، أو لم يجد له أصلا، أو لم يجده باللفظ المذكور في الإحياء، أو لم يجده مرفوعا إلى الرسول ﷺ، ثم خرج الباقي من كتب السنة تخريجا موجزا جدا كما سنقارن بعضه بتخريج العراقي الصغير، ويعتبر هذا الفصل مع أهميته عملا جزئيا، بمثابة الخمس تقريبا، من عمل العراقي في تخريجه الصغير للإحياء، وذلك لأن الشيخ تاج الدين بن السبكي تناول في الفصل المذكور كما قدمت، قرابة ألف حديث، مع الإيجاز والإجمال، بينما تناول العراقي في تخريجه كل أحاديث كتاب الإحياء المصرح فيه برفعها، وبعض المشار إليه بمعناه، وبلغ ذلك قرابة خمسة آلاف حديث كما سيأتي، ثم إن عمل ابن السبكي هذا متأخر عن تأليف العراقي لتخريجه الكبير، كما أوضح ابن السبكي نفسه ذلك، حيث إنه قبل ذكر الفصل المشار إليه قال عن العراقي: «وقد اعتنى بتخريج أحاديث الإحياء بعض أصحابنا، فلم يشذ عنه إلا اليسير، وسأذكر جملة من أحاديثه الشاذة استفادة»، ثم أتبع ابن السبكي ذلك بالإشارة إلى الفصل الذي عقده فقال: «وسنعقد فصلا للأحاديث
_________________
(١) انظر «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ٢٤٤ وما بعدها.
(٢) و«طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ٢٨٧ - ٣٨٩.
[ ٣ / ١٣٠١ ]
المنكرة في كتاب الإحياء» (^١).
وقد ذكر ابن كيران: أن ابن السبكي لم يذكر في طبقاته أحدا من الأحياء غير العراقي، وذلك في عبارته السابقة عن تخريجه للإحياء (^٢).
وذكر بعض العلماء المتأخرين تبعية ابن السبكي في تخريجه بعض الأحاديث في الفصل المذكور للعراقي (^٣)، وقمت أنا أيضا بمقارنة تخريجه ورأيه في بعض الأحاديث، بتخريج العراقي ورأيه فيها، فوجدتهما متشابهين (^٤) واستفادة العمل المتأخر مما تقدمه، أمر غير مستغرب، وكلام ابن السبكي المتقدم ذكره عن تخريج العراقي للإحياء يدل على خبرته به من قبل تصديه لعمل الفصل المذكور، ويشير إلى الاستفادة منه، كما قدمت.
وبجانب إحراز العراقي قصب السبق إلى تخريج أحاديث كتاب الإحياء بأكمله، وما يعطيه هذا لعمله من أهمية علمية، فإن هناك أهمية أخرى لهذا العمل من جهة أن كتاب الإحياء قد اشتمل على نماذج أدلة السنة لأصول الدين وفروعه عموما، ففيه كثير من أدلة السنة للعقائد والتفسير، والتشريع، والأخلاق، والتصوف الخالي من البدع، بينما نجد الكتب الأخرى التي
_________________
(١) «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ٢٤٩، ٢٥٠.
(٢) انظر «مقدمة شرح عبد المجيد بن كيران لألفية العراقي في السيرة» / هـ أ/ مخطوط.
(٣) انظر «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» لمحمد ناصر الدين الألباني مجلد ١/ ١٣٧، ١٥٦.
(٤) انظر مثلا «طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ٣٣٣ حديث [عليكم بدين العجائز] و٣٣٧ حديث معاذ [أنهاك أن تشتم مسلما] و٣٤٠، ٣٤١ حديث أبي الدرداء: أيما رجل أشاع على رجل كلمة هو منها بريء، ٣٤٧ حديث [الرزق إلى مطعم الطعام] و٢٢٨ حديث [أوحى الله إلى إبراهيم]، ٢٨٩ حديث: [إن العالم يعذب] وقارن بتخريج العراقي بهامش الإحياء جـ ٣/ ٧٥، ١٢٢، ١٥١، ٢٣٩، جـ ١/¬١٣، ٦٥ …
[ ٣ / ١٣٠٢ ]
خرجها غير العراقي أغلبها مختص بالفقه وأصوله فقط، وبهذا يُعد تخريج العراقي للإحياء بمثابة عدة مؤلفات في التخريج، ولذا فإنّه، أشمل إفادة، وأوسع أثرًا، لاشتماله على تخريج أحاديث كثيرة لم يتعرض لها غيره من المخرجين، كما أنه يعتبر أجل خدمة علمية قدمت لكتاب (الإحياء) خاصة، وللأحاديث المتعلقة بالتصوف عامة، وذلك بالبيان التفصيلي لحالة كل حديث، قبولًا أو ردًا، في مواجهة المهاجمين والمنتقدين، وقد قرر ذلك الحافظ ابن حجر في رثاء شيخه العراقي إذ يقول:
«فَسَلْ إِحْيَا عُلُومِ الدِّينِ عَنْه … أَما وَافَاهُ مع ضيق النطاق؟
فَصَيِّرْ ذِكْرَهُ يَسْمُو ويَنْمُو … بتخريج الأحاديث الرقاق» (^١)
ثم إن كتاب الإحياء من حيث كمية الأحاديث المشتمل عليها، والتي خرجها العراقي، يعتبر - حتى الآن - أضخم كتاب خرجت أحاديثه بعد كتاب «الأم» للإمام الشافعي، الذي خرج أحاديثه الإمام البيهقي. (^٢)
وسأتناول بالتفصيل بيان ما ألفه العراقي في تخريج أحاديث «إحياء علوم الدين»، وذلك على النحو التالي:
_________________
(١) (إنباء الغمر) لابن حجر ج ٢/ ٢٧٩ و«حسن المحاضرة» للسيوطي ج ١/ ٣٦٢ وفيه في البيت الأول: (داواه) بدل (وافاه).
(٢) يوجد منه مجلدان مخطوطان: أحدهما بمكتبة «شئتربتي» والآخر بدار الكتب المصرية … .
[ ٣ / ١٣٠٣ ]
أ - التخريج الكبير للإحياء
ترتيبه بين مؤلفات العراقي، وزمن تأليفه، والدافع إليه:
كما استهل العراقي عمله التأليفي بتخرج أحاديث الإحياء، فإنه كان أول مؤلفاته في ذلك هو التخريج الكبير، وبذلك يُعد هذا التخريج حسب ما أوقفني عليه البحث، هو أول مؤلفات العراقي مطلقا، ولم يُعرف له تأليف قبله، خصوصا وأنه شرع فيه في وقت مبكر من حياته، حيث قرر من ترجمه من تلاميذه، وغيرهم: أنه شرع فيه وهو في نحو العشرين من عمره، أي سنة ٧٤٥ هـ (^١)، وأشار المترجمون للعراقي أيضًا إلى أن سبب تبكيره في الإشتغال بتخريج أحاديث الإحياء: أنه كان مولعًا بهذا، ولذلك توفرت لديه رغبة عارمة في إنجاز هذا التخريج (^٢)، ولعل مبعث هذا الدافع القوي، إدراكه لأنه لم يسبق إلى ذلك كما أوضحت، بالإضافة إلى تأثره بالبيئة الصوفية التي نشأ وتربى فيها كما مر (^٣)، ورغبته في الإفادة العلمية لأهلها كما أشار إلى ذلك في مقدمة التخريج الصغير (^٤)، ونظرًا لأنه كان مشتغلا بالطلب والتحصيل بجانب العمل في تأليف التخريج مع ضخامته، فإنّه قد مكث عدة سنين حتى أكمل مسودته، ففرغ منها سنة ٧٥١ هـ، مع تعذر وقوفه على
_________________
(١) انظر «المجمع المؤسس» لابن حجر: ١٧٦ و«لحظ الألحاظ» لابن فهد/ ٢٢٨ و«الضوء اللامع»، ج ٤/ ١٧٣.
(٢) «المجمع المؤسس»: ١٧٦ و«ذيل الدرر الكامنة» لابن حجر: ٧٠ و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٨ و«الأعلام»، ج ٤/ ٢١٩ أ و«طبقات الشافعية» / ١١٠ ب وكلاهما لابن قاضي شهبة.
(٣) انظر/ ١٤٩، ١٧٧، ١٧٨ من هذا الكتاب.
(٤) «المغني عن حمل الأسفار»، بهامش الإحياء جـ ١/¬٨.
[ ٣ / ١٣٠٤ ]
بعض الأحاديث، ولهذا أخر تبييضه ٩ سنين أخرى، أي إلى سنة ٧٦٠ هـ فظفر بكثير مما كان عزب عليه علمه وقد صرح بذلك كله في مقدمة التخريج الصغير (^١).
تسمية الكتاب، وحجمه، والقدر المبيض منه:
وجدت بهامش كتاب (المجمع المؤسس) لابن حجر نقلا عن تاريخ حلب: أن العراقي سمى هذا التخريج «إخبار الأحياء بأخبار الإحياء» (^٢) وهكذا قرر ابن خطيب الناصرية في مجموعه (^٣)، وذكر ابن فهد هذه التسمية أيضا، دون أن ينسبها للعراقي (^٤)، ويطلق عليه كذلك: «التخريج الكبير» (^٥)، وخصوصا عند نقل العلماء عنه، والإحالة عليه، كما سيأتي، وهذا الإطلاق مراعى فيه نسبة الكتاب إلى التخريجين الآخرين وهما: المتوسط، والصغير، الآتي ذكرهما بعد.
وقد تردد تلميذ العراقي ابن حجر في تقرير حجم مسودة هذا «التخريج الكبير» فقال: «إن مسودته الكاملة بخط العراقي تقع في ٤ أو ٥ مجلدات» (^٦)، لكن ابن فهد، تلميذ العراقي أيضا، قطع بأنه ٤ مجلدات فقط (^٧)، وقطع ابن
_________________
(١) «المغني عن حمل الأسفار»، بهامش الإحياء جـ ١/¬٨.
(٢) «المجمع المؤسس» / ١٧٧ هامش.
(٣) «مجموع ابن خطيب الناصرية»: ترجمة العراقي.
(٤) «لحظ الألحاظ»: ٢٢٩.
(٥) «الضوء اللامع» للسخاوي جـ ٤/ ١٧٣.
(٦) «المجمع المؤسس» / ١٧٧.
(٧) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٩.
[ ٣ / ١٣٠٥ ]
خطيب الناصرية أيضًا بأنه ٤ مجلدات، وزاد وصفها بأنها كبار (^١)، أما السيوطي فقطع بأنه ٥ مجلدات (^٢)، والأولى بالقبول: تقدير ابن خطيب الناصرية، لاشتماله على وصف المجلدات بأنها كبار، ولاعتماده في ترجمة العراقي على ما وجده بخط أبي زرعة بن العراقي، وهو أخبر بمؤلفات والده. وقد ذكر ابن حجر أن العراقي بيض من هذا التخريج قدر مجلدين فقط، وأنه لو أكمل تبييضه لبلغ ٦ مجلدات (^٣)، أما ابن فهد، فحدد القدر الذي بيضه العراقي بدقة أكثر فقال: «إنه بيض منه نحوا من ٤٥ كراشا، وصل فيها إلى أواخر الحج».
وأكد ذلك بقوله: «إنّ ابن العراقي شيخنا الحافظ أبا زرعة أحمد، قرأ عليه من هذا القدر المبيض إلى قوله: الحديث الثامن والعشرون: وقال ﷺ: «ولم يصبر على شدتها ولأوائها أحد إلا كنت له شفيعا يوم القيامة»»، وبعد ذلك خمس ورقات من التبييض لم يقرأها (^٤). ولكن بالرجوع إلى كتاب الإحياء، وللتخريج الصغير، وجدت أن الحديث المذكور هو السابع والعشرون من الباب الأول فقط من كتاب الحج (^٥)، وليس في أواخر كتاب الحج، بل يبقى بعده من كتاب الحج ثلاثة أبواب، فلعل عبارة ابن فهد السابقة فيها سقط من الناسخ، وصوابها «إلى أواخر الباب الأول من الحج» كما هو الواقع.
_________________
(١) «مجموع ابن خطيب الناصرية»: ترجمة العراقي.
(٢) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٣٧٠.
(٣) «المجمع المؤسس» / ١٧٧.
(٤) «لحظ الألحاظ» / ٢٢٩، ٢٣٠.
(٥) «الإحياء والمغنى» بهامشه جـ ١/ ٢٥١.
[ ٣ / ١٣٠٦ ]
هذا ولم يُعرف من نهض بعد العراقي بتبييض شئ من هذا «التخريج الكبير»، فيكون باقيه قد ظل في مسودة العراقي التي بخطه، وتسبب ذلك - بكل أسف - في ضياع الكتاب، بحيث تُعدُّ مسودته، وما بيض منه في حكم المفقود الآن.
ما وقفت عليه من نصوص الكتاب:
ولقد بحثت كثيرا في فهارس المكتبات المصرية والعالمية، فلم أجد من مسودة هذا التخريج، ولا القدر الذي بيضه العراقي شيئًا، لكني وفقت بحمد الله إلى الوقوف على نصوص متعددة، معزوة إلى الكتاب مع تلقيبه بالتخريج الكبير، أو الأكبر، وتلك النقول وجدتها متفرقة في مؤلفات العلماء بعد عصر العراقي، وعانيت في التوصل إليها، والبحث عنها الكثير فالإمام البقاعي المتوفى سنة ٨٨٥ هـ، نقل عنه في كتابه (النكت الوفية بما في شرح الألفية) عدة مرات (^١)، والحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ، نقل عنه أيضًا عدة مرات في كتابه «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» (^٢)، والمحدث أبو الحسن علي بن محمد بن عراق المتوفى سنة ٩٦٣ هـ نقل عنه عدة مرات في كتابه «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة» (^٣) والمحدث عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١ هـ نقل عنه في كتابه «فيض
_________________
(١) انظر «النكت الوفية» / ٧٣ ت، ١٣٦ أ، ١٦٣ ب، ٢٣٨ ب.
(٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ١٢٧، ١٦٨، ٣٤٦، ٣٤٧ بتحقيق عبد الرحمن عثمان.
(٣) انظر «تنزيه الشريعة» ج ١/ ٢٠٨، ٢٦٠ مع المقارنة (بالمغني) ج ١/ ٥٦، ٢٧٠ مع المقارنة و«بالمغني» ج ١/ ٦٨، ٢٨٢ مع مقارنته «بالمغني» ج ١/¬١٨ و٥ «بشرح الإحياء» للزبيدي ج ١/ ١٢١، ١٢٢ و«تنزيه الشريعة» أيضًا ج ١/ ٣٠١، ج ٢/ ١٧٣، ٢٨٩
[ ٣ / ١٣٠٧ ]
القدير بشرح الجامع الصغير» للسيوطي (^١)، والشيخ عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروسي، من المتأخرين أيضا، نقل عنه في كتابه «تعريف الأحياء بفضائل الإحياء» (^٢) ..
أما الإمام محمد بن محمد الشهير بمرتضى الزبيدي المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ فإنه ذكر في مقدمة شرحه للإحياء: أنّ من المصادر التي اعتمد عليها في تخريج أحاديث الكتاب، «التخريج الصغير» المُسَمَّى «بالمغني عن حمل الأسفار» للعراقي، ثم قال: «وربما نقلت في بعض المواضع من تخريجه الكبير، عليه، ولم أظفر منه إلا على كراريس (^٣)، وقد تتبعت هذه النقول تفصيلا فوجدت الزبيدي يصرح بنسبة بعضها إلى التخريج الكبير (^٤)، ويعزو أكثرها إلى العراقي فقط، اعتمادًا على إشارته المذكورة في المقدمة، وعلى أن ما يذكره يكون زائدا على ما في التخريج الصغير» (^٥) ثم إني وجدت هذه النقول قد انتهت في أواخر كتاب «العلم»، وهو الكتاب الأول من كتب «الإحياء». البالغ عددها أربعون كتابا، ومعنى ذلك أن هذه الكراريس التي وقفت عليها
_________________
(١) (فيض القدير) ج ١/¬٢١، ٢٤١.
(٢) انظر: «تعريف الأحياء بهامش الإحياء»، ج ١/¬٢٢، ٢٣، ٣٨، ٣٩ وقارن «بفيض القدير» ج ١/¬٢١.
(٣) (إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين) للزبيدي ج ١/ ص ٤، ثم ظفرت بهذه الكراريس والحمد لله، وهي الآن قيد الطبع.
(٤) (إتحاف السادة المتقين) ج ١/ ١٢١ - ١٢٣، ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٤١، ٢٤٢، ٢٥٣، ٢٨٤، ٣٠٠، ٣٠٩، ٣١٢، ٣٤٨.
(٥) (إتحاف السادة المتقين) ج ١/ ٧٨، ٩٠، ٩٤، ٩٩، ١٠٠، ١٠١، ٢٤٤، وقارن «بالمغنى عن حمل الأسفار بهامش الاحياء» ج ١/¬١٣، ١٥، ١٦.
[ ٣ / ١٣٠٨ ]
الزبيدي، ونقل منها، تُعدُّ قدرًا ضئيلًا جدًا، بالنسبة لحجم الكتاب البالغ ٤ مجلدات كبار في المسودة، كما قدمت، لكن من جهة أُخرى تُعدُّ هذه النقول أكبر قدر وقفت عليه من نصوص الكتاب، وتتميز نقول غير الزبيدي ممن قدمت ذكرهم، باشتمالها على نصوص من كتب أُخرى من كتب الإحياء، بعد كتاب العلم الذي اقتصرت نقول الزبيدي عليه، وذلك مثل كتاب «الصلاة» وهو الكتاب الرابع من الإحياء، وكتاب «الحج» وهو الكتاب السادس من الإحياء، كما وقفت أيضًا على بعض نقول عن هذا الكتاب بهوامش بعض الكتب الخطية (^١)، والمطبوعة (^٢)، ووقفت أيضًا على إحالتين للعراقي على هذا التخريج في مؤلفين آخرين له، ألفهما بعده، وهما شرحه المتوسط للألفية (^٣)، ونكته على كتاب ابن الصلاح (^٤)، ومن تواريخ وفيات العلماء الذين أشرت إلى نقولهم عن هذا التخريج، يتضح أنه كان موجودًا، كله أو بعضه، بعد عصر العراقي، وحتى أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وإن كان حاليًا في حكم المفقود.
التعريف بمشتملات الكتاب، وبعض آراء العراقي فيه، مقارنة بغيرها، وما يتميز به التخريج الكبير، عن الصغير.
رغم تعدد النقول التي وقفت عليها من الكتاب كما ذكرت، إلا أنه تبين لي
_________________
(١) انظر (تلخيص العلل المتناهية) لابن الجوزي تأليف الحافظ الذهبي/ ٦ أ هامش نسخة مكتبة الأزهر برقم/ ٢٩٠ حديث.
(٢) انظر (تنزيه الشريعة) ج ٢/ ٧٨ هامش.
(٣) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ٣/¬٤.
(٤) انظر (التقييد والإيضاح) للعراقي/ ١١٨.
[ ٣ / ١٣٠٩ ]
رأي العراقي في كتاب الإحياء
من بحثها جميعا: أنها غير كافية في إعطاء صورة متكاملة لمنهج العراقي وآرائه في هذا التخريج الكبير، لهذا رأيت أن أقدم بعض نماذج فقط، تعرف بمشتملاته، وبعض آراء العراقي فيه، وذلك في حدود النصوص التي أتيحت لي، ونظرا لافتقاد نسخه، مع مقارنة ذلك بغيره، وبيان بعض مميزات التخريج الكبير عن الصغير وذلك على النحو التالي:
«رأي العراقي في كتاب الإحياء، وأحاديثه، وفي منهج متقدمى الفقهاء في إيراد الأحاديث المستدل بها في مؤلفاتهم دون تخريج أو تمحيص».
قدمت: أن العلماء حتى عصر العراقي كانوا بين ناقد لكتاب الإحياء ومدافع عنه، وقد وجدت أن العراقي أثنى في هذا التخريج الكبير على محتويات كتاب الإحياء، وأجاب عن أحاديثه المنتقدة عمومًا، حيث ذكر الشيخ عبد القادر العيدروسي أن الحافظ العراقي أثنى على كتاب الإحياء فقال في تخريجه: «إنه من أجل كتب الإسلام في معرفة الحلال والحرام، جمع فيه بين ظواهر الأحكام، ونزع إلى سرائر دقت عن الأفهام، لم يقتصر فيه على مجرد الفروع والمسائل، ولم يتبحر في اللجة بحيث يتعذر الرجوع إلى الساحل، بل مزج فيه علمي الظاهر والباطن، ومزج معانيها في أحسن المواطن، وسبك فيه نفائس اللفظ وضبطه، وسلك فيه من النمط أوسطه، مقتديا بقول على كرم الله وجهه: خير هذه الأمة النمط الأوسط، يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي» (^١)، وأتبع العيدروسي ذلك بقوله: «إلى آخر ما ذكره، مما الأولى بنا في هذا المحل طيه (^٢)».
_________________
(١) انظر «تعريف الإحياء بفضائل الاحياء»، للعيدروسي بهامش الاحياء ج ١/¬٢٢، ٢٣.
(٢) انظر «تعريف الاحياء» ج ١/¬٢٣.
[ ٣ / ١٣١٠ ]
وهذا يشير إلى أنّ العيدروسي ترك أيضًا قدرًا من ثناء العراقي على الكتاب وبيان قيمته في رأيه، ولعل هذا يفسر لنا ولوعه بتخريج أحاديثه، وعكوفه على ذلك عدة سنين، كما قدمت ذكره.
ولما كان هذا الذي عزاه العيدروسي إلى تخريج العراقي غير موجود في تخريجه الصغير، دل ذلك على أنه نقله عن التخريج الكبير، ويؤكد هذا تصريح المناوي بعزو بقية كلام العراقي الآتية المتصلة بذلك، إلى مقدمة التخريج الكبير، وذلك أن العيدروسي بعد أن ذكر ثناء العراقي المتقدم على كتاب الإحياء، ذكر أنه اعترض على الغزالي بتضمينه كتاب (الإحياء) أخبارًا وآثارًا موضوعة أو ضعيفة بكثرة، والإكثار يتحاشى منه، للتورع عن الوقوع في الموضوع من الأحاديث.
ثم قال: «وحاصل ما أجيب به عن الغزالي - ومن المجيبين الحافظ العراقي -: أن أكثر ما ذكره الغزالي ليس بموضوع، كما برهن عليه في التخريج، وغير الأكثر - وهو في غاية القلة - رواه عن غيره، أو تبع فيه غيره متبرئًا منه بنحو صيغة «روي»، وأما الإعتراض عليه: أن فيما ذكره الضعيف بكثرة، فهو اعتراض ساقط، لما تقرر أنه يعمل به في الفضائل وكتابه في الرقائق، فهو من قبيلها، ولأن له أسوة بأئمة الأئمة الحفاظ، في اشتمال كتبهم على الضعيف بكثرة، المنبه عليه تارة، والمسكوت عنه أُخرى وهذه كتب الفقه للمتقدمين - وهي كتب الأحكام، لا الفضائل - يوردون فيها الأحاديث الضعيفة ساكتين عليها، حتى جاء النووي ﵀، في المتأخرين، ونبه على ضعف الحديث وخلافه، كما أشار إلى ذلك كله العراقي» (^١).
_________________
(١) انظر: «تعريف الأحياء» / بهامش الإحياء ج ١/¬٣٨، ٣٩.
[ ٣ / ١٣١١ ]
وقد ذكر المناوي نحو ذلك أيضًا فقال: «إن الصدر الأول من أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج، وتمييز الصحيح من غيره، فوقعوا في الجزم بنسبة أحاديث كثيرة إلى النبي ﷺ، وفرعوا عليها كثيرا من الأحكام مع ضعفها، بل ربما دخل عليهم الموضوع، وممن عُدَّتْ عليه في هذا الباب هفوات، وحفظت عليه غلطات، الأستاذ الأعظم، إمام الحرمين، وتبعه عليها من اعترف بإمامته العام والخاص، مولانا حجة الإسلام (الغزالي)، في كثير من عظماء المذاهب الأربعة، وهذا لا يقدح في جلالتهم، بل ولا في اجتهاد المجتهدين، إذ ليس من شرط المجتهد الإحاطة بحال كل حديث في الدنيا»
ثم أردف قائلا: «قال الحافظ العراقي في خطبة «تخريجه الكبير للإحياء»: عادة المتقدمين، السكوت عما أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم، وعدم بيان من خرجه، وبيان الصحيح من الضعيف إلا نادرا، وإن كانوا من أئمة الحديث، حتى جاء النووي، فبين، وقَصْدُ الأولين أن لا يغفل الناس النظر في كل علم في مظنته، ولهذا مشى الرافعي على طريقة الفقهاء، مع كونه أعلم بالحديث من النووي».
ثم قال المناوي: «إلى هنا انتهى كلامه»، أي كلام العراقي (^١)، وهذا الذي أجاب به العراقي عن الغزالي وغيره من متقدمي الفقهاء، قد شاركه فيه قرينه: ابن الملقن حيث إنه في تخريجه الأحاديث الشرح الكبير (^٢) للرافعي في فقه الشافعية، قال عن الرافعي بعد الإشادة بشرحه المذكور: «لكنه أجزل الله مثوبته، مشى في هذا الشرح المذكور على طريقة الفقهاء الخلص، في ذكر
_________________
(١) «فيض القدير» للمناوي ج ١/¬٢١.
(٢) هذا الشرح يسمى (الفتح العزيز في شرح الوجيز)، و«الوجيز» تأليف الإمام الغزالي.
[ ٣ / ١٣١٢ ]
الأحاديث الضعيفة والموضوعات، والمنكرة والواهيات، والتي لا تعرف أصلًا في كتاب حديث، لا قديم ولا حديث، في معرض الاستدلال، من غير بيان ضعيف من صحيح، وسليم من جريح، وهو إمام في الفن المذكور» أي فن الحديث (^١) وهذا الجواب من العراقي وقرينه، عن الغزالي والرافعي وأمثالهما، قد أخذ به بعض العلماء من بعدهما كالإمام اللكنوي (^٢).
لكن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رأى أنه جواب فيه نظر وتسامح، لأن كون نقد الأحاديث ليس من وظيفة الفقهاء، لا يسوغ لهم أن يوردوا الأحاديث المنتقدة، محتجين بها، ومؤيدين لمئات الفروع المذهبية، وأن هذا معناه أحد شيئين: إما أنهم يرون صحتها، فلذلك احتجوا بها، وهذا يرده نقد أئمة الحديث المتخصصين، وإما أنهم لا يعلمون صحتها، ومع ذلك استدلوا بها، وهم على هذا متساهلون (^٣)
وأضيف من جانبي إلى رد الألباني المذكورة، «أنه إذا كان هذا شأن صنيع الفقهاء عموما، فإنه ما كان يسوغ لمن تضلع في علم الحديث منهم كالإمام الرافعي، أن يسلك مسلكهم، في التساهل، لأن هذا قد ولد آثارًا سيئة، بنشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة غير المبين حالها، في تراث الفقه والأصول، وغيرهما، وتداولها في الاستدلال المسلمون فيما بينهم، اعتمادًا على استدلال أولئك الأئمة المتقدمين بها، وبذلك يكون جواب العراقي
_________________
(١) انظر (البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير) لابن الملقن ج ١/¬٧ ب مخطوط مصور
(٢) انظر مقال الشيخ الألباني عن الأحاديث الضعيفة والقوية بمجلة (الوعي الإسلامي) وعدد ذي القعدة سنة ١٣٩١ هـ.
(٣) انظر «المقال السابق للألباني».
[ ٣ / ١٣١٣ ]
المتقدم عن الإمام الغزالي وغيره من المتقدمين في إيراد الأحاديث المنتقدة في مؤلفاتهم، دون بيان حالها، جواب متسامح فيه، ولا أقره عليه، ولكن هذا لم يمنعه من نقد الغزالي خلال التخريج، فيما أودعه في الإحياء من الأحاديث المنتقدة، مع جزمه بنسبتها للرسول ﷺ وعدم بيان حالها كما ستأتي بعض أمثلة لذلك».
جمع طرق الأحاديث المخرجة، ورواتها من الصحابة:
لاحظت من خلال النقول التي وقفت عليها من هذا التخريج، ومن الإحالة عليه، أن العراقي، لم يقتصر في تخريج كثير من أحاديث الإحياء، على ذكر طريق واحد من طرقها، بل عُنى بجمع كثير من طرق الحديث المخرج، وبيان عدد كثير ممن رواه من الصحابة ﵃، وقد أحال بنفسه على هذا التخريج في ذلك، حيث إنّه في نكته على كتاب ابن الصلاح ذكر حديث أبي هريرة «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه» الحديث، وقال: «إن هذا الحديث قد ورد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة، وهم: أبو برزة الأسلمي، ورافع بن خديج، وجبير بن مطعم والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعائشة، وقد بينت هذه الطرق كلها في «تخريج أحاديث الإحياء» للغزالي، والله أعلم» (^١)، وبالرجوع إلى التخريج الصغير، لا نجده خرج فيه هذا الحديث إلا من طريق واحد، عن صحابي واحد هو رافع بن خديج (^٢) فدل ذلك على أن: التخريج المذكور فيه باقي طرق الحديث ورواته المشار إليهم من الصحابة، هو:
_________________
(١) «التقييد والإيضاح»، للعراقي: ١١٨.
(٢) «المغني عن حمل الأسفار» / بهامش الإحياء ج ١/ ٣٣٣.
[ ٣ / ١٣١٤ ]
التخريج الكبير لكونه مظنة التوسع هكذا.
وقد نقل الزبيدي في شرحه للإحياء عن هذا التخريج أمثلة متعددة لذلك منها: حديث «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله» فقد ذكر في هذا التخريج أنه قد رواه [١٦] صحابيا وعددهم، ثم خرج رواياتهم من مصادرها الحديثية وبين طرق أغلبها (^١)، ومن قواعد نقد السنة: أن جمع طرق الحديث، وسيلة إلى معرفة علته، وتبيين الخطأ في سنده، وتقوي بعض أسانيده ببعض، أو ترجيح بعضها على بعض (^٢).
ولهذا فإن عناية العراقي في هذا التخريج بجمع طرق كثير من الأحاديث المخرجة كما ذكرت، تعد تطبيقا عمليا لهذه القواعد النقدية، وتحقيقا لفوائدها السالفة بالنسبة لأحاديث الإحياء، وخاصة المعل منها كحديث «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه» المتقدم، كما بين ذلك العراقي وغيره (^٣)، وستأتي أمثلة أخرى ضمن الفقرات التالية، ويعتبر الجمع المذكور لطرق الأحاديث، من مميزات هذا التخريج الكبير، عن التخريج الصغير الآتي، حيث جرى فيه العراقي غالبا، على تخريج الحديث من طريق واحد أو طريقين.
_________________
(١) (إتحاف السادة المتقين) للزبيدي جـ ١/ ١٥٥، ١٥٦.
(٢) (مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) للعراقي/ ١١٦، ١١٧ و(فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ١٠٧ وللسخاوي، جـ ١/ ٢١٠، ٢١٨ وجـ ٢ صـ ٢٩٤ و(التقريب للنووي وشرحه) للسيوطي/ ١٦٢، ١٦٣، ١٦٧، ١٦٩.
(٣) انظر (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/¬١٧ و(التقييد والإيضاح) له أيضا/ ١٨ و(فتح المغيث) للسخاوي جـ ١/ ٢١١، ٢١٢ و(معرفة علوم الحديث) للحاكم/ ١١٣ و(تدريب الراوي) / ١٦٧.
[ ٣ / ١٣١٥ ]
سياق أسانيد الأحاديث ورواياتها، وبيان درجاتها وعللها:
اهتم العراقي أيضا في هذا التخريج بذكر الأسانيد بطولها كما في الكتب المخرج منها، وكذا الروايات المتعددة، وذلك لكثير من الأحاديث المخرجة، مع بيان درجة كل منها غالبًا، من الصحة والضعف وغيرهما، وبيان ما في السند من علة: كالقطع، أو الاضطراب، أو الطعن في بعض الرواة، وهذه كلها جهود لها أهميتها الكبرى في بيان التطبيق العملي للقواعد النقدية للسنة من جهة، ولأحاديث الإحياء المخرجة من جهة أخرى، وخاصة ما كان منها مخرجا من مصادر لم يبين فيها علة الحديث أو درجته، أو كان منتقدا من بعض العلماء أو مختلفًا فيه.
فمن ذلك: حديث «إذا تعلم الناس العلم وتركوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله» (الحديث) فقد أورده الغزالي في (الإحياء) عن الحسن البصرى مرسلًا (^١) فقام العراقي بتخريج عدة روايات له بعدة أسانيد، بعضها متصل مرفوع إلى النبي ﷺ، وبذلك جبر علة الإرسال، ونقل الزبيدي عنه ذلك فقال: «إن العراقي قال في «التخريج الكبير» عن هذا الحديث: وقد ورد متصلا من حديث سلمان وابن عمر:
* أما حديث سلمان: فأخرجه الطبراني في معجميه الكبير والأوسط من رواية الحجاج بن فُرَافِصَة عن ابن عمرو عن سلمان رفعه: «إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسن، وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم»، وإسناده حسن.
_________________
(١) «الإحياء» ج ١/ ٥٣ و(شرحه) للزبيدي ج ١/ ٣٠٠.
[ ٣ / ١٣١٦ ]
وقد رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي عمرو بن حمدان من وجه آخر وفي اسناده: محمد بن عبد الله بن عُلاثة، مختلف فيه، ورواه البيهقي في «المدخل» موقوفا على سلمان، ورجاله ثقات، إلّا أنّ فيه انقطاعا.
وأما حديث ابن عمر: رويناه في الجزء الثالث المذكور من رواية أبي عمرو عنه، بلفظ: «يوشك أن يظهر العلم ويخزن العمل، ويتواصل الناس بألسنتهم، ويتباعدون بقلوبهم، فإذا فعلوا ذلك طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم»، وفي سنده بشر بن إبراهيم المَفْلُوج، ضعيف جدا، وفي ترجمته رواه ابن عدى في «الكامل» (^١).
وفي حديث (لو منع الناس عن فَتِّ البعر لَفَتُّوه) أخرج العراقي في معناه من عند الطبراني حديث أبي جحيفة من رواية أبي إسحاق عنه، قال: «كان رسول الله ﷺ قاعدا ذات يوم وقُدَّامه جماعة يصنعون شيئًا يكرهه من كلامهم، ولفظهم، فقيل له يا رسول الله، ألا تنهاهم؟ فقال: لو نهيتهم عن الحجون لأوشك أحدهم أن يأتيه وليست له حاجة» ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف فيه على الأعمش، فقيل: عنه عن أبي إسحاق، هكذا، وقيل: عن أبي إسحاق، وعن عبدة السوائي، ورواه الطبراني أيضًا، وعبدة السوائي مختلف في صحبته (^٢). وستأتى نماذج أُخرى خلال الفقرات التالية.
ويعتبر ذكر العراقي للأسانيد والروايات من مميزات هذا «التخريج الكبير» أيضًا عن «التخريج الصغير»، حيث جرى فيه العراقي غالبا على حذف
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين»: للزبيدي ج ١/ ٣٠٠.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٤١
[ ٣ / ١٣١٧ ]
السند، مكتفيا بذكر الصحابي الراوي للحديث، أو الموقوف عليه الحديث من تابعي وغيره، كما أن ذكره فيه للروايات المتعددة للحديث قليل.
ومع أن العراقي لم يلتزم في هذا التخريج الكبير ببيان درجات كل الأحاديث المخرجة، إلا أنه ذكر فيه درجات أحاديث كثيرة لم يذكرها في التخريج الصغير، وهذه ميزة هامة، خاصة بالنسبة للأحاديث غير الصحيحة والتي لم تبين درجاتها في مصادرها الحديثية، فمن ذلك حديث «كنا أصحاب رسول الله ﷺ أوتينا الإيمان قبل القرآن» (الحديث) فقد قال العراقي في «تخريجه الصغير»: أخرجه ابن ماجه من حديث جندب مختصرا، مع اختلاف (^١).
أما في «تخريجه الكبير» فقال: روى ذلك من حديث جندب بن عبد الله البجلي، رواه ابن ماجه مختصرًا، مقتصرا على القدر المرفوع منه، من رواية أبي عمران الجوني عن جندب قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان خراورة، فتعلمنا الإيمان قبل ان تتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانا، وإسناده صحيح، زاد الطبراني فيه «وإنكم اليوم تتعلمون القرآن قبل الإيمان» وهو صحيح أيضًا (^٢).
فبين بذلك درجة الحديث وهي الصحة، بينما لم يبينها في الصغير كما رأيت، وهي أيضًا لم تبين في المصدرين المخرج منهما الحديث وهما «سنن ابن ماجه» والطبراني.
ومن ذلك أيضًا: حديث: من أَوْلَى ما أُوتيتم اليقين، وعزيمة الصبر» فإنّ
_________________
(١) «التخريج الصغير» بهامش الإحياء ج ١/ ٨٢.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٢٤.
[ ٣ / ١٣١٨ ]
العراقي في التخريج الصغير أخرج في معناه من عند ابن عبد البر حديث معاذ «ما أنزل الله شيئًا أقل من اليقين، ولا قسم شيئًا بين الناس أقل من الحلم» ولم يبين درجته. (^١)
أما في «التخريج الكبير» فقال: وروى ابن عبد البر في كتاب العلم من حديث معاذ رفعه، قال: «ما أنزل شئ أقل من اليقين ولا قسم شئ أقل من الحلم»، ثم عقب عليه ببيان درجته فقال: ولا يصح إسناده (^٢).
وفي حديث «لما تلا رسول الله ﷺ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام﴾» [الأنعام: ١٢٥].
قال في «التخريج الصغير»: أخرجه الحاكم والبيهقي في «الزهد» من حديث ابن مسعود، ولم يبين درجة أي من الروايتين (^٣).
أما في «التخريج الكبير» فساق رواية الحاكم في «المستدرك» بسنده، ثم قال: «وقد سكت عليه الحاكم، وهو ضعيف»، ثم ذكر رواية البيهقي أيضًا فقال: «ورواه البيهقي في «الزهد» من رواية عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحرث عن ابن مسعود» ثم عقب عليه فقال: «إنّه ضعيف كما بينه الدارقطني في العلل»، وقال: إنّه سئل عنه الدارقطني أيضًا فقال: يرويه عمرو ابن مرة، واختلف فيه عنه: فرواه مالك بن مغول عن عمرو بن مرة عن عبيدة عن عبد الله، قال: عبد الله بن محمد بن المغيرة، تفرد به. ورواه زيد بن
_________________
(١) «المغني عن حمل الاسفار» بهامش الإحياء ج ١/ ٧٨.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤١٠.
(٣) «التخريج الصغير» بهامش الإحياء ج ١/ ٨٢.
[ ٣ / ١٣١٩ ]
أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله، قاله أبو عبد الرحيم، عن زيد، وخالفه يزيد بن سنان، فرواه عن زيد عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله، وكلها وهم، والصواب: عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، مرسلا عن النبي ﷺ، كذلك قال الثوري، ثم قال العراقي: وعبد الله بن المسور هذا متروك (^١)
وفي حديث «عليكم بالنمط الأوسط» قال في التخريج الصغير: أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث موقوفا على على بن أبي طالب ﵁، ولم أجده مرفوعا (^٢).
أما في «التخريج الكبير» فذكر رواية الحديث الموقوفة كما عند أبي عبيد ثم قال: ورجال اسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعا (^٣).
وفي حديث: «لأن تغدو فتتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة».
قال في «تخريجه الصغير»: أخرجه ابن عبد البر من حديث أبي ذر وليس إسناده بذاك، والحديث عند ابن ماجه بلفظ آخر (^٤)
أما في «الكبير» فقال: رواه ابن عبد البر من رواية علي بن جدعان، عن سعيد بن المسيب عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ، فذكره، وابن جدعان ضعيف، والحديث عند ابن ماجه من هذا الوجه، إلا أنه قال: ألف ركعة، وزاد فيه: عمل به أو لم يعمل به، وزاد في أوله: لأن تغدو فتتعلم آية
_________________
(١) (إتحاف السادة المتقين) ج ١/ ٤٢٥.
(٢) (التخريج الصغير) بهامش الإحياء ج ١/¬٧، ٨.
(٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٤٤.
(٤) «التخريج الصغير» بهامش الإحياء ج ١/¬١٥.
[ ٣ / ١٣٢٠ ]
من كتاب الله، خير لك من أن تصلي مائة ركعة، وإسناد ابن ماجه منقطع، فإنه عنده من رواية عبد الله بن غالب العباداني عن عبد الله ابن زياد البحراني، هكذا معنعنا، وفي رواية ابن عبد البر: عبد الله بن غالب العباداني قال حدثنا خلف بن أعين عن عبد الله بن زياد، فزاد فيه رجلا». (^١)
وهكذا تلاحظ أن ما ذكره العراقي من درجة الأحاديث وعللها، ليست في تخريجه الصغير كما أنها ليست مبينة في المصادر التي خرج منها الأحاديث، ولكنه بينها في الكبير بعد جمع الأسانيد وبحثها، ومقارنة بعضها ببعض، وتطبيق قواعد النقد عليها. ثم إنّه سيأتي اختلاف تقديره لدرجة بعض الأحاديث في «التخريج الصغير» عن تقديره في «الكبير».
بيانه لاختلاف درجة الحديث باختلاف حال أسانيده:
بين العراقي في هذا التخريج أيضا اختلاف درجة الحديث الواحد تبعًا لاختلاف حال أسانيده.
مثال ذلك: حديث «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء» حيث قال في تخريجه: «أخرجه ابن ماجه من رواية بشير بن ميمون، عن أشعث بن سوار عن ابن سيرين عن حذيفة ﵁، رفعه، ولفظه «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السفهاء أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار».
ثم بين حال الإسناد المتقدم فقال: «وبشير بن ميمون الخراساني، متهم بالوضع»، قاله البخاري، وأشعث بن سوار، مختلف فيه، ثم استدرك على
_________________
(١) «اتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٩٦، ٩٧.
[ ٣ / ١٣٢١ ]
ذلك فقال: «ولكن أخرج ابن ماجه أيضًا من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، رفعه: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتجترئوا في المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار»، وبين حال هذا الإسناد الثاني فقال: «وإسناده على شرط مسلم» (^١) وبذلك يتقرر أن الحديث بالسند الأول ضعيف جدًا، لاشتمال ذلك السند على راويين أحدهما متهم بالوضع والآخر مختلف في الإحتجاج به، ولكنه بالسند الثاني صحيح، لكون رجاله على شرط مسلم في صحيحه، ولم يذكر العراقي له علة، وهذا يعد من فوائد عناية العراقي في هذا التخريج بجمع أسانيد الحديث الواحد وبيان حال كل منها، وتقدير درجة الحديث على أساس ذلك»
استدراك العراقي على سابقيه، ومخالفته لهم في تقدير درجات الأحاديث:
بفحصي لعدة نصوص من هذا التخريج، وجدت أن العراقي قد استدرك على سابقيه من علماء السنة المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، كما أنه قد يتفق مع بعضهم في بيان درجة الحديث من الصحة وغيرها، وقد يختلف، وهذا يدل على أنه لم يكن مجرد ناقل عن غيره أو مقلد، بل كان يمحص ما ينقله، ويوافق أو يخالف، بناء على رأيه الخاص، ويختار ما يظهر له بالأدلة وجاهته، وهذا هو شأن الحفاظ والمجتهدين في كل عصر.
فمن استدراكاته: «أنه في تخريج حديث ابن عباس في دعاء النبي ﷺ بقوله «اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل» ذكر أن الحديث أخرجه
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٣٤٩.
[ ٣ / ١٣٢٢ ]
البخاري ومسلم في صحيحيهما، بدون قوله: «وعلمه التأويل»، وأنه قد زادها الإمام أحمد في مسنده والحاكم وقال: «صحيح الإسناد»، ثم عقب العراقي على ذلك باستدراك على أبي مسعود الدمشقي المتوفى سنة ٤١١ هـ في كتابه «أطراف أحاديث الصحيحين» فقال: «ووهم أبو مسعود الدمشقي في كتابه «الأطراف» حيث عزا للصحيحين هذه الزيادة، وقد أقره الزبيدي على هذا الاستدراك». (^١)
وفي تخريج حديث: «إن من خيار أمتي قومًا يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون سرا من خوف عذابه»، ذكر أن البيهقي أخرجه في «شعب الإيمان» بزيادة فيه، واللفظ له، من رواية حماد بن أبي حميد عن مكحول عن عياض بن سليمان وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ: «خيار أمتي فيما أنبأني العلي الأعلا، قوم يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون سرا من خوف شدة عذاب ربهم» (الحديث بطوله) وقال البيهقي: «تفرد بهذا حماد بن أبي حميد، وليس بالقوي عند أهل العلم»، فاستدرك عليه العراقي قائلا: «ولم ينفرد به حماد كما قال البيهقي، بل روي أيضًا من رواية خالد بن المغيرة بن قيس عن مكحول، رواه أبو نعيم في «الحلية»، وقد أقر الزبيدي أيضًا العراقي على ذلك» (^٢) وبهذا الاستدراك أثبت العراقي وجود متابعة مقوية لرواية البيهقي التي ضعفها بدعوى تفرد حماد بها كما مر.
وأما اختلافه مع غيره في تقدير درجة الأحاديث، فقد وجدت أكثر ذلك مع المتساهلين: كأبي عبد الله الحاكم، صاحب «المستدرك على الصحيحين»،
_________________
(١) إتحاف السادة المتقين ١/ ٢٥٨.
(٢) إتحاف السادة المتقين ١/ ٤٢١.
[ ٣ / ١٣٢٣ ]
ومع المتشددين: كأبي الفرج ابن الجوزي، وأبي حفص عمر بن بدر الموصلي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ، وهذا يتواءم مع ما قدمته في الباب السابق من اعتداله في الجرح والتعديل.
فمما اختلف فيه مع الحاكم: حديث أنس ﵁ «يكون في آخر الزمان عباد جهال، وعلماء فسقة» فقد ذكر الزبيدي أن الحاكم أخرجه في «المستدرك» باب الرقاق، وقال صحيح، ثم ذكر أن الذهبي والعراقي شنعا على الحاكم بتصحيحه هذا الحديث، وأن الذهبي قال: «يوسف بن عطية الصفار، الراوي لهذا الحديث، هالك، وأن العراقي قال: «إنه مجمع على ضعفه» (^١). وبذلك يكون العراقي قد اتفق مع الذهبي على رد تصحيح الحاكم للحديث، وحكما بضعفه، بسبب وجود يوسف بن عطية المذكور في سنده، وقد صرح العراقي بذلك الحكم في «التخريج الصغير» فقال، عن الحديث: «أخرجه الحاكم من حديث أنس وهو ضعيف» (^٢)، أما تصريحه بالرد على الحاكم، وبيانه لسبب ضعف الحديث، فيعد من نقول الزبيدي عن «التخريج الكبير»، حيث لم يرد في الصغير كما ترى، وقد اعتمد الزبيدي ما قرره العراقي».
وفي حديث: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، فيجرح مداد العلماء الذي أورده الغزالي في كتاب العلم من «الإحياء» (^٣) وقد ذكره ابن الجوزي في كتابه «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية»، من عدة طرق،
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٤٩.
(٢) التخريج الصغير ١/ ٦٤ بهامش الإحياء.
(٣) والإحياء، ج ١/¬١٢.
[ ٣ / ١٣٢٤ ]
منها طريق يعقوب القمي عن هارون بن عنترة عن الشعبي عن النعمان بن بشير ﵁، وأعله بالطعن في يعقوب القمي وهارون ابن عنترة، ثم أقره على ذلك الحافظ الذهبي في تلخيصه لكتاب العلل المتناهية» (^١).
لكني وجدت بهامش تلخيص الذهبي هذا تعليقًا على الحديث المذكور: «أن العراقي قال في (تخريجه الكبير) ما نصه: «فيه، (أي في معنى الحديث المذكور)، عن النعمان بن بشير، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو وعمران ابن حصين، أما حديث النعمان، فهو أجود طرق أحاديث الباب»، رواه ابن الجوزي، في «العلل المتناهية» من رواية يعقوب القمي عن هارون ابن عنترة عن الشعبي عن النعمان، وقال: لا يصح، أما هارون بن عنترة فقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ويعقوب القمي ضعيف»، ثم عقب العراقي على ابن الجوزي فقال: (قلت: أما هارون، فوثقه أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي، وتعدد الكلام فيه من ابن حبان، على أنه قد ذكره في الثقات، فاختلف كلامه) (^٢) وأما يعقوب ابن عبد الله القمي، فوثقه النسائي والطبراني، وقال الدارقطني: «ليس بالقوي، فالحديث من هذا الطريق حديث حسن» (^٣) وهكذا نجد أن العراقي قد خالف ابن الجوزي، والذهبي، فرد تضعيفهما للحديث، وذلك بدفع ما وجهاه إلى بعض رواته من طعن، وبيان حجيته، وبمقتضاه حكم على الحديث بأنه حسن من هذا
_________________
(١) (تلخيص العلل المتناهية) للذهبي ٦ أ (مخطوط بمكتبة الأزهر برقم ٢٩٠ حديث).
(٢) حيث قال كما في نقل ابن الجوزي عنه: «إنه لا يجوز الإحتجاج به، ثم ذكره في كتاب الثقات له» (٧/ ٥٧٨).
(٣) «تلخيص العلل المتناهية» /٦ / أ هامش/ من نسخة مكتبة الأزهر الخطية برقم ٢٩٠ حديث.
[ ٣ / ١٣٢٥ ]
الطريق، وليس ضعيفًا، كما يرى ابن الجوزي والذهبي، ونقل رأي العراقي هذا من «تخريجه الكبير» بهامش «تلخيص الذهبي للعلل المتناهية» تعليقًا على الحديث المذكور، يعتبر أخذًا من الناقل برأي العراقي في مواجهة رأي ابن الجوزي والذهبي، وفي تقديري أن مستند العراقي في رأيه المذكور جدير بترجيحه على رأيهما.
وممن اختلف العراقي معهم في بيان درجة الأحاديث: أبو حفص عمر بن بدر الموصلي، الذي ألف عدة مصنفات في بيان الأحاديث الموضوعة، وذكر أن أبدعها كتابه المسمى «بالمغني عن الحفظ والكتاب، بقولهم لم يصح شئ في هذا الباب» (^١)، وقد رتبه على أبواب بلغت ٩٦ بابا، وجعل يذكر الباب ويحكم حكمًا عامًا بأنه لم يصح، أو لم يثبت في هذا الباب شئ عن الرسول ﷺ، وقد ينقل هذا الحكم عن غيره من العلماء ويقره عليه.
مثال ما حكم فيه بنفسه: باب ما ورد في مدح أبي حنيفة والشافعي وذمهما، حيث قال: «لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شئ على الخصوص» (^٢).
ومثال ما نقل فيه عن غيره «باب في التسمية على الوضوء» حيث قال: قال أحمد: «ليس فيه شئ يثبت» (^٣).
ولم يستثن من هذه الأحكام العامة شيئًا إلا في تسعة أبواب فقط، حيث
ذكر أنه لم يصح فيها غير كذا، وسرد بعض الأحاديث (^٤) أما الـ ٨٥ بابًا
_________________
(١) انظر «المغني عن الحفظ والكتاب» / ١٨.
(٢) انظر «المغني عن الحفظ والكتاب» / ٢٦.
(٣) انظر «المغني عن الحفظ والكتاب» / ٢٧.
(٤) انظر «المغني عن الحفظ والكتاب» / ٢٢، ٢٣، ٢٥، ٣٦، ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٥.
[ ٣ / ١٣٢٦ ]
الباقية من الكتاب، وهي مُعظَمُه كما ترى، فإن الموصلي اعتبر الأحكام العامة بأنه لم يصح أو لم يثبت شئ فيها عن الرسول ﷺ، دليلا على أن كل الأحاديث الواردة فيها موضوعة، ولذلك قرر أن هذا الكتاب أبدع ما ألفه في بيان الأحاديث الموضوعة كما مر.
وقد نقل العراقي من هذا الكتاب في «تخريجه الكبير»، وذلك في أواخر تخريجه لأحاديث كتاب العلم من الإحياء، وأتبع ذلك ببيان رأيه فيه عمومًا فقال: «إن عمر بن بدر الموصلي له كتاب سماه «المغني عن الحفظ والكتاب، بقولهم لم يصح شئ في هذا الباب» وبعض ما ذكره فيه منتقض (^١)، وبذلك قرر العراقي أنه يرى أن أحكام الموصلي بالوضع على كل ما ورد في معظم أبواب الكتاب السابق ذكرها، ليست مسلمة له كلها، بل بعضها منتقض ومردود عليه، وسيأتي قريبًا مثال لما نقضه العراقي منه، وقد أخذ كثير من العلماء من بعد العراقي وحتى الآن، برأيه في كتاب الموصلي هذا (^٢)، وألف الأستاذ حسام الدين القدسي ﵀ مؤخرًا، كتابًا في انتقاده تفصيلا، وسماه «انتقاد المغني»، وبيان أنه لا غناء عن الحفظ والكتاب (^٣) وأيده في ذلك الشيخ زاهد الكوثري ﵀ (^٤)، كما انتقد الموصلي تفصيلا أيضًا، الشيخ محمد الخضر حسين التونسي ﵀ وهو أول من عاصرتهم من
_________________
(١) انظر: «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٧٤.
(٢) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٢٣٨ و«التدريب» للسيوطي/ ١٩٥ و«إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٧٤ و«الرفع والتكميل» للكنوي/ ١٣٣ أصل وهامش.
(٣) وطبع بدمشق سنة ١٣٤٣ هـ.
(٤) «الرفع والتكميل» للكنوي/ ١٣٣ هامش.
[ ٣ / ١٣٢٧ ]
شيوخ الأزهر، وقد اعتمد في نقده على العراقي وغيره» (^١).
رأي العراقي في أحاديث العقل، وفيما أورده الغزالي منها، ونقده للغزالي وغيره في ذلك:
ختم الغزالي كتاب العلم من (الإحياء) بباب في بيان حقيقة العقل وشرفه وأقسامه، وأورد في ذلك ٢٢ حديثًا كلها ضعيفة، مع جزمه بنسبة كثير منها إلى الرسول ﷺ حيث يقول: (قال رسول الله ﷺ كذا) (^٢) وقد خرج العراقي هذه الأحاديث تفصيلًا في (التخريج الكبير)، ثم عقب عليها بقوله: «وهذه الأحاديث التي ذكرها المصنف (أي الغزالي) في العقل كلها ضعيفة، وتعبير المصنف في بعضها بصيغة الجزم مما ينكر عليه» (^٣)، ومرجع هذا الإنكار: هو المخالفة لأحد قواعد الرواية التي قررها العراقي وغيره من أئمة الحديث، والتي تقضي بأنه من أراد نقل حديث ضعيف، أو مشكوك في صحته مع ذكره، بغير إسناد، كما فعل الغزالي، فلا يجوز له ذكره بصيغة تفيد الجزم كأن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، ونحوهما، وإنما يذكر ذلك بصيغة التمريض، كيروى كذا، وورد كذا ونحوهما (^٤).
وهذا النقد من العراقي للغزالي، مصداق لما قدمته، من أن دفاع العراقي عنه
_________________
(١) انظر هذه الإنتقادات بهوامش طبعة (المغني عن الحفظ والكتاب) التي طبعت بالمطبعة السلفية بالقاهرة سنة ١٣٤٢ هـ بتحقيق الشيخ محمد الخضر ﵀/ ٢٢، ٢٤، ٢٧، ٢٨، ٣٦، ٣٨.
(٢) انظر «الإحياء والتخريج الصغير»، بهامشه ج ١/ ٨٨ - ٩٤.
(٣) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٧٤.
(٤) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج ١/ ١٤٢ و«مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح» للعراقي/ ١٣٦ و«التقريب» للنووي مع شرحه التدريب، للسيوطي/ ١٩٥» / ١٩٦ أصل وهامش.
[ ٣ / ١٣٢٨ ]
فيما أورده من الأحاديث عمومًا لم يمنعه من نقده خلال التخريج فيما لاحظ أنه أخطأ فيه، أو خالف القواعد الحديثية.
وبعد أن ذكر العراقي نقده السابق للغزالي قال: «وبالجملة فقد قال غير واحد من الحفاظ: لا يصح في العقل حديث، ذكره عمر بن بدر الموصلي في كتاب له سماه «المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم لم يصح شئ في هذا الباب». (^١)
وبالرجوع لكتاب الموصيلي المذكور، نجد ما أشار إليه العراقي موجودًا في باب العقل، نقلًا عن أبي جعفر العقيلي، وأبي حاتم بن حبان البستي، وقد أقرهما الموصلي على ذلك (^٢).
كما تابع هؤلاء من معاصري العراقي: ابن تيمية (^٣) وابن القيم (^٤) رحمهما الله - لكن العراقي تعقب هذا بقوله: «وقد ورد في العقل أحاديث صححها بعض الأئمة (^٥)، وبهذا رد على العقيلي وابن حبان والموصلي ومن تبعهم، في حكمهم على أحاديث العقل جميعها بالوضع، حيث قرر أنه قد ورد في العقل أحاديث صححها بعض الأئمة، غير أنه لم يعين أحد الأئمة باسمه، ولم يذكر لنا ولو حديثا واحدًا مما صححوه، وكان الأولى به ذلك، تدعيما لرأيه في مواجهة المخالفين من المتقدمين والمتأخرين» (^٦).
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، جـ ١/ ٤٧٤.
(٢) «المغني عن الحفظ والكتاب»» / ٢١.
(٣) «أحاديث القصاص»، له/ ٧٢، ٧٣.
(٤) «المنار المنيف»، له/ ٦٦، ٦٧.
(٥) «إتحاف السادة المتقين»، جـ ١/ ٤٧٤.
(٦) انظر: «الموضوعات الكبرى»، لابن الجوزي ج ١/ ١٧١ - ١٧٧ و٥ تنزيه الشريعة.
[ ٣ / ١٣٢٩ ]
بيان العراقي لدرجة بعض الأحاديث من كل طرقها، ورد نقده في ذلك:
جرى العراقي في تخريجه الصغير غالبًا، على بيان درجة الأحاديث من بعض طرقها، كما مر إيضاحه في بيانه لاختلاف درجة الحديث باختلاف حال أسانيده، ولكن هناك أحاديث بين درجتها بحكم عام على كل طرقها بعد سياق بعضها، ومن المعروف أن الأحكام الكلية مع دلالتها على سعة إطلاع صاحبها، وتمكنه العلمي، إلا أنها تجعله عرضة لانتقاد من بعده من الباحثين، واستدراكهم عليه، وهذا ما حدث بالنسبة للعراقي في بعض أحكامه الكلية على طرق الأحاديث، فإنه في تخريج حديث: «أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال الله ﷿ وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب»، قال العراقي: (روي من حديث أبي أمامة وعائشة وأبي هريرة وابن عباس، والحسن عن عدة من الصحابة)، وأخرج رواية كل من أبي أمامة وعائشة وأبي هريرة وابن عباس مع بيان درجتها وحال أسانيدها ثم قال: (وأما حديث الحسن عن عدة من الصحابة، فرواه الترمذي الحكيم أيضًا قال: حدثنا عبد الرحيم بن حبيب حدثنا داوود بن المجد حدثنا الحسن ابن دينار قال: سمعت الحسن قال: حدثني عدة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه لما خلق الله العقل) (الحديث) وزاد فيه ثم قال له: «اقعد فقعد، ثم قال له انطلق فانطلق، ثم قال له اصمت فصمت فقال: وعزتي وجلالي
_________________
(١) = لابن عراق ج ١/ ١٧٥، ٢٠٣، ٢٠٤ و«أحاديث القصاص» لابن تيمية/ ٧٢، ٧٣ و«المنار» لابن القيم/ ٦٦، ٧٧ و«الأسرار المرفوعة» لعلي قاري/ ١٢٤، ١٢٥ و«الفوائد المجموعة» للشوكاني/ ٤٧٥ - ٤٧٩ و«سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة»، للألباني ج ١/¬١١
[ ٣ / ١٣٣٠ ]
وعظمتي وكبريائي، وسلطاني وجبروتي، ما خلقت خلقًا أحب إلي منك، ولا أكرم علي منك» (الحديث) ورجاله كلهم هلكى إلا الحسن البصري، وعبد الرحيم بن حبيب الفارياني، ليس بشئ، قاله يحيى بن معين، وقال ابن حبان: «لعله وضع أكثر من خمسمائة حديث، وداوود تقدم (^١)، والحسن بن دينار ضعيف أيضًا، وقد رواه داوود ابن المحبر في [كتاب] «العقل» مرسلًا فقال: حدثنا صالح المري عن الحسن بن أبي الحسن، فذكره أخصر من هذا»، ثم قال العراقي: وبالجملة فطرقه كلها ضعيفة (^٢)، فحكم بذلك حكمًا عامًا على كل طرق هذا الحديث بالضعف.
لكن الإمام الزبيدي استدرك عليه في هذا فذكر أن عبد الله بن أحمد حنبل قال في «زوائد كتاب الزهد» لوالده: حدثنا علي بن مسلم حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار عن الحسن يرفعه: «لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر. ثم قال: ما خلقت شيئًا أحسن منك، بك آخذ وبك أعطي»، وعقب الزبيدي على ذلك بقوله: «فهذا كما ترى سند جيد، فقول الحافظ العراقي: وبالجملة فطرقه كلها ضعيفه، محل تأمل، …
_________________
(١) وذلك في تخريجه لحديث قبل هذا وهو حديث: أيها الناس اعقلوا، وقد قال فيه: «وداود بن المحبر، اختلف فيه، فروى عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: ما زال معروفًا بالحديث ثم تركه، وصحب قومًا من المعتزلة فأفسدوه، وهو ثقة شبه الضعيف، وقال أحمد: لا يدري ما الحديث، وقال الدارقطني: متروك، وروى عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري عن الدارقطني، أنه سرق كتاب «العقل» من واضعه ميسرة بن عبد ربه، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة» (إتحاف السادة المتقين جـ ١/ ٤٥٢).
(٢) «إتحاف السادة المتقين»، جـ ١/ ٤٥٣، ٤٥٤.
[ ٣ / ١٣٣١ ]
فغاية ما يقال فيه: أنه ضعيف في بعض طرقه (^١)، وبهذا قرر الزبيدي عدم إصابة العراقي في حكمه بضعف جميع طرق الحديث.
لكن يمكنني الرد على الزبيدي بأن الطريق التي أوردها عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» هذه، مع جودة رجالها، فإنها مرسلة، حيث قال فيها: عن الحسن، يرفعه، دون ذكر الصحابي الراوي عنه الحسن البصري، وقد قرر هذا، ابن عراق، فقال: «ورواه عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» بسند جيد عن الحسن مرسلا (^٢)، والمعروف أن الإرسال علة تقتضي ضعف الإسناد، ولا سيما مرسلات الحسن» (^٣)، وعليه يكون هذا الطريق أيضًا ضعيفًا للإرسال، وإن كان إسناده إلى الحسن جيدًا، وبالتالي لا ينتقض به حكم العراقي بضعف جميع طرق الحديث المذكور، والله أعلم.
بيان أحوال رجال الأسانيد، وطبقاتهم، وآراؤه في ذلك، مع المقارنة والنقد
يلاحظ من نماذج هذا التخريج السابق ذكرها ضمن الفقرات السابقة والآتي بعضها أيضًا، أن العراقي اعتمد في تقدير درجة الحديث، أو بيان علته، على بيان حال رجال الإسناد عمومًا، توثيقًا وتجريحًا، كقوله عن الحديث: «رجال إسناده ثقات يحتج بهم» (^٤)، أو هلكى إلا فلان، كما تقدم، وغير ذلك، كما أنه يعقب على كثير مما يخرجه من الروايات ببيان ما في سندها أو متنها.
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٥٤.
(٢) «تنزيه الشريعة» لابن عراق ج ١/ ٢٠٤.
(٣) جامع التحصيل للعلائي - الباب الثالث/ ٦٧ و«سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» للألباني ج ١/¬١٢.
(٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١: ١٧٢، ٢٠٦.
[ ٣ / ١٣٣٢ ]
من أشخاص مبهمين، أو مذكورين بالإسم فقط دون تمييز، أو مختلف فيهم، وبيان طبقاتهم، كصحابي، أو تابعي، وبمقتضى ذلك صار هذا «التخريج الكبير» مصدرًا جامعًا من مصادر بيان أحوال وأشخاص مئات من رجال السنة، من صحابة، وتابعين، وغيرهم ممن لا يوجدون مع بيان أحوالهم مجتمعين في غيره من كتب التخريج، أو الرجال، وقد عبّر العراقي من خلال ذلك عن آرائه، فيمن ذكرهم من مئات الرجال توثيقًا وتجريحًا ودفاعًا، وذلك بإقراره لغيره ممن نقل عنهم، أو بمقارنته لأقوالهم ببعضها ببعض، أو بترجيح بعضها على بعض، أو بمخالفتها، والرد عليها.
فمن ذلك: أنه خرج حديث عائشة ﵂ في العقل فقال: وأما حديث عائشة فرواه أبو نعيم في «الحلية» قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحي، بإفادة الدارقطني، عن سهل بن المرزبان بن محمد التميمي عن عبد الله بن الزبير الحميدي عن ابن عيينة عن منصور عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ: «أول ما خلق الله العقل»، فذكر الحديث، وقال: (هكذا أورده في ترجمة سفيان ابن عيينة، ولم أجد في إسناده أحدًا مذكورًا بالضعف، ولاشك أن هذا الحديث مركب على هذا الاسناد، ولا أدري ممن وقع ذلك، والحديث منكر) (^١)، وبهذا قرر العراقي أنه بحث أحوال رجال الإسناد المذكور واحدا واحدا، ولم يجد تضعيفًا لأي منهم، يعني مع اتصافهم بالتوثيق، وبالتالي يكونون في رأيه ثقات، أو محتج بهم، ثم اتجه إلى تعليل الحديث بعلة أخرى تخفى على غير الأفذاذ من النقاد، وهي كونه مركبا على هذا السند الموثق، وليس مرويا به فعلا،
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١ ص ٤٥٣
[ ٣ / ١٣٣٣ ]
وهذه طريقة من طرق الوضع في الحديث، وقد أقر العراقي على ذلك الزبيدي (^١).
وفي حديث: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم على أصحابه فرأى مجلسين: أحدهما يدعو الله ﷿ ويرغبون إليه» (الحديث)، أخرجه من عند ابن ماجه من رواية داؤد بن الزبرقان عن بكر بن خنيس عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم عن عبد الله بن زيد عن عبد الله بن عمرو قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم من بعض حُجَرِه، فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين …» وساق الحديث بطوله، ثم قال: «ومداره على عبد الرحمن ابن زياد، وقد وثقه يحيى بن سعيد، وقال البخاري: مقارب الحديث، وضعفه جماعة (^٢). وبهذا قارن العراقي بين أقوال العلماء في عبد الرحمن هذا، توثيقًا وتجريحًا لكن تصدير كلامه بذكر من وثقه يدل على ترجيحه لجانب الاحتجاج به على جانب تضعيفه، بناءً على ما قدمنا في الباب الثالث، من طريقته في الترجيح بين الأقوال.
وفي حديث أنس: أثنى قوم على رجل عند النبي ﷺ حتى بالغوا في الثناء، فقال: كيف عقل الرجل؟ (الحديث) (^٣)، أخرجه من رواية داود بن المحبر في كتاب «العقل» قال: حدثنا سلام بن المنذر عن موسى بن جابان عن أنس بن مالك»، ثم قال: سلام هو ابن أبي الصهباء، ضعفه ابن معين، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان لا يجوز الإحتجاج به إذا انفرد،
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١ ص ٤٥٣.
(٢) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١ ص ١١١.
(٣) «الإحياء»، ج ١ ص ٨٩.
[ ٣ / ١٣٣٤ ]
وأما أحمد فقال: إنه حسن الحديث (^١).
وبهذا قارن العراقي بين آراء العلماء في (سلام) توثيقا وتجريحًا، وهذه المقارنة ذكر بعضها ابن الجوزي في كتابه (الضعفاء والمتروكين) (^٢)، وإن كان العراقي لم يعزها إليه، ومعنى ذلك أنه أخذ بما قرره ابن الجوزي فصار موافقا له في الرأي في بيان حال هذا الراوي.
لكن هناك أمثلة أخرى خالف فيها ابن الجوزي في كل ما قرره، ودافع عمن جرحهم، ففي حديث «اليقين الإيمان كله» خرجه العراقي من عند أبي نعيم في (الحلية) والبيهقي في «الزهد» وأبو القاسم اللالكائي في كتاب «السنة» … وساق الحديث بسندهم، ثم قال: قال البيهقي: تفرّد به يعقوب بن حميد، عن محمد بن خالد، وقد أعله ابن الجوزي في «العلل المتناهية» بهما فقال: محمد بن خالد: مجروح، ويعقوب بن حميد: ليس بشئ (^٣).
وعقب العراقي على هذا قائلا: أما محمد بن خالد المخزومي فلم أجد من الأئمة من جرحه، وأما يعقوب فأورده ابن حبان في «الثقات» (^٤).
وبذلك خالف ابن الجوزي في تجريح الراويين المذكورين، ودافع عنهما بما يدفع الجزم بجرحهما دون خلاف، كما هو صنيع ابن الجوزي.
وقد يقره على بعض ويخالفه في بعض، كما في تخريج حديث أنس «العلماء
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٥٥.
(٢) «الضعفاء والمتروكين» ج ١ ترجمة ١٥٣٤: بتحقيق الدكتور: عبد القادر سليمان الأفغاني (رسالة دكتوراة مكتوبة بالآلة الكاتبة).
(٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٠٨، ٤٠٩.
(٤) المصدر السابق/ الموضع نفسه.
[ ٣ / ١٣٣٥ ]
أمناء الرسل على عباد الله» (^١) حيث قال العراقي: «ورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» من رواية إبراهيم بن رستم عن عمر بن حفص العبدي عن إسماعيل بن سريع، قال: وتابعه محمد بن معاوية النيسابوري عن محمد بن يزيد عن إسماعيل، ثم قال: أما (أبو حفص) عمر العبدي، فقال يحيى: ليس بشئ، وقال النسائي: متروك، وأما إبراهيم ابن رستم، فقال ابن عدي: ليس بمعروف، ومحمد بن معاوية قال فيه أحمد: كذاب، انتهى كلام ابن الجوزي، وقد تعقبه العراقي فقال: «أما إبراهيم بن رستم فقال فيه عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة وبذلك يكون قد وافق ابن الجوزي فيما قرره من تجريح ثلاثة من رواة الحديث، وخالفه في واحد وهو إبراهيم بن رستم فوثقه تبعا لتوثيق ابن معين له، وقد أقر العراقي على ذلك الزبيدي (^٢)، وابن عراق» (^٣).
ومما خالف فيه العراقي غيره أيضًا، ما جاء في تخريج حديث «الشيخ في قومه كالنبي في أمته» (^٤)، حيث خرجه من كتاب «الضعفاء» لابن حبان من رواية عبد الله بن عمر بن غانم عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: … فذكره، وذكر أن ابن حبان أورده في ترجمة ابن غانم المذكور، قاضي إفريقية، وقال عنه: روى عن مالك ما لم يحدث به مالك قط، لا يحل ذكر حديثه، ولا الرواية عنه إلا على سبيل الإعتبار» (^٥)، وقد وجدت
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١ ص ٣٨٨.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٨٨.
(٣) «تنزيه الشريعة» ج ١/ ٢٦٧.
(٤) «الإحياء» ج ١/ ٧٤.
(٥) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٥٩، ٤٥٠.
[ ٣ / ١٣٣٦ ]
كلام ابن حبان هذا فعلا في كتابه المذكور (^١)، لكن العراقي تعقبه بأن ابن غانم هذا، قد روى له أبو داود في «سننه» وقال: أحاديثه مستقيمة وذكره ابن يونس في «تاريخ مصر»، وقال: «إنه أحد الثقات الأثبات» ثم قال العراقي: «ومع ذلك فالحديث باطل، ولعل الآفة فيه من الراوي عن ابن غانم، وهو عثمان بن محمد بن خشيش القيرواني، قاله الذهبي» (^٢) وبذلك رد تضعيف ابن حبان لابن غانم الإفريقي، وأحال علة الحديث على الراوي عنه، تبعا للذهبي، وقد أقر العراقي على ذلك تلميذه ابن حجر وقال: «إن ابن حبان أفرط في تضعيفه» (^٣)، وتبعه أيضا ابن عراق (^٤)، ثم الزبيدي (^٥).
ومع أن العراقي قد توسع في بيان أحوال كثير من الرجال في هذا التخريج بما لم يذكره في «التخريج الصغير»، إلا أني وجدته قد يكتفي في الكبير بذكر رأي واحد في الراوي، جازما به، وقد عَرَّضَهُ هذا، لاستدراك من بعده عليه، وللنقد.
ففي حديث: «مما أخاف على أمتي زلة عالم» (^٦)، أخرج رواياته عن عدد من الصحابة، منهم علي ﵁، وقد أخرج روايته من عند الطبراني في «معجمه الأوسط»، من رواية الحارث الأعور عن علي رفعه، وعقب
_________________
(١) انظر: كتاب المجروحين من «الضعفاء والمتروكين» لابن حبان ج ٢/¬٣٩.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٤٩، ٤٥٠ و«الميزان» للذهبي ج ٢/ ٤٦٤.
(٣) «تقريب التهذيب»: ج ١/ ٤٣٥.
(٤) «تنزيه الشريعة» ج ١ ص ٢٠٨.
(٥) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٤٩، ٤٥٠.
(٦) الإحياء ج ١/ ٧٠.
[ ٣ / ١٣٣٧ ]
عليها بقوله: (والحارث الأعور)، ضعيف (^١) فاستدرك عليه الزبيدي قائلا: قلت: لكن وثقه ابن حبان (^٢) وعندما نرجع إلى كتب الرجال، نجد أن الآراء مختلفة في الحارث هذا، فمن العلماء من وصفه بالكذب كابن المديني وغيره (^٣) ومنهم من ضعفه فقط كالدار قطني وغيره (^٤) ومنهم اختلف قوله فيه: فالشعبي جاء عنه توثيقه، وجاء عنه أيضًا تكذيبه (^٥) وابن حبان ذكره في المجروحين له ٢/ ٢٢٢ ووصفه بما يقتضي شدة تضعييفه، ولكن أخرج له في صحيحه كما في الإحسان ٩/ ح ٣٧٨٣ فاقتضى ذلك أنه ثقة عنده، واختلف فيه قول ابن معين بين توثيق وتضعيف، والنسائي نحوه، كما في تهذيب التهذيب ٢/ ١٤٥ - ١٤٧. وجزم أحمد بن صالح المصري (^٦) بالمبالغة في توثيقه، وحمل وصف من وصفه بالكذب على الكذب في رأيه - يعني المبالغة في التشيع، ووافقه على هذا المحمل غيره/ ينظر الميزان ١/ ترجمة (١٦٢٧)، والإمام الذهبي في السير ٤/ ١٥٢ - ١٥٥/ صدر الترجمة بتليين حديثه، ثم ذكر خلالها توقفه في الاحتجاج به، وتحيره في أمره، لكنه في الميزان/ الموضع السابق/ ذكر تليين الحارث في صدر الترجمة، ثم قال خلالها: والجمهور على توهين أمره، وفي الكاشف ١/ ترجمة (٨٥٩) جزم بتليينه. وباستعراض هذه الآراء نجد أن ما جزم به العراقي من تضعيف
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٧٨.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٧٨.
(٣) «الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي ج ١/ ٢٠٧ وتهذيب التهذيب ٢/ ١٤٥ - ١٤٧.
(٤) «الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي ج ١/ ٢٠٧ وتهذيب التهذيب ٢/ ١٤٥ - ١٤٧.
(٥) «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم ج ٣/ ٧٨ و«تهذيب التهذيب» لابن حجر ج ٢/ ١٤٥.
(٦) «تهذيب التهذيب» ج ٢/ ١٤٥.
[ ٣ / ١٣٣٨ ]
الحارث، رأي وسط بين شدة تضعييفه، وتوثيقه، استدراك الزبيدي عليه.
لكن هذا التوسط لم يلتزمه العراقي، بل أحيانًا يأخذ بالرأي المتشدد، وأحيانًا يأخذ بالرأي المخفف، وأحيانًا يتوقف تبعًا لمبلغ علمه، ففي حديث «لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله» (^١) أخرجه من عدة مصادر بسند فيه محمد ابن أبي حميد المدني، ثم قال: «ومحمد بن أبي حميد منكر الحديث، قاله البخاري (^٢)، وعندما نرجع إلى آراء العلماء، نجد أكثرهم وصف محمدًا هذا بأنه ضعيف (^٣)، وقد ذكر تلميذ العراقي ابن حجر: «أن قولهم: منكر الحديث، أشد من قولهم: ضعيف» (^٤).
كما أن البخاري نفسه قد صرّح بما يدل على أن قوله: «منكر الحديث» أشد في الجرح من الوصف بالضعف حيث قال: «كل من قلت فيه: منكر الحديث، لا يحتج به، وفي لفظ: لا يحل الرواية عنه» (^٥)، وعليه يكون من وصفه البخاري بهذا، غير محتج بحديثه، ولا يخرج للاعتبار بناء على عبارته الثانية، بينما من وصف بالضعف، يخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد، فيتقوى به غيره» (^٦).
_________________
(١) (الإحياء) ج ١/¬١٦.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٩٩.
(٣) «الضعفاء والمتروكين» ج ٢/ ٧١٨ و«الكاشف» ج ٣/ ترجمة/ ٤٨٨١ و«تقريب التهذيب» ج ٢/ ١٥٦.
(٤) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٤٦.
(٥) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٤٦.
(٦) «فتح المغيث» للسخاوي ج ١/ ٣٤٦.
[ ٣ / ١٣٣٩ ]
وبمقتضى ذلك يكون اقتصار العراقي على رأي البخاري في محمد بن أبي حميد، يعتبر أخذا منه بالرأي المتشدد في جرحه دون المخفف الذي أطبق عليه الجمهور، ولاشك أن الأخذ برأي الجمهور هو الأولى، ولذلك تعقب الزبيدي العراقي، فقرر أن محمد بن أبي حميد هذا، ضعيف فقط (^١)، ومشى على ذلك الحافظ الذهبي معاصر العراقي (^٢)، كما أخذ به تلميذه ابن حجر (^٣).
وفي حديث «إن من العلم كهيئة المكنون» (^٤) أخرجه من عند أبي عبد الرحمن السلمي في كتابه «الأربعين حديثا في التصوف» بسند فيه: عبد السلام بن صالح، أبو الصلت الهروي، ثم قال: وعبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي، ضعيف جدا (^٥)، وبالرجوع إلى آراء العلماء في عبد السلام هذا، نجدهم مختلفين فيه توثيقا وتجريحا (^٦)
وقد رجح الذهبي كونه واهيا (^٧)، وهذه درجة مساوية لدرجة (ضعيف جدا) التي وضعه فيها العراقي.
وبذلك يكون العراقي قد مال إلى التشدد في جرح عبد السلام الهروي هذا، وقد خالفه تلميذه ابن حجر ومن بعده السيوطي، أما ابن حجر فقال: «إن
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٩٩.
(٢) «الكاشف»، ج ٣ ص ٣٦.
(٣) «تقريب التهذيب»، ج ٢/ ١٥٦.
(٤) «الإحياء»، ج ١ ص ٢٧
(٥) انظر «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ١٦٦، ١٦٧.
(٦) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ١٦٦، ١٦٧، والميزان ٣/ ترجمة (٥٠٥٦).
(٧) «الكاشف»، ج ٢/ ١٩٥.
[ ٣ / ١٣٤٠ ]
عبد السلام هذا صدوق، له مناكير، وكان يتشيع، وإن العقيلي أفرط في جرحه (^١)، وأما السيوطي فقال (إن عبد السلام بن صالح اختلف فيه، وعدد آراء العلماء فيه توثيقًا وتجريحًا) وانتهى إلى أن حديث ضعيف فقط لا شديد الضعف كما ذكر العراقي (^٢).
ومما أخذ فيه العراقي بالرأي الأخف في التجريح، ما جاء في تخريجه حديث: أن رجلًا جاء إلى الرسول ﷺ فقال: علمني غرائب العلم (^٣)، فقد خرجه من عدة مصادر، من رواية خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور، مرسلًا، ثم قال: «وهو مرسل ضعيف جدًا».
وبين وجه ذلك بقوله: «قال ابن أبي حاتم: عبد الله بن مسور بن عبد الله بن عون بن جعفر بن أبي طالب، الهاشمي المدائني، سألت أبي عنه فقال: «الهاشميون لا يعرفونه، وهو ضعيف الحديث، يحدّث بمراسيل لا يوجد لها أصل في أحاديث الثقات»، وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه موضوعة، كان يضع الحديث ويكذب (^٤). فتلاحظ مما ذكر أن من العلماء من ضعف ابن المسور فقط ومنهم من نسبه إلى وضع الأحاديث، وبالرجوع إلى كتب الرجال نجد أن أكثر آراء السابقين على العراقي تنسب ابن المسور هذا إلى الوضع والكذب (^٥)، لكن العراقي مشى في حكمه العام على أنه ضعيف جدًا
_________________
(١) «تقريب التهذيب»: ج ١/ ٥٠٦.
(٢) «إتحاف السادة المتقين»، ح/ ١٦٦، ١٦٧.
(٣) «الإحياء» ج ١ ص ٧٠.
(٤) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٣٧٩
(٥) «التاريخ الكبير» للبخاري ج ٥ ص ١٩٥ و٥ «المجروحين» لابن حبان ج ٢ ص ٢٤ و٥ «الضعفاء والمتروكين»، لابن الجوزي ج ٢/ ترجمة/ ١٩٤٢ و٥ «الميزان»، للذهبي ج ٢/ ٥٠٤.
[ ٣ / ١٣٤١ ]
كما رأيت، وهذه درجة أخف في الجرح بدرجتين من النسبة إلى الكذب والوضع، وإن اتفقتا في كون الموصوف بهما مردودا (^١)، وقد أقر العراقي على ذلك الإمام الزبيدي» (^٢).
وممن توقف فيه العراقي، ابن لهيعة، وذلك في تخريجه لحديث «الغرباء ناس قليلون» (^٣)، فقد خرجه من عند الإمام أحمد في «مسنده»، بسند فيه عبد الله بن لهيعة، وعقب على ذلك بقوله: «وعبد الله بن لهيعة مختلف فيه» (^٤) وقال ذلك عنه أيضًا في تخريج غير هذا الحديث (^٥)، وبمراجعة كتب الرجال نجد أن آراء العلماء حتى عصر العراقي مختلفة فعلًا في ابن لهيعة ما بين موثق ومجرح (^٦)، وقول العراقي: إنه مختلف فيه، يدل على إطلاعه على تلك الآراء المختلفة وتوقفه عن ترجيح أي منها، بينما رجح معاصره الذهبي، التضعيف (^٧)، ومن بعده الهيثمي تلميذ العراقي (^٨)، أما تلميذه ابن حجر، فمرة رجح حُجّيته قبل احتراق كتبه، وتجريحه بسوء الحفظ بعد ذلك (^٩)، ومرة
_________________
(١) «فتح المغيث»، للسخاوي ج ١/ ٣٤٣ - ٣٤٦.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١ ص ٣٧٩.
(٣) «الإحياء» ج ١/¬٤٥.
(٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٢٦٥، ٢٦٦.
(٥) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٥٠.
(٦) انظر «الضعفاء الصغير» للبخاري/ ٦٦ أصل وهامش و«الضعفاء والمتروكين» للنسائي/ ٦٥ و«المجروحين» لابن حبان ج ٢/¬١١ - ١٤ و«الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي ج ٢/ ترجمة/ ١٩١٥ و«الكاشف» ج ٢/ ١٢٢.
(٧) «الكاشف» ج ٢/ ١٢٢ هامش ٨١.
(٨) «فيض القدير» للمناوي ج ٢/ ٢٦٥.
(٩) «تقريب التهذيب» ج ١/ ٤٤٤.
[ ٣ / ١٣٤٢ ]
أطلق القول بأنه لا يحتج به (^١)، فرجع رأيه إلى الإختلاف فيه، مثلما قرر شيخه العراقي، لكن الذي عليه المحققون هو تضعييف ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، وشدة ضعفه بعد احتراق كتبه (^٢) ورأي المحققين أولى بالقبول.
ومما خالف فيه العراقي غيره، وكان الحق معه، ما جاء في تخريجه لحديث معاذ ﵁ (من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من السماع) (^٣)، فقد أخرجه العراقي من عند الديلمي في «مسند الفردوس» من رواية خالد بن يزيد، أبي الهيثم المقري عن مندل بن علي، وقال: وخالد بن يزيد ثقة، احتج به البخاري (^٤)، فعقب الزبيدي على هذا بأن ابن الجوزي قال: (إن خالدًا كذاب، وأن الذهبي قال في (ديوان الضعفاء) نقلا عن أبي حاتم: خالد بن يزيد أبو الهيثم المكي، كذاب)، ثم قال الزبيدي: فينظر هذا مع قول العراقي: إنه ثقة احتج به البخاري (^٥)، ومعنى ذلك أنه يعارض جزم العراقي بتوثيق خالد المذكور واحتجاج البخاري به. وبرجوعي لكتب الحديث والرجال وجدت أن الحق مع العراقي، وأن الزبيدي قد وهم في تعقبه هذا للعراقي، وذلك أن هناك راويان، كل منهما يقال له: «خالد بن يزيد أبو الهيثم» ولكنهما يفترقان من غير وجه، وبالتأمل يظهر أن الذي ذُكر في سند الحديث
_________________
(١) «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» ج ٢/ ٢٦٥.
(٢) انظر: «المجروحين» لابن حبان ج ٢/¬١١ هامش تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٣ والنفح الشذي في شرح جامع الترمذي لابن سيد الناس اليعمري مع تعليقاتي عليه ٢/ ٧٩٤ - ٨٦٣. و«سلسلة الأحاديث الصحيحة» للألباني/ مجلد ١ ج ٣/ ١٨٨.
(٣) (الإحياء) ج ١/ ٦٨.
(٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٦٦.
(٥) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٦٦.
[ ٣ / ١٣٤٣ ]
كما أورده العراقي، غير الذي تعقبه به الزبيدي.
- فالذي ذكره العراقي لم تُذكر له في مصادر ترجمته كنية غير «أبي الهيثم» أما الذي تعقبه به الزبيدي فيكنى بـ «أبي الوليد» أيضًا.
- أن الذي ذكره العراقي يقال له «المُقْرِي» وهو كوفي، بينما الذي ذكره الزبيدي يقال له: «العُمَري»، المكي.
- أن الذي ذكره العراقي يروي عن «مُنْدَل بن علي» كما في سند الحديث المذكور، في حين لم يُذكر لمن قصده الزبيدي رواية عن «مُنْدَل» هذا.
- أن الذي ذكره العراقي متقدم الوفاة عن الذي ذكره الزبيدي.
- أن الذي ذكره الزبيدي قد وُصف بالكذب من غير واحد، دون أن يُذكر بتوثيق، أما الذي ذكره العراقي فقد وثقه غير واحد، دون أن يُرمى بكذب من أحد (^١). وهذا يطابق ما قرره العراقي، ويعطيه الحق في مواجهة معارضة الزبيدي له.
ومما يدل على جهد العراقي الشاق والموسع في البحث عن أحوال الرواة الذين ذكرهم في هذا «التخريج الكبير» ما ذكره في تخريج بعض الأحاديث من أنه بحث عن الرواة محل النظر في أسانيدها فلم يجدها، مثل حديث «إن خيار أمتي يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون
_________________
(١) انظر «الموضوعات الكبرى» لابن الجوزي ج ١/ ٢٦٦ و«الضعفاء والمتروكين» له ج ١/ ترجمة/ ١١١٢، ١١١٣، و«الجرح والتعديل ٣/ ٣٦٠» و«المجروحين لابن حبان ١/ ٢٨٤» و«ديوان الضعفاء للذهبي ترجمة (١٢٥٢)» و«الميزان له ١/ ترجمة (٢٤٧٩)» و«تهذيب الكمال ١/ ٣٦٦» (مخطوط مصور) و«تهذيب التهذيب ٣/ ١٢٥».
[ ٣ / ١٣٤٤ ]
سرا من خوف عذابه» (^١)، فقد أخرجه من عدة مصادر، منها: كتاب «حلية الأولياء» لأبي نعيم من رواية شيبان بن مهران عن خالد بن المغيرة، ثم قال: وخالد بن المغيرة، لم أر له ذكرًا في مظَانٌ وجوده، وكذلك راويه عند شيبان بن مهران، والله أعلم (^٢)، وقد أقره على ذلك الزبيدي (^٣)، كما أني قمت من جانبي بالبحث عنهما في عدة مصادر جامعة من كتب الرجال فلم أجدهما. (^٤)
لكن هناك بعض رواة قال العراقي: «إنه لا يعرفهم أو لا يدري من هم؟»، ثم استدرك عليه الزبيدي ببيانهم، وذلك مثلما في تخريج حديث «أول ما خلق الله العقل» (^٥) فقد أخرجه العراقي عن عدد من الصحابة منهم أبوهريرة، وقد أخرج حديثه من عند الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول»، أصل ٢٠٦ بسند فيه أبو عبد الله مولى بني أمية، ثم قال: «وأبو عبد الله هذا، لا أدري من هو؟» (^٦) وقد أورد الزبيدي متابعة لشيخ الترمذي الحكيم على هذه الرواية من تاريخ ابن عساكر، ثم قال: «قلت: أبو عبد الله، مولى بني أمية، اسمه
_________________
(١) «الإحياء» ج ١/ ٥٧.
(٢) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٢١.
(٣) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٢١.
(٤) انظر «الضعفاء الصغير» للبخاري/ ٣٩ - ٤١، ٥٧، ٥٨ و«الضعفاء والمتروكين»، للنسائي/ ٣٦، ٣٧، ٥٦ و«المجروحين» لابن حبان ج ١/ ٢٧٧ - ٢٨٥، ٣٦٠ - ٣٦٥ و٥ «الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي ج ١/ ٢٩٦ - ٣٠٨، ٤٣٩ - ٤٤٧ و«الكاشف» للذهبي ج ١/ ٢٦٦ - ٢٧٧ وج ٢/¬٣ - ١٧ و٥ «تنزيه الشريعة» لابن عراق ج ١/ ٥٦، ٥٧ والجرح والتعديل للرازي ٣/ ٣٢٠ وما بعدها و٤/ ٣٦٦ وما بعدها.
(٥) «الإحياء» ج ١/ ٨٩.
(٦) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٤٥٤.
[ ٣ / ١٣٤٥ ]
ناصح، ذكره ابن عساكر (^١) وبالرجوع لكتب الرجال، نجد أن أبا عبد الله هذا قد ذكر باسمه المذكور، في «تهذيب الكمال» للمزي (^٢)، وهو من المراجع التي اعتمد العراقي عليها في هذا التخريج وفي غيره، فلعله تردد في كونه أبا عبد الله هذا المعروف أم غيره؟ أو لم يكن رجع فيه إلى «التهذيب»، ومن وقف عند مبلغ علمه فقد أنصف، كما قرر العراقي نفسه في غير هذا التخريج (^٣)، وعموما فإن من قال فيه: «لا أعرفه أو لا أدري من هو؟» قليل جدا، لا نسبة له بجانب من عرفهم وبين أحوالهم ورأيه فيهم كما تقدم.
وتعتبر عنايته ببيان أحوال الرجال وتوسعه في ذلك من مميزات هذا «التخريج الكبير» عن «التخريج الصغير» الذي يقل فيه بيان أحوال الرجال مع الإيجاز كثيرا عما في «الكبير» أيضا، ولهذا فإن هناك رواة كثيرين لم يتعرض لهم كلية في «التخريج الصغير»، بينما ذكرهم وبين أحوالهم ورأيه فيهم في الكبير.
فمن ذلك أنه في تخريج حديث «هلاك أمتي عالم فاجر» قال في «الصغير»: «أخرجه الدارمي من رواية الأحوص بن حكيم عن أبيه مرسلا بآخر الحديث نحوه، ولم أجد صدر الحديث (^٤)، أما في «الكبير» فقال: «أما أول الحديث فلم أجد له أصلا، وأما آخره فرواه الدارمي في «مسنده» من رواية بقية عن الأحوص بن حكيم عن أبيه قال: …» وساق الحديث ثم قال: وهذا مرسل ضعيف، فبقية مدلس، وقد رواه بالعنعنة، والأحوص ضعفه ابن معين
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٤٥٤.
(٢) انظر تهذيب الكمال ٣/ ١٤٠٢ (مخطوط مصور) و«تقريب التهذيب»، ج ٢/ ٢٩٥.
(٣) انظر «فتواه في حكم التوسعة على النفس والعيال يوم عاشوراء»» / ٣٧ مخطوط.
(٤) «الإحياء وبهامشه المغني عن حمل الأسفار» ج ١/ ٦٩.
[ ٣ / ١٣٤٦ ]
والنسائي، وأبوه تابعي، لا بأس به» (^١)، وبهذا بين أحوال ثلاثة من رواة الحديث وهم بقية والأحوص وأبوه حكيم، مع بيان كونه من طبقة التابعين، بينما لم يتعرض في «التخريج الصغير» لأي منهم كما رأيت.
وفي تخريج حديث «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار» قال في «تخريجه الصغير»: «أخرجه ابن حبان من حديث أنس» (^٢) لكن قال في «الكبير»: «أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من رواية [يزيد ابن زريع عن هشام الدستوائي عن المغيرة ختن مالك بن دينار عن] مالك بن دينار عن أنس»، وساق الحديث، ثم قال: «قال ابن حبان: رواه أبو عتاب الدلال عن هشام عن المغيرة عن مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس، ووهم فيه؛ لأن يزيد بن زريع، أتقن من مائتين من أبي عتاب وذويه»، وقد استدرك العراقي على رأي ابن حبان هذا في أبي عتاب وطريقة المشتملة على زيادة ثمامة في الإسناد فقال: «قلت: طريق أبي عتاب هذه رواها أبو نعيم في «الحلية»، وأبو عتاب، احتج به مسلم، ووثقه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم، ثم بين اسم أبي عتاب فقال: «واسمه سهل بن حماد (^٣)» وهكذا نلاحظ أنه في «التخريج الصغير» لم يتعرّض لذكر أحد من رواة الحديث، أما في «التخريج الكبير»، فبين رأي ابن حبان في أبي عتاب الذي روي الحديث من طريقه، وعارضه في إعلال طريق أبي عتاب، بتوهيمه في زيادة «ثمامة» في الإسناد، وأيد العراقي ذلك بترجيح توثيق أبي عتاب، اعتمادًا على ما قرره عدد من أئمة
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٣٦٩
(٢) الإحياء مع المغني ١/ ٦٨
(٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٦٩ وما بين القوسين ساقط منه، فاستدركته من الإحسان ١/ ج ٥٣
[ ٣ / ١٣٤٧ ]
الجرح والتعديل، كما بين أيضًا اسم أبي عتاب، حيث لم يبينه ابن حبان وبهذا أشار العراقي إلى إمكان تصحيح الحديث من طريقه، بدلًا من إعلال ابن حبان لإحداهما، وقد أقره الإمام الزبيدي على ذلك (^١). ومما بين فيه الأسماء المبهمة، ما جاء في تخريج حديث «القضاة ثلاثة» (^٢) حيث قال: «ورواه بريدة بن الخصيب، وعبد الله بن عمر، أما حديث بريدة، فرواه أبو داؤد والترمذي والنسائي في «الكبرى» وابن ماجه من رواية ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ، …» وساق لفظ رواية الترمذي، وقرر أن إسناد كل من أبي داؤد والترمذي وابن ماجه، صحيح، ثم قال: «وابن بريدة الذي لم يسم في رواياتهم، هو: عبد الله بن بريدة، كما ذكره ابن عساكر والمزي، كلاهما في «الأطراف»» (^٣).
وفي تخريج حديث: ﴿إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى للمعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة﴾ (^٤)، أخرجه من عدة مصادر، منها «رياضة المتعلمين» لابن السني، من رواية حبيب بن أبي حبيب حدثنا شبل بن عباد، ثم قال: «وقد رواه ابن عبد البر في «العلم» فقال فيه: حبيب بن إبراهيم قال: حدثنا شبل ابن العلاء عن محمد بن المنكدر، والصواب ما تقدم من أنه شبل بن عباد، وهو القارئ المكي، وقد أخرج له البخاري، وحبيب بن إبراهيم، هو كاتب
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» جـ ١/ ٣٦٩
(٢) «الإحياء» جـ ١/ ٧٠
(٣) «إتحاف السادة المتقين» جـ ١/ ٣٧٥
(٤) الإحياء جـ ١/¬١٧
[ ٣ / ١٣٤٨ ]
مالك، واسم أبيه: إبراهيم، على أحد الأقوال، وقيل مرزوق وقيل زريق (^١).
ومن هذا يتبين لك أن العراقي جمع من روايات وأسانيد الحديث ما يوضح ويصوب بعضه بعضا، فقد أوضحت رواية ابن عبد البر أن أبا حبيب الوارد في رواية ابن السني اسمه: إبراهيم، وأضاف العراقي أن هذا أحد الأقوال في اسمه وذكر قولين آخرين، ولكنه لم يرجح أيا من الآراء الثلاثة، كذلك اختلفت الروايتان في اسم والد «شبل» فصوب العراقي ما في رواية ابن السني، من أن اسمه «عباد»، وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك (^٢) ويأتي في الفقرة التالية أنموذج لتمييزه بين بعض الرواة المشتركين في الإسم، مع الترجيح من جانبه.
اختلاف بعض آراء العراقي في «التخريج الكبير» عما في «الصغير»:
قدمت في الباب الثالث بعض نماذج لاختلاف رأي العراقي أحيانا من كتاب لآخر من مؤلفاته في قواعد علوم السنة، وأقرر هنا أني وقفت في بحثي لنماذج هذا التخريج الكبير، ومقارنتها بما في الصغير، على أن بعض المسائل قد اختلف رأي العراقي فيها في الكبير عن رأيه في الصغير الذي ألفه بعده، كما سيأتي، وهذا يدل على أنه كان دائم البحث والإجتهاد، وإثبات الرأي الذي يترجح لديه، أو الرجوع عنه إذا بدا له رجحان غيره، وهكذا شأن أمثاله من الحفاظ والأئمة المجتهدين، فلا يعد ذلك اضطرابا في الرأي، أو الفهم، ولا عيبا قادحا في صاحبه.
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١ ص ١٠٧.
(٢) «إتحاف السادة المتقين»، جـ ١/ ١٠٧.
[ ٣ / ١٣٤٩ ]
فهو في تخريج حديث «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة» (^١)، ذكر أنه قد أخرجه أبو نعيم في «فضل العالم العفيف، والهروي في «ذم الكلام»، من رواية عمرو ابن أبي كثير عن أبي العلاء عن الحسن بن علي ﵄، ثم ذكر أن الدارمي في «مسنده»، وابن السني في «رياضة المتعلمين»، وابن عبد البر في «العلم»، قد رووا الحديث، إلا أنهم ذكروا في أسانيدهم «عن الحسن» بدل «الحسن بن علي»» ثم قال العراقي إن ابن عبد البر قال: «إن هذا الحديث من مراسيل الحسن»، وعقب على ذلك قائلًا: «فجعله من مراسيل الحسن البصري، وهذا هو الظاهر، فقد ذكر ابن حبان أبا العلاء هذا، أي الراوي عن الحسن، في أتباع التابعين، من الثقات، وقال: «إنه يروى عن الحسن، وأنه روى عنه ابن عيينة» (^٢) وفي تخريج حديث «على خلفائي رحمة الله» (^٣)، أخرجه أيضًا بالسند السابق ذكره من عند ابن عبد البر في «العلم» والهروي في «ذم الكلام»، وقال: «إن الهروي قال في سنده: «الحسن بن علي» فجعل الحديث متصلا، وأن ابن عبد البر قال: «إنه من مرسلات الحسن، فجعله البصري»، وعقب على ذلك بقوله: «وهو الصواب»» (^٤).
وهكذا نلاحظ أن العراقي جمع أسانيد الحديثين، وأوضح أنه ورد في بعضها تحديد أن «الحسن» هو ابن علي ﵁، وقرر أنه على هذا
_________________
(١) «الإحياء» ج ١/¬١٦.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١: ١٠٠، ١٠١.
(٣) «الإحياء» ج ١/¬١٨.
(٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١١٧، ١١٨.
[ ٣ / ١٣٥٠ ]
يكون الحديثان متصلين، وذلك لكون الحسن بن علي ﵄ صحابيا، ثم بين أن عددا آخر من أسانيد الحديثين ورد فيهما ذكر «الحسن» فقط، فاحتمل أن يكون المراد به الحسن بن علي الصحابي، وأن يكون المراد «الحسن» بن يسار البصري التابعي، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البر بقوله: «إن الحديثين من مرسلات الحسن»، وقد رجح العراقي وصوب أن كلا الحديثين مرسل، وأن الحسن هو ابن يسار البصري، لا ابن علي، وذلك حيث قال: «إن هذا هو الظاهر والصواب» كما رأيت، وبهذا ميز بين الرواة المشتركين في الإسم مع اختلاف طبقتهما، وقرر ما رآه راجحا وصوابا، وقد أيده بدليل مستمد من كتاب «الثقات» لابن حبان، وهو من كتب الرجال النادرة الوجود حاليا (سنة ١٣٩٨ هـ) مطبوعة. وقد أقر الزبيدي العراقي على ما تقدم، لكن العراقي في «التخريج الصغير» قال في تخريج الحديث الأول: «رواه الدارمي وابن السني في «رياضة المتعلمين» من حديث الحسن، فقيل: هو ابن علي، وقيل: ابن يسار البصري فيكون مرسلا» (^١)، وقال في تخريج الحديث الثاني: «رواه ابن عبد البر في «العلم» والهروي في «ذم الكلام» من حديث الحسن، فقيل هو ابن علي وقيل ابن يسار فيكون مرسلا» (^٢)، وبذلك ترى أنه لم يرجح أيا من الرأيين، ولما كان «التخريج الصغير» قد ألفه العراقي بعد الكبير، فيعتبر ذلك رجوعا منه إلى التردد بين الرأيين، بدلا من سابق ترجيحه وتصويبه للرأي الثاني منهما كما مر.
وسيأتي في بحث «التخريج الصغير» بيان إختلاف رأي العراقي أيضا، في
_________________
(١) (الإحياء) ج ١/¬١٦.
(٢) (الإحياء) ج ١/¬١٨.
[ ٣ / ١٣٥١ ]
تقدير درجة بعض الأحاديث في الكبير عنها في الصغير.
زيادته تخريج أحاديث مناسبة لأبواب أحاديث «الإحياء»، وأهمية ذلك:
لقد وجدت أن العراقي في هذا «التخريج الكبير» لم يقتصر جهده العلمي على تخريج الأحاديث الواردة في كتاب «الإحياء»، فقط، بل أضاف إلى ذلك جهدًا علميًا آخر، يعد بمثابة تخريج مستقل، حيث قام في كثير من المواضع، بعد تخريج الحديث الذي في «الإحياء»، بالتنبيه على أنه يوجد في الباب، أي في موضوع الحديث المذكور في «الإحياء»، وفي معناه العام، أحاديث أخرى، ويذكر منها ما أمكنه جمعه، مع تخريجه على نفس نمط تخريج أحاديث «الإحياء»، وتارة يخرج البعض ويحدد مصادر البعض الآخر، ليرجع إليها من شاء، وقد يكتفي بتحديد الصحابة فقط الراوين لتلك الأحاديث، تحاشيا للتطويل، وبهذا التحديد يتيسر الرجوع إلى تلك الأحاديث في كتب المسانيد وكتب الأطراف وغيرها. وقد أشبه العراقي في هذا المبحث غيره من معاصريه الذين ألفوا كتب التخريج الموسعة، كالزيلعي في «تخريج أحاديث الهداية» (^١)، وابن الملقن في (تخريج الشرح الكبير) للرافعي (^٢) كما جرى على ذلك من بعدهم، كابن حجر تلميذ العراقي في كتابه: «التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير»، و«الدراية في تخريج أحاديث الهداية» و«نتائج الأفكار في تخريج الأذكار» النووية (^٣)، وهذا العمل يشبه عمل
_________________
(١) انظر: «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» له ١/ ٣١٠، ٣٢١ باب صفة الصلاة.
(٢) انظر: «البدر المنير في تخريج الرافعي الكبير»: مخطوط ١/ الطهارة - باب السواك:
(٣) توجد منه قطعة خطية بدار الكتب المصرية، اطلعت عليها واستفدت منها ثم طبع منه جزء سنة ١٤٠٦ هـ، وجزء سنة ١٤١١ هـ.
[ ٣ / ١٣٥٢ ]
الإمام الترمذي في جامعه المعروف بالسنن، حيث يذكر في عدد من الأبواب حديثا أو أكثر، ثم يقول: «وفي الباب عن فلان وفلان، ويذكر عددًا من الصحابة، مع تخريج بعض أحاديثهم تارة، وعدم تخريجها في كثير من الأحيان (^١).
ومراده بذلك كما قرر العراقي وغيره، أن هذه الأحاديث الأخرى التي أشار إليها بذكر صحابتها، يصلح إيرادها في الباب، لكونها مؤيدة له، سواء كانت بلفظ ما ذكره فيه أو بمعناه، كُلا أو بعضًا، أو متعلقة به (^٢)، لكن عمل العراقي يختلف عن عمل الترمذي بأن الترمذي قلما يخرج ما يشير إليه من أحاديث الباب، أما العراقي فإنه يخرج معظم ما يشير إليه، ويعتبر هذا المبحث أيضًا من مميزات (التخريج الكبير) عن (التخريج الصغير)، كما أنه يعتبر عملا علميا له فوائد حديثية معتبرة، قررها العلماء في عصر العراقي وغيره (^٣) وعلى أساسها يتقرر: أن عمل العراقي هذا، يدل على سعة إطلاعه وعمق خبرته بكتب السنة وعلومها، حيث استطاع جمع أحاديث الأبواب بطرقها،
_________________
(١) انظر «شروط الأئمة الستة» لأبي الفضل بن طاهر/ ١٤ و«سنن الترمذي»، بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ﵀ جـ ١/¬٦، ٧، ٩، ١٠، ١١، ٢٣، ٢٣٤ وغيرها وجـ ٢/¬٣، ١٠، ٢٥، ١٨٣ وغيرها.
(٢) انظر: التقييد والإيضاح، للعراقي/ ١٠٢ و«التدريب» للسيوطي/ ١٥٠ و«مقدمة تحفة الأحوذي» للمباركفوري جـ ١/ ٣٨٩، ٣٩٠ و«الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين» للدكتور/ نور الدين عتر.
(٣) انظر «شرح ابن الملقن» لصحيح البخاري جـ ١/¬٤٢ أ/ مخطوط بدار الكتب المصرية رقم ١٨ حديث «والإمام الترمذي وموازنة جامعه بالصحيحين» للأخ الدكتور نور الدين عتر/ ١١٣، ١٢١، ١١٤
[ ٣ / ١٣٥٣ ]
رغم كثرتها وتنوع مصادرها، كما أوضح في الغالب درجة الحديث، صحة أو حسنا أو ضعفًا، وبين ألفاظ الروايات وعلل الأسانيد، كما سترى في الأمثلة.
ويدل أيضًا هذا العمل على دراية العراقي بفقه السنة، وجهده في ذلك، لأنه استخرج الأحاديث المذكورة من مختلف المصادر وأوردها بجانب أحاديث الإحياء، بناء على درايته لمعناها، ولمعنى ما ذكره الغزالي منها، وفهمه لارتباط دلالتهما ببعض، وهذا هو لب فقه السنة، ثم إن إيراده لتلك الأحاديث بجانب ما يلتقي معها من أحاديث «الإحياء»، يحقق لها كثرة الطرق وتعدد المتابعات والشواهد، وذلك مما يعزز دلالتها، ويقوي سند الضعيف منها ويرقى الحسن منها لدرجة الصحيح لغيره، ويزيد الصحيح قوة.
وبالإضافة إلى هذا، فإن المبحث المذكور قد جعل هذا «التخريج الكبير» مصدرًا جامعا لتخريج وتمحيص كثير من الأحاديث الزائدة على ما في كتاب «الإحياء»، والتي يحتاج إليها في الاستدلال عموما، وفي تخريج كتب أخرى غير «الإحياء»، ككتب العقائد، والفقه، والأخلاق والتصوف، لا سيما أن المصادر التي خرج العراقي منها، يعد كثير منها الآن مفقودا، أو نادرا، أو غير مصرح فيه بما ذكره من درجات الأحاديث وعللها.
وإليك بعض النماذج لعمل العراقي هذا:
ففي حديث «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء» (الحديث) (^١).
خرجه بروايتين من عند ابن ماجه، وقرر صحة إسناد إحداهما على شرط مسلم، ثم قال: «وفي الباب عن عبد الله بن عمر، وكعب بن مالك،
_________________
(١) «الإحياء» ج ١/ ٦٥.
[ ٣ / ١٣٥٤ ]
وأبي هريرة، ومعاذ، وأنس، وأم سلمة، فحديث ابن عمر، رواه ابن ماجه من رواية أبي كرب الأزدي عن نافع عنه رفعه: (من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار)، وأبو كرب مجهول، وروى الترمذي من حديث خالد بن دريك عن ابن عمر رفعه: «من تعلم علما لغير الله، وأراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار»، وإسناده جيد.
ثم خرج أحاديث كعب بن مالك وأبي هريرة، ومعاذ، وأنس، وأم سلمة وتكلم على سند كل منهما بما يفيد درجته (^١).
أما في حديث أبي الدرداء: «أوحى الله إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين الحديث (^٢) فقد أخرجه العراقي من عند ابن عبد البر في كتاب «العلم» وضعفه مع بيان وجه ضعفه، ثم قال: «وفي الباب عن أبي هريرة رواه ابن المبارك في الزهد، نحوه، دون ذكر كونه وحيا إلى بعض الأنبياء»».
وعن أنس ﵁، رواه الطبراني في «الكبير»، بلفظ آخر مختصرا، وكلاهما ضعيف (^٣)، ونلاحظ أنه حدّد هنا مصدر الحديثين، ولم يسق سنديهما، ولا لفظيهما، ولكن بين اختلافهما، وحدّد درجتهما وهي الضعف.
وأما في حديث أبي هريرة: «من طلب علما مما يبتغي به وجه الله ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (^٤)، فقد أخرجه من عند
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٤٩، ٣٥٠.
(٢) «الإحياء» ج ١/ ٦٧.
(٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٦٤.
(٤) «الإحياء» ج ١/ ٦٧.
[ ٣ / ١٣٥٥ ]
أبي داود وابن ماجه وصححه، ثم قال: «وفي الباب عن ابن عمر، رواه الترمذي وابن ماجه» (^١)، فاكتفى العراقي بتحديد مصدري الحديث، ولم يخرجه كلية، غير أنه استدرك على الحافظ المنذري في اختصاره «لسنن أبي داؤد»، فقال: وقول المنذري في مختصر السنن: «إن الترمذي روى حديث أبي هريرة، وهم، إنما روى حديث ابن عمر، ولفظهما مختلف فيه» (^٢)، وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك. (^٣)
وفي حديث: «لا حسد إلا في اثنتين» (^٤)، أخرجه من عند البخاري ومسلم وغيرهما، ثم قال: «وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، ويزيد ابن الأخنس»، ولكنه لم يخرج تلك الأحاديث، ولم يذكر مصادرها. (^٥)
وقد قام الإمام الزبيدي بتخريج أحاديث: أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وابن عمر، ولم يخرج حديث ابن الأخنس. (^٦)
وفي حديث: «الدال على الخير كفاعله» (^٧) أخرجه العراقي بالعزو إلى الترمذي وغيره، ثم قال: «وفي الباب عن سهل بن سعد، وابن مسعود»، ولكن لم يخرج حديثيهما، ولم يحدد مصدرًا لهما، وكذا لم يخرجهما الزبيدي ولم يحدد مصدرا لهما. (^٨)
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٣٦٣.
(٢) ، (^٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٣٦٣.
(٣) «الإحياء» ج ١/¬١٨.
(٤) ، (^٦) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١١٦.
(٥) «الإحياء» ج ١/¬١٨.
(٦) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١١٥، ١١٦.
[ ٣ / ١٣٥٦ ]
لكني وجدت أن ما خرجه العراقي تفصيلا، كما في المثال الأول، هو الأكثر، غير أنه لم يلتزم باستيعاب ذكر جميع الأحاديث المتعلقة بباب الحديث الوارد في «الإحياء»، كما أنه لم يلتزم في كل حديث يوجد في بابه أحاديث أخرى أن ينبه عليها، ولهذا استدرك عليه الزبيدي والسخاوي في كلا الأمرين، فذكرا في بعض الأحاديث أنه يوجد في بابها غيرها، مع تخريج ما تيسر لهما من ذلك، أو من غير تخريج، مع أن العراقي لم يفعل ذلك (^١)، وفي بعض الأحاديث التي خرج ما تيسر له مما يتعلق ببابها، أضافا إلى ما ذكره أحاديث أخرى (^٢)، وليس في هذا، ولا في ذاك، انتقاد للعراقي، أو غض من جهده، لأنه لم يلزم نفسه بما استدرك عليه، كما أنه قد وفى بالغرض الأصلي، وهو تخريج أحاديث الإحياء.
توسعه في بيان مصادر الحديث المخرج، وفوائد ذلك:
مما تميز به هذا التخريج الكبير عن التخريج الصغير، ما وقفت عليه من توسع العراقي في الكبير في بيان المصادر الحديثية التي وردت فيها أحاديث «الإحياء»، سواء مع اتفاق السند واللفظ، أو اختلافهما، وهذا يفيد أحاديث الإحياء المخرجه من عدة وجوه، ترجع إلى ما يعطيه تعدد الروايات من توثيق وتقوية وتوضيح وتصويب الأسانيد والمتون لبعضها البعض. (^٣)
وأوسع ما وقفت عليه من ذلك تخريج حديث «هلا شققت عن قلبه» (^٤)
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٢٩٤، ٢٥٥، ٢٥٦.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٦٠.
(٣) يُنظر «فيض القدير» للمناوي ج ١/ ٥٤، ١٨٣.
(٤) «الإحياء» ج ١/¬٢٥.
[ ٣ / ١٣٥٧ ]
فقد قال في تخريجه الصغير: (أخرجه مسلم من حديث أسامة ابن زيد) (^١).
أما في الكبير فذكر أن الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والطبراني في الكبير وابن أبي شيبة في المصنف، من حديث جندب ابن عبد الله البجلي رفعه، ثم قال: وهكذا هو في الجزء الرابع من فوائد أبي أحمد الحاكم بلفظ: فهلا شققت عن قلبه؟، وفي اسناده شهر بن حوشب، وثقه أحمد وابن معين، وتكلم فيه غيرهما.
ثم قال العراقي: «والحديث عند مسلم، وليس فيه: «هلا شققت عن قلبه» ويروى عن أسامة بن زيد، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وكذا مالك في الموطأ، والإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والعدني، في مسانيدهم، وأبو عوانة في صحيحه، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي، والبيهقي، كلهم من رواية ظبيان - واسمه حصين بن جندب - عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسى من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال: قال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ فمازال يكررها حتى تمني أني أسلمت يومئذ. والحديث عند البخاري أيضًا، ولكن ليس فيه قوله: «أفلا شققت عن قلبه؟» (^٢) وبالتأمل يظهر لنا أن العراقي خرج الحديث في التخريج الصغير من مصدر واحد هو صحيح مسلم، ومن طريق صحابي واحد هو أسامة بن زيد رضي الله
_________________
(١) «المغني عن حمل الأسفار» بهامش الإحياء ج ١/¬٢٥.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٥٤، ١٥٥.
[ ٣ / ١٣٥٨ ]
عنه، أما في الكبير فزاد تخريجه من ١٦ مصدرا، وأفاد ذلك أن الحديث قد روي من طريق صحابي آخر غير أسامة بن زيد، وهو جندب البجلي، إلا أن في إسناده راويا مختلفًا فيه توثيقا وتجريحًا، وهو شهر بن حوشب، وبذلك لا يكون الحديث من هذا الطريق صحيحًا لذاته.
أما روايته من طريق أسامة بن زيد فتبين لنا أنها صحيحة، لتخريج البخاري ومسلم، وغيرهما ممن التزم الصحة في كتابه لها، وقد أفاد جمع هذه الرواية في التخريج مع الرواية السابقة عن جندب، تقوية سند رواية جندب وتعضيدها، بحيث تصبح صحيحة لغيرها، كما أفاد تعديد مصادر روايات الحديث، أن لفظة (هلا شققت عن قلبه) وردت في بعض الروايات الصحيحة، ولم ترد في بعضها الآخر، وأنها وردت بعبارات متعددة.
وقد كان تحقيق مثل هذه الفوائد الحديثية من مقاصد العراقي وهدفه من التوسع في تعديد المصادر، ولذلك أشار كثيرًا خلال تعديده للمصادر إلى ما يحققه هذا من فوائد.
ففي حديث أنس «قيل يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال ﵇: إذا ظهرت المراهنة في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك في صغاركم، والفقه في أرذالكم» (^١) قال في تخريجة الصغير: أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن (^٢).
أما في الكبير فقال: رواه أحمد وابن ماجه وابن عبد البر في بيان آداب العلم - واللفظ له - باسناد حسن من رواية أبي معبد حفص بن غيلان عن مكحول.
_________________
(١) ، (^٢): «الإحياء وبهامشه المغني عن حمل الأسفار» ج ١/¬٤٩.
[ ٣ / ١٣٥٩ ]
عن أنس، بزيادة في أوله، وقال ابن ماجه: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم، قالوا يا رسول الله وما ظهر في الامم قبلنا؟ قال الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالكم، وقال زين بن يحيى - أحد رواة الحديث - معنى «والعلم في رذالكم» إذا كان العلم في الفساق» (^١).
فتلاحظ أن العراقي أضاف في الكبير زيادة على ابن ماجه مصدرين آخرين للحديث هما: ابن عبد البر في (العلم) والإمام أحمد في مسنده، وقد أفاد ذلك توثيق سند الحديث باتفاق العلماء الثلاثة عليه، وأفاد أيضًا أن الحديث ليس حسنًا من رواية ابن ماجه فقط، ولكن من رواية الإمام احمد وابن عبد البر أيضًا، كما أفاد أن رواية ابن عبد البر موافقة للفظ الحديث في الإحياء مع زيادة، وأفاد ذكر رواية ابن ماجه بيان معنى «والعلم في رذالكم» الواردة في الروايتين الأخريين بلا تفسير. وفي حديث (لا يقضي القاضي وهو غضبان) (^٢)، قال في تخريجه الصغير: متفق عليه من حديث أبي بكرة (^٣).
أما في الكبير فقال: رواه الستة من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وهذا لفظ النسائي وابن ماجه، وزاد (بين اثنين) وقال البخاري «لا يقضين حكم» وقال مسلم: «لا يحكم أحد»، وقال أبو داود: «لا يقض الحكم» وقال الترمذي: «لا يحكم الحاكم» وقال: فهذا حديث حسن صحيح (^٤)، فتلاحظ أنه في التخريج الكبير زاد بجانب الصحيحين: السنن الأربعة، ومن المعروف أنهم لم يلتزموا الصحة ولا يبين درجة الحديث منهم - في
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٢٨٤.
(٢) ، (^٣) «الإحياء وبهامشه المغني عن حمل الأسفار» ج ١/¬٢٣.
(٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٤٨.
[ ٣ / ١٣٦٠ ]
الأكثر - إلا الترمذي، فأفاد ذكر العراقي لهم بجانب الصحيحين، مع بيان اتحاد أعلا السند، أن رواية هذا الحديث التي أوردوها صحيحة، تبعا لروايته التي اتفق عليها الشيخان.
كما أن سياقه للألفاظ المختلفة في رواية كل مصدر، أوضح أن الحديث ليس قاصرا على القاضي، بل يعم كل من وكل إليه الحكم في شيء.
وفي حديث: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم على أصحابه فرأى مجلسين، أحدهما يدعون الله (الحديث) (^١) قال العراقي في تخريجه الصغير: رواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بسند ضعيف (^٢)، أما في الكبير فقال: رواه ابن ماجه من رواية داود بن الزبرقان عن بكر بن خنيس عن عبد الرحمن ابن زياد ابن أنعم عن عبد الله بن زيد عن عبد الله ابن عمرو قال: … وساق حديث ابن ماجه بطوله، ثم قال: ومداره على عبد الرحمن بن زياد، وقد وثقه يحيى بن سعيد، وقال البخاري: مقارب الحديث، وضعفه جماعة، وابن الزبرقان وبكر بن خنيس ضعيفان، ثم قال: وقد تابع بكر بن خنيس عليه: زهير بن معاوية وعبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك، إلا أنهم قالوا: عنه عن عبد الرحمن بن رافع، بدل «عبد الله بن زيد» وقولهم أولى بالصواب من رواية بكر بن خنيس، وأما رواية زهير فأخرجها الطبراني، ولفظه … وساق الحديث بطوله، ثم قال: وأما رواية عبد الله بن وهب فرواها ابن السني في «رياضة المتعلمين»، وابن عبد البر في «العلم» بنحو لفظ الطبراني، وأما رواية ابن المبارك فرواها أبو نعيم في «رياضة المتعلمين» نحوه (^٣). وبهذا
_________________
(١) ، (^٢) «الإحياء والمغني عن حمل الأسفار»، بهامشه ج ١/¬١٧.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١١١ وما بعدها.
[ ٣ / ١٣٦١ ]
أضاف العراقي في الكبير بيان مدار طرق الحديث، واختلاف الرواة عنه مع الترجيح، ثم خرج رواية ابن وهب وابن المبارك بالعزو إلى مصادرهما.
وفي حديث: قيل له ﷺ: «كيف نفعل إذا جاء أمر لم نجده في كتاب الله ولا سنة رسوله؟ فقال: سلوا الصالحين، واجعلوه شورى بينكم (^١)، قال في تخريجه الصغير: أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس، وفيه عبد الله بن كيسان ضعفه الجمهور (^٢). أما في الكبير فقال: فيه عن علي بن أبي طالب وابن عباس، أما حديث علي فرواه الطبراني في الأوسط من رواية الوليد بن صالح عن محمد بن الحنفية عن علي قال: قلت يا رسول الله … وساق روايته بلفظها، ثم قال: ورجاله رجال الصحيح، ورواه ابن عبد البر في العلم من رواية ابراهيم بن أبي الفياض عن سليمان بن بزيع عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قلت يا رسول الله: الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه منك سنة، قال: اجمعوا له العالمين، أو قال العابدين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد»، وفي رواية له: «اجمعوا له العابدين»، من غير شك، قال ابن عبد البر: «هذا حديث لا يعرف من حديث مالك إلا بهذا الإسناد، ولا أصل له في حديث مالك عندهم، ولا في حديث غيره، وإبراهيم وسليمان، ليسا بالقويين (^٣) والله أعلم».
«وأما حديث ابن عباس: فرواه الطبراني من رواية إسحاق بن عبد الله بن
_________________
(١) ، (^٢) انظر «الإحياء وبهامشه المغني عن حمل الأسفار» ج ١/¬٢٨.
(٢) وبقية كلامه: «ولا ممن يحتج بهما ولا يعول عليهما» (جامع بيان العلم لابن عبد البر) ج ٢/ ٧٤.
[ ٣ / ١٣٦٢ ]
كيسان المروزي عن أبيه عن عكرمة، فذكر حديثا قال فيه: قال علي يا رسول الله، أرأيت إن عرض لنا ما لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه سنة منك؟ قال تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين» (الحديث) وعبد الله ابن كيسان منكر الحديث، قاله البخاري، وابنه إسحاق [لينه (^١)] الحاكم [أبو أحمد] (^١)، وقد ورد من وجه آخر مرسلا، رواه الدارمي في مسنده من حديث أبي سلمة «أن النبي ﷺ سُئل عن الأمر يحدث ليس فيه كتاب ولا سنة، قال: ينظر فيه العابدون من المؤمنين»، وهذا إنما يصح من قول ابن مسعود موقوفا، رواه الطبراني وابن عبد البر في أثر طويل، وفيه: «فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله ولم يقض فيه رسول الله ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون» واسناده ثقات يحتج بهم (^٢).
ويتضح لنا مما تقدم أن العراقي في التخريج الكبير، زاد تخريج الحديث من ثلاثة مصادر أخرى، ومن موضع ثان من الطبراني، غير الذي أخرجه منه في الصغير، وقد أفاد ذكر هذه المخارج بيان وجود روايتين للحديث صحيحتي السند، احداها مرفوعة، وهى رواية الطبراني عن سيدنا على ﵁، والثانية موقوفة، وهي رواية الطبراني أيضا وابن عبد البر عن ابن مسعود من قوله، وهاتان الروايتان تقويان باقي الروايات الضعيفة، بما فيها الرواية التي
_________________
(١) جاء النص في الإتحاف ١/ ١٧٢ هكذا «نسبه الحاكم» وكذا نقله عنه أبو عبد الله محمود الحداد في المستخرج من تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ١/ ١٠٥ ح ٨٤، وما أثبته هو المستقيم على المعنى والموافق لما في ترجمة: «إسماعيل» هذا في الميزان ١/ ترجمة (٧٤١) واللسان ١/ ٣٦٥.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٧٢.
[ ٣ / ١٣٦٣ ]
اقتصر العراقي على ذكرها في التخريج الصغير، ثم إنّ الرواية الصحيحة المرفوعة تعضد كلا من الرواية المرسلة التي أخرجها الدارمي في مسنده، والموقوفة التي رواها ابن عبد البر والطبراني.
وفي حديث «اليقين الإيمان كله» (^١) قال في تخريجه الصغير: أخرجه البيهقي في الزهد، والخطيب في التاريخ، من حديث ابن مسعود، بإسناد حسن (^٢). وأما في الكبير فقال: أخرجه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد وأبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة، من رواية يعقوب بن حميد بن كاسب قال: أخبرنا محمد بن خالد المخزومي عن سفيان بن سعيد عن زبيد عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ، وزاد في أوله «الصبر نصف الإيمان»، هكذا قال أبو نعيم والبيهقي في اسناده، وقال اللالكائي: عن زبيد عن مرة عن عبد الله، قال البيهقي: تفرد به يعقوب بن حميد عن محمد بن خالد، وقد أعله ابن الجوزي في «العلل المتناهية» بهما، فقال: «محمد بن خالد، مجروح، ويعقوب بن حميد، ليس بشئ»، واستدرك العراقي على هذا فقال: «أما محمد بن خالد المخزومى فلم أجد أحدًا من الأئمة جرحه، وأما يعقوب، فأورده ابن حبان في الثقات»، ثم قال: «والصحيح المعروف: أن هذا من قول ابن مسعود، هكذا ذكره البخاري في صحيحه تعليقا موقوفا عليه، ووصله الطبراني، والبيهقي في الزهد، من رواية الأعمش عن أبي ظبيان عن علقمة عن عبد الله قوله، قال البيهقي: هذا هو الصحيح، موقوف» (^٣)
ومن هذا نجد أن العراقي أضاف خمسة مصادر أخرى للحديث، وبين من
_________________
(١) ، (^٢) «الإحياء» وبهامشه «المغني عن حمل الأسفار» جـ ١/ ٧٨.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» جـ ١/ ٤٠٨، ٤٠٩.
[ ٣ / ١٣٦٤ ]
خلالها أن الحديث مداره على (زُبيد) وهو ابن الحارث بن عبد الكريم اليامي، وأنه اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه على عبد الله بن مسعود، وأن الراجح وقفه، وهذا من أدق مباحث علل الحديث، وقد اختلف بذلك كلامه عن درجة الحديث عما ذكره في الصغير، من إطلاق تحسينه مرفوعًا.
كما بين أن روايتي البيهقي والطبراني الموصولتين، أفادتا وصل رواية البخاري المعلقة. أما رواية ابن الجوزي، فمن فوائد ذكرها: تعقب العراقي له برد ما أعلها به من جهة أحوال الرواة، ثم بين إعلال الرفع بمعارضة رواية الوقف الأرجح. وهكذا نجد أن توسع العراقي في هذا التخريج الكبير في بيان مصادر الحديث، ليس مجرد جمع، وسرد، وتطويل، بل تعميق للبحث، وتحقيق للفوائد الحديثية، التي بين بنفسه بعضها، وترك البعض الآخر لظهوره عند ممارسي الفن، وقد أوضحت فيما تقدم بعضها من جانبي، وكلها فوائد وبحوث، تمحص أحاديث الإحياء، وما يتعلق بها، وتحقق درجاتها، من القبول أو الرد كما رأيت.
تخريجه في الكبير بعض ما لم يخرجه في الصغير، من الأحاديث والآثار.
اتضح لي من فحص النصوص التي وقفت عليها من هذا التخريج الكبير أنه تميز بأن العراقي قد خرج فيه بعض ما لم يخرجه في الصغير من الأحاديث والآثار. أما الأحاديث: فمن ذلك حديث: «إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا الأغرار بالله تعالى، فلا تحقروا عالما آتاه الله تعالى علما منه، فإن الله ﷿ لم يحقره إذ آتاه إياه» (^١) فقد قال العراقي في تخريجه الصغير: أخرجه أبو عبد الله السلمي في الأربعين، له في التصوف، من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف (^٢) وقد ساق في التخريج الكبير
_________________
(١) ، (^٢) «الإحياء» وبهامشه «المغني عن حمل الأسفار» ج ١/¬٢٧.
[ ٣ / ١٣٦٥ ]
نص رواية السلمي هذه، فوجدتها تنتهي عند قوله (لا ينكره إلا أهل الغرة بالله ﷿ (^٣)، وبذلك يكون قد ترك في الصغير تخريج باقي الحديث، أما في الكبير فإنه بعد أن ساق رواية السلمي هذه قال: وأما آخر الحديث فرواه أبو عبد الله الحسين بن فنجويه الدينوري في كتاب (المعلمين) من رواية كثير بن سليم عن أنس، فذكر حديثًا طويلا فيه: «ثم قال رسول الله ﷺ: إن الله ﷿ يقول: لا تحقروا عبدًا أعطيته علمًا، فإني لم أحقره حين وضعت ذلك العلم في قلبه». وكثير بن سُلَيْم ضعيف (^٤). وبهذا خرج باقي الحديث وبين درجته وهي الضعف بوجود راو ضعيف في سنده.
وفي حديث «إن أكثر الناس أمنا يوم القيامة أكثرهم خوفًا في الدنيا، وأكثرهم ضحكا في الآخرة أكثرهم بكاء في الدنيا، وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنًا في الدنيا» (^٥) قال العراقي في تخريجه الصغير: لم أجد له أصلا (^٦)، أما في الكبير فقال: لم أجد له أصلا بجملته في الأحاديث المرفوعة، ولأول الجملة شاهد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة رفعه فيما يروى ﷺ عن ربه جل وعلا: «وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمننى في الدنيا أخفته يوم القيامة»، وللجملة الأخيرة شاهد من رواية مالك بن دينار قال: رأيت الحسن في منامي مشرق اللون وفي آخره: «أطول الناس حزنا في الدنيا أطولهم فرحا في الآخرة»،
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٦٦.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٦٦، ١٦٧.
(٣) ، (^٦) «الإحياء» وبهامشه «المغني عن حمل الأسفار» ج ١/ ٨٢.
[ ٣ / ١٣٦٦ ]
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «الهم والحزن» (^١) وهكذا نجده خرج في الكبير أصلا لجملتين من الحديث، بدلا من جزمه في الصغير بأنه لم يجد لجميعه أصلا
وأما الآثار: فقد وردت في «الإحياء» موقوفة على الصحابة، أو من دونهم، كالتابعين، فالعراقي لم يلزم نفسه بتخريجها، بل أخرج بعضها زيادة عن شرطه في هذا التخريج، كما سيأتي توضيحه في المبحث التالي لهذا؛ ولكنه مع ذلك خرج بعض تلك الآثار لفائدة يراها، خاصة ما يوجد شاهد له في المرفوع.
فمن ذلك: أن الغزالي في الباب السادس من كتاب العلم ١/ ٨٣ قال: وكان حذيفة ﵁ أيضا قد خُصَّ بعلم المنافقين، وأُفْرِد بمعرفة علم النفاق وأسبابه، ودقائق الفتن، فكان عمر وعثمان، وأكابر الصحابة ﵃ يسألونه عن الفتن العامة، والخاصة. ولم يتعرض العراقي لتخريج هذا في تخريجه الصغير للإحياء، ولكن الزبيدي في «الشرح» ١/ ٤٢٩ علق على الشطر الأول من هذا الأثر، وهو اختصاص حذيفة بعلم النفاق والمنافقين، فقال: رورى مسلم من رواية قيس ابن أبي حازم عن عمار، أخبرني حذيفة قال: قال النبي ﷺ: في أصحابي اثنا عشر منافقا، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وروى البخاري من رواية زيد بن وهب عن حذيفة قال: ما بقي من أصحاب هذه الأمة، ولا من المنافقين، إلا أربعة .. (الحديث). وروى أبو داود من رواية قبيصة بن ذؤيب عن أبيه قال: قال حذيفة: ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه لنا باسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته، وروى مسلم، من رواية أبي
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» جـ ١/ ٤٢٢
[ ٣ / ١٣٦٧ ]
إدريس الخولاني، كان يقول: قال حذيفة: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة. وروى البخاري ومسلم وأبو داود، من رواية شقيق عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، ما ترك فيه شيئًا يكون في مقامه إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، ونسيه من نسيه، قد عَلِمَهُ أصحابي هؤلاء (الحديث).
ثم أعقب الزبيدي هذا كله بقوله: قاله العراقي، ثم علق على الشطر الثاني من الأثر وهو «فكان عمر وعثمان .. إلخ» فقال: فروى السنة - خلا أبا داؤد - من رواية شقيق عن حذيفة قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا (الحديث)، وختم هذا أيضًا بقوله: قاله العراقي. فيعتبر هذا، وما قبله، من نقول الزبيدي التي ذكر أنه ينقلها عن (التخريج الكبير) وإن كان لم يصرح بذلك، كما أوضحته في طريقة نقله عن هذا التخريج (^١).
وسيأتي أيضًا في المبحث التالي مثال آخر لتخريج العراقي للآثار الموقوفة على الصحابة، مع بيانه سبب تخريجه له بما يدل على أنه في هذا التخريج الكبير ليس من شرطه تخريج الآثار.
تم الجزء الثالث من «كتاب الحافظ العراقي وأثره في السنة» ويليه الجزء الرابع وأوله: شرط العراقي في «تخريجه الكبير» مقارنا بغيره من أشهر معاصريه
_________________
(١) ينظر مبحث «ما وقفت عليه من نصوص الكتاب» ص ٩٩٣
[ ٣ / ١٣٦٨ ]
شرط العراقي في (تخريجه الكبير)، مقارنا بغيره من أشهر معاصريه:
تقدم أن العراقي سمى هذا التخريج: (إخبار الأحياء، بأخبار الإحياء).
ومن المعروف أن تحديد المؤلف لعنوان كتابه، يعتبر دليلا على تحديده الموضوع العام للكتاب، ما لم يوجد تصريح آخر من المؤلف، بخلاف ذلك كما أشار الحافظ ابن حجر إلى ذلك بالنسبة لمعرفة شرط البخاري في صحيحه من تسميته له (^١).
وبالنسبة لكتاب العراقي هذا، فإنه قد جاء عنه عنونته بالإسم السابق ذكره، كما جاء عنه - خلال الكتاب - بعض الإشارات التي إذا ضمت إلى ما في العنوان، أمكن معرفة ما شرط العراقي على نفسه الإلتزام بتخريجه من أنواع الأخبار التي في الإحياء.
وذلك أن العراقي في عنوان الكتاب، جعل موضوعه: تخريج ما في الإحياء من الأخبار، وعند قراءتي لكتاب الإحياء بأكمله، وجدت الغزالي يطلق اسم (الخبر) أو (الأخبار) على الأحاديث التي يصرح برفعها إلى النبي ﷺ، ويطلق (الأثر) أو (الآثار) على ما يصرح بعزوه إلى الصحابة، ومن دونهم، وقد قرر ذلك شارح «الإحياء» (^٢) أيضا موقوفا عليهم.
لكن الغزالي لم يلتزم بهذا دائما، بل خرج عنه كثيرا خلال الكتاب كله؛ فقد وجدته أحيانا يطلق «الأثر» على بعض الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ (^٣)، كما وجدته كثيرا، يطلق «الأخبار» على الآثار الموقوفة على
_________________
(١) تنظر (نكت ابن حجر على صحيح البخاري) ق ٢/ أ (مخطوط).
(٢) الإتحاف ٨/ ٥٦٢.
(٣) سيأتي مثال ذلك قريبًا.
[ ٤ / ١٣٦٩ ]
الصحابة ﵃، فمن دونهم، كالتابعين، وغيرهم، ويطلقها أيضًا على أقوال، وكتب، وأحوال الأنبياء السابقين، وأقوامهم، وخاصة بني إسرائيل وأنبيائهم، ويطلقها كذلك على أقوال الحكماء والصالحين، وحكاية أحوالهم.
وقد تكون عبارة الغزالي دالة على أنه يقصد «بالخبر» الحديث المرفوع، مثل قوله: وأما الأخبار، فقد قال ﷺ .. كذا (^٢).
وقد تكون عبارته مطلقة، مثل قوله: وفي الخبر كذا .. ويسوق الكلام، دون عزوه إلى أحد (^٣)، ويترك تمييز المرفوع من غيره إلى خبرة القارئ.
فإذا عرفنا ذلك، أصبح تعبير العراقي في عنوان الكتاب بـ «الأخبار» يفيد بظاهره، وعمومه: أن العراقي تصدى لتخريج الأخبار المذكورة في كتاب «الإحياء»، عمومًا، بمختلف تلك الأنواع السابق الإشارة إليها.
في حين أن واقع ما تضمن الكتاب تخريجه، أخص من ذلك بكثير، وقد انتبه العراقي نفسه إلى هذا، فذكر خلال الكتاب ما يقيد هذا الإطلاق العام في العنوان، ويفيد أن مقصوده الأصلي بـ «الأخبار» في عنوان الكتاب، نوع واحد منها فقط، وهو الأحاديث التي يصرح الغزالي برفعها، أو يشير إلى الرفع بعبارة ظاهرة مثل: مَضَتِ السُّنة بكذا (^٤)، وما عدا ذلك، فإنه قد يخرجه؛ تحصيلا لفائدة خاصة، يمكن للقارئ المتأمل أن يلحظها في موضعها، وقد يصرح العراقي في بعض المواضع بالفائدة التي دعته إلى تخريج ما ليس
_________________
(١) «الإحياء»: ٢/ ٦٣
(٢) ينظر «الإحياء»: ٢/ ٨٦، ٨٧، ٩٢.
(٣) «الإحياء» ٤/ ٢٥٨.
[ ٤ / ١٣٧٠ ]
داخلا صراحة في شرطه الذي هو مقصوده الأصلي السابق ذكره.
ففي كتاب العلم من «الإحياء» ١/¬٣٦ قال الغزالي: وقال ﷺ: «إنما العلم آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة».
فخرجه العراقي في (الصغير) مرفوعًا، بالعزو إلى ابن عبد البر - يعني في جامع بيان العلم - من حديث أبي هريرة، وإلى أبي داود وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمرو (^٢).
ثم إن الغزالي بعد هذا في الباب السادس من كتاب العلم ١/ ٧٥ قال: وفي الخبر: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري.
فتصدى العراقي في «الصغير» أيضًا لتخريجه، بالعزو إلى الخطيب في «أسماء من روى عن مالك»، موقوفا على ابن عمر.
ثم قال: ولأبي داود وابن ماجه، من حديث عبد الله بن (عمرو) مرفوعًا نحوه، مع اختلاف.
وقد تقدم (^٣) يعني الموضع الذي ذكرته قبل هذا.
لكن حينما نرجع إلى الزبيدي في «الشرح» ١/ ٣٩٣ نجده في تخريج الحديث في هذا الموضع الثاني يقول: قال العراقي: أخرجه الدراقطني في «غرائب مالك»، والخطيب، في «أسماء من روى عن مالك»، من رواية عمر بن عصام عن مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفا عليه، وقد رواه ابن عدي في «الكامل»،
_________________
(١) «الإحياء» ١/¬٣٦ و«المغني» بهامشه.
(٢) «المغني» بهامش «الإحياء» ١/ ٧٥.
[ ٤ / ١٣٧١ ]
في ترجمة أبي حذافة السهمي، عن مالك، قال - يعني ابن عدي -: وهذا من منكرات أبي حذافة، سرقه من عمر - يعني ابن عصام -، قال العراقي: لم يصرح المصنف - يعني الغزالي - بأنه مرفوع وإنما قال: «وفي الخبر»، والظاهر أنه أراد هذا، فذكرته احتياطا لاحتمال أن يكون روي مرفوعا .. قال الزبيدي: ثم قال العراقي: وأول الحديث مرفوع من حديث عبد الله بن (عمرو)، رواه أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، رفعه: العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة. هـ
ويلاحظ أن ما نقله الزبيدي هنا عن العراقي، أكثره ليس في (التخريج الصغير) فيكون مما نقله عن (التخريج الكبير)، كما تقدم توضيحه، كما يلاحظ أنه بين الداعي لتخريجه في هذا الموضع، مع عدم تصريح الغزالي برفعه، وأفاد بذلك أن ما لا يصرح الغزالي برفعه إلى رسول الله ﷺ، فليس هو ملتزما بالتصدي لتخريجه؛ ولكن قد يخرج بعضه لغرض معين.
وفي الباب السادس من كتاب العلم ١/ ٦٥ ذكر الغزالي عدة أحاديث مصرحا برفعها إلى الرسول ﷺ، وأتبعها بقول لعيسى ﵇، ثم قال: فهذا وغيره من الأخبار، يدل على عظيم خطر العلم .. ثم قال: وأما الآثار، فقد قال عمر ﵁: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة، المنافق العليم، قالوا: وكيف يكون منافقا عليما؟ …»
فلم يتعرض العراقي لتخريج قول عمر هذا، في «التخريج الصغير»، لكن الزبيدي في «الشرح» ١/ ٣٥٢ قال: قال العراقي: وهذا الذي ذكره - يعني الغزالي - أثرا، فقد ذكره أحمد، مرفوعا، من حديث عمر، بإسناد صحيح،
[ ٤ / ١٣٧٢ ]
من رواية أبي عثمان النهدي، قال: إني لجالس تحت منبر عمر بن الخطاب، وهو يخطب الناس، فقال في خطبته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة، كل منافق عليم اللسان هـ. ثم قال العراقي: وصح أيضا من حديث عمران بن حصين، رواه الطبراني، من رواية عبد الله بريدة عنه، رفعه: إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان. هـ وهذا النقل كسابقه، يعتبر من «التخريج الكبير»، ومن كلام العراقي في هذين الموضعين من «تخريجه الكبير»، نلاحظ أنه قيد عموم لفظ «الأخبار» الذي ذكره في عنوان الكتاب، فجعل مقصوده الأصلي بها في هذا التخريج، هو: الأحاديث التي يصرح الغزالي برفعها إلى الرسول ﷺ، أو يشير إلى قصده رفعها، إشارة ظاهرة؛ وعليه فإنه لا يلتزم بتخريج ما يورده الغزالي في «الإحياء»، على أنه أثر موقوف على بعض الصحابة، ومن باب أولى غيرهم، كقول عيسى ﵇، كما تقدم، ويفهم من كلامه السابق أيضا أنه لا يلتزم بتخريج الأحاديث المرفوعة في مصادرها، ما لم يصرح الغزالي في كتابه برفعها، أو يشير إلى الرفع إشارة ظاهرة، فإذا أورد الحديث بصيغة محتملة للرفع وغيره، مثل قوله في أحد المثالين السابقين: وفي الخبر كذا، أو قوله: يروى كذا، كما سيأتي في الكلام على (تخريجه الصغير)، فإن العراقي في كل ذلك، وأمثاله ليس ملتزما بالتعرض لتخريجه؛ لأنه لم يجعله من شرط مقصوده الأصلي في هذا التخريج، ولكنه مع هذا قد يخرج بعض ما ليس داخلا في شرطه، لفائدة خاصة مثل الفائدتين اللتين صرح بهما فيما تقدم: من قصد الاحتياط لتحقيق غرض الغزالي من إيراد الخبر، أو وجود حديث مرفوع بمثل ما يذكره الغزالي على أنه أثر موقوف على الصحابي.
[ ٤ / ١٣٧٣ ]
ولكن الأكثر من صنيع العراقي أنه في هذا «التخريج الكبير»، لا يتصدى لتخريج ما ليس داخلا فيما أشار إلى الإلتزام بتخريجه في كلامه السابق، كما ظهر لي ذلك مما وقفت عليه من نصوص الكتاب.
وسيأتي في الكلام على «تخريجه الصغير» تصريحه بأنه اشترط فيه نحوا مما أشار هنا إلى أنه مقصوده الأصلي فيما يتصدى لتخريجه من أنواع الأخبار التي تضمنها كتاب «الإحياء».
وعلى هذا، فإنه يمكننا القول: بأن شرط العراقي هذا فيما يتصدى لتخريجه من الأخبار الواردة في الإحياء يختلف عما جرى عليه غيره، من أشهر المخرجين المعاصرين له، في مؤلفاتهم، كرفيقه الزيلعي، في كتابه المعروف بـ «نصب الراية، في تخريج أحاديث الهداية»، وكقرينه ابن الملقن في كتابه «البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» فإنهما بجانب تخريجهما للأحاديث المصرح برفعها في الكتابين المخرجين، قد عُنيا بتخريج غيرها من الأحاديث التي لم يصرح برفعها، والآثار الموقوفة على الصحابة أو التابعين، لدرجة أنهما يخصصان في نهاية تخريج أحاديث كل باب مبحثا لتخريج الآثار الموقوفة الواردة فيه (^١).
ولعل الذي سهل عليهما ذلك، ما لاحظته من أن الآثار الواردة في الكتابين المخرجين، وهما «كتاب الهداية» وكتاب «الشرح الكبير للرافعي» تعتبر قليلة جدا بالنسبة للآثار الواردة في الإحياء، حيث تقارب كميتها كمية
_________________
(١) يُنظر مثلا: نصب الراية ج ١/ ١٨٦، ١٨٩، والبدر المنير ١/ ٢١٦/ أ، ٣٢٣/ أ وغير ذلك في الكتابين.
[ ٤ / ١٣٧٤ ]
الأحاديث المرفوعة فيه، وهي قرابة خمسة آلاف كما تقدم، وبذلك كان التصدي لتخريج تلك الآثار يستغرق من العراقي زمنًا وكما يوازيان زمن وكم تخريج الأحاديث، على ضخامتهما كما مر، ولكن العراقي مع ذلك خرج بعض تلك الآثار، لزيادة الفائدة كما تقدم مثاله.
أُنموذج عام لعناصر التخريج الموسع للحديث، في «التخريج الكبير» مقارنًا بما يقابله من تأليف أشهر أقران العراقي ومعاصريه.
بعد بيان ملامح الشرط العام للعراقي فيما تصدى لتخريجه في هذا الكتاب، ومقارنته بما جرى عليه غيره، تبقى الحاجة ماسة إلى مقارنة تفصيلية بين أهم عناصر تخريجه الموسع للحديث في هذا الكتاب، وبين عناصر التخريج الموسع للحديث نفسه في تأليف أشهر أقرانه ومعاصريه، حتى تتكامل بذلك صورة عرض مضامين الكتاب، وبيان جهود مؤلفه فيه، وتقويمها، في حدود ما تيسر لنا من نصوصه.
وقد تبين لي بالبحث والمقارنة: أن ما قدمت بيانه من العناصر والأبحاث التي اشتملت عليها نماذج هذا التخريج الكبير، متشابهة مع العناصر والأبحاث التي اشتملت عليها كتب التخريج الموسعة التي ألفها أشهر أقران العراقي، ومعاصريه؛ غير أنه يحدث تفاوت بين كل منهم، وبين العراقي، بالزيادة أو النقصان، سواء من جهة المصادر المخرج منها الحديث، أو من جهة العناصر والأبحاث المتناولة، أو الآراء الشخصية لكل منهم.
وبمقتضى هذا التفاوت، يتميز عمل العراقي وجهده، عن عمل وجهد غيره ممن عاصره، وإليك أنموذجًا توضيحيا لذلك:
[ ٤ / ١٣٧٥ ]
ففي حديث «أن امرأتين من هذيل قَتَلَتْ إحداهما الأخرى بحجر»، وفيه قوله ﷺ: «أَسَجَعٌ كسجع الأعراب؟» (^١)
قال العراقي في تخريجه: ورد من حديث المغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وأسامة بن عمير الهذلي، وحمل بن مالك، وعويم بن ساعدة الهذلي، ﵃، أما حديث المغيرة: فرواه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية عبيد بن نَضْلَة الخزاعي عن المغيرة بن شعبة قال: «ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط»، فذكر الحديث، وفيه: «فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية، لا آكل ولا شرب ولا استهل؟، فمثل ذلك يُطل» (الحديث) بلفظ مسلم، وفي رواية له «أندى من لا طعم، ولا شرب ولا صاح، ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطل» (الحديث)، وأصل الحديث عند البخاري والترمذي وابن ماجه، مختصرًا، دون ذكر السجع المذكور.
وأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من رواية ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل» (الحديث) وفيه: فقال حمل ابن النابغة الهذلي: «يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟، فمثل ذلك يطل»، فقال رسول الله ﷺ: «إنما هذا من إخوان الكهان، من أجل سجعه الذي سجع»، لفظ مسلم، ولم يُسم البخاري الرجل، وانما قال: «فقال ولي المرأة»، ولم يقل: «من أجل سجعه الذي سجع»، ورواه الترمذي وابن ماجه من رواية محمد بن عمرو عن أبي
_________________
(١) «الإحياء» جـ ١/¬٤٢.
[ ٤ / ١٣٧٦ ]
سلمة عن أبي هريرة وفيه: «فقال الذي قضى عليه: أنعطى من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهل؟، فمثل ذلك يطل»، فقال النبي ﷺ: «إن هذا ليقول بقول الشاعر».
وأما حديث ابن عباس فرواه أبو داود والنسائي من رواية أسباط عن سماك ابن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت امرأتان جارتان كان بينهما صخب» (الحديث) وفيه: «فقال أبو القاتلة: إنه والله ما استهل ولا شرب ولا أكل فمثله يطل»، فقال النبي ﷺ: «أسجع الجاهلية وكهانتها؟ إن في الصبي غرة»، قال ابن عباس «كانت إحداهما مليكة، والأخرى أم عفيف»، لفظ النسائي، ولم يقل أبو داود: «ولا أكل»، وقال فيه: عن ابن عباس في قصة «حمل»، فأدخله المزي في الأطراف في حديث «حمل» ولم يذكره في حديث ابن عباس؛ وليس بجيد.
وأما حديث جابر فرواه أبو يعلى في مسنده من رواية مجالد بن سعيد قال: «حدثني الشعبي عن جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى» (الحديث) وفيه: «فخاف عاقل القاتلة أن يُضَمِّنَهُم، قال: فقالوا يا رسول الله: لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل»، فقال رسول الله ﷺ: «أسجع الجاهلية؟» والحديث عند أبي داود وابن ماجه، وليس فيه ذكر السجع المذكور.
وأما حديث أسامة بن عمير - وهو والد أبي المليح - فرواه الطبراني بإسناد جيد من رواية أيوب قال: سمعت أبا المليح عن أبيه - وكان قد صحب رسول الله ﷺ - قال: «كانت فينا امرأتان ضربت إحداهما الأخرى» (الحديث) وفيه فقال رجل من أهل القاتلة: «كيف نعقل يا رسول الله من لا أكل ولا شرب
[ ٤ / ١٣٧٧ ]
ولا صاح فاستهل؟، فمثل ذلك يطل»، فقال رسول الله ﷺ: «أسجاعة أنت؟» (الحديث) وفي رواية له - أى للطبراني - من رواية سلمة بن تمام عن أبي المليح أن الذي قال السجع رجل يقال له عمران بن عويمر فقال رسول الله ﷺ: دَعْنِي من رَجَزِ الأعراب.
وأما حديث حمل بن مالك بن النابغة فرواه الطبراني من رواية مجاهد الهذلي أنه كان عنده امرأة فتزوج عليها أُخرى، فذكر الحديث وفيه: فجاء وليها فقال: «أندي من لا أكل ولا شرب ولا استهل؟، فمثل ذلك يطل». فقال: رَجَزُ الأعراب.
وأما حديث عويم الهذلي، فرواه الطبراني من رواية محمد بن سليمان بن مسمول عن عمرو بن تميم بن عويم، عن أبيه عن جده قال: «كانت أختى مليكة وامرأة منا يقال لها أم عفيف بنت مسروح تحت حمل بن النابغة، فضربت أم عفيف مليكة بمسطح بيتها وهي حامل فقتلتها، وذا بَطْنِها، فقضى رسول الله ﷺ فيها بالدية وفي جنينها بالغرة، عبدا وأمة، فقال أخوها العلاء بن مسروح: «يا رسول الله، أنغرم من لا أكل ولا شرب، ولا نطق ولا أستهل؟ فمثل ذلك يُطل»، فقال رسول الله ﷺ «أسجع كسجع الجاهلية؟»، ورواه ابن مندة في معرفة الصحابة، ومحمد بن سليمان بن مسمول، ضعيف، وعمرو بن تميم وأبوه لم أجد لهما ذكرًا في مظان وجودهما» (^١).
وقد خرج هذا الحديث نفسه كل من الزيلعي وابن الملقن في كتابيهما السابق
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١/ ٢٤٧، ٢٤٨.
[ ٤ / ١٣٧٨ ]
ذكرهما، وبمقارنة تخريجهما له بتخريج العراقي المذكور آنفا، نجد أن الزيلعي قد خرج الحديث من رواية ستة من الصحابة السبعة الذين خرج العراقي الحديث من روايتهم، وذكر بدلًا من رواية السابع وهو جابر بن عبد الله، رواية صحابي آخر اسمه بريدة (^١)، أما ابن الملقن فخرج الحديث من رواية أربعة فقط من الصحابة الذين خرجه العراقي من روايتهم، وهم: أبو هريرة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأبو المليح أسامة بن عمير الهذلي (^٢)، ثم إننا نجد المصادر التي خرج العراقي والزيلعي وابن الملقن روايات الحديث منها متفاوته في العدد، وفي النوع، فالعراقي كما سلف قد خرجه من تسعة مصادر، بينما خرجه الزيلعي من اثني عشر مصدرًا (^٣)، وخرجه ابن الملقن من سبعة مصادر (^٤).
ثم إن كلًا منهم انفرد بتخريج الحديث من بعض المصادر، فالزيلعي من مصادره الاثني عشر: سنن الدارقطني، ومسند أحمد، والبزار، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم (^٥)، بينما لم يخرج العراقي ولا ابن الملقن شيئا من روايات الحديث من تلك المصادر الخمسة، كذلك خرج العراقي بعض روايات الحديث من مسند أبي يعلى، ومعرفة الصحابة لابن مندة، بينما لم يرجع الزيلعي ولا ابن الملقن اليهما، وأيضًا خرّج ابن الملقن بعض روايات
_________________
(١) «نصب الراية» ج ٤/ ٣٨١ - ٣٨٤.
(٢) «البدر المنير» ج ٦/¬٣٩ أ - ٤٠ ب/ مخطوط مصور.
(٣) «نصب الراية»، ج ٤/ ٣٨١ - ٣٨٤.
(٤) انظر «البدر المنير» ج ٦/¬٣٩ ب وما بعدها.
(٥) «نصب الراية» ج ٤/ ٣٨١ - ٣٨٤.
[ ٤ / ١٣٧٩ ]
الحديث من مسند الشافعي، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (^١) ولكن العراقي والزيلعي لم يرجعا إليهما، ثم اننا نجد العراقي كما سلف قد بين أن رواية أبي المليح أسامة بن عمير، والتي أخرجها الطبراني من رواية أيوب قال: «سمعت أبا المليح عن أبيه» … إسنادها جيد، بينما لم يبين ابن الملقن ذلك (^٢)، ونجد أيضا العكس، وهو أن ابن الملقن قرّر أن رواية جابر لهذا الحديث والتي أخرجها أبو داود وابن ماجه في سندها راو مختلف في توثيقه وتجريحه، ثم رد على من قال بصحتها، وبيان ذلك أنه بعد ذكر تلك الرواية من طريق مجالد عن الشعبي قال: (مجالد، ضعفوه)، وقال يحيى بن معين مرة: (صالح)، ووقع في أصل «الروضة» تصحيح هذا الحديث، وهذا لفظه: وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ «قضى بدية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها»
وعقب على ذلك بقوله: (وقد عرفت ما فيه (^٣) - يعني وجود مجالد المختلف في توثيقه في سنده - وهذا ينافي القول بصحته). أما العراقي فقد خرج هذه الرواية كما مر من مسند أبي يعلى، وأبي داود، وابن ماجه، من طريق مجالد السابق ذكره، ولكن لم يتعرض لبيان حاله، ولا لبيان درجة الحديث. كذلك نجد أن العراقي قد خرج رواية عويم بن ساعدة الهذلي للحديث المذكور من معجم الطبراني بسند فيه محمد بن سليمان، وعمرو ابن تميم عن أبيه، ثم قرر أن محمد بن سليمان ضعيف، وأن عمرو بن تميم وأباه لم يجد لهما ذكرًا في مظان وجودهما من كتب الرجال، ومقتضى هذا أن يكون
_________________
(١) «البدر المنير»، ج ٦/¬٣٩ ب وما بعدها.
(٢) «البدر المنير» ج ٦/¬٤٠ أ.
(٣) «المصدر السابق»
[ ٤ / ١٣٨٠ ]
الحديث ضعيفًا من هذا الطريق باعتبار حال محمد بن سليمان؛ لكن الزيلعي اكتفى بتخريج الحديث من نفس المصدر، وبنفس السند، دون أن يتعرض لبيان درجتة ولا لبيان حال رجال إسناده. (^١)
ونجد أيضًا أن العراقي قد خرج رواية ابن عباس للحديث من سنن أبي داود والنسائي، ثم استطرد إلى نقد المزي بالاستدراك على ما قرره في كتابه «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» (^٢)، فذكر أن أبا داود قال في روايته للحديث المذكور: «عن ابن عباس في قصة حمل بن مالك …» وأن المزي في «الأطراف» أدخل الحديث في مرويات حمل بن مالك، ولم يذكره في مرويات ابن عباس، وأن ذلك ليس بجيد، يعني لكون الحديث من رواية ابن عباس وليس من رواية «حَمَل» وإنما ذُكر في سياقه فقط (^٣) لتعلق قصة الحديث به، لكن الزيلعي اكتفى بتخريج رواية ابن عباس هذه من مسند البزار، وصحيح ابن حبان، وسنن النسائي، وأبي داود، وابن ماجه، ولم يتعرض لنقد المزي الذي ذكره العراقي (^٤)
وهكذا يظهر لنا بالمقارنة التفصيلية بين عمل العراقي وعمل معاصريه في تخريج الحديث الواحد، التفاوت بالزيادة والنقص في عدة جهات، بحيث يتميز جهده وتأليفه عن جهد غيره وتأليفه، ويستفاد من كل منهم ما لا يستفاد من الآخر.
_________________
(١) «نصب الراية» ج ٤/ ٣٨٤.
(٢) هو في أطراف أحاديث الكتب الستة ولواحقها، انظر مقدمة «تحفة الأحوذي» للمباركفوري ج ١/ ٧٣، ٧٤ ومقدمة تحفة الأشراف نفسه.
(٣) «سنن أبي داود» ج ٢/ ٢٥٦ كتاب الديات.
(٤) «نصب الراية» ج ٧/ ٣٨٤.
[ ٤ / ١٣٨١ ]
أثر الكتاب فيما بعده:
بينت فيما تقدم أن هذا «التخريج الكبير» رغم افتقاد نسخه حاليا، إلا أني وقفت على نصوص متعددة نُقِلَتْ منه، وتداولها حفاظ السنة وعلماؤها في مؤلفاتهم حتى الآن (^١).
وقد اتضح لي من بحث تلك النقول عمومًا: أن الناقلين قد استكملوا بها في مؤلفاتهم جوانب عديدة، سواء فيما يتعلق بتخريج الأحاديث، أو بيان درجاتها، أو بيان أحوال أسانيدها، أو غير ذلك من بحوث وقواعد علوم السنة التي ضمنها العراقي هذا التخريج، كما اتضح لي أن هؤلاء الناقلين - كما مر - قد وافقوا العراقي على أكثر ما قرره من بحوث وآراء، وأوردوا الكثير منها في معرض الاحتجاج أو الترجيح، ويؤكد ذلك قول ابن خطيب الناصرية وغيره عن هذا التخريج: «وهو مصنف بديع، أَقَرَّ بفضله أهل الحفظ والإتقان، حتى لقد قرأ عليه - أي على العراقي - الحافظ عماد الدين ابن كثير - صاحب التصانيف الشهيرة - شيئًا منه (^٢)، وقد قدمت في الباب الأول أن ابن كثير من شيوخ العراقي الشاميين، وأن قراءته هذه على العراقي كانت في رحلته الأولى إلى الشام (^٣)، ثم إن الإمام تاج الدين ابن السبكي الذي كان مقيما بالشام أيضًا حين تأليف العراقي لهذا التخريج، قد أشار إليه في كتابه «طبقات الشافعية الكبرى» وتبع فيها العراقي في تخريجه لبعض أحاديث الإحياء كما
_________________
(١) انظر تعليقات الاستاذ عبد الفتاح أبو غدة على «الرفع والتكميل» للكنوي/ ٩٢، ١٣٣ هامش، وفتح المغيث للسخاوي مبحث الفروع على المرفوع والموقوف/ الخاتمة ١/ ١٥٥ طبعة دار الإمام الطبري.
(٢) «مجموع ابن خطيب الناصرية»: ترجمة العراقي والمجمع المؤسس/ ١٧٧ هامش.
(٣) انظر ٢/ ٣٥٠، ٣٥١.
[ ٤ / ١٣٨٢ ]
قدمت، وتقدم أيضا أن أبا زرعة ابن العراقي قد قرأ معظم ما بيض من هذا التخريج على والده، كما أني وجدته قد نقل عنه في تكملته لكتاب والده المسمى «طرح التثريب» (^١) كما سيأتي.
وكل هذا يدل بوضوح على أثر ما حواه هذا التخريج فيما بعده من مؤلفات التخريج، وغيرها من مؤلفات علوم السنة ومؤلفيها.
ب - التخريج المتوسط للإحياء.
إثبات نسبته إلى العراقي:
هذا هو ثاني كتاب ألفه العراقي في تخريج أحاديث كتاب «إحياء علوم الدين» ولكن كثيرا من مؤرخي العراقي، قديما، وحديثا، لا يذكرون هذا التخريج ضمن مؤلفاته (^٢) بل إن تلميذه ابن حجر العسقلاني ذكره في إحدى تراجمه له (^٣)، وأهمله في غيرها (^٤)، إلا أن العراقي نفسه قد ذكره ضمن مؤلفاته فقال بعد ذكر «التخريج الكبير» المتقدم: ثم شرعت في تبييضه في مصنف
_________________
(١) «طرح التثريب» للعراقي وولده حـ ٨/ ١٩٢.
(٢) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية»: ترجمة العراقي، و«ذيل التقييد» لتقي الدين الفارسي/ ٢١٩ ب، و«الأعلام»، ج ٤/ ٢١٩ ب، و«طبقات الشافعية» ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة، و«بهجة الناظرين» للغزالي/ ١٣٠، و«المنهل الصافي» لابن تغري بردي جـ ٢/ ٣١٣ أ و«ذيل تذكرة الحفاظ» للسيوطي/ ٣٧٠، و«شذرات الذهب» لابن العماد/ جـ ٧/ ٥٥، و«هدية العارفين» للبغدادي/ مجلد ١/ ٥٦٢، و«معجم المؤلفين» جـ ٥/ ٢٠٤، و«فهرس الفهارس» للكتاني جـ ٢/ ١٩٨ و«الرسالة المستطرفة» ٥/ ١٤٢ و«مقدمة الشيخ الخضير حسين» ﵀، لطبعة لجنة نشر الثقافة لكتاب الإحياء/ جـ ١/ ص هـ.
(٣) «إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٦.
(٤) «المجمع المؤسس» / ١٧٧ و«ذيل الدرر الكامنة» / ٧١.
[ ٤ / ١٣٨٣ ]
متوسط حجمه (^١)، وقد أقره على هذا غير واحد من تلاميذه وغيرهم (^٢)، وبذلك تثبت نسبة هذا التخريج إلى العراقي.
زمن تأليفه، وما أنجزه العراقي منه:
بعد أن ذكر العراقي شروعه في تبييض «التخريج الكبير» سنة ٧٦٠ هـ قال: «ثم شرعت في تبييضه في مصنف متوسط حجمه» (^٣)، وهذا يفيد أنه شرع في تأليف هذا «التخريج المتوسط» بعد الفراغ من تسويد «التخريج الكبير» ومن تبييض ما بيضه منه في سنة ٧٦٠ هـ، وقد أقر ذلك الحافظ ابن حجر وغيره (^٤).
وقد قرر العراقي عدم إكماله لهذا التخريج، حيث قال بعد ذكر شروعه فيه «وأنا مع ذلك متباطئ في إكماله، غير متعرض لتركه وإهماله، إلى أن ظفرت بأكثر ما كنت لم أقف عليه، وتكرر السؤال من جماعة في إكماله فأجبت وبادرت إليه، ولكني اختصرته في غاية الاختصار، ليسهل تحصيله وحمله في الأسفار، فاقتصرت فيه على ذكر طرف الحديث …» (^٥) فهذا يفيد أنه لما نشط لإكماله، بدا له أن يجعله في صورة أخرى مختصرة، وبناءً على ذلك ترك إكمال المتوسط، وشرع في عمل تخريج آخر مختصر وأكمله، غير
_________________
(١) «المغني عن حمل الأسفار بهامش الإحياء»، ج ١/¬٨.
(٢) انظر «إنباء الغمر» لابن حجر ج ٢/ ٢٧٦ و«لحظ الألحاظ» لابن فهد/ ٢٣٠ و«الضوء اللامع» للسخاوي ج ٤/ ١٧٣ و«مقدمة المناوي لشرحه الصغير لألفية العراقي في السيرة».
(٣) «المغني عن حمل الأسفار» بهامش «الإحياء» ج ١/¬٨.
(٤) «إنباء الغمر» ج ٢/ ٢٧٦ و«لحظ الألحاظ» / ٢٣٠.
(٥) «المغني عن حمل الأسفار» بهامش «الإحياء» ج ١/¬٨.
[ ٤ / ١٣٨٤ ]
أنه كما ترى لم يحدد لنا القدر الذي أنجزه من هذا «التخريج المتوسط»، وقد قرر ابن فهد أن العراقي كتب منه شيئًا يسيرا (^١)، ويؤيد هذا إنصرافه عن إتمامه، إلى الشروع في التخريج المختصر، إذ لو كان أنجز من المتوسط قدرًا كبيرًا، لما هان عليه تركه بدون إتمام، والشروع في غيره.
لكن ابن حجر العسقلاني، بعد أن ذكر «التخريج الكبير» قال: إن العراقي قد بيضه في نحو نصفه (^٢)، وهذا يفيد أنه أكمله؛ لأنه هو التالي في التأليف للتخريج الكبير. ويبدو أن الأقرب إلى الصواب ما قرره ابن فهد من أن العراقي كتب من هذا «التخريج المتوسط» قدرًا يسيرا فقط، لتوافق هذا مع ما قرره العراقي بنفسه كما بينت آنفًا.
تسمية الكتاب ومجمل منهج العراقي فيه:
ذكر ابن فهد تفصيلات عن هذا التخريج لم أجد من ذكرها غيره، وهي تفصيلات هامة في التعريف بهذا الكتاب، لأنه يعد حاليا في حكم المفقود كما سيأتي، وقد ذكر ابن فهد أن هذا التخريج مصنف متوسط، بين المطول والمختصر (^٣)، ثم أجمل منهج العراقي فيه فقال: «إنه ذكر فيه أشهر أحاديث الباب» (^٤)، ومعنى ذلك أنه لم يلتزم فيه بما التزم به في التخريجين الكبير والصغير، من تخريج كل أحاديث الباب، ثم ذكر ابن فهد أن العراقي سمى هذا التخريج «الكشف المبين عن تخريج إحياء علوم الدين» (^٥)، ويبدو أن في هذا
_________________
(١) «لحظ الالحاظ» / ٢٣٠.
(٢) إنباء الغمر ٢/ ٢٧٦.
(٣) ، (^٤)، (^٥) «لحظ الالحاظ» / ٢٣٠.
[ ٤ / ١٣٨٥ ]
الإسم لفظًا ساقطًا من النساخ هو «أحاديث»، أو «أخبار»، بحيث يكون الإسم هكذا «الكشف المبين عن تخريج أحاديث، أو أخبار، إحياء علوم الدين».
ولما كان ابن فهد ممن عاصر العراقي، وتتلمذ له بالمراسلة، ولولده أبي زرعة بالسماع المباشر، فإن هذه التفصيلات تصلح للاعتماد عليها في تحديد اسم الكتاب، والتعرف على محتواه، ومجمل منهج العراقي فيه.
أثر الكتاب، رغم افتقاد نسخه:
لقد أطلت البحث في فهارس المكتبات المصرية والعالمية المتاحة، فلم أجد شيئًا من نسخ ما أنجزه العراقي من هذا التخريج، كما لم يوقفني البحث في بطون المراجع العديدة على أي نقول منه، وبذلك يعتبر هذا التخريج في حكم المفقود الآن، لكن هذا لا يعني انعدام أثره العلمي، فقد ذكر ابن فهد أن العراقي حدث تلاميذه ببعضه، وذلك بقراءة تلميذه الهيثمي عليه، وسماع غيره (^١)، وهذا يدل على اعتناء العراقي بتدريسه ونشره، واعتناء تلاميذه بتلقيه عنه واستفادتهم بمحتواه العلمي، ولاسيما الحافظ الهيثمي الذي باشر القراءة منه بنفسه على العراقي.
ج - التخريج الصغير للإحياء.
زمن تأليفه، وهدف العراقي منه:
قرر العراقي وغيره من تلاميذه ومؤرخيه، أن هذا ثالث وآخر كتاب ألفه في تخريج أحاديث كتاب (إحياء علوم الدين) للغزالي، فكان تأليفه بعد تأليف التخريجين السابقين: الكبير، والمتوسط، وذلك بعد سنة ٧٦٠ هـ، وقد
_________________
(١) «لحظ الألحاظ»» / ٢٣٠.
[ ٤ / ١٣٨٦ ]
اختصره العراقي من «التخريج الكبير» الذي أتم مسودته، كما تقدم سنة ٧٥١ هـ (^١)، مع إضافة تخريج ما وجده من الأحاديث التي لم يكن وقف لها على مصدر من قبل (^٢)، ولم أجد عن العراقي ولا عن غيره تحديدا لتاريخ شروع العراقي في هذا التخريج، لكن بين العراقي بنفسه أنه أكمل تبييضه في يوم الأثنين ١٢ من شهر ربيع الأول سنة ٧٩٠ هـ. (^٣)
ولما كان قد شرع في أول تخريج للإحياء، وهو «التخريج الكبير» سنة ٧٤٥ هـ كما تقدم، فإنه يكون قد شغل نفسه بالتخاريج الثلاثة للإحياء قرابة ٤٥ عاما، من سنة ٧٤٥ هـ إلى سنة ٧٩٠ هـ، وهي مدة أزيد من نصف عمر العراقي، ولما كان «التخريج الكبير» قد اتسعت مباحثه، وبلغ حجمه خمسة مجلدات كما تقدم، فإن العراقي أحس بمشقة استيعابه وصعوبة تداول نسخه على الطالبين، ولهذا صرح بأنه اختصره في هذا التخريج البالغ حجمه مجلدا واحدا، هادفا من ذلك إلى أمرين:
أولهما: تسهيل استيعابه وتحصيل مضمونه.
_________________
(١) في آخر الطبعة الحلبية ج ٤/ ٥٣٢ أنها سنة ٧٦١ هـ وهو خطأ مطبعي لا يعول عليه.
(٢) انظر «المغني عن حمل الأسفار» / المقدمة والخاتمة للنسختين المخطوطتين بدار الكتب المصرية تحت رقمي ١٢٨٢، ١٢٥٥/ حديث و«المجمع المؤسس» ١٧٧ و«إنباء الغمر» ج ٢/ ٢٧٦ و«ذيل الدرر الكامنة» / ٧١/ ثلاثتهم لابن حجر العسقلاني و«المنهل الصافي» لابن تغري بردي ج ٢/ ٣١٣ أ. و«لحظ الالحاظ»، ٢٣٠ و«الضوء اللامع» للسخاوي ج ٤/ ١٧٣ و«شذرات الذهب» ج ٧/ ٥٥ و«مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة» و«فهرس الفهارس» للكتاني ج ٢/ ١٩٧.
(٣) «المغني عن حمل الأسفار» وبهامش «الإحياء» ج ٤/ ٥٣٢.
[ ٤ / ١٣٨٧ ]
وثانيهما: تسهيل اقتنائه وحمله، وخاصة في الاسفار (^١)، وقد جعل عنوانه أيضًا معبرًا عن ذلك كما سيأتي.
تسمية العراقي للكتاب ونقدها:
عُني العراقي بتسمية هذا التخريج فقال في مقدمته:
وسميته «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» (^٢) ويلاحظ أن في هذا الإسم جناسًا تاما في كلمة «الأسفار» المكررة فيه، فالأولى مقصود بها «الكتب الحديثية» والثانية مقصود بها الارتحال والانتقالات من مكان إلى آخر، كما يلاحظ أن العراقي جعل عنوان الكتاب معبرًا عن مضمونه وعن هدفه من تأليفه، حيث إن معنى الإسم المذكور، أن هذا التخريج رغم اختصاره، فإنه قد تكفل ببيان مصادر ودرجات أحاديث كتاب الإحياء، بحيث يغني من يحصل عليه، وخاصة المسافر، عن مشقة اصطحاب مئات من كتب السنة وعلومها، للوقوف منها على مخرج ودرجة أي حديث يحتاج إليه مما تضمنه كتاب الإحياء، وهذا مصداق ما قيل: «إن كل الصيد في جوف الفرا» ومن يرجع إلى هذا التخريج يجد من كثرة مصادره ما يطابق عنوانه، كما سنوضحه في بيان مصادر العراقي فيه بعون الله، إلا أن قوله: «في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» لا يستقيم إلا على أنه من باب إطلاق الكل، وإرادة البعض، وذلك أن الغزالي في الإحياء قد أطلق «الخبر» على ما هو أعم مما التزم العراقي بتخريجه، فالغزالي يطلق «الخبر» على الأحاديث التي ينسبها صراحة إلى
_________________
(١) ، (^٢) «المغني بهامش الإحياء» ج ١/¬٨، ٩ و(مقدمة الكتاب) نسخة دار الكتب المخطوطة.
[ ٤ / ١٣٨٨ ]
الرسول ﷺ وعلى الآثار التي يذكرها موقوفة على بعض الصحابة، وعلى الإسرائيليات، وغير ذلك من أنواع الأخبار التي تضمنها «الإحياء» كما أشرت إلى ذلك في مبحث «شرط العراقي في التخريج الكبير» وسيأتي كذلك توضيحات أخرى من العراقي نفسه لبيان ما أطلق عليه الغزالي اسم «الخبر» أو «الأخبار» وهو ليس حديثا مرفوعا، وبمقتضى تعميم الغزالي هكذا مفهوم «الخبر» فإن تعبير العراقي في تسميته لكتاب بقوله «في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» قد أشعر القارئ لعنوان الكتاب، بأنه ضمنه تخريج كل ما أطلق عليه الغزالي اسم «الخبر»، بينما الواقع أن العراقي لم يخرج حتى كل الأحاديث المرفوعة الواردة في الإحياء؛ ولهذا فإنه اضطر إلى التنبيه في عدة مواضع خلال التخريج، على أنه اشترط فيما يتصدى لتخريجه ما يخصص عموم عنوان الكتاب، ويقصر التزامه فقط، على تخريج الأحاديث التي يصرح الغزالي برفعها، أو التي يشير إلى رفعها بعبارة صريحة، كما قدمت في بيان شرطه في «التخريج الكبير»، وكما سيأتي في بيان شرطه في هذا «التخريج الصغير»، وعليه، فإنه كان الأدق، والأنسب لما جرى عليه الغزالي في الكتاب المخرج، والمطابق أيضا لمضمون تخريج العراقي هذا، أن يعنونه مثلا بقوله: «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من مرفوع الأخبار» أو يعبر «بالحديث» بدل «الخبر» كأن يقال «مغني الأحياء، في تخريج أحاديث الإحياء»؛ لأني خلال قراءتي لكتاب «الإحياء» بأكمله، لم أجد الغزالي يطلق فيه «الحديث» على غير المرفوع إلى الرسول ﷺ إلا نادرا (^١)، كما أن الذي خرجه العراقي من أنواع
_________________
(١) ينظر «الإحياء» ٤/ ٣٩٢
[ ٤ / ١٣٨٩ ]
الأخبار غير المرفوعة، زيادة على شرطه الذي نبه عليه خلال الكتاب يعتبر قليلا، بحيث لا يخل بالتعبير بـ «الأحاديث» في عنوان الكتاب، في حين يحصل الخلل بذكر «الأخبار» هكذا مطلقة في العنوان، بسبب نقص مضمون الكتاب عن عنوانه، كما تقدم.
ومما يؤيد أولوية ذكر «الأحاديث» بدل «الأخبار» في العنوان، أن العراقي قد عبر به خلال الكتاب كله، حيث يقول في بداية أغلب ما يتصدى له: «حديث كذا ..»، ثم يذكر تخريجه له، أو بيان أنه لم يجده، أو لم يجد له أصلا، مطلقا أو مقيدا، سواء ذكر الغزالي ذلك باسم «الخبر» وهو الغالب، أو بغيره كما سيأتي في بيان شرطه في هذا الكتاب.
ومع أن العراقي قد نص على تسمية الكتاب في مقدمته، بالاسم المسجوع السابق ذكره، فإن الكتاب قد عُرف أيضًا بغير هذا الاسم، فأطلق عليه غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم، اسم «التخريج المختصر» أو «التخريج الصغير» (^١)، وهذان الاسمان باعتبار مقارنة الكتاب بالتخريجين السابقين، وهما: «الكبير»، و«المتوسط».
_________________
(١) ينظر لابن حجر العسقلاني/ (الجمع المؤسس) / ١٧٧ (مخطوط) و(إنباء الغمر) ٢/ ٢٧٦، و(ذيل الدرر الكامنة) / ٧١ (مخطوط) ولا بن قاضي شهبة: (الأعلام) ٤/¬٢٩ ب (مخطوط) و(طبقات الشافعية) / ١١٠/ ب (مخطوط) / ولا بن فهد المكي - تلميذ المؤلف -/ (لحظ الألحاظ) / ٢٣٠، وللتقي الفاسي/ (ذيل التقييد) ٢١٩/ ب (مخطوط) / وللسخاوي/ (الضوء اللامع) ٤/ ١٧٣، وللسيوطي/ (ذيل تذكرة الحفاظ) / ٣٧٠، والغزي/ (بهجة الناظرين) / ١٣٠ (مخطوط) وللمناوي/ (مقدمة شرحه الموجز لألفية العراقي في السيرة). وللكتاني/ (فهرس الفهارس) ٢/ ١٩٧ ولابن عراق/ (تنزيه الشريعة) ٢/ ٢٠٨.
[ ٤ / ١٣٩٠ ]
ونظرًا لشهرة هذا الكتاب عن سابقيه، وانتشاره، منذ تأليفه، في بلاد العالم الإسلامي، شرقًا وغربًا، فإنه إذا أطلق «تخريج الإحياء» كان هو المقصود، غالبًا، كما ظهر لي ذلك من مقابلة كثير من نقول العلماء عنه، وإحالاتهم عليه.
أهم نسخ الكتاب الخطية في مكتبات العالم:
اتفق مؤرخو العراقي على أن هذا التخريج يقع في مجلد واحد لطيف، أو ضخم الحجم، بحسب تفاوت حجم الخط المكتوب به (^١).
وذكر غير واحد أيضًا من تلاميذ العراقي وغيرهم، أن هذا التخريج بعد أن بيضه العراقي كتبت منه نسخ عديدة، واشتهرت في حياته، وتداولها الناس داخل مصر وخارجها، بحيث جعله ذلك يتباطأ عن إكمال تبييض «التخريج الكبير»، لما رأى انتشار نسخ هذا «التخريج الصغير»، والإقبال الشديد عليه، حتى سارت به الركبان إلى الأندلس وغيرها من البلدان (^٢).
وقد وجدت مصداق ذلك فعلًا عندما قمت بتتبع نسخه الخطية الموجودة حاليًا في كثير من مكتبات العالم، وذلك كما يلي:
١ - في دار الكتب المصرية وقفت على ثلاث نسخ، أهمها نسخة تحت رقم
_________________
(١) ، (^٢) «ذيل الدرر الكامنة» لابن حجر/ ٧١ و«الأعلام» ج ٤/ ٢١٩ ب و«طبقات الشافعية» / ١١٠ ب، كلاهما لابن قاضي شهبة، و«لحظ الألحاظ» لابن فهد/ ٢٣٠ و«المنهل الصافي» لابن تغري بردي ج ٢/ ٣١٣ أ، و«المجمع المؤسس» / ١٧٧، و«إنباء الغمر» ج ٢/ ٢٧٦ كلاهما لابن حجر، و«شذرات الذهب» لابن العماد ج ٧/ ٥٥ و«مقدمة شرح المناوي الموجز لألفية العراقي في السيرة».
[ ٤ / ١٣٩١ ]
/ ٧٩٢ حديث طلعت، وقد لقب العراقي في عنوانها بـ «ولي الدين» وهو لقب ابنه أحمد كما تقدم، فلعل هذا سهو أو خلط من كاتب عنوان النسخة، وهذا لا يغض من قيمتها، نظرا لتوثيق محتواها الداخلي كما سأوضحه، وهذه النسخة تقع ضمن مجموعة هي أولها، ويليها كتاب آخر في التخريج أيضًا، لقرين العراقي، ابن الملقن وفي نهايته أنه كتب في سلخ (أي أواخر) جمادى الأولى سنة ٧٩١ هـ، ولم يكتب بآخر نسخة الإحياء التي هي أول المجموعة تاريخ لنسخها، فلعل التاريخ المذكور هو تاريخ الفراغ من الكتابين المكونين للمجموعة، نظرًا لكون نسخة تخريج الإحياء هي أول المجموعة، وكتاب ابن الملقن الوارد بآخره تاريخ النسخ المذكور، هو آخرها، وخط الكتابين متشابه جدًا، وعليه تكون نسخة تخريج الإحياء هذه هامة لكونها مكتوبة سنة ٧٩١ هـ، أي في حياة العراقي، وفي السنة التالية لتبييضه للكتاب، كما أنها تعتبر أقدم ما وقفت عليه من نسخ الكتاب، ثم إنه قد كتب بأحد هوامشها ما نصه (بلغت مقابلة على نسخة معتمدة عليها خط المصنف) (^١)، وفي موضعين آخرين من هوامشها كتب أيضًا: (أنها بلغت مقابلة على نسخة قرئت على المصنف وعليها خطه) (^٢)، وذلك يُعتبر توثيقا جيدا تظهر منه صحة النسخة، وقد قمت بالتحقق العملي من ذلك، فقابلت نماذج عديدة منها، وخاصة في المواضع المشكلة - بنسخة أخرى بدار الكتب أيضًا، وعليها عدة توثيقات (^٣) فوجدت تلك النسخة أكمل نصوصًا، وأصح من الأخرى، سواء
_________________
(١) انظر هامش ورقة/ ٣٩ أ
(٢) انظر هامش ورقتي/ ٤٥ أ، ٦٤ أ.
(٣) هي النسخة رقم ١٢٨٢ حديث دار الكتب.
[ ٤ / ١٣٩٢ ]
في سياق الكلام، أو في بيان المصادر المخرج منها الحديث، أو في تحديد درجته، أو بيان علته، أو غير ذلك (^١)، كما وجدتها أيضًا موافقة للنسخة التي اعتمد عليها الزبيدي في شرحه للإحياء (^٢)، وهو مُحدّث، وخبير بالنسخ الخطية، وقلما وجدتها تشارك النسخة الأخرى في وجود نقص أو خلل (^٣)، أو تقديم أو تأخير في ترتيب بعض الأحاديث عما في طبعات كتاب الإحياء التي بين أيدينا (^٤)، وهذا مما يجعلني أوصي بالإعتماد على تلك النسخة لتكون أصلا، مع الاستعانة بغيرها من النسخ الموثقة، سواء في بحث الكتاب، أو في النقل عنه والإستفادة منه، أو تحقيق نصوصه وطبعه.
وتقع تلك النسخة في ١٨٩ ورقة، حسب إحصاء المفهرسين، وقد وجدتُ عدد سطور كل صفحة منها ٢٥ سطرًا، وخطها نسخ واضح، والكلمات المشكله الضبط، مضبوط غالبها بالحركات.
٢ - أما باقي نسخ الكتاب المنتشرة في مكتبات العالم شرقا وغربا، فلم يتح لي التعرف عليها إلا من خلال فهارس المكتبات الموجود بها النسخ، بالإضافة إلى بحوث ومؤلفات مؤرخي التراث من شرقيين ومستشرقين، وفي هذه الحدود أعرف بها على النحو التالي:
أ - نسخة بالمكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم/ ٣١٩ حديث، وهي نسخة
_________________
(١) ، (^٢) انظر أوراق/ ٣ أ، ٤ ب، ٩ أ، ١٨ ب، وقارن بالنسخة الأخرى ص ٥، ٦،، ١٠، ٤٢ و٥ «بشرح الإحياء» ج ١/ ١١١، ١٣٨، ٢٦٥، ٢٦٦.
(٢) انظر ورقة ٣ أ حديث كان رسول الله ﷺ أميا لا يحسن الكتابة، وقارن بالنسخة الأخرى ص ٦ و٥ «بشرح الإحياء» ج ١/ ١٤٩.
(٣) انظر ورقة ١٨ أ وقارن بالإحياء ط الحلبي ج ١/ ٢٠٤ - ٢٠٧ أحاديث صلوات الأسبوع.
[ ٤ / ١٣٩٣ ]
جيدة عليها خط العراقي، وبذلك تكون موثقة ومكتوبة في حياته، وهي موجودة ضمن مجموعة وتقع في أولها من ورقة ١ - ١٨٠ (^١).
ب - نسخة بمكتبة وقف آل يحيى، بجانب مدرسة البنات بتريم، حضرموت - اليمن، وهي أيضًا نسخة موثقة، لأنها منقوله عن نسخة العراقي نفسه، وذلك في سنة ٨٤٩ هـ (^٢).
ج - توجد نسخ كثيرة بمكتبات تركيا، وقد وقفت على ذكر ١٢ نسخة منها بفهارس عدة مكتبات باستانبول وحدها (^٣).
د - وفي فهرس مخطوطات الموصل بالعراق، ذكرت ضمن مخطوطات جامع الباشا نسخة تحت رقم/ ١٠٠ بعنوان «تخريج أحاديث الإحياء» دون ذكر اسم المؤلف. (^٤) فلعلها نسخة من هذا التخريج، نظرًا لما قدمته من أنه إذا أطلق تخريج أحاديث الإحياء، يكون المقصود هو هذا التخريج الصغير.
_________________
(١) انظر (الفهرس القديم للمكتبة الظاهرية) / فن الحديث والمنتخب من مخطوطات الحديث بها للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
(٢) انظر: «فهرس المخطوطات اليمنية في حضرموت» لعبد اللاه محمد الحبشي ص ٣٦.
(٣) انظر: «فهرس مكتبة آيا صوفيا» تحت رقم/ ٢٠٨٢/ تصوف، و«فهرس مكتبة كويريلي زادة» تحت رقم/ ٢٦٠ حديث و«فهرس مكتبة ولي الدين» تحت رقمي ٨٤٧، ٨٤٨ حديث، و«فهرس مكتبة نور عثمانية» تحت رقم/ ١٢٧٠ حديث: و(فهرس مكتبة يني جامع) تحت رقمي/ ٢٩٥، ٢٩٦، و«فهرس مكتبة راغب باشا»، تحت رقمي: ٦٤٩، ٦٥٠ تصوف: و«فهرس مكتبة محمد مراد المعروف بقاضي عسكر» تحت رقمي/ ٣٥٥، ٣٥٧ حديث وأصوله و«الفهرس المخطوط المكتبة فيض الله أفندي» تحت رقم ٢٨٤ علم الحديث.
(٤) انظر: «فهرس مخطوطات الموصل» للدكتور داود جلبي/ ٥٤.
[ ٤ / ١٣٩٤ ]
هـ - نسخة بالمكتبة الأصفيه بالهند تحت رقم/ ٦٧٤ (^١)
و- نسخة بمكتبة دير الإسكوريال بأسبانيا تحت رقم/ ١٤٦٦ (^٢)
النتيجة:
وهكذا انتشرت فعلا النسخ الخطية لهذا الكتاب في أرجاء العالم، من الهند شرقا، حتى الأندلس غربا، ويستطيع الباحث على أساس ما قدمت أن يحصل على عدد وفير من تلك النسخ، بحيث يمكنه من الوصول إلى نص موثق لهذا التخريج، أقرب ما يكون إلى الصحة والكمال.
طبعات الكتاب، تعريف وتقويم ونقد:
يعتبر هذا الكتاب أول ما طبع من مؤلفات العراقي عموما - حسب علمي وبحثي بأقصى ما أمكنني -، وقد تعددت طبعاته، مُسْهِمَةً في توسيع دائرة انتشاره، وإفادته، لخروجه من حيّر المخطوطات إلى رحاب المطبوعات، منذ قرابة قرن من الزمن، لكنها جميعًا طبعات غير مستقلة بذاتها، بل منها ما هو متضمن في غيره، ومنها ما هو بمصاحبة الكتاب المخرج، وهو كتاب «إحياء علوم الدين» (^٣).
١ - فأما المتضمنة في غيرها فهي طبعة ضمن كتاب «شرح الإحياء» السابق
_________________
(١) انظر (فهرس المكتبة الأصفية) ج ١/ ١٣٠ ووتاريخ الأدب العربي، لبروكلمان ملحق ١/ ٧٤٩
(٢) انظر (فهرس المكتبة) ج ١/ ٩١ وبروكلمان ملحق ١/ ٧٤٩.
(٣) ثم ظهرت أخيرا طبعة مستقلة للكتاب، مع فهارس مفيدة، بعناية الأخ الأستاذ أشرف عبد المقصود، نشر دار طبرية بالرياض سنة ١٤١٥ هـ.
[ ٤ / ١٣٩٥ ]
ذكره للإمام الزبيدي، فقد قال في مقدمته: «ومن الكتب التي أعتمد في تخريج أحاديث الكتاب عليها «المغني عن حمل الأسفار»، للحافظ العراقي/ في مجلد، فأذكر كلامه عقيب الحديث» (^١) وبمراجعتي لعدة مجلدات من هذا الشرح، وجدته فعلا ينقل كلام العراقي بنصه غالبا، وبهذا يكون الشرح المذكور قد تضمن كتاب «المغني عن حمل الأسفار»، بأكمله.
وقد وقفت على ثلاث طبعات متتالية لهذا الشرح المشتمل على كتاب التخريج المذكور، وأقدم تلك الطبعات، طبعة مدينة فاس ببلاد المغرب سنة ١٣٠٤ هـ، وهي تقع في ١٣ مجلدا، ومنها نسخ بدار الكتب المصرية (^٢).
* أما الطبعة الثانية: فكانت في المطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣٢٣ هـ وتقع في عشرة مجلدات كبار، وهي التي اعتمدت عليها في بحثي هذا.
* ثم طبع الشرح مؤخرًا في بيروت طبعة مصورة عن الطبعة السابقة، ولم يثبت عليها تاريخ الطبع.
٢ - وأما طبع الكتاب بمصاحبة «الإحياء» فقد طبع أيضًا عدة طبعات وفي جميعها طبع كتاب الإحياء بأعلا الصفحة، والتخريج بهامشها الأسفل، موزعًا ومرتبا حسب موقع الأحاديث في الإحياء أعلاه، مع ذكر رقم مسلسل للحديث في كل صفحة من الإحياء على حدة، وذكر نفس الرقم بهامشها ثم كتابة التخريج بجانبه، وهكذا …، مع عدم ترقيم ما لم يُخرجه العراقي، وما تكرر، ولم يُعد العراقي الكلام عليه، أو التنبيه على أنه تقدم، أو سيأتي بعد.
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» للزبيدي ج ١/¬٤.
(٢) انظر: (فهرس الكتب العربية) المودعة بدار الكتب المصرية حتى نصف سنة ١٩٢٤ م ج ١/ ٢٦٠.
[ ٤ / ١٣٩٦ ]
ويعتبر قرن كتاب المغني هذا، بكتاب الإحياء في الطبع على النحو المذكور عملًا علميًا مشكورًا، حيث تتحقق به الفائدة المقصودة من كتاب التخريج في وقت ومكان الإطلاع على الكتاب المخرج، وهو «الإحياء»، وبذلك يتوفر على القارئ والباحث، الجهد، والوقت، وتتضاعف الفائدة، بمعرفة مصدر ودرجة الحديث المستدل به على مشتملات كتاب «الإحياء» العديدة. على أنه من الممكن طبع كتاب المغني وحده، والإستفادة به كبقية كتب التخريج التي طبعت مستقلة عن الكتب التي ألفت في تخريج أحاديثها «كنصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» للزيلعي، رفيق العراقي و«كالدراية في تخريج أحاديث الهداية» أيضًا للحافظ ابن حجر، تلميذ العراقي وقد أشرت لصدور طبعة له هكذا مؤخرًا.
أما أقدم طبعة وقفت عليها لتخريج العراقي هذا مع كتاب «الإحياء» على الصورة التي وَصَفْتُ فهي طبعة المطبعة العثمانية المصرية بالقاهرة، على نفقة عثمان خليفة ﵀، وقد ابتدأ فيها في ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ الموافق يونيه سنة ١٩٣٣ م، وفرغ منها في أوائل ذي القعدة من نفس السنة، وهي تقع في ٤ أجزاء متوسطة، حسب تجزئة الإحياء في هذه الطبعة، وفي مقدمة الطبعة ذكر مصححها الشيخ محمد محمد الفضالي ﵀ أحد علماء الأزهر الشريف، أنه قد اعتمد في طبع التخريج على نسختين خطيتين لا شك في ضبطهما ولا مين، إلا أنه لم يذكر أية بيانات أخرى عنهما، وهذا مخالف لقواعد تحقيق الكتب ونشرها، حيث تقضي بضرورة تعريف النسخ المعتمد عليها تعريفا كافيًا، بوصفها، وبيان مدى توثيقها، وتحديد مكان وجودها، ورقمها في مكان حفظها إن وجد، وذلك حتى
[ ٤ / ١٣٩٧ ]
يستطيع الباحث تقدير مدى صحة الطبعة، والتعويل عليها، والرجوع إلى النسخ المعتمد عليها لأي داع يعن له (^١).
ولقد قمت من جانبي بالبحث والمقارنة بين نسخ ذلك التخريج الخطية بدار الكتب المصرية، وبين تلك الطبعة، فوجدتها مأخوذة عن نسختين:
أولاهما: تحت رقم/ ١٢٨٢ حديث.
وثانيتهما: تحت رقم/ ١٢٥٥ حديث، وذلك لعدة دلائل:
- منها: وجود ترقيم للصفحات وعلامات مراجعة بالهوامش، وكلاهما بقلم واحد وخط وحد في النسختين (^٢)، كما يوجد بهوامش النسختين وبنفس الخط، بيان تقسيمهما حسب أجزاء «الإحياء» في تلك الطبعة (^٣).
- وأيضًا التعليقات على التخريج بهذه الطبعة، والمنسوبة لهامش الأصل المعوّل عليه في الطبع، موجودة بنصها بهامش النسخة الأولى من هاتين النسختين، (^٤) بل إن عددًا من التعليقات غير المعزوة لمصدر في هذه الطبعة موجودة نصا بهامش تلك النسخة أيضًا (^٥)، وبذلك يثبت أن النسختين المذكورتين هما اللتان اعتمد عليهما في تلك الطبعة.
_________________
(١) انظر: «قواعد تحقيق المخطوطات» للدكتور صلاح الدين المنجد ص ٢٨ و٢٩.
(٢) انظر مثلا بالنسختين: الباب الأول من كتاب آداب تلاوة القرآن.
(٣) انظر بالنسختين: كتاب الحج باب الأعمال الباطنة، وكتاب آفات اللسان، الآفة الثامنة، وآخر كتاب ذم الغرور.
(٤) انظر مثلا التعليق على حديث «سوداء ولود» ص ١٠٠ بالمخطوطة، وقارنه بالمطبوعة ج ٢/¬٢٤.
(٥) انظر مثلا التعليق على حديث «أكثروا معرفة الفقراء» ص ٢٧٤ بالمخطوطة وقارنه بهذه الطبعة جـ ٤/ ١٧٠.
[ ٤ / ١٣٩٨ ]
ورغم أن النسخة الأولى منهما قد أثبت بهوامشها أنها قوبلت بغيرها، فإن فحصي التفصيلي لكلا النسختين، أظهر لي عدم صلاحيتهما لتكون أي منهما أصلا معتمدا لتحقيق نصوص هذا التخريج، وذلك لأمور منها:
- أنهما نسختان محدثتان جدا، فالأولى منسوخة سنة ١١٨٨ هـ والثانية منسوخة سنة ١٣٠٧ هـ، وليس عليها توثيقات.
- كما إنه يوجد بكلتا النسختين سقط في عدة مواضع، ومنه في النسخة الأولى مازاد على سطرين (^١)، وفي النسخة الثانية ما بلغ تخريج حديث بأكمله (^٢)، ولم يعالج المحقق في تلك الطبعة كثيرا من هذا السقط (^٣)، كذلك يوجد بالنسخة الثانية كلمات وعبارات ترك الناسخ مكانها بياضا، حتى في مقدمة الكتاب.
وعلى ذلك يكون قول المحقق: إن هاتين النسختين المعتمد عليهما لاشك في ضبطهما ولا مين، قول عري عن الصواب، لمخالفته لواقع النسختين، ثم إن هذه الطبعة قد اشتملت على أخطاء مطبعية متعددة، ولم يقم المحقق بالتنبيه على صوابها (^٤)، وبالتالي تكون تلك الطبعة عموما، غير كافية في الحصول على نص للتخريج أقرب إلى الصحة والكمال، ولذا ينبغي على من يريد
_________________
(١) انظر مثلا تخريج حديث (قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل) ص ١٢ من هذه النسخة وقارنه بنسخة طلعت السابق وصفها/ ق هـ ب وبالطبعة ج ١/ ٨١
(٢) انظر مثلا تخريج حديث عمر في حنين الجذع/ ٥٤ ب، ٥٥ أ وقارنه بالنسخة الأولى/ ٧١ وبالمطبوع ج ١/ ٣١٩.
(٣) انظر تخريج حديث «قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل السابق ذكره».
(٤) انظر مثلا: «تخريج حديث أبي هريرة: لأن أقول سبحان الله والحمد لله» (الحديث) ص ٦٧ بالنسخة الأولى، ٥١ ب بالثانية وح ١/ ٢٦٩، ٢٧٠ بالمطبوع.
[ ٤ / ١٣٩٩ ]
الإستفادة بهذا التخريج على الوجه اللائق أن يرجع بجانب تلك الطبعة إلى نسخة خطية، تكون أصح من النسختين المعتمد عليهما فيها، مثل بعض النسخ التي قدمت التعريف بها.
* ثم وقفت على طبعة أخرى لهذا التخريج بهامش الإحياء مثل الطبعة السابقة، وذلك في طبعة الإحياء التي قامت بها بالقاهرة - لجنة نشر الثقافة الإسلامية خلال سنتي ١٣٥٦ هـ، ١٣٥٧ هـ، وهي تقع في ١٦ جزءًا حسب تقسيم الإحياء في تلك الطبعة، ولم تذكر اللجنة في تقديمها لتلك الطبعة بيان الأصل الذي اعتمدت عليه في طبع التخريج، فقمت من جانبي بفحص ومقابلة نماذج عديدة منها، وتبين لي أن اللجنة قد اعتمدت كلية في تلك الطبعة على الطبعة العثمانية السابقة، لدرجة أن الأخطاء المطبعية التي في العثمانية موجودة كما هي في هذه الطبعة (^١)، وعليه فإن ما قررته بشأن الطبعة العثمانية ينسحب عليها.
* وقد وقفت على طبعة ثالثة لهذا التخريج بهامش كتاب الإحياء أيضًا كسابقتيها، وقد قام بهذه الطبعة شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة، وأشرف على تصحيحها الشيخ احمد سعد علي، من علماء الأزهر الشريف، وتمت طباعتها يوم الإثنين ١١ شعبان سنة ١٣٥٨ هـ؛ وفي مقدمة هذه الطبعة جاء تحت عنوان «إفهام حقيقة» بعض الأخطاء العلمية والمغالطات، ومنها: «أن المسئولين عن هذه الطبعة قد استحضروا أصح النسخ للإعتماد
_________________
(١) انظر مثلًا تخريج حديث أبي هريرة: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله» (الحديث) ج ٣/ ١٥٣ وقابله بالعثمانية ج ١/ ٢٦٩، ٢٧٠ فستجد بهما كلمة «المستفرق»، والصواب «المستغفري» كما في المخطوطين المعتمد عليهما في العثمانية وغيرهما من النسخ الموثقة.
[ ٤ / ١٤٠٠ ]
عليها، مع الرجوع أيضًا إلى شرح الإحياء المتقدم ذكره، للزبيدي (^١)، ولقد رجعت إلى هذه الطبعة، وقرأت فيها كتابي التخريج والإحياء معا من أولهما إلى آخرهما، وهي التي اعتمدت عليها في هذا البحث، لكن مع الاستعانة بنسخة دار الكتب الموثقة السابق التعريف بها، وبشرح الإحياء، وقد قابلت نماذج عديدة من التخريج في هذه الطبعة، بما في الطبعة العثمانية السابقة، فتبين لي تطابق الطبعتين تمامًا، سواء في نص التخريج، أو في التعليقات التي عليه، بما فيها التعليقات المعزوة إلى شرح الإحياء، بل تطابقت الطبعتان في بعض الأخطاء المطبعية (^٢)، وبذلك تكون هذه الطبعة مأخوذة عن الطبعة العثمانية، وفي درجتها، مع وجود بعض أخطاء مطبعية فيها ليست في العثمانية» (^٣).
وعليه فإن ما ذكر في مقدمتها من أنه قد اعتمد فيها على أصح نسخ التخريج، وعلى شرح الإحياء، يعتبر افتراء ومغالطة، وأنبه لذلك كل قاريء لهذه الطبعة، كما أنه قد جاء في مقدمتها أيضًا: أن العراقي قد يشير إلى من ينسب إليهم الحديث من المخرجين بطريق الرمز بالحروف مثل «خ» للبخاري و«م» لمسلم (^٤). وفي تقديري أن هذا أيضًا افتراء على العراقي، بدليل أن
_________________
(١) «الإحياء» ج ١/¬٧.
(٢) انظر مثلا «تخريج حديث أبي هريرة: لأن أقول سبحان الله والحمد لله» (الحديث) ج ١/ ٢٦٩، ٢٧٠ في العثمانية وج ١/ ٣٠٧ الحلبية.
(٣) انظر مثلا «تحديد تاريخ فراغ العراقي من مسودة التخريج»، في نهاية الجزء الرابع من كل من هذه الطبعة والعثمانية، ثم قارنه بآخر النسختين الخطيتين المعتمد عليهما في العثمانية، وبمقدمة العراقي للتخريج في كل النسخ والطبعات الأخرى.
(٤) انظر مقدمة الإحياء ط الحلبي ج ١/¬٧.
[ ٤ / ١٤٠١ ]
نسخة هذا التخريج الموجودة بدار الكتب المصرية تحت رقم/ ٧٩٢/ حديث طلعت والمقابلة على نسخة مقروءة على العراقي، وعليها خطه كما تقدم، لم أجد بها شيئًا من هذه الرموز، بل وجدتُ كلا من أسماء المخرجين، وأسماء مصنفاتهم المخرج منها الحديث، مذكورة بدل الرموز (^١).
نعم وجدت هذه الرموز في النسختين الخطيتين المعتمد عليهما في الطبعة العثمانية، وهما - كما بينت - غير صالحتين للاعتماد عليهما لتكون أي منهما أصلا، فذكر هذه الرموز فيهما لا يقطع بنسبتها إلى العراقي، بل يبدو لي أنها من عمل النساخ، تخفيفا على أنفسهم، وانتقلت تلك الرموز من هاتين النسختين إلى الطبعة العثمانية، وما تلاهما حتى الآن، ويدل لذلك: أن بعض هذه الرموز مذكور على خلاف اصطلاح المحدثين، مثل ذكر حرف «الدال» عدة مرات، رمزا للإمام أحمد (^٢)، بينما هي عند المحدثين رمز لأبي داود (^٣)، فلو كان العراقي هو الذي استعمل هذه الرموز، لجري فيها على اصطلاح المحدثين، وبذلك تكون نسبتها إلى العراقي غير صحيحة، فليتنبه لهذا أيضًا كل قاريء لهذه الطبعة.
ثم إني قد اطلعت على عدة طبعات أخرى لهذا التخريج بهامش كتاب الإحياء أيضًا، وبعضها مؤرخ بتواريخ متأخرة عن الطبعات السابقة (^٤)،
_________________
(١) انظر مثلا النسخة المذكورة ق/ ٩ أ، ٢٩ أ وقابل بالمطبوعة ج ١/ ١٣١، ٣٠٢.
(٢) انظر مثلا: «المغني» بهامش ط الحلبي ج ١/ ١٣٥ حديث ١، ١٣٧ حديث ٥، ١٣٨ حديث ٢ وقارن بشرح الإحياء ج ٢/ ٤٣٢، ٣٤٨، ٣٤٩.
(٣) انظر «الجامع الصغير» للسيوطي ج ٢/ ٥٢ وشرحه «فيض القدير» للمناوي ج ١/¬٢٤.
(٤) مثل طبعة دار الشعب بالقاهرة سنة ١٩٦٩ م.
[ ٤ / ١٤٠٢ ]
وبعضها بدون تاريخ، ولكني وجدتُ الكل مأخوذا عن الطبعات التي قدمت التعريف بها، بدليل الإتفاق معها حتى في بعض الأخطاء المطبعية. (^١)
نتيجة واقتراح:
وعلى ضوء ما قدمت يظهر لنا أنه ما عدا الطبعة المتضمنة في شرح الإحياء من هذا التخريج، فإن باقي الطبعات حتى الآن، ترجع إلى نسختين خطيتين، وهما غير صالحتين للإعتماد عليهما لتكون أي منهما أصلا في تحقيق نصوص الكتاب، حيث توجد عدة نسخ أصح وأكمل منهما، ولذا فإن الكتاب ما زال إلى الآن بحاجة إلى إعادة طبعه، طبعة محققة تحقيقا علميا بواسطة مختص بعلوم السنة معتمدًا في ذلك على أكبر عدد ممكن من نسخ الكتاب الصحيحة الموثقة، كما قدمت التعريف ببعضها، كما أني أقترح أن تنشط عزيمة المحقق لعمل عدة فهارس فنية تيسر الاستفادة بمشتملات الكتاب، وفي طليعتها فهرس عام للأحاديث المخرجة في الكتاب مرتبة على حروف المعجم ومحالة على موضوع الحديث بالكتاب والباب، حتى يستفاد منه في الجملة على أي طبعة، مع ذكر إحالة أخرى مثل رقم الحديث في الطبعة أو الجزء والصفحة؛ لسهولة الرجوع إلى أي حديث يحتاج إليه من طريق قريب وبالله التوفيق
_________________
(١) انظر مثلًا: تخريج حديث أبي هريرة: لأن أقول سبحان الله والحمد لله (الحديث) في طبعة دار الشعب ج ٣/ ٥٤١ وقارنه بطبعة لجنة نشر الثقافة ج ٣/ ١٥٣ وبالطبعة العثمانية ج ١/ ٢٦٩، ٢٧٠ وبالحلبية ج ١/ ٣٠٧
[ ٤ / ١٤٠٣ ]
منهج العراقي في هذا التخريج
«تحليل ومقارنة ونقد»
عني العراقي في مقدمة هذا التخريج، وخلاله، ببيان العناصر الأساسية لمنهجه في تأليفه، ولذا كانت مهمتي أن أتتبع الكتاب جميعه وأبين على أساس هذا التتبع العناصر التفصيلية لمنهج العراقي، ومدى التزامه ووفائه بها، وقد وفقني الله تعالى للقيام بهذا التتبع للكتاب بأكمله، واتضح لي من ذلك أن العراقي قد وفى بعناصر منهجه، والتزم بها، لكن في الغالب فقط وليس وفاء والتزاما كاملين، وإليك تفصيل ذلك:
مصادره في التخريج وموقفه منها، وطريقة تخريجه منها، وعزوه إليها، مع النقد والمقارنة:
عندما قرأت تخريج العراقي هذا بأكمله، هالتني تلك الكثرة الكاثرة من المصادر التي وجدته معتمدا عليها فيه، حيث إنها تعد بالمئات، ومن بينها كتاب الإحياء نفسه (^١) ولعل تلك الكثرة الهائلة هي التي جعلت العراقي لا يسرد تلك المصادر جملة في مقدمة أو خاتمة هذا التخريج، مكتفيا بالعزو إلى كل منها في موضعه، أما قرينه ابن الملقن فلم يكتف بذلك، بل قام في «مقدمة تخريجه للشرح الكبير» للرافعي بسرد إجمالي للمصادر التي رجع إليها (^٢)، وعلل ذلك بفائدتين:
إحداهما: أن الناظر في كتابه قد يشكل عليه شيء مما ذكره عن الأئمة
_________________
(١) انظر: المغني بهامش الإحياء، جزء ٣/ ١٠٦، ج ٤/ ٢٢٨.
(٢) انظر: البدر المنير، لابن الملقن جـ ١/¬٨ ب - ١٠ ب.
[ ٤ / ١٤٠٤ ]
فيراجعه في مؤلفاتهم.
وثانيتهما: أن يعرف مقدار كتابه، وما بذل فيه من جهد الطاقة والوسع (^١).
وقد وجدت مصادر العراقي تشمل في تنوعها مختلف أنواع المؤلفات في علوم السنة، متنا وسندا، فمنها الكتب المؤلفة على الأبواب، كالكتب الستة (^٢) و«الموضوعات الكبرى» لابن الجوزي (^٣) و«نوادر الأصول» للحكيم الترمذي. (^٤)
ومنها الكتب المؤلفة في باب واحد: «كالدعاء» للطبراني (^٥) و«فضل العلم» لأبي بكر الآجري (^٦) و«ذكر الموت» لإبراهيم الحربي ٤/ ٣٠٦.
ومنها كتب المسانيد: كمسانيد أحمد (^٧) والبزار وأبي يعلى الموصلي (^٨).
ومنها كتب العلل، و«كالعلل» للدارقطني (^٩) و«والعلل المتناهية» لابن الجوزي (^١٠).
ومنها كتب الرجال: كمعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير، والأوسط،
_________________
(١) «البدر المنير» ج ١/¬١٠ ب.
(٢) انظر: «المغني بهامش الإحياء» ج ١/¬٢٥، ١٣٤، ١٣٥.
(٣) «المغني» ج ٢/¬٤.
(٤) «المغني» ج ٤/¬٢٤.
(٥) «المغني بهامش الإحياء» ج ٢/¬٦.
(٦) «المغني» ج ١/¬١٣.
(٧) «المغني» ج ١/¬٢٦.
(٨) «المغني» ج ٣/¬٣٤.
(٩) «المغني» ج ٢/ ٢١٧ وج ٣/ ٨٩.
(١٠) «المغني» ج ١/ ٢٤٩.
[ ٤ / ١٤٠٥ ]
والصغير (^١)، «ومعجم الصحابة» للبغوي (^٢)، «والتاريخ الكبير» للبخاري (^٣)، و(الحلية) لأبي نعيم (^٤)، و«الضعفاء» للعقيلي (^٥)، ولابن حبان (^٦)، و«الكامل» لابن عدي (^٧)، و(الاستيعاب) لابن عبد البر (^٨)، و(طبقات الأصبهانيين) (^٩) و(طبقات المحدثين) (^١٠) كلاهما لأبي الشيخ بن حيان، و(تاريخ الغرباء) لابن يونس (^١١).
* ومنها كتب السيرة عموما (^١٢)، وخصوصا (كدلائل النبوة) للبيهقي (^١٣)، و(الشمائل المحمدية) للترمذي (^١٤)، و(المغازي) لموسى بن عقبة (^١٥).
_________________
(١) «المغني»، ج ١/ ١٠٧ وج ٢/¬٩ وج ٣/¬١٢.
(٢) «المغني»، ٣/¬٤٤.
(٣) «المغني»، ج ٣/ ١٧٤.
(٤) «المغني»، ج ٤/¬١٣.
(٥) «المغني»، ج ٤/¬١٩.
(٦) «المغني»، ج ٣/ ٧٥.
(٧) «المغني»، ج ٣/ ٧٨.
(٨) «المغني»، ج ٣/¬٤٧.
(٩) «المغني»، ج ٣/¬٥٠، ٥١.
(١٠) «المغني»، ج ٣/ ١٠٦:
(١١) «المغني»، ج ٣/ ٢٦٩:
(١٢) «المغني»، ج ١/¬٢١.
(١٣) «المغني»، ج ٢/ ٢٢٥.
(١٤) «المغني»، ج ١/ ٢٥٥.
(١٥) «المغني»، ج ٢/ ٢٢٥.
[ ٤ / ١٤٠٦ ]
ومنها كتب شرح السنة: «كعارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي» لأبي بكر بن العربي (^١).
ومنها كتب شرح غريب الحديث عمومًا (^٢)، أو خصوصًا: كغريب الحديث لأبي عبيد (^٣)، ولابن الأثير (^٤).
ومنها كتب التفسير للقرآن بالمأثور: «كتفاسير ابن مردويه» (^٥) والثعلبي، وابن أبي حاتم (^٦).
ومنها كتب أطراف الحديث: «كأطراف الكتب الستة» للمزي (^٧).
ومنها كتب الأمالي الحديثية: «كأمالي ابن شاهين» (^٨).
ومنها كتب الأربعينات والأجزاء، والرسائل الحديثية، «كالأربعين حديثًا في التصوف» لأبي عبد الرحمن السلمي (^٩) و«كجزء من حديث عبد الله ابن الشخير» (^١٠) والأجزاء «الخلعيات» لأبي الحسن الخلعي (^١١) و«كالرسالة
_________________
(١) «المغني»، ج ٢/ ٩١.
(٢) «المغني»، ج ١/ ١٦٢.
(٣) (المغني) ج ١/ ٨٧.
(٤) «المغني»، ج ١/ ١٥٨.
(٥) (المغني) ج ٢/¬٢٢.
(٦) (المغني) ج ٤/ ١٤٤.
(٧) «المغني»، ج ١/ ١٤١.
(٨) (المغني) ج ١/ ٢٥٨.
(٩) «المغني»، ج ١/ ٢٢٧.
(١٠) «المغني»، ج ١/ ٦٣.
(١١) (المغني) ج ١/¬١٦ والرسالة المستطرقة/ ٦٨.
[ ٤ / ١٤٠٧ ]
الأشعرية» للبيهقي (^١).
* ومنها كتب التاريخ التي تذكر الأخبار بسندها: «كتاريخ نيسابور» للحاكم (^٢) و«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (^٣).
وقد شمل هذا التنوع أيضًا المصادر الحديثية منذ أوائل المؤلفات «كمغازي موسى بن عقبة» السابق ذكرها، و«كموطأ» الإمام مالك (^٤)، حتى مؤلفات المعاصرين للعراقي، «كميزان الإعتدال في نقد الرجال» للذهبي (^٥) و«تهذيب الكمال» للحافظ المزي (^٦).
ولهذا فإن كثيرًا من مصادر العراقي في هذا التخريج تعد حاليا في حكم المفقود، أو مما ندرت نسخه الخطية، على مستوى المكتبات العالمية، وذلك مثل كتاب «السيرة النبوية» لمحمد بن إسحاق (^٧) والمغازي الموسى بن عقبة (^٨) و«السنن الكبرى» للنسائي (^٩) و«مسند العدني» (^١٠) و«مسند
_________________
(١) ٥ المغني، ج ١/¬٣٤.
(٢) «المغني» ج ١/¬١٢.
(٣) «المغني» ج ١/¬١٣ وجاه و٢٢٢
(٤) «المغني» ج ٤/ ٢٢٩.
(٥) «المغني» ج ٢/ ١٦٤ وج ٣/ ١٥٦
(٦) «المغني» ج ٢/¬١٧.
(٧) «المغني» ج ٢/ ٣٨٢ وج ٣/ ١٨٦ والمغازي الأولى ومؤلفوها، للمستشرق يوسف هورفتس ترجمة الدكتور حسين نصار/ ٧٥، ٧٦، ٨٢.
(٨) «المغازي الأولى ومؤلفوها» / ٧٠ و٧١.
(٩) «المغني» ج ٣/¬٢٦ و٤٤
(١٠) «المغني» ج ١/¬٢٥
[ ٤ / ١٤٠٨ ]
الشاميين» للطبراني (^١) و(المستجاد) للدارقطني (^٢) و«مكايد الشيطان» لابن أبي الدنيا (^٣) و(تعظيم قدر الصلاة) لمحمد بن نصر المروزي (^٤) و«معجم الصحابة» لابن قانع (^٥) و«الآداب» لأبي العباس الدغولي (^٦) و«الضعفاء» لأبي الفتح الأزدي (^٧)، و(عوالي مشايخ مصر) لابن عدي (^٨)، و«كتاب الطاعة والمعصية» لعلي بن معبد (^٩)، وغير ذلك مما يطول سرده، وبهذا حفظ لنا تخريج العراقي ذلك، كثيرًا من نصوص تراث السنة التي تبددت، أو عزت مصادرها الأصلية، خاصة وأن العراقي كان يرجع إلى المصادر، ويستمد منها مباشرة، بدليل عنايته ببيان اختلاف ألفاظ الروايات التي يخرجها، زيادة ونقصا ونصه على أن هذا لفظ رواية فلان، وغير ذلك مما ستأتي أمثلته، وأيضًا فقد صرّح العراقي مرارًا باطلاعه الشخصي على المصدر المخرج منه كما في تخريجه لحديث عائشة في موت رسول الله ﷺ فقد عزاه إلى (المعجم الكبير) للطبراني ثم قال: «وهو حديث طويل في ورقتين كبار» (^١٠)، وفي تخريج حديث سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ
_________________
(١) «المغني»، ج ٣/¬٩.
(٢) «المغني»، ج ٣/¬٤٩
(٣) «المغني»، ج ٣/¬٢٧
(٤) «المغني» ج ٣/¬٤٨
(٥) «المغني»، ج ٣/ ١١١.
(٦) «المغني»، ج ٣/¬٤٩
(٧) «المغني»، ج ١/ ٦٥.
(٨) «المغني» ج ١/ ١٥٣.
(٩) «المغني»، ج ١/ ١٥٦
(١٠) «المغني»، ج ٤/ ٤٥٧.
[ ٤ / ١٤٠٩ ]
﴿يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْهُ﴾ (^١) عزاه العراقي إلى «مستدرك الحاكم» من حديث طاوس، ثم قال: «هكذا في نسختي من «المستدرك»، ولعله سقط منه ابن عباس، أو أبو هريرة» (^٢)، وستأتي بعض أمثلة أخرى أيضًا، ومن المصادر ما صرح بروايته لها بسنده (^٣)، ثم إني وجدت من دقة العراقي وجهده في الرجوع إلى المصادر، أنه قد يرجع عند الحاجة لأكثر من نسخة، أو رواية للكتاب الواحد (^٤)، ثم إنه لم يكن مجرد ناقل لما يجده بالمصادر التي يرجع إليها، بل إنه يقف من تلك المصادر موقف الحافظ الناقد الخبير، فمن تلك المصادر ما بين اصطلاح مؤلفها فيها، مثلما في تخريجه لحديث «نور الحكمة الجوع» حيث قال: «ذكره أبو منصور الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث أبي هريرة، وكتب عليه أنه مسند، وهذه علامة ما رواه بإسناده» (^٥)، فبين لنا بذلك أن الديلمي اصطلح في كتابه المذكور على أن ما رواه فيه بإسناده كتب عليه أنه مسند، بدلا من ذكر السند الذي رواه به، لكني وقفت على بعض أجزاء مخطوطة من نسخة «مسند الفردوس» فلم أجدها كذلك. ومن المصادر ما صحح العراقي من أخطائها، كما في تخريج حديث سنان بن سعد قال: «حيكت لرسول الله ﷺ جبة من صوف أنمار» فقد قال العراقي: «ويقع في كثير من نسخ الإحياء (سيار بن سعد)، يعني بدل «سنان بن سعد»
_________________
(١) الكهف آية (١١٠).
(٢) «المغني» ج ٣/ ٢٨٦.
(٣) «المغني» ج ١/ ١٥٣ حديث ٣ و٢٣٨ حديث ٤ و٢٦٧ حديث ٣.
(٤) «المغني» ج ١/¬١٧، ١٨٢، ١٢٨
(٥) «المغني» ج ٣/ ٨٢.
[ ٤ / ١٤١٠ ]
وهو غلط (^١)، ومن المصادر ما قام بتأصيل محتواه وتمحيصه، كما في تخريج حديث النهي عن صلاة الحاذق (^٢)، حيث قال: عزاه رزين (^٣) إلى الترمذي، ولم أجده عنده (^٤)، وفي تخريج حديث (سادات المؤمنين في الجنة من إذا تغدى لم يجد عشاء) الحديث: قال العراقي: عزاه صاحب «مسند الفردوس» للطبراني من رواية أبي حازم عن أبي هريرة مختصرا بلفظ: «سادة الفقراء في الجنة» الحديث، ولم أره في (معاجم الطبراني) (^٥) ومن المصادر ما رجح العراقي بعضها على بعض، كما في تخريج حديث (اعتزاله ﷺ قريشا لما آذوه وجفوه) فقد أخرجه بروايتين مختلفتين إحداهما من طبقات ابن سعد، والأخرى من مغازي موسى بن عقبة وعقب على ذلك بقوله: ومغازي موسى بن عقبة أصح المغازي (^٦)، فرجحها بذلك في عمومها، على كتب المغازي الأخرى مثل مغازي الواقدي، وابن إسحق وغيرهما، ومثل هذه المواقف من المصادر المعتمد عليها، تدل على مدى الجهد العلمي الشاق والمفيد الذي يبذله العراقي في استخراج وتكوين المادة العلمية لتخريجه هذا من المصادر العديدة وتنسيقها، وتنقيتها مما وجده من أخطاء، وأوهام السابقين عليه، ثم صياغتها في عبارات موجزة ومفيدة.
ثم إن العراقي بين في مقدمة هذا التخريج منهجه عموما في التخريج من
_________________
(١) «المغني» ج ٤/ ٢٢٨.
(٢) وهو صاحب الخف الضيق.
(٣) في كتاب له جمع فيه بين الكتب الستة.
(٤) (المغني) ج ٣/ ١٦٢.
(٥) (المغني) ج ٣/ ٢٦٥.
(٦) (المغني) ج ٢/ ٢٢٥.
[ ٤ / ١٤١١ ]
المصادر والعزو إليها فقال: «فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه إليه، وإلا عزوته إلى من خرجه من بقية الستة، وحيث كان في أحد الستة لم أعزه إلى غيرها إلا لغرض صحيح، بأن يكون في كتاب التزم مخرجه الصحة، أو يكون أقرب إلى لفظه في الإحياء …» وحيث عزوت الحديث لمن خرجه من الأئمة، فلا أريد ذلك اللفظ بعينه، بل قد يكون بلفظه، وقد يكون بمعناه، أو باختلاف، على قاعدة المستخرجات (^١)، وما قرر العراقي انتهاجه بتقديم التخريج من الصحيحين أو أحدهما، والاكتفاء بهما أو بأحدهما عن باقي كتب السنة، يتفق مع ما قرر قرينه ابن الملقن انتهاجه في تخريجه لأحاديث الشرح الكبير للرافعي (^٢)، بل إن الحافظ المناوي ذكر أن هذا يعتبر عرفًا عامًا بين أئمة الفن، حيث قرر أنه متعارف بين القوم أنه: ليس لمحدث أن يعزو حديثًا يكون في أحد الصحيحين ما يفيده، إلى غيرهما (^٣)، وذلك لأنهما أصح كتب السنة، كما قرر العراقي وغيره (^٤) والأولى في التخريج عزو الحديث إلى المصدر الذي ورد فيه بسند جيد صحيح، وترك ذلك يعد قصورًا (^٥)، إلا أن العراقي لم يلتزم التزامًا كاملًا بما قرره، من اكتفائه بعزو الموجود في الصحيحين أو أحدهما إليه، فقد وجدته يضم إليهما غيرهما، سواء من باقي الكتب الستة أو من غيرها مما هو أقل درجة منها، ففي تخريج
_________________
(١) «المغني» ج ١/ ٨٧.
(٢) انظر «البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» لابن الملقن ج ١/¬٨ أ.
(٣) «فيض القدير شرح الجامع الصغير» / للمناوي ج ١/ ١٨٣ وج ٢/ ٥٠٥.
(٤) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ١/¬١٦ وشرح السيوطي لألفيته/ ٢٦ ب.
(٥) «فيض القدير» ج ٢/¬٢٩، ٥٢٦.
[ ٤ / ١٤١٢ ]
حَديثٌ: «مَنْ أَحْدَثَ في دينِنَا مَا ليسَ منه فهو رَدّ»، قال العراقي: «مُتفق عليه من حديث عائشة بلفظ: «فِي أَمْرِنَا ما ليسَ منه» وعند أبي داود «فيهِ» (^١)، يعني بدل (منه)، فضم إلى الصحيحين «سُنن أبي داود» كما ترى، وفي تخريج حديث عائشة: «إِنَّ الشيطانَ يَأْتِي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله» الحديث. قال العراقي: «رواه أحمد والبزار وأبو يعلى في مسانيدهم، ورجاله ثقات»، ثم قال «وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة» (^٢)، فضم إلى الصحيحين المسانيد الثلاثة المذكورة، لمجرد أن الحديث عندهم وارد من رواية عائشة، كما ذكر الغزالي في «الإحياء»، بل إن العراقي قد يهمل عزو الحديث إلى أحد الصحيحين، مع وجوده فيه، مثل ما في تخريج حديث «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم»، فقد قال العراقي: رويناه في جزء من حديث أبي بكر بن الشخير، من حديث عمر، أخضر منه، وعند أبي داود من حديث عائشة «أَنْزِلُوا الناس منازلهم» (^٣) فحديث عائشة هذا الذي عزاه إلى أبي داود، قد أخرجه أيضا مسلم في مقدمة صحيحه تعليقًا بدون إسناد حيث قال: وقد ذكر عن عائشة ﵂ أنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم (^٤)، ولكن العراقي قد عزاه كما ترى لأبي داود ولم يعزه إلى «صحيح مسلم» كما هو مقتضى ما قرره سابقًا، ويبدو أن عدوله عن العزو لمسلم إلى العزو لأبي داود، لكون
_________________
(١) انظر «سنن أبي داود»، جـ ٢/ ٢٩٤، كتاب الأدب.
(٢) «المغني»، جـ ٣/¬٣٤.
(٣) «المغني»، جـ ١/ ٦١.
(٤) «مسلم بشرح النووي»، جـ ١/¬١٩ و٥٥.
[ ٤ / ١٤١٣ ]
الحديث ورد عند أبي داود مسندا (^١)، وعند مسلم معلقا، والرواية المسندة أولى ما لم تكن ضعيفة (^٢)، ويدل لذلك، أني وجدته يعزو في (التخريج الكبير) الحديث المعلق في البخاري إليه، ثم يترك عزوه إلى البخاري كلية في هذا (التخريج الصغير)، مكتفيا بعزوه إلى بعض المصادر الأخرى التي ورد فيها مسندا، مع كونها أقل درجة من البخاري، مثال ذلك حديث: (اليقين الإيمان كله)، فقد ذكر العراقي في (التخريج الكبير) أن البخاري أخرجه في (صحيحه) تعليقا موقوفا على ابن مسعود (^٣)، أما في هذا «التخريج الصغير»، فقال: «أخرجه البيهقي في (الزهد) والخطيب في «التاريخ» من حديث ابن مسعود بإسناد حسن (^٤)، فلم يعزه كلية إلى البخاري، مع كونه فيه، وعزاه إلى مصدرين أقل منه درجة، لكونه مسندا فيهما، كما أني وجدته يجمع بين عزو الحديث إلى الصحيحين أو أحدهما، وبين عزوه إلى غيرهما مما هو أقل درجة منهما، لتحقيق بعض الفوائد الحديثية».
ففي تخريج حديث (الإيمان بالحوض) عزاه إلى الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ: «أما لكم حوض كما بين جرباء وأذرح»، ثم قال: «وقال الطبراني «كما بينكم وبين جرباء وأذرح»، وهو الصواب، فضم الطبراني إلى الصحيحين لتصويب لفظ روايتهما» (^٥)، وفي تخريج حديث: «ما كان
_________________
(١) «المغني»، ج ٢/ ٣٦١ حديث ٤.
(٢) «فيض القدير» ج ٢/ ٥٠٩.
(٣) «إتحاف السادة المتقين» جزء ١/ ٤٠٨.
(٤) «المغني» ج ١/ ٧٨.
(٥) «المغني» ج ١/ ٩٨ حدث ١.
[ ٤ / ١٤١٤ ]
يأتيه ﷺ أَحَدٌ، حُرّ، أو عبد، أو أمة، إلا قام معه في حاجته».
قال العراقي: «أخرج البخاري تعليقا من حديث أنس «إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ وتنطلق به حيث شاءت» ووصله ابن ماجه … (^١) فجمع إلى عزو الحديث إلى البخاري، عزوه إلى ابن ماجه، لكون رواية البخاري معلقة، ورواية ابن ماجه موصولة، فتوضح سند المعلقة، وفي تخريج حديث أنه ﷺ لما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: «أنا النبي لا كذب ..» الحديث، وفيه: «فما رؤي أحد يومئذ أشد منه»» قال العراقي: «إن الحديث متفق عليه من حديث البراء، دون قوله: «فما رؤي أحد يومئذ أشد منه»»، ثم قال: وهذه الزيادة لأبي الشيخ، وله من حديث علي في قصة بدر: وكان من أشد الناس يومئذ بأسا (^٢)، فجمع بين عزو الحديث إلى الصحيحين وعزوه إلى أبي الشيخ ابن حَيَّان، لكون روايته تشتمل على زيادة ليست في الصحيحين، وهي موافقة للفظ الواردة في «الإحياء»، وعلى ضوء ذلك كله أستطيع أن أقرر: أن قول العراقي في مقدمة تخريجه هذا: أنه يكتفي بعزو الحديث إلى الصحيحين أو أحدهما ليس على إطلاقه كما هو ظاهر عبارته، وإنما هو مقيد بأمرين: أحدهما: أن يكون الحديث فيهما أو في أحدهما مسندا، وهذا لم يصرّح العراقي به ولكنه يعرف من واقع التخريج كما مثلت له، أما ثاني الأمرين: فقد صرّح به في قوله: «وحيث كان الحديث في أحد الستة لم أعزه إلى غيرها إلا لغرض صحيح؛ بأن يكون في
_________________
(١) و(^٢) «والمغني» ج ٢/ ٣٨٠ حديث ١٠.
[ ٤ / ١٤١٥ ]
كتاب التزم مخرجه الصحة أو يكون أقرب إلى لفظه في الإحياء» (^١) على أني وجدتُ العراقي قد يجمع بين عزو الحديث لأحد الكتب الستة، وبين عزوه إلى غيرها من المصادر لتحقيق غرض حديثي صحيح غير الغرضين المنصوص عليهما في كلامه السابق، فقد مر ضمن الأمثلة السابقة أنه قد عزا الحديث بجانب الصحيحين - وهما في مقدمة الكتب الستة - إلى غيرهما مما لم يلتزم فيه بتخريج الصحيح، وذلك لتصحيح خطأ، أو وصل حديث معلّق، وعليه يكون ذكره للغرضين السابقين ليس على سبيل الحصر، ولكن على سبيل المثال، ويُعتبر نصه عليهما دون غيرهما دليلا على أهميتهما في مجال التخريج، وعلى اعتنائه بإثبات قوة أحاديث الكتاب المخرج، وهو «الإحياء»، وبيان كتب السنة المشتملة على أحاديثه بألفاظها، أو بأقرب الألفاظ إليها، لكني وجدتُ الإمام الزبيدي شارح كتاب «الإحياء»، قد استدرك على العراقي في رعاية هذين الأمرين وكان محقًا في استدراكه، ففي تخريج حديث: «يتجلى الله لنا يوم القيامة ضاحكا، فيقول: أبشروا معشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديًا أو نصرانيا»، قال العراقي: «روى مسلم من حديث أبي موسى: «إذا كان يوم القيامة، دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فداؤك من النار»»، ثم أتبع ذلك بقوله: «ولأبي داود: أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة» الحديث، وقد استدرك عليه الزبيدي في هذا فقال: قلت: الذي رواه أبو داود من حديث أبي موسى: «أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في
_________________
(١) «المغني» جـ ١/¬٨ و٩.
[ ٤ / ١٤١٦ ]
الآخرة، إنما عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل، والقتل، والبلايا» (^١)، وكذلك رواه الطبراني والحاكم، ثم قال الزبيدي: «ولا يخفى أن هذا السياق، (أي سياق رواية أبي داؤد)، لا يناسب هنا، وإنما المناسب ما رواه الخطيب في «المتفق والمفترق» وابن النجار من حديث ابن عباس بسند ضعيف: «أُمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة، إذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من أمتي رجلا من أهل الأديان فكان فداءه من النار»» (^٢)، ثم قال العراقي: «وأما أول الحديث، يعني الوارد في الإحياء، فرواه الطبراني من حديث أبي موسى أيضًا «يتجلى الله ربنا لنا ضاحكًا يوم القيامة حتى ينظروا إلى وجهه فيخروا له سجدًا، فيقول: ارفعوا رؤوسكم فليس هذا يوم عبادة»، وفيه علي بن زيد بن جدعان» (^٣).
وقد استدرك الزبيدي أيضًا على العراقي في ذلك، فأورد حديثًا عزاه إلى الإمام أحمد في «مسنده» وإلى أبي بكر الآجري في «كتاب الشريعة» بسنده، عن أبي موسى قال: «قال رسول الله ﷺ يجمع الله الخلق يوم القيامة» الحديث. وفيه: «فيتجلى لهم ضاحكا فيقول: أبشروا معاشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديًا أو نصرانيا». ثم عقب الزبيدي قائلا: «فهذا الذي سقناه هو الأقرب إلى سياق المصنف، من الحديث الذي ساقه العراقي من عند الطبراني» (^٤).
_________________
(١) انظر «سنن أبي داؤد» ج ٢/ ٢٠٦ و٢٠٧ كتاب الفتن.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١٠/ ٥٥٨.
(٣) «المغني» ج ٤/ ٥٢٩.
(٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ١٠/ ٥٥٨.
[ ٤ / ١٤١٧ ]
وفي تخريج حديث: «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومن شاء الله معهم من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا بلى، فيقولون، ما أغنى عنكم إسلامكم إذا أنتم معنا في النار؟ فيقولون: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فيسمع الله ﷿ ما قالوا، فيأمر بإخراج من كان في النار من أهل القبلة فيخرجون، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما أخرجوا، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]».
قال العراقي: «رواه النسائي في «الكبرى» من حديث جابر نحوه، بإسناد صحيح» (^١)، وبذلك خرج الحديث بلفظ مقارب، لا بلفظه الوارد في «الإحياء» وعزاه إلى «السنن الكبرى» للنسائي، ولم يلتزم مؤلفها فيها بالصحة كما قرره العراقي (^٢)، ولذلك احتاج إلى الحكم من جانبه هو بصحة إسناد النسائي، بينما الحديث موجود في مصدر ملتزم فيه بالصحة، باعتراف العراقي نفسه، أيضًا وهو «مستدرك الحاكم» (^٣) وبلفظ موافق للفظ الحديث في «الإحياء» وقد استدرك الزبيدي عليه في ذلك فقال: «قلت: سياق المصنف، أي لفظ الحديث الذي أورده الغزالي، رواه ابن أبي عاصم في (السنة) وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه والحاكم وصححه … . من حديث أبي موسى الأشعري مع زيادة في أوله …» ثم قال «وأما حديث
_________________
(١) «المغني» ج ٤/ ٥٢٩.
(٢) انظر «التدريب» ٤/¬٤٩.
(٣) «تقريب الأسانيد» للعراقي/ ٣ و«شرحه لألفيته» ج ١/¬١٩ والمستدرك للحاكم ٢/ ٢٤٢ كتاب التفسير وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
[ ٤ / ١٤١٨ ]
جابر الذي أشار إليه العراقي فلفظه: إن أناسًا من أمتي يُعذَّبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم، نفعكم، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله تعالى من النار، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢] (^١)، ونلاحظ أن سياق هذه الرواية غير موافق فعلا لسياق الرواية التي أوردها الغزالي، وإن كان بمعناها، بينما سياق الرواية التي أشار إليها الزبيدي موافق لسياق المصنف، بأكثر ألفاظه، بحسب مراجعتي لها في المستدرك، وهي مخرجة في مصدر ملتزم الصحة، وهو «مستدرك الحاكم» وبسند صرح الحاكم بصحته، وأقره الذهبي (^٢)، وقد خرجها كذلك من قبل الزبيدي الحافظ السيوطي فعزاها للمستدرك وغيره مما عزاها الزبيدي إليه، مع سياق لفظها (^٣)، وفي تخريج حديث كفارة المجلس، اقتصر العراقي على عزوه للنسائي في (عمل اليوم والليلة) بإسناد حسن (^٤) بينما هو نفسه قد عزاه في كتابين له هما: شرح ألفية المصطلح، والنكت على ابن الصلاح إلى الترمذي وابن حبان، والحاكم، وقرر أنهم صححوه، على تخريج الإحياء، يعني الكبير، لعدم وجود ما أحال به في الصغير (^٥).
وعليه فإن العراقي لم يُراع في تخريج هذا الحديث أيا من الغرضين اللذين نص على رعايته لهما.
_________________
(١) إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٥٥٩.
(٢) المستدرك مع تلخيص الذهبي ٢/ ٢٤٢.
(٣) الدر المنثور للسيوطي ٤/ ٩٢، ٩٣.
(٤) المغني ١/ ٣٣٣ حديث ١١.
(٥) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ١٠٧ ونكته على ابن الصلاح/ ١١٨.
[ ٤ / ١٤١٩ ]
ثم إن التدرج في العزو إلى المصادر والتخريج منها، الذي قرر العراقي انتهاجه في هذا التخريج، يختلف عما انتهجه قرينه ابن الملقن في تخريجه لأحاديث «الشرح الكبير» للرافعي، حيث إن العراقي قرر أنه إذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو احدهما، عزاه إلى بقية الكتب الستة، وحيث كان الحديث في أحد الستة لم يعزه إلى غيرها، إلا لغرض صحيح كما تقدم توضيحه، فاعتبر بذلك المصادر الحديثية التي يخرج منها ثلاث درجات.
أولاها: الصحيحان.
وثانيتهما: بقية الكتب الستة، وهي السنن الأربعة.
والثالثة: غير الستة من كتب الحديث وعلومه، سواء الملتزم فيه منها بالصحة، كصحيحي ابن خزيمة وابن حبان «وكمستدرك الحاكم»، أو غير الملتزم بالصحة، كالمسانيد، والمعاجم، وكتب الرجال، والتخريج، وغيرها.
وبهذا التقسيم والتدرج جعل العراقي عزو الأحاديث إلى السنن الأربعة وتخريجها منها، مقدما على عزوها وتخريجها من المصادر التي التزمت الصحة، غير الصحيحين، ولهذا تجده في تخريج الحديث الثالث في كتاب «الإحياء»، وهو حديث «نعوذ بالله من علم لا ينفع» يقول: «أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بإسناد حسن» (^١)، فاكتفى بتخريجه من سادس الكتب الستة وأحد السنن الأربعة، وهو سنن ابن ماجه، مع أنه موجود في «صحيح ابن حبان» من حديث جابر أيضا بلفظ: «اللهم
_________________
(١) «المغني بهامش الإحياء» جـ ١/¬٩.
[ ٤ / ١٤٢٠ ]
إني أسألك علما نافعا، وأعوذ بك من علم لا ينفع» (^١).
أما ابن الملقن فلم يجعل المصادر التي خرج منها وعزا إليها في تخريجه لشرح الرافعي، ثلاث درجات كما فعل العراقي، بل جعلها درجتين فقط.
أولاهما: الصحيحان.
وثانيتهما: بقية كتب السنة وعلومها، بما في ذلك السنن الأربعة والكتب التي التزمت الصحة، غير الصحيحين.
وذلك أنه في مقدمة تخريجه المذكور قال: «فإن كان الحديث أو الأثر في صحيحي البخاري ومسلم أو أحدهما، اكتفيتُ بعزوه إليهما، أو إليه، ولا أعرج على من رواه غيرهما من باقي أصحاب الكتب الستة. والمسانيد والصحاح، لأنه لا فائدة في الإطالة بذلك .. اللهم إلا أن يكون في الحديث زيادة عندهم، والحاجة داعية إلى ذلك، فأشفعه بالعزو إليهم، وإن لم يكن الحديث في واحد من الصحيحين، عزيته إلى من خرجه من الأئمة، كمالك في «موطئه»، والشافعي في «الأم» … وعدد باقي مصادره من كتب السنة وعلومها، بما في ذلك السنن الأربعة، والصحاح: لأبي عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم» (^٢).
وبهذا جعل التخريج من السنن الأربعة، ومن الكتب التي التزمت الصحة غير صحيحي البخاري ومسلم، في منزلة واحدة، ولكن ما انتهجه العراقي
_________________
(١) انظر ثبت الشيخ الأمير الكبير/ ١٧، والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ١٤٩ كتاب العلم - باب: «ما يجب على المرء أن يسأل الله جل وعلا …» اط الحوت.
(٢) انظر: «البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» ج ١/¬٨ ب - ١٠ ب.
[ ٤ / ١٤٢١ ]
من تقديم السنن الأربعة في التخريج والعزو على ما سوى الصحيحين من كتب الصحاح، هو الموافق لما قرره شيخه مغلطاي وغيره من المحدثين: «أنه لا يجوز أن يعدل عن الستة، ويعزو حديثًا إلى غيرها مع وجوده في شئ منها، إلا إذا كان فيه زيادة أو نحو ذلك» (^١).
وذكر المناوي أن ذلك يعتبر قانونًا معروفًا بين المحدثين (^٢)، لكني وجدت العراقي أحيانًا يخرج الحديث من غير الكتب الستة، مما يُعتبر من مصادر الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وبسند ضعيف، مع وجود هذا الحديث بالسياق الوارد في «الإحياء»، في مصدر ملتزم الصحة، وبسند مصحح، ففي تخريج حديث عقبة بن عامر «تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، فمنهم من يبلغ عرقه عقبه، ومنهم من يبلغ نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبته، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ فاه، وأشار بيده فألجمها فاه، ومنهم من يغطيه العرق، وضرب بيده على رأسه هكذا» (^٣)، قال العراقي: «رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة» (^٤) أي أن في سنده ضعفا، لأن ابن لهيعة متكلّم فيه، كما قدمت في بحث «التخريج الكبير».
وقد استدرك الزبيدي على العراقي في هذا فقال: «قلت: هذا السياق أي السياق الوارد في «الإحياء»، هو للحاكم، أما سياق أحمد المشار إليه فهو:
_________________
(١) «فيض القدير»، ج ١/ ٨٥، ١٩١.
(٢) «فيض القدير»، ج ٢/ ٣٧٨.
(٣) «الإحياء»، ج ٤/ ٤٩٨.
(٤) «المغني بهامش الإحياء»، ج ٤/ ٤٩٨.
[ ٤ / ١٤٢٢ ]
«فمن الناس من يبلغ عرقه كعبيه، ومنهم من يبلغ نصف الساق ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ حلقه، ومنهم من يلجمه، ومنهم من يغمره»» (^١).
وبهذا ترى أن العراقي قد ترك عزو الحديث إلى المصدر الذي التزم الصحة وهو (مستدرك الحاكم) مع كونه ورد فيه بنفس سياق «الإحياء» وبسند صححه الحاكم وأقره الذهبي، وأضيف: أن ابن حبان قد شارك الحاكم في تخريج الحديث أيضا، بل إني وجدت أصل الحديث في «صحيح مسلم» (^٢).
ومع هذا اقتصر العراقي على عزو الحديث لمسند أحمد وهو غير الكتب الستة، والحديث وارد فيه بسند فيه ضعف، وبغير سياق «الإحياء».
وأيضًا في تخريج حديث «أكرموا الخبز» قال العراقي: «رواه البزار والطبراني وابن قانع من حديث عبد الله بن أم حرام، بإسناد ضعيف جدا، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (^٣)، بينما نجد الحديث بهذا اللفظ عند الحاكم في «المستدرك» وصححه، وأقره على تصحيحه الذهبي وغيره من الحفاظ (^٤)، فكان على العراقي بمقتضى منهجه، أن يُؤثر عزو الحديثين السابقين إلى «مستدرك الحاكم»، ولكنه لم يفعل كما رأيت، وهذا مما ينتقده
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١٠/ ٤٥٨.
(٢) يُنظر المستدرك - الأهوال ٤/ ٥٧١ والإحسان لابن بلبان - باب الإخبار عن البعث ٩/ ٢١٤ ط الحوت، و«صحيح مسلم» كتاب الجنة وصفة نعيمها/ ح ٢/ ١٥٨ ط الشعب.
(٣) «المغني بهامش الإحياء» ج ٢/¬٤ حديث ٥.
(٤) ينظر المستدرك للحاكم كتاب الأطعمة ٤/ ١٢٢، و«الجامع الصغير» للسيوطي ج ١/ ١٥٤ و«فيض القدير» للمناوي ج ٢/ ٩١، وهـ تنزيه الشريعة، ج ٢/ ٢٤٥.
[ ٤ / ١٤٢٣ ]
المخرجون، ويعدونه قصورًا في التخريج، لأنه كما قرر العراقي نفسه وغيره، يتطلب العزو ما أمكن إلى المصدر الوارد فيه الحديث بسند صحيح، وبلفظ مقارب إلى اللفظ الوارد في الكتاب المخرج» (^١).
أما في تخريج حديث «خير دينكم أيسره، وأفضل العبادة الفقه» فقد قال العراقي: «رواه ابن عبد البر من حديث أنس بسند ضعيف، والشطر الأول، (يعني «خير دينكم أيسره») عند أحمد من حديث محجن بن الأدرع بإسناد جيد» (^٢).
وقد أضاف الزبيدي تخريج حديث محجن هذا، من أربعة مصادر أخرى غير مسند أحمد وهي: «مسند أبي داود الطيالسي» «والأدب المفرد» للبخاري «والمعجم الكبير» للطبراني «والمسند» لأبي بكر بن أبي شيبة وخرجه أيضًا من طريق صحابي آخر غير محجن وهو «بريدة»، وذلك من «مسند مسدد»، ومن طريق صحابي ثالث، هو عمران بن الحصين، وذلك من «المعجم الكبير» للطبراني، ومن طريق صحابي رابع، وهو أنس بن مالك وذلك من عند الطبراني في «المعجم الأوسط» وابن عدي في «الكامل» والضياء المقدسي في «المختارة» ثم عقب على ذلك بأن اقتصار العراقي على تخريج الحديث من طريق صحابي واحد هو محجن، ومن مصدر واحد هو «مسند أحمد»، يعتبر قصورًا ظاهرا (^٣)، وأنا مع الزبيدي في أن العراقي ﵀ استروح في تخريج الحديث من «مسند أحمد» فقط،
_________________
(١) انظر (المغني بهامش الإحياء) ج ١/¬٩ و«فيض القدير» ج ١/¬٢٩، ٥١٨ وج ٢/ ٥٢٦.
(٢) «المغني بهامش الإحياء» ج ١/¬١٣ حدث ١٢
(٣) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٨٣
[ ٤ / ١٤٢٤ ]
لأن ذلك مخالف لمنهجه في هذا التخريج، حيث إن الحديث موجود بمثل رواية أحمد في كتاب «المختارة» الذي قرر العراقي بنفسه أن مؤلفه قد التزم فيه الصحة (^١)، وهو قد صرح في مقدمة تخريجه بأنه يعتني بتخريج الحديث من المصادر التي التزمت الصحة، غير الكتب الستة كما قدمت بيانه، أما نسبة القصور إلى العراقي في غير هذا مما ذكره الزبيدي، فلست أقره عليه، لأنه ليس داخلا في إطار منهج العراقي في هذا التخريج، حيث إنه لم يلتزم فيه لا باستيعاب رواة الحديث من الصحابة، ولا باستيعاب المصادر المخرج فيها الحديث، بل صرح في المقدمة أنه اختصره غاية الإختصار (^٢).
وأما التوسع والاستيعاب، فهو من مميزات تخريجه الكبير كما تقدم في بحثه.
ثم إن العراقي قد بين مراده بعزو الحديث إلى صاحب المصدر المخرج منه فقال: «وحيث عزوت الحديث لمن خرجه من الأئمة فلا أريد ذلك اللفظ بعينه، بل قد يكون بلفظه، وقد يكون بمعناه، أو باختلاف على قاعدة المستخرجات» (^٣) ولعل الإمام الزبيدي لم يتنبه لهذا البيان من العراقي فاستدرك عليه في عزو بعض الأحاديث إلى بعض المصادر، بأنها ليست فيها بنفس سياق الحديث في «الإحياء»، ففي تخريج حديث أنس بن مالك ﵁ «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب».
_________________
(١) انظر هـ التقييد والإيضاح، له/ ٢٤.
(٢) «المغنى بهامش الإحياء»، جـ ١/¬٩.
(٣) «المغني» ج ١/¬٩ وسيأتي تعريف المستخرجات وقاعدتها في موضعها من مؤلفات العراقي.
[ ٤ / ١٤٢٥ ]
قال العراقي: «رواه أبو داود بإسناد حسن» (^١)، فاستدرك الزبيدي عليه في هذا، فذكر أن الغزالي تبع صاحب القوت، في سياق الحديث باللفظ المذكور.
ثم قال: «والحافظ العراقي سكت عليه، وعزاه بهذا السياق إلى أبي داود والذي في «سننه» من رواية موسى بن خلف عن قتادة عن أنس رفعه «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة … (^٢)، فلو أن الزبيدي تنبه إلى بيان العراقي في مقدمة التخريج المراده بعزو الأحاديث إلى المصادر، لما قال إنه عزا هذا الحديث بهذا السياق الوارد في «الإحياء» إلى «سنن أبي داود»».
وفي تخريج حديث الضيافة ثلاثة، فما زاد فصدقة» قال العراقي: متفق عليه من حديث أبي شريح الخزاعي (^٣)، فخرج الزبيدي اللفظ المذكور من عند البخاري في «صحيحه» وأحمد وأبي داؤد، ثم قال: «وقول العراقي: «إنه متفق عليه من حديث أبي شريح»، كأنه يريد معناه، لا لفظه» (^٤) فلو أن الزبيدي وضع في الإعتبار تصريح العراقي بأنه لا يقصد عزو نفس لفظ الحديث كما في «الإحياء»، لما تعقبه بقوله: «كأنه يريد معناه لا لفظه»، على أن تنبيه العراقي إلى أنه لا يقصد عزو نفس لفظ الحديث كما في «الإحياء»
_________________
(١) «المغني» ج ١/¬٣٨ حديث ٥.
(٢) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ٢٣٣.
(٣) «المغني» ج ٢/¬١٩ حدث ١.
(٤) «إتحاف السادة المتقين» ج ٥/ ٢٦١.
[ ٤ / ١٤٢٦ ]
إلى المصادر التي يذكرها، مُنْصَبٌّ على حالات العزو المطلق كما في المثالين السابقين، لأنه يعتني كثيرًا ببيان الألفاظ الواردة في المصادر المخرج منها، ووجوه الإتفاق، والإختلاف، والزيادة، والنقص، بينها وبين اللفظ المذكور في «الإحياء» كما سيأتي توضيحه.
هذا وقد وجدت العراقي أحيانًا يحدد موضع الحديث في المصدر المخرج منه، مثلما في تخريج حديث «لما قيل له ﷺ: من أكرم الناس، من أكيس الناس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا» الحديث، فقد قال العراقي: «رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر دون قوله: «من أكرم الناس» ثم قال: «وهو بهذه الزيادة عند ابن أبي الدنيا في «ذكر الموت»، آخر الكتاب» (^١).
وهذا التحديد الموضع الحديث في الكتاب، يعتبر دقيقًا بالنسبة لعصر العراقي، حيث لم تكن هناك طباعة للكتب، ولا حتى ترقيم عددي الصفحات المخطوطات، ولهذا فإنه لم يلتزم هذا التحديد عمومًا، بل جرى مجرى الكثيرين من معاصريه، في العزو المطلق إلى المصادر المخرج منها، دون تحديد موضع المنقول، أما قرين العراقي ابن الملقن، فقد بين في مقدمة تخريجه السالف الذكر، أنه بالنسبة إلى الكتب المؤلفة على الأبواب، إذا كان الحديث في مظنته منها أطلق العزو إليها، وإن لم يكن في مظنته حدّد الباب الموجود فيه من الكتاب (^٢).
ولا شك أن هذا يسهل على الباحث الرجوع إلى مكان الحديث في المصدر
_________________
(١) «المغني»، ج ٣/ ٣٦٤ حديث ٢.
(٢) انظر: «البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» لابن الملقن ج ١/¬١٠ ب.
[ ٤ / ١٤٢٧ ]
المخرج منه، ولذا فإنه أدق وأفيد من عدم التحديد كلية.
وكثيرا ما وجدت العراقي لا يذكر الكتاب الذي خرج منه الحديث مع علمه به، ولكنه يكتفي بذكر مؤلف الكتاب فقط، مثلما في تخريج حديث معاذ ﵁: «تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية» (الحديث) فقد قال العراقي: «رواه أبو الشيخ ابن حيان في «كتاب الثواب»، وابن عبد البر وقال: ليس له إسناد قوي» (^١)، فعزا الحديث إلى ابن عبد البر، ونقل كلامه عن سنده، ولكنه لم يذكر الكتاب الذي أورده فيه ابن عبد البر، مع أنه ذكره في «نكته على كتاب ابن الصلاح» حيث قال: فروى ابن عبد البر في كتاب «بيان آداب العلم» … وساق الحديث المذكور وكلام ابن عبد البر عن سنده (^٢)، ولعل مرجع هذا، أن العراقي في تخريجه التزم فقط بتحديد المؤلف الذي أخرج الحديث في بعض كتبه (^٣)، ولم يلتزم بتحديد الكتاب من بين الكتب المتعددة للمؤلف الذي عزا تخريج الحديث إليه، ويبدو أن السبب في عدم التزامه بهذا ما اصطلح عليه كثير من علماء التخريج، من أن بعض الأئمة متى عزي الحديث إليهم، انصرف إلى كتاب معين من مؤلفاتهم، وإن لم ينص عليه، فمثلا إذا قيل عن حديث: أخرجه البخاري ومسلم، كان المراد أنهما أخرجاه في صحيحيهما، وإذا قيل عن حديث: رواه الحاكم، كان المراد أنه رواه في «المستدرك على الصحيحين» (^٤)، وإذا قيل عن حديث:
_________________
(١) «المغني» ج ١/¬١٨.
(٢) «التقييد والإيضاح»، للعراقي/ ٦٠.
(٣) «المغني» ج ١/¬٨.
(٤) «الجامع الصغير» للسيوطي ج ١/¬٢.
[ ٤ / ١٤٢٨ ]
رواه البيهقي، كان المراد أنه رواه في (سننه الكبرى) (^١)، فجرى العراقي على هذا، ولكن كان ينبغي عليه التنبيه على ذلك في مقدمة تخريجه، كما فعل قرينه ابن الملقن (^٢)، وغيره (^٣).
وقد سبق لي أن نقدت العراقي في مثل هذا العزو المطلق إلى المؤلفين دون تحديد لمؤلفاتهم المنقول منها، بل إني وجدته في تخريج حديث «المؤمن لا يكون صمته إلا فكرًا، ونظره إلا عبرة، ونطقه إلا ذكرًا» يقول: لم أجد له أصلا، وروى محمد بن زكريا الغلايي (أحد الضعفاء) عن ابن أبي عائشة عن أبيه قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: «إن الله أمرني أن يكون نطقي ذكرًا، وصمتي فكرًا، ونظري عبرة» (^٤).
وبهذا لم يذكر لا المؤلف، ولا الكتاب الذي ورد فيه ما رواه محمد بن زكريا المذكور، ودفعًا لاحتمال سقوط ذلك من النساخ، رجعت إلى شرح الزبيدي للإحياء فوجدت نقله لكلام العراقي مطابقًا لما تقدم (^٥).
إلا أن ذلك لا يقدح في دقة العراقي وأمانته في الرجوع الفعلي إلى المصادر التي عزا الأحاديث المخرجة إليها، لأني بالبحث المفصل لم أجد استدراكًا عليه في هذا إلا نادرًا جدًا، مثلما في تخريج الحديث السابق، وفي تخريج حديث «من كره لقاء الله، كره الله لقاءه» حيث قال
_________________
(١) «خلاصة البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير» / لابن الملقن/ ١٨٩ أ.
(٢) انظر «خلاصة البدر المنير» له/ ١٨٩ أ.
(٣) انظر «الجامع الصغير» للسيوطي/ جـ ١/¬٢.
(٤) «المغني» جـ ٣/ ١٠٩ حديث ١.
(٥) انظر «إتحاف السادة المتقين» جـ ٧/ ٤٥٩، ٤٦٠.
[ ٤ / ١٤٢٩ ]
العراقي: «متفق عليه من حديث أبي هريرة» (^١).
فتعقبه الزبيدي قائلا: «قلت: هو متفق عليه من حديث عائشة ومن حديث أبي موسى، ومن رواية أنس عن عبادة بن الصامت، وأما حديث أبي هريرة، فرواه مسلم فقط والنسائي» (^٢)، ومعنى ذلك أن الحديث ليس موجودا في البخاري من رواية أبي هريرة، كما ذكر العراقي.
«تحقيق القول بتعاون العراقي مع الزيلعي في التخريج»
يتصل ببيان مصادر العراقي في هذا التخريج، ما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ حيث قال: «ذكر لي شيخنا العراقي أنه كان يرافقه في مطالعة الكتب الحديثية لتخريج الكتب التي كانا قد اعتنيا بتخريجها»، فالعراقي لتخريج أحاديث «الإحياء»، والأحاديث التي يشير إليها الترمذي في الأبواب، والزيلعي «لتخريج أحاديث الهداية، وتخريج أحاديث الكشاف»، فكان كل منهما يعين الآخر (^٣)، وقال في ترجمته لشيخه العراقي: «ولع بتخريج أحاديث «الإحياء»، ورافق الزيلعي في تخريجه «أحاديث الكشاف» و«أحاديث الهداية»، فكانا يتعاونان» (^٤).
وقد أقر ابن حجر على ذلك غير واحد ممن جاء بعده (^٥).
_________________
(١) «المغني»، ج ٣/ ٤٣٤.
(٢) «إتحاف السادة المتقين»، ج ١٠/ ٢٢٢.
(٣) «الدرر الكامنة»، لابن حجر ج ٢/ ٤١٧.
(٤) «ذيل الدرر الكامنة» / ٧٠.
(٥) انظر «الأعلام»، ج ٤/ ٢١٩ أو «طبقات الشافعية» / ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة =
[ ٤ / ١٤٣٠ ]
وعندما قمت بقراءة معظم تخريج الزيلعي «الأحاديث تفسير الكشاف» - وهو تخريج ما يزال مخطوطًا حتى الآن (سنة ١٣٩٨ هـ) - وجدت به إشارتين من الزيلعي إلى هذا الترافق والتعاون مع العراقي في عملية التخريج، ففي تخريج حديث «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه» قال الزيلعي: «قلت: غريب مرفوعًا، وذكره الغزالي كذلك مرفوعا في موضعين من كتابه «إحياء علوم الدين»، ولم نجده إلا من قول يونس بن عبيد، رواه البيهقي في «شعب الإيمان» في الباب ٦٦ عن عبد الله بن عمر الرقي عن يونس بن عبيد سمعت الحسن يقول: … فذكره، ورواه أبو نعيم في «الحلية» من قول سفيان الثوري، في ترجمته (^١) فقول الزيلعي: «ولم نجده، يفيد إشتراك غيره معه في البحث عن هذا الحديث، بدليل أنه يقول في غيره: «ولم أجده» (^٢)، ولما كان الحديث قد ورد في الإحياء كما قال الزيلعي، فإن هذا يدل على مشاركته في البحث عنه هو العراقي، لأنه كما قدمت كان الوحيد الذي تصدى لتخريج أحاديث «الإحياء» بأكمله، وفي نفس موطن وعصر الزيلعي، كما أني رجعت إلى كتاب «الإحياء» فوجدت الحديث فعلا قد ذكر فيه مرفوعًا في موضعين»» (^٣)، ورجعت أيضًا إلى تخريج العراقي له فوجدته بعد ذكر الحديث يقول: «لم» أجده مرفوعا، وإنما رواه ابن
_________________
(١) = و«بهجة الناظرين» للغزي/ ١٢٩، و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة» للعراقي.
(٢) «تخريج أحاديث الكشاف» للزيلعي/ مخطوط بدار الكتب المصرية برقم/ ١٣٢ حديث/ ١١٨ أ.
(٣) انظر «تخريج الكشاف» للزيلعي/ ٩ أ، ١٤٧ ب.
(٤) «الإحياء» ج ٢/ ٨٨، ١٤٢.
[ ٤ / ١٤٣١ ]
أبي الدنيا في كتاب «الصمت» من قول الحسن، وقد ذكره المصنف هكذا على الصواب في آفات اللسان (^١).
ومع أن ما قرره بشأن الحديث متفق مع ما قرره الزيلعي، إلا أنك تلاحظ أنه لم يشر لمشاركة غيره له في البحث عنه، حيث قال: «لم أجده»، كما أنه خرجه من كتاب «الصمت» لابن أبي الدنيا، وهو غير الكتاب الذي خرجه منه الزيلعي، وهو كتاب «شعب الإيمان» للبيهقي.
وفي تخريج الحديث الخامس من سورة الرعد، وهو قوله ﷺ عن القرآن: «ولا تجعله علينا ماحلا مصدقا».
قال الزيلعي: «قلت: غريب بهذا اللفظ»، والذي وجدناه في الحديث المرفوع: القرآن شافع مشفع، وما حل صدق (^٢)، فقوله «والذي وجدناه» يدل على مشاركة غيره له في البحث عن هذا الحديث أيضًا، بدليل قوله عن غيره: «وأقرب ما وجدته كذا» (^٣)، وبالرجوع إلى تخريج «الإحياء» للعراقي نجده قد خرج الحديث المذكور من نفس المصدر الذي خرجه منه الزيلعي (^٤).
فهذا يدل على المشاركة بينهما، وإن لم يصرح بها العراقي كما صرح الزيلعي، كما أني وجدتهما يتفقان تمامًا في عدة مواضع في المصادر المخرج
_________________
(١) «المغني بهامش الإحياء» جـ ٢/ ٨٨.
(٢) «تخريج الكشاف»، للزيلعي/ ١٢٤ أ.
(٣) «تخريج الكشاف»، للزيلعي/ ٥٨ ب.
(٤) «المغني» جـ ٢/ ٢٧٩.
[ ٤ / ١٤٣٢ ]
منها الحديث (^١)، إلا أني قرأت «التخريج الصغير» للإحياء جميعه، وقرأت المجلد الأول من «تكملة شرح الترمذي» للعراقي، وقرأت أكثر من مجلد من أثنائه، فلم أجد خلال ذلك تصريحًا من العراقي بأن الزيلعي قد أفاده تخريج حديث أو دله على المصدر الموجود فيه، كما أني قرأت معظم «تخريج الزيلعي لأحاديث الهداية» فلم أجد تصريحًا منه بشيء من ذلك أيضًا، بل إني وجدت بعض مواضع كان يلزمهما فيها التعاون فلم أجدهما فعلاه.
مثال ذلك: «أن الغزالي أورد في «الإحياء» حديث «ليس على مستكره طلاق» فلم يخرجه العراقي كلية (^٢)، بينما الزيلعي قد خرجه في «تخريج أحاديث الهداية» (^٣)، فكان مقتضى تعاونهما معًا أن يخرجه العراقي إستفادة من رفيقه الزيلعي، وهناك أيضًا: حديث النهي عن الإغتسال بالماء المشمس من رواية ابن عباس، فقد كانت هذه الرواية كما قدمت في الباب الأول مما أعيا الحفاظ المشتغلين بالتخريج في مصر والشام الوقوف عليها مسندة في مصدر حديثي، وقد سئل العراقي في رحلته الأولى للشام عن تلك الرواية فخرجها لمن سأله، من مشيخة القاضي أبي بكر الأنصاري، واعترف الحافظ ابن كثير، شيخ العراقي باستفادة ذلك منه، فكان مقتضى التعاون العلمي بين الزيلعي والعراقي استفادة الزيلعي منه تخريج هذه الرواية التي شغلت الجميع، كما استفادها منه غيره، ولكن عندما نرجع إلى تخريج الزيلعي لأحاديث
_________________
(١) انظر: نصب الراية للزيلعي، جـ ١/ ١٠٤، ١٠٥ حديث «إذا بلغ الماء قلتين»، وقارنه بالمغني بهامش الإحياء، جـ ١/ ١٣٤ وجـ ٤/ ٤١٣، ٤١٤ من «نصب الراية»، وقارن بالمغني، جـ ٢/ ٢١٣ حديث/ ١٠.
(٢) «الإحياء وبهامشه المغني»، جـ ١/¬٣٣.
(٣) «نصب الراية»، جـ ٣/ ٢٢٤.
[ ٤ / ١٤٣٣ ]
الهِدايَةِ» لا نجد به تخريج رواية ابن عباس هذه كلية (^١)، كذلك وجدت أنَّ الزيلعي والعراقي قد يتفقان في تخريج الحديث من مصدر واحد ولكن أحدهما يبين درجة الحديث والآخر لا يبينها (^٢)، ومقتضى التعاون أن يستفيد كل منهما من الآخر في تلك النقطة الهامة في علم التخريج، وعلى ضوء هذا كله يمكن القول: إن ترافق وتعاون الزيلعي والعراقي في مجال التخريج كان في بعض الأحيان، وكان مقتصرا على التقائهما معا في بعض مجالس، يتناوبان فيها - على ما يبدو - قراءة بعض كتب السنة، لتخفيف مشقة قيام كل منهما بذلك منفردا، وعند مرور أيهما في القراءة على حديث مطلوب، يقوم المحتاج إليه منهما بنقله وتقييده، فيما هو مشتغل بتخريجه، وهكذا، ثم يقوم كل منهما على انفراد، باستكمال بحوث تخريج أحاديث الكتاب المشتغل بتخريجه، ويعتبر القدر المذكور من تشاركهما في الإطلاع والبحث أنموذجا طيبا ورائدا للتعاون العلمي الصادق بين المشتغلين بعلوم السنة، كما أنه يدل كما قدمت في الباب الأول على أريحية كل من الزيلعي والعراقي، وتقدير كل منهما للآخر، رغم اختلاف المذهب الفقهي، حيث إن الزيلعي حنفي والعراقي شافعي، وقد كان الخلاف المذهبي - حينذاك - مثارًا للعداء الشديد ورغم أن الزيلعي بمنزلة شيوخ العراقي، ويرد هذا أيضا - كما قدمت - القول بتأخر العراقي وتراخيه في طلب السنة على وجهها، ولا سيما إذا راجعنا
_________________
(١) انظر «نصب الراية» للزيلعي جـ ١/ ١٠١ - ١٠٣.
(٢) انظر «نصب الراية» / جـ ١/ ٣٤٨ حديث «اللهم ارحم خلفائي»، وقارن «بالمغني بهامش الإحياء» جـ ١/¬١٨، وانظر «تخريج أحاديث الكشاف» للزيلعي/ ١٥٢ ب حديث ٧ وقارن «بالمغني بهامش الإحياء» جـ ٢/¬١٢، ١٣، ٣٥٣، ١٥٩ أ حديث ١٣ من «تخريج الكشاف، وقارن بالمغني» جـ ٣/¬٧.
[ ٤ / ١٤٣٤ ]
ما قدمته من بحوثه وآرائه التي تضمنها تخريجه الكبير، الذي كان باكورة مؤلفاته في السنة، وخلاصة عمله في تلك الآونة.
«معارضة القول بانتفاع العراقي في التخريج بمؤلفات تلميذه الهيثمي»
يتصل أيضًا ببيان مصادر العراقي في هذا التخريج، ما ذكره الحافظ ابن حجر، وتلميذه السخاوي من انتفاع العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» وغيره، بمؤلفات تلميذه الحافظ نور الدين الهيثمي السابق التعريف به، فقد ذكر ابن حجر في ترجمته للهيثمي: أنه جمع كلا من زوائد مسانيد أحمد وأبي يعلى والبزار ومعاجم الطبراني الثلاثة، ثم جمعهم بعد حذف الأسانيد في كتابه المعروف «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» وذكر أيضًا تأليفه لترتيب أحاديث «حلية الأولياء» لأبي نعيم، ولترتيب كتابي الثقات، لكل من ابن حبان والعجلي، ثم أعقب ابن حجر ذلك بقوله: «وكان الشيخ (أي العراقي)، يستعين به، (أي بالهيثمي)، في عمل هذه التصانيف لينتفع، أي العراقي، بها فيما يجمعه، ويشرحه، وخصوصًا تخريج أحاديث الإحياء، وتخريج ما يقول الترمذي فيه: وفي الباب» (^١).
وقال السخاوي: «إن العراقي استروح فيما بَعُدُ بما عمله الهيثمي من المؤلفات، سيما «مجمع الزوائد» (^٢)، وهذا يفيد أن العراقي اعتمد في «تخريج أحاديث الإحياء»، على مؤلفات الهيثمي المذكورة، ولكني قدمت في التعريف بالهيثمي معارضتي لهذا من أربعة أوجه (^٣)، ثم وعدت بإضافة
_________________
(١) «ذيل الدرر الكامنة» ١/ ٨٥، ٨٦.
(٢) ، (^٣) انظر ص ٤٨٩ وما بعدها.
[ ٤ / ١٤٣٥ ]
المزيد هنا فأقول: «إني قد قرأت جميع «التخريج الصغير» للإحياء غير مرة، فلم أجد العراقي - رغم أمانته في النقل، والتزامه العام بالعزو إلى مصادره - كما تقدم - لم أجده أشار أية إشارة لاستفادة شئ من تلميذه الهيثمي، أو من أي مؤلف من مؤلفاته، بينما وجدت العكس، وهو تصريح الهيثمي بالإستفادة من شيخه العراقي، وذلك في «مجمع الزوائد»، وهو الصورة النهائية لجمع الهيثمي للزوائد، كما أنه الكتاب الذي نص السخاوي على استفادة العراقي به كما مر».
ففي تخريج حديث «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة» قال الهيثمي: «رواه الطبراني في «الأوسط»، وأخبرني سيدي وشيخي (يعني العراقي) أن إسناده صحيح» (^١)، ثم نقل ذلك عن الهيثمي من بعده (^٢)، وإذا كان الحافظ ابن حجر قد ذكر «تخريج الإحياء» في مقدمة المؤلفات التي انتفع العراقي فيها بمؤلفات الهيثمي، دون أن يذكر لنا مثالًا واحدًا لذلك، فإن الحافظ المناوي قد أثبت عكس ذلك مؤيدًا بالأمثلة، حيث صرح في تخريج أحاديث كثيرة بتبعية الهيثمي في «مجمع الزوائد»، لما قرره شيخه العراقي في هذا «التخريج الصغير» (^٣)، وهو آخر مؤلفات العراقي الثلاثة في تخريج الإحياء، وقد فرغ منه في زمن متأخر من حياته، وهو سنة ٧٩٠ هـ كما تقدم،
_________________
(١) «مجمع الزوائد» للهيثمي ج ٣/ كتاب الزكاة/ باب زكاة أموال الأيتام.
(٢) «فيض القدير» ج ١/ ١٠٨، ١٠٩.
(٣) انظر «فيض القدير» ج ١/ ٦٩، ١٠٩ وقارن «بمجمع الزوائد» ج ٣/ كتاب الزكاة/ باب زكاة أموال الأيتام، و«فيض القدير» ج ٢/ ٢٤٩، ٣٨٥، ٤٨٧ وقارن «بالمغني بهامش الإحياء» ج ٣/¬٢٩.
[ ٤ / ١٤٣٦ ]
كما أني وجدت بعض أمثلة تنافي انتفاع العراقي في هذا التخريج بمجمع الزوائد لتلميذه الهيثمي، ففي تخريج حديث «اتسع في السماء» ذكر العراقي حديث خالد بن الوليد «ارفع إلى السماء، واسأل الله السعة» وعزاه إلى الطبراني ثم قال: «في إسناده لين» (^١)، بينما نجد الهيثمي في «مجمع الزوائد» قد خرَّج الحديث من عند الطبراني أيضًا فقال: «رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن» (^٢)، فلو أن العراقي اعتمد على كتاب الهيثمي لما أهمل ذكر السند الحسن الذي أشار إليه الهيثمي، لأن قواعد التخريج كما تقدَّم، تقضي عند الاختصار، أن يقدم تخريج الحديث بالسند الأقوى، أو يكتفي به.
ثم إن هناك تصريحات متعددة من العراقي، برجوعه المباشر للمصادر التي خرج الهيثمي منها «مجمع الزوائد» (^٣)، كما أن من الرواة من صرَّح الهيثمي في «المجمع» بأنه لا يعرفه، بينما نجد العراقي قد بيَّنه في «تخريجه الكبير للإحياء»، وذلك في تخريج حديث «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» فقد أخرجه العراقي في «الكبير» من مسند الإمام أحمد، من رواية أبي عبد الله الأسدي عن أنس رفعه، ثم قال العراقي: «وأبو عبد الله الأسدي قال أبو حاتم: مجهول، تفرَّد عنه يحيى بن أيوب المصري».
وعقب على ذلك بقوله: «وهو معروف، وسماه بعضهم: عيسى بن
_________________
(١) «المغني»، ج ٤/ ٢٣١ حديث ٦.
(٢) «مجمع الزوائد» ١٠/ ١٦٩ و«فيض القدير» ج ١/ ٤٧٦.
(٣) انظر مثلًا «المغني»، ج ٣/ ٣٦٥.
[ ٤ / ١٤٣٧ ]
عبد الرحمن (^١)، أما الهيثمي فإنه بعد تخريج الحديث بالعزو إلى أحمد، وذلك. في (المجمع) قال: وأبو عبد الله الأسدي، لم أعرفه .. (^٢).
وهكذا توافرت الأدلة والشواهد على دفع القول بانتفاع العراقي في (تخريج أحاديث الإحياء) بمؤلفات تلميذه الهيثمي.
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٥٨.
(٢) (المجمع - كتاب الأدعية - باب دعاء المرء لأخيه ..) ١٠/ ١٥٢ وه إتحاف السادة المتقين» ج ١/ ١٥٨.
[ ٤ / ١٤٣٨ ]
شرط العراقي فيما التزم بتخريجه في الكتاب واهمية معرفته ونقده
مما يبين أهمية الوقوف على شرط العراقي في هذا الكتاب، وتوضيحه ما يلي:
١ - أن العراقي كما تقدم في تسمية الكتاب، جعل موضوعه الذي تفيده التسمية عامًا، يشمل تخريج أنواع الأخبار الواردة في الإحياء، دون استثناء في حين نجد واقع الكتاب أخص مما في العنوان.
٢ - أن العراقي كتب مقدمة الكتاب بعد الفراغ منه، وضمنها أهم اصطلاحاته، وعناصر منهجه، وختمها بتسميته للكتاب، ولكن لم يوضح في تلك المقدمة مقصوده «بالأخبار» فيما خرجه (^١)، مع أن المقدمة هي المكان المناسب، والمظنة القريبة لتوضيح هذا القصد، حتى يتفق الاسم مع المسمى، ويتطابق عنوان الكتاب مع مضمونه، ولو في الجملة، ويعرف القارئ منذ البداية ما شرط العراقي على نفسه أن يتصدى لتخريجه من أنواع الأخبار الواردة في الإحياء، وبالتالي لا ينتقده في ترك ما لم يلتزم بتخريجه، ولا يطالبه بغير ما شرط على نفسه الوفاء به.
٣ - أن الغزالي في إيراده للمرويات التي اعتمد عليها في الإحياء، لم يلتزم طريقة موحدة؛ حيث نجده عند سرده للأدلة، يضع عنوانا باسم «الأخبار» ويورد تحته أحاديث مصرحًا برفعها إلى النبي ﷺ، ويورد معها أيضًا مرويات أخرى عن غير النبي ﷺ، كما قدمته في مبحث تسمية الكتاب ثم يضع عنوانا آخر باسم (الآثار) ويضع تحته مرويات موقوفة، مصرحًا
_________________
(١) ينظر «المغني» بهامش «الإحياء» ١/¬٨، ٩.
[ ٤ / ١٤٣٩ ]
بنسبتها إلى الصحابة، أو مقطوعة مصرحا بنسبتها إلى التابعين، أو غيرهم، ويورد غير ذلك أيضا من أنواع الأخبار التي أشرت إليها في مبحث شرط العراقي في التخريج الكبير، وقد يورد تحته أيضا بعض أحاديث مصرحا برفعها إلى الرسول ﷺ (^١) وقد يطلق «الأثر» على الحديث المرفوع (^٢).
كما أنه قد يورد الحديث الواحد في موضعين متباعدين، ويصرح برفعه في موضع، ويوقفه على الصحابي أو من دونه في موضع آخر، أو يقتبسه أيضا في موضع متباعد في خلال كلامه هو، وبذلك لا يتيسر للقارئ الربط بين الحديث في الموضعين، إلا من خلال المراجعة التفصيلية للكتاب كله.
وقد يقول: حديث فلان من الصحابة، فمن دونهم، ويكون الحديث في: بعض مصادره المتداولة، قد روي عن هذا الصحابي موقوفا عليه، مرة، ومرفوعا منه إلى الرسول ﷺ مرة أخرى.
وقد يورد الغزالي الحديث بعبارة غير صريحة في إفادة رفع الحديث، مثل قوله: وفي «الخبر، أو الأخبار، كذا» أو «روي كذا» ثم يكون المذكور بعد هذه العبارة أو نحوها، قد روي في المصادر مرفوعا، وموقوفا أيضا، وقد يورده الغزالي بمثل هذه العبارات المحتملة للرفع وغيره، ثم يورده مرة أخرى في موضع آخر مصرحا برفعه.
وستأتي أمثلة توضيحية لما ذكرت، خلال هذا المبحث، وما بعده بإذن الله.
ومن أجل تنوع صنيع الغزالي هكذا، أصبح في كتابه الإحياء مرويات كثيرة.
_________________
(١) انظر مثلا «الإحياء» ١/¬١٤ - ١٧ و٦٥.
(٢) انظر «الإحياء» ٤/¬٤٦ ومعه «المغني».
[ ٤ / ١٤٤٠ ]
مصرح بها، أو مشار إليها، وعبارة الغزالي في إيرادها محتملة أنه يقصد أحاديث مرفوعة إلى الرسول ﷺ، أو يقصد غير المرفوع مما هو موقوف على الصحابة، أو من دونهم، أو ما هو أعم من ذلك. كما أن الغزالي خلال عرضه الجوانب العديدة لموضوعات كتابه، يسوق أحاديث مرفوعة، وآثارا موقوفة، بألفاظهما، أو يشير إلى ذلك بمثل قوله: «وجوب التوبة ظاهر بالأخبار» (^١) أو يذكر مرويات عن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو بعض الحكماء، أو غير ذلك مما ستأتي نماذجه التفصيلية، إن شاء الله.
ومن أجل هذا كله، احتاج العراقي أن يضع لنفسه شرطًا يحدد به ما التزم في كتابه «المغني» هذا بتخريجه من تلك المرويات المتعددة، منعًا للالتباس، ودفعًا للانتقاد بالغفلة، أو التقصير في الوفاء بعنوان الكتاب العام، كما تقدم.
٤ - إن تأخير العراقي ذكر شرطه عن محله المعتاد، وهو مقدمة الكتاب، أو عنوانه، إلى مواضع متفرقة خلال الكتاب، جعل الوقوف عليه، ومراعاته تخفيان على من لم يطالع الكتاب مطالعة تفصيلية، ولهذا يعتبر استخراجه من ثنايا الكتاب، وإظهاره هكذا في مبحث خاص، أمرًا له أهميته باعتباره عنصرا أساسيًا في بيان موضوع الكتاب، وتحديد مضامينه، ومعرفة قيمته الحديثية، وجهد المؤلف فيه.
٥ - لعل طريقة العراقي هذه في ذكر شرطه خلال الكتاب، تنبه الباحثين إلى أن الإعتماد في بيان مناهج المؤلفين على تسمية كتبهم ومقدماتها فقط مع أخذ أمثلة متفرقة من الكتاب، دون فحص تفصيلي لكل الكتاب، مما يوقع الباحث
_________________
(١) «الإحياء»، ٤/¬٤.
[ ٤ / ١٤٤١ ]
في خطأ الحكم على مثل هذا الكتاب وتقويمه.
وأول تلك المواضع التي بين العراقي فيها شرطه، وجدته عند قول صاحب الإحياء، كما في طبعة الحلبي: «وجاء في الخبر» وفي نسخة الزبيدي: «وجاء في الآثار: إن الملائكة يفتقدون الرجل إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة».
ويبدو أن نسخة العراقي كانت مثل نسخة الزبيدي في هذا الموضع، فإنه قال في تخريجه: حديث: إن الملائكة .. البيهقي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مع زيادة ونقص، بإسناد حسن.
ثم قال: واعلم أن المصنف - يعني الغزالي - ذكر هذا أثرًا؛ فإن لم يرد به حديثا مرفوعًا، فليس من شرطنا، وإنما ذكرناه احتياطا (^١)، أي احتياطا لأن يكون الغزالي قصد بكلمة «الآثار» الحديث المرفوع، فراعى العراقي مقصده، وإن كان لفظه ليس صريحًا في إرادة الحديث المرفوع.
فقول العراقي هنا: «فإن لم يرد به حديثا مرفوعًا، فليس من شرطنا» يفيد أنه شرط على نفسه في هذا «التخريج الصغير» أن يتصدى لتخريج كل ما أورده الغزالي في الإحياء بصيغة تدل على أنه يقصد حديثا مرفوعا إلى النبي ﷺ، كقوله: قال ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو اتصف بكذا.
أما ما يورده بصيغة تحتمل الرفع وغيره، مثلما في هذا الموضع، فليس من شرط العراقي الإلتزام بتخريجه، وإنما قد يخرجه احتياطا في تحقيق مقصد الغزالي، كما قرر هنا، أو لقصد تحقيق فائدة معينة، كما سيأتي، وقد يترك تخريجه، وهو الأكثر، لعدم دخوله فيما اشترط على نفسه التصدي لتخريجه.
_________________
(١) ينظر «الإحياء وبهامشه المغني» ١/ ١٨٨ و«الإتحاف مع الإحياء» ٣/ ٢٥٩.
[ ٤ / ١٤٤٢ ]
وفي موضع بعد هذا، ذكر الغزالي عددًا من الأعمال المكفرة للذنوب وقال في واحد منها: «وفي بعض الآثار: تسبغ الوضوء، وتدخل المسجد وتصلي ركعتين».
فقال العراقي في تخريجه: أثر: إن من مكفرات الذنوب، أن تسبغ الوضوء … وعزاه إلى أصحاب السنن من حديث أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعًا ثم قال: وهو في السنن الكبرى - يعني للنسائي - مرفوعا وموقوفا؛ فلعل المصنف عبر «بالأثر» لإرادة الموقوف، فذكرته احتياطا، وإلا فالآثار ليست من شرط كتابي (^١). فمعنى كلام العراقي هذا، أنه وإن كان ما ذكره الغزالي قد روي عند أصحاب السنن مرفوعًا، إلا أن أحدهم، وهو النسائي، قد رواه موقوفًا أيضًا (^٢) فلما عبر الغزالي بالأثر، احتمل أن يكون مراده الرواية الموقوفة فقط، وحينئذ لا يكون تخريجها داخلا في شرط العراقي في هذا التخريج، كما صرح بذلك في بقية كلامه.
ولكنه خرجه احتياطيًا لأن يكون الغزالي قصد بالأثر: الرواية المرفوعة، لكونها موجودة عند النسائي مع الموقوفة، وموجودة عند باقي أصحاب السنن الثلاثة. أقول: والذي ساعد على احتمال إرادة الموقوف، أن الغزالي قبل هذا - بسطور - قال: وفي الآثار، ما يدل على أن الذنب إذا أتبع بثمانية أعمال، كان العفو عنه مرجوا .. وذكرها .. ثم أعقبها بقوله السابق: «وفي بعض الآثار ..» (^٣).
_________________
(١) «الإحياء» ٤/¬٤٦ - التوبة - باب ما ينبغي أن يبادر التائب إليه.
(٢) تنظر «تحفة الأشراف» ٥/ ٢٩٩ جـ ٦٦١٠.
(٣) «الإحياء» ٤/¬٤٦ كتاب التوبة.
[ ٤ / ١٤٤٣ ]
ويلاحظ أن العراقي لم يتصد لتخريج شيء في مقابل قول الغزالي: وفي الآثار ما يدل … إلخ، لكونه لم ير فيه ما رآه في الذي يليه من احتمال إرادة الغزالي بذلك حديثا مرفوعا.
وفي موضع بعد هذا قال الغزالي: وفي حديث مجاهد: القلب مثل الكف المفتوحة، كلما أذنب العبد ذنبا انقبضت إصبع … (الحديث).
فقال العراقي في تخريجه: هكذا قال المصنف: «وفي حديث مجاهد» وكأنه أراد به قول مجاهد، وكذا ذكره المفسرون، من قوله، وقد رويناه في «شعب الإيمان» للبيهقي من قول حذيفة (^١).
فأشار العراقي بذلك إلى أنه تعرض لتخريج هذا من أجل تعبير الغزالي فيما أضافه إلى مجاهد بلفظ «الحديث»، الذي يطلق في الأصل على ما هو مرفوع، لكنه لم يجده مرفوعا، فخرج الرواية الموقوفة على مجاهد، وعلى حذيفة، ثم أتبعها بالتنبيه على سبب تصديه لها، مع أنها تعتبر من الآثار الموقوفة، وهي ليست من شرط كتابه.
وفي موضع آخر بعد هذا أيضا قال صاحب الإحياء: قال أبو جعفر - يعني
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -: «فرش لحده ﷺ بمفرشه، وقطيفته .. ثم قال: فلم يترك ﷺ بعد وفاته مالا، ولا بنى في حياته لبنة، ولا وضع قصبة على قصبة».
وقد اختلفت نسخ كتاب المغني في تخريج هذا الموضع ففي المطبوع مع «الإحياء» جاء التخريج هكذا: حديث أبي جعفر: فرش لحده ﷺ
_________________
(١) «الإحياء مع المغني»، ٤/ ٥٢ حديث (٢).
[ ٤ / ١٤٤٤ ]
بمفرشه وقطيفته، وفيه: فلم يترك بعد وفاته مالًا … أما وضع القطيفة، فالذي وضع القطيفة، (شُقْران) مولى رسول الله ﷺ، وليس ذكر ذلك من شرط كتابنا، وأما كونه لم يترك مالًا، فقد تقدّم من حديث عائشة وغيرها، وأما كونه ما بنى في حياته، فتقدم أيضًا (^١).
وفي نسخة شارح الإحياء جاء التخريج هكذا «قال العراقي: الذي وضع المفرشة شُقْران مولى رسول الله ﷺ، وليس ذكر ذلك من شرط كتابنا، ولمسلم والترمذي وحسنه - والنسائي من حديث ابن عباس قال: جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء» (^٢).
فالكلام الذي ذكره الغزالي متصلًا بعضه ببعض، يعتبر في مصادر التخريج أمرين منفصلين:
أولهما: قول أبي جعفر: فرش لَحْدَهُ ﷺ بمفرشه، وقطيفته إلى قوله: في أكفانه. وثانيهما: فلم يترك ﷺ بعد وفاته مالًا، ولا بنى في حياته لبنة على لبنة ولا وضع قصبة على قصبة فهذا الأمر الثاني مرفوع إلى الرسول ﷺ، ولذلك تصدى العراقي لتخريجه ببيان أنه مُتَضَمِّن في حديثين سبق تخريجه لهما، فأحال عليهما، كما ترى في نسخة «المغني» التي مع الإحياء.
أما العبارة الأولى، فأصلها أثر موقوف على شُقْران، من رواية أبي جعفر التي أشار إليها الغزالي، أو موقوف على ابن عباس، كما ذكره العراقي حسب نسخة الزبيدي. وعلى كلتا الروايتين يصدق عليه قول العراقي «ليس
_________________
(١) «الإحياء مع المغني»، ٤/ ٤٦٠.
(٢) «الإتحاف» ١٠/ ٣٠٤.
[ ٤ / ١٤٤٥ ]
ذكر ذلك من شرط كتابنا» وبذلك لا يكون مطالبًا بتخريجه، وبهذا يتجه تركه لتخريجه كلية، حسب نسخة التخريج التي مع الإحياء.
أما في نسخة الزبيدي، فإن العراقي بعد تقرير أن الموقوف ليس من شرطه تخريجه، ذكر له رواية موقوفة على ابن عباس، في حين أن الرواية التي ذكرها الغزالي من رواية أبي جعفر، موقوفة على شقران، كما ذكر العراقي نفسه، في كلتا النسختين، وقد أخرجها الترمذي (^١) قبل رواية ابن عباس التي عزاها العراقي إلى الترمذي وغيره، كما مر.
وقد أخرج الترمذي أثر شقران هذا من طريق أبي جعفر، ومن طريق ابن أبي رافع. وقال الترمذي: حديث شقران حديث حسن غريب.
فلعل العراقي يكون ذكر تخريجه هكذا من عند الترمذي، وأتبعه بتخريج رواية ابن عباس من عند الترمذي وغيره، ولكن سقط من نسخة التخريج التي طبعت مع الإحياء تخريج رواية شقران، كما سقط تخريج الروايتين المرفوعتين من نسخة الزبيدي ..
فيكون كلا النسختين حصل فيهما سقط، ويكون تخريج العراقي لأثر شقران، من باب الإحتياط لأن يكون هو مقصود الغزالي، بدليل ذكره معزوا إلى راويه أبي جعفر، كما تقدم، وإتباعه بتخريج رواية ابن عباس، شاهدًا، ولورودها في صحيح مسلم كما ذكر في تخريجها السابق.
وفي موضع آخر قال الغزالي: الكبائر سبع عشرة، جمعتها من جملة الأخبار، وجملة ما اجتمع من قول ابن عباس وابن مسعود، وابن عمر،
_________________
(١) «جامع الترمذي» - الجنائز - باب الثوب الواحد يلقى تحت الميت - ٢/ ٢٥٥، ٢٥٦ ح ١٠٥٢.
[ ٤ / ١٤٤٦ ]
وغيرهم .. وذكر عددًا مما في الأحاديث المرفوعة، وعددًا مما جاء في أقوال الصحابة موقوفًا عليهم، دون تمييز ما في المرفوع، عما في الموقوف.
فقال العراقي في التخريج: … وسأذكر ما ورد منها مرفوعًا .. وذكر المرفوعات، ثم قال: وأما الموقوفات ..، وذكر أربع روايات موقوفة عن أربعة من الصحابة، ثم قال: وإنما ذكرت الموقوفات، حتى يعلم ما ورد في المرفوع، وما ورد في الموقوف (^١)، فنبه بذلك على أن تخريجه للموقوفات، وإن لم تكن على شرطه، أنه قصد تحقيق فائدة علمية، وهي تمييز ما ورد في المرفوع عما ورد في الموقوف، مما يتعلق بهذا الموضوع الهام، وهو موضوع كبائر الذنوب - أعاذنا الله منها - وهذه كما ترى فائدة لها أهميتها، سواء في باب الرواية وأو الإحتجاج.
وستأتي أمثلة أخرى أيضًا لما خرجه العراقي من الآثار الموقوفة، زيادة على شرطه، ضمن مبحث «ما خرجه العراقي زيادة على شرطه».
وفي موضع آخر اقتبس الغزالي لفظ حديث نبوي فأدمجه في سياق كلامه حيث ذكر أن من يتخذ أواني الذهب والفضة، فقد كفر بالنعمة، ثم قال: فمن لم ينكشف له هذا، انكشف له بالترجمة الإلهية، وقيل له: من شرب في آنية من ذهب أو فضة، فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم.
فقال العراقي في تخريجه: «حديث من شرب في آنية الذهب …» متفق عليه، من حديث أم سلمة، ثم قال: ولم يصرّح المصنف بكونه حديثًا (^٢).
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٤/¬١٧، ١٨.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٤٥/ ٨٩ - كتاب الشكر - تمييز ما يحبه الله عما يكرهه.
[ ٤ / ١٤٤٧ ]
أي أن هذا وإن كان لفظ حديث مرفوع، لكن المصنف وهو الغزالي، قد أورده ضمن سياق كلامه هو، غير مصرح بنسبته إلى الرسول ﷺ. وعليه لا يكون من شرط العراقي التصدي لتخريجه، ولكنه أثر تخريجه كما نرى، تحقيقًا للفائدة.
لكن هناك مواضع أخرى مشابهة، ولم يتعرض العراقي لتخريجها.
وستأتي بعض الأمثلة لذلك في مبحث «ما خرجه زيادة على شرطه».
كما سيأتي ملاحظة الزبيدي عدم التزام العراقي بتخريج كل ما يقتبسه الغزالي من الأحاديث في سياق كلامه.
وفي موضع آخر، ذكر الغزالي آداب حضور المدعو إلى منزل الداعي إلى طعام، فقال في سياقها: «وينوي مع ذلك زيارته، ليكون من المتحابين في الله، إذ شرط رسول الله ﷺ فيه التبادل والتزاور».
فقال العراقي في تخريجه: حديث وجبت محبتي للمتزاورين في، والمتباذلين في، وعزاه إلى مسلم من حديث أبي هريرة. ثم قال: ولم يذكر المصنف هذا الحديث، وإنما أشار إليه (^١).
أي أن الغزالي أشار إلى هذا الحديث، بذكر معناه، أو موضوعه العام، ولم يذكر لفظا معينًا، ومع ذلك تصدى العراقي لتخريجه، لدخوله في شرطه، وهو تصريح الغزالي بالعزو إلى الرسول ﷺ، سواء ساق لفظ الحديث، كما هو الأصل، أو أشار إليه إشارة بذكر موضوعه، أو معناه العام كما في هذا الموضع.
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» - كتاب آداب الأكل - باب آداب إجابة الطعام ٢/¬١٤.
[ ٤ / ١٤٤٨ ]
وقد لاحظت توفية العراقي بذلك، إلا في بعض المواضع التي ستأتي الإشارة إليها في مبحث ما فاته، إن شاء الله.
وفي موضع آخر قال الغزالي: «وفي الخبر: ما وَقَى الرجل به عرضه، فهو له صدقة».
فتصدى العراقي لتخريج ذلك بالعزو إلى أبي يعلى وابن عدي، من حديث جابر، وذكر تضعيف ابن عدي له (^١).
وقد أقر الشارح العراقي على هذا، وزاد تخريج الحديث من مصادر أخرى (^٢)؟
ويلاحظ أن الغزالي أورد هذا الحديث مصدرًا بعبارة: «وفي الخبر» دون أن يعزوه إلى الرسول ﷺ، أو إلى غيره، وقد قرر العراقي أن الغزالي كثيرًا ما يعبر بعبارة «وفي الخبر» هكذا مطلقة، ويكون ما بعدها من الإسرائيليات غير المرفوعة (^٣)، وسيأتي توضيح ذلك في مبحث «موقف العراقي من الإسرائيليات التي في الإحياء» وقوله هذا يفيد أن ما يورده الغزالي بعبارة «وفي الخبر كذا …» فإنها لا تكون صريحة في رفع ما بعدها؛ بل تحتمل إرادة المرفوع، كالمثال السابق، وبالتالي يتصدى العراقي لتخريج ذلك احتياطًا، وتحتمل في حالات كثيرة إرادة روايات غير مرفوعة، كالإسرائيليات الموقوفة كما سيأتي، وغيرها. وبالتالي لا يكون العراقي مطالبا بتخريجها، تبعا لشرطه مهما كثرت.
وتقرير العراقي هذا، لما جرى عليه الغزالي فيما يورده بعبارة: «وفي الخبر»،
_________________
(١) «الإحياء مع المغني». آداب الألفة. حقوق المسلم ٢/ ٢٠٦ ومثله في ٣/ ٢٣٥ حديث ٥
(٢) «الإتحاف» ٦/ ٢٨٨.
(٣) انظر «والمغني مع الإحياء» ٤/ ١٥٦.
[ ٤ / ١٤٤٩ ]
يؤكد ما قدمته من انتقاد عنونته للكتاب بـ «تخريج ما في الإحياء من الأخبار».
وفي موضع آخر قال الغزالي: ويروى أن الله ﷿ لما لعن إبليس، سأله النظرة، فأنظره إلى يوم القيامة، فقال: وعزتك، لا خرجت من قلب ابن آدم، ما دام فيه الروح (الحديث).
فخرج العراقي رواية بنحوه من حديث أبي سعيد مرفوعًا، … ثم قال: أورده المصنف بصيغة «ويُروى كذا»، ولم يعزه إلى النبي ﷺ، فذكرته احتياطا (^١)، يعني احتياطا لأن يكون هذا هو مقصود الغزالي.
وفي موضع آخر قال الغزالي: ويروى: لو أن قطرة من الموت وضعت على جبال الدنيا كلها لذابت.
وقد تصدى العراقي لتخريج هذا بقوله: حديث: لو أن قطرة من الموت … لم أجد له أصلا، ثم قال: ولعل المصنف لم يورده حديثا، فإنه قال: «ويروى» (^٢).
ومن هذين المثالين نفهم أن العراقي يعتبر ما يذكره الغزالي بعبارة «يروى كذا» يحتمل أن يريد به حديثا مرفوعًا، ويحتمل غيره، حتى من الروايات التي لا أصل لها، وبالتالي لا يكون العراقي ملزمًا - حسب شرطه - بالتصدي لما يورده الغزالي بهذه الصيغة، وإنما تارة يخرجه احتياطًا، وتارة يتركه، لخروجه عن شرطه.
ومما يدل على مراعاة العراقي لشرطه فيما يتركه، أنا نجد الغزالي يورد الحديث الواحد، مرة مرفوعا إلى النبي ﷺ، ومرة يورده بعبارة محتملة للرفع وغيره، ومرة أخرى منسوبًا إلى غيره ﷺ: كالصحابة أو التابعين، أو غيرهم.
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٤/¬١٤.
(٢) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٤٧
[ ٤ / ١٤٥٠ ]
وقد يورده مرة مرفوعًا، ومرة يقتبسه في سياق كلامه هو.
فنجد العراقي يتصدى لتخريج مثل هذا الحديث، في حالة رفعه فقط ويتركه في بقية الحالات، كما سيأتي في الأمثلة.
وقد عرف شرط العراقي هذا، ولاحظ مراعاته له من عدمها، مَنْ مارس كتابه بتفصيل، وعناية، مثل الإمام الزبيدي شارح الإحياء.
وبعد الذي قدمته من تصريحات العراقي بشرطه، وإشاراته إليه، أُورِدُ هنا بعض الأمثلة الدالة على التزامه بالشرط، ومراعاته لمقتضاه، خلال الكتاب وكذا بعض الأمثلة الدالة على ملاحظة الزبيدي لمراعاة العراقي لشرطه، أو عدم مراعاته، ثم أتبع ذلك بمبحث خاص لإبراز ما خرجه العراقي زيادة على شرطه.
فمن تلك الأمثلة: حديث: (يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء) فقد ذكره الغزالي في كتاب العلم - الباب الأول - ضمن الأدلة من الأخبار وصرح بنسبته إلى الرسول ﷺ.
فقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) - من حديث أبي الدرداء، مرفوعًا (^١).
ثم أورده الغزالي مرة ثانية في الباب نفسه، ضمن الأدلة من الآثار، ونسبه إلى الحسن - يعني البصري - فقال: وقال الحسن ﵀ … فذكره بلفظه، وزاد في آخره: فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء.
ولم يتعرض العراقي لتخريجه (^٢)، ولو بالإحالة على ما سبق، كما يفعل
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/¬١٢.
(٢) «الإحياء مع المغني» ١/¬١٥.
[ ٤ / ١٤٥١ ]
بالنسبة للأحاديث المكررة، وذلك لخروجه في هذا الموضع عن شرطه.
أما الزبيدي فعلق عليه بقوله: قد روي ذلك مرفوعًا عن أبي الدرداء، كما تقدم ذكره في الحديث العاشر - يعني الحديث السابق الذي خرجه العراقي ثم أضاف الزبيدي عزو الحديث إلى الشيرازي في «الألقاب» مرفوعًا أيضًا من حديث أنس، ثم قال: فلعل الحسن سمعه من أنس (^١)، ولكنه لم يتعقب العراقي في عدم تعرضه لتخريج هذا الموضع، لعلمه بشرطه، كما سيأتي له تصريح بذلك.
وفي موضع آخر قال الغزالي: وكذلك قوله ﷺ: «كُلُّ مَا أَصْمَيْتَ وَدَع مَا أَنْمَيْتَ».
فقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى الطبراني في «الأوسط»، من حديث ابن عباس مرفوعًا، وإلى البيهقي موقوفًا على ابن عباس أيضًا، ونقل عن البيهقي قوله: إن المرفوع ضعيف (^٢).
فيتضح من هذا أن العراقي خرج الرواية الموقوفة، مع المرفوعة لفائدة، وهي الإشارة إلى تعارض الرفع والوقف في هذا، وبيان رجحان الموقوف، وبالتالي إعلال المرفوع، وضعفه، وتحصيل مثل هذه الفائدة أولى من الإلتزام بالشرط في هذا الموضع.
ثم إن الغزالي في الباب التالي للموضع السابق - قال: فإن قيل: فقد قال ابن عباس: كل ما أَصْمَيتَ ودع ما أَنميتَ (^٣).
_________________
(١) «الإتحاف» ١/ ٩٠، ٩١.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٢/ ٩٦.
(٣) «الإحياء» ٢/ ١٠١.
[ ٤ / ١٤٥٢ ]
فلم يتعرض العراقي له بتخريج، ولا بإحالة على ما تقدم من تخريجه لهذه الرواية الموقوفة مع المرفوعة كما تقدم.
وذلك لأن الغزالي في هذا الموضع ذكره موقوفًا على ابن عباس.
ثم إن الشارح أحال بتخريج تلك الرواية الموقوفة على ما ذكره العراقي في تخريج الموضع السابق (^١)، ولكن لم يتعقب العراقي بترك هذا الموضع الموقوف وذلك لمعرفتة بشرطه، وملاحظة أن جَرْيَهُ عليه هو الأصل، كما سيأتي مثال ذلك.
وفي موضع آخر قال الغزالي: وروي مسندًا: لا يفتي الناس إلا ثلاثة: أمير، أو مأمور، أو متكلف.
فقام العراقي بتخريجه (^٢).
ثم أورده الغزالي مرة ثانية فقال: ويشهد لحسن الإحتراز من تقلد الفتاوى ما روى مسندًا عن بعضهم أنه قال: لا يفتي الناس إلا ثلاثة … فذكر الحديث بلفظه المتقدم (^٣).
ولم يتعرض العراقي لتخريجه هنا، لكون الغزالي نسبه إلى بعضهم كما ترى، ولم يرفعه إلى الرسول ﷺ.
وقد أحال الزبيدي في «الإتحاف» بتخريجه على الموضع السابق، الذي خرجه العراقي فيه، دون تعقبه للعراقي بشيء، لمعرفته بشرطه (^٤).
_________________
(١) «الإتحاف» ٦/¬٣٧ وانظر مثالًا آخر في «الإحياء مع المغني» ٣/ ١٩٩ حديث رقم ٤، مع: «الإحياء» ٣/ ٢٠٥ و«الإتحاف» ٨/ ٩٧.
(٢) «الإحياء مع المغني» ١/¬٢٤.
(٣) «الإحياء مع المغني» ١٥/ ٧٦.
(٤) «الإتحاف» ١/ ٣٩٨.
[ ٤ / ١٤٥٣ ]
وفي موضع آخر ذكر الغزالي أن معرفة العبد نفسه بالعبودية، وربه بالربوبية إنما يتم في الحياة الدنيا، ثم قال: وهو المعني بقوله ﵊: الدنيا مزرعة الآخرة.
فتصدى العراقي لتخريجه (^١).
وفي موضع قبل هذا قال الغزالي: ولا نظام للدين، إلا بنظام الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة.
فأورد لفظ الحديث نفسه، كما ترى مقتبسا في خلال كلامه هو، فلم يتعرض العراقي لتخريجه، لعدم دخوله في هذا الموضع في شرطه (^٢).
وهناك موضوعات كاملة، يعتبر سياق الغزالي لأحكامها منتزعا من ألفاظ ومعاني عدد من الأحاديث المرفوعة، والمخرجة في مصادر مشهورة، كالكتب الستة وغيرها، ولكن لما لم يُصرّح الغزالي برفع شيء منها للرسول ﷺ، لم يتعرض العراقي بدوره لتخريج شيء منها. مثال ذلك: موضوع كيفية الغسل - من كتاب الطهارة، فقد ساق الغزالي أحكامه، ووصف بعضها بالوجوب، وبعضها بالسنن، وبعضها بالمستحب، ولم يتعرض العراقي لتخريج شيء منها، بناء على عدم توافر شرطه فيها (^٣).
في حين وجدها شارح الإحياء تحتاج إلى تخريج، فقام بذلك من جانبه لكن
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٤/¬١٩.
(٢) «الإحياء مع المغني» ١/¬١٩ وانظر مثالًا آخر في «الإحياء مع المغني» ٤/¬٢٣ حديث رقم (١) و«الإحياء» ٤/ ٤٧٨.
(٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٤١.
[ ٤ / ١٤٥٤ ]
لَمْ يتعقب العراقي بترك تخريجها (^١).
ومما يدل على معرفة الزبيدي (^٢) بشرط العراقي هذا، وملاحظته التزامه به، من عدمه، أن الغزالي قال في موضع: قال رسول الله ﷺ: من سن سنة سيئة، فعمل بها من بعده، كان عليه وزرها .. (الحديث).
فقام العراقي بتخريجه (^٣).
وفي موضع متقدم على هذا بعدة كتب - قال الغزالي في صدد بيان عظم وزر العالم في معاصيه: «إذ يزل بزلته عالم كثير، ويقتدون به، ومن سن سنة سيئة …» فذكر لفظ الحديث السابق، ضمن سياق كلامه (^٤) فلم يتعرض العراقي لتخريج الحديث في هذا الموضوع لخروجه عن شرطه.
أما الزبيدي في «الإتحاف (^٥) فقال عند هذا الموضع: قوله: ومن سن سنة سيئة …» هي قطعة من حديث، وذكر تمامه، ثم خرجه، وعقب على تخريجه ببيان ملاحظته سبب ترك العراقي لتخريجه، وهو خروجه عن شرطه، فقال: «ولم يذكره العراقي في تخريجه، وكأنه لعدم ذكر المصنف في أوله: قال رسول الله ﷺ، بل ساقه مساق كلامه، وإلا فلا يخفى مثل ذلك عليه».
ويؤيد ملاحظة الزبيدي هذه، ما أسلفته من تخريج العراقي فعلا للحديث نفسه، في الموضع الذي يوافق شرطه، وهو موضع تصريح الغزالي بنسبته
_________________
(١) «الإتحاف» ٢/ ٣٧٠ - ٣٩٥.
(٢) «الإتحاف» ١/ ٣٩٨.
(٣) «الإحياء مع المغني» ٢/ ٧٥ - كتاب آداب الكسب.
(٤) «الإحياء مع المغني» ١/ ٦٤.
(٥) ١/¬١/¬٣٤.
[ ٤ / ١٤٥٥ ]
إلى الرسول ﷺ، كما قدمت.
وكلام الزبيدي السابق يدل على معرفته أن ما يقتبسه الغزالي في سياق كلامه من الأحاديث المرفوعة، ولكنه لا يصرح عند اقتباسها برفعها، فإنها تكون خارجة عن شرط العراقي في كتابه، وبذلك لا يطالب بتخريجها، لا ينتقد بتركها، ولكنه مع ذلك قد خرج بعضا منها، كما سيأتي في بيان ما زاده على شرطه.
وفي موضع آخر قال الغزالي: وقال أنس بن مالك: يؤتى بأنعم الناس في الدنيا من الكفار، فيقال: اغمسوه في النار غمسه … (الحديث).
فلم يتعرض العراقي لتخريجه؛ لكون الغزالي ذكره موقوفا على أنس، كما ترى (^١). أما الزبيدي فقد قام بتخريجه من حديث أنس مرفوعا، بالعزو إلى أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وأبي يعلى. ثم قال الزبيدي: ولما لم يُصرّح المصنف - يعني الغزالي - برفعه، لم يتعرض له العراقي بالتخريج، وهو واجب التنبيه (^٢).
فكلام الزبيدي هذا يفيد معرفته أن شرط العراقي فيما التزم بتخريجه، أن يُصرح الغزالي برفع الحديث للرسول ﷺ، وأما قوله عن هذا الحديث: «وهو واجب التنبيه»، فلعله يشير به إلى أنه وإن لم يصرح الغزالي برفع الحديث، فإنه قد روي مرفوعا في عدد من مصادر الحديث المشهورة، كما أنه لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، ولو كان موقوفا على أنس، ومن ثم يرى
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٥١٦.
(٢) «الإتحاف» ١٠/ ٥١٤.
[ ٤ / ١٤٥٦ ]
الزبيدي أن مثل هذا كان يجب على العراقي التصدي لتخريجه، بخصوصه، وينبه على أنه في حكم المرفوع، وإن لم يكن من حيث صيغة إيراد الغزالي له، داخلا في شرط العراقي.
ومما يؤيد ملاحظة الزبيدي لمدى التزام العراقي بشرطه، أنه قد تعقبه في إغفال تخريج ما هو على شرطه، وفي تعقبه التصدي لتخريج ما ليس على شرطه.
ففي موضع قال الغزالي: قال ﷺ حين سأله رجل، فقال: يا رسول الله فيم النجاة؟ فقال: أن لا يعمل العبد بطاعة الله، يريد بها الناس.
ولم يتعرض العراقي لتخريج هذا الحديث مع دخوله في شرطه كما نرى (^١).
أما الزبيدي، فإنه تعقب العراقي فقال: أغفله العراقي، يعني وهو على شرطه، ثم قام الزبيدي بتخريجه، من جانبه هو (^٢).
وستأتي بعض الأمثلة أيضًا، عند بيان ما فات العراقي، ونحوه مما لم يجده، أو بيض له.
وفي موضع آخر قال الغزالي: ويقال: مِنْ وَهَنِ علم الرجل، ولُوْعُه بالماء في الطهور (^٣).
فيلاحظ أن الغزالي لم يُصرح برفع هذا إلى الرسول ﷺ، وبالتالي، لا يكون داخلا في شرط العراقي، كما أنه مما للرأي فيه مجال، فيكون حمل
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٣٥/ ٢٨٦ «ما ورد في ذم الرياء».
(٢) «الإتحاف»، ٨/ ٢٦٢.
(٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٣٩.
[ ٤ / ١٤٥٧ ]
مقصد الغزالي به على حديث مرفوع، غير ظاهر، ورغم ذلك تصدى لتخريجه، فقال: حديث «من وَهَن علم الرجل …» لم أجد له أصلا (^١).
وقد تعقب الشارح العراقي في هذا، فقال: وظن العراقي أنه حديث، فقال: لم أجد له أصلا، وليس كذلك؛ بل هو من كلام بعض السلف (^٢).
وقد أثر اختلاف النسخ أيضًا في بيان ملاحظة الزبيدي لمدى التزام العراقي بشرطه، ففي نسخة «الإحياء» التي بين أيدينا ونسخة الزبيدي جاءت عبارة للغزالي هكذا «قال بعضهم: إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال، فقد تم أنسه … به».
فتعرض العراقي لتخريج ذلك بقوله: حديث «إذا صنع الرجل في بيت أخيه …» لم أجد له أصلا (^٣).
وقد قال الزبيدي عند هذا الموضع: ووقع هذا في نسخة العراقي مرفوعًا إلى النبي ﷺ، فقال: لم أجد له أصلا، وأنت خبير بأنه من قول بعض الصوفية، هكذا هو في «القوت» أيضًا، فتنبه لذلك (^٤).
وتعقب الزبيدي هذا، يفيد استحضاره لشرط العراقي، وأنه بمقتضاه ملتزم بالتصدي لكل ما يُصرح في «الإحياء» برفعه إلى الرسول ﷺ، فإن وجده في المصادر الحديثية خرّجه، وإن لم يجده، نبه على ذلك، لإفادة غيره، أن هذا آخر ما وصل إليه بحثه.
_________________
(١) «المغني مع الإحياء» / الموضع السابق.
(٢) «الإتحاف»، ٢/ ٣٧٠، وانظر مثالا آخر في الإتحاف ٨/ ٥٦٢.
(٣) «الإحياء مع المغني»، ٢/ ١٨٧.
(٤) «الإتحاف»، ٦/ ٢٤٢.
[ ٤ / ١٤٥٨ ]
وسيأتي - بمشيئة الله - مبحث خاص بما قال العراقي فيه: (لا أصل له) مطلقًا، أو مقيدًا.
تعقيب إجمالي:
ومجموع ما تقدم من تصريحات العراقي، وإشاراته إلى شرطه، وعلى ضوء تصرفه فيما خرجه، وما تركه، وكذا من تتبعات وملاحظات الزبيدي المقتضى شرط العراقي، ومدى التزامه به، من عدم التزامه. كل ذلك يوضح لنا أن العراقي شرط على نفسه في هذا «التخريج الصغير»، أن يتصدى لتخريج كل ما يُصرح في كتاب «الإحياء» بنسبته إلى الرسول ﷺ، سواء سيقت عبارة الحديث، أو أشير إليه إشارة، بذكر موضوعه، أو معناه العام، وما لم يجد له من ذلك أصلًا في المصادر الحديثية ينبه عليه، وهو بهذا يلتقي مع شرطه السابق في تخريجه الكبير.
وأما ما عدا ما يدخل تحت شرطه المذكور من الروايات المتنوعة التي وردت في «الإحياء»، فإن العراقي بمقتضى هذا الشرط، قد أعفى نفسه من الالتزام بالتعرض لتخريج جميعها، ولكنه يعرض لتخريج بعضها، زيادة على شرطه، لفائدة تظهر له في كل موضع بحسبه، سواء صرّح بتلك الفائدة، كما مر معنا، وكما سيأتي أيضًا، أو لم يُصرح، اعتمادًا على فهم القارئ، وإمكانه قياس ما لم يُذكر من الفوائد والدواعي، على ما ذكر.
ويلاحظ أن العراقي في شرطه وتعبيره، في كل من «التخريج الكبير» و«الصغير»، قد أطلق «الأثر» على ما يكون موقوفًا على الصحابة وأطلق الحديث على المرفوع إلى الرسول ﷺ، وهذا لا يعكر على ما قدمته في صدر
[ ٤ / ١٤٥٩ ]
هذا الكتاب من اصطلاح المحدثين على ترادف الخبر، والحديث والأثر، وذلك لأن الترادف يكون في حالة إطلاق كل لفظ وَحْدَه، بدون قرينة تحدد المراد، أما إذا وجدت قرينة، أو ذكر أحدهما في مقابل الآخر كما في هذين الشرطين، وفي تعبيرات العراقي خلال الكتابين، فإنه في مثل هذا يُحمل كل لفظ على ما يُقصد به في موضعه، من مرفوع أو موقوف.
ثم إنه قد تبين لي من القراءة التفصيلية المتعددة لهذا التخريج بأكمله، أن العراقي قد التزم بما شرطه، وراعاه خلال الكتاب كله، ووفى به، بصفة عامة.
وتبين لي أيضًا أن ما فاته مما هو داخل في شرطه، قليل، كما سيأتي توضيحه. كما أنه قد تصدى لتخريج روايات كثيرة، خارجة عن شرطه، ولم يكن ملزمًا بتخريجها، كما ستأتي في مبحث خاص بها.
وعموما فإن إبراز شرط العراقي هكذا ضمن عناصر منهجه في هذا الكتاب، يمكن القارئ من تحديد مسئولية العراقي في تخريجه، ويوضح السبب في تخريجه لبعض الروايات التي في الإحياء، دون بعض، ويظهر الجهد العلمي الذي بذله العراقي في تقويم الأدلة الحديثية على مشتملات الكتاب، وما قدمه من ذلك، زيادة على شرطه الذي حدده.
وبذلك يعفى من تعقبات متعددة، وجهت إليه، سواء ممن وقف على شرطه، كالإمام الزبيدي شارح الإحياء، كما تقدم، وسيأتي أيضًا، أو ممن قد لا يكون وقف على هذا الشرط لتفرقه في ثنايا الكتاب، أو يكون وقف عليه، ولكنه لم يلاحظه عند التعقب، وسيأتي شيء من ذلك عند بيان ما فات العراقي تخريجه، أو تعقب بتركه، وتحقيق القول في ذلك بإذن الله.
[ ٤ / ١٤٦٠ ]
ما تعرض العراقي لتخريجه، زيادة على شرطه:
تقدم أن العراقي التزم في شرطه في هذا الكتاب بتخريج ما جاء في الإحياء مصرحا برفعه إلى الرسول ﷺ، وأنه لا يخرج عن ذلك إلا لفائدة يذكرها، أو يترك للقارئ قياسها على ما ذكره.
وقد وفقني الله لقراءة هذا الكتاب جميعه، بعناية، وقرأت كتاب الإحياء أيضًا بصحبته، لمعرفة موقف العراقي من تخريج ما فيه من مرويات مصرح بها، أو مشار إليها، بإشارات ظاهرة، أو محتملة، وقد تبين لي من ذلك أن العراقي قد زاد على التزامه العام بشرطه، فتصدى لتخريج أنواع من المرويات التي لا تدخل تحت شرطه، مع ورودها في الإحياء بلفظها أو بمعناها، أو بالإشارة الإجمالية إليها، وقد بين في عدد من المواضع - كما قدمت - السبب الذي دعاه إلى هذا، والفائدة التي قصدها، حتى لا يظن القارئ لمثل تلك المواضع من كتابه، أنه غفل عن مراعاة شرطه أو أخل به، دون مبرر مفيد، أو أنه بعبارة أخرى ليس منهجيا في تأليفه هذا.
وسأورد فيما يلي نماذج لأنواع ما تعرض العراقي لتخريجه، زيادة على شرطه الأساسي، لإبراز جهده العلمي في ذلك، وما تحصل به من الفوائد مع توضيح كل نوع ببعض الأمثلة التطبيقية من الكتاب، دون استقصاء وإن كنت في الواقع قد أحصيت مواضع كل نوع تقريبا، من خلال اطلاعي التفصيلي أكثر من مرة على الكتاب، وعلى كتاب الإحياء، وعلى أكثر كتاب شرح الإحياء للزبيدي، بأجزائه العشرة الكبار، ويعلم الله وحده كم أمضيت في ذلك من الشهور المتواصلة ليلا ونهارًا، وأحمد الله على توفيقه لي
[ ٤ / ١٤٦١ ]
في ذلك وغيره، وعلى ما استفدته كذلك من دقائق علمية.
١ - تخريجه للآثار الموقوفة على الصحابة، أو التابعين، أو ما أطلق عليه الغزالي اسم «الأثر»:
تعتبر الآثار الموقوفة، وخاصة على الصحابة، أو التابعين، ذات مكانة ظاهرة في كتاب الإحياء، فبالنسبة للصحابة، يقرر الغزالي، فيه: أن آثار الصحابة، تدل على سنة رسول الله ﷺ بحكم مشاهدتهم تنزل الوحي وعلمهم بقرائن الأحوال التي غابت عن غيرهم (^١)، ولهذا فإنه أكثر في الكتاب من الاستدلال بالآثار الموقوفة عليهم، كما ذكر آثارًا غير قليلة موقوفة على التابعين، وتابعيهم. فقد جرى في الكتاب عمومًا على تقسيم الأدلة إلى ثلاثة أقسام:
أولها: الآيات القرآنية.
وثانيها: ما يعنونه بالأخبار، ويورد تحته الأحاديث المرفوعة وغيرها، كما قدمت بيانه في شرط العراقي.
وثالثها: ما يعنونه (بالآثار) وفي مقدمة ما يذكره تحت هذا العنوان، ما هو موقوف على الصحابة، ﵃ (^٢)، ولكنه يذكر في بعض المواضع تحت قسم الآثار ما هو منسوب إلى التابعين فمن دونهم، ولا يذكر شيئًا عن الصحابة (^٣)، وأحيانًا يذكر تحته ما نسب إلى بعض الأنبياء السابقين، أو
_________________
(١) «الإحياء» ١/¬٢٣ - كتاب العلم.
(٢) ننظر أمثلة تلك الأقسام الثلاثة في «الإحياء مع المغني» ١/¬١١ - ١٥، ٦٩ وما بعدها كتاب العلم، ٢/ ٦٣ - ٦٥، ٣/ ٧٨ - ٨١ فضيلة الجوع، وذم الشبع، ٤/ ١٤٣ - ١٤٩.
(٣) ينظر الإحياء ٤/ ٢٣٩ فضيلة التوكل.
[ ٤ / ١٤٦٢ ]
الحكماء، أو التوراة أو الإنجيل (^١)، وقد يطلق الأثر على بعض الأحاديث التي تكون مرفوعة في مصادرها الحديثية، كما قدمت (^٢) وكما سيأتي ضمن هذه الفقرة، فهو بهذا، متوسع في إطلاق الآثار بأعم من إطلاق العراقي لها في شرطه السابق، حيث أطلقها على الموقوف على الصحابة، أو التابعين، في مقابل المرفوع إلى الرسول ﷺ.
وبالتالي يكون المنسوب منها إلى غيرهم، خارجا عن شرطه، من باب أولى.
ومن أمثلة ما خرجه العراقي مما عبر عنه الغزالي «بالأثر» ولو كان له رواية مرفوعة قوله في موضع: وقد جاء في الأثر: صلّ من الليل، ولو قدر حلب شاة.
فقام العراقي بتخريجه معبرا عنه من جانبه بالحديث فقال: «حديث: صل من الليل … .».
وخرجه بالعزو إلى أبي يعلى من حديث ابن عباس بمعناه مرفوعا، ثم قال: ولأبي الوليد بن مغيث من رواية إياس بن معاوية، مرسلا، لابد من صلاة الليل، ولو حلبة ناقة، أو حلبة شاة (^٣).
فلعل العراقي لما وجد في معنى ما ذكره الغزالي حديثا مرفوعًا، ورواية بنحوه مرسلة تصدى لتخريجه، احتياطًا لأن يكون الغزالي قصد بقوله «جاء في الأثر» الحديث المرفوع. وقد سبق تصريحه بمثل هذا التعليل في تخريج ما عبّر عنه الغزالي «بالأثر» (^٤).
_________________
(١) انظر مثالًا لذلك في «الإحياء» ١/ ٦٥ وما بعدها.
(٢) وانظر كذلك «الإحياء» ١/ ١٤٣ - الطهارة.
(٣) «المغني مع الإحياء» ١/ ٣٧٢ و«الإتحاف» ٥/ ٢٠٣.
(٤) وانظر «المغني مع الإحياء» ١/ ١٨٨.
[ ٤ / ١٤٦٣ ]
وفي موضع آخر قال الغزالي: «وأحب طيب الرجال ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه، رُوِيَ ذلك في الأثر».
وقد قام العراقي بتخريج هذا فقال: حديث: طيب الرجال …، وعزاه إلى أبي داود والترمذي والنسائي، من حديث أبي هريرة، ونقل عن الترمذي أنه حسنه. (الإحياء مع المغني ١/ ٨٧ حديث ٦ والإتحاف ٣/ ٢٥٤).
فوقوف العراقي على الرواية مرفوعة، جعله يرجح أن الغزالي قصد بـ «الأثر» في هذا الموضع، الحديث المرفوع، ومن ثم قام بتخريجه زيادة عن مقتضى شرطه.
وفي موضع قال الغزالي: وقال ﷺ: «ما زار رجل رجلا في الله شوقا إليه، ورغبة في لقائه، إلا ناداه مَلَكَ مِنْ خَلْفِهِ: طبت وطاب ممشاك …».
فقام العراقي بتخريجه، لدخوله في شرطه (^١)، ثم في باب آخر، بعد هذا قال الغزالي: وفي الأثر: ما زار رجل .. (الحديث) بلفظه السابق.
فتصدى العراقي لتخريجه بالإحالة على ما تقدم، فقال: «حديث: ما زار رجل …» تقدم في الباب قبله (^٢)، وأقره الشارح على ذلك (^٣) ويعتبر تخريج العراقي له في هذا الموضع الثاني زائدا عن شرطه، ويعتبر ذكر الغزالي له في الموضع الأول مصرحًا برفعه، مرجحا لقصده «بالأثر» في الموضع الثاني: الحديث المرفوع.
وهناك أقوال وأفعال لم يصدرها الغزالي بعبارة «الأثر»، ولكن عزاها مباشرة.
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٢/ ١٥٧.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٢/ ١٧٣.
(٣) «الإتحاف» ٦/ ٢٠٩.
[ ٤ / ١٤٦٤ ]
للصحابة موقوفة عليهم، فتعرض العراقي لتخريج بعضها زيادة على شرطه.
فمن ذلك قول الغزالي: وقالت عائشة ﵂، في قوله ﷿: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. أي بدعائك.
فخرجه العراقي بقوله: متفق عليه (^١).
وبمراجعة رواية البخاري لقول عائشة المذكور نجد أنها قالت: «أُنزِل ذلك في الدعاء» (^٢)، وهذا يدل على أن قول عائشة هذا من أسباب النزول، وقد أخرجه الواحدي، بسنده عنها في أسباب نزول تلك الآية (^٣).
وذكر الغزالي أيضًا عن جابر، قال: ما نزلت آية المتلاعنين إلا لكثرة السؤال.
وقد قام العراقي بتخريجه من عند البزار، بسند جيد (^٤).
وفي موضع آخر قال الغزالي: وقال ميمون بن مهران: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ صاح سلمان الفارسي، ووضع يده على رأسه، وخرج هاربًا، ثلاثة أيام، لا يقدرون عليه.
وقد تصدى العراقي لهذا بقوله: حديث ميمون بن مهران … لم أقف له على أصل (^٥).
وسيأتي في الكلام على ما ذكر العراقي أنه لا أصل له، تعقبي له في هذا.
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٣١٣ - الأذكار والدعوات.
(٢) «البخاري مع الفتح» - التفسير [سورة الإسراء]- باب «ولا تجهر بصلاتك …» ٨/ ٤٠٥.
(٣) «أسباب النزول» للواحدي -[سورة الإسراء] / ١٧١ ط. مصطفى الحلبي.
(٤) «الإحياء مع المغني» ٣/ ١٦٠ آفات اللسان.
(٥) الإحياء مع المغني ٤/ ١٨٢ كتاب الخوف.
[ ٤ / ١٤٦٥ ]
ولكن المهم هنا أنه تعرض لتخريجه، زيادة على شرطه.
ويلاحظ في هذه الأقوال الثلاثة: أنها متعلقة بأسباب نزول آيات، ومن المقرر لدى علماء المصطلح أن ما يأتي عن الصحابي في بيان سبب نزول آية يعتبر مرفوعا حكمًا (^١)، فلعل العراقي تصدى لتخريج مثل هذه الآثار عن الصحابة، بناء على ذلك، وإن لم تكن داخلة تحت صريح شرطه، كما تقدم.
ومن الآثار التي تعرض العراقي أيضًا لتخريجها: أفعال بعض الصحابة؛ فقد قال الغزالي في موضع: وقال عثمان ﵁ ما تغنيت ولا تمنيت، ولا مسست ذكري بيميني،، منذ بايعت رسول الله ﷺ.
وقد خرجه العراقي بقوله: حديث عثمان، قوله: ما تغنيت ..، أبو يعلى الموصلي في «معجمه» بإسناد ضعيف، من رواية أنس عنه في أثناء حديث: وإن عثمان ﵁ قال: يا رسول الله .. فذكره بلفظ «منذ بايعتك - يعني الرسول ﷺ» قال: هو ذاك يا عثمان (^٢).
ويلاحظ أن الرواية التي خرجها العراقي، فيها ما هو مصرح برفعه إلى الرسول ﷺ مخاطبا له، في حين لفظ رواية الغزالي فيها قول عثمان فقط في آخرها: «منذ بايعت رسول الله ﷺ».
ولعل تخريج العراقي لذلك احتياط لأن يكون الغزالي أراد بقول عثمان المذكور، تلك الرواية التي خرجها أبو يعلى، مشتملة على موقوف ومرفوع. وفي موضع آخر قال الغزالي: إن أبا ذر كان يقول في إنكاره على بعض
_________________
(١) «التدريب»، ١/ ١٩٢، ١٩٣.
(٢) «الإحياء مع المغني»، ٣/ ٣١٠ - كتاب ذم الجاه.
[ ٤ / ١٤٦٦ ]
الصحابة: قد غَيَّرتُم؛ يَنْخُلُ لكم الشَّعير، ولم يكن يُنْخَل، وخَبَزْتُم المُرَقَّق، وجمعتُم بين إدامَيْن، واختلف عليكم بألوان الطَّعام، وغدا أحدكم في ثوب وراح في آخر، ولم تكونوا هكذا على عهد رسول الله ﷺ، وكان قوت أهل الصفة مُدًا من تمر، بين اثنين، في كل يوم (^١).
وقد أورد العراقي في تخريجه الفقرة الأخيرة فقط، فقال: حديث: كان قوت أهل الصفة ..، الحاكم، وصحح إسناده، من حديث طلحة النصري (^٢).
أقول: والحديث في «المستدرك» (^٣)، والفقرة التي ذكرت عند الغزالي من كلام أبي ذر، ذكر فيه نحوها باختصار، لكن من قول الرسول ﷺ
مع اختلاف الصحابي أيضًا الراوي للحديث، وهو طلحة النصري بدل «أبي ذر».
ولكن لعل تعرض العراقي لتخريج ما هو بمعنى أثر أبي ذر هذا، لكون أبي ذر قد ذكر أفعال الصحابة منسوبة إلى عهد رسول الله ﷺ، والمعروف اصطلاحا، أن ما يضيفه الصحابي إلى عهده ﷺ، فله حكم الرفع (^٤)، فلعل العراقي خرّج في مقابل أثر أبي ذر حديثًا مرفوعًا، احتياطا، أو للإشارة إلى أن ما جاء عنه موقوفا، جاء في معناه حديث مرفوع، وقد صححه الحاكم كما مر، ومما يؤيد أن هذا من زيادة العراقي على شرطه، أن الغزالي قال قبل هذا
_________________
(١) ، (^٢) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٨٧ - كتاب رياضة النفس.
(٢) «الفتن» ٤/ ٥٤٨، ٥٤٩.
(٣) انظر «التدريب» ١/ ١٨٦.
[ ٤ / ١٤٦٧ ]
بعدة أسطر: وقد كان أبو ذر يقول: طعامي في كل جمعة صاع من شعير، على عهد رسول الله ﷺ، والله لا أزيد عليه حتى ألقاه.
فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^١) رغم إضافة أبي ذر فعله هذا إلى عهد رسول الله ﷺ.
وقد تصدى الزبيدي لتخريجه فقال: وأما قوله: يعني أبا ذر - كان قوتي إلخ، فقد أخرجه أبو نعيم في «الحلية»، دون قوله: «من شعير ..»، ولكن الزبيدي لم يتعقب العراقي بأنه ترك تخريجه، لمعرفته بأنه ليس داخلا في شرطه (^٢)، ومما تعرض له العراقي من تخريج ما هو موقوف على بعض التابعين، أو غيرهم، أن الغزالي قال: وفي آخر الليل، وردت الأخبار باهتزاز العرش، وانتشار الرياح من جنات عدن، ومن نزول الجبار تعالى، إلى سماء الدنيا.
وقد تعرض العراقي لتخريج ذلك فقال: «الأخبار الواردة في اهتزاز العرش ..» أما حديث النزول، فتقدم، وأما الباقي، فهو آثار، رواها محمد بن نصر في «قيام الليل» من رواية سعيد الجريري قال: قال داؤد ﵇: يا جبريل، أي الليل أفضل؟ قال: ما أدري، غير أن العرش يهتز من السحر. وفي رواية: له - يعني ابن نصر - عن الجريري، عن سعيد ابن أبي الحسن، قال: إذا كان من السحر، ألا ترى كيف تفوح ريح كل شجر؟
ثم خرج رواية لحديث النزول من رواية أبي الدرداء، مرفوعًا (^٣).
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٨٧.
(٢) «الإتحاف»: ٧/ ٤٠٦.
(٣) «المغني مع الإحياء» ١/ ٣٥٧ - كتاب ترتيب الأوراد، وإحياء الليل. وانظر، «مختصر قيام الليل» للمروزي - باب الإستغفار بالأسحار/ ٨٢.
[ ٤ / ١٤٦٨ ]
فيلاحظ أن الغزالي عبر هنا بـ «الأخبار»، إشارة إلى ما ورد في الموضوعات التي ذكرها، سواء كان مرفوعًا، أو موقوفًا، وهذا يؤيد ما قدمته من أنه يطلق «الخبر» أو «الأخبار» على المرفوع وغيره.
وقد تصدى العراقي لتخريج ما ورد في الموضوعات التي ذكرها الغزالي فبين أن ما يدل على نزول الرب ﷾ إلى سماء الدنيا، قد جاء في حديثين مرفوعين، أما الموضوعان الآخران، وهما: اهتزاز العرش في السحر، وانتشار الريح فيه من جنات عدن، فإن الوارد فيهما أثران، وبتخريجه لهما بالعزو إلى ابن نصر في قيام الليل، ظهر أن: أحد الأثرين ينسبه سعيد بن إياس الجريري، - وهو تابعي - (^١) إلى داود ﵇ من قوله، فهو من الإسرائيليات غير المرفوعة.
وثانيهما: من قول سعيد بن أبي الحسن البصري، وهو تابعي أيضًا (^٢).
وبهذا يكون تخريج العراقي لهما من زيادته على شرطه، ولعله فعل ذلك لتمييز ما ورد مرفوعًا، عما ورد موقوفًا في الموضوعات التي ذكرها الغزالي. كما سبق له مثل هذا بالنسبة لما ورد في بيان الكبائر (^٣).
ويمكن لمن قرأ كتاب العراقي بعناية، وتأمل، قياس ما لم يصرح فيه بفائدة تخريجه لما ليس من شرطه، على المواضع المماثلة التي صرح فيها بفائدة ذلك
_________________
(١) «التقريب» / ٢٣١ وقال ابن حجر: ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين.
(٢) «التقريب» / ٢٣٤ وقال ابن حجر: ثقة. وانظر: «مختصر قيام الليل» / باب الاستغفار بالأسحار/ ٨٢.
(٣) وانظر «المغني مع الإحياء» ٤/¬١٧، ١٨.
[ ٤ / ١٤٦٩ ]
وبالتالي يظهر أن ما خرجه زائدا على شرطه، لا يخلو من فائدة حديثية لها أهميتها.
وستأتي أيضًا بعض مواضع خرج فيها ما هو موقوف على تابعي التابعين، لفائدة حديثية.
لكن لابد من التنبيه هنا إلى أن ما خرجه العراقي من تلك الآثار عموما، رغم تنوع فوائده، فإنه يعتبر قليلا جدا، بالنسبة إلى مجموع الآثار التي لم يخرجها، التزاما بشرطه، وبالتالي لا ينتقد العراقي بما تركه بدون تخريج من تلك الآثار، ونحوها، حتى ولو كان مشابها لما خرجه فيما تقدم، كالذي يعبر عنه الغزالي بقوله: «وفي الأثر» (^١)، أو ما يكون سبب نزول آية (^٢)، أو مما نسب إلى صحابي، ولا مجال للرأي فيه (^٣)، ولم يتعرض العراقي له.
٢ - ما أورده الغزالي بعبارة تحتمل الرفع وغيره:
قد أورد الغزالي في «الإحياء» روايات كثيرة مصدرة، أو مختتمة بعبارات ليست صريحة في نسبة المروي إلى الرسول ﷺ؛ بل تحتمل الرفع وعدمه، وبذلك لم يلتزم العراقي بالتصدي لتخريج جميعها، بناء على شرطه، ولكنه خرج بعضها، زيادة على شرطه، لأجل الفائدة التي تتحقق في كل موضع بحسبه.
_________________
(١) «الإحياء» ١/ ٨١ كتاب العلم، ٢٤٩ - كتاب الحج - فضيلة البيت ومكة.
(٢) «الإحياء» ٣/ ٣٣٦ - قوله: وقالت قريش فيما أخبر الله عنهم: «لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم».
(٣) «الإحياء» ٢/ ١٨٧ - كتاب الألفة - قول بعض الصحابة: «إن الله لعن المتكلفين» وانظر «الشرح» ٦/ ٢٤٢، و«الإحياء» ٢/ ١٩٣ «قول ابن عباس: «ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا» و٢/ ٣٠٣ قول معاذ: «لا يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ..» و«الإحياء» ٣/ ٢٠٤ قال أبو أمامة: لما بعث محمد ﷺ».
[ ٤ / ١٤٧٠ ]
أ - فمن ذلك ما وصف بأنه «سنة» أو «من السنة»، دون إضافة صريحة إلى الرسول ﷺ أو إلى عصره. وكذلك وصفه بعض الأمور بأنها ليست من السنة، ففي كتاب الحج - قال الغزالي: فإن أفاض - يعني الحاج - من منى، فالأولى أن يقيم بالمحصب من منى، ويصلي العصر والمغرب والعشاء، ويرقد رقدة، فهو السنة، رواه جماعة من الصحابة ﵃.
فخرج العراقي ذلك بقوله: حديث نزول المحصب وصلاة العصر والمغرب والعشاء به، والرقود به رقدة، البخاري من حديث أنس أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء، ثم هجع هجعة (الحديث) (^١).
أقول: ولعل تعرض العراقي لتخريجه، لكون الغزالي بعد أن وصف ما ذكره بأنه هو السنة، أتبعه بقوله: «رواه جماعة من الصحابة»، والأصل في رواية الصحابة المتعلقة بالعبادة، أن تكون عنه ﷺ، فكأن ذلك من الغزالي إشارة إلى رفع ما ذكره، وإن لم يصرح.
وفي موضع آخر قال الغزالي: فقد وردت السنة بأن تفكّر ساعة، خير من عبادة سنة.
فقام العراقي بتخريج ذلك (^٢).
وفي موضع آخر، قال الغزالي عن ركعتي الطواف: قال الزهري: مضت السنة أن يُصلِّي - يعني الحاج - لكل سبع ركعتين.
فقام العراقي بتخريج ذلك فقال: حديث الزهري: مضت السنة ..» ذكره
_________________
(١) «الإحياء» (١/ ٢٦٤ مع ٥ المغني) حديث ٣.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٤٠٩ حديث رقم (١).
[ ٤ / ١٤٧١ ]
ثم قال: وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: قدم رسول الله ﷺ وطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين (^١).
فالزهري - كما هو معروف - تابعي، فقوله «مضت السنة بكذا» مما اختلف فيه، هل يعتبر مرفوعا مرسلا، أو موقوفا عليه؟ وقد حكي فيه عن الغزالي نفسه الإحتمالان، بلا ترجيح، ولكن السخاوي والأنصاري - تبعا له - أخذا من كلام الغزالي عقب ذكر الإحتمالين، أنه يشير إلى ترجيح كونه مرفوعا مرسلا (^٢)، وصحح النووي كونه موقوفا، وتبعه العراقي (^٣)، وسيأتي في تقريره في المثال الذي بعد هذا من تخريجه.
وعليه، فعبارة الغزالي التي حكى بها رواية الزهري السابقة، تعتبر محتملة للرفع، وللوقف على الزهري، وبالتالي لا تدخل في شرط العراقي. لكن سياق البخاري لعبارة الزهري المعلقة، كما تقدم ذكر العراقي لها، وكذا سياقها عند من وصلها غير البخاري (^٤)، يفيد كل ذلك رفع ما ذكره الزهري، إلى الرسول ﷺ، حيث إنه بعد أن قال: السنة أفضل، أردف قائلا: لم يطف النبي ﷺ أسبوعا إلا صلى ركعتين.
فلعل هذا مما جعل العراقي يتصدى لتخريج قول الزهري هنا، احتياطا لأن يكون
_________________
(١) «الإحياء مع المغني»، ١/ ٢٥٨.
(٢) انظر «التدريب» ١/ ١٩٠ و«فتح المغيث» للسخاوي ١/ ١٢٣ و«فتح الباقي للأنصاري مع شرح التبصرة والتذكرة للعراقي» ١/ ١٣٨.
(٣) «شرح التبصرة والتذكرة للعراقي مع فتح الباقي» ١/ ١٣٧.
(٤) «البخاري مع الفتح» - كتاب الحج - باب ٦٩ ج ٣/ ٤٨٤، ٤٨٥.
[ ٤ / ١٤٧٢ ]
الغزالي أراد ما رفعه الزهري، وإن لم تكن عبارة الغزالي صريحة في ذلك.
كما يلاحظ أن العراقي أضاف إلى تخريج رواية الزهري، تخريج رواية مرفوعة تشهد لها من حديث ابن عمر ﵄.
وفي موضع آخر قال الغزالي: وقال سفيان الثوري: يستحب أن يُصلّي بعد عيد الفطر اثنتي عشرة ركعة، وبعد عيد الأضحى ست ركعات، وقال - يعني سفيان -: هو السنة.
وقد تصدى العراقي لهذا في تخريجه فقال: قال سفيان من السنة …» لم أجد له أصلا، في كونه سنة. وفي الحديث الصحيح ما يخالفه، وهو أنه ﷺ لم يصل قبلها، ولا بعدها، ثم أردف قائلا: وقد اختلفوا في قول التابعي: من السنة كذا، [والصحيح أنه موقوف] (^١)، وأما قول تابعي التابع كذلك، كالثوري، فهو مقطوع (^٢).
أقول: وخروج هذا الموضع عن شرط العراقي في تخريجه واضح، فليس مصرحًا بكونه حديثا مرفوعًا، ولا الصيغة التي صدره الغزالي بها وهي قول تابعي التابع: «من السنة كذا» محتملة للرفع كما قرر العراقي بنفسه، ومع هذا تعرض العراقي له كما ترى، وذلك - فيما يبدو لي - له أكثر من فائدة: في مقدمتها: تنبيهه على أنه لم يجد أصلا يدل على أن ما ذكره سفيان هو من السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ليست هذه العبارة في «المغني» المطبوع مع «الإحياء»، وأثبتها من نقل الشارح في (الإتحاف): ٣/ ٤٠٨.
(٢) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٠٨/ حديث ٥، والشرح/ الموضع السابق.
[ ٤ / ١٤٧٣ ]
وفائدة ثانية: وهي تقريره أن الثابت الصحيح عنه ﷺ خِلافُ ما ذكر عن سفيان. وبذلك لا يتجه تعقب الشارح للعراقي بما روى عن عدد من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون أربعًا بعد العيد (^١)؛ لأن ذلك لو صح عنهم، فلا مطابقه يقاوم ما صح في المرفوع إليه ﷺ.
أما الفائدة الثالثة من تعرض العراقي لهذا الموضع: فهي بيانه لرأي المحدثين في قول كل من التابعي وتابعه: «من السنة كذا»، وقد تقدم أنه بين حكم قول التابعي في شرحه لألفيته في المصطلح كما أحلته عليها هناك، أما بيانه هنا لحكم قول تابعي التابع: «من السنة كذا» فيعتبر زيادة علمية ذكرها بمناسبة قول سفيان هذا، ولم يذكرها في كتبه المعروفة في المصطلح، وهي الألفية المسماة «بالتبصرة والتذكرة» وشرحها، ونكته على كتاب ابن الصلاح، وقد تقدّم الكلام عن الثلاثة في مواضعه من هذا الكتاب.
ويمكن القول: إن تحقيق تلك الفوائد الثلاثة أولى من عدم تعرض العراقي لهذا الموضع باعتباره ليس على شرطه.
وإذا كانت المواضع الثلاثة التي تقدمت، كان وصف الأمور المذكورة فيها بأنها من السنة، قد صدر من صحابي أو تابعي، أو تابعي التابع، فإن هناك أمورًا ذكرها الغزالي ووصفها من جانبه هو بأنها سنة، وذكر بعض الأمور أيضًا، ووصفها بأنها ليست من السنة، وقد تناول العراقي بعض تلك المواضع بالتخريج وترك بعضًا آخر.
وسأذكر بعض الأمثلة، لما خرجه، وبعضها لما تركه، مع الإحالة على
_________________
(١) «إتحاف السادة المتقين» ٣/ ٤٠٨
[ ٤ / ١٤٧٤ ]
مواضع أخرى، دون ذكرها.
ففي كتاب الحج - باب ترتيب الأعمال الظاهرة - قال الغزالي: والسنة في الوداع أن يقول: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك). فتصدى العراقي لتخريجه بلفظه مرفوعًا من سنن أبي داود والترمذي والنسائي (^١).
وفي كتاب الحج أيضًا - الباب السابق - قال الغزالي: والأحب في الليل أن يتناوب الرفيقان في الحراسة، فإذا نام أحدهما حرس الآخر، فهو السنة
وقد تصدى العراقي لتخريج ذلك بمعناه من حديث جابر مرفوعا (^٢).
وانظر أيضًا مثالين آخرين مشابهين/ (الإحياء مع المغني) ١/ ٢٥٧ حديث رقم (١)، ص ٢٧١ حديث (٩) - باب دقائق الآداب في الحج.
وفي كتاب آداب الأكل - الباب الرابع - قال الغزالي: فمن ظن به أنه يستثقل الإطعام، وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا، فليس من السنة إجابته
وقد قام العراقي بتخريج ما يدل على هذا فقال: حديث ليس من السنة إجابة من يُطعم مباهاة أو تكلفا، أبو داؤد من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن طعام المتباريين .. وللعقيلي في «الضعفاء»: نهى النبي ﷺ عن طعام المتباهين (^٣).
وإذا كان وصف تابعي التابع لأمر من الأمور بأنه سنة، أو ليس بسنة، يعتبر
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٥٣، ٢٥٤ ووالإتحاف (٤/ ٣٢٥ وقد سقط من ١ المغني) سياق لفظ الحديث، وهو في الشرح منقول عن العراقي
(٢) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٥٥ حديث (٢)
(٣) «الإحياء» ٢/¬١٤ مع «المغني» حديث (٢) وانظر الشرح ٥/ ٢٤٢.
[ ٤ / ١٤٧٥ ]
مقطوعًا كما تقدم تقرير العراقي له، فمن باب أولى يكون وصف الغزالي الأمر من الأمور بذلك لا يقتضي رفعه إلى الرسول ﷺ، وعليه فلا يكون مثل هذا داخلا فيما التزم العراقي بتخريجه حسب شرطه، حتى لو كان ما ذكره الغزالي قد ورد مرفوعًا في كتب الحديث، كما ظهر من تخريج الأمثلة الثلاثة السابقة، فلعل العراقي خرج ما خرجه من ذلك بقصد الاحتياط لأن يكون الغزالي قصد بعبارته الإشارة إلى الحديث المرفوع الوارد في الأمور التي ذكرها. ولما كان هذا الاحتياط زائدًا على شرطه، فإنه ترك الكثير من المواضع التي وصف فيها الغزالي أيضًا بعض الأمور بأنها سنة، أو بأنها ليست من السنة، ففي كتاب - الحج - آداب الإحرام - قال الغزالي: ويكفي مجرد النية لانعقاد الإحرام، ولكن السنة أن يقرن بالنية لفظ التلبية فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك .. إلخ. فلم يتعرض له العراقي بشيء (^١).
ولما تعرض الزبيدي لشرح هذا الموضع، لم يذكر حديثًا ولا أثرًا يدل على قرن النية بلفظ التلبية، وإنما خرج لفظ التلبية فقط بالعزو إلى الكتب الستة، من طرق عن ابن عمر ﵄، ولم يتعقب العراقي بشيء (^٢).
وعند ذكر الغزالي للحلق للتحلل من الإحرام، قال: والسنة أن يستقبل القبلة ويبتدئ بمقدم رأسه، فيحلق الشق الأيمن إلى العظمين المشرفين على القفا …، ولم يتعرض العراقي لذلك في تخريجه (^٣).
ولكن الشارح تعرض له وخرج في معناه أثرًا عن ابن عمر وحديثًا عن أنس
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٥٥.
(٢) «شرح الإحياء» ٤/ ٣٣٧.
(٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٦٣.
[ ٤ / ١٤٧٦ ]
مرفوعا، إلا أنه لم يتعقب العراقي بعدم تخريج ذلك (^١)، وانظر مواضع أخرى مماثلة، ولم يتعرض العراقي لها (^٢). وفي كتاب الحج - زيارة المدينة - قال الغزالي: «ثم يأتي قبر النبي ﷺ وليس من السنة أن يمس الجدار، ولا أن يقبله»، فلم يتعرض العراقي لذلك (^٣).
وكذا لم يتعرض له الشارح بتخريج أي رواية مرفوعة أو موقوفة، ولا تعقب العراقي في تركه (^٤).
٢ - ومما صدره الغزالي أيضًا بعبارة غير صريحة في رفع ما بعدها إلى الرسول ﷺ، ما قال فيه (ويُروى كذا) بصيغة البناء للمجهول، دون تصريح بعزو ما بعدها، لا إلى النبي ﷺ، ولا إلى غيره، وبذلك يحتمل الأمر أن الغزالي يريد رفع ما يذكره إلى النبي ﷺ، ويحتمل أن يريد ما هو معزو إلى غيره ﷺ حسبما يظهر من البحث والتخريج، بل قد يكون ما أورده بهذه الصيغة مما لم يقف العراقي له على أصل، كما تقدم تقريره لذلك في بيان شرطه، وتقدم هناك بيانه أيضًا أنه قد يخرج ما يورده الغزالي بهذه الصيغة، احتياطا؛ لأن يكون أراد الحديث المرفوع الذي يجده العراقي موافقا لما ذكر، وإن لم تكن الصيغة التي استعملها الغزالي صريحة في الرفع، وسيأتي من الأمثلة ما
_________________
(١) (شرح الإحياء) ٤/ ٣٩٩.
(٢) «الإحياء» ١/ ٢٨٩ كتاب آداب تلاوة القرآن - أعمال الباطن في التلاوة/ حيث قال الغزالي «والمقصود من القراءة التدبر، ولذلك سن فيه الترتيل». وفي كتاب ترتيب الأوراد - وظائف المريد. ذكر الغزالي: القيلولة وقال: «وهي سنة يستعان بها على قيام الليل»، ١/ ٣٤٩
(٣) «الإحياء مع المغني»، ١/ ٢٦٦
(٤) «شرح الإحياء» ٤/ ٤١٨.
[ ٤ / ١٤٧٧ ]
يؤيد هذا، وقد سبق في بيان شرط العراقي ذكر مثالين لما تعرض لتخريجه من هذا النوع، مع إشارته إلى خروج ما يورده الغزالي بهذه الصيغة عن شرطه في هذا التخريج.
وهنا أضيف ما يؤكد ذلك، بذكر بعض الأمثلة التي خرجها، وبعض الأمثلة التي تركها، مع تشابههما في الصيغة التي أوردهما الغزالي بها.
فقد قال الغزالي في موضع: (وروي أن الحلية تبلغ مواضع الوضوء) فقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى الصحيحين، من حديث أبي هريرة مرفوعًا (^١).
وقال الغزالي في موضع آخر بعد هذا: «ويروى أن الطاهر كالصائم».
وقد خرجه العراقي أيضًا، مرفوعًا إلى الرسول ﷺ، من حديث عمرو ابن حريث، عند الديلمي، بسند ضعيف (^٢).
وقال الغزالي في موضع آخر: وقد يتكل المؤمن على قوته، كما روي عن سليمان ﵇، أنه قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، ولم يقل: إن شاء الله تعالى، فحرم ما أراد من الولد.
فقام العراقي بتخريج هذا من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وذلك بعزوه إلى البخاري (^٣).
ثم قال الغزالي بعد ذلك في موضع آخر: «وروي أن سليمان بن داود ﵉، لما عوقب على خطيئته، لأجل التمثال الذي عبده في داره أربعين
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٣٩ - الطهارة - كيفية الوضوء - حديث (٣).
(٢) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٤١ حديث (٢).
(٣) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٣٦٤ حديث (١) - كتاب ذم الكبر.
[ ٤ / ١٤٧٨ ]
يوْمًا، وقِيلَ: لأَنَّ المرْأَةَ سأَلَتْهُ أَنْ يَحْكُمَ لأَبِيهَا …».
فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^١).
أما الزبيدي في الشرح فقد خرج في معنى ما ذكره الغزالي عدة روايات، بعضها موقوف على ابن عباس، وبعضها موقوف على سعيد بن جبير، وبعضها موقوف على مجاهد، وقد عزا تلك الروايات إلى مصادر مما اعتمد العراقي عليه في تخريجه هذا (^٢)، فلعله لم يتعرض له لعدم وقوفه على حديث مرفوع فيه، حسب شرطه.
وقال الغزالي في موضع آخر: «وروي أن عابدا عبد الله تعالى في غيضة دهرا طويلا .. إلى أن قال: فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان: قل لفلان العابد …».
فلم يتعرض العراقي إلى تخريج ذلك (^٣).
أما الزبيدي فعلق على هذا الموضع بقوله: نقله صاحب القوت يعني - قوت القلوب، لأبي طالب المكي، ثم قال: ورواه البيهقي في الشعب عن أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أخي يقول … فذكره، بنحو ما في «الإحياء» (^٤).
أقول: وأحمد بن أبى الحواري هذا من تبع أتباع التابعين حيث توفي سنة ٢٤٦ هـ (^٥).
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٥٢ - التوبة - دواء التوبة.
(٢) «الإتحاف» ٨/ ٦١٤، ٦١٥
(٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٢٣، ٣٢٤ - كتاب المحبة - علامات محبة العبد لله.
(٤) «الإتحاف» ٩/ ٦٢٤
(٥) «التقريب» ١/ ٨١ ترجمة ٦١.
[ ٤ / ١٤٧٩ ]
وقد روي هذا الكلام بطوله، عن أخيه، من قوله، واقتصار الزبيدي على ذلك، يفيد عدم وقوفه على رواية مرفوعة.
ومما تقدم نلاحظ أمرين:
أولهما: أن ما يورده الغزالي بهذه الصيغة، بعضه يوجد بلفظه أو بمعناه مرفوعا، أو موقوفا على بعض الصحابة أو من دونهم، وبعضه لم يوقف له على أصل.
ثانيهما: أن كل ما يورده الغزالي بهذه الصيغة يعتبر خارجا عن شرط العراقي، ولكنه يخرج منه مواضع، يقف لها على روايات مرفوعة، احتياطا لأن يكون الغزالي يقصد تلك الروايات المرفوعة، وإن لم تكن عبارته صريحة في قصد ذلك.
وأما عدم تنبيه العراقي في كل موضع على أنه تصدى لتخريجه احتياطا فذلك من دأب العلماء السابقين، أنهم كانوا يكتفون بالتنبيه على الشيءء في بعض مواضعه، اعتمادًا على أن القارئ يطلع على الكتاب بأكمله فيتضح له المسكوت عنه، بمثيله المنبه عليه.
هذا وستأتي أمثلة أخرى لما أورده الغزالي بصيغة «يُروى» أو «رُوي» مما خرجه العراقي زيادة على شرطه، وما تركه لخروجه على الشرط، وذلك ضمن مبحث موقف العراقي من الإسرائيليات، والأحاديث القدسية التي ترد في الإحياء، ولكني لاحظت أن المخرج عند العراقي، مما هو مذكور بهذه الصيغة، أقل مما لم يتصد لتخريجه.
٣ - ومما صدره أو ختمه الغزالي أيضًا بعبارة غير صريحة في رفع الحديث،
[ ٤ / ١٤٨٠ ]
ما يقول فيه: «وفي الخبر كذا» أو «وردت الأخبار بكذا» ونحو ذلك.
وقد سبق في بيان شرط العراقي تقريره أن الغزالي يعبر بهذه العبارة كثيرا، صلى الله في غير المرفوع إلى الرسول ﷺ (^١)، وبذلك تكون تلك العبارة وما شابهها ليست صريحة في إرادة الغزالي رفع ما يذكره بها إلى الرسول ﷺ، وعليه فلا يكون الوارد بهذه الصيغة داخلا في شرط العراقي؛ لكنه خرج بعضه لفائدة، وترك الكثير لخروجه عن شرطه.
ففي موضع ذكر الغزالي رواية بعبارة: «وفي الخبر» وهي تعتبر موقوفة بحسب المصدر الذي نقلها الغزالي منه، فتصرف الغزالي في نقلها بحذف الموقوف عليه، فصارت العبارة تحتمل إرادة الرفع، وغيره، وقد انتقده الشارح في هذا.
بيان ذلك، أن الغزالي قال: وروي أن عابدا دعا بعض إخوانه، فقرب إليه رغفانًا، فجعل أخوه يقلب الأرغفة ليختار أجودها، فقال له العابد: مة أما علمت أن في الرغيف الذي رغبت عنه كذا وكذا حكمة، وعمل فيه كذا، وكذا صانع …
إلى أن قال: «وفي الخبر: لا يستدير الرغيف، ويوضع بين يديك، حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صانعا، أولهم ميكائيل …».
فهذه الرواية ذات شطرين:
الأول قوله: روي أن عابدا دعا بعض إخوانه .. إلى قوله: وفي الخبر.
والثاني قوله: «وفي الخبر .. إلخ».
_________________
(١) وانظر كذلك «المغني مع الإحياء» ٤/ ١٥٦.
[ ٤ / ١٤٨١ ]
فالعراقي لم يتعرض لتخريج الشطر الأول المصدر بعبارة «روي»، ولكن تعرض للشطر الثاني المصدر بلفظ «وفي الخبر» فقال: حديث: لا يستدير الرغيف، ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه …، لم أجد له أصلا (^١).
أما الزبيدي فعلق على قول العراقي هذا فقال: قلت: «رواه - يعني ما تقدم بشطريه - صاحب «القوت» عن وهب بن منبه، باللفظ الأول، يعني قوله: روي أن عابدًا، .. إلى قوله وفي الخبر، وعن غيره - يعني غير وهب - باللفظ الثاني، يعني قوله: وفي الخبر، لا يستدير الرغيف …» ثم قال الزبيدي: والقصة واحدة، وهي قصة دعاء العابد لبعض إخوانه، وقد صرّح صاحب «القوت» بذلك، وميز بين السياقين، حيث قال: وقال الآخر زيادة: في الخبر - أي في هذا الخبر الذي ساقه - وأراد به، هذه القصة، ولم يرد صاحب «القوت» بقوله: «في الخبر» أنه مرفوع إلى نبينا ﷺ، فمن هنا جاء الاشتباه، يعني على العراقي بحيث تصدى لتخريج الشطر الثاني ببيان أنه لم يجد له أصلا، كما تقدم.
ثم أشار الزبيدي إلى الاعتذار عن العراقي في اشتباه الأمر عليه، فقال: والحق أن سياق المصنف - يعني الغزالي - مشعر بأنه: في الخبر النبوي، ولكن حيث وجدنا أصل الكلام الذي هو مأخذ المصنف في كتابه هذا، استرحنا، فهو خبر إسرائيلي، من قول ذلك العابد، الذي دعا، مخاطبًا به أخاه، وهذا موضع شديد الالتباس، وناهيك بالمصنف، مع جلالة قدره، كيف يغفل عن ذلك، ويزيد في كلامه لبسا، حتى يظن من جاء بعده، أنه كلام نبوي،
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» - كتاب كسر الشهوتين ٣/ ٩١ حديث (١).
[ ٤ / ١٤٨٢ ]
ولكن مراجعة الأصول الصحيحة، تمنع من الوقوع في الغلط، والله أعلم (^١).
أقول: ويبدو أن العراقي لم يراجع في هذا الموضع، مصدر كلام الغزالي المذكور، وهو كتاب (قوت القلوب)؛ لأنه لو رجع إليه لظهر له أن عبارة «وفي الخبر» هنا، لا تحتمل الرفع، وبذلك لم يكن تعرض لتخريج ما ذكر بها، ولو على سبيل الاحتياط للوفاء بشرطه.
وفي موضع آخر، قال الغزالي: وفي الخبر: لا يدخلن أحدكم الصلاة وهو مقطب، ولا يصلين، وهو غضبان.
وقد قام العراقي بتخريج ذلك فقال: حديث لا يدخل أحدكم الصلاة وهو مقطب …، لم أجده (^٢).
وقد أقر الشارح العراقي على هذا (^٣).
وقال الغزالي في موضع آخر أيضًا: «وقد ورد في الخبر: أنه ينشر للعبد بكل يوم وليلة أربع وعشرون خزانة مصفوفة، فيفتح له منها خزانة فيراها مملوءة نورًا من حسناته …».
وقد تصدى العراقي لتخريجه بقوله: لم أجد له أصلا (^٤).
وقد أقره الزبيدي على ذلك (^٥).
_________________
(١) «الإتحاف» ٧/ ٤١٨.
(٢) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٦٣ حديث (٣).
(٣) «الإتحاف» ٣/ ٩٤.
(٤) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٨٢ حديث (١).
(٥) «الإتحاف» ١٠/ ٩٢.
[ ٤ / ١٤٨٣ ]
ولعل فائدة تعرض العراقي لمثل هذه المواضع، مع خروجها عن شرطه؛ لكي ينبه على عدم وجوده ذلك مرفوعًا، ولا موقوفًا، حتى لا يعول عليه من لا دراية له، أو لكي يحفز غيره لمواصلة البحث عنه في المتاح له من المصادر
وسيأتي في مبحث ما قال عنه العراقي: إنه لا أصل له، أو لم يجد له أصلا، ما يؤيد هذا، بتعقب غيره له في بعض المواضع المماثلة
وفي موضع قال الغزالي: وفي الخبر: من بورك له في شيء فليلزمه، ومن جُعِلَتْ معيشته في شيء، فلا ينتقل عنه، حتى يتغير عليه
وقد تصدى العراقي لتخريج ذلك ببيان أنه مفرق في حديثين مرفوعين (^١) وبوقوف العراقي عليه في المرفوع ترجح لديه احتمال أن الغزالي يريد بقوله هنا: (وفي الخبر)، يعني الخبر المرفوع، فتصدى لتخريجه، وإن لم تكن عبارة الغزالي صريحة في ذلك.
وقد لاحظ الزبيدي هذا، فذكر في الشرح كلمة «المرفوع» عقب قول الغزالي في هذا الموضع: (وفي الخبر) فأصبح تقدير كلامه هكذا «وفي الخبر المرفوع …» إلخ، ثم ذكر تخريج العراقي للحديث، مع إضافة بعض مخارج أخرى من عنده (^٢)
وفي موضع قال الغزالي: وفي الخبر: إذا نام - يعني الشخص - على طهارة، رفع روحه إلى العرش.
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» - كتاب الحج، فضيلة المدينة ١/ ٢٥١ حديث (٦)
(٢) «الإتحاف» ٤/ ٢٨٧ وانظر من مثل هذا أيضًا في «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٦٩ حديث (٣) مع «الإتحاف» ٤/ ٤٣٣، و«الإحياء مع المغني» ٣/ ٣١٠ حديث (٢)، و«الإحياء مع المغني» ٤/ ٢١٦ حديث (١) و«الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٢٠ حديث (٢) مع «الإتحاف» ٩/ ٦١٤.
[ ٤ / ١٤٨٤ ]
فقام العراقي بتخريج هذا بالعزو إلى ابن المبارك في «الزهد»، موقوفًا على أبي الدرداء، وإلى البيهقي في «الشعب»، موقوفًا على عبد الله بن عمرو ابن العاص، ثم ذكر رواية ثالثة مرفوعة بمعناه، مع زيادة، وعزاها إلى الطبراني في «الأوسط»، وذكر أنها ضعيفة (^١).
وقد نقل الزبيدي عن العراقي تخريج الروايتين الموقوفتين فقط (^٢)، فلعل الرواية المرفوعة سقطت من نسخته أو من الطباعة.
ووجود تلك الرواية المرفوعة بالإضافة إلى الروايتين الموقوفتين، يعتبر مرجحًا لأن الغزالي يريد بقوله: «وفي الخبر» هنا، المرفوع إلى الرسول ﷺ وبالتالي يكون تصدي العراقي لتخريج هذا الموضع من نوع الاحتياط لتحقيق مراد الغزالي، كما أشار إلى ذلك في موضع مماثل فيما تقدم في بيان شرط العراقي.
وفي موضع قال الغزالي: (وجاء في الخبر: يأتي على الناس زمان يُوَشُّون ثيابهم، كما توشي البرود اليمانية).
فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^٣)، وقد علّق الشارح على ذلك بقوله: أورده صاحب «القوت»، وأغفله العراقي (^٤).
ومن الواضح أن هذا الموضع ليس على شرط العراقي، فلا ضير عليه في إغفاله، خاصة وأن الشارح لم يعزه لأي مصدر آخر غير «القوت»، فكأنه
_________________
(١) «المغني مع الإحياء» ١/ ٣٥٤ حديث (٢).
(٢) «الإتحاف» ٥/ ١٥٧.
(٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٢٣٠.
(٤) «الإتحاف» ٩/ ٣٦١.
[ ٤ / ١٤٨٥ ]
ذِكرُ إغفالِ العراقيِّ له، للإشارةِ إلى عَدَمِ وُقوفِهِ هو الآخَرُ عليهِ في مَصْدَرِ حَديثي، وبهذا يترجَّحُ أنَّ الغزاليَّ لم يَرِدْ في هذا الموضعِ بقولِهِ: «وفي الخَبَرِ» رَفَعَ ما بعدَهُ إلى الرسولِ ﷺ.
وفي مَوْضِعٍ قالَ الغزاليُّ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: من حَضَرَ مَعْصِيةً فَكَرِهَها فكأنَّه غابَ عَنْها، ومَن غابَ عَنْها فأحبَّها، فكأنه حَضَرَها.
وقد قامَ العِراقيُّ بتخريجِ ذلكَ بناءً على شرطِه (^١).
ثم بعدَ هذا الموضعِ بِكَثيرٍ، قالَ الغزاليُّ: وفي الخبرِ المشهورِ: مَنْ شَهِدَ مُنْكرًا فَرَضيَ به، فكأنَّه فَعَلَهُ.
فلم يتعرَّضِ العراقيُّ لتخريجِه ولا أحالَ به على الموضِعِ الأولِ، كما هو مَنهجُهُ في المكرَّرِ، وهو بنحوِ الثاني (^٢) كما ترى، بحيثُ إنَّ الشارِحَ أحالَ من الأوَّلِ على الثاني فقال: كذا في «القوتِ»، يعني بهذا اللفظِ وتقدَّمَ في كتابِ الأمرِ بالمعروفِ، يعني الموضعَ الأولَ، ثمَّ ذَكَرَ رِوايةً بنحوِهِ من عندِ أبي يَعْلى في «مُسْنَدِهِ» من حديثِ الحسينِ بنِ عليٍّ ﵄ (^٣).
ويُلاحَظُ أنَّ عِبارةَ الغزاليِّ في الموضِعِ الثاني تُرَجِّحُ إرادتَهُ للرَّفْعِ، حيثُ قالَ: «وفي الخبرِ المشهورِ».
وقد خَرَّجَ العراقيُّ ما صُدِّرَ بِمِثلِها في مَوضِعٍ آخَرَ (^٤) عليه فلم يظهر لي وَجْهُ
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٢/ ٣٠٥، ٣٠٦ حديث (١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٤١.
(٣) «الإتحاف» ٩/ ٦٦٤ وانظر «مسند أبي يعلى،» ١٢/ ١٥٤ حديث ٦٧٨٥ وقال محققه: إسناده ضعيف جدًّا.
(٤) «الإحياء مع المغني» ١/¬٤٨ حديث (٣).
[ ٤ / ١٤٨٦ ]
في ترك العراقي لتخريج هذا الموضع الثاني، إلا كونه خارجًا عن شرطه.
وفي موضع آخر قال الغزالي: قال النبي ﷺ: البذاذة من الإيمان. فقام العراقي بتخريجه (^١)، ثم قال بعد هذا بكثير: «وفي الخبر: البذاذة من الإيمان» فلم يتعرض العراقي لتخريجه، ولا أحال به على ما تقدم (^٢)، وفي موضع آخر قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ: من ترك زينة لله، ووضع ثيابًا حسنة تواضعًا لله، وابتغاء لمرضاته، كان حقا على الله أن يدخر له عبقري الجنة.
فقام العراقي بتخريجه (^٣). ثم قال الغزالي بعد هذا بكثير أيضًا: وفي الخبر: من ترك ثوب جمال، وهو يقدر عليه، تواضعًا لله تعالى، وابتغاء لوجهه كان حقا على الله، أن يدخر له من عبقري الجنة …».
ولم يتعرض العراقي لتخريجه، ولا أحال به (^٤) في حين نجد الشارح ذكر في الموضع الثاني ما ذكره العراقي في تخريج الموضع الأول، مع زيادة من عنده (^٥) ولكنه لم يتعقب العراقي بعدم تخريج هذا الموضع الثاني، وسبب ذلك على ما يظهر، هو معرفة الشارح بخروج مثل هذا الموضع عن شرط العراقي.
وبذلك يتضح أن ما يخرجه العراقي مما يعبر فيه الغزالي بعبارة «وفي الخبر» أو «ورد في الأخبار» هكذا مطلقة، يعتبر من زيادته على ما هو داخل في شرطه، وليس من شرطه الالتزام بتخريجه، حتى لو كان يعلم أن هذا لفظ، أو
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٣٤٥ حديث (٥).
(٢) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٢٢٩.
(٣) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٢٤٦ حديث (١).
(٤) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٢٢٩.
(٥) «الإتحاف» ٩/ ٣٥٧.
[ ٤ / ١٤٨٧ ]
معنى حديث مرفوع، بدليل تخريجه له مرفوعًا في الموضع المطابق لشرطه وستأتي بعض أمثلة أخرى في مبحث الأحاديث القدسية، ومبحث الإسرائيليات
٤ - ومما أورده الغزالي بعبارة غير صريحة في الرفع قوله: «ورد الأمر بكذا، أو النهي عن كذا، ونحو هاتين العبارتين، دون تحديد الأمر، ولا الناهي، ولا من روى هذا الأمر أو النهي، ثم خرج العراقي بعضه، وترك الكثير منه، تبعا لشرطه. فقد قال الغزالي: في شأن سجود التلاوة: فإنه ورد الأمر بالسجود فليتبع فيه الأمر».
فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^١) ومثله الشارح (^٢)، فلعل مراد الغزالي هنا ورود الأمر يعني في بعض آيات السجود.
وفي موضع آخر ذكر الغزالي عن طواف الملائكة بالبيت المعمور في السماء: إن الخلق أمروا بالتشبه بهم، بحسب الإمكان، بالطواف بالكعبة.
فلم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على الأمر بالطواف بالكعبة (^٣).
وفي موضع آخر قال الغزالي: «وقد ورد الأمر بإكرام الخبز».
فتصدى العراقي لتخريجه بقوله: حديث: أكرموا الخبز، البزار والطبراني وابن قانع من حديث عبد الله بن أم حرام، بإسناد ضعيف جدًا، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (^٤).
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٨٤.
(٢) «الإتحاف» ٤/ ٤٨٨.
(٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٢٧٦.
(٤) «الإحياء مع المغني» ٢/¬٤ حديث (٥).
[ ٤ / ١٤٨٨ ]
وقد ذكر الزبيدي أن قول الغزالي هنا «ورد الأمر بإكرام الخبز» مشار به إلى حديث «أكرموا الخبز هذا، لكنه لم يذكر - حسب عادته - تخريج العراقي السابق له».
بل خرجه هو من جانبه بالعزو إلى البيهقي والحاكم وصححه، وأقره الذهبي، وإلى البغوي في «معجمه» (يعني معجم الصحابة) ولا بن قتيبة في «غريبه» (^١).
ولعل مما يرجح أن الغزالي يريد بعبارته السابقة حديثا مرفوعًا، أنه بعد نحو عشرين سطرًا ذكر حديث «أكرموا الخبز» مصرحًا برفعه، ولم يتعرض العراقي لتخريجه ثانيًا لكونه تقدم قريبًا، ومن شرطه في المكرر قريبًا هكذا ألا يعيد تخريجه، ولا ينبه على تقدمه (^٢).
أما الشارح فتعرض ثانيًا لتخريجه بتوسع عما ذكره في الموضع الأول ولم ينسب مما ذكره شيئًا للعراقي، ولعله لم يتعقب العراقي بتركه في هذا الموضع المصرح به، لمعرفته بشرطه في المكرر، كما قدمت (^٣).
وعموما فإن تخريج العراقي للحديث في موضع الإشارة إليه بقول الغزالي: «ورد الأمر بكذا» يعتبر زائدًا على شرطه، ويعتبر تخريجه له احتياطًا لأن يكون الغزالي قصد الحديث المرفوع، كما صرح به بعد هذا بقليل.
وأما النهي المطلق، فمنه قول الغزالي في موضع: وأما نقض الوتر، فقد صح فيه نهي، فلا ينبغي أن يُنقض.
_________________
(١) «الإتحاف» ٥/ ٢١٦.
(٢) انظر مقدمته مع «الإحياء» ١/¬٩.
(٣) «الإتحاف» ٥/ ٢١٩، ٢٢٠.
[ ٤ / ١٤٨٩ ]
وقد تصدى العراقي لتخريجه فقال: حديث النهي عن نقض الوتر، قال المصنف - يعني الغزالي -: صح فيه نهي، قلت: وإنما صح من قول (عائد) بن عمرو، وله صحبة، كما رواه البخاري. ومن قول ابن عباس كما رواه البيهقي.
ثم قال: ولم يصرح الغزالي بأنه مرفوع، فالظاهر أنه إنما أراد ما ذكرناه عن الصحابة (^١).
وقد نقل الشارح ما ذكره العراقي، دون تعليق (^٢).
ويلاحظ أن العراقي أشار إلى أن هذا الموضع خارج عن شرطه، لعدم تصريح الغزالي برفع هذا النهي إلى رسول الله ﷺ، ولكنه تصدى لتخريج ما أشار له الغزالي، للوفاء بما ظهر له أنه مقصوده، وإن لم يكن داخلا في شرطه، لكون ما وقف عليه في ذلك يعتبر من الآثار الموقوفة على الصحابة (^٣).
وفي موضع آخر، وهو «باب المنهيات في الصلاة» قال الغزالي: «ونُهي أيضا عن أن يشبك - أي المصلي - أصابعه، أو يفرقع أصابعه، أو يستُرَ وَجْهَهُ …».
فقام العراقي بتخريج أحاديث في ذلك، مستهلا أولها بقوله: «حديث النهي عن تشبيك الأصابع …» ثم أتبعه بالباقي، قائلا في بداية تخريج كل حديث: حديث النهي عن كذا … (^٤).
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٣٥٣.
(٢) «الإتحاف» ٥/ ١٥٦.
(٣) وانظر الأثرين السابقين عند البيهقي في السنن ٣/¬٣٦ - باب من قال: لا ينقض القائم من الليل وتره. وأثر عائذ في «البخاري مع الفتح» - المغازي، باب غزوة الحديبية ٧/ ٤٥١ مع «الفتح».
(٤) انظر «الإحياء مع المغني» ١/ ١٦٣.
[ ٤ / ١٤٩٠ ]
وقال الغزالي في موضع آخر: نُهي عن الإنتباذ في المزفت، والحنتم والنقير.
فقام العراقي بتخريج ذلك بقوله: حديث النهي عن الانتباذ .. متفق عليه من حديث ابن عباس (^١).
ويلاحظ أن الموضعين السابقين مشابهين للموضع الأول في التعبير بـ «نهي»، دون تصريح بالرفع، فلعل العراقي تصدى لتخريجهما لما وجده في معناهما من الأحاديث المرفوعة، فخرجهما احتياطا لأن يكون الغزالي قصد تلك الأحاديث المرفوعة، وإن لم تكن عبارته صريحة في ذلك.
ومما يؤيد اعتباره ذلك من تخريج ما هو زائد على شرطه، أنه جاءت بعض المواضع المشابهة أيضًا، ولم يتعرض لتخريجها.
ففي موضع ذكر الغزالي: أن من القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر، وإن كان صدقا، ثم قال: فَمِنْ هَذَا نهي عنه.
فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^٢)، وكذا الشارح، ولم يتعقب العراقي في تركه، لمعرفته مقتضى شرطه، كما سبق (^٣).
وقد تقدم قبل هذا الموضع ببابين قول الغزالي: روي مسندا: لا يفتي الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور أو متكلف …
فتصدى العراقي لتخريجه بقوله: حديث: لا يفتي الناس إلا ثلاثة (الحديث) ابن ماجه، من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، بلفظ:
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٢٥/ ٢٧٠.
(٢) «الإحياء مع المغني» ١/¬٤١.
(٣) «الإتحاف» ١/ ٢٤٥.
[ ٤ / ١٤٩١ ]
لا يقص على الناس، وإسناده حسن (^١)، فكان بإمكان العراقي أن يحيل على هذا، كما يفعل في إحالات ما هو على شرطه، ولكنه لم يفعل لعدم دخول هذا الموضع الثاني في شرطه.
وأيضًا فإن الموضع السابق الذي ذكر فيه الغزالي قوله: "نهي عن الإنتباذ … " جاء بعده بعدة أسطر قول الغزالي أيضًا: «بل لهذا، يُنهى عن لبس القباء، وعن ترك الشعر على الرأس قزعًا .. ولا يُنهى عن ذلك فيما وراء النهر ..» ولم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على هذا النهي (^٢).
ومن يتأمل سياق كلام الغزالي في الموضع الأخير يلاحظ أنه لا يريد رفع النهي إلى الرسول ﷺ. ولعل هذا مما جعل العراقي لا يتصدى لذلك، ولو على سبيل الاحتياط.
٥ - ومما أورده الغزالي أيضًا بعبارة غير صريحة في الرفع، فتصدى العراقي لتخريجه زيادة عن شرطه، قول الغزالي: «وَعْدُ الخُلُقِ بكذا، أو ورد الوعد بكذا».
ففي موضع ذكر الغزالي: أن الخلق وَعَدُوا بأن من تشبه بقوم، فهو منهم.
فتعرض العراقي لتخريجه بقوله: حديث: من تشبه بقوم ..» (^٣).
فلعل وقوف العراقي على اللفظ المذكور، مرفوعًا، رجح لديه حمل مراد الغزالي عليه، وإن لم تكن عبارته صريحة في ذلك.
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/¬٢٤ وص ٤١ من والإحياء.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٢/ ٢٧٠.
(٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٧٦.
[ ٤ / ١٤٩٢ ]
وفي موضع آخر ذكر الغزالي أن ذبح الهذي في الحج تقرب إلى الله تعالى بحكم الامتثال، ثم قال: «فَأَكْمِل الهَدْي، وارْج أن يعتق الله بكل جزء منه جزءا منك من النار، فهكذا ورد الوعد»
وقد قام العراقي بتخريج ذلك بقوله: حديث أنه يعتق بكل جزء من الأضحية جزءًا من المضحي من النار، لم أقف له على أصل، ثم ذكر حديثا آخر في المعنى (^١).
ولعل الذي جعل العراقي يتصدى لهذا رغم خروجه عن شرطه، حرضه على بيان أنه لا أصل لحديث بهذا اللفظ الذي أورده الغزالي، خصوصا وأن مثله لا يقال من جهة الرأي والاجتهاد، فصار في حكم المرفوع، لو ثبت.
٦ - وقد عبّر الغزالي أيضًا في بعض المواضع بصيغة بعيدة عن إرادة رفع ما بعدها إليه ﷺ، وهي صيغة «قيل» أو «يقال كذا».
فخرج العراقي بعض تلك المواضع، وترك الكثير منها، لخروج ذلك عن شرطه.
ففي موضع قال الغزالي: ويقال: إن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل، فذلك أيضًا مستحب.
ولم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على استحباب هذا (^٢).
وفي موضع آخر قال الغزالي: «ويقال: إن المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء …».
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٧٧.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٢/¬١٧.
[ ٤ / ١٤٩٣ ]
فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^١)، مع أن مثله لا يقال من جهة الرأي والاجتهاد، كما ترى.
وفي موضع آخر قال الغزالي: ويقال: ما أتى الله عبدًا علما إلا آتاه معه حلما. ولم يتعرض العراقي لتخريج شيء فيه (^٢).
وعدم دلالة عبارة (يقال) هذه على الرفع واضح، وقد سبق في بيان شرط العراقي، أن الزبيدي قد انتقده في التعرض لتخريج بعض ما أورده الغزالي بتلك العبارة.
لكن قال الغزالي في موضع: «فقد قيل: إن العبد إذا نام على طهارة فذكر الله تعالى، يكتب مصليا، حتى يستيقظ، ويدخُلُ في شعاره ملك …».
فقام العراقي بتخريجه قائلا: «حديث: قيل: إنه إذا نام على طهارة ذاكرا لله …» (رواه) ابن حبان من حديث ابن عمر: من بات طاهرا بات في شعاره ملك … (^٣).
وقد نقل الشارح تخريج العراقي هذا، ولم ينتقد تعرضه لتخريج هذا الموضع مثلما انتقده في مثيله كما قدمت، ولعله اكتفى بالنقد السابق لانسحابه على كل المواضع المماثلة.
وهذا النقد يفيد أن ما تعرض له العراقي بالتخريج مما أورده الغزالي بمثل هذه العبارة، يعتبر زيادة عن شرطه، لفائدة يراها أولى من التزام الشرط، الذي
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٢٨٩.
(٢) «الإحياء مع المغني» ١/ ٨١.
(٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ٣٥٤.
[ ٤ / ١٤٩٤ ]
راعاه في أكثر المواضع، كما في الأمثلة السابقة.
٧ - موقف العراقي من تخريج الأحاديث المقتبسة:
جرى الغزالي في «الإحياء» على أنه يذكر خلال كلامه، بعض ألفاظ الأحاديث المرفوعة، ممزوجة بكلامه، على سبيل الاقتباس، دون إشارة إلى أن ما ذكره لفظ حديث نبوي، وبالتالي لا تعتبر مثل هذه المواضع داخلة فيما التزم العراقي بتخريجه حسب شرطه، كما قدمت توضيحه، ولكنه مع ذلك تصدى لتخريج بعض ما أورده الغزالي على هذا النحو، زيادة عن شرطه، وقد ذكرت بعض تلك المواضع عند بيان شرط العراقي، وسأورد هنا بعضًا آخر، يوضح موقف العراقي من هذا النوع من أحاديث «الإحياء».
فقد أورد الغزالي حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» مصرحًا برفعه في مقدمة الكتاب، فقام العراقي بتخريجه (^١) ثم كرره في موضع آخر مصرحا برفعه، فأعاد العراقي تخريجه بالإحالة على الموضع السابق (^٢).
ثم في موضع بعد هذا قال الغزالي: ولا تظنن أن الجاهل بما يقدر على التعلم فيه، يُعْذَر، هيهات، بل طلب العلم فريضة على كل مسلم، ولهذا كانت ركعتان من عالم .. إلخ.
فلم يتعرض العراقي لتخريج الحديث هنا، ولو بالإحالة على ما تقدم وهنا هو مُقْتَبَس كما ترى، دون إشارة لكونه حديثا (^٣).
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٩/¬١٠.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٢/ ٩٠.
(٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٨٨.
[ ٤ / ١٤٩٥ ]
أما الزبيدي فقد علق على هذا الموضع بقوله: كما في الخبر، وتقدم في كتاب العلم (^١)، لكنه لم يتعقب العراقي بأنه أغفل تخريج الحديث هنا، وإن كان تعقبه في موضع آخر، كما سيأتي.
ومما يدل على اعتبار العراقي أن ذلك خارج عن شرطه، أن الغزالي في موضع ذكر حديث «إذا ذكر القدر فأمسكوا» مصرحًا برفعه.
فقام العراقي بتخريجه (^٢).
ثم بعد ذلك بعدة كتب من «الإحياء» ذكر الغزالي: أن بعض العباد أشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها، فأدركوا الأمور كلها كما هي عليه، فقيل لهم: تأدبوا بآداب الله تعالى، واسكتوا، و«إذا ذكر القدر، فأمسكوا».
وقد تعرض العراقي لتخريج ذلك بقوله: حديث: «إذا ذكر القدر فأمسكوا»، الطبراني من حديث ابن مسعود، وقد تقدم في العلم، ولم يصرح المصنف بكونه حديثا (^٣)، يعني في هذا الموضع الأخير، وهو بهذا يشير إلى خروجه عن شرطه، مع تعرضه لتخريجه.
وفي موضع آخر قال الغزالي: «فإن للوتر فضلا عن الزوج، فإن الله سبحانه وتر يحب الوتر».
_________________
(١) «الإتحاف» ١٠/ ١٠٤.
(٢) «الإحياء مع المغني» ١/¬٣٦ حديث (١).
(٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٩٤.
[ ٤ / ١٤٩٦ ]
فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك، لخروجه عن شرطه (^١).
لكن الزبيدي علق على هذا الموضع بقوله: «هو حديث، وقد أغفله العراقي، أخرجه أحمد والبزار عن ابن عمر، وقال الهيثمي: رجاله موثقون …» (^٢).
ومقتضى معرفة الزبيدي بشرط العراقي في تخريجه هذا، ألا يتعقبه بإغفال تخريج الحديث في هذا الموضع، لكون الغزالي لم يصرح فيه برفع الحديث كما ترى.
وقد سبق عدم تعقبه للعراقي في موضع مماثل، فلعله لم يستحضر شرطه حين علق على الحديث الأخير هذا.
وفي موضع آخر قال الغزالي: وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله ﷿، والدرهم بسبعمائة درهم.
فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^٣).
فجاء الزبيدي، فعلق على هذا بقوله: نقله صاحب «القوت»، وقال: روي ذلك عن رسول الله ﷺ، ثم تصدى الزبيدي لتخريجه، دون أن يتعقب العراقي بأنه أغفله (^٤) فكأنه لاحظ هنا شرط العراقي.
موقف العراقي من تخريج الإسرائيليات:
المقصود بالإسرائيليات هنا، ما وقع في «الإحياء» غير مصرح برفعه (^٥): من
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٤٧ وانظر مثالا آخر في ١/ ٣٤٠ مع ٤/ ١٤٥ حديث (٧).
(٢) «الإتحاف» ٢/ ٤١٥.
(٣) «الإحياء مع المغني» ١/ ٢٧٠.
(٤) «الإتحاف» ٤/ ٤٣٤ وانظر «الإحياء» ٤/ ١٦٨ عدة أحاديث مقتبسة، ولم تخرج.
(٥) لأن المصرح برفعه في شرط العراقي، ويتصدى لتخريجه.
[ ٤ / ١٤٩٧ ]
الروايات التي تنسب إلى التوراة، والإنجيل، أو أحدهما (^١)، أو تكون من أقوال بعض أنبيائهم، أو من أخبارهم، أو بعض ما أوحي إليهم (^٢).
وقد فسر شارح الإحياء الإسرائيليات في بعض المواضع ٦/ ٢٢٨ بأنها: الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبياء بني إسرائيل، ولكنها في الواقع الموجود خلال «الإحياء» أعم من هذا، فقد تكون موعظة، أو عبرة من أحوال بني إسرائيل، أو أقوال أو أخبار بعضهم، من الصلحاء أو العلماء أو العصاة (^٣).
وقد أورد الغزالي ذلك بصيغ متعددة؛ منها الصريح في الرفع إلى الرسول ﷺ، وهذه داخلة في شرط العراقي، ومنها ما ليس صريحًا في إفادة الرفع إلى الرسول ﷺ ولذلك فإن العراقي ترك التعرض لتخريج الكثير منها، وخرج القليل، لما ظهر له في ذلك من فائدة تتعلق بالموضع الذي تعرض له، وما يماثله، مما لم يتعرض له.
ففي بعض مواضع يقول الغزالي: «وفي الإسرائيليات كذا …» (^٤).
وبعضها «ذكر بعض العلماء في الإسرائيليات كذا» (^٥) وبعضها «روي أو يُروى في الإسرائيليات كذا» (^٦) وبعضها يعبر بصيغة «يروى كذا»، أو «وفي
_________________
(١) «الإحياء» ١/ ٦٩، ٧٠ و٢/ ٩٢، ٣٠٨ و٤/ ٣١٥، ٣٢٨.
(٢) «الإحياء» ١/ ٦٥، ٦٦، ٦٧ و٢/ ٣٠٩ و٣/¬٣١، ٣٦٤ و٤/ ١٥٦، ٢٧٨، ٣١٥، ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٣٩، ٣٥٣، ٣٨٩.
(٣) «الإحياء» ١/ ٦٧، ٦٨، ٣١٥ و٢/¬١٧، ٩٢ و٣/ ٣٤٠ و٤/¬٣٤، ٥٢، ١٥٠، ٣١٥، ٣٣٦، ٣٥٢.
(٤) «الإحياء» ٤/¬٣٤.
(٥) «الإحياء» ٤/ ٢٧٧.
(٦) «الإحياء» ١/ ٨١، ٢/ ١٨١ و٤/ ٥٢، ٣٣٦، ٣٥٢.
[ ٤ / ١٤٩٨ ]
الخبر كذا»، كما سيأتي في الأمثلة التالية:
ففي موضع قال الغزالي: روي أن رجلا في بني إسرائيل، كان يقال له: خليع بني إسرائيل .. وساق قصة.
فلم يتعرض العراقي لتخريجها (^١)، ثم بعد ذلك بعدة أسطر قال الغزالي: وكذلك روي أن رجلًا في بني إسرائيل أتى عابدًا من بني إسرائيل فوطئ على رقبته … وساق قصة مشابهة.
فقام العراقي بتخريج ذلك (^٢)، مع أن الصيغة التي أورد الغزالي بها الروايتين واحدة، وليس فيها تصريح بالرفع كما ترى، وبالتالي لا تدخل الروايتان في شرطه، فلعله خرج الرواية الثانية لوقوفه عليها مرفوعة، فأخرجها احتياطا لأن تكون هي المقصودة للغزالي، وإن لم تكن عبارته صريحة في ذلك.
وفي موضع آخر قال الغزالي: «ورُوي أن سليمان بن داؤد ﵇، لما عوقب على خطيئته لأجل التمثال الذي عُبد في داره …».
فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^٣). لكن الزبيدي قام من جانبه بتخريج عدة روايات في معنى ما ذكره الغزالي، وهي روايات موقوفة، بعضها موقوف على ابن عباس، وبعضها موقوف على سعيد بن حبير، وبعضها موقوف على مجاهد، وقد عزا تلك الروايات إلى مصادر مما اعتمد عليه العراقي في
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٣٤٠.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٣٤٠.
(٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٥٢ وانظر مثالًا آخر في «الإحياء مع المغني» ٤/ ١٥٠ و«الإتحاف». ٩/ ١٨٧
[ ٤ / ١٤٩٩ ]
تخريجه هذا (^١) بحيث يمكن القول: إنها لم تكن خافية عليه، ولكنه لم يخرجها لكونها ليست على شرطه، حيث لم يصرح الغزالي برفعها، ولذا لم ينتقد الشارح العراقي بعدم التعرض لها.
وفي موضع آخر قال الغزالي: روي عن سليمان ﵇ أنه قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، ولم يقل: إن شاء الله، فحرم ما أراد من الولد.
فقام العراقي بتخريجه، بالعزو إلى البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة (^٢) فلعل هذا ما جعله يتصدى لتخريجه، وإن لم يكن على شرطه وذلك لبيان أن من الإسرائيليات ما هو ثابت صحيح.
وفي بعض المواضع قال الغزالي: «قال عيسى ﵇: إلى متى تصفون الطريق للمدلجين …».
فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^٣).
ثم في موضع آخر قال الغزالي: وقال عيسى ﵇: الأمور ثلاثة: أمر استبان رشده .. (الحديث).
فتصدى العراقي لتخريجه (^٤)، ولعل سبب ذلك وقوفه عليه مرفوعا، فآثر إفادة ذلك، وإن لم يكن على شرطه.
_________________
(١) «الإتحاف» ٨/ ٦١٤، ٦١٥ وانظر أمثلة ما تركه ولم يخرجه الشارح مرفوعا/ الإحياء مع المغني ٢/ ١٥٧ والشرح ٦/ ١٧٧ والإحياء مع المغني ٤/ ٣٩٣ مع الشرح ١٠/ ١١٥.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٣٦٤.
(٣) «الإحياء» ١/ ٦٥ ومثله في ٦٦، ٦٧، ٦٨ و٤/ ٣٥٣.
(٤) «الإحياء مع المغني» ٤/ ٣٨٩.
[ ٤ / ١٥٠٠ ]
وفي موضع آخر قال الغزالي: وفي الخبر: إن الله تعالى أوحى إلى داؤد ﵇: يا داؤد: خفني كما تخاف السبع الضاري.
فقال العراقي: حديث: إن الله تعالى أوحى إلى داود ..، لم أجد له أصلا، ولعل المصنف قصد بإيراده، أنه من الإسرائيليات، فإنه عبّر عنه بقوله: (وفي الخبر)، وكثيرًا ما يعبر بذلك عن الإسرائيليات التي هي غير مرفوعة (^١).
وفي موضع آخر قال الغزالي: وفي الخبر: إن الله تعالى أوحى إلى داؤد ﵇ أحبني، وأحب من يحبني.
فقال العراقي في تخريجه: لم أجد له أصلا، وكأنه من الإسرائيليات كالذي قبله (^٢) وقوله: «كالذي قبله، إشارة إلى ما أورده الغزالي أيضًا لكنه بعد سطور، حيث قال: وفي الخبر: أن رجلا من بني إسرائيل كان يُقنط، ويشدد عليهم ..».
وقد قام العراقي أيضًا بتخريجه من رواية عن زيد بن أسلم مقطوعا (^٣)، وقوله عن الحديث الأول إنه قبل الثاني، لعله سبق نظر منه، لتقارب موضعهما أو لعله كان مقدما في نسخته من (الإحياء).
وفي موضع آخر، قال الغزالي: وفي خبر موسى ﵊: وأما الورعون، فإنه لا يبقى أحد إلا ناقشته الحساب، وفتشت عما في يديه إلا الورعين، فإني أستحي منهم، وأجلهم أن أوقفهم للحساب. فلم
_________________
(١) (الإحياء مع المغني) ٤/ ١٥٦.
(٢) (الإحياء مع المغني) ٤/ ١٤٢.
(٣) و«الإحياء مع المغني» ٤/ ١٤٢.
[ ٤ / ١٥٠١ ]
يتعرض العراقي لتخريجه (^١).
وأما الزبيدي فإنه خرج مقابل هذا رواية بنحوه من حديث ابن عباس، قال: قال الله تعالى يا موسى ..، فذكره بنحوه، ثم قال: ولم يتعرض له العراقي هنا، لكونه من الإسرائيليات وليس من المرفوع (^٢) وعبارة الزبيدي هذه تؤيد ما قدمته أن الإسرائيليات التي لا تدخل في شرط العراقي هي التي لا تذكر على أنها مرفوعة.
وفي موضع آخر قال الغزالي: وفي الخبر: أن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل: كان عليها من كل البقول، إلا الكراث، وكان عليها سمكة …
فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^٣).
وقد قام الشارح بتخريج عدة روايات، أحدها بنحو هذا الخبر، ومنها ما هو في معناه، ولكن جميعها موقوفات، فمنها ما هو موقوف على سلمان الفارسي، ومنها موقوف على ابن عباس، ومنها موقوف على غيرهما، وقد عزاها الشارح إلى مصادر مما رجع العراقي إليه في هذا التخريج، بحيث لا يظن خفاؤها على اطلاعه، لو أراد تخريجها (^٤)، ولكنها ليست من مقتضى شرطه كما أشار الشارح إلى ذلك في المثال الذي قبل هذا، ولعل ذلك مما جعله لا يتعقب العراقي بإغفال تخريج هذا الموضع، مراعاة منه لشرطه. كما أن تخريج الشارح لذلك وما قبله بروايات موقوفة، يؤيد ما قرره العراقي فيما
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٤/ ١٥٨.
(٢) «الإتحاف» ٩/ ٢١١.
(٣) «الإحياء مع المغني»: ٢/¬١٧.
(٤) «الإتحاف» ٥/ ٢٥٦، ٢٥٧.
[ ٤ / ١٥٠٢ ]
سبق، من أن الغزالي كثيرًا ما يعبر بقوله: وفي الخبر: عن الإسرائيليات غير المرفوعة ويؤيد أيضا ما قدمته من نقد تسميته كتابه بتخريج ما في (الإحياء) من الأخبار.
وهكذا نلاحظ فيما تقدم من الأمثلة، أن الإسرائيليات التي يوردها الغزالي بعبارة غير صريحة في الرفع إلى الرسول ﷺ، قد ترك العراقي تخريج الكثير منها، لخروجه عما يلزمه تخريجه، حسب شرطه في هذا التخريج. كما نلاحظ أن ما خرجه منها زيادة عن شرطه، قد تحقق من خلاله فوائد علمية تعتبر أهم من ترك تخريج تلك المواضع، حسبما يقتضيه شرطه.
فمن ذلك تنبيه العراقي خلال أحد الأمثلة السابقة على قاعدة استقرائية هامة بالنسبة لمنهج العزالي في إيراد المرويات في (الإحياء)، وهي: أنه كثيرًا ما يستعمل صيغة «وفي الخبر» هكذا مطلقة، في إيراد الإسرائيليات، بأنواعها السابقة، غير المرفوعة إلى النبي ﷺ.
وقد أصاب العراقي في تقرير هذه القاعدة، حيث لاحظت بنفسي مطابقتها لواقع «الإحياء» خلال قراءتي له جميعه.
وحبذا لو كان العراقي بين هذه القاعدة في مقدمة التخريج التي كتبها بعد الفراغ منه، فالمقدمة هي مكانها الأساسي، لكي يتسنى للقارئ فهم اصطلاح الغزالي هذا، منذ شروعه في مطالعة تخريج روايات و«الإحياء»، وليستفاد بها أيضًا في تمييز مرويات الإحياء بعضها عن بعض.
وأيضًا فإن تقرير العراقي لهذه القاعدة، مفيد في بيان أن كثيرًا من الروايات التي يصدرها الغزالي بعبارة «وفي الخبر» مطلقة، ليست داخلة في شرط
[ ٤ / ١٥٠٣ ]
العراقي في هذا التخريج، وبذلك لا يتعقب فيما لا يتصدى لتخريجه منها كما في الموضع السابق ذكره عن الزبيدي.
ومن فوائد تعرض العراقي لتخريج أحد الأمثلة السابقة، إشارته من خلاله إلى أن الإسرائيليات التي لا يصرح الغزالي برفعها، منها ما هو في الواقع مرفوع إلى الرسول ﷺ، حسب مصادر التخريج، ومنها ما ليس مرفوعًا، وقد بين العراقي في أحد المواضع السابقة، ما روي مقطوعًا من تلك الإسرائيليات.
ومن فوائد ما تعرض العراقي لتخريجه أيضًا، إشارته خلال بعض الأمثلة السابقة إلى أن الإسرائيليات، كما أن منها ما هو ثابت عن الرسول ﷺ في «صحيح البخاري»، فكذلك منها ما لا أصل له في كتب السنة عمومًا، فلا يعول عليه.
موقف العراقي من تخريج ما في «الإحياء» من الأحاديث القدسية:
لقد لاحظت من قراءتي للإحياء أن الغزالي يورد الأحاديث القدسية فيه مصدرة بصيغ مختلفة، فتارة يرفعها إلى الرسول ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿ (^١) وتارة يذكرها بصيغة غير صريحة في الرفع (^٢)، وتارة يقتبس لفظها في سياق كلامه (^٣) وتارة يذكرها عن بعض التابعين أنه ينسبها إلى الله ﷿، وبمقتضى شرط العراقي السابق، فإنه يكون ملتزمًا بتخريج النوع الأول فقط؛ لكني وجدته في بعض المواضع قد يترك ما يدخل في شرطه، وفي بعضها.
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ١/ ١٧٣، ٢٣٧ و٣/¬٤٧، ٢٠٧ و٤/ ٣٣٥.
(٢) «الإحياء» ١/ ٣٧٠ و٤/¬٣١، ٢٨٢، ٣٢٦، ٣٣٥
(٣) ٣/ ٣٧٤
[ ٤ / ١٥٠٤ ]
خرج ما ليس من شرطه لفائدة، فمرة ذكر الغزالي بعض الأحاديث مصرّحًا برفعها إلى الرسول ﷺ ثم قال: ولقد جاءت الرواية عنه عن ربه ﷿، أنه قال لموسى ﵇: إذا رأيت الغنى مقبلًا، فقل ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلًا، فقل مرحبا بشعار الصالحين.
فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^١)، مع دخوله في شرطه؛ لتصريح الغزالي برفعه إلى الرسول ﷺ عن ربه، كما ترى.
وقد قام الزبيدي في شرحه للإحياء بتخريج الحديث، لكن بروايتين موقوفتين، إحداهما عن فضيل بن عياض، والثانية عن كعب الأحبار (^٢) فلعل ما في «الإحياء» جاء غير مرفوع في نسخة العراقي بسقوط كلمة «عنه» التي تعود إليه ﷺ.
ولم يتعقب الزبيدي أيضًا العراقي هنا مع وجود كلمة «عنه» في نسخته ومعرفته بشرط العراقي.
ثم إن الغزالي بعد هذا الموضع بعدة كتب من «الإحياء» قال: وفي الخبر: إذا رأيت الفقر مقبلًا، فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلًا (الحديث).
فقام العراقي بتخريجه في هذا الموضع (^٣)، دون إشارة لتقدمه، كما هو منهجه في الإحالة على ما يتكرر (^٤)، ويلاحظ أن الغزالي في هذا الموضع لم
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٣/ ٢٠٧.
(٢) «الإتحاف» ٨/ ١٠١.
(٣) «الإحياء مع المغني» ٤/ ١٩١.
(٤) انظر (مقدمة التخريج بحاشية الإحياء) ١/¬٩.
[ ٤ / ١٥٠٥ ]
يذكر كون الحديث قدسيا، بذكر نسبته إلى الله ﷿، كما أنه لم يصرح برفعه إلى الرسول ﷺ وإنما أورده بصيغة «وفي الخبر» التي تحتمل أن مقصوده بها حديثا مرفوعًا أو غيره، كما تقدم تقرير العراقي ذلك بنفسه، وبالتالي لا يكون هذا الموضع داخلا في شرطه، فلعله خرجه احتياطًا لأن يكون مقصود الغزالي هنا الحديث المرفوع، وإن لم يصرح.
وقد نقل الزبيدي تخريج العراقي للحديث هنا، وأشار أيضًا إلى تقدمه في الموضع السابق، ولكنه لم يتعقب العراقي ببيان كونه هنا ليس من شرطه (^١).
وقد أورد الغزالي في موضع آخر حديثين قدسيين: أحدهما صدره بصيغة «روي» والثاني بصيغة «وفي الخبر المشهور» وبذلك لا يكونان من شرط العراقي، ولكنه قام بتخريجهما (^٢)، ونقل الشارح تخريجهما، دون تعقب (^٣). وأورد الغزالي في موضع آخر حديثًا قدسيًا بصيغة «روي أن الله تعالى …» فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^٤)، وقد عزاه الشارح إلى «شعب الإيمان» للبيهقي، من قول بشر الحافي، بنحوه مع زيادة في أوله، ولم يتعقب العراقي في عدم تعرضه له (^٥).
وأورد الغزالي حديثًا آخر بالصيغة نفسها، فلم يتعرض له العراقي كذلك (^٦).
_________________
(١) «الإتحاف»: ٩/ ٢٧٧ وانظر مثالًا آخر كهذا في (الإحياء مع المغني) ٤/ ١٤٥ حديث (٤) و«الإتحاف»: ٩/ ١٧٧
(٢) «الإحياء ومعه المغن» ي: ٤/ ٣٣٥.
(٣) «الإتحاف»: ٩/ ٦٥١، ٦٥٢.
(٤) «الإحياء ومعه المغني»: ٤/ ٣٢٦.
(٥) «الإتحاف»: ٩/ ٦٢٩.
(٦) «الإحياء مع المغني»: ٤/ ٢٨٢.
[ ٤ / ١٥٠٦ ]
واقتصر الشارح على عزوه «لقوت القلوب» لأبي طالب المكي (^١). وفي موضع آخر، جاء في النسخة المطبوعة من «الإحياء» ما نصه: «وقوله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، ولم أجد تعرض العراقي لتخريجه في هذا الموضع (^٢)، وقد جاء في نسخة الزبيدي من «الإحياء» هكذا: «وقوله ﷺ قال الله ﷿: أعددت لعبادي …» الحديث.
وعلق عليه الزبيدي قائلا: «أغفله العراقي، وسبب إغفاله، أنه يوجد في بعض نسخ الكتاب: «وقال الله ﷿»، بدون «وقوله ﷺ» وهو حديث قدسي، رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ..» (^٣).
وبهذا نجد أن الشارح استحضر هنا شرط العراقي في تخريجه، وبين عذره في عدم تخريج الحديث في هذا الموضع، وهو حدوث خلاف في نسخ الإحياء نفسه في صيغة إيراد الحديث، وبالتالي يحمل إغفال العراقي له على وروده في نسخته غير مصرح برفعه، كما جاء في النسخة المطبوعة بمطبعة الحلبي، والتي سبقت الإحالة عليها، وبذلك لا يكون هذا الموضع داخلا فيما يلزم العراقي تخريجه، حسب شرطه.
وأضيف هنا تأييدا لتعليل الزبيدي، أنه بعد هذا الموضع بعدة كتب من كتب
_________________
(١) «الإتحاف»: ٩/ ٥٢٧.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٤/¬٣١.
(٣) و«الإحياء مع الإتحاف» ٨/ ٥٦٨.
[ ٤ / ١٥٠٧ ]
«الإحياء» أورد الغزالي الحديث المذكور ضمن حديث مرفوع، غير قدسي، وذلك في موضعين متقاربين، فقام العراقي بتخريجهما، مع ذكر رواية الحديث القدسي هذه، ضمن تخريجهما (^١).
وفي موضع آخر قال الغزالي: «وقال قتادة: إذا راعى العبد، يقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي يستهزئ بي (^٢). ثم كرره مرة أخرى في موضع بعد هذا، ولم يتعرض العراقي له في الموضعين (^٣).
ويلاحظ أن من نسبه إلى الله تعالى، تابعي، وهو «قتادة بن دعامة». وفي موضع آخر قال الغزالي: فإن قلت: فأين الغلط في قول العصاة، والفجار: إن الله كريم، وإنا لنرجوا رحمته، ومغفرته، وقد قال: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرا؟»، فما هذا إلا كلام صحيح مقبول الظاهر في القلوب …».
فعبارة «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرا» بنحو حديث قدسي مرفوع، ولكن الغزالي أورده هنا اقتباسا في أثناء كلامه هو، كما ترى ولذلك لم يتعرض العراقي لتخريجه، وكذلك شارح «الإحياء» (^٤). ثم إن الغزالي قد أورد نحو هذا مرفوعًا في كتاب آخر من «الإحياء» بعد
_________________
(١) • الإحياء مع المغني، ٤/ ٥٢٣، ٥٢٧.
(٢) • الإحياء مع المغني، ٣/ ٢٨٩.
(٣) • الإحياء مع المغني، ٤/ ٢٩٣.
(٤) • الإتحاف، ٨/ ٤٤١.
[ ٤ / ١٥٠٨ ]
هذا فقال: وقال ﷺ: يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء. فقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى ابن حبان من حديث واثلة بن الأسقع، وإلى الصحيحين من حديث أبي هريرة، دون قوله: «فليظن بي ما شاء» (^١)، وقد ساق العجلوني (كشف الخفاء) لفظ رواية ابن حبان هكذا «أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا، فله وإن ظن شرا، فله».
وهو بنحو اللفظ الذي اقتبسه الغزالي في الموضع الذي ذكرته قبل هذا.
وفي موضع آخر قال الغزالي: وفي خبر آخر: يقول الله ﷿: إنما خلقت الخلق ليربحوا علي، لم أخلقهم لأربح عليهم.
وقد تعرض العراقي له بقوله: لم أقف له على أصل (^٢).
وقد أقره الشارح على هذا، مع بيان أن هذا الخبر من الإسرائيليات التي ليست مرفوعة ولا مسندة (^٣).
وهكذا يظهر لنا أن ما تعرض العراقي لتخريجه من الأحاديث القدسية التي لم يُصرح في الإحياء برفعها، قد تحقق من خلال تعرضه لها فوائد علمية هامة، حيث تبين أن من تلك الأحاديث ما يوجد في مصادر حديثية مرفوعا، مع بيان العراقي لدرجته، ومن تلك الأحاديث ما لم يقف العراقي له على أصل في المصادر التي أتيحت له، مع حرصه، وسعة اطلاعه.
_________________
(١) «الإحياء مع المغني» ٤/ ١٤١.
(٢) «الإحياء مع المغني» ٤/ ١٤٧.
(٣) «الإتحاف» ٩/ ١٨٠.
[ ٤ / ١٥٠٩ ]
تخريج العراقى للأحاديث التي تتكرر في الإحياء، عرض، ونقد.
كتاب «الإحياء» مرتب على الموضوعات، أي على الكتب، لأن كل كتاب من كتبه يتناول موضوعا عاما، كالعلم، وقواعد العقائد، والمحبة والشوق، والرضا بالله.
وكل كتاب قسمه الغزالى إلى أبوبا، أفصول، أو شطرين، أو أقسام …، ومن المعروف أن المؤلفات التي ترتب هكذا، وتعتم على الاستدلال بالأحاديث، فإنه يتكرر فيها الحديث الواحد، بكامله، أو ببعض أجزائه، في أكثر من موضع، حسب الأحكام، والآداب التي تدل ألفاظه عليها، بمختلف أنواع الدلالة.
ولهذا، فإن الغزالي يكرر الحديث في أكثر من كتاب من كتب الإحياء، ويكرر أيضا، في أكثر من باب أو فصل، أ قسم، خلال الكتاب الواحد من كتب الإحياء. وأكثر ما وقفت عليه، تكريره الحديث في سبعة مواضع خلال كتاب الإحياء كله مثل ك حديث: «سبعة يظلهم الله في ظله» (^١).
ولذلك، فإن العراقي في بيانه لعناصر منهجه في مقدمة هذا التخريج، قد حرص على بيان طريقته في التعرض لتخريج الأحاديث. التي تتكرر في الإحياء، فقال: وحيث كبرر المصنف (^٢) ذِكرَ الحديث، فإن كان في باب (^٣) واحد منه،
_________________
(١) انظر الإحياء مع المغني ١/ ٢١٦ و٢٩٦ و٢/ ١٥٧، ١٨٤ و٣/ ١٠١، ٢٨٧ و٤/ ١٦٠.
(٢) يعنى الغزالي.
(٣) مقصوده بالباب هنا، وفى باقى كلامه الآتى، هو الموضوع المتفرع من أحد كتب الإحياء، كالصلاة، ورياضة النفس، سواء عنونه الغزالي بباب،، أو فصل، أو قسم.
[ ٤ / ١٥١٠ ]
اكتفيت بذكره أول مرة، يرد فيها (^١)، وربما ذكرته فيه (^٢) ثانيا، وثالثا (^٣) الغرض، أو لذهول عن كونه تقدم. وإن كرره في باب آخر، ذكرته، ونبهت على أنه قد تقدم، وربما لم أنبه على تقدمه، لذهول عنه (^٤).
وعند قراءتي لكل من كتاب الإحياء، وتخريج الواقي هذا له، قراءة مفصلة، ظهر لى موافقة صنيع العراقي في الأكثر ولما قرره في كلامه السابق، كما ظهر لى بعض اختلاف في واقع التخريج، عما ذكره العراقى في كلامه السابق، في المقدمة.
وتفصيل ذلك كما يلى:
١ - ذكر العراقي آنفا، أنه يخرج الحديث المكرر عند أول مرة يرد فيه الحديث في الإحياء، ولكنه لم يلتزم بذلك دائما، فقد يترك تخريج الحديث في أول مرة يذكر فيها في الإحياء، ثم يخرجه بعد ذلك عند تكرر الحديث في موضع متأخر من الإحياء، أو عند ايراده هو له ضمن تخريج حديث متأخر أيضا من أحاديث الإحياء.
وقد تسبب هذا في بعض المواضع، وفي نقد العراقي بأنه لم يخرج بعض الأحاديث، لعدم تنبه المنتقد إلى أن العراقى قد خرج هذا الحديث، ولكن في موضع آخر؛ بعد هذا الموضع، الذي لم يتعرض للحديث فيه. مزيد بيان.
_________________
(١) يعنى بذكر الحديث، نقله من الإحياء إلى كتاب المغني وثم التعرض لتخريجه، أو بيان عدم وقوفه عليه، ونحو ذلك.
(٢) يعنى نقلته وتكلمت عنه، مرة أخرى، خلال تخريج أحاديث الكتاب نفسه من كتب الإحياء.
(٣) أو أكثر من ذلك حسب تكرر الحديث.
(٤) الإحياء مع المغني ١/¬٩.
[ ٤ / ١٥١١ ]
وأمثلة لذلك في مبحث «ما فات العراقي تخريجه» بمشيئة الله، وهنا نورد أيضا بعض الأمثلة للتوضيح:
«فمن ذلك أنه في كتاب الصلاة - بيان ما ينبغى أن يَخْصُرَ في القلب عند كل ركن …» قال الغزالي: «إذ كانت قرة عينه فيها ﷺ» - يعنى في الصلاة.
فهذه إشارة إلى جزء من الحديث المشهور: حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى في الصلاة.
ولكن العراقي لم يتعرض لتخريج هذه الفقرة من الحديث في هذا الموضع الأول الذي أورها فيه الغزالي (^١).
ثم كررها الغزال بعد هذا لكثير، ضمن الحديث كله، وذلك في كتاب آخر وهو «كتاب النكاح - آفاته، وفوائده» - فقال: وقال ﵊: حبب إلى من دنياكم ثلاث: «الطيب والنساء، وقرة عينى في الصلاة. فقام العراقى بتخريجه بالعزو إلى سنن النساء وإياكم …». ولم يشر إلى أنه تقدم بعضه وهو قرة عينه ﷺ في الصلاة (^٢) مع أن الغزالي بعد هذا كرر تلك الفقرة وحدها، فأحال العراقى بتخريجها على هذا الموضع الذي خرجها فيه ضمن الحديث بكامله، فقد قال الغزالي بعد هذا، في كتاب رياضة النفس - بيان السبب الذي يُنال به حسن الخلق - قال ﷺ: وجعلت قرة عينى في الصلاة (^٣).
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/ ١٧١.
(٢) الإحياء مع المغني ٢/¬٣١ حديث (٧).
(٣) انظر الإحياء مع المغني ٤/ ٥٢٥ حديث (٥).
[ ٤ / ١٥١٢ ]
قال العراقي في تخريجه: رواه النسائي من حديث أنس، وقد تقدم (^١) فقوله: (وقد تقدم) إشارة إلى الموضع السابق الذي خرج فيه الحديث بكامله من سنن النسائي والحاكم، لأنه هو الموضع الوحيد الذي تقدم تخريجه للحديث فيه، قبل هذا الموضع المحال منه.
وكرره الغزالي أيضا بعد هذا الموضع في كتاب آخر، وهو كتاب كسر الشهوتين، فأحال بتخريجه بقوله: تقدم أيضا (^٢).
وقد تنبه شارح الإحياء لتلافى إهمال العراقي تخريج هذه الفقرة من الحديث، في أول مرة ذكرها الغزالي، كما تقدم، فعلق عليها بقوله: وقد أشار - يعنى الغزالي - بذلك إلى الحديث المشهور: حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة، كما رواه أحمد في كتاب الزهد، والنسائي والحاكم والبيهقى عن أنس ﵁ وسيأتى الكلام على تخريج هذا الحديث، وما يتعلق به من الإشارات، حيث يذكره المصنف إن شاء الله تعالى (^٣) ثم لما تكررت هذه الفقرة في الموضع التالى لهذا، ضمن الحديث بكامله، وهو موضع تخريج العراقى لها معه، قام الشارح ايضا بما وعد به من تخريج الحديث بما ذكره العراقي، وزاد عليه توسعا كثيرا (^٤).
وفي موضع آخر وهو كتاب آداب الأكل - الباب الرابع - قال الغزالي: قال ﷺ: «سيد الإدام اللحم».
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ٥٧ حديث (١).
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٩٨ حديث (٥).
(٣) الإتحاف ٣/ ١٣٧، ١٣٨
(٤) الإتحاف ٥/ ٣١١.
[ ٤ / ١٥١٣ ]
فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^١) مع أن هذه أول مرة ذكره الغزالي فيها. ثم بعد ذلك بثمانية كتب، ذكر الغزالي - في كتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة - أنه ﷺ كان أحب الطعام إليه اللحم، ويقول: هو يزيد في السمع، وهو سيد الطعام في الدنيا والآخرة .. (الحديث).
فقام العراقى بتخريجه، بعدة روايات، ومنها ما عزاه إلى ابن ماجه من حديث أبي الدرداء بإسناد ضعيف، سيد طعام أهل الدنيا، وأهل الجنة اللحم (^٢) وهو كما ترى بمعنى الحديث السابق ولكنه لم يشر إلى ذلك.
وقد تلافى الشارح ايضا عدم تعرض العراقي لتخريج الحديث في الموضع الأول، فقام هو بتخريجه من عدة مصادر، وذكر منها حديث ابن ماجه الذي ذكره العراقي ضمنتخريج الحديث في الموضع الثاني المتأخر، كما أوضحته (^٣).
هذا وسيأتي ضمن مبحث ما فات العراقي تخريجه، بعض الأمثلة الأخرى.
٢ - قول العراقي عن الحديث المكرر: فإن كان في باب واحد منه، اكتفيت بذكره أول مرة يرد فيها» يعنى أن الحديث إذا تكرر في باب أو فصل، ونحوهما من فروع أحد كتب الإحياء، فإنه يكتفى بذكره في المغنى والتعرض لتخريجه في المرة الأولى فقط ولا يذكره في المغنى عند تكرره في الإحياء مرة أخرى في الباب أو الموضوع نفسه، مثل الباب الأول من كتاب العلم، أو
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/¬١٧.
(٢) الإحياء مع المغني ٢/ ٣٦٩ حديث (٤).
(٣) الإتحاف ٥/ ٢٥٤، ٢٥٥.
[ ٤ / ١٥١٤ ]
الفصل الرابع من كتاب الزكاة، أو «بيان ذم الدنيا» من كتاب ذم الدنيا، أو الشطر الثانى من كتاب «الكبر والعجب» وهكذا.
ولعل العراقي راس هذا، اعتمادًا على أن الكتاب الواحد من كتب الإحياء، يعتبر دائرة أضيق، يمكن القارئ ملاحظة تكرار الحديث في فروعه، وبالتالي رجوعه إلى الموضع الذي خرج العراقى الحديث فيه، فلا يحتاج مع ذلك لتكرير تخريجه له، خصوصا إذا كان تخريجه للحديث هو هو، ليس فيه إضافة جديد.
لكن الذي لاحظته أن بعض من طالع الإحياء، وطالع تخريج العراقي له، قدمها عن اصطلاح العراقى هذا، وعن ملاحظة الموضع الذي قدم تخريج الحديث فيه. ولهذا تعقب العراقى في الموضع المتأخر من الكتاب نفسه عن موضع تخريجه للحديث فيه، بأنه لم يخرج الحديث مطلقا، في حين يكون العراقي قد خرجه قبل موضع التعقب بقليل.
ففى كتاب آداب الأكل - الباب الأول منه - قال الغزالي: «وقد ورد الأمر بإكرام الخبز».
فقام العراقي بتخريجه بقوله: حديث «أكرموا الخبز» البزار والطبراني، وابن قانع من حديث عبد الله بن أم حرام … (^١).
ثم بعد هذا بقرابة نصف صفحة من الباب نفسه، قال الغزالي: قال ﷺ: «أكرموا الخبر».
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/¬٤ حديث (٥).
[ ٤ / ١٥١٥ ]
فلم يتعرض العراقى له بشيء، تبعا لاصطلاحه السابق ذكره (^١) فجاء مصحح طبعة مصطفى الحلبى للإحياء مع المغنى، وعلق على هذا الموضع الثاني الذكر تكرر في الحديث في الإحياء، بقوله: لم يخرجه العراقي، وخرجه الشارح عن الحكيم الترمذي، وغيره، فانظره اهـ مصححه (^٢).
أقول: ولو أن المصحح نظر فقط في الصفحة السابقة لتعليقه هذا، لرأى تخريج العراقي للحديث المذكور.
وقد لاحظ الشارع، ما غفل عنه المصحح من تكرر الحديث، لكنه في الموضع الأول الذي خرج فيه العراقى الحديث، لم ينقل تخريج العراقي له، وإنما خرجه من مصادر أخرى غير التي خرجه منها العراقي، ثم قال: وسيأتي باقى الكلام على هذا الحديث قريبا وفي القسم الثاني، يعنى من آداب الأكل (^٣) ثم إنه في الموضع الثانى الذي أشار لتكرر الحديث فيه، قام ثانيا بإعادة تخريج الحديث من مصادر أخرى غير التي خرج الحديث منها في الموضع المتقدم، وذكر مصدرًا واحدًا مما عزا العراقي الحديث إليه، وهو الموضوعات لابن الجوزي، وتعقب ذكره في الموضوعات ببيان توفر شواهد له تدفع الحكم بوضعه، وذكر منها الروايات التي ذكرها في تخريج الحديث في الموضع الأول (^٤)، ولم يتعقب العراقي بعدم تخريجه للحديث، كما فهم المصحح.
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/¬٥.
(٢) الإحياء مع المغني ٢/¬٥ حاشية المصحح، برقم (٢).
(٣) الإتحاف ٥/ ٢١٦.
(٤) الإتحاف ٥/ ٢١٩، ٢٢٠.
[ ٤ / ١٥١٦ ]
وفي كتاب (كسر الشهوتين) بيان فضيلة الجوع - قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك، كأجر المجاهد في سبيل الله (الحديث).
وقد تعرض العرقى للحديث بقوله: لم أجد له أصلا (^١).
وبعد ذلك بثلاثة صفحات ونصف تقريبا - بيان فوائد الجوع - من كتاب كسر الشهوتين نفسه - قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ: جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك.
فلم يتعرض العراقي له ثانية لتقدم تعرضه له في الكتاب نفسه، حسب اصطلاحه (^٢).
لكن مصحح طبعة مصطفى الحلبي علق على الحديث في هذا الموضع بقوله: لم يخرجه العراقي (^٣).
ومقصوده أنه لم يتعرض له بشيء، بدليل أنه لا يعلق بمثل هذا على الأحاديث الأخرى التي يوردها العراقي في المغنى، ويعلق عليها بأنه لم يجدها، أو لم يجد لها أصلا.
أما الشارح فعلق على الحديث في هذا الموضع الثاني بقوله: تقدم هذا الحديث قريبا، قال العراقي: لم أجد له أصلا (^٤).
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ٧٨ حديث (١).
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٨١
(٣) الإحياء مع المغني ٣/ ٨١ حاشية المصحح برقم (١).
(٤) الاتحاف ٧/ ٣٩٤
[ ٤ / ١٥١٧ ]
فهذا يدل على أن تعقب المصحح في غير محله.
وفي «كتاب ذم الجاه والرياء» بيان سبب كون الجاه محبوبا - قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ: - منهومان لا يشبعان، منهوم العلم، ومنهوم المال.
فتعرض العراقي لتخريجه، ثم قال: وقد تقدم. وذلك إشارة إلى تقدمه في كتاب ذم البخل السابق على كتاب ذم الجاه، هذا (^١).
وقد كرر الغزالي الحديث نفسه مرة ثالثة في كتاب ذم الجاه، بعد الموضع السابق ذكره، بنحو صفحتين.
فلم يتعرض العراقى له لشيء، وذلك لتقدم تخريجه له قريبا في الباب نفسه، حسب اصطلاحه (^٢).
فلما تعرض الشارح لهذا الموضع علق على الحديث بقوله: تقدم قريبا (^٣) فأحال بذلك على تخريجه في الموضع الذى خرجه فيه العراقي قريبا من هذا. كما: أوضحته.
وفي كتاب آداب الألفة - الباب الثالث - أورد الغزالي: حديث: «من حمى عرض أخيه المسلم في الدنيا، بعث الله له ملكا يحميه يوم القيامة من النار» فخرجه العراقي بقوله: رواه أبو داود من حديث معاذ بن أنس نحوه بسند ضعيف (^٤).
_________________
(١) انظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٣٢ و٢٧٤ حديث (١).
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٧٦.
(٣) الإتحاف ٨/ ٢٤٤.
(٤) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٠٥ حديث (١).
[ ٤ / ١٥١٨ ]
وقد بين الشارح أن لفظ أبي داود: من حمى مؤمنا من منافق يغتابه، بعث الله ملكا يحيى لحمه يوم القيامة (^١).
وبعد هذا الموضع بصفحتين من الباب نفسه، ذكر الغزالي الحديث بنحو رواية ابي داود السابقة.
فلم يتعرض له العراقي حسب اصطلاحه.
فقام الشارح بتخريجه من عند أبي داود وغيره، ثم قال: وتقدم قريبا، ولم يذكره العراقي (^٢).
فقوله: «لم يذكره العراقى» يعنى في هذا الموضع الثاني، وكان مفروضا أن لا يتعقبه بهذا، طالما ذكر أنه تقدم قريبا.
فلعله لم يلاحظ اصطلاح العراقي في هذا النوع من تكرر الأحاديث.
٣ - ثم نبه العراقي على أنه قد يخالف هذا الإصطلاح بالنسبة لما يتكرر من الأحاديث في الإحياء، فى الباب الواحد أكثر من مرة، فقال: وربما ذكرته فيه. - يعنى فى الباب نفسه عند تكرره - ثانيا، وثالثا، لغرض، أو لذهول عن كونه تقدم.
فبين ذلك أنه قد يكرر ذكر الحديث في المغنى، ويتعرض للكلام عليه، وذلك لسببين:
أحدهما: وجود غرض مفيد، يقتضى إعادة الكلام على الحديث، وذلك
_________________
(١) الإتحاف ٦/ ٢٨٤.
(٢) الإتحاف ٦/ ٢٩٣ وقد نقل كلام الشارح مصحح طبعة مصطفى الحلبي بحاشيتها، عند هذا الحديث ٢/ ٢٠٨، دون أن ينتبه كذلك لتخريج العراقي للحديث قبل صفحتين فقط.
[ ٤ / ١٥١٩ ]
يتركه العراقي لاستنتاج القارئ بعدما يراجع كلامه عن الحديث في الموضعين. وثانيهما: ذهول العراقي عن أن الحديث تكرر، وأنه تكلم عليه فيما قبل هذا الموضع من التخريج. وليس هناك علامة يُستدل بها على ذهول العراقي، في إعادة تخريج الحديث، غير أنه يمكن معرفة ذلك بأن يكون كلامه عن تخريج الحديث في الموضعين، هو هو، بدون زيادة فائدة.
فمن أمثلة النوع الأول، وهو المكرر لغرض: أن الغزالي في كتاب ذم الجاه والرياء - بيان ترك الطاعات خوفا من الرياء - قال: وكذلك حديث عبد الرحمن بن سمرة، إذ قال له النبي ﷺ: يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها من غير مسألة، أعنت عليها (الحديث). فقام العراقي بتخريجه، بقوله حديث عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة (الحديث) متفق عليه (^١).
ثم بعد هذا بصفحة تقريبا، في الكتاب نفسه، قال الغزالي: قد نهى رسول الله ﷺ عن طلب الإمارة، وتوعد عليها: فقام العراقي أيضا - بتخريجه بقوله: حديث النهى عن طلب الإمارة، وهو حديث عبد الرحمن بن سمرة: لا تسل الإمارة، وقد تقدم قبله بثلاثة أحاديث - (^٢) يعنى من الأحاديث المخرجه في المغنى. فيلاحظ هنا تقارب موضع تكرر الحديث في كتاب واحد، لكن الغزالي ذكره أولا بلفظه، ثم ذكره في الموضع الثانى بالإشارة، بمعناه، فيبدو أن
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ٣١٥، ٣١٦.
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٣١٧ حديث (١).
[ ٤ / ١٥٢٠ ]
العراقي أعاد تخريجه في الموضع الثاني، بالإحالة على الأول، ليبين أن ما أشار إليه الغزالي في الموضع الثاني، يطابق ما قد ذكره بلفظه في الموضع الأول. وفي كتاب آفات اللسان - بيان عظيم خطر اللسان - قال الغزالي: وروى عبد الله بن سفيان عن أبيه قال: قلتُ: يارسول الله، أخبرني عن الإسلام بأمر، لا أسأل عنه أحدًا بعدك، فقال: قل آمنت بالله، ثم استقم، قال قلت: فما أتقى؟ فأومًا بيده إلى لسانه.
فقام العراقي بتخريج الحديث قائلا: حديث سفيان الثقفي، أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدًا بعدك (الحديث) رواه الترمذي، وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وهو عند مسلم، دون آخر الحديث، الذي فيه ذكر اللسان (^١).
أقول: وسفيان الثقفي - هو ابن عبد الله بن ربيعة الثقفي الطائفي - صحاب (^٢). وبعد الموضع السابق بتسعة أسطر - في كتاب الإحياء - قال الغزالي: وقال عبد الله الثقفى: قلت يارسول الله، حدثني بأمر أعتصم به (الحديث) بنحو ما تقدم.
فتصدى العراقى لتخريجه مرة ثانية، رغم تقدمه القريب، فقال: حديث عبد الله الثقفى: قلت: يارسول الله، حدثني بأمر أعتصم به (الحديث)، ورواه النسائي، قال ابن عساكر: هو خطأ، والصواب سفيان بن عبد الله الثقفي، كما رواه الترمذي، وصححه، وقد تقدم قبل هذا بخمسة
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ١٠٥ حديث (٣)
(٢) تهذيب التهذيب ٤/ ١١٥، ١١٦.
[ ٤ / ١٥٢١ ]
أحاديث (^١). فالغزالي ذكر صحابى الحديث في الموضع الأول على الصواب وأنه «سفيان الثقفي»، ثم كرر الحديث ثانيا وسمى صحابيه «عبد الله الثقفي» وهذا خطأ، ولكنه جاء هذا في إحدى روايتي النسائي للحديث، فأعاد العراقي تخريج مرة ثانية، رغم قرب موضع تخريجه الأول له، من النسائي وغيره، واكتفى في هذه المرة الثانية بعزوه للنسائي فقط، لأنه جاء عنده في إحدى روايتيه باسم «عبد الله» كما ذكر الغزالي، ثم نبه العراقي على أن ما ذكره الغزالي، وكذلك النسائي، في إحدى روايتيه، من أن صحابي الحديث اسمه «عبد الله» خطأ، والصواب: «سفيان بن عبد الله» كما ذكر في الموضع الأول من الإحياء، وفي المصادر الأخرى للحديث.
ويبدو أن التنبيه على هذا الخطأ، هو الغرض الذي جعل العراقي يكرر تخريج الحديث، مرة ثانية، مع قرب تخريجه الأول له.
والتنبيه على هذا الخطأ، فائدة، لا تخفى أهميتها، خاصة أنها لم تذكر في مصدر تخريج الحديث، وهو سنن النسائى، وإنما نبه عليها الحافظ ابن عساكر، كما ذكر العراقي، ولعل تنبيهه هذا في كتابه في أطراف السنن الأربعة (^٢).
وسيأتي أيضا بيان أن إعادته تخريج الحديث المكرر في كتابين من كتب الأحياء له بعض الفوائد الهامة.
ولكنى وجدت مواضع كرر الغزالي الحديث فيها في موضعين متقاربين في
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ١٠٥، ١٠٦ حديث (٩).
(٢) انظر تحفة الأشراف للمزي ٤/¬٢٠ حديث (٤٤٧٨)، وانظر مثالا آخر لما اشتمل فيه التكرير في الكتاب نفسه على فائدة هامة الإحياء مع المغني ٣/ ٢٨٦ حديث (٥) مع ص ٢٩٣ حديث (١) «الرياء الشرك الأصغر».
[ ٤ / ١٥٢٢ ]
كتاب واحد، وكرر العراقي تخريجه لها كما هو، دون إضافة فائدة جديدة. فمن ذلك ما جاء في كتاب آفات اللسان - الآفة السادسة عشرة - حيث قال الغزالي: وعن ابن عمر عن النبي ﷺ إن الله لما خلق الجنة قال لها تكلمى، قالت: سعد من دخلني، قال الجبار ﷻ: وعزتى وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس، فذكرهم … وفيهم: ولا فتَّات، وهو النمام، ولا قاطع رحم …
وقد تعرض العراقي لتخريج الحديث فقال: لم أجده هكذا بتمامه، ثم ذكر خمسة أحاديث كل منها يتضمن بعض الثمانية، وذكر منها قوله: وللشيخين من حديث جبير بن مطعم: لا يدخل الجنة قاطع (^١).
ثم ذكر الغزالي في الكتاب نفسه، بعد أقل من صفحة: أن الرسول ﷺ قال: لا يدخل الجنة قاطع، قيل: وما القاطع؟ قال قاطع بين الناس.
فقام العراقي بتخريجه قائلا كحديث: لا يدخل الجنة، قاطع. متفق عليه من حديث جبير بن مطعم (^٢).
فيلاحظ أنه لم يزد في تخريج الحديث في المرة الثانية شيئا عما ذكره في تخريجه في المرة الأولى، ضمن الحديث السابق، كما أنه لم يشر إلى تقدم هذه الرواية ضمن الحديث السابق، مع أنه يفعل مثل هذا في غير هذا الموضع (^٣). فلعل إعادته لتخريج هذا الحديث في الموضع الثاني؛ ذهولا منه عن تقدمه
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ١٥٢، ١٥٣ حديث (٢).
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ١٥٣ حديث (٢).
(٣) انظر المغني مع الإحياء ١/¬١٢ حديث والموت قبيلة … ا مع ص ١٣ حديث رقم (٩): فضل العالم على العابد … .
[ ٤ / ١٥٢٣ ]
ضمن الحديث السابق، وإن كانا متقاربين؛ حيث لم يفصل بينهما في كتاب المغنى إلا حديث واحد.
لكني لاحظت أيضا أن هناك أحاديث تتكرر في كتاب واحد، ويكرر العراقي تخريجها كما هو، دون أن يكون ذاهلا عن تكرارها، حيث يشير مع تكرير التخريج إلى تقدم الحديث أيضا.
ففي كتاب الرجاء والخوف - بيان فضيلة الرجاء - قال الغزالي: وقال ﷺ: لا يموتن أحدكم إلا هو يحسن الظن بالله. فخرجه العراقي بقوله: (رواه) مسلم من حديث جابر (^١).
ثم كرر الغزالي الحديث ثانية في الكتاب نفسه - بيان المفاضلة بين غلبة الرجاء، وغلبة الخوف - فأعاد العراقي تخريجه بقوله: رواه مسلم من حديث جابر، وقد تقدم (^٢).
فقوله: وقد تقدم، دليل على عدم ذهوله عن تكرره، ومع ذلك أعاد تخريجه كما هو في الموضع الأول.
٤ - وقول العراقي: وإن كرره - يعنى الغزالي - في باب آخر، ذكرته، ونبهت على أنه قد تقدم، وربما لم أنبه على تقدمه، لذهول عنه. بعد أن بين طريقته في تخريج ما يكرره الغزالي في باب واحد من الإحياء، أتبعه هنا ببيان طريقته في تخريج ما يذكره الغزالي في باب من أحد كتب الإحياء، ثم يكرره بعد ذلك في باب آخر أو أكثر، سواء من الكتاب نفسه أو من غيره.
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٤/ ١٤١ حديث (٢).
(٢) الإحياء مع المغني ٤/ ١٦٤ حديث (١).
[ ٤ / ١٥٢٤ ]
فقرر أنه في هذا النوع من التكرير، يلتزم بتكرير الحديث في المغنى عند موضع، أو مواضع تكرره في الإحياء، مع التنبيه على أنه تقدم، ولا يترك ذلك إلا قليلا، عندما ينسى أن الحديث قد مر قبل هذا، في باب آخر.
ومن خلال القراءة التفصيلية، تبين لى أن طريقة العراقي في ذكر ما يتكرر هكذا والتنبيه على تقدمه، متنوعة:
فمرة ينقل الحديث إلى المغنى من كتاب الإحياء في الموضع الذي كرره الغزالي فيه، ثم لا يتعرض لشيء من تخريجه، وإنما يحيل بذلك على الموضع الذي سبق تخريجه له فيه، فيقول: حديث كذا، «تقدم» وفقط (^١).
ومرة يعيد تخريج الحديث كما ذكره في الموضع السابق، دون زيادة أو نقص، ثم يحيل على الموضع السابق، بقوله: «وقد تقدم» (^٢).
ومرة يتوسع في تخريج الحديث في أول موضع يتعرض لتخريجه فيه، وفى الموضع المتأخر بذكر بعضا مما قدمه، ثم يحيل عليه بقوله: وقد تقدم، وفى هذه الحالة، تكون مراجعة الموضع السابق، المحال عليه، ضرورية، لأجل استيفاء كل ما ذكر عن تخريج الحديث، لاسيما أن هذا النوع هو الكثير عنده.
فمن ذلك، أن في كتاب رياضة النفس - بيان علامات حسن الخلق - قال الغزالي: «ولما أكثر تقريش إيذاءَهُ وضَرْبَه، قال: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون» فتصدى العراقى لتخريجه بقوله: (رواه) ابن حبان والبيهقي في
_________________
(١) ينظر مثلا: ٤/¬٢٣ حديث (٢) ٥ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، مع ٣/¬١٩ حديث (٢). و٤/¬٢٣ حديث (٣): «إن الله خلق آدم على صورته» مع ٢/ ١٦٦ حديث (١).
(٢) انظر مثلا: ٢/ ٢٢١ حديث (٥): كلكم راع … مع ٢/¬٣٢ حديث رقم (٣)، ١/ ٥٤ حديث (٢) «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» مع ٣/ ٣١٠ حديث (٢).
[ ٤ / ١٥٢٥ ]
دلائل النبوة، من حديث سهل بن سعد، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود، أنه حكاه ﷺ عن نبي من الأنبياء ضربه قومه (^١)
ثم في كتاب ذم الجاه والرياء - وهو متأخر عن الكتاب السابق بعدة كتب - قال الغزالي: «قال ﷺ: اللهم اغفر لقومى، اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون».
فأعاد العراقي تخريجه بقوله: حديث «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون، قاله لما ضربه قومه، (رواه) البيهقى فى دلائل النبوة، وقد تقدم، والحديث في الصحيح: أنه ﷺ: قاله حكاية عن نبي من الأنبياء، حين ضربه قومه (^٢)
فإذا تأملنا تخريجه للحديث في الموضع الأول نجد فيه زيادة عزو الحديث إلى صحيح ابن حبان وبين مشاركته للبيهقي في كتاب الدلائل، في كون الحديث عندهما من طريث صحابي واحد وهو سهل بن سعد، وبذلك عُرِفَتْ قوة رواية البيهقى التي في الدلائل، عرف الصحابي الذي روى الحديث فيها عنه.
وكذلك في الموضع الأول بيان اسم الصحابي الذي روى الحديث عنه في الصحيحين، وهو ابن مسعود، فأفاد ذلك مع صحة الرواية، تعدد طرقها، بكونها عن صحابيين.
وبذلك يكون تخريجه الأول للحديث أو فى كثيرا مما ذكره في الموضع الثاني. وعلى ذلك فإنه ينبغى لقارئ كتاب المغنى هذا أن يحرص على
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ٦٨ حديث (٣).
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٨٣ حديث (١).
[ ٤ / ١٥٢٦ ]
مراجعة تخريج الحديث المكرر تخريجه، في الموضع أو المواضع المكررة، لتحصيل كل ما أفاده العراقي في تخريجه (^١) ويسهل ذلك عندما تعمل له فهارس دقيقة.
ومرة أخرى نجد العراقي يصنع عكس ما تقدم، فيكون تخريجه للحديث في الموضع المتأخر، أوفى من تخريجه له في الموضع المتقدم.
فمن ذلك أن في كتاب آداب الكسب - قال الغزالي: وفي الحديث: إن الله ليغضب إذا مُدح الفاسق.
فقام العراقي بتخريجه بقوله: (رواه) ابن أبي الدنيا في الصمت، وابن عدى في الكامل، وأبو يعلى والبيهقي في الشعب، من حديث أنس بسند ضعيف (^٢) ثم بعد ذلك بعدة كتب، في كتاب آفات اللسان - أعاد الغزالي الحديث، فأعاد العراقي تخريجه بقوله: (رواه) ابن أبي الدنيا في الصمت، والبيهقي في الشعب، من حديث أنس، وفيه أبو خلف، خادم أنس، ضعيف.
ورواه أبو يعلى الموصلي وابن عدى، بلفظ: إذا مُدح الفاسق، غضب الرب، واهتز العرش، قال الذهبي في الميزان: منكر، وقد تقدم في آداب الكسب (^٣). فعند تأمل تخريجه الأخير للحديث نجده أوفى من تخريجه له في الموضع المتقدم، فمن جهة: أنه بين سبب ضعف الحديث، ببيان وجود راو
_________________
(١) وانظر مثالا آخر ٤/ ٣٤٨ حديث (٢) وثلاث من كن فيه، استكمل إيمانه … مع ٤/ ٣٨٩ حديث (٦).
(٢) الإحياء مع المغني ٢/ ٨٨ حديث (٣).
(٣) الإحياء مع المغني ٣/ ١٥٦ حديث (٣).
[ ٤ / ١٥٢٧ ]
ضعيف في إسناده، وهو أبو خلف، خادم أنس. ومن جهة أخرى بين أن لفظ رواية ابن عدى وأبي يعلى، يختلف عن لفظ رواية ابن أبي الدنيا والبيهقي، كما ذكر حكم الذهبى على رواية ابى يعل وابن عدى: بأنها منكرة. ولاشك أن أهمية هذه الإضافات، لا تخفى، ولكن العراقي ذكرها متأخرة، في الموضع الثاني، مع أن حقها التقديم.
ومرة نجد العراقي يوزع فوائد تخريج الحديث بين الموضعين المكرر فيهما، فيذكر في كل موضع إفادة، لا يذكرها في الآخر، وبذلك لا تتكامل فوائد تخريج الحديث التي ذكرها إلا بمراجعة كلا الموضعين؛ المتقدم والمتأخر.
فمن ذلك أن في كتاب ترتيب الأوراد، وتفصيل إحياء الليل - قال الغزالي: وقال ﷺ: رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى، ثم ايقظ امرأته، فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء.
فقام العراقي بتخريج الحديث قائلا: (رواه) أبو داود وابن حبان من حديث أبي هريرة. (^١)
وبعد عدة كتب - في كتاب المراقبة والمحاسبة - ذكر الغزالي: أن سبيل معالجة النفس، لأجل المطاوعة على المجاهدة، والمواظبة على الأوراد، أن تُسْمِعَها ما ورد في الأخبار من فضل المجتهدين.
وقد قام العراقي بتخريج بعض الأحاديث التي تتضمن ما أشار إليه الغزالي بعبارته المذكورة.
فقال: الأخبار الواردة في حق المجتهدين … . وذكر حديثا من عند أبي داود، ثم
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/ ٣٦٦ حديث (٤).
[ ٤ / ١٥٢٨ ]
قال: وله، وللنسائي، وابن ماجة، من حديث أبي هريرة، بإسناد صحيح، رحم الله رجلا … (الحديث)، ثم ذكر حديثا آخر، ثم قال: وقد تقدم في الأوراد، مع غيره، من الأخبار في ذلك (^١).
فعندما نقارن بين تخريج العراقي الحديث (رحم الله رجلا …) في الموضع الأول، وبين تخريجه في هذا الموضع الثاني، نجد أن في كل منهما إفادة ليست في الآخر، ففى الموضع الأول ذكر عزو الحديث لابن حبان في صحيحه، مع عزوه لأبى داود فقط من رجال السنن، وهذا العزو إلى ابن حبان يفيد درجة الحديث، وهى الصحة عند ابن حبان، وأما ف الموضع الثانى فل يعز الحديث لابن حبان، ولكن زاد عزوه لكل من النسائي وابن ماجه، كما زاد الحكم على إسناد الحديث عندهما وعند أبي داود، بأنه صحيح (^٢) تنوعت طريقته كذلك في الإحالة للموضع المتقدم فيه الحديث المكرر. في بابين - كما رأيت.
٥ - وكما تنوعت طريقة العراقي في تخريج الحديث المكرر.
فمرة يكتفى بقوله: (تقدم) فقط، ويترك للقارئ مهمة البحث عن الموضع الذي تقدم الحديث فيه، وهذه إحالة صعبة، في حالة افتقاد الفهارس الدقيقة، كما أن الحديث أحيانا يكون تقدم أكثر من مرة، مع تباعد المواضع، وعدم استيفاء تخريج الحديث في موضع واحد من مواضع التكرر.
فمن ذلك أن الغزالي في كتاب المحبة، أورد حديث: لا أحصي ثناء عليك،
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٤/ ٣٩٥ حديث (١).
(٢) وينظر مثال آخر حديث: يوم من سلطان عادل، أو (إمام عادل) ١/ ١٧٩ حديث (٧) مع ٢/¬٣٢ حديث (٣) و٣/ ٣١٥ حديث (١).
[ ٤ / ١٥٢٩ ]
أنت كما أثنيت على نفسك.
فقال العراقي في تخريجه: (تقدم). (^١)
والحديث تقدم في موضعين متباعدين:
أولهما: في أوائل الإحياء - كتاب قواعد العقائد، وقال في تخريجه: (رواه مسلم) من حديث عائشة، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك في سجوده (^٢)
وثانيهما: في كتاب آداب تلاوة القرآن - وهو بعد الكتاب السابق بعدة كتب، وقال في تخريجه: رواه مسلم وقد تقدم (^٣).
ويلاحظ أن أوفى ما ذكره العراقي من تخريج الحديث، جاء في الموضع الأول، فقط، ولا يعرف ذلك إلا بمراجعة الموضعين المتقدمين على الموضع الثالث والأخير.
ومرة يقول عن الحديث: (تقدم غير مرة) ويكون خرج الحديث في موضع واحد فقط من تلك المرات، أو موضعين، والباقي إحالات أيضا (^٤)
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٤/ ٢٩٧ حديث رقم (١).
(٢) الإحياء مع المغني ١/ ١٠٦ حديث (٢).
(٣) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٨٧ حديث (٢).
(٤) الإحياء مع المغني ذكر الموت ٤/ ٤٣٣ حديث (١) والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، مع ٤/ ٣٨٤ حديث (٢) (كتاب المراقبة والمحاسبة) مع ٤/ ٦٦ حديث (٢) كتاب الصبر والشكر، مع ٣/ ٣٧٤ حديث (١) كتاب ذم الغرور، مع ص ٣٦٨ من نفس الكتاب السابق حديث (٢)، مع ٢/ ٣٢٦ حديث (١) (كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وانظر أيضا ٣/ ٣٧٨ حديث (٢) ولا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر .. =
[ ٤ / ١٥٣٠ ]
ومرة يقول: تقدم قريبا (^١) أو «تقدم قبل بيسير» (^٢).
ومرة حدد الموضع بالورقة، حيث لم تكن الطباعة قد وُجدت في عصره، ولذلك أصبحت الإحالة بعد الطباعة، غير محددة (^٣).
ومرة يحدد برقم الحديث المتقدم بالنسبة للحديث المحال، مثل قوله عن الحديث: تقدم في الذي قبله (^٤) أو «تقدم قبله بحديث» (^٥) أو «بحديثين» (^٦) أو بخمسة أحاديث (^٧) أو بستة (^٨) أو بثلاثة عشر
_________________
(١) = (كتاب ذم الغرور، مع ٣/ ٣٤٢ حديث (١» كتاب ذم الكبر، مع ٣/ ٣٣٥ (الكتاب نفسه) حديث (٢) مع ٣/ ٣٢٧ حديث (٣) الكتاب نفسه.
(٢) انظر الإحياء مع المغني - كتاب ذم الجاه والرياء ٣/ ٢٨٧ حديث شداد بن أوس: (إني تخوفت على أمتي الشرك) برقم () (٧) مع ٣/ ٢٦٨ حديث رقم (١) - الكتاب نفسه. وفي تخريجه له في الموضع المتأخر قصور ظاهر عما في الموضع المتقدم.
(٣) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ٢٣٢ حديث (١٠) قال ﷺ يوما لأصحابه: (تصدقوا .. الحديث) كتاب الزكاة - مع ١/ ٢١٨ حديث (٣) - الكتاب نفسه، بلفظ: «قدم رسول الله ﷺ نفقة الزوجة …»، وقد أشار في هذا الموضع الأول أيضا إلى أن الحديث سيأتي، دون تحديد موضع إتيانه.
(٤) ينظر الإحياء مع المغني - كتاب ذم الجاه والرياء ٣/ ٢٨٧ حديث (٢) عن معاذ ﵁: (إن الرياء شرك) وقال بعد تخريجه: تقدم قبل هذه الورقة - يعني ٣/ ٢٧١ حديث (١) الكتاب نفسه.
(٥) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ٢٠٢ حديث رقم (١١) (الوتر بثلاث عشرة).
(٦) ٢/¬٢٢ حديث (٣) (من رغب عن سنتي).
(٧) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ١٤٣ حديث (٦) (استبطاء الوحي ..) و١/ ١٧٩ حديث (٥) (اللهم أرشد الأئمة ..) و٤/ ٥٢٥ حديث (٥) (إن في الجنة سوقا ..).
(٨) ينظر الإحياء مع المغني ٣/ ١٠٥ - ١٠٦ حديث (٩) عن عبد الله الثقفي؛ قلت يا رسول الله … (الحديث).
(٩) ٣/ ١٦٢ حديث (١) (قال رجل: أي شيء أشد علي؟ ..).
[ ٤ / ١٥٣١ ]
حديثا (^١) أو بخمسة وعشرين حديثا (^٢) وهكذا.
ومرة يحدد باسم الكتاب مثل قوله: تقدم «في العلم» (^٣)، وقد يحيل على عدة كتب مثل قوله في حديث «اتق الله حيثما كنت …» وتقدم أوله في آداب الكسب، وبعضه في أوائل التبوة - والموضع المحال منه في التوبة أيضا - وتقدم في رياضة النفس (^٤).
ومرة يحدد باسم باب من كتاب، دون ذكر اسم الكتاب معه، مثل قوله في حديث «كان الفقر أن يكون كفرا»: تقدم في ذم الحسد (^٥) وهذا باب من كتاب الغضب والحقد والحسد (^٦).
ومرة يحدد باسم الكتاب والباب، مثل قوله: تقدم في الباب الثالث من العلم (^٧) وقوله: تقدم في الباب الأول من الحلال الحرام (^٨) وقوله: تقدم في أول الباب الثاني من الحلال والحرام (^٩).
ولعل ممن أسباب تنوع طريقة العراقي هكذا في التنبيه على تقدم الحديث المكرر، طول مدة اشتغاله بهذا التخريج لعدة سنوات كما تقدم، فصار
_________________
(١) ٣/ ٢٣٦ حديث (٥) و«ألا أيها الناس، أجملوا في الطلب …».
(٢) ٤/ ١٦٦ حديث (٢) «كان أشد الناس خوفا …».
(٣) ١/ ١٠٥ أحاديث ٢، ٣، ٤، ٦.
(٤) ٤/¬٣٥ مع ٢/ ٨٧ و٣/¬٤٨ و٤/¬١٠.
(٥) ٤/ ١٨٩ حديث (١) - كتاب الفقر والزهد.
(٦) ٣/ ١٨٤ حديث (١).
(٧) الإحياء مع المغني ١/ ٢٩٦ حديث (١): «من فسر القرآن برأيه …» مع ١/¬٤٤ حديث (١).
(٨) الإحياء مع المغني ٢/ ١٣٦ حديث (١): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك …».
(٩) الموضع السابق حديث (٢): «من تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه».
[ ٤ / ١٥٣٢ ]
تَذَكَّرَهُ المواضع الحديث متفاوتا، فمنها ما يذكر موضعه محدّدًا، ومنها ما يذكر مجرد تكرره فيما تقدم، بل سيأتي أن منها ما يذهل عن تقدمه كلية، كما صرح هو نفسه في المقدمة.
٦ - قد اختلفت نسخ المغني - بحسب الطبعات التي بين أيدينا الآن في الإشارة إلى تقدم بعض الأحاديث المكررة، وعدم الإشارة، أو في تحديث موضع تقدم الحديث.
ففي كتاب آداب الألفة والأخوة - ذكر الغزالي حديث: «إذا حدث الرجل بحديث، ثم التفت، فهو أمانة».
فقام العراقي بتخريجه (^١).
ثم بعد ذلك بعدة كتب - في كتاب آفات اللسان - ذكر الغزالي الحديث مرة ثانية.
فأعاد العراقي تخريجه بمثل ما تقدم، ولم يُذكر في طبعتي مصطفى الحلبي، ولا عيسى الحلبي، الإشارة إلى تقدم الحديث (^٢).
أما نسخة الزبيدي، فجاء فيها بعد تخريج الحديث، قوله العراقي: «وقد تقدم» (^٣).
وهذا هو المطابق للواقع فعلا، كما أوضحت. ولهذا يلزم مراجعة أكثر من نسخة معتبرة من المغنى، قبل تقرير ذهول.
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/ ١٧٦ حديث (٣).
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ١٢٩ حديث (١) في كلتا الطبعتين.
(٣) الإتحاف ٧/ ٥٠٤.
[ ٤ / ١٥٣٣ ]
العراقي عن التنبيه على تقدم الحديث، وقد راعيت أنا ذلك فيما اعتبرته ذهولا منه، كما سيأتي، وكما مرت بعض الأمثلة أيضا.
وقد وجدت أيضا اختلاف النسخ في تحديث موضع تقدم بعض الأحاديث، فقد ذكر الغزالى فى الباب الثالث من كتاب العلم - حديث «تسحروا، فإن في السحور بركة».
فخرجه العراقي في هذا الموضع (^١)
ثم كرر الغزالى الحديث مرة ثانية، بعد هذا، في كتاب آداب تلاوة القرآن، فأحال العراقي بتخريجه على الموضع المتقدم، ولكن اختلفت الطبعات التي بين يدي في تحديث موضع تقدم الحديث، فجاء في طبعة عيسى الحلبي أن الحديث تقدم في الباب الثاني من العلم (^٢)
وجاء في طبعة مصطفى الحلبى (^٣) ونسخة الزبيدي (^٤) أن الحديث تقدم في الباب الثالث من العلم.
وهذا هو الصواب المطابق للواقع، كما تقدم.
وقد ذكر الغزالي في أوائل كتاب «ذم البخل، وذم حب المال» حديث: «حب المال والشرف، ينبتان النفاق في القلب …»
فقال العراقي في تخريجه: لم أجده بهذا اللفظ، وذكره - يعنى الغزالي -
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/¬٤٢ حديث (٣).
(٢) الإحياء مع المغني ١/ ٢٩٢ طبعة عيسى الحلبي.
(٣) ١/ ٢٩٨ حديث (٢).
(٤) الإتحاف ٤/ ٥٣٤.
[ ٤ / ١٥٣٤ ]
بعد هذا، بلفظ «الجاه» بدل «الشرف» (^١).
ثم ذكر الغزالي بعد هذا في الكتاب التالي وهو كتاب «ذم الجاه والرياء» الحديث بلفظ: «حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب …» فاختلفت نسخ طبعات المغنى فى بيان تقدم هذا الحديث، فجاء في نسخة الزبيدي، قول العراقي: لم أجده هكذا، وقد تقدم (^٢).
أما طبعتا مصطفى وعيسى الحلبيان، فجاء فيهما قول العراقي، بعد ذكر الحديث: «تقدم في أول هذا الباب، ولم أجده (^٣) - يعني أول كتاب «ذم الجاه والرياء» وهذا التحديد خطأ، لأن موضع تقدم الحديث كما ذكرته هو أول الكتاب السابق وهو كتاب «ذم البخل» ويبدو أن الخطا في التحديد بأول كتاب ذم الجاه، من العراقي؛ بدليل أن الغزالي ذكرى في الموضع الثاني عقب الحديث السابق حديث: ما ذئبان ضاريان أرسلا في غنم …»
فقال العراقي في تخريجه: تقدم أيضا هناك (^٤) يعنى الحديث السابق، والحديث السابق قد ذكر فى «ذم البخل» كما قدمت، وقد ذكر الحديث الثاني عقبه أيضا (^٥) فدل هذا على أن الإحالة بالحديث الأول على أول كتاب «ذم الجاه» خطأ، وأنها صادرة من العراقي.
لكن الإحالة حسب نسخة الزبيدى، تعتبر صوابا، لأنها بلفظ الإشارة
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٢٦ حديث (١) من طبعتي مصطفى وعيسى الحلبيين.
(٢) الإتحاف ٨/ ٢٣٨.
(٣) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٧٢ حديث (١).
(٤) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٧٢ حديث (٢).
(٥) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٢٦ حديث (٢).
[ ٤ / ١٥٣٥ ]
للتقدم مطلقا، دون تحديد الموضع، والحديث قد تقدم فعلا؛ لكن الخطأ حصل في تحديث موضع تقدمه، كما أوضحته.
٧ - قد اشار العراقي إلى تقدم بعض الأحاديث في موضع، ثم بحثت عنها في الموضع المحال عليه فلم أجدها.
فقد ذكر الغزالي في كتاب الصير والشكر - حديث (الحج عرفة). فقال العراقي في تخريجه: حديث «الحج عرفة». تقدم في الحج (^١).
وقد راجعت كتاب الحج في كل من الإحياء والمغنى، فلم أجد الحديث في أي منهما، بحسب الطبعات التي بين يدى الآن.
ثم كرر الغزالى الحديث أيضا في كتاب الصبر مرة ثانية. فأعاد العراقي الكلام عنه بقوله: (رواه أصحاب السنن من حديث عبد الرحمن ابن يعمر، وقد تقدم في الحج) (^٢).
فقد يكون قول العراقي في الموضعين: إن الحديث تقدم في الحج، ذهول منه ﵀.
٨ - قصر العراقى كلامه في مقدمة الكتاب، على بيان طريقته في التنبيه على تقدم الحديث فقط، ولم يذكر شيئا عن التنبيه على أن الحديث سيأتي، مع أنه نبه في مواضع متعددة على أن الحديث سيأتى، سواء مع تخريجه ايضا للحديث المحال، أو مع الاكتفاء بالإحالة على الموضع الآتى، كما أنه قد يطلق الإحالة بقوله: سيأتى، أو سيذكره، وقد يحدد موضع إتيان الحديث
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٤/ ٦٠ حديث (٦).
(٢) الإحياء مع المغني ٤/ ٦٦ حديث (١).
[ ٤ / ١٥٣٦ ]
باسم الكتاب الذي سيأتى فيه كالصلاة، وذكر الموت، ونحو ذلك (^١).
ولعل العراقي لم ينبه على ذلك في المقدمة، لقلة مواضع الإحالة على ما سيأتى، فاقتصر على بيان الأكثر، وهو الإحالة على ما يتقدم، كما مر.
٩ - أما ما ذكره العراقى فى مقدمة الكتاب، كما أسلفته، من أنه قد يذهل عن كون الحديث تقدم في تخريجه لأحاديث باب سابق، وبالتالي لا ينبه على تقدمه في الموضع المتأخر، فهذا قد وقع منه فعلا، وذلك على النحو التالي:
١ - أن يُذكر الحديث في كتاب سابق من الإحياء، فيخرجه العراقي فيه، ثم يتكرر الحديث في كتاب متأخر، فلا يتعرض له العراقي بشيء، فهذا يعتب ذهولا منه عن تخريج الحديث في هذا الموضع المتأخر، وذهو أيضا تقدم تخريجه له، لأنه لو كان متذكرا لذلك، لكان من اليسير جدا عليه، أن
_________________
(١) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ٩٨ حديث (٧) (سؤال المسلمين عن الأعمال …) و١٢٤ حديث (١) حديث تعذيب العصاة … عدة أحاديث. و١٢٧ حديث (١) (يخرج من النار …) و١٢٨ حديث (٥) (الشرك أخفى في أمتي …) و١٤٢ حديث (٥) (كان لا يفارقه المشط …) و١٥٣ حديث (٣) (أول ما ينظر الله فيه …) و٢١٨ حديث (٣) (قدم رسول الله ﷺ نفقة الزوجة …) مع ص ٢٣٢ حديث (١٠) قال يوما لأصحابه تصدقوا … . وينظر ٢/ ٢٠١ حديث (٥) (يُسلم الراكب على الماشي …) مع ص ٢٠٢ حديث (٢). وينظر ٣/ ٢٢٦ حديث (١) (حب المال والشرف …) مع ٢٧٢ حديث (١) وصواب إحالته كتاب (ذم البخل) كما بينته فيما سبق من تقرير الإحالة على ما تقدم خطأ وص ٣٧٨ حديث (٤) و٢٨٦ حديث (٢) في الثلاثة: المقتول … و٣٦٤ حديث (٢) (لما قيل له: من أكرم الناس؟) وسقط من طبعة مصطفى الحلبي، الإحالة، ولكنها موجودة في نسخة الشارح - كما في الإتحاف ٨/ ٤١٩ مع ٤/ ٤٣٥ من الإحياء مع المغني - حديث (٨) (من أكيس الناس؟).
[ ٤ / ١٥٣٧ ]
يحيل بتخريجه على ما تقدم، بدلا من تركه بدون تخريج.
وقد تسبب هذا النوع من الذهول فى توجيه بعض التعقبات له، ففى الباب السابع من كتاب العلم ذكر الغزالى حديث: إن الرجل ليدرك بحسن خلقه، درجة الصائم القائم … (الحديث).
فقام العراقي بتخريجه (^١).
ثم بعد هذا بعدة كتب، وفى كتاب آداب الأكل - كرر الغزالى صدر الحديث، كما قدمته.
فلم يتعرض له العراقي بشيء (^٢).
وقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبي على الحديث فى هذا الموضع بأن العراقي لم يخرجه (^٣) فى حين أنه قد خرجه فيما تقدم، وفاته فقط أن يحيل هنا على الموضع المتقدم، ولعله ﵀ قد ذهل عن تقدم تخريج الحديث للتباعد بين موضع تقدمه، ومضيع تأخره هذا.
أما الشارح فقام من جانبه هو بتخريج الحديث فى هذا الموضع المتأخر، وذلك من مصدرين غير المصدرين اللذين خرجه منهما العراقي فى الموضع الأول (^٤) ولم يتعقب العراقي بشيء، كما يشير إلى تقدم الحديث.
وفى الباب الثالث من كتاب آداب الألفة والأخوة - قال الغزالى:
_________________
(١) الإحياء مع المغنى ١/ ٨٩ حديث (٥).
(٢) الإحياء مع المغنى ٢/¬١٨.
(٣) الموضع السابق حاشية المصحح برقم (١).
(٤) الإتحاف ٥/ ٢٦٠، ٢٦١.
[ ٤ / ١٥٣٨ ]
وقيل لرسول الله ﷺ: إن فلانة تصوم النهار، وتقوم الليل، وتؤذي جيرانها … (الحديث).
فقام العراقي بتخريج الحديث (^١).
وبعد ذلك بعدة كتب، وفى كتاب رياضة النفس - ذكر الغزالي الحديث مرة ثانية بنحو ما تقدم.
فلم يتعرض له العراقى بشيء (^٢).
وقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبي على هذا الموضع بقوله: لم يخرجه العراقي، ولم ينبه عليه، وقد تقدم في باب الصيحة (^٣).
ويعتبر تعقب المصحح هذا في محله، كما ترى.
أما الشارح فذكر تخريج الحديث في هذا الموضع المتأخر بمثل تخريج العراقي له في الموضع الأول، دون أن يعزوه للعراقي، ولكنه قال: وقد تقدم في آداب الصحبة (^٤) فلعله يقصد أنه تقدم تخريج العراقى له في الموضع المذكور، بدليل تطابق تخريجه للحديث، مع تخريج العراقي السابق، كما ذكرت.
ب - يذكر الحديث في موضع من الإحياء، فيخرجه العراقي، ثم يتكرر بعد ذلك أكثر من مرة، فينبه العراقي على تقدمه في بعض المواضع، ويذهل عن ذلك في بعضها، وهذا يوقع القارئ فى توهم ترك العراقي لتخريج الحديث.
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/ ٢١٢ حديث (٨).
(٢) الإحياء مع المغني ٣/¬٤٨.
(٣) الموضع السابق/ حاشية المصحح برقم (١).
(٤) الإتحاف ٧/ ٣١٩.
[ ٤ / ١٥٣٩ ]
كلية، أو يضيع عليه بعض الفائدة، وذلك حين لا يتيسر له الوقوف على بقية مواضع تكرر الحديث.
ففى كتاب آفات اللسان - الآفة الثامنة - قال الغزالي: «وفي الخبر: إن المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافئه، ثم يبقى للظالم عنده فضلة يوم القيامة».
فقال العراقي في تخريجه: لم أقف له على أصل، وللترمذي من حديث عائشة - بسند ضعيف: من دعا على من ظلمه، فقد انتصر (^١).
ثم في الكتاب الذى يلى هذا من الإحياء، وهو كتاب «ذم الغضب والحقد والحسد» فضيلة العفو والإحسان - ذكر الغزالي حديث عائشة هذا فلم يتعرض له العراقي بشيء (^٢).
وقد قام الشارح بتخريجه في هذا الموضع من عند الترمذي وغيره، ولكن لم يعز شيئا من تخريجه للعراقى، ولا أشار لتقدم الحديث (^٣).
وبذلك فإن من يقف على الحديث في هذا الموضع فقط، يظن أن العراقي ترك تخريج الحديث كلية، مع أنه قد خرجه في الموضع السابق كما رأيت، وذهل فقط عن الإحالة بتخريجه في هذا الموضع، عل اما تقدم ثم إن الغزالي بعد هذا بعدة كتب، وفى كتاب التوحيد والتوكل - كرر الحديث بقوله: ففى الخبر: «من دعا على ظالمه، فقد انتصر».
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ١٢٢ حديث (٧).
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ١٧٨.
(٣) الإتحاف ٨/¬٤٠.
[ ٤ / ١٥٤٠ ]
فتعرض العراقي له بالإحالة: فقال: تقدم (^١)، ويلاحظ أنها إحالة مطلقة، يصعب تحديدها بدون فهارس فنية، ويعلم الله وحده، كما عانيت في الربط بين مواضع التكرير هذه عموما، حيث لم يكن لدى اية فهارس لأحاديث الكتاب.
أما الزبيدي فقد أعاد تخريج الحديث بنحو تخريجه السابق له، ولم يذكر إشارة العراقي لتقدمه، ولا أشار هو كذلك (^٢).
وفي الباب الثاني من كتاب العلم قال الغزالي: قال ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
فقام العراقى بتخريجه بقوله: رواه الترمذى، وصححه، والنسائي وابن حبان، من حديث الحسن بن على (^٣).
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٤/ ٢٧٥ حديث (١).
(٢) الإتحاف ٩/ ٥١٤. وانظر مثالا آخر لذلك في كتاب آفات اللسان - الآفة السابعة - المغني مع الإحياء ٣/ ١١٩ حديث (٤) والمُسْتَبَانِ، ما قالا، فعلى البادي، حتى يعتدي المظلوم، مع الإحياء - كتاب ذم الغضب والحقد والحسد - بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام ٣/ ١٧٥ ولم يتعرض للحديث في هذه الصفحة، ثم كرره في الصفحة التالية ٣/ ١٧٦، فأعاد العراقي تخريجه بالعزو إلى صحيح مسلم، ثم قال: وقد تقدم - المغني مع الإحياء في هذا الموضع حديث رقم (٣)، وقد نقص عن تخريجه له في الموضع الأول، أنه لم يذكر صحابي الحديث الذي رواه مسلم عنه وهو أبو هريرة، ولم يذكر الفرق بين رواية مسلم وبين اللفظ الذي أورده العزالي. وقد قام الشارح بتخريج الحديث من جانبه هو في الموضع الذي بعده، ونبه في الموضعين على تقدم الحديث كذلك الإتحاف ٨/¬٣٥، ٣٦.
(٣) الإحياء مع المغني ١/¬٢٥ حديث (٣).
[ ٤ / ١٥٤١ ]
وبعد كتاب العلم هذا بكتاب، وذلك في كتاب أسرار الطهارة - القسم الثالث - ذكر الغزالى أن الرسول ﷺ أمر بتنظيف ما تحت الأظفار. فقام العراقى بتخريجه بقوله: رواه الطبراني من حديث وابص ةبن (معبد) سألت النبي ﷺ عن كل شيء، حتى سألته عن الوسخ الذي يكون بين الأظفار فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (^١) ولم يشر إلى تقدم هذا اللفظ، وحده، كما ترى.
ثم بعد هذا بعدة كتب من الإحياء، وذلك في كتاب الحلال والحرام - الباب الأول - ذكر الغزالي حديث: «دع ما يريبك …» مرة أخرى، فقام العراقي بتخريجه بقوله: (رواه) النسائى والترمذي والحاكم، وصححاه، من حديث الحسن بن على (^٢) ولم يشر إلى تقدمه.
ويلاحظ أن تخريجه في هذا الموضع فيه زيادة عزو الحديث إلى الحاكم (^٣)، ونقصه عزوه إلى صحيح ابن حبان (^٤). فلو كان أشار إلى تقدم الحديث، لأمكن للبحاث الفحص عن موضعه السابق، وبذلك يجتمع له ما ذكر في الموضعين من عزو الحديث لكل من صحيح ابن حبان والحاكم، وهما فائدتان ظاهرتان. ثم إنه في الباب الثاني من كتاب الحلال والحرام، ذكر الغزالي الحديث مرة أخرى.
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/ ١٤٣ حديث (٥).
(٢) الإحياء مع المغني ٢/ ٩٦ حديث (١).
(٣) هو في المستدرك ٢/¬١٣ و٤/ ٩٩.
(٤) وهو فيه - كما في الإحسان - كتاب الرقاق - باب الورع والتوكل ٢/ حديث ٧٢٢.
[ ٤ / ١٥٤٢ ]
فأعاد العراقى ذكره، وقال: تقدم في الباب قبله (^١).
وهذه كما ترى إحالة على أقرب موضع فقط لتكرر الحديث، ومن يرجع إلى هذا الموضع فقط، فلن يستفيد عزو الحديث إلى صحيح ابن حبان الذي ذكر في الموضع الأول، في كتاب العلم، كما مر. وكذلك لا يستفيد عزوه للطبراني الذي ذكره العراقي في أسرار الطهارة، كما قدمته أيضا. ثم في الباب الثالث من كتاب الحلال والحرام، ذكر الغزالي الحديث مرة أخرى. فذكره العراقي وقال: تقدم في البابين قبله (^٢) وهذه أيضا إحالة لغير الموضع الأول والثاني، بما فيهما من فائدة.
وفي الباب الخامس من كتاب الحلال - ذكر الغزالي الحديث مرة أخرى فذكره العراقي، وأحال به على الباب الأول فقط من كتاب الحلال والحرام (^٣).
ج - قد يتعرض العراقي لتخريج الحديث المكرر في موضعين، ولكن يذهل فقط عن التنبيه في الموضع الثاني على تقدم الحديث قبل هذا، وعند مراجعة موضعى الحديث، نجد أن تخريجه في الموضع المتقدم مستوفى، وفي الموضع المتأخر، قصور يحتاج جبره المراجعة المتقدم، الذى لم ينبه عليه، فمن ذلك أنه في كتاب كسر الشهوتين - ذكر الغزالى حديث: شر أمتى الذين غذوا بالنعيم، ونبتت عليه أجسامهم.
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/ ١١٧ حديث (٢).
(٢) الإحياء مع المغني ٢/ ١٢٠ حديث (٢).
(٣) الإحياء مع المغني ٢/ ١٣٦ حديث (١).
[ ٤ / ١٥٤٣ ]
فقال العراقي في تخريجه: رواه ابن عدى فى الكامل، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان، من حديث فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وروى من حديث فاطمة بنت الحسين مرسلا، قال الدارقطني في العلل: إنه أشبه بالصواب، ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث عائشة، بإسناد لا بأس به (^١).
وفي الكتاب التالي لهذا، وهو كتاب آفات اللسان - الآفة السادسة - ذكر الغزالي الحديث مرة ثانية.
فأعاد العراقي تخريجه بقوله: رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في شعب الإيمان (^٢) وزاد الشارح نقلا عن العراقي قوله: وفيه انقطاع (^٣).
ولم يشر العراقي إلى تقدم الحديث، كما ترى، فلعله من ذهوله، ويلاحظ التصور في تخريج الحديث في الموضع المتأخر، والاستيفاء المناسب في الموضع المتقدم الذى لم ينبه العراقى عليه.
أما الشارح فإنه قد خرج الحديث في الموضع الثاني بالعزو إلى ابن عدى والبيهقي وابن عساكر وابن ابى الدنيا، وساق سند رواية ابن أبي الدنيا، وبين أنها متصلة، ورد بذلك قول العراقي بانقطاع سند الحديث مطلقا.
ثم أضاف التنبيه على تقدم الحديث قريبا، فتلافي بذلك ما ذهل عنه العراقي (^٤).
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ٨٩ حديث (٢).
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ١١٧ حديث (١).
(٣) الإتحاف ٧/ ٤٧٧
(٤) الإتحاف ٧/ ٤٧٧
[ ٤ / ١٥٤٤ ]
نتيجة إجمالية: ولعلى فيما قدمته آنفا، قد وفقت إلى استخراج ما بثه العراقي خلال هذا التخريج من تقرير شرطه فيه، والذي لم يصرح به في مقدمة الكتاب، بحيث يتنبه له منذ البداية، كل من يطالع الكتاب، ولعلى ايضا قد وفقت في بيان التزام العراقي بشرطه في غالب الكتاب، وأبرزت أهم الفوائد والدواعي التي اقتضت زياداته، بتخريج ما ليس داخلا في شرطه من المرويات الواردة في الإحياء.
على أنه سيأتي بيان ما فاته تخريجه مما هو على شرطه، وتحقيق القول في ذلك بإذن الله.
[ ٤ / ١٥٤٥ ]
ما فات العراقي تخريجه من أحاديث الإحياء، وتحقيق القول في ذلك.
تقدم في بيان شرط العراق في هذا التخريج، انه التزم بالتعرض لما يصرح الغزالي بأنه حديث مرفوع، إما إلى الرسول ﷺ، فقط، وإما أن ينسبه الرسول ﷺ إلى ربه ﷿، وهو الحديث القدسي.
وتقدم بيان أن العراقي قد خرج عددًا كثيرًا من الأحاديث والآثار، التي وردت في «الإحياء» بصور متعددة غير التي تضمنها شرطه المشار إليه.
وتقدم كذلك إشار العراقي إلى تركه التعرض لتخريج أحاديث وآثار، وردت في الإحياء، ولكنها ليست على شرطه، في الموضع الذي تركها فيه.
ثم إنه في مقدمة كتاب التخريج هذا ذكر؛ أنه قد فاته تخريج بعض الأحاديث الواردة في الإحياء، لا لأنها خارجة عن شرطه، وإنما لأنه لم يقف عليها، رغم بحثه الطويل خلال عدة سنوات، واطلاعه الذي لا تخفى سعته، عل من يقرأ كتابه هذا.
فقد قال العراقي في مقدمة الكتاب: «فلما وفق الله تعالى لإكمال الكلام على أحاديث إحياء علوم الدين، في سنة إحدى وخمسين - يعنى وسبعمائة للهجرة - تعذر الوقوف على بعض أحاديث، فأخرت تبييضه إلى سنة ستين - يعنى وسبعمائة - فظفرت بكثير مما عَزُبَ عنى علمه وثم شرعت في تبييضه، في مصنف متوسط حجمه، وأنا مع ذلك متباطئ في إكماله، غير متعرض لتركه وإهماله، إلى أن ظفرت بأكثر ما كنت لم اقف عليه …» (^١).
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/¬٨.
[ ٤ / ١٥٤٦ ]
فقوله: «ظفرت بأكثر ما كنت لم أقف عله»، يفيد أنه بقيت في كتاب الإحياء أحاديث، داخلة فى شرط العراقي، ولكنه لم يقف عليها في أي من المصادر العديدة التى توافرت لديه، وإن كانت تلك الأحاديث قليلة بالنسبة إلى ما وقف عليه.
غير أن العراقي لم يسرد لنا تلك الأحاديث التي لم يقف على تخريج لها، حتى نعرفها على وجه التحديد، ولم يذكر حتى عددها الإجمالي، رغم أن مقدمة الكتاب التي ذكر فيها كلامه السابق، قد كتبها بعد الفراغ من التخريج.
وقد قمت من جانبي بقراءة كل من الإحياء، وتخريج العراقي له وقراءة تفصيلية، كاملة، وأمضيت فى ذلك ليالى وأياما متواصلة، لعدة أشهر، وقيدت مئات الملحوظات المتعلقة ببيان ما فات العراقي تخريجه، أو التعرض له، ول ببيان عدم وقوفه عليه.
ومن خلال ذلك تبين لى أن تحديد كل الأحاديث التي فاتت العراقي، مع اطلاعه عليها في الإحياء، أمر في غاية الصعوبة، وذلك لما يلى:
١ - أن العراقي قد أشار إلى اعتماده في ذكر الأحاديث التي يتعرض لتخريجها، إلى أكثر من نسخة من كتاب «الإحياء» (^١) ولم يتح لنا الآن الوقوف على تلك النسخ ذاتها التي رجع إليها العراقي.
_________________
(١) انظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٥ حديث (٦) وص ٣٠٦ وشرح الإحياء ١/ ٢٩٥ حديث «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري». والمغني مع الإحياء ٤/ ٢٢٨ حديث (٣). والمغني ١/ ٩٠ حديث (٣) مع الشرح ١/ ٤٥٧.
[ ٤ / ١٥٤٧ ]
٢ - أن نسخ كتاب الإحياء تختلف في الأحاديث الواردة فيها، تقديما وتأخيرا، وإفرادا وتكريرا (^١) وزيادة ونقصا، وبذلك قد يكون الحديث موجودا الآن في النسخ التي بين أيدينا، ولنه لم يكن موجودا في النسخ التي اعتمد العراقي عليها، وبالتالي لم يتعرض له بشيء، وبالعكس أيضا، كما في الأمثلة التالية: -
ففي أكثر من طبعة مما بين أيدينا من الإحياء، أورد الغزالي ما نصه «قال ﷺ: استنجدوا هداياكم، فإنها مطاياكم يوم القيامة».
ولكنه لم يوجد في المغنى، بحسب ما بين أيدينا من طبعاته أيضا (^٢) وبمراجعة نسخة شارح الإحياء لا نجد الحديث فيها ايضا، ولذلك لم نجد تعرض الشارح للحديث بشي (^٣).
وقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبي على الحديث بقوله: قوله: «استنجدوا» … الخر هذا الحديث لم يخرجه العراقي، وهو ليس في نسخته (الشارح)، فلعله لم يكن في نسخته اهـ مصححه (^٤).
_________________
(١) انظر الإحياء مع المغني ٢/ ٢٠١، ٢٠٢ حديث: «إذا التقى المؤمنان فتصافحا»، برقم (٥) مع الشرح ٦/ ٢٧٣.
(٢) الإحياء مع المغني ١/ ٢٧٢ ونسخة الإحياء المطبوعة بحاشية شرحه للزبيدي ٤/ ٤٤١.
(٣) انظر الإتحاف ٤/ ٤٤١.
(٤) الإحياء مع المغني ١/ ٢٧٢ والحديث أورده السخاوى في المقاصد (برقم ١٠٨) طبعة الخشت - بلفظ: «استفرهوا ضحاياكم، فإنها مطاياكم على الصراط» وعزاه إلى الديلمي من طريق ابن المبارك عن يحى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة، رفعه بهذا، وقال: ويحى ضعيف جدا. ووافقه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته ١/ حديث (٩٢٤).
[ ٤ / ١٥٤٨ ]
وفي أكثر من طبعة ايضا نجد في الإحياء ما نصه «ويدل على ذلك، توضؤ رسول الله ﷺ من مزادة مشركة» (^١).
وليس هذا الحديث في طبعة المغنى التي بن أيدينا (^٢) وليس ايضا في نسخة الشارح من الإحياء، ولذلك لم يتكلم عنه بشيء (^٣).
وفي أكثر من طبعة من الإحياء أيضا نجد ما نصه «وقال معاوية: قال رسول الله ﷺ: اشفعوا إلى تؤجروا، إني أريد الأمر، وأؤخره، كي تشفعوا إلى تؤجروا، إني أريد الأمر، وأؤخره، كي تشفعوا إلى، فتؤجروا (^٤).
ولكن لا نجد الحديث في طبعة المغنى أيضا، وبالتالي لا نجد تعرض العراقي له. في حين جاء الحديث بنسخة الشارح من الإحياء، فتصدى لتخريجه، ثم قال: وقد سقط هذا الحديث، عند العراقي (^٥) وقد تبعه على هذا مصحح طبعة الحلبي من الإحياء مع المغنى (^٦).
وفي الإحياء ايضا قال الغزالي: «وقال ﷺ: إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله امرؤ عِلْمَ ما يقول» (^٧).
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/ ١٠٦ والنسخة المطبوعة بهامش شرح الإحياء ٦/¬٤٦.
(٢) المغني مع الإحياء ٢/ ١٠٦.
(٣) الإتحاف ٦/¬٤٦.
(٤) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٠٠، والنسخة المطبوعة بهامش الشرح ٦/ ٢٧٣.
(٥) الإتحاف ٦/ ٢٧٣.
(٦) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٠٠ تعليق المصحح.
(٧) الإحياء مع المغني ٣/ ١٠٧ والإحياء بحاشية الشرح ٧/ ٤٥٤.
[ ٤ / ١٥٤٩ ]
ولكن لم نجد الحديث في المغنى (^١).
وقد جاء الحديث في نسخة الشارح، فخرجه من جانبه، وقال: وهذا الحديث أغفله العراقي، وكأنه سقط من نسخته، وهو ثابت عندنا في سائر النسخ (^٢) فمثل هذه الأحاديث، تعتبر مما فات العراقي تخريجه، وإن كان له عذر في ذلك، بعدم وجودها فيما اطلع عليه من نسخ الإحياء.
وقد حدث عكس هذا ايضا، فوجدت أحاديث في نسخة العراقي من الإحياء، وتعرض لها، ولم نجد هذه الأحاديث في المطبوع حاليا من نسخ الإحياء، فمن ذلك ما جاء فى المغنى من قول العراقي: حديث أنس من صلى ليلة الأحد بين المغرب والعشاء اثنتى عشرة ركعة (الحديث) لم أجد له أصلا (^٣) وليس هذا الحديث فى أى من نسخ الإحياء التي بين أيدينا (^٤).
كما أنه غير موجود بنسخة المغنى التي اعتمد عليها شارح الإحياء (^٥). ولا بنسختى المغنى المخطوطتين بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٢٨٢) حديث، و(٧٩٢) حديث طلعت/ ق ١٨/ ب.
وفى المغنى أيضا جاء ما نصه «حديث: كان له ثوب لجمعته خاصة (الحديث): تقدم قريبا، بلفظ ثوبين (^٦).
_________________
(١) انظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٠٧.
(٢) الإتحاف ٧/ ٤٥٤
(٣) الإحياء مع المغني ١/ ٢٠٠، ٢٠٦ حديث رقم (١).
(٤) الإحياء مع المغني الموضع السابق، والإحياء بهامش الشرح، ونسخة الشارح ٣/ ٣٧٨
(٥) انظر الإتحاف/ الموضع السابق
(٦) الإحياء ومعه المغني ٢/ ٣٧٥ والموضع المتقدم ص ٣٧٤ حديث رقم (١).
[ ٤ / ١٥٥٠ ]
فهذا الحديث ليس موجودا بنسخة الإحياء، طبعة مصطفى الحلبي (^١) ولا النسخة التي بها حسر الشرح، ولكنه موجود بنسخة الشارح، ونقل تخريج العراقي له بالإحالة على ما تقدم، بلفظ «ثوبين»، كما أسلفته (^٢).
وفى المغنى كذلك قال العراقي: حديث: يد طلحة، لما أزال ما كان بها من شلل أصابها يوم أحد حين مسحها بيده، أخرجه النسائي من حديث جابر: لما كان يوم أحد … (^٣).
وهذا الحديث ليس بنسخ الإحياء التي بين أيدينا حاليا، ولا بنسخة الشارح، ولذلك نقله من المغنى مع تخريج العراقى له، ثم قال: ولم أجد ذلك في نسخ الإحياء الموجودة عندى (^٤) وأشار مصحح طبعة مصطفى الحلبي، لذلك أيضا (^٥).
٣ - أن نسخ الإحياء ايضا تختلف، في ذكر العبارة التي تفيد رفع الحديث، إلى الرسول ﷺ، حتى يدخل فى شرط العراقى، أو عدم رفعه، فلا يدخل في شرطه، وقد تقدم مثال لذلك في بيان شرط العراقي (^٦).
وأضيف هنا مثالا آخر، فقد جاء في الإحياء: قال أبو ذر ﵁: الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة، ويُروى مرفوعا
_________________
(١) انظر الموضع السابق
(٢) الإحياء بهامش الشرح، والشرح ٧/ ١٣٠.
(٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٨.
(٤) الإتحاف ٧/ ١٩١.
(٥) هامش الإحياء مع المغني ٢/ ٣٨٨.
(٦) وانظر المغني مع الإحياء ٢/ ١٨٧ حديث (٢) مع الشرح ٦/ ٢٤٢.
[ ٤ / ١٥٥١ ]
ولم يتعرض العراقي لتخريجه، لا موقوفا على أبي ذر، ولا مرفوعا، كما صرح به الغزالى، مع دخوله بمقتضى ذلك في شرط العراقي (^١).
وقد قام الزبيدي بتخريجه مرفوعا. ثم قال: وقد أغفله العراقي، فلم يورده (^٢) ويمكن الجواب عن إغفال العراقى لإيراد الحديث في المغنى وتخريجه، بأن تكون عبارة «ويُروى مرفوعا» التي ذكرت في آخر الحديث، لم تكن موجدة في نسخة العراقي من الإحياء، وبذلك تبقى الرواية موقوفة على أبي ذر ﵁ كما صرح بذلك في بدايتهما، وعليه تكون الرواية خارجة عن شرط العراقي، فا تعد مما فاته تخريجه، حسب شرطه.
وفي طبعتين من الإحياء جاء في موضع، ما نصه: «وقوله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
وبذلك لم يورد العراقى فى مقابل هذا الموضع شيئا، ولم يتعرض لتخريجه، تبعا لشرطه، لأنه غير مرفوع (^٣).
لكن جاءي في نسخة الشارح من الإحياء هكذا، «وقوله ﷺ: قال الله ﷿ …»
فعلق عليه الشارح بقوله: أغفله العراقى، وسبب إغفاله، أنه يوجد في بعض، نسخ الكتاب: «وقال الله ﷿ ..، بدون «وقوله: ﷺ»
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/ ١٧٠.
(٢) الإتحاف ٦/ ٢٠٣.
(٣) الإحياء مع المغني ٤/¬٣١.
[ ٤ / ١٥٥٢ ]
ثم بين أنه حديث قدسي، وخرجه بالعزو إلى الشيخين والترمذي وابن ماجه وغيرهم» (^١).
أقول: ويؤيد ما ذكره الشارح أن الغزالى قد ذكر الحديث بعد هذا في موضعين مصرحا برفعه، فتصدى العراقى لتخريجه فيهما، مرة بالعزو إلى البخارى، ومرة بالعزو إلى الشيخين (^٢) وذكره مرة ثالثة ضمن تخريج حديث آخر (^٣).
فيكون تركه له في الموضع الأول، لخروجه عن شرطه حسب نسخته من الإحياء، فلا يعتبر مما فاته، ومثل ذلك أيضا المثال التالي: - في طبعتين من الإحياء أيضا ما نصه «وقال عيسى ﷺ: مَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ، فذلك يُدْعى عظيما في ملكوت السموات»، ولم يتعرض له العراقي (^٤) لعدم دخوله هكذا في شرطه.
ولكن في نسخة الزبيدي منا لإحياء جاء هكذا «وقال ﷺ: مَنْ علم وعمل … (الحديث). فعلق عليه بقوله: لم يخرجه العراقي، وفي بعض النسخ، وقال عيسى ﵇ …» ثم خرجه من قول عيسى ﵇، ومن قول بعض التابعين، ومرفوعا إلى النبي ﷺ (^٥).
_________________
(١) الإتحاف ٨/ ٥٦٨.
(٢) الإحياء مع المغني ٤/ ٣٠٢ حديث (١)، ٥٢٣ حديث (١).
(٣) المغني مع الإحياء ٤/ ٥٢٧ حديث رقم (٢).
(٤) الإحياء مع المغني ١/¬١٧ والنسخة التي بهامش الشرح ١/ ١٠٦.
(٥) الإتحاف ١/ ١٠٦.
[ ٤ / ١٥٥٣ ]
٤ - أن نسخ الإحياء تختلف في تقطيع الحديث الواحد إلى حديثين متتاليين، أو وصل حديثينفى سياق واحد، وهما منفصلين في نسخة أخرى، فحين يُذكر في تخريج العراقي صدر الحديث الأول منهما، يظن القارئ أن الحديث الثاني قد فات العراقي، مع أنه داخل في تخريج الأول، حسبما يظهر ذلك بمراجعة الرواية فى المصدر الذى يعزو العراقي إليه الحديث.
ففي موضع قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ: ذاكر الله في الغافلين، كالشجرة الخضراء وسط الهشيم، وقال ﷺ: ذاكر الله في الغافلين، كالمقاتل بين الفارين.
فهذان الحديثان يوجدان في المصادر الحديثية حديثا واحدًا، وقد ذكرا في نسخ الإحياء التي بين يدينا هكذا منفصلين (^١).
وقد قال العراقي ف المغنى: حديث: ذاكر الله في الغافلين، كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم، أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب، من حديث ابن عمر بسند ضعيف، وقالا: فى وسط الشجر .. (الحديث).
فمن يقرأ تخريج العراقى هذا، يظن أنه للفظ الحديث الذي ذكره فقط، دون اللفظ الثاني الذي ذكره الغزالي بعد على أنه حديث مستقل عن الذي قبله، وهو: «ذاكر الله في الغافلين، كالمقاتل بين الفارين».
وبذلك يظ القارئ أنه قد فات العراقى تخريج هذا الحديث الثاني، مع كونه على شرطه.
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/ ٣٠١ حديث رقم (١) والإحياء بهامش الإتحاف ٥/¬٥ ومع الإتحاف/ الموضع نفسه
[ ٤ / ١٥٥٤ ]
ولكن عند مراجعة المصدرين اللذين عزا العراقى الحديث لهما، وهما الحلية لابي نعيم ٦/ ١٨١ ترجمة عمران بن مسلم المنقرى القصير، والشعب - كما في الإتحاف - نجد أن سياق الحديث عندهما مشتمل على الحديثين معًا اللذين فرقهما الغزالي وبل إننا نجد الحدث الثاني عند الغزالي، هو المذكور في أول السياق عندهما هكذا «ذاكر الله في الغافلين»، كالذي يقاتل عن الفارين، وذاكر الله في الغافلين مثل المصباح في البيت المظلم، وذاكر الله في الغافلين، مثل الشجرة الخضراء في وسط الشجر … (الحديث).
ولما اقتصر العراقي على ذكر اللفظ الأول فى صدر تخريج الحديث كما أسلفت، علق الشارح عليه بقوله: المذكور هنا، قطعة من الحديث، لفظه … وساقه كما قدمت بطوله، مشتملا على اللفظين اللذين أوردهما الغزالي منفصلين.
ثم علق الشارح على اللفظ الثاني الذي أورده الغزالي منفصلا بقوله: «هكذا في سائر النسخ - يعنى ذكر فيها منفصلا - ثم قال: ولم يتعرض له العراقي، وكأنه لم يكن عنده، وفى نسخة أخرى - يعنى من الإحياء - «كالحي بين الأموات» يعنى بدل «كالمقاتل بين الفارين» - ثم قال: وهو قطعة من حديث ابن عمر عند الجماعة، وهو الذى تقدم قبله بلفظ «مثل الذي يقاتل عن الفارين» …» (^١).
أقول: وقول الشارح: ولم يتعرض له العراقى، يعنى تعرضا مستقلا عن الذي قبله، بأن يورده في المغنى منفصلا، كما أورده الغزالي، ثم يعلق عليه
_________________
(١) الإتحاف ٥/¬٥.
[ ٤ / ١٥٥٥ ]
مثلا بقوله: هو بعض الحديث الذى قبله، كما يفعل ذلك في بعض المواضع التي يقطع الغزالي فيها الحديث إلى قطعتين حسب الاستدلال (^١).
أما تعليل الشارح عدم تعرض العراقي لهذا الحديث بقوله: كأنه لم يكن عنده، يعني في نسخته من الإحياء، فهو تعليل ممكن؛ لكن يمكن أيضا تعليل عدم تعرضه العراقي للحديث منفصلا عما قبله، لأجل دخوله في تخريج ما قبله، كما قدمت توضيحه. وقد تكون عبارة «وقال ﷺ» الثانية ليست في نسخة العراقي، كما سيأتى فى المثال الذى بعد هذا. لكن الغزالي كرر هذا الحديث باللفظين منفصلين أيضا بعد هذا بكثير زفلم يتعرض العراقي لأي من الروايتين بالتخريج، ولا أشار لتقدم تخريج أى منهما، كما يفعل في حالات مماثلة (^٢) فلعله ذهل عن تقدمهما، كما تقدم في مبحث تخريجه للأحاديث التي تتكرر. وقد تعقبه الشارح في هذا الموضع الثاني أيضا بعدم تعرضه لتخريج أى من الروايتين (^٣) ثم خرجهما بنحو ما ذكر في الموضع الأول من التخريج.
وفي موضع آخر قال الغزالي: وقال ﷺ: رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، ثم ايقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، وقال ﷺ: رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وثم ايقظت زوجها فصلى، فإن ابي نضحت في وجهه الماء. هكذا جاء السياق في نسختين من الإحياء (^٤) وعليه.
_________________
(١) ينظر مثلا الإحياء مع المغني ١/¬١٢ حديثي رقم (٢)، (٣). و٢/ ١٧٥ حديثي (٣)، (٤).
(٢) الإحياء مع المغني ٢/ ٨٦
(٣) الإتحاف ٥/ ٥١١
(٤) الإحياء مع المغني ١/ ٣٦٦ وبهامش الشرح ٥/ ١٨٧.
[ ٤ / ١٥٥٦ ]
يعتبر المذكور حديثين منفصلين.
في حين جاء السياق في نسخة الزبيدي بإسقاط عبارة «وقال ﷺ» الثانية، فاصبح المذكور حديثا واحدا (^١) وهكذا هو في المصادر الحديثية، وعليه جرى العراقي في التخريج، فقال: حديث: رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى، ثم ايقظ امرأته فصلت (الحديث)، وعزاه إلى أبي داود وابن حبان من حديث أبي هريرة (^٢).
وعندما نراجع سنن أبي داود مثلا، نجد الحديث فيه في موضعين، بالسياق الوارد في نسخة الزبيدي، الشامل لصلاة الرجل، وإيقاظ امرأته، ولصلاة المرأة، وإيقاظها زوجها (^٣).
لكن من يقف على نسخ الإحياء التي أوردت صلاة الرجل حديثا مستقلا، وصلاة المرأة حديثا مستقلا، ثم يقرأ تخريج العراقي، يظن أنه قد خرج حديث صلاة الرجل فقط، وفاته تخريج حديث صلاة المرأة، مع أنه في الحقيقة قد خرجه تبعا للشرط الأول من الحديث.
٥ - أن كتاب التخريج المغني هذا، نسخة مختلفة زيادة ونقصا، فيوجد في بعضها بعض أحاديث مخرجة، ولا يوجد ذلك في بعض النسخ الأخرى، فمن يقف على النسخة التي لم يُذكر فيها الحديث مخرجا، يظن أن العراقي قد فاته تخريج الحديث، بينما هو يكون قد خرجه، ولكن سقط من تلك النسخة.
_________________
(١) الإتحاف ٥/ ١٨٧.
(٢) المغني مع الإحياء ١/ ٣٦٦ حديث رقم (٤).
(٣) سنن أبي داود - الصلاة - باب قيام الليل حديث (١٣٠٨) وباب الحث على قيام الليل حديث (١٤٥٠).
[ ٤ / ١٥٥٧ ]
فمن ذلك أن الغزالي قد قال في موضع: فأما قوله ﷺ: من فسر القرآن برأيه، ونهيه عنه.
وجاء في نسخة المغنى المطبوعة مع الإحياء (طبعة مصطفى الحلبي) ما نصه: حديث النهي عن تفسير القرآن بالرأي، غريب (^١).
وقوله: «غريب» هذه كلمة اصطلاحية تعنى أنه لم يجد هذا الحديث، فيما تيسر له من المصادر الحديثية، وقد استعمل العراقي هذه الكلمة الاصطلاحية في تخريجه هذا عموما، دون أن ينسبه على المقصود الاصطلاحي لها، كما سيأتي توضيح ذلك.
وحين نرجع إلى الزبيدي شارح الإحياء في هذا الموضع، نجده يذكر الحديث، ولكن لا يذكر تعرض العراقي لتخريجه، بقوله: غريب، ولا نجده هو أيضا تعرض من جانبه لتخريج الحديث (^٢).
وجدير بالذكر أن الغزالي ذكر قبل هذا الموضع بقليل حديث «من فسر القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار» وذكره أيضا في موضع متقدم كثيرا عن هذا، فتعرض العراقي لتخريجه في الموضع المتقدم، ثم أحال عليه في الموضع القريب (^٣) وهو بمعنى هذا الحديث الذي قال عنه: غريب، بمعنى أنه لم يجده.
وفي موضع قال الغزالي: وقال ﷺ في الصائم - يقول الله ﷿:
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/ ١٩٧ حديث (٤).
(٢) الإتحاف ٤/ ٥٣٠.
(٣) الإحياء مع المغني ١/¬٤٤ حديث (١) و٢٩٦ حديث (١).
[ ٤ / ١٥٥٨ ]
انظروا يا ملائكتي إلى عبدى، ترك شهوته، ولذته، وطعامه وشرابه من أجلى.
وقد ذُكر هذا الحديث فى طبعة المغنى السابقة مع الإحياء، ولم يُذكر كلام للعراقي عنه (^١).
فى حين نجد الزبيدي يقول: قال العراقي: لم أجده (^٢) ومعنى هذا أنه سقط من نسخة المغنى المطبوعة مع الإحياء، قول العراقي هذا.
ثم إن الشارح تعقب العراقى بوجود حديث بنحو ما ذكره الغزالي، أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة له من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ (^٣) وفى موضع آخر قال الغزالي: وفى الحديث الآخر: إن الله يكره لكم البيان كل البيان.
ولم أجد هذا الحديث ولا تخريجه في نسخة المغنى المطبوعة مع الإحياء (^٤) لكن وجدت الزبيدي ذكر تخريج العراقي لهذا الحديث بقوله: رواه ابن السني في كتاب رياضة المتعلمين، من حديث أبي أمامة بسند ضعيف (^٥).
فيكون سقط الحديث وتخريجه من طبعة المغنى السابق ذكرها.
وفى موضع آخر قال الغزالي: وقال رسول الله ﷺ: من أقر عين مؤمن، أقر الله عينه يوم القيامة.
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/ ٢٣٨ حديث (٧).
(٢) الإتحاف ٤/ ١٩٣.
(٣) الإتحاف الموضع السابق.
(٤) الإحياء مع المغني ٢/ ١٧٥.
(٥) الإتحاف ٦/ ٢١٣.
[ ٤ / ١٥٥٩ ]
ولم أجد الحديث ولا تخريجه في نسخة المغني المطبوعة مع الإحياء، وأشار مصححها أنه لم يجده في النسخة الخطية التي طبع عنها (^١).
وعند الرجوع إلى الزبيدي في شرح الإحياء نجده ينقل تخريج العراقي له بقوله: رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق، بإسناد ضعيف، مرسلا (^٢) وفي موضع قال الغزالي: وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال كمن أسف على دنيا فاتته، اقترب من النار مسيرة شهر، وقيل سنة.
وقد وجدت الحديث مذكورا في طبعة المغني التي مع الإحياء، لكن بدون تخريج له (^٣) وعند مراجعة الشرح وجدت الزبيدي نقل تخريجه عن العراقي بقوله: رويناه في كتاب القربة لأبي حفص العتكي، من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: مسيرة ألف سنة، وإسناده ضعيف، ورويناه في الجزء الثاني عشر من فوائد الخلعي، من هذا الوجه (^٤).
وفى موضع قال الغزالي: وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: لا يقولن أحدكم عبدي ولا أمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله … (الحديث).
ولم أجد الحديث ولا تخريجه فى المغنى الذي مع الإحياء (في طبعة مصطفى الحلبى) (^٥) وعند الرجوع إلى الشرح نجد الزبيدي تصدي لتخريج
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٠٧.
(٢) الإتحاف ٦/ ٢٩٢.
(٣) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٦١.
(٤) الإتحاف ٨/ ٢١٩.
(٥) الإحياء مع المغني ٣/ ١٥٨.
[ ٤ / ١٥٦٠ ]
الحديث بتوسع، ولكن نقل ضمن تخريجه، عن العراقي في تخريج الشطر الذي قدمته، قوله: هو متفق عليه من حديث أبي هريرة (^١).
وفي موضع قال الغزالي: وروى جابر أنه ﵇ قال: رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء أمرأة أبي طلحة.
وبعد هذا بسطور قال: لما مات إبراهيم ولد النبي ﷺ فاضت عيناه، فقيل له: أما نهيتنا عن هذا؟ فقال: إن هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
ولم أجد الحديثين ولا تخريجهما في المغنى المطبوع مع الإحياء (طبعة مصطفى الحلبي) (^٢) وعند مراجعة شرح الإحياء نجد الزبيدي قد نقل عن العراقي تخريج هذين الحديثين (^٣) وفي موضع قال الغزالي: وقال جابر: قال رسول الله ﷺ: قال جبريل ﵇: قال الله تعالى: إن هذا دين ارتضيته لنفسى، ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فاكرموه بهما ما استطعتم، وفي رواية فأكرموه بهما ما صحبتموه، ثم قال: وعن عائشة الصديقة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: ما جبل الله تعالى وَلِيًّا له، إلا على حسن الخلق والسخاء.
وقد وجدت في طبعة المغنى التي مع الإحياء تخريج العراقي للحديثين (^٤).
_________________
(١) الإتحاف ٧/ ٥٧٦.
(٢) الإحياء مع المغني ٤/ ٧٢.
(٣) انظر الإتحاف ٩/¬٣٠، ٣١
(٤) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٣٨ حديثي ٢، ٣.
[ ٤ / ١٥٦١ ]
فلما رجعت للشرح، وجدت الزبيدى نقل تخريج العراقى لحديث عائشة على أنه تخريج الحديث جابر، مع تصريح العراقى فيه بأنه عن عائشة.
ثم قال عقب حديث عائشة: أغفله العراقى، وقام من جانبه هو بتخريجه من عدة مصادر، وذكر منها المصادر التى خرجه العراقى منها نفسها (^١).
ومن ذلك يظهر أنه قد سقط من نسخة الزبيدى تخريج العراقى لحديث جابر، فلما نقل بدله تخريج حديث عائشة سهوا، نسب إلى العراقى إغفال تخريج حديث عائشة، والحال أنه خرجه، وخرج حديث جابر، كما قدمت.
استنتاج وبيان:
فمن تلك الأمور الخمسة يتضح لنا صعوبة الجزم بحصر جميع الأحاديث التى فاتت العراقى، وكان يلزمه التصدى لتخريجها في هذا الكتاب، بمقتضى شرطه فيه.
وعلى ذلك فلا يسعنا إلا بيان نماذج منوعة لما ظهر لنا بالدليل، أنه قد فات العراقى تخريجه، وهو على شرطه، وذلك حسب ما هو متاح من طبعات الكتاب المخرج وهو «الإحياء» وما هو متاح أيضا من طبعات ونسخ خطية لكتاب التخريج وهو «المغنى» للعراقى.
وذلك على النحو التالى: -
أولا: هناك أحاديث نقلها العراقى فعلا من الإحياء، إلى كتاب المغنى لكى يخرجها، ثم وجدنا موضع التخريج بياضا، لم يُذكر فيه شيء، أو وجدنا بعض نقاط من تخريج الحديث، دون أن تُستكمل.
_________________
(١) الإتحاف ٨/ ١٧١.
[ ٤ / ١٥٦٢ ]
فمن ذلك أن الغزالى قال: قال النبي ﷺ: «إنك إذا بخيل».
فقال العراقي في المغنى: حديث: «إنك لبخيل»، ثم لم يتكلم عنه بشيء (^١) وقد ورد الحديث أيضا في نسخة الزبيدي من الإحياء، ولكنه لم يعلق عليه بشيء (^٢).
وفي حاشية طبعة مصطفى الحلبى للمغنى بهامش الإحياء، ذكر مصحح الطبعة، الحديث، ثم علق عليه بقوله: هكذا بالنسخ - يعني نسخ المغنى التي اعتمد عليها في طبعته هذه - من غير ذكر راو، ولم يخرجه الشارح أيضا، فلينظر اهـ. مصححه (^٣) وفى موضع آخر قال الغزالي: قال أبو هريرة: قال ﷺ: إن أهل الجنة كل أشعث أغبر، ذى طمرين، لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم … (الحديث).
وقد أورده العراقى هكذا في المغنى، ولم يذكر عنه شيئا (^٤).
وهكذا جاء الحديث ايضا بنسخة الزبيدى من الإحياء، وقد علق عليه بقوله: بيض له العراقي (^٥)، ثم لم يزد هو الآخر شيئا على ذلك.
وفي حاشية الطبعة السابق ذكرها، قال مصححها: قول العراقي: «لم يؤذن لهم» (الحديث)، هكذا في النسخ، من غير راو، وقال الشارح: بيض له العراقي، فَلْيُعْلَم. وهناك حديث ثالث: ذكره الغزالي بقوله: وليس
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٥٠ وبهامش الشرح ونسخة الشارح ٨/ ١٩٩.
(٢) الإتحاف/ الموضع السابق.
(٣) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٥٠.
(٤) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٧٠ حديث (٤).
(٥) الإتحاف ٨/ ٢٣٥.
[ ٤ / ١٥٦٣ ]
رسول الله ﷺ يوما واحدا ثوبا سيراء من سندس، قيمته مائتا درهم … ثم نزعه … (الحديث).
وقد أورده العراقى فى المغنى، ثم لم يذكر عنه شيئا (^١).
وكذلك الشارح الزبيدى (^٢)؛ لكن لم يذكر تبييض العراقي له كسابقة.
وفي حاشية طبعة المغنى السابق ذكرها، قال مصححها: قول العراقي: ثم نزعه، (الحديث)، هكذا في النسخ، بغير ذكر راو، ولم يتكلم عليه الشارح، فلينظر اهـ. وأيضا حديث رابع أورده الغزالي بقوله: عن النبي ﷺ: أنه خرج على قوم ذات يوم، وهم يتفكرون، فقال: مالكم لا تتكلمون؟ فقالوا: نتفكر في خلق الله ﷿، قال: فكذلك فافعلوا … (الحديث).
وقد أورد العراقي صدر الحديث، ثم قال: رويناه في جزء من حديث عبد الله بن سلام (^٣).
وقد ورد الحديث فى نسخة الزبيدي فعلق عليه بقوله: قال العراقي: رويناه في جزء، ثم ترك البياض، ولم يعين الجزء، ولا من رواه … (^٤).
ويلاحظ من هذا أن نسخة الزبيدي من التخريج، تنقص ذكر راوي الحديث، في حين نجده في طبعة التخريج السابق ذكرها، وهو «عبد الله بن سلام ﵁»، لكنه لم يذكر اسم الجزء الذي ورد فيه الحديث، كما ترى ..
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٤/ ٢٢٧.
(٢) الإتحاف ٩/ ٣٥٣.
(٣) الإحياء مع المغني ٤/ ٤١٠.
(٤) الإتحاف ١٠/ ١٦٢.
[ ٤ / ١٥٦٤ ]
ثم إن الزبيدي خرج رواية عبد الله بن سلام المشار إليها بقوله: وروى أحمد ومن طريقه الطبراني، ثم صاحب الحلية، من طريق عبد الجليل بن عطية عن شهر (بن حوشب) عن عبد الله ابن سلام، قال: خرج رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه، وهم يتفكرون في خلق الله … فذكر نحوه، مختصرا (^١).
أما صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس فقد قال: قال النجم: إن العراقي قال في جزء له: رويناه من حديث عبد الله بن سلام، أنه ﷺ خرج على قوم ذات يوم، وهم يتفكرون … وساق الرواية بطولها كما جاءت في الإحياء (^٢).
ولعل ما نقله العجلوني هذا، تحريف عما ذكره العراقي في الموضع السابق، ويلاحظ أن العجلوني ناقل له بقوله: «قال النجم» …، ولعل مراده بالنجم: محمد بن محمد بن محمد، نجم الدين، الغزى العامري الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ١٠٦١ هـ، فإن له كتابا باسم «إتفاق ما يحسن من بيان الأخبار الدائرة على الألسن» جمع فيه أحاديث مما دار على الألسن، مع بيان ما يصح منها، وما يخشن، وما لم يرد عن سيد البشر .. (^٣).
_________________
(١) الإتحاف ١٠/ ١٦٢ وذكر روايات أخرى من غير حديث عبد الله بن سلام، في مجموعها أكثر ألفاظ الرواية التي ذكرها الغزالي وانظر الحلية ٦/ ٦٦ ترجمة شهر بن حوشب. والعظمة لأبي الشيخ ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٢) كشف الخفاء ومزيل الإلباس فيما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للشيخ/ إسماعيل العجلوني ١/ ٣٧٠ ح ١٠٠٤.
(٣) انظر مقدمة الحد الحثيث، في بيان ما ليس بحديث/ ٩ للشيخ أحمد بن عبد الكريم الغزي، =
[ ٤ / ١٥٦٥ ]
فلعله هو مظنة هذا النقل، مع تحريفه السابق. والصواب أن هذا ليس تخريجا من العراقي للحديث، كما رأيت، ولكن تسويد بذكر بعض المعلومات، التي لم يكملها، أما الحديث الخامس، فقد قال الغزالي: قال النبي ﷺ: من شبع ونام، قسا قلبه، ثم قال: لكل شيء زكاة، وزكاة البدن الجوع.
فأورد العراقي هذا في المغنى كما هو، ثم قال: ابن ماجه من حديث أبي هريرة: لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، وإسناده ضعيف (^١).
وبهذا يكون العراقي قد خرج الشطر الأخير من الحديث فقط، وسكت عن صدره وهو «من شبع ونام، قسا قلبه»، وقد علق الزبيدي على هذا بقوله: وأما الجملة الأولى من الحديث، فلم اقف لها على أصل (^٢) فلعل العراقي سكت عنها لأجل عدم قوفه لها على أصل كذلك.
ويلاحظ أن تلك الأحاديث الخمسة، كلها داخلة تحت ما التزم العراقي بالتعرض لتخريجه بمقتضى شرطه، كما أن الذى تعقبه الشارح بتخريجه، حديث واحد منها، وهو الحديث الرابع فقط، وقد خرجه من مصادر معروفة خرج العراقي منها كثيرا من الأحاديث، خلال كتابه هذا.
ثانيا: أحاديث وردت في الإحياء، مصرحا بها، أو مشارًا إليها، ولكن لم أجدها مذكورة في المغنى أصلا، ولو بدون تخريج.
_________________
(١) = حفيد النجم المذكور - وقرأه الشيخ بكر أبو زيد، وانظر معجم المؤلفين لعمر كحالة ١١/ ٢٨٨، ٢٨٩
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٨٢ حديث (٣).
(٣) الإتحاف ٧/ ٣٩٥.
[ ٤ / ١٥٦٦ ]
فهذه تعتبر بحسب ما أوقفنى عليه البحث - مما فات العراقي تخريجه، وعدد هذا النوع من الأحاديث خلال الإحياء كله، يعتبر قليلا جدا، بالنسبة لمجموع ما خرجه العراقي من أحاديثه.
وقد وجدت الإمام الزبيدى شارح الإحياء، صرح في عدد منتلك الأحاديث، بأن العراقي قد أغفلها، واعتذر عنه في بعضها باحتمال أنها لم تكن في نسخته من الإحياء، ثم تصدى هو لتخريج بعضها، وشارك العراقي في عدم عدم التصدى لتخريج بعضها، مع وجودها في نسخته من الإحياء، وإليك نماذج لما ذكرت؛ فمن ذلك أن الغزالي عند كلامه عن الإمام مالك، قال: وروى أن أبا جعفر المنصور، منعه من رواية الحديث فى طلاق المكره، ثم دس عليه من يسأله، فروى على ملأ من الناس: (ليس على مُستكرَه طلاق)، فضربه بالسياط، ولم يترك رواية الحديث.
ولم يتعرض العراقي لتخريج ذلك. (^١) وعدم وقوع طلاق المكره، في معناه أكثر من حديث مرفوع، ولكنها ليست من رواية مالك (^٢).
وفيه معناه أيضا عدد من آثار الصحابة والتابعين (^٣) وقد روى مالك في موطئه بعض تلك الآثار عن كل من ابن عمر وابن الزبير، ولفظ رواية ابن عمر: ليس ذلك بطلاق - يعنى طلاق المكره (^٤). وهو بنحو اللفظ الذي ذكره الغزالي.
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/¬٣٣.
(٢) انظر نصب الراية للزيلعي ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤، سنن الدارقطني - النذور ٤/ ١٧١ حديث ٣٤ مع التعليق المغني، والطلاق ٤/¬٣٦ حديث ٩٨، ٩٩.
(٣) انظر نصب الراية ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤ مع حواشيها.
(٤) الموطأ - الطلاق - ٢/ ٥٨٧ حديث ٧٨ -
[ ٤ / ١٥٦٧ ]
وبذلك أصبح لما ذكره الغزالي محمل من الحديث الموقوف، ومحمل من الحديث المرفوع، فتدخل فى شرط العراقي، وتحتاج إلى تخريج يتميز به ما ثبت من ذلك من رواية مالك، وكان سببا فى بلائه، وما رواه غيره. ومع ذلك لم يتعرض العراقى لتخريج هذا الموضع كما ترى.
أما شارح الإحياء الإمام الزبيدى فقد تعرض لهذا بأمرين: -
أحدهما: تنبيهه على أن الصحيح أن الذى منع مالكا من رواية حديث طلاق المكره، وآذاه في ذلك، هو جعفر بن سليمان الهاشمي، أمير المدينة في خلافة أبي جعفر المنصور، وليس المنصور نفسه، ايد ذلك بما رواه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣١٦ (ترجمة مالك بن أنس).
ثانيهما: أنه ذكر حديثا واحدًا مرفوعا مما استدل به القائلون بعدم وقوع طلاق لمكره، وهو ما رواه أبو داود وأحمد والحاكم وغيرهم من حديث عائشة ﵂ مرفوعا: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق. وذكر أن المراد «بالإغلاق» الإكراه، وقيل الغضب، كما بين ضعف الحديث المذكور (^١) وبذلك لم يتعرض لما رواه مالك من أثر ابن عمر وابن الزبير، كما قدمته.
كما أنه لم يتعقب العراقي بعدم تعرضه لتخريج شيء في هذا الموضع. وفي موضع قال الغزالي: فقد كان ﷺ، مأمورًا بالدعوة … فلم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على ذلك (^٢).
_________________
(١) الإتحاف ١/ ٢٠٣، ٢٠٤.
(٢) الإحياء مع المغني ١/¬١٤٣.
[ ٤ / ١٥٦٨ ]
في حين أورد الشارح في مقابل ذلك حديثا مرفوعا فقال: وأخرج أبو يعلى وابن عدى من حديث عمر بن الخطاب ﵁ رفعه: بعثت داعيا ومبلغا … (الحديث) وإسناده ضعيف (^١) فيعتبر هذا مما فات العراقي تخريجه، مع دخوله فى شرطه، ولكن الشارح، لم يتعقبه بذلك.
وفي موضع قال الغزالي: قال ابن مسعود: نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه (^٢).
ومن المعروف أن قول الصحابي: «نهينا عن كذا» له حكم الرفع على الصحيح، (^٣).
وبذلك يكون هذا من شرط العراقي في الكتاب، ولكن لم يعرض له بشيء (^٤) وقد تعرض له الشارح بقوله: رواه صاحب القوت (^٥).
وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٠/ ٧٣ من طريق عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى أن يؤكل طعام المتباهين.
ومن طريق عكرمة عن ابن عباس مرفوعا - أخرجه أبو داود (الأطعمة) - حديث (٣٧٥٤) والحاكم في المستدرك - كلاهما بلفظ «أنه ﷺ نهى عن طعام المتبارين أن يؤكل - وقال الحاكم ٤/ ١٢٩ (الأطعمة) صحيح الإسناد، وأقره الذهبي
_________________
(١) الإتحاف ٢/ ٣٩٧.
(٢) الإحياء مع المغني ٢/¬١٨ ونسخة الإحياء التي بهامش الإتحاف ٥/ ٢٥٩.
(٣) التدريب للسيوطي ١/ ١٨٨ (الموقوف - الفرع الثاني).
(٤) المغني مع الإحياء ٢/¬١٨.
(٥) الإتحاف ٥/ ٢٥٩
[ ٤ / ١٥٦٩ ]
وهذه الرواية بمعنى ما في الحلية.
وذكر الغزالي بعد هذا فى الموضع السابق: أن النبي ﷺ قال: إن من سنة الضيف أن يشبع إلى باب الدار.
فلم يتعرض العراقي لتخريجه (^١).
وقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبى على هذا الموضع بأن العراقي لم يخرج هذا الحديث (^٢).
وقد أخرجه الشارح بالعزو إلى سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة، بنحوه، وبين أن في إسناده - كما قال البيهقي: على بن عروة، وهو متروك (^٣).
وقال الغزالي عقب هذا ايضا: قال أبو قتادة: قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: نحن نكفيك (الحديث).
ولم يتعرض العراقي لتخريج هذا أيضا (^٤) وتعقبه بذلك مصحح طبعة مصطفى الحلبي (^٥) ولم يتعرض شارح الإحياء أيضا لتخريج الحديث المذكور (^٦).
والحديث قد أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة من طريق أبي قتادة قال: قدم
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/¬١٨.
(٢) انظر الموضع السابق حاشية المصحح.
(٣) الإتحاف ٥/ ٢٦٠.
(٤) الإحياء مع المغني ٢/¬١٨.
(٥) انظر هامش الطبعة - الموضع السابق.
(٦) الإتحاف ٥/ ٢٦٠.
[ ٤ / ١٥٧٠ ]
وفد النجاشي … فذكره بلفظه، وأخرجه ايضا من حديث أبي أمامة، بنحوه (^١) وكتاب الدلائل للبيهقى من مصادر كل من العراقي والزبيدي في تخريج كثير من أحاديث الإحياء، كما يعرف ذلك من مراجعة كتابيهما.
وأورد الغزالي في موضع آخر أن النبي ﷺ كان يعجبه الثياب الخضر فلم يتعرض له العراقي (^٢).
وقد قال الشارح: أغفله العراقى، ثم تصدى هو لتخريجه (^٣).
وفي موضع ذكر الغزالي: حديث ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه … وفيه: فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث للنفس.
وقد قام العراقي بتخريجه (^٤).
ثم جاء في موضع بعد هذا بكثير قول الغزالي: وفي بعض الألفاظ: «ثلث للذكر» بدل «للنفس».
فلم يتعرض العراقي لتخريج رواية «ثلث للذكر» هذه (^٥).
وقد علق الشارح عليها بقوله: هكذا أورده صاحب القوت - يعنى قوت القلوب لأبى طالب المكى - ثم قال: ورواية هذا اللفظ، أغفلها العراقي (^٦).
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير - باب هجرة الحبشة ٣/ ٨٦ ط. الفجالة بمصر.
(٢) الإحياء مع المغني ٢/ ٣٧٢.
(٣) الإتحاف ٧/ ١٢٦.
(٤) الإحياء مع المغني ٢/¬٤ حديث (٤).
(٥) الإحياء مع المغني ٣/ ٨٧.
(٦) الإتحاف ٧/ ٤٠٥.
[ ٤ / ١٥٧١ ]
ولم يتعرض هو لتخريجها من مصدر آخر غير القوت.
وفي موضع قال الغزالي: وقد قسم النبي ﷺ نساءه على مثل هذه الأ قسام: فبعضهن كان يعطيها قوت سنة، عند حصول ما يحصل، وبعضهن قوت أربعين يوما، وبعضهن يوما وليلة، وهو قسم عائشة وحفصة فلم يتعرض العراقي لتخريج شيء من ذلك (^١). وكذلك الشارح (^٢).
وفي موضع قال الغزالي: وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: لما ورد موسى ﵇ ماء مدين، كانت خضرة البقل تثر في بطنه من الهزال. فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (^٣) ولا تعرض له الشارح أيضا (^٤).
وقد قدمت في اختلاف نسخ الإحياء في ذكر، أو سقط بعض الأحاديث أنه جاء في نسخ الإحياء التي بين أيدينا قول الغزالي: وقال ﷺ: ﴿إِنَّ اللّهَ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِل﴾ (الحديث) وأنه لم يوجد تخريج الحديث عند العراقي في المغني، وأن الشارح قام بتخريجه من مصادره، ثم بين إغفال العراقي لتخريجه، والتمس له عذرا، فقال: وهذا الحديث أغفله العراقي، وكأنه سقط من نسخته، وهو ثابت عندنا في سائر النسخ (^٥).
وهناك مواضع أخرى مماثلة لما ذكرت مما فات العراقي، وهو على
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٤/ ٢٠٢.
(٢) الإتحاف ٩/ ٢٩٦.
(٣) الإحياء مع المغني ٤/ ٢١٨.
(٤) الإتحاف ٩/ ٣٣٢.
(٥) وانظر أيضا الإحياء مع المغني ٣/ ١٠٧ والإتحاف ٧/ ٤٥٤.
[ ٤ / ١٥٧٢ ]
شرطه (^١) وفيما ذكرته كفاية لتوضيح هذا النوع.
ثالثا: أحاديث مصرح بها أو مشار إليها، وتتكرر في الإحياء أكثر من مرة، فقد يخرج العراقي الحديث في موضع، وعند تكرره في موضع آخر يذهل عن التعرض له مرة أخرى، إما بإعادة تخريجه، وإما بالإحالة على موضع تخريجه له، وقد نبه العراقي في مقدمة الكتاب على حصول هذا الذهول منه (^٢)، وتقدم توضيح مثل هذا الذهول في مبحث «تخريج العراقي للأحاديث المكررة …» لكن من يقف على الحديث في أحد المواضع التي لم يتعرض العراقي فيها له بتخريج أو إحالة، يظن أنه قد فاته تخريجه كلية، فينتقده في ذلك، مع أنه يكون في الواقع قد خرج الحديث، لكن في موضع آخر، ولم يقف عليه من ينتقده، ومما ساعد على ذلك أنه قد يكون تخريجه للحديث ليس في الموضع الأول لوروده في الإحياء.
ففي موضع ساق الغزالي بعض معجزاته ﷺ، وذكر منها «ما تفجر من بين أصابعه من الماء».
فلم يتعرض العراقي في هذا الموضع لتخريج الحديث المشتمل على هذه
_________________
(١) انظر الإحياء مع المغني ٢/¬٦ (حديث أنه ﷺ شرب لبنا، (الحديث) وفيه قوله ﷺ الأيمن فالأيمن) وقد خرجه الشارح ٥/ ٢٢٣ والإحياء ٢/¬١٧ (حديث فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام) وقد خرجه الشارح ٥/ ٢٥٣. والإحياء ٢/ ٣٣٢ (حديث نهيه ﷺ من أكل الثوم والبصل فلا يحضر المساجد) وقد خرجه الشارح ٧/ ٥٦. والإحياء ٤/ ٩٦ (ذكر الغزالي أنه لم يكن السيف والملك لغيره ﷺ من الأنبياء) وقد خرج الشارح ما يدل على ذلك/ الإتحاف ٩/ ٧٧.
(٢) المغني مع الإحياء ١/¬٩.
[ ٤ / ١٥٧٣ ]
المعجزة، ولا نبه على أنه قد خرجه في موضع آخر (^١).
ثم بعد هذا بعدة أبواب بلغت قرابة مئتى صفحة، ذكر الغزالي حديثا طويلا لعمر بن الخطاب ﵁ في تعداد فضائل وخصائص للرسول ﷺ، استهلها بقوله: بأبي أنت وأمى يارسول الله، لقد كان جذع تخطب عليه، فلما كثر الناس، اتخذت منبرا لتسمعهم، فحن الجزع لفراقك … إلى أن قال: لئن كان موسى بن عمران أعطاه حجرا تنفجر منه الماء، فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء، ﷺ … «الحديث بطوله.
فقام العراقي بتخريج فقرات الحديث، ومنها قوله: وحديث نبع الماء من بين أصابعه، متفق عليه، من حديث أنس، وغيره …» (^٢).
لكن لما كان الموضع الذي خرج فيه الحديث متأخرا عن الموضع الأول، كما ترى، فإن الشارح علق على الحديث في الموضع الأول بقوله: وقد فات العراقي هذا الحديث، فلم يذكره في تخريجه، ونحن نذكر - بعون الله تعالى - من رواه من الصحابة، ومن أخرجه، فنقول: … ثم ساق تخريجه بتوسع، عن سنة من الصحابة، وبدأ بمن خرج العراقى الحديث عنها بالعزو إلى الصحيحين، وهما أنس وجابر كما تقدم، لكن لم ينسب ذلك للعراقي (^٣) فلما جاء الموضع المتأخر الذي خرج فيه العراقي الحديث نقل الشارح تخريج العراقي له، دون تنبه لانتقاده الأول له (^٤).
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/ ١١٩.
(٢) الإحياء مع المغني ١/ ٣١٨، ٣١٩.
(٣) الإتحاف ٢/ ٢٠٧.
(٤) الإتحاف ٥/ ٥٢.
[ ٤ / ١٥٧٤ ]
وفي موضع قال الغزالي - كما في نسختين من الإحياء - وقال ﷺ: خير الطعام، ما كثرت عليه الأيدى.
فلم يتعرض العراقي لتخريج هذا الحديث في هذا الموضع (^١).
ولم يوجد هذا الحديث بنسخة الزبيدى من الإحياء، ولذلك لم يوجد عنده شيء عنه (^٢).
وقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبى، على هذا الحديث بقوله: لم يتكلم عليه العراقي لسقوطه من نسخته، كما لم يذكره الشارح، فليتأمل. اه مصححه.
أقول: وجَزْمُ المصحح بسقوط هذا الحديث من نسخة العراقي، لا يسلم له؛ لعدم وقوفه على نسخة العراقي من الإحياء، ولكن عدم وجود الحديث في نسخة الزبيدى، وكذلك عدم وجود تخريج العراقي له في نسخة الزبيدي من المغنى، كلاهما يجعلان احتمال السقط واردا، ولكن هناك احتمال آخر وهو أن العراقي تعرض لتخريج حديث بنحوه بعد هذا الموضع بكثير، ثم ذهل عن الإحالة بأنه سيأتى (^٣)، كما أحال في مواضع أخرى على ما سيأتي، وقد أوضحت ذلك في مبحث «تخريج العراقي للمكرر …»
وفي موضع قال الغزالي: قال أبو الدرداء لكعب (الأحبار): أجزلي عن
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/¬٥ ونسخة الإحياء بهامش الإتحاف ٥/ ٢١٧.
(٢) الإتحاف ٥/ ٢١٧.
(٣) الإحياء مع المغني ٢/ ٣٦٦ حديث رقم (٥) - كتاب آداب المعيشة - بيان أخلاقه ﷺ وآدابه في الطعام.
[ ٤ / ١٥٧٥ ]
أخص آية - يعنى في التوراة - فقال: يقول الله تعالى: طال شوق الأبرار إلى لقائي … (الحديث) بطوله، وفى آخره: قال ابو الدرداء: أشهد أنى سمعت رسول الله يقول هذا.
فلم يتعرض له العراقي بشيء (^١).
وقد أورد الغزالي قبل هذا الموضع بكثير - الحديث مختصرا فقال: وبقوله: ﵊ حكاية عن ربه، ﷿ لقد طال شوق الأبرار إلى الصلاة والسلام - حكاية عن ربه، ﷿ لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد شوقا.
فتصدى العراقي لتخريجه في هذا الموضع المتقدم (^٢) ولكنه عند تكرره في الموضع الثاني لم يحل على السابق، ولا تعرض لتخريجه، كما أسلفت.
وقد نقل الشارح في الموضع الأول عن العراقي تخريجه للحديث، دون زيادة (^٣) لكن عند تكرره في الموضع الثاني تعقبة بقوله: أغفله العراقي، والذى رواه أبو الدرداء مرفوعا هو قوله: يقول الله تعالى: من طلبني وجدني، ومن طلب غيرى ولم يجدني (^٤).
رابعا: أحاديث أوردها الغزالى في الإحياء، ونقلها العراقي في المغنى، وعلق عليها بأنه لم يجدها، أو بأنه لم يجد لها أصلا، هكذا بإطلاق، أو مع تقييد
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٤/ ٣١٥.
(٢) الإحياء مع المغني ٣/¬٨ حديث رقم (٢).
(٣) الإتحاف ٧/ ٢٢١.
(٤) الإتحاف ٩/ ٦٠٤.
[ ٤ / ١٥٧٦ ]
يتعلق بالسند مثل قوله: لم أجد له إسنادا، أو يتعلق بالمتن، مثل قوله: لم أجده بهذا اللفظ.
ثم قام العلماء من بعده بتعقبه بما وجدوه من ذلك.
حتى ألف بعضهم فيما فات العراقي في هذا التخريج، وسيأتي توضيح ذلك في موضعه إن شاء الله.
[ ٤ / ١٥٧٧ ]
٢ - «عدد أحاديث الإحياء التي خرجها العراقي في المغني، وترقيمها»
قدمت في مبحث التخريج الكبير ما ذكره ابن فهد من أن القدر الذي قرئ على العراقي مما بيضه منه، ينتهي إلى قوله فى أواخر كتاب «الحج»: الحديث الثامن والعشرون، قال ﷺ: ولم يصبر على شدتها ولأوائها أحد إلا كنت له شفيعا يوم القيامة (^١) وهذا يدل صراحة على أن العراقي قام في التخريج الكبير بترقيم وإحصاء أحاديث الإحياء التي خرجها في كل باب على حدة، ويجمع جملة أحاديث الأبواب كان يمكننا الحصول على عدد أحاديث الكتاب كله التي خرجها العراقي، إلا أن التخريج الكبير كما قدمت في حكم المفقود حاليا، ولما كان هذا التخريج الصغير طابعه الأساسي هو الاختصار، فإن العراقي لم يتعرض فيه لترقيم وإحصاء الأحاديث التي خرجها، وقد فعل قرينه ابن الملقن مثل ذلك، حيث إنه في تخريجه الكبير لأحاديث شرح الرافعي الكبير، رقم بالتسلسل، الأحاديث التي خرجها في كل باب من أبواب الكتاب على حدة، بالإضافة إلى أنه بين في مقدمة التخريج، العدد الإجمالي لأحاديث وآثار الكتاب التي خرجها فقال: إنها تزيد على أربعة آلاف بالمكرر (^٢) أما في مختصره لهذا التخريج والذي سماه «خلاصة البدر المنير» فإنه لم يرقم أحاديث الكتاب التي خرجها، ولكن اكتفى بذكره في المقدمة الإحصاء الإجمالي للأحاديث والآثار المخرجه في الكبير، بنحو ما ذكره في مقدمة التخريج الكبير (^٣) وهذا بلا شك أفضل من عدم ذكر ذلك.
_________________
(١) انظر ص ٧٦١ من هذا الكتاب.
(٢) انظر البدر المنير ج ١/¬٨ أ و١/ ٣١١ من المطبوع.
(٣) انظر خلاصة البدر المنير/ ١٨٨ و١/¬٣ من المطبوع.
[ ٤ / ١٥٧٨ ]
الإحصاء كما فعل العراقي، معرفة العدد الإجمالي للأحاديث المخرجة في الكتاب، تعد دليلا واضحا على قيمته في علم التخريج وعلى أثر وجهد صاحبه فيه، ولهذا رأيت أن أقوم من جانبي بإحصاء عدد الأحاديث التي خرجها العراقي في هذا التخريج الصغير، حيث إني لم أجد من سبقني إلى ذلك، وقد اعتمدت في الإحصاء على الترقيم المسلسل للأحاديث في كل صفحة من الكتاب في طبعته الحلبية السابق التعريف بها، فوجدت جملة أحاديث الكتاب خمسة وتسعين وخمسمائة وأربعة آلاف حديث (^١)، مع ملاحظة أنه يدخل في هذا العدد الأحاديث التي قال العراقي إنه لم يجدها (^٢) والأحاديث التي تكرر ورودها في الإحياء وتكرر تخريج العراقي لها أو تنبيهه على تكررها كما سيأتي، ويدخل في هذا العدد أيضا الأحاديث المتقطعة؛ حيث يذكر الغزالي جزءا من حديث للاستدلال به، ثم يورد جزءا آخر من نفس الحديث للاستدلال أيضا به، دون أن يشير إلى كونه جزء من الحديث السابق، فيذكرهما العراقي في التخريج على أنهما حديثان، ولكن ينبه على أنهما واردان في كتاب السنة حديثا واحدا، مثال ذلك: أن الغزالي في الإحياء قال: قال رسول الله ﷺ: العلماء ورثة الأنبياء، فخرجه العراقي من حديث أبي الدرداء (^٣) ثم قال الغزالي عقب ذلك بقليل: وقال ﷺ: «يستغفر للعالم ما في المسوات والأرض»، فقال العراقي في تخريجه: حديث «يستغفر
_________________
(١) وقد خرجت الآن سنة ١٤١٥ هـ طبعة للمغني مرقمة الأحاديث، بعناية الأخ أشرف عبد المقصود فبلغ العدد حسب ترقيمه (٤٦١٣)، ويلاحظ أن الفرق بيننا يسير جدا، فالحمد لله على توفيقه.
(٢) انظر المغني بهامش الإحياء ج ١/ ٢٢٢، ٢٢٣.
(٣) الإحياء وبهامشه المغني ج ١/¬١٢ حديث (٢).
[ ٤ / ١٥٧٩ ]
للعالم ما فى السموات والأرض، هو بعض حديث أبى الدرداء المتقدم (^١). ويدخل فى العدد المذكور أيضا الأحاديث المجموعة حيث يذكر الغزالى حديثين أو أكثر فى سياق واحد دون فصل أو تمييز، فيذكر العراقى ذلك فى التخريج على أنه حديث واحد كما ذكره الغزالى، ولكن يبين أنه فى واقع كتب السنة يعتبر أكثر من حديث، فقد قال الغزالى: وفى الحديث: من قال أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال أنا عالم فهو جاهل، فقال العراقى فى تخريجه: أخرجه الطبرانى فى الأوسط بالشطر الأخير منه من حديث ابن عمر، وفيه ليث بن أبى سليم تقدم، والشطر الأول روى من قول يحيى بن أبى كثير، رواه الطبرانى فى الأصغر بلفظ: من قال أنا فى الجنة فهو فى النار، وسنده ضعيف (^٢) وقال الغزالى: وروى أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد: إن الله ﷿ يقرأ عليك السلام ويقول: أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا، وتكون معك أينما كنت؟ فأطرق رسول الله ساعة ثم قال: يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، فقال له جبريل: يا محمد ثبتك الله بالقول الثابت».
فقال العراقى فى تخريجه: هذا ملفق من حديثين … وذكرهما (^٣) وفى موضع آخر قال عما أورده الغزالى: لم أجده بهذا اللفظ مجموعا، ثم خرج فى مقابله حديثين (^٤) وفى موضع ثالث قال الغزالى: وروى أنعمر بن الخطاب
_________________
(١) الإحياء وبهامشه المغنى ج ١/¬١٢ حديث (٣).
(٢) الإحياء وبهامشه المغنى ج ١/ ١٣٠ حديث (١).
(٣) الإحياء مع المغنى ج ٤/ ١٩٠.
(٤) الإحياء مع المغنى ج ١/ ٣٢٩.
[ ٤ / ١٥٨٠ ]
شمع بعد موت رسول الله ﷺ يبكى ويقول: بأبي أنت وأمى يارسول الله … وساق حديثا طويلا ذكر فيه عمر ﵁ حنين الجذع إلى رسول الله ﷺ، ونبع الماء من بين أصابعه، والإسراء به، وكلام الشاة المسمومة له، وأنه أُدْمِى وجهه وكُسِرَتْ رَبَاعِيتُه فقال: اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون، وأنه لبس الصوف، وركب الحمار، وأردف خلفه، ووضع طعامه على الأرض، ولعق أصابعه، فقال العراقي في تخريجه لهذا: هو غريب بطوله من حديث عمر، وهو معروف من أوجه أخرى … وخرج في مقابلة عشرة أحاديث، ومع ذلك فهي معدودة حديثا واحدا تبعا لصنيع الغزالي في إيرادها سياقا واحدا (^١) كما يدخل ف الإحصاء الذي ذكرته أيضا، ما أشار الغزالي نفسه إلى تعدده، ولكنه اعتبر حديثا واحدا؛ لكون الإشارة إليه واحدة، كقول الغزالي عن صيام الدهر: إن الأخبار وردت بكراهته، فقال العراقي في تخريجه: الأحاديث الدالة على صيام الدهر … وخرج ثلاثة أحاديث (^٢) بل إن الغزالي أورد قول ابى طالب المكي: إن الكبائر سبع عشرة، جمعتها من جملة الأخبار، فقال العراقى: الأخبار الواردة ف الكبائر … وذكر واحدا وعشرين حديثا مرفوعا، وأربعة آثار، ولكن الجميع معدود حديثا واحدا؛ لكونه ورد جملة واحدة في مقابل إشارة واحدة من الغزالي (^٣) وبذلك ترى أن الإحصاء الإجمالى الذي ذكرته، تعتبر الأحاديث المخرجة فعلا أكثر منه بمئات، بحيث يجاوز العدد الإجمالي للأحاديث المخرجة خمسة آلاف
_________________
(١) انظر الإحياء وبهامشه المغني ج ١/ ٣١٨، ٣١٩.
(٢) الإحياء وبهامشه المغني ج ١/ ٢٤٤
(٣) الإحياء وبهامشه المغني ج ٤/¬١٧، ١٨.
[ ٤ / ١٥٨١ ]
حديث، بينما تخريج ابن الملقن لشرح الرافعى بلغ أربعة آلاف فقط كما تقدم، وهذا يصور لنا مدى ما بذله العراقى من المضنى والمفيد في علم التخريج عموما وفي خدمة كتاب الإحياء خصوصا، على امتداد عشرات السنين قضاها برغم أعبائه ومهماته العلمية السابقة والآتية، قضاها حلا وترحالا مصبحا وممسيا في البحث والتنقيب عن هذه الآلاف المؤلفة من الأحاديث، وتخريج ألفاظها وأسانيدها من مئات المصادر كما قدمت، إيضاحه، ثم الكشف عن رواة تلك الأحاديث وبيان حالها متنا وسندا، كما سأفصله فيما يلى من مباحث.
[ ٤ / ١٥٨٢ ]
ما صرح العراقي بأنه لم يجده، أو عبر عن ذلك بعبارة اصطلاحية
ذكرت فيما فات العراقي تخريجه من أحاديث كتاب «الإحياء»، أن هذا الفائت متنوع: فمنه ما وجد في «الإحياء» ولم أجد العراقي تعرض له في كتاب «المغني» مطلقا.
ومنه ما وجدت العراقي ذكره في «المغني» وترك موضع الكلام في تخريجه بياضا.
ومنه ما ذكر بعض المعلومات عنه، ولم يكمل تخريجه.
وهنا أريد أن أبين الآتي:
أولا: أن هناك أحاديث ذكرت في كتاب الإحياء، ولكن العراقي صرح بنفسه أنه لم يجدها.
فقد قال في مقدمة كتابه «المغني»: «وحيث لم أجد ذلك الحديث - يعني المطلوب تخريجه - ذكرت ما يغني عنه غالبا، وربما لم أذكره» (^١).
فمن هذا يتضح أن هناك أحاديث وردت في «الإحياء»، وبحث عنها العراقي بحثه المعروف بالتوسع والدقة، ولكن لم يقف عليها في المصادر التي أتيحت له رغم كثرتها وتنوعها - كما تقدم في بيان مصادره - وأنه حيال تلك الأحاديث، تعدد موقفه: فتارة يذكر مما وقف عليه هو، ما يمكن - في نظره - الاستغناء به في الاستدلال للموضع الذي ورد فيه الحديث الذي لم يجده.
ومن يلاحظ مصاعب البحث في المصادر في عصر العراقي قبل ظهور.
_________________
(١) المغنى مع الإحياء ١/¬٩.
[ ٤ / ١٥٨٣ ]
الطباعة والفهرسة الدقيقة، يستطيع تصور الجهد الكبير والمشكور الذي بذله العراقي في هذا، وجمعه بين العلم بنصوص الأحاديث، وبين فقهها (^١).
وتارة لا يجد العراقي الحديث المطلوب، ولا يذكر ما يقوم مقامه ويفهم من قوله: «وربما لم أذكره» أن الأحاديث التي لم يجدها ولم يذكر من جانبه بديلا عنها، تعتبر قليلة، بجانب ما ذكر بديلا عنه.
ولقد استعرضت كتاب العراقي كله، فوقفت على أكثر من مائة موضع، مما قال فيه: «لم أجده» أو «لم أره» أو «لم أقف عليه» مطلقا، أو مقيدا. وقد تنوعت عبارته عن ذلك:
فتارة يطلق القول بأن الحديث المطلوب تخريجه، «لم يجده» أو «لم يقف عليه»، ثم يسكت، فلا يذكر شيئا (^٢)، وهذا في أقل المواضع.
وتارة يقيد عدم وجوده للحديث المطلوب، بأمر يتعلق بالسند، مثل قوله: «لم أظفر له بإسناد» أو «لم أره» أو: لم أجده، من حديث فلان (^٣)، وقد يقيد بأمر يتعلق بالمتن، مثل قوله: «لم أجده بهذا اللفظ» (^٤) أو لم أجده
_________________
(١) تنظر الأمثلة التي سأحيل عليها قريبا.
(٢) ينظر مثلا الإحياء مع المغنى ١/ ٩٧ حديث (٤) ولم يذكر الشارح ٢/¬٣٧ قول العراقي، ولا ذكر من جانبه هو شيئا. و١/ ١٦٣ حديث (٣) ووافقه الشارح ٣/ ٩٤، ٢/ ٣٧٤ حديث (٣) ووافقه الشارح ٧/ ١٢٨، ٤/ ٣٨٩ حدث (١)، (٥) مع الشرح ١٠/ ١٠٥، ١٠٦.
(٣) ١/ ١٣١ حديث ٤ وأقره الشارح ١/ ٧٨ وص ١٣٢ حديث (١) وأقره الشارح ٢/ ٣٠٨ و١/ ١٣١ حديث (٣) وأقره الشارح ٢/ ٣٠٧، ٣٠٨، ١/ ١٨٧ حديث (٧) مع الشرح ٣/ ٢٥٥، ٣/ ١٠٧ حديثى (٦)، (٧) ووافقه الشارح ٧/ ٤٥٤
(٤) الإحياء مع المغنى ١/ ٦٥ حديث (٤) ووافقه الشارح ١/ ٣٥٤، ١/ ١٦٢ =
[ ٤ / ١٥٨٤ ]
هكذا (^١) أو بهذا السياق (^٢).
وقد تعقب العراقي في بعض الأحاديث التي قرر إنه لم يجدها مطلقا أو مقيدا.
فمن ذلك: أن الغزالي ذكر حديث سهيل بن عمرو أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة وضع يده على باب الكعبة، والناس حوله فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده (الحديث) وفيه: يا معشر قريش ما تقولون وما تظنون؟
وقد قال العراقي: لم أجده (^٣).
وقد تعقبه الزبيدي في الشرح ٨/¬٤١ فقال: قلت: بل رواه أحمد بن زنجويه في كتاب الأموال من طريق ابن أبي حسين، فساقه بنحوه.
أقول: وهو فعلا في كتاب الأموال لابن زنجويه برقم (٤٥٦).
وهناك موضع آخر مشابه لهذا (^٤).
ولكن بالتتبع ظهر لي أن المتعقب على العراقي في ذلك قليل، والأكثر أقره الشارح وغيره عليه، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك في أثر الكتاب.
_________________
(١) = حديث (٨) قال العراقي: لم أجده بهذا اللفظ - يعنى المذكور في الإحياء - ولكن الشارح ٣/ ٩٣ لم يذكر قول العراقي هذا، ١/ ١٧٢ حديث (١) مع التصويب من الشرح ٣/ ١٣٩، ٣/ ١٣٦ حديث (٢) مع الشرح ٧/ ٥٢٦.
(٢) المغنى مع الإحياء ١/ ١٥٢ حديث (٧) وسقطت من طبعة المغنى تلك العبارة، ولكنها في نقل الشارح ٣/¬٩.
(٣) المغني مع الإحياء ٣/ ٦٤ حديث (٣) مع الشرح ٧/ ٣٥١.
(٤) الإحياء مع المغنى ٣/ ١٧٩ حديث (٢).
(٥) ينظر الإحياء مع المغنى ٣/ ٧٩ حديث ٣ مع الشرح ٧/ ٣٨٨.
[ ٤ / ١٥٨٥ ]
ثانيا: قد عبَّر العراقي كذلك عما لم يجده من الأحاديث بعبارة اصطلاحية وهي قوله: «غريب» مع الإطلاق أو التقييد أيضا.
ولكنّه لم ينبه على ذلك في المقدمة ضمن عناصر منهجه.
وهذه العبارة قد استعملها غير العراقي ممن اشتغل بتخريج أحاديث كتب الفقه وغيره من العلوم الشرعية.
فممن سبقه إلى ذلك الإمام النووي (ت ٦٧٦) هـ في كتابه المجموع شرح المهذب في الفقه الشافعي (^١) ولكنه أيضا لم يبين مراده بهذه العبارة الاصطلاحية في مقدمة كتابه المذكور بحسب استعراضي لها (^٢) ولكن الحافظ ابن حجر ذكر تعبير النووي بتلك العبارة وقال: إنه يستعملها فيما لم يجده (^٣) فلعل الحافظ وقف على بيان النووي لذلك في موضع آخر، أو استنتجه من خلال النظر في المواضع التي استعملها فيها.
ومن معاصري العراقي استعملها أيضا رفيقه في الاشتغال بالتخريج كما تقدم، وهو عبد الله بن يوسف الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ).
كما نجده في كتابه نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، فيقول عن بعض الأحاديث: غريب (^٤) أو غريب بهذا اللفظ (^٥) أو غريب جدا (^٦) وكذلك
_________________
(١) ينظر المجموع ٨/ ١٥٠.
(٢) ينظر المجموع ١/¬٢ - ٧٩ مع فتح العزيز للرافعي.
(٣) الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٥/¬٢٤ وتحفة الأبرار للسيوطى/ ٩٨.
(٤) ١/¬٩ حديث (٥)، ٣٧ حديث (١٥).
(٥) ١/¬٣٤ حديث ١٤.
(٦) النصب ١/¬٣٧ حديث ١٦.
[ ٤ / ١٥٨٦ ]
في تخريجه لأحاديث كتاب الكشاف في تفسير القرآن للزمخشرى (^١) ولم أجد تصريح الزيلعي بمراده بهذه العبارات بنفسه، ولكن الحافظ قاسم بن قطلوبغا (ت ٨٧٩) نسب ذلك إليه فقال: إنه يقول لما لم يجده: حديث غريب، ثم عقب ابن قطلوبغا على هذا بقوله: وهو اصطلاح غريب (^٢).
أقول: ولعل هذا مما جعل الحافظ ابن حجر عند اختصاره (لنصب الراية) يعدل عن هذه اللفظة إلى التصريح بالمقصود بها؛ ففي المواضع التي يستعملها الزيلعي، ولا يجد ابن حجر بدوره الحديث، فإنه يقول: «لم أجده» يدل قول الزيلعي: غريب (^٣).
واستعمل هذه العبارة بهذا الاصطلاح أيضا قرين العراقي: عمر بن علي، المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ)، ولكنه نبه في مقدمة كتابه «خلاصة البدر المنير» على ذلك فقال: مشيرا بقولي: متفق عليه إلى …، وبقولي: غريب أنى لا أعلم من رواه (^٤).
ويعتبر ابن الملقن بهذا، هو الوحيد ممن تقدم ذكرهم الذي وقفت على تصريحه بمقصوده بهذه العبارة الاصطلاحية، وقد ذكر الحافظ ابن قطلوبغا
_________________
(١) تنظر ورقة ١٥٢/ أ، ١٥٤/ ب من نسخة تخريج الزيلعي الخطية بدار الكتب المصرية.
(٢) منية الألمعي فيما فات من تخريج أحاديث الهداية للزيلعي/ ٩ بآخر الجزء الرابع من نصب الراية.
(٣) ينظر النصب ١/¬٩ حديث ٥ مع الدراية ١/¬١٧ حديث ٦. و١/¬٣٤ حديث ١٤ مع الدراية ١/¬٢٨ حديث ٨، ١/¬٣٧ حديثي ١٥، ١٦ مع الدراية ١/¬٣٠ حديثي ١٩، ٢٠.
(٤) خلاصة البدر المنير/ مخطوط ضمن مجموع بدار الكتب المصرية برقم (٦٩٩) حديث. ورقة ١٨٨/ ب، ١٩٨/ أ.
[ ٤ / ١٥٨٧ ]
استعمال الزيلعي لهذه العبارة الاصطلاحية، ووصف ذلك بأنه اصطلاح غريب كما تقدم، ثم قال: فعله أيضا العلامة أبو حفص عمر بن الملقن، في تخريج أحاديث الرافعي، فالله أعلم هل تواردا - يعني الزيلعي وابن الملقن - أو أخذ أحدهما من الآخر (^١).
أقول: فلعل ابن قطلوبغا لم يكن وقف حينذاك على سبق النووي (ت ٦٦٧ هـ) لكليهما كما قدمت، أما وقوفه على استعمال العراقي لهذا فهو مؤكد، لأن له تأليفا في الاستدراك عليه في تخريج أحاديث الإحياء هذا كما سيأتي، ومقتضاه اطلاعه التفصيلي، وبعناية على كتاب «المغني» هذا، وقد استعمل فيه العراقي هذا الاصطلاح كما ترى.
ولعل عدم تنبيه العراقي عليه كما فعل قرينه ابن الملقن، لأن العراقي رأى أنه اصطلاح معروف عند من قبله، وبين معاصريه، كما أوضحته، بخلاف ما قرره ابن قطلوبغا، بحسب اطلاعه هو.
وسيأتي أيضا أن العراقي في بعض المواضع قرن بين لفظ «غريب» هذا وبين قوله: «لم أجده» فأشار بذلك إلى مقصوده الاصطلاحي بلفظ «غريب». في باقى المواضع، وإن كانت هي الأكثر.
ثم إلى راجعت المواضع التي استعمل فيها العراقي هذا الاصطلاح فوجدتها أقل من مواضع قوله عن الحديث المطلوب تخريجه: لم أجده، أو لم أره، ونحوهما، مع الإطلاق والتقييد، كما أسلفت. ووجدت استعماله للفظة «غريب» هذه الاصطلاحية مطلقة، في مواضع
_________________
(١) تنظر منية الألمعي له، بآخر نصب الراية ٩، ١٠.
[ ٤ / ١٥٨٨ ]
قليلة (^١) ومقيدة بما يتعلق بالسند (^٢) أو المتن (^٣)، وذلك في غالب المواضع، كما أنه في تلك المواضع المقيدة، يذكر ما يراه بديلا عما ذكره الغزالي، أو بديلا عن بعضه. وقد لاحظت في بعض المواضع أنه قرن بين لفظة «غريب» وعبارة «لم أجده» فأفاد بذلك في توضيح مراده بلفظة «غريب» (^٤) وأنه يقصد بها أنه لم يقف على ما ذكره الغزالي، مطلقا، أو مقيدا فتكون عنده بمعنى عبارة «لم أجده» التي سبق الكلام عنها.
ولاحظت كذلك أن شارح الإحياء الإمام الزبيدي قد وافق العراقي في غالب ما استعمل فيه لفظة «غريب» الاصطلاحية، هذه.
ولكن تعقبه في بعض المواضع، حيث قال الغزالي: «وفي حديث آخر: ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتى آل داود: العدل، في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وخشية الله في السر والعلانية، فقال العراقي: غريب بهذا اللفظ، والمعروف ثلاث منجيات، فذكرهن بنحوه» (^٥).
_________________
(١) ينظر الإحياء مع المغنى ٣/ ٣٣٢ أحاديث ٥، ٦، ٧. وقد أقر الشارح العراقى على قوله في حديثى ٦، ٧: غريب ولكن تعقبه في حديث (٥) بذكر رواية مختصرة في معناه/ ينظر الاتحاف ١٠/ ٣٥٣، ٣٥٤.
(٢) الإحياء مع المغنى ٤/ ٥٢٤ حديث (٤) وقد وافقه الشارح من جهة السند التي استغربها، ولكن تعقبه بوجود حديث بسياق المتن الذى في الإحياء/ الإتحاف ١٠/ ٥٤١.
(٣) ينظر مثلا الإحياء مع المغنى ١/ ٣١٤ حديث (٢) ووافقه الشارح ٥/¬٣٧، ١/ ٣١٩ حديث (١) ووافقه الشارح ٥/ ٥٣، ٢/ ٥٦ حديث (٢) ووافقه الشارح ٦/ ١٧٣، ٢/ ٢١٧ حديث (٢) ووافقه الشارح ٦/¬٦/¬٣.
(٤) ينظر الإحياء مع المغنى ١/ ٣٠٦ حديث (٧) ووافقه الشارح ٥/¬١٤، ٤/ ٥٤ حديث (١) ووافقه الشارح ٨/ ٦١٩، ٤/ ٦٠ حديث (٤).
(٥) ينظر الإحياء مع المغنى ٤/ ٣٤٨ حديث (٤).
[ ٤ / ١٥٨٩ ]
وقد تعقبه الزبيدي بقوله: قلت: ليس بغريب؛ بل رواه هكذا الحكيم في النوادر، من حديث أبي هريرة (^١).
ومراده بالحكيم (الترمذي الحكيم) وبالنوادر: كتابه المعروف بنوادر الأصول. ويلاحظ أن هذا الكتاب من مصادر العراقي في كتابه هذا (^٢) فلعله لم يراجعه في هذا الحديث، وقد عزا السيوطي وغيره الحديث إلى الحكيم في النوادر (^٣).
وفي موضع قال الغزالي: وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن العبد ليسأل يوم القيامة عن كل شيء، حتى عن كحل عينيه … (الحديث).
فقال العراقي: لم أجد له إسنادا (^٤).
ثم كرر الغزالي الحديث في موضع آخر (^٥) فأحال العراقي بتخريجه على حديث قبله قال عنه: لم أقف له على أصل (^٦).
_________________
(١) الإتحاف ٩/ ٦٧٨.
(٢) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ١٨٥ حديث (٦) وغيره كثير/ ينظر المغنى ٣/ ٣٤٢ ط أضواء السلف.
(٣) الجامع الصغير للسيوطي مع فيض القدير ٣/ ٢٩٢ حديث (٣٤٣١) وفي الفيض تفصيل في الرواية يدل على اطلاع المناوي فعلا على الحديث في كتاب النوادر، وينظر كنز العمال ١٥/ حديث (٤٣٢٢٤).
(٤) ينظر المغنى مع الإحياء ٤/ ٣٦٠ حديث (٢).
(٥) الإحياء مع المغنى ٤/ ٣٨٨ حديث (١).
(٦) ينظر الموضع السابق ص ٣٨٧ حدث (١).
[ ٤ / ١٥٩٠ ]
وقد تعقب الزبيدي العراقي في الموضع الأول بقوله: قلت: بل رواه أبو نعيم في الحلية بلفظ: يا معاذ … (الحديث) وفيه: إن المؤمن ليسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه (^١) وفي الموضع الثاني أعاد الشارح تعقبه السابق مع بعض تصرف (^٢) أقول: والحديث فعلا في الحلية لأبي نعيم، يرويه بسنده، في موضعين، من طرق عن معاذ، وأحد الموضعين باللفظ السابق ذكر الزبيدي له (^٣) ويلاحظ أن كتاب الحلية أيضا من المصادر التي رجع العراقي إليها كثيرا في تخريجه هذا، فسبحان من لا يسهو، ولا يغفل. كما أن مما يؤيد كون العراقي لم يكن اعتماده في هذا التخريج على عمل رفيقه وتلميذه الهيثمي في ترتيب أحاديث الكتب أو جمع زوائدها، كما تقدم ذكر ذلك والجواب عنه.
لأن كتاب «الحلية» قد قام الهيثمي بتجريد أحاديثه ثم ترتيبها على الأبواب، وكان العراقي هو الذي يوجهه في ذلك وغيره من مؤلفاته كما تقدم في ترجمته ضمن تلاميذ العراقي.
فكان مقتضى استعانة العراقي بعمل الهيثمي في هذا، أن يحصل منه على تلك الرواية المسندة للحديث في موضعين من الحلية، كما تقدم، بدلا من نفيه الجازم بأنه لم يجد لها إسنادا، كما سبق ذكره.
_________________
(١) الاتحاف ١٠/¬٢٥.
(٢) الاتحاف ١٠/¬١٠٣.
(٣) تنظر الحلية ١/¬٢٦، ١٠/¬٣١.
[ ٤ / ١٥٩١ ]
بيان العراقي لما لم يجد له أصلا من أحاديث الإحياء تحليلا ومقارنة ونقدا
قال العراقي في مقدمة كتابه هذا «وأبين ما ليس له أصل في كتب الأصول (^١)» ومعنى هذا أنه جعل من عناصر منهجه في الكتاب الاعتناء ببيان هذا النوع مما ذكر في «الإحياء» على أنه حديث.
وقد سبق العراقي غير واحد من الأئمة المعتبرين - حتى عصره - في استعمال عبارة «لا أصل له» أو «ليس له أصل» في نقد الأحاديث، وتمييز المردود منها من المقبول.
فاستعملها الإمام البخاري في وصف حديث إسناده منكر، فقال: هذا لا أصل له (^٢) ونقل ذلك العراقي عنه في تخريجه هذا (^٣).
وكذلك الترمذي ذكر حديث قتادة عن أنس في النهي عن أن ينتعل الرجل وهو قائم، وقال: إنه لا يصح عند أهل الحديث، ولا نعرف لحديث قتادة عن أنس أصلا (^٤).
وعبارة العراقي السابق التي ذكرها في مقدمة الكتاب فيها إجمال؛ حيث لم يبين مراده بـ «الأصل» في قوله: «ليس له أصل» ولا مراده بكتب الأصول التي يقرر أن الحديث ليس له أصل فيها.
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/¬٩.
(٢) التاريخ الكبير للبخاري ١/ ترجمة (١٠٥٧).
(٣) المغني ١/ ٢١٢ حديث (٦).
(٤) جامع الترمذي - كتاب اللباس باب كراهية المشي في نعل واحدة ٣/ حديث (١٨٣٤) ط عبد الرحمن عثمان.
[ ٤ / ١٥٩٢ ]
وهذا الإجمال لا يتضح تفصيله إلا بمراجعة صنيع العراقي عمليا خلال الكتاب، في كافة المواضع التي استعمل فيها هذا الاصطلاح.
وقد وفقني الله تعالى لمراجعة تلك المواضع كلها، بعون منه ﷿، فاستبان لي ما يلي: -
١ - أن عبارتي: «لا أصل له» و«ليس له أصل» قد استعملهما العراقي مطلقين، واستعملهما مقيدين، والأكثر هو الاستعمال المقيد.
ومراده «بالأصل» في حالة الإطلاق يتنوع تبعا للسياق، فتارة يظهر أن مراده به «الإسناد»، وهذا هو الكثير، وتارة يظهر أن مراده: المتن، وتارة يظهر أن مراده السند والمتن معا.
فيكون معنى: «ليس له أصل» إما: ليس له إسناد مطلقا، وإما: له إسناد؛ ولكنه منكر، أو موضوع أو شديد الضعف (^١) وإما أنه لم يوقف له على سند ولا متن باعتباره حديثا.
ويتحدد المقصود من ذلك بقرينة السياق، والموضع المذكور فيه العبارة كما سيأتي. ولكل من تلك الإطلاقات وجه، فبالنسبة للإسناد، يعتبر هو الأصل الذي يخرج الحديث منه، ويعتمد على حلقاته في القبول أو الرد، فإذا لم يوجد للحديث إسناد مطلقا يمكن وصفه بأنه: ليس له أصل، وقد جاء ما يؤيد كون الإسناد هو أصل الحديث عن جماعة من أئمة النقد والرواية،
_________________
(١) وعلى هذا الاعتبار ألف الشيخ أبي المحاسن محمد بن خليل القاوقجي الطرابلسي المتوفى سنة ١٣٠٥ هـ كتابه المسمى «اللؤلؤ المرصوع فيما لا أصل له، أو بأصله موضوع» وقد استفاد فيه من تخريج الإحياء هذا ومن غيره، وطبع مرتين ثانيتهما بتحقيق الشيخ قواز زمرلى سنة ١٤١٥ هـ.
[ ٤ / ١٥٩٣ ]
كالزهري وابن عيينة وحماد بن زيد، وابن المبارك، وأبي سعيد الحداد، وغيرهم (^١).
وأيضا إذا وجد للحديث سند، ولكن وجد فيه، أو في المتن، أو فيهما، ما يقتضي النكارة أو الوضع، أو شدة الضعف، فيمكن وصفه بأنه ليس له أصل، وقد تقدم إطلاق البخاري والترمذي الوصف على ما له إسناد، ولكنه منكر لا يصح، ومن باب أولى إذا لم يوقف للحديث على سند ولا متن باعتباره حديثا.
وعليه، فعندما يوصف الحديث في هذا التخريج بأنه «ليس له أصل» بدون قيد يوضح المراد، فإنه ينظر في السياق الوارد فيه وصف الحديث بهذا، ويحدد على أساسه مقصود العراقي بأنه لا أصل له.
أما إذا قيد العراقي الوصف بقيد معين مثل قوله: ليس له أصل في الحديث المرفوع (^٢) أو لم أجد له أصلا بهذا اللفظ (^٣) فيكون المقصود ما أفاده القيد المذكور.
٢ - أن مراد العراقي بكتب الأصول في عبارته التي ذكرها في المقدمة، يعني الكتب التي يذكر فيها الحديث مرويا بسند مؤلفه، سواء كان الإسناد مقبولا أم مردودا، كما سيتضح من الأمثلة الآتية بعد.
_________________
(١) تنظر الكفاية للخطيب/ باب ذكر ما احتج به من ذهب إلى قبول المراسيل/ ٣٩١ - ٣٩٤ وشرح العلل لابن رجب ١/ ٥٦ - ٦٠.
(٢) المغنى مع الإحياء ٢/ ٢٣١ حديث (١) وأقره الشارح ٦/ ٣٥١، وينظر مثال آخر في المغنى مع الإحياء ٤/ ٣٥٢ حديث (٣) وأقره الشارح ٧/¬١٠، ٨.
(٣) المغني مع الإحياء ٤/ ٣٤١ حديث (٢) وأقره الشارح ٩/ ٦٦٤.
[ ٤ / ١٥٩٤ ]
٣ - من الأمثلة التي يدل سياقها على أن المقصود «بالأصل» هو الإسناد، ما ذكره الغزالي بقوله: وفي خبر آخر: إن الأطفال يجتمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب .. فذكر الخبر مطولا.
فقال العراقي: لم أجد له أصلا يعتمد عليه (^١) وقد ذكر الشارح قول العراقي هذا، دون تعقب، وذكر أن صاحب قوت القلوب - وهو أبو طالب المكي - أورد الحديث بطوله، وقال في بدايته: وروينا في خبر غريب … وساقه.
فبهذا يتضح أن المتن قد ذكر عند صاحب القوت على أنه خبر مروي، ولكن لم يذكر له إسنادا، فيحمل قول العراقي السابق عن الحديث، على أنه لم يجد له إسنادا.
وذكر الغزالي من الحديث القدسي: لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي (الحديث).
فقال العراقي: لم أجد له أصلا، إلا أن صاحب الفردوس خرجه من حديث أبي الدرداء، ولم يذكر له ولده في مسند الفردوس إسنادا (^٢).
وذكر الشارح قول العراقي هذا، وأقره (^٣).
فمقصود العراقي هنا كما ترى أنه لم يجد للحديث إسنادا، مطلقا، وإن كان وجد متنه، في كتاب الفردوس على أنه حديث من رواية أبي الدرداء، مرفوعا (^٤).
_________________
(١) ينظر الإحياء ومعه المغني ٢/¬٢٧، ٢٨ حديث رقم (١).
(٢) الإحياء مع المغنى ٣/¬٨ حديث (٢).
(٣) الإتحاف ٧/ ٢٢١.
(٤) ينظر الفردوس لأبي شجاع الديلمي ٥/ حديث (٨٠٦٧) ط دار الكتب العلمية.
[ ٤ / ١٥٩٥ ]
وذكر الغزالي من حديث جابر ﵁: كان إبليس أول من ناح، وأول من تغنى.
فقال العراقي: لم أجد له أصلا من حديث جابر، وذكره صاحب الفردوس من حديث علي بن أبي طالب، ولم يخرجه ولده في مسنده (^١). وقد ذكر الشارح قول العراقي هذا، ثم أتبعه بقول تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر بعد عزو الحديث نفسه إلى أبي شجاع الديلمي في الفردوس: لم أقف له على أصل، ولا ذكر له ولده أبو منصور في مسنده سندا (^٢) فاتفق قول الحافظ ابن حجر مع شيخه العراقي كما ترى على أن المراد بالأصل هنا هو الإسناد.
ثم ذكر الشيخ الألباني الحديث، وكلام العراقي عنه بكامله، وقرر على أساسه: أن الحديث لا أصل له (^٣).
ومما يحمل فيه المقصود «بالأصل» على المتن ولو كان له سند:
أن الغزالي ذكر حديث ابن عباس: إن لله ملكا على بيت المقدس ينادي كل ليلة: من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل.
فقال العراقي: لم أقف له على أصل، ولأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث ابن مسعود: من أكل لقمة من حرام، لم تقبل منه صلاة أربعين ليلة (الحديث) وهو منكر (^٤).
_________________
(١) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٨٢ حديث (٢) والفردوس لأبي شجاع الديلمي ١/ حديث (٤٢).
(٢) الإتحاف ٦/ ٥١٨.
(٣) تنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ الألباني ١/ حديث (٤٤٤).
(٤) الإحياء مع المغني ٢/ ٩٠ حديث (٦) وينظر الفردوس ٣/ حديث (٥٨٥٣).
[ ٤ / ١٥٩٦ ]
وقد ذكر الشارح قول العراقي وأقره (^١) وذكر الحافظ ابن حجر أنه رأى حديث ابن مسعود هذا عند الديلمي من طريق حامد الهروى عن الفضل بن عبيد الله اليشكرى عن مالك بن سليمان - يعني الهروى قاضى هراة - بسند صحيح إلى ابن مسعود. ثم قال: لا يُعرف إلا من رواية الفضل عن مالك بن سليمان، وقال إنه حديث منكر (^٢) يعني لتفرد الفضل به عن مالك بن سليمان، وكلاهما ضعفه غير واحد، ووصف الفضل بأنه يروى العجائب، ومالك بن سليمان بأنه يروى مناكير (^٣) وبذلك لم ينفع الحديث صحة السند من فوقهما إلى ابن مسعود.
فمن ذلك ترى أن العراقي ذكر في معنى الحديث المطلوب تخريجه رواية مسندة، ووصفها بالنكارة، ووافقه على ذلك تلميذه ابن حجر، فصار ذكره لهذه الرواية المسندة قرينة تدل على أن قوله عن رواية ابن عباس المطلوب تخريجها: «لم أقف لها على أصل» مقصود به متنها الذي ذكره الغزالي؛ لأن ما في معناها، وإن كان منكرا، قد وجد له إسناد.
ومثال ما يُحمل الوصف فيه على السند والمتن معًا، بدليل السياق: - أن الغزالي ذكر عن النبى ﷺ مثال: إن لي حرفتين اثنتين، فمن أحبهما فقد أحبنى، ومن أبغضهما فقد أبغضني: الفقر والجهاد.
فقال: العراقي: لم أجد له أصلا (^٤).
_________________
(١) الاتحاف ٦/¬٨.
(٢) اللسان ٤/ ترجمة (١٣٥٩) و٥/ ترجمة (١٢).
(٣) ينظر اللسان/ الموضعين السابقين.
(٤) الإحياء ومعه المغنى ٤/ ١٩٠ حديث (٢).
[ ٤ / ١٥٩٧ ]
فهذا السياق يدل على أن العراقي لم يجد لهذا الحديث ذِكرا، لا بإسناد، ولا بدون إسناد، وقد أقره الشارح على هذا (^١).
ولذلك قد يقرن العراقي عبارة «لا أصل له» بوصف «البطلان» دون إشارة إلى وجود سند للحديث، أو ذكر لمتنه، ولو بدون سند في أي مصدر.
فقد قال الغزالي: روى أن رسول الله ﷺ كان يطوف بالبيت، فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة (الحديث مطول، في ذم البخيل).
فقال العراقي: الحديث بطوله، باطل لا أصل له (^٢) ووافقه الشارح (^٣).
وقد يقرن الوصف بالبطلان بعبارة «لا أصل له»، لما يكون له سند، ولكنه محكوم بوضعه، حتى من العراقي نفسه في موضع آخر من تخريجه هذا.
فقد ذكر الغزالي أن رسول الله ﷺ قال: يا أبا هريرة، أتريد أن تكون رحمة الله عليك حيا وميتا …؟ (الحديث).
فقال العراقي: هذا باطل، لا أصل له (^٤).
وقد علق الشارح عقب ذكر كلام العراقي هذا بقوله: قلت: هذا الحديث من جملة الأحاديث التي يقول فيها: يا أبا هريرة، افعل كذا وكذا، يا أبا هريرة لا تفعل كذا وكذا، والنسخة بتمامها حكموا بوضعها، ثم قال: وقد مر من هذه النسخة حديث: فضل التهليل، نبهنا هناك على وضعه (^٥).
_________________
(١) الإتحاف ٩/ ٢٧٥.
(٢) الإحياء مع المغنى ٣/ ٢٤٩ حديث (٨).
(٣) الإتحاف ٨/ ١٩٧.
(٤) الإحياء مع المغنى ١/ ٣٦٥ حديث (٥).
(٥) الإتحاف ٥/ ١٨٦.
[ ٤ / ١٥٩٨ ]
أقول: وحديث التهليل هذا الذي أشار الشارح إليه، قد ذكره الغزالى في صدر حديث طويل: أن النبي ﷺ قال: يا أبا هريرة: إن كل حسنة تعملها توزن يوم القيامة، إلا شهادة أن لا إله إلا الله (الحديث)، فقال العراقي: وصية أبي هريرة هذه موضوعة، ثم خرج آخر الحديث من مصادر أخرى (^١) وأقره الشارح (^٢) فصار المأخوذ من مجموع كلام العراقي عن الحديث في الموضعين: أنه يطلق عبارة (لا أصل له) على ما له سند، ولكنه موضوع، ويعرف ذلك من قرينة الموضع الذي يذكر فيه ذلك، حيث قرن عبارة «لا أصل له»، بوصف البطلان كما ترى، ثم عُرف أن الحديث مذكور ضمن نسخة موضوعة، كما بينه الشارح.
أما ما وصفه العراقي بأنه لا أصل له مع تقييد ذلك ببعض القيود التي توضح مقصوده فهذا هو الأكثر كما قدمت، وقد سبق ذكرى لبعض الأمثلة، فأكتفي هنا بمثال آخر حيث قال الغزالي: إنه ﷺ كان يأكل البطيخ بالخبز وبالسكر.
فقال العراقي بعد الكلام على الخبز: وأما أكل البطيخ بالسكر؛ فإن أريد بالسكر: نوع من التمر والرطب مشهور، فهو الحديث الآتي بعده - يعني حديث أكل البطيخ بالرطب - وإن أريد به: السكر الذي هو «الطَّبَرْزَد» - يعني السكر الأبيض الصُّلْب (^٣) فلم أر له أصلا، إلا في حديث منكر معضل، رواه أبو عمر النوقاني في كتاب البطيخ، من رواية محمد بن علي بن الحسين: أن
_________________
(١) الإحياء مع المغنى ١/ ٣٠٤ حديث (٦).
(٢) الإتحاف ٥/¬١٦.
(٣) ينظر اللسان ١٣/ ٤٢٣: (طبرزل) والمعرب للجواليقي/ ٤٤٨ أصل وحاشية.
[ ٤ / ١٥٩٩ ]
النبي ﷺ أكل بطيخا بسكر. وفيه موسى بن ابراهيم المروزي، كذبه يحيى ابن معين (^١) وقد أقره الشارح (^٢).
فيلاحظ أن العراقي في هذا الموضع لم يطلق القول بأنه: «لم ير للحديث أصلا» ولكن قيده بما ذكره فيلاحظ أن العراقي في هذا الموضع لم يطلق القول بأنه: «لم ير للحديث أصلا» ولكن قيده بما ذكره في بقية كلامه، وهو أنه وجد له أصلا منكر المتن، ومعلول الإسناد، وتسميته لهذا أصلا، يؤيد ما قدمته من أنه قد يقصد بالأصل ما له إسناد ولو كان معلولا بما يصل لدرجة الوضع، كما يفيده مجموع الأقوال في موسى بن ابراهيم المروزي الذي في سند هذا الحديث (^٣)، ويؤيد هذا المثال أيضا ما قدمته من أنه يريد بكتب الأصول: كل ما روى فيه الحديث بإسناد مؤلفه، سواء كان إسنادا مقبولا أم مردودا.
٤ - إن حكم العراقي على الحديث بأنه ليس له أصل، إنما هو باعتبار مبلغ علمه هو، وما أداه إليه بحثه وتنقيبه بأقصى وسعه فيما أتيح له من المصادر العديدة، كما أشرت في مبحث مصادره.
ولذلك نجده خلال هذا التخريج يكثر من التقييد بهذا، فيقول: لم أجد له أصلا (^٤).
_________________
(١) الإحياء مع المغنى ٢/ ٣٦٨ حديث (٦).
(٢) الاتحاف ٧/ ١١٨.
(٣) اللسان ٦/ ترجمة (٣٨٥) والمغنى للذهبي ٢/ ترجمة (٦٤٧٦).
(٤) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٨٢ حديث (١)، ٢/ ٥٣ حديث (١)، ٣/ ٩٨ حديث (٣)، ٤/ ٢٥١ حديث (٢).
[ ٤ / ١٦٠٠ ]
أو: لم أقف له على أصل (^١). أو: لم أر له أصلا (^٢)
وعليه فإن عبارته المطلقة في مقدمة الكتاب بقوله: وأبين ما ليس له أصل (^٣)، وقوله كذلك خلال الكتاب عن عدد من الأحاديث: لا أصل له (^٤) دون تقييد، فيحمل هذا الإطلاق على ما قيده بمبلغ علمه وغاية ما أمكنه هو الوقوف عليه.
وقد مر في مبحث ما قال: إنه لم يجده، تعقبه ببعض ما هو موجود في بعض المصادر التي رجع إليها مرارًا في غير الحديث المتعقب.
وبذلك فإنه لا لوم عليه فيما وصفه بأنه لا أصل له، مع الإطلاق أو التقييد، ثم بحث غيره عنه، فوجده، أو وجد أصله الذي يفيد معناه العام، أو وجد بعضه، ولو في بعض المصادر التي يكون العراقي قد رجع إليها في هذا الكتاب، في بعض الأحاديث الأخرى، لأنه وقف عند مبلغ علمه، ومن وقف عند مبلغ علمه فقد أنصف.
وستأتي بعض الأمثلة لما يتعقب فيه العراقي، ومنها موضع تيسر لشخصي الضعيف الوقوف عليه في أحد مصادر العراقي المتكررة في هذا التخريج، ولكنه قال: لم أجد له أصلا، ولم أجد من تعقبه في ذلك غيري.
٥ - إن المواضع التي يصف العراقي الحديث المطلوب فيها بأنه لم يقف له على أصل، قد يذكر بديلا عنه أو عن بعضه حسب فهمه هو لمعنى الحديث.
_________________
(١) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٥٢ حديث (٤)، ٢/ ٣٦٦ حديث (٣)، ٣/ ١٥٥ حديث (٢)، ٤/ ١٤٤ حديث (٦).
(٢) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٢٢٧ حديث (١)، ٣/¬١٤ حديث (٤)، ٢٦٤ حديث (١).
(٣) المغنى مع الإحياء ١/¬٩.
(٤) المغنى مع الإحياء ١/ ٣٤٦ حديث (٥)، ٣/ ٩٦ حديث (١).
[ ٤ / ١٦٠١ ]
المطلوب، وقد يكون البديل الذي يذكره ضعيفا ضعفا غير شديد، وقد يكون صحيحا.
فقد ذكر الغزالي عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله حف الإسلام بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ومن ذلك حسن المعاشرة .. (الحديث) وعدد فيه أكثر من أربعين خصلة.
فقال العراقي: الحديث بطوله، لم أقف له على أصل، ويغنى عنه حديث معاذ الآتي بعده بحديث (^١) وحديث معاذ الآخر الذي أحال عليه العراقي قد ذكره الغزالي فعلا بعد هذا بحديث، وفيه: أنه ﷺ قال: يا معاذ: إني أوصيك … وذكر كذلك نحو أربعين خصلة بنحو ما ذُكر في الحديث السابق، وقد خرجه العراقي بالعزو إلى أبي نعيم في الحلية، والبيهقى في الزهد، ثم أحال به على موضع آخر تقدم، وبالرجوع إليه وجدت العراقي زاد عزوه إلى الخرائطى في مكارم الأخلاق، ثم قال: وإسناده ضعيف (^٢) وقد لا يذكر العراقي البديل عما لم يجد له أصلا، وإنما يذكر ما يعارضه، وكأنه بهذا يؤكد عدم وجود أصل للحديث، بذكر ما يرده أو يخالفه.
فقد قال الغزالي: وقال سفيان الثورى: يستحب أن يصلى بعد عيد الفطر اثنتى عشرة ركعة، وبعد عيد الفطر ست ركعات، وقال: هو من السنة.
فقال العراقي: لم أجد له أصلا في كونه سنة، وفي الحديث الصحيح ما يخالفه، وهو أنه ﷺ: لم يصل قبلها، ولا بعدها، ثم ذكر أن قول تابعي
_________________
(١) الإحياء مع المغنى ٢/ ٣٥٣ حديث (٢) مع الإتحاف ٧/ ٩٥.
(٢) ينظر الإحياء مع المغنى الموضع السابق، ٢/ ٩٥ حديث (٦) وأقره الشارح ٦/ ٢٦١ وينظر البديل الصحيح في المغنى ٤/¬١٤ (٦).
[ ٤ / ١٦٠٢ ]
التابع، كالثوري: من السنة كذا، يعتبر مقطوعا (^١).
وفي موضع آخر ذكر الغزالي أنه جاءه أعرابي وهو ﷺ متغير اللون … (الحديث) وفيه كون المسيح الدجال يأتى الناس بالثريد وقد هلكوا جوعا.
فقال العراقي: هو حديث منكر، لم أقف له على أصل، ويرده قوله ﷺ في حديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه حين سأله ﷺ عما يقال: إن المسيح الدجال معه جبل خبز ونهر ماء، قال: هو أهون على الله من ذلك، وفي رواية لمسلم أنهم يقولون: إن معه جبالا من خبز ولحم، الحديث، نعم في حديث حذيفة وأبي مسعود المتفق عليهما: أن معه ماء ونار (الحديث) (^٢).
٦ - قد يكون غير العراقي قال عن الحديث الوارد في الإحياء: إنه ليس له أصل، أو إنه لم يجد له أو لبعضه إسنادا، مع الإطلاق أو التقييد بأمر معين.
وقد وجدت موقف العراقي من ذلك متنوعا: -
أ - فتارة ينقل قول غيره، من المتقدمين أو المتأخرين - حتى عصره، ولا يتعقبه، وبذلك يعتبر موافقا لغيره على هذا.
فقد ذكر الغزالي أن الرسول ﷺ قال: ومن سر أخاه المؤمن فقد سر الله تعالى.
فقال العراقي: وروى ابن حبان والعقيلي في الضعفاء من حديث أبي بكر الصديق:
من سر مؤمنا فإنما سر الله (الحديث)، قال العقيلي: باطل لا أصل له (^٣)
_________________
(١) الإحياء مع المغنى ١/ ٢٠٨ حديث (٥) مع الشرح ٣/ ٤٠٨.
(٢) الإحياء مع المغنى ٢/ ٣٦٥، ٣٦٦ حديث (١٠).
(٣) الإحياء مع المغنى ٢/¬١٢ حديث (١).
[ ٤ / ١٦٠٣ ]
وقد أخرج العقيلي الحديث بسنده (^١).
ولم يتعقب العراقي قول العقيلي هذا بشيء، وكذلك الزبيدي (^٢).
وذكر الغزالي أيضا أن الرسول ﷺ قال: عليكم بدين العجائز.
فقال العراقي: قال ابن طاهر في كتاب التذكرة: هذا اللفظ تداوله العامة، ولم أقف له على أصل يرجع إليه من رواية صحيحة ولا سقيمة، حتى رأيت حديثا لمحمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر عن النبي ﷺ إذا كان في آخر الزمان واختلفت الأهواء، فعليكم بدين أهل البادية والنساء، وابن البيلماني له عن أبيه عن ابن عمر نسخة كان يتهم بوضعها. انتهي. ثم قال العراقي: وهذا اللفظ من هذا الوجه رواه ابن حبان في الضعفاء في ترجمة ابن البيلماني، والله أعلم (^٣).
ويلاحظ أن العراقي أقر ابن طاهر على ما ذكره، وأضاف بيان تخريج ابن حبان للحديث بسنده في كتابه المجروحين، وهذا يؤيد ما قدمته من إطلاق وصف «لا أصل له» على الحديث، ولو كان له إسناد، لكن في رواته من نُسب إلى وضع الحديث مثل محمد بن البيلماني في الحديث المذكور.
وقد اتفق التاج ابن السبكي مع العراقي في إقرار قول ابن طاهر عن هذا الحديث (^٤).
_________________
(١) الضعفاء للعقيلي ٤/¬٢٩ ترجمة (محمد بن إسحاق بن ابراهيم العكاشي).
(٢) الإتحاف ٥/ ٢٣٨.
(٣) الإحياء مع المغنى ٣/ ٧٥ حديث (١) وتنظر تذكرة الحفاظ لابن طاهر حدث ٨٢، ٥٢٧ والمجروحين لابن حبان ٢/ ٢٦٤.
(٤) تنظر طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٦/ ٣٣٣.
[ ٤ / ١٦٠٤ ]
أما السخاوي والزبيدي، فحاولا إثبات أصل للحديث بما لا ينهض، والأكثر على ما أقره العراقي وابن السبكي (^١).
وقال الغزالي: قال نبينا ﷺ: احذروا الدنيا، فإنها أسحر من هاروت وماروت. فذكر العراقي تخريجه بالعزو إلى ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب من طريقه، من رواية أبي الدرداء الرهاوي، مرسلا، وقال البيهقي: إن بعضهم قال: عن أبي الدرداء عن رجل من الصحابة، قال الذهبي: لا يدرى من أبو الدرداء، قال: وهذا منكر لا أصل له (^٢) وقد أقر العراقي الذهبي على هذا، فلم يتعقبه بشيء، وكذلك أقرهما الزبيدي (^٣) والحافظ ابن حجر في اللسان ٦/¬٤٤ ترجمة (٤١٦).
وقد نقل الشيخ الألباني كلام العراقي كاملا بما فيه ما نقله عن الذهبي، وأتبعه بإقرار الحافظ في اللسان، وأقر الجميع، وجزم بأن الحديث: منكر لا أصل له (^٤).
_________________
(١) ينظر المقاصد حديث (٧١٤) والإتحاف ٧/ ٣٧٦ وكشف الخفاء للعجلوني ٢/ حديث (١٧٧٤).
(٢) الإحياء مع المغني ٣/ ٢٠٠ حديث (٣).
(٣) الإتحاف ٨/ ٨٦.
(٤) تنظر السلسلة الضعيفة ١/ ٥٣ حديث (٣٤) وقد تعقب الشيخ كلا من السيوطي والمناوي اعتبارهما أبا الدرداء الرهاوى هو أبو الدرداء الصحابي المشهور، فلم يذكرا نسبته «والرهاوي» التي تميزه عن الصحابي المشهور، ولم يصفا كذلك روايته بالإرسال. كما تعقب المناوى فى اقتصاره في إعلال الحديث على وجود هشام بن عمار في إسناده، وذلك بناء على ما فهمه الشيخ مما فى اللسان من أن للحديث طريقا آخر عن أبي الدرداء، ولو أنه تيسر له حينذاك مراجعة مصدرى الحديث وهما: ذم الدنيا لابن أبي الدنيا حديث (١٣٢) وشعب الإيمان للبيهقي ٧/ حديث (١٠٥٠٤) لظهر له أن مدار طريقي الحديث على هشام بن =
[ ٤ / ١٦٠٥ ]
ب - وتارة يذكر العراقي قول غيره عن الحديث بأنه لم يجد له أصلا، أو أنه غير معروف، ثم يتعقب ذلك بذكر ما يرى أنه يمكن اعتباره أصلا للحديث معروفا.
فقد ذكر الغزالي: أنه ﵊ قال: ادَّهِنُوا غِبًا.
فقال العراقي: قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلا، وقال النووي: غير معروف، ثم أتبع ذلك قائلا: وعند أبي داود والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن مغفل: النهي عن الترجل إلا غبا، بإسناد صحيح (^١).
وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك (^٢).
وتقرير العراقي أن حديث عبد الله بن مغفل هذا يصلح أصلا للفظ الحديث الوارد في الإحياء، يعتبر استنباطا فقهيا منه، على ضوء ما يستفاد من تضمن النهي عن الشيء أمرًا بضده، أو بأحد أضداده (^٣) وقد بوب النسائي على حديث ابن مغفل ونحوه فقال: «الترجل غبا (^٤)».
وذكر الغزالي أيضا حديث: الصلاة عماد الدين، فمن تركها فقد هدم الدين.
_________________
(١) = عمار عن صدقة بن خالد عن عتبة بن أبي حكيم عن أبي الدرداء الرهاوي. فتكون علة الحديث: حال هشام بن عمار، حيث وصف بأنه حدث بما لا أصل له، وجهالة أبي الدرداء الرهاوي.
(٢) الإحياء مع المغنى ١/ ١٤٢ حديث (٢).
(٣) الإتحاف ٢/ ٣٩٤.
(٤) ينظر البحر المحيط للزركشي ٢/ ٤٢١ وما بعدها.
(٥) سنن النسائي ٨/ ١٣٢ - الزينة - باب الترجل غبا.
[ ٤ / ١٦٠٦ ]
فخرجه العراقي بالعزو إلى البيهقي في الشعب بسند ضَعَّفَه، من حديث عمر، قال الحاكم: عكرمة لم يسمع من عمر، قال البيهقي: أُراه ابن عمر.
ثم قال العراقي: ولم يقف عليه ابن الصلاح فقال في مشكل الوسيط: إنه غير معروف (^١).
وقد أقر الشارح العراقي على ذلك (^٢) وبمراجعة لفظ الحديث عند البيهقي يتضح أنه مقارب لما ذكر في الإحياء، كما قدمته (^٣).
وكذلك وافق الزيلعي رفيقه العراقي في تخريج الحديث بالعزو إلى شعب الإيمان للبيهقي، والكلام عليه بنحو ما تقدم، وأضاف عزوه لأبي القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب من حديث على ﵁، مختصرًا بلفظ «الصلاة عماد الإسلام» وذكر أن في سنده الحارث (يعني الأعور) ضعيف جدا، ثم قال: وذهل ابن الصلاح في كتابه «مشكل الوسيط» فقال: «إن هذا الحديث غير صحيح ولا معروف». فقد روى من وجهين كما بيناه، وكأنه لم يظفر به أصلا (^٤).
أما السخاوي فأضاف: أن النووي قال في التنقيح عن هذا الحديث: إنه منكر باطل (^٥).
_________________
(١) الإحياء مع المغنى ١/ ١٥٢ حديث (٨).
(٢) الإتحاف ٣/¬٩.
(٣) ينظر كشف الخفاء ٣٩/¬٢، ٤٠ حديث (١٦٢١) وشعب الإيمان باب (٢١) حديث (٢٨٠٧)
(٤) تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ١/¬٤٢ حديث (١٩) بتحقيق الأخ الفاضل: سلطان الطبيشي.
(٥) المقاصد حرف الصاد/ ٤٢٧ حديث (٦٣٢).
[ ٤ / ١٦٠٧ ]
وفيما تقدم رد لقول ابن الصلاح: إن الحديث غير معروف، ورد لقول النووي هذا بأنه منكر باطل.
أما قول ابن الصلاح إنه حديث غير صحيح، فمسلم له، ولعل هذا ما جعل العراقي يقتصر من كلام ابن الصلاح على قوله: إن الحديث غير معروف، لأنه هو الذي يتعقب فيه بما تقدم من وجود الحديث بنحوه، وبشطره الأول، وإن كان إسناد الروايتين مضعف كما تقدم.
ج - وأكثر ما لاحظت، هو اختلاف العراقي مع معاصره التاج ابن السبكي، في بيان ما لم يجد له إسنادا أو أصلا.
فقد قدمت أن ابن السبكي عقد فصلا للكلام على أحاديث الإحياء، وقد أشار إليه مرة بقوله: وسنعقد فصلا للأحاديث المنكرة في كتاب الإحياء (^١).
ثم عنون الفصل نفسه بقوله: وهذا فصل جمعت فيه جميع ما وقع في كتاب (الإحياء) من الأحاديث التي لم أجد لها إسنادا (^٢).
وقد قدمت أن الأحاديث التي ذكرها ابن السبكي في هذا الفصل بحسب إحصائي لها تبلغ قرابة ألف حديث بالمكرر، ومقتضى عنوان الفصل المذكور، أن جميع الأحاديث التي أوردها ابن السبكي في هذا الفصل لم يجد لها أصلا؛ لكنه خلالها قد خرج نحو مائة حديث تخريجا إجماليا، وذلك بعزو بعضها كاملا، أو عزو بعض ألفاظها إلى مصدر أو أكثر من المصادر الحديثية، ومنها: الصحيحان والسنن الأربعة ومسند أحمد وغيرها.
_________________
(١) الطبقات ٦/ ٢٥٠.
(٢) الطبقات ٦/ ٢٨٧.
[ ٤ / ١٦٠٨ ]
وقد يذكر الحديث ويقول عن بعض ألفاظه: غريب لا يعرف (^١) أو: لم أجده (^٢) ولكن لا يذكر المصدر الذي وجد فيه بقية الحديث، أو يقول عن حديث من فعله ﷺ: لم أجده إلا من قوله (^٣) ولكن لا يذكر المصدر الذي وجد فيه قوله ﷺ.
وقد يقول عن الحديث: لم أجده بهذا اللفظ (^٤) أو لم أره بهذا اللفظ (^٥) لكن لا يذكر مصدرًا لما وجده.
وبقية الألف حديث وهي الأكثر، يوردها فقط دون تعليق، إشارة إلى دخولها تحت العنوان الأصلى الذي وضعه لهذا الفصل وهو: أنه لم يجد لذلك إسنادا.
وقد أشار ابن السبكي إلى تخريج العراقي لأحاديث الإحياء بما يدل على اطلاعه عليه واستفادته منه، ومع ذلك لاحظت اختلافه مع العراقي في بيان ما لم يجد له إسنادا أو أصلا، فهناك عدد غير قليل ذكره ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا، وقد وجد العراقي له أو لبعضه إسنادا، وخرجه بالعزو إلى ما تيسر له من المصادر، ولا سيما الصحيحين. فمن ذلك أن الغزالي ذكر في «الإحياء» أنه ﷺ قال: كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ (^٦).
_________________
(١) الطبقات ٦/ ٣٠٠.
(٢) الطبقات ٦/ ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٦.
(٣) الطبقات ٦/ ٣٢٧.
(٤) الطبقات ٦/ ٣٤٢، ٣٤٣.
(٥) الطبقات ٦/ ٣٤٨.
(٦) الإحياء ١/¬٤٣.
[ ٤ / ١٦٠٩ ]
فذكره ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا (^١).
أما العراقي فخرجه في تخريجه الكبير والصغير، ففي الكبير ذكر أن البخاري أخرجه موقوفا على على ﵁، وقال العراقي: إن هذا الوقف - هو الصواب، بلفظ: حدثوا الناس، والباقى سواء، وهكذا رواه البيهقى في المدخل، بتقديم: «أتريدون؟» على «حدثوا». ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، من طريق أبي نعيم، ثم قال: وسيأتي في آخر الباب الخامس من حديث ابن عمر موقوفا: أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم، أى قدر ما تحتمله عقولهم، وهو شاهد جيد، ويأتي الكلام عليه هناك اهـ (^٢).
أما في الصغير، فاكتفي بعزوه إلى البخاري موقوفا على على، ثم قال: ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم (^٣).
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - فعلا - موقوفا على على ﵁ بلفظ: حدثوا الناس … والباقى سواء، كما ذكر العراقي (^٤) كما أنه في الفردوس بنحوه (^٥) وقد عز إليه ابن السبكي غير هذا الحديث (^٦).
_________________
(١) الطبقات ٦/ ٢٨٨.
(٢) ينظر الإتحاف ١/ ٢٥٣.
(٣) المغنى مع الإحياء ١/¬٤٣ حديث (٢).
(٤) صحيح البخاري مع فتح البارى - كتاب العلم - باب (٤٩) من خص بالعلم قوما دون قوم كراهة أن لا يفهموا/ حديث (١٢٧).
(٥) فردوس الأخبار لأبي شجاع الديلمي ٢/ ٢٠٥ حديث (٢٤٧٨) بتحقيق الشيخ فؤاد الزمرلي وزميله.
(٦) الطبقات ٦/ ٣٦٨.
[ ٤ / ١٦١٠ ]
فإيراده ﵀ الحديث ضمن ما لم يجد له إسنادا، مع وجوده مسندا في صحيح البخاري، فضلا عن غيره من المصدرين الآخرين، قصور ظاهر.
أما عدم استفادته ذلك من تخريج العراقي، مع اطلاعه عليه، فلعل اطلاعه كان متأخرا عن زمن كتابته لهذا الفصل.
وذكر الغزالي أن الرسول ﷺ كان يسمع كلام جبريل ﵇ ويشاهده، ومن حوله لا يسمعونه، ولا يرونه (^١).
فذكر ابن السبكي ذلك ضمن ما لم يجد له إسنادا (^٢).
أما العراقي فخرج الحديث بالعزو إلى البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يوما: يا عائشة، هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى. ثم قال العراقي: قلت: وهذا هو الأغلب، وإلا فقد رأى جبريل جماعة من الصحابة، منهم: عمر، وابنه عبد الله، وكعب بن مالك، وغيرهم (^٣) وقد نقل الشارح كلام العراقي بأكمله، ولم يتعقبه بشيء (^٤) وما ذكرته عن المثال السابق يقال عن هذا المثال، بالنسبة لما يؤخذ على ابن السبكي ﵀.
وأقتصر على هذين المثالين لظهورهما، وكفايتهما في الدلالة على أحقية العراقي فيما خالفه فيه ابن السبكي، ولقد جمعت ما يزيد على مائة موضع مما ذكره ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا، ولكن العراقي خرج ذلك من
_________________
(١) الإحياء ١/ ١١٩.
(٢) الطبقات ٦/ ٢٩١.
(٣) المغنى مع الإحياء ١/ ١١٩ حديث (٦).
(٤) الإتحاف ٢/ ٢١٧.
[ ٤ / ١٦١١ ]
مصدر أو أكثر من المصادر المسندة، ومنها مصادر مشهورة متداولة، مما رجع إليها ابن السبكي نفسه، في موضع آخر. ومثل هذا يدل بوضوح، على جهد العراقي الذي بذله في بيان الأصل - ولاسيما من المحتج به، لما قرر غيره أنه لم يجد له إسنادا، ولو معلولا.
كما أن هذا الاختلاف الكثير من ابن السبكي يقتضينا أن ننتبه من يقف على فصله المذكور، أن لا يتابعه فيما قرر أنه لم يجد له إسنادا.
حتى يقارن ذلك بما في تخريج الحافظ العراقي هذا، بالدرجة الأولى، وأيضا يبحث بنفسه في المصادر الأخرى حتى يتثبت من القول الراجح في وجود أصل للحديث من عدمه.
٧ - إن الإطلاق والتقييد في قول العراقي: «إنه لم يجد للحديث أصلا» يحتاج إلى الدقة في مراعاته عند إرادة الاستفادة منه، ونقله عن العراقي، وذلك لما يلي: -
أ - فقد تكون عبارة العراقي في هذا التخريج المختصر مطلقة، ولكنها فيما نقل عن تخريجه الكبير مقيدة، فينبغي حمل ما أطلق في المختصر، على ما قيد في الكبير.
فقد ذكر الغزالي عن حديث «طوبى للغرباء» أنه سئل: ومن الغرباء؟ فقال: هم المتمسكون بما أنتم عليه اليوم.
فقال العراقي في تخريجه الكبير: لم أقف له على إسناد، إلا أن في أثناء حديث أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة، وأنس وفيما أخرجه الطبراني في الكبير، وأبو بكر الآجري في كتاب «صفة الغرباء» ذكر افتراق الأمم كلهم.
[ ٤ / ١٦١٢ ]
على الضلالة، إلا السواد الأعظم، قالوا: وما السواد الأعظم؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي (الحديث) (^١) فقد قيد العراقي كما ترى، أن ما لم يقف له على إسناد، هو اللفظ المذكور في الإحياء، أما ما هو بمعناه فموجود في المصدرين المذكورين، وبذلك يعتبر معنى الحديث موجودًا بإسناده في المصدرين المذكورين.
لكنه في التخريج المختصر قال عن الحديث باللفظ الوارد في الإحياء: لم أر له أصلا (^٢) وفقط، فصارت عبارته مطلقة كما ترى، ومن يقتصر على الرجوع إلى المختصر وحده، يبقى نقله هكذا مطلقا، كما فعل الشيخ محمد أمين السويدى العراقي في كتابه «الموضوعات في الإحياء» (^٣).
ومن وقف على ما نقل عن تخريج العراقي الكبير يجد التقييد السابق، كما فعل الزبيدي في شرحه للإحياء (^٤)
ب - وأيضا فإن نسخ التخريج المختصر نفسه قد اختلفت في وجود الإطلاق والتقييد، فقد ذكر الغزالى حديث «إن المسجد لينزوى من النخامة، كما تنزوى الجلدة على النار» فجاء في المطبوع قول العراقي عن الحديث: لم أجد له أصلا (^٥).
أما في نسخة مكتبة طلعت الخطية (٨/ أ) وكذا نسخة الزبيدي جاء كلام
_________________
(١) ينظر الإحياء مع الإتحاف ١/ ٢٦٥.
(٢) المغنى مع الإحياء ١/¬٤٥ حديث (٢).
(٣) ينظر الكتاب المذكور ص ١٨ حديث (٥) بتحقيق الشيخ على رضا.
(٤) الإتحاف ١/ ٢٦٥.
(٥) الإحياء مع المغنى ١/ ١٠٧ حديث (٢).
[ ٤ / ١٦١٣ ]
العراقي هكذا: لم أر له أصلا في المرفوع، وإنما هو من قول أبي هريرة، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (^١) وقد نقل الشيخ محمد أمين السويدى في كتابه السابق العبارة المطلقة، حسب النسخة التي أتيحت له من التخريج الصغير (^٢).
في حين نقل الزبيدي من النسخة التي ذُكر فيها التقييد كما قدمت.
والحديث موجود فعلا في مصنف ابن أبي شيبة من طريقين، موقوفا على أبي هريرة (^٣).
أما ابن عراق فقد أود الحديث بنحوه في أثناء حديث مطول، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس، مرفوعا، وعقب عليه بقوله: قلت: في سنده من لم أعرفه.
ثم ذكر الرواية التي في الإحياء وعقب عليها بقوله: قال العراقي في تخريجه: لا أصل له مرفوعا، وإنما هو من قول أبي هريرة، والله أعلم (^٤) فلعل نسخته هو الآخر من تخريج العراقي جاءت هكذا بذكر التقييد، دون ذكر مصدر الرواية الموقوفة على أبي هريرة.
ج - وقد يرد الحديث في الإحياء مرة، فيخرجه العراقي، ثم يورده الغزالي مرة أخرى مع زيادة فيه عن الرواية الأولى، فيحكم العراقي على الثانية بأنها لا أصل لها بتلك الزيادة، فيسهو الناقل عن ذلك، ويعمم الحكم على الروايتين بأنهما لا أصل لهما.
_________________
(١) الإتحاف ٢/ ٧٥.
(٢) الموضوعات في الإحياء/ ٢٢ حديث (٢٢).
(٣) المصنف لابن أبى شيبة - كتاب الصلاة ٢/ ٣٦٦.
(٤) تنزيه الشريعة ٢/ ١١٥ (الصلاة) الفصل الثالث.
[ ٤ / ١٦١٤ ]
فقد ذكر الغزالي أنه ﷺ قال: (إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن) فخرجه العراقي بالعزو إلى أحمد - يعني مسنده - من حديث أبي هريرة في أثناء حديث بلفظ (وأجد نفس ربكم من قبل اليمن)، ورجاله ثقات (^١).
ثم كرر الغزالي الحديث مرة أخرى بعد هذا بكثير، وزاد فيه: أن الرسول ﷺ أشار بهذا الحديث إلى «أُويس القرني» ﵀.
فقال العراقي: حديث: إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن، أشار به إلى أويس القرني، تقدم في قواعد العقائد، لم أجد له أصلا (^٢) فقوله: لم أجد له أصلا، متجه إلى الرواية المشتملة على زيادة الإشارة بالحديث إلى أويس القرني، بدليل تخريجه السابق للحديث بدون تلك الزيادة.
ولم يتنبه الشيخ على قارى إلى هذا، فذكر الرواية الخالية من الزيادة ضمن الأحاديث الموضوعة في كتابيه: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (^٣)، و«المصنوع في معرفة الحديث الموضوع» (^٤) وقال في الكتابين: قال العراقي: لم أجد له أصلا.
ومِنْ بَعد القاري جاء الشيخ محمد بن علي الشوكاني، فذكر في كتابه «الفوائد المجموعة، في الأحاديث الموضوعة» الحديث بروايته الخالية من الزيادة أيضا، وقال: قال - يعني العراقي - في المختصر: لم أجده (^٥) ولم
_________________
(١) الإحياء مع المغنى ١/ ١٠٩ حديث (٢) ومسند أحمد ٢/ ٥٤١.
(٢) الإحياء مع المغنى ٣/ ٢١٧ حديث (٢).
(٣) ص ١٣٧ حديث «١٠٦».
(٤) ص ٦٩ حديث (٧٠).
(٥) الفوائد المجموعة للشوكاني بتحقيق الشيخ عبد الرحمن المعلمي/ ص ٤٣٦ - كتاب =
[ ٤ / ١٦١٥ ]
يتنبه أحد ممن حقق الكتب الثلاثة إلى وهم كل من القاري والشوكاني في هذا، رغم ما ذكروا من التعليقات المفيدة على الحديث في حواشي الكتب الثلاثة.
أما الإمام ابن السبكي فأورد الحديث في الفصل الذي عمله لبيان ما لم يجد له إسنادا من أحاديث «الإحياء» كما تقدم، وفي الموضع الأول الذي ذكر الغزالي الحديث فيه بدون الزيادة، عده ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا (^١) وفي الموضع الثاني الذي ذكر الغزالي فيه الحديث مع الزيادة، عده ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا أيضا (^٢).
والصواب ما جرى عليه العراقي، كما قدمت من أن الحديث بدون الزيادة ثابت وله أصل كما في مسند أحمد وغيره (^٣) ولكنه مع الزيادة لم يجد العراقي له أصلا، ولم أجد من تعقبه في ذلك.
د - وقد يحدث اختصار أو تصرف في نقل كلام العراقي من تقييد، إلى إطلاق.
فقد ذكر الغزالي أنه ﷺ قال: عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة.
فقال العراقي: ليس له أصل في الحديث المرفوع، وإنما هو قول سفيان بن عيينة، كذا رواه ابن الجوزي في مقدمة صفة الصفوة (^٤).
_________________
(١) = الفضائل - فضائل الأمكنة والأزمنة/ حديث (٢١).
(٢) الطبقات ٦/ ٢٩١ (قواعد العقائد).
(٣) الطبقات ٦/ ٣٤٦ (كتاب ذم الدنيا).
(٤) المسند لأحمد ٤/ ١٠٤ والطبراني الكبير ٧/ ٦٠ حديث (٦٣٥٨).
(٥) الإحياء مع المغني ٢/ ٢٣١ حديث (١).
[ ٤ / ١٦١٦ ]
ولم يتعقب الشارح العراقي في ذلك (^١)، وكذلك السخاوي، مع إضافة قول شيخه ابن حجر: لا أستحضره مرفوعا، واعتبر ذلك في معنى قول شيخه العراقي السابق (^٢).
أما الشوكاني فأورد الحديث في كتابه «الفوائد المجموعة» مرتين: - الأولى في (كتاب الأدب وغيره) فقال: (حديث: إنها تنزل الرحمة عند ذكر الصالحين) قال العراقي وابن حجر: لا أصل له (^٣).
والمرة الثانية في خاتمة الكتاب ضم أحاديث متفرقة، فقال: حديث: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.
قال العراقي وابن حجر: لا أصل له في المرفوع وإنما هو من قول سفيان ابن عيينة (^٤).
فتلاحظ اختلاف نقل الشوكاني ﵀ لقول العراقي وابن حجر، من إطلاق إلى تقييد، في هذين الموضعين، من كتاب واحد، مع أن الثابت عنهما هو التقييد فقط، كما تقدم، فلذلك يلزم الانتباه والتثبت من نص عبارة العراقي في الإطلاق، والتقييد، حتى لا ينسب إليه ما لم يقله، خاصة في هذا الحكم الخطير الذي يترتب عليه اعتبار الحديث موضوعا، أو غير موضوع، أو مرفوعا إلى الرسول ﷺ أو غير مرفوع، بحسب مبلغ علم
_________________
(١) الإتحاف ٦/ ٣٥١.
(٢) المقاصد الحسنة/ حرف العين حديث (٧٢٠).
(٣) الفوائد المجموعة للشوكاني/ ٢٥٤ حديث (١٠٩).
(٤) الفوائد المجموعة ص ٥٠٨ حديث (١١٣).
[ ٤ / ١٦١٧ ]
العراقي وغاية بحثه (^١).
٨ - بعض ما يذكره الغزالي على أنه حديث ولا يجد العراقي له إسنادًا، يكون معناه صحيحًا في الواقع، فيبين العراقي ذلك للتنبيه على أنه ليست العبرة بسلامة معنى المتن فقط، وإنما لابد مع ذلك أن يثبت له إسناد أيضًا، برفعه صراحة أو حكمًا إلى الرسول ﷺ.
فقد ذكر الغزالي أن أنسا ﵁ قال: فلم يَدَعْ - يعني الرسول ﷺ نصيحة جميلة إلا وقد دعانا إليها، وأمرنا بها، ولم يدع غِشًّا أو قال: عيبا، أو قال: شَيْئًا، إلا حَذَّرْناه، ونهانا عنه.
فقال العراقي: لم أقف له على إسناد، وهو صحيح من حيث الواقع (^٢).
وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك (^٣).
٩ - سبق بياني لما قال العراقي عنه من أحاديث الإحياء: «إنه لم يجده» أو «لم يره» أو «لم يقف عليه» مع الإطلاق أو التقييد، وقد لاحظت أنه يقول عن الحديث الواحد، مرة: «لم أجده» ومرة «لا أصل له»، فأفاد ذلك أن استعماله للعبارتين من تنويع العبارة، فقط، ومراده بهما واحد.
فقد قال الغزالي: قال ﷺ: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس.
_________________
(١) بل إن الشيخ أمين السويدى نقل عن العراقى أنه قال عن حديث: لم أجد له أصلا، مع أن العراقي قد خرج الحديث، وبين ضعفه، ونقل الزبيدى عنه ذلك، وأقره، وزاد تخريج الحديث من مصدر آخر، وبين ضعفه كذلك/ ينظر الموضوعات في الإحياء للشيخ محمد أمين السويدي ص ١١٠ حديث (٢٥٣) والمغنى مع الإحياء ٤/ ٢٩٠ حديث (٢) والإتحاف ٩/ ٥٥٥.
(٢) الإحياء مع المغنى ٢/ ٣٥٣ حديث (٣).
(٣) الإتحاف ٧/ ٩٥.
[ ٤ / ١٦١٨ ]
فقال العراقي: لا أصل له مرفوعا، وإنما هو من قول عمر بن عبد العزيز، هكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب محاسبة النفس (^١).
ثم كرر الغزالي الحديث بعد هذا، فقال العراقي: تقدم، ولم أجده مرفوعا (^٢)؟
٩ - إن العراقي كما اختلف مع من سبقه أو عاصره في ما لم يجدوا له إسنادا أو أصلا من الأحاديث، وتعقب خلال تخريجه هذا غير واحد في ذلك كما قدمت، أيضا قد تعقبه غير واحد بذكر ما يعتبر أصلا لما قرر هو أنه لم يجد له أصلا، فقد قال الغزالي: قال ﷺ: «الوضوء على الوضوء نور على نور».
فقال العراقي: لم أجد له أصلا (^٣).
وذكر السخاوي الحديث، ثم قال: ذكره في الإحياء، فقال مخرجه - يعني العراقي -: لم أقف عليه، وسبقه لذلك المنذري، وأما شيخنا - يعني ابن حجر - فقال: إنه حديث ضعيف، رواه رزين في مسنده. ثم ذكر السخاوي أن في معناه أيضا، حديث: من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات (^٤).
وذكر الزبيدي ما قرره السخاوي، وأقره (^٥).
وقال الغزالي: ولم أر في الكتب خبرا مرويا في ترتيب قلم الأظفار، ولكن
_________________
(١) الإحياء مع المغنى ٤/ ٦١ حديث (١). وينظر محاسبة النفس لابن أبي الدنيا/ ص ٩٥ برقم (١١٣).
(٢) الإحياء مع المغنى ٤/ ٢٨٠ حديث (٦).
(٣) الإحياء مع المغنى ١/ ١٤٠ حديث (٨).
(٤) المقاصد الحسنة/ حرف الواو ص ٧٠٤ حديث (١٢٦٤).
(٥) الإتحاف ٢/ ٣٧٥.
[ ٤ / ١٦١٩ ]
سمعت أنه ﷺ، بدأ بمسبحته اليمنى، وختم بإبهامه اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام.
فقال العراقي: لم أجد له أصلا، وقد أنكره أبو عبد الله المازري في الرد على الغزالي، وشنع عليه به (^١) وقد سبق النووي العراقي فذكر انتقاد المازري للغزالي بسبب هذا الحديث، وما يستفاد منه، وأجاب عن الغزالي في بعض ما انتقده به المازري ثم قال: وأما الحديث الذي ذكره، فباطل، لا أصل له (^٢) ثم نقل الحافظ ابن حجر خلاصة كلام النووي وأقره، وأضاف: أنه لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث (^٣).
أما السخاوي فأجاب عن الغزالي بقوله: ولا اعتراض عليه ﵀ فإنه أعلم بأنه لم يجده - يعني الحديث - في الكتب، وإنما سمعه بلاغا، وأتى به مع ذلك بصيغة التمريض.
ثم ذكر قول النووي السابق عن الحديث، وكذا قول العراقي، وعقب عليهما بقوله:
وقد وقفت في مسند الفردوس على حديث أخرجه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: من أراد أن يأمن الفقر، وشكاية العمى والبرص، والجنون، فليقلم أظفاره يوم الخميس بعد العصر، وليبدأ بخنصر اليسرى.
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/ ١٤٦ حديث (٥).
(٢) المجموع للنووي ١/ ٢٨٦.
(٣) فتح الباري - اللباس - باب ٦٣ قص الشارب ١٠/ ٣٤٥.
[ ٤ / ١٦٢٠ ]
ثم قال: وهو واه جدا، مع أن في سنده من لم أعرفه (^١).
وقد ذكر ابن عراق هذا الحديث، وكلام السخاوي عنه، وأقره (^٢).
أما الحافظ الذهبي فأشار إلى الرواية التي ذكرها الغزالي، وأطلق عليها اسم الأثر، ثم قال: هو أثر موضوع (^٣).
لكن ذكر السخاوي للرواية السابقة من حديث أبي هريرة تعقيبا على قول النووي والعراقي السابقين، يدل على أنه اعتبرها استدراكا عليهما، مع تقريره شدة ضعفها.
ومما يؤيد هذا أن العراقي يخرج بعض أحاديث الإحياء، ويحكم عليها بشدة الضعف، أو الوضع، كما سيأتي، ولا يقول: إنه لم يجد لها أصلا (^٤).
وذكر الغزالي: أنه يستحب للحاج أن يضع يده على الرمانة السفلى، التي كان رسول الله ﷺ يضع يده عليها عند الخطبة.
فقال العراقي: لم أقف له على أصل، وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في تاريخ المدينة: أن طول رمانتى المنبر اللتين كان يمسكهما ﷺ بيديه الكريمتين إذا جلس شبر وأُصبعان (^٥).
وقد تعقب الزبيدي العراقي في هذا بقوله: قلت: بل وجدت له أصلا، قال.
_________________
(١) للسخاوى ١/ ٩٣، ٩٤ بتحقيق الأخ الدكتور/ محمد إسحق/ حديث (٢٤).
(٢) تنزيه الشريعة لابن عراق - كتاب اللباس والزينة والطب - ٢/ ٢٨٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٤٢.
(٤) الإحياء مع المغنى ٤/ ٢٦٩، ٢٧٠ حديث (١).
(٥) الإحياء مع المغنى ١/ ٢٦٦ حديث (٢).
[ ٤ / ١٦٢١ ]
ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عبد الله بن (مسلمة) القعنبي، وخالد بن مخلد البجلي قالا: حدثنا أبو عوانة عبد العزيز مولى الهذيل عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط قال: رأيت أناسا من أصحاب رسول الله ﷺ إذا دخلوا المسجد، أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلى القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون. (الحديث) (^١).
والحديث فعلا في طبقات ابن سعد، كما ذكر الزبيدي (^٢).
ويعتبر الزبيدي أكثر من وقفت على تعقب له على العراقي في هذا، سواء بالنقل عن غيره، أو من جهته هو (^٣) وذلك لأنه جعل من منهجه في شرح الإحياء ذكر كلام العراقي على الأحاديث، في تخريجه المختصر هذا أو في غيره.
_________________
(١) الإتحاف ٤/ ٤٢٣.
(٢) طبقات ابن سعد ط دار الشعب بالقاهرة عن الطبعة الأوربية ١/ قسم ٢/¬١٣.
(٣) ينظر الإحياء مع المغنى ١/ ٣٤٢ حديث (٦) مع الإتحاف ٥/ ١٢٧، والإحياء مع المغنى ٣/¬٧ حديث (١) مع الإتحاف ٦/ ٢٨٧، والإحياء مع المغنى ٣/¬٣٥ حديث (١) مع الإتحاف ٧/ ٢٨٣ وشعب الإيمان (٨٣٤٥). والإحياء مع المغنى ٣/ ٨٨ حديث (١) وفي المغنى سقط يعرف من الإتحاف مع التعقب ٧/ ٤٠٩ والحلية لأبي نعيم ٣/ ٣٢٣، والإحياء مع المغنى ٣/ ١٧٢ حديث (٦) مع الإتحاف ٨/¬٢٨، والإحياء مع المغنى ٣/ ٢٤٨ حديث (٦) مع الإتحاف ٨/ ١٩٥ والبخلاء للخطيب ص ٢٤ بتحقيق محمد ابراهيم سليم، والإحياء مع المغني ٣/ ٢٤٩ حديث (٢) مع الإتحاف ٨/ ١٩٦ والبخلاء للخطيب ص ٣٤. والإحياء مع المغنى ٤/ ٢٧٠ حديث (١) مع الإتحاف ٩/ ٥٠٣، والإحياء مع المغنى ٤/ ٢٨٢، ٢٨٣ حديث (٥) مع الإتحاف ٩/ ٥٣٠، والإحياء مع المغنى ٤/ ٤٤٧ حديث (٦) مع الإتحاف ١٠/ ٢٦٢، والإحياء مع المغنى ٤/ ٤٥٨ حديث (١) مع الإتحاف ١٠/ ٤٠٧.
[ ٤ / ١٦٢٢ ]
وذكر الغزالي في الإحياء: أن ميمون بن مهران: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ صاح سلمان الفارسي. ووضع يده على رأسه، وخرج هاربا ثلاثة أيام لا يقدرون عليه.
فقال العراقي: لم أقف له على أصل (^١).
وقد نقل الزبيدي قول العراقي، وأعقبه بذكر قصة أخرى لميمون بن مهران نفسه أنه سمع الحسن البصري يقرأ قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُم مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فسقط ميمون على الأرض وهو يتفحص برجليه كالشاة المذبوحة، وعزا ذلك إلى الحلية (^٢).
أما الرواية التي ذكرها الغزالي عن سلمان الفارسي فلم يذكر الزبيدي عنها شيئا، ولم أجد من تعقب العراقي بذكر أصل لها.
لكني وجدت القرطبي عند تفسيره للآية قال: ويُروى أن سلمان الفارسي ﵁ لما سمع هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فر ثلاثة أيام من الخوف لا يعقل … (الحديث) (^٣)
ولم يعز القرطبي هذه الرواية إلى مصدر، أما السيوطي فقال: أخرج الثعلبي عن سلمان الفارسي، لما سمع قوله تعالى: «وإن جهنم لموعدهم أجمعين» فر ثلاثة أيام هاربا من الخوف، لا يعقل (الحديث) (^٤)
_________________
(١) الإحياء مع المغنى ٤/ ١٨٢ حديث (٢)، والآية من سورة الحجر رقم (٤٢).
(٢) الإتحاف ٩/ ٢٥٥، ٢٥٦.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، سورة الحجر آية (٤٣) جـ ١٠/ ص ٣١.
(٤) لباب النقول للسيوطى/ ١٣١ (سورة الحجر).
[ ٤ / ١٦٢٣ ]
وقد راجعت أكثر من نسخة خطية من تفسير الثعلبي - سورة الحجر - فلم أجد هذه الرواية، وتفسير الثعلبي من المصادر التي خرج العراقي منها بعض الأحاديث في كتابه هذا، فلعل النسخة التي اعتمد عليها منه لم يوجد فيها الحديث، مثل النسختين اللتين رجعت إليهما.
وتعتبر النسخة التي وقف عليها السيوطي أكمل في هذا الموضع من غيرها. وعموما فإن هذه التعقبات التي تعقب العراقي فيها بالنسبة لما لم يتعقب فيه، تعتبر قليلة.
[ ٤ / ١٦٢٤ ]
بيان العراقي لدرجات الأحاديث، وأهميته وموقفه من الغزالي في هذا
يعتبر بيان درجة الحديث من الصحة وغيرها أمرا بالغ الأهمية، ولا سيما في مقام الاستدلال به، وفي عصر الغزالي وما بعده، حيث لم يلتزم الأكثرون في مؤلفاتهم بذكر الأحاديث بكامل إسنادها، وما ذكر فيه الإسناد، لم يعد ذكره كافيا للكثيرين، إلا بمعرفة شروط ممن يذكرون الإسناد، أو بيانهم التفصيلي لدرجات الأحاديث المسندة.
وقد أورد الغزالي في كتاب (الإحياء) آلاف الأحاديث، بقصد الاستدلال
بها على ما تضمنه كتابه من أمور العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، والتصوف، مع ما لابسه من بدع ومخالفات شرعية، خصوصا في عصر الغزالي، وما بعده، حتى عصر العراقي، كما ستأتي بعض الإشارات إلى ذلك.
ورغم ما تمتع به الغزالي في عصره من مكانة علمية كبيرة، فإنه قد عرف أيضا بأنه لم يكن له يد باسطة في علم الحديث (^١).
وجاء في ترجمته أنه سمع الصحيحين (^٢) وبعض سنن أبي داود (^٣)، وطالع الصحيحين.
وقد تكلم في (الإحياء) عن عدد قليل جدا من الأحاديث التي استدل بها، فأشار إلى صحة بعضها، وضعف بعضها، ولكن الغالب ذكره للأحاديث
_________________
(١) تنظر طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين ابن السبكي ٦/ ١٩١، وما بعدها وص ٢٤٩.
(٢) الطبقات ٦/ ٢٠٠، ٢١٤. (٣) الطبقات ٦/ ٢١٢.
(٣) الطبقات ٦/ ٢١٠.
[ ٤ / ١٦٢٥ ]
مجردة عن الإسناد، وقد يذكر صحابي الحديث، وقد لا يذكر لفظ الحديث، ولكن يشير إلى معناه، كما تقدم بيان شيء من ذلك في شرط العراقي في تخريجه هذا.
وقد ظهر لي من صنيع الغزالي خلال كتابه «الإحياء» أنه يعتمد تصحيح البخاري ومسلم، أو أحدهما، أو غيرهما ممن رأى أهليته لذلك. ولكنه أضاف إلى ذلك أمرا آخر، وهو أنه يجيز الحكم بصحة متن الحديث، إذا وجد المعناه محتمل شرعي، ولو لم يوقف له على إسناد مطلقا، أو لم يوقف عليه في أي كتاب من كتب الحديث. ولعل هذا مما جعله يعول كثيرا في نقل الأحاديث التي أوردها في «الإحياء» على مصادر غير حديثية، مثل: «قوت القلوب» لأبي طالب المكني (^١) و«الرسالة» لأبي القاسم القشيري وغيرهما من كتب الصوفية والفقهاء (^٢) ولذلك وقع في الكتاب كثير من الأحاديث التي قرر العراقي وغيره كما تقدم، أنه لا أصل لها، أو لم توجد في كتب الأحاديث بأنواعها، أو وجدت في كتب الموضوعات كما سيأتي. وقد كان هذا محل انتقاد شديد للغزالي كما سيأتي.
وقد وقف الحافظ العراقي من ذلك كله موقف المحدث الناقد المنصف.
فأقر الغزالي على ما يتفق مع القواعد النقدية عند المحدثين، ورد عليه ما يخالفها، بالدليل المعتبر، في هدوء واتزان، وعفة لسان، وذلك مما يجعله أسوة حسنة ينبغي الاقتداء بها لمن بعده من النقاد.
_________________
(١) ينظر شرح الزبيدي للإحياء ٣/ ٢٨١، ٣٧٠، ٣٨٠.
(٢) تنظر طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٦/ ٢٤٧، ٢٤٩.
[ ٤ / ١٦٢٦ ]
ويتضح ذلك من خلال تخريجه وحكمه على ما أورده الغزالي أو أشار إليه من الأحاديث عموما، ومن خلال ما ذكره الغزالي من درجات بعض الأحاديث خصوصا.
فقد قال الغزالي: والدليل على هذا التفصيل، ما روي في الصحيح مفصلا في لفظ الحديث: قال رسول الله ﷺ قالت الملائكة ﵈: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة (الحديث).
فقال العراقي: قال المصنف: هو في الصحيح، وهو كما قال، في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (^١).
وذكر الغزالي أن ابن مسعود ﵁ قال: الغناء ينبت في القلب النفاق (الحديث)، ثم قال: ورفعه بعضهم إلى رسول الله ﷺ وهو غير صحيح.
وقد خرج العراقي الحديث بالعزو إلى أبي داود في رواية ابن العبد من السنن، وإلى البيهقي مرفوعًا، وموقوفًا، وقال العراقي: قال المصنف - يعني الغزالي - والمرفوع غير صحيح، ثم أضاف العراقي قائلا: لأن في إسناده من لم يُسم (^٢).
_________________
(١) ينظر «الإحياء» مع المغني ٣/¬٤١ (١) وأمثلة أخرى في الإحياء مع المغني ١/¬٣٩ (٣) و٢٤٩ (٤) ومع الشرح ٤/ ٢٧٨، والإحياء مع المغني ١/ ٣١٠ مع الشرح ٥/¬٢٣، والإحياء مع المغني ١/ ٣٥٣ (٦) مع الشرح ٥/ ١٥٦. والإحياء مع المغني ٢/¬٤٣ (٥) و٢/ ١١٥ (٢)، (٣) و٢/ ١١٦ (٣)، والإحياء مع المغني ٣/ ٢٨٩ (١) و٤/¬٣٨ (١)، ٤/ ١٤١ (٦)، ٤/ ٥٣١ (١)، (٢).
(٢) ينظر الإحياء مع المغني ٢/ ٢٨٣ (٣) وتنظر السنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ٢٢٣ (كتاب الشهادات) ففيها ذكر الرجل الذي لم يُسم في الرواية المرفوعة.
[ ٤ / ١٦٢٧ ]
فتعليله هذا لعدم صحة الرواية المرفوعة، يفيد إقراره لحكم الغزالي السابق بعدم صحة رواية هذا الحديث مرفوعا (^١).
ومن أمثلة ما خالف العراقي فيه ما قرره الغزالي أنه ذكر الاكتحال في كل عين ثلاثا، وقال: وقد نقل ذلك في الصحيح.
فذكر العراقي ذلك، وعقب عليه بقوله: قلت: هو عند الترمذي وابن ماجه، من حديث ابن عباس، قال الترمذي: حديث حسن (^٢) وبذلك قدم الرد العملي لقول الغزالي: إن ذلك نقل في الصحيح.
وقد حاول شارح الإحياء التماس محمل لقول الغزالي بصحة الحديث المنقول في ذلك، ولكنه محمل غير معتبر (^٣).
وذكر الغزالي حديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، ووصفه بأنه صح في الصحاح من الأخبار، صحة لا يتطرق احتمال إلى متنه، ولا ضعف إلى سنده.
وذكر العراقي أن الغزالي أخذ هذا من قول الإمام الحرمين في كتاب الأساليب له، ثم تعقب ذلك بأن الحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي سعيد، والحاكم من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح الإسناد، وعقب على تصحيح الحاكم بقوله: وليس كذلك،
_________________
(١) وينظر ٣/ ٧٩ (٤) حديث وصف الغزالي حديثا بأنه مرسل، وأقره العراقي.
(٢) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ١٤٧ (١).
(٣) ينظر الإتحاف ٢/ ٤١٥، ٤١٦، وينظر مثال آخر وصفه الغزالي بالصحة، وبين العراقي في التخريج أن بعضه صحيح وبعضه حسن فقط/ الإحياء مع المغني ١/¬٤٥ (١) والشرح ١/.
[ ٤ / ١٦٢٨ ]
ثم قال: وللطبراني من حديث ابن عمر، بسند جيد، وقال عبد الحق: لا يحتج بأسانيدها كلها (^١).
فبين العراقي بذلك من واقع المصادر الحديثية، أن في تصحيح الحديث خلافا، وليس كما جزم الغزالي بنفي تطرق احتمال الضعف إليه، تبعا لمن سبقه إلى ذلك.
وذكر الغزالي صفة خيمة المؤمن في الجنة، وعزاه إلى البخاري في صحيحه، فتعقبه العراقي بقوله: عزاه المصنف للبخاري، وهو متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري (^٢).
وهذا ليس تعقبا في التصحيح، ولكن في الاقتصار في تخريج ما في الصحيحين على العزو ولأحدهما فقط، حيث يفهم منه انفراد أحد الصحيحين به عن الآخر (^٣).
وذكر الغزالي القول بأن حد الغنى المانع من السؤال أربعون درهما، وقال في دليله: لما رواه عطاء بن يسار - منقطعا - أنه قال: من سأل وله أوقية فقد ألحف في السؤال.
فذكر العراقي في تخريجه أن أبا داود والنسائي أخرجا الحديث من رواية عطاء عن رجل من بني أسد، متصلا وليس بمنقطع كما ذكر المصنف؛ لأن الرجل صحابي، فلا يضر عدم تسميته، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن
_________________
(١) ينظر الإحياء مع المغني ٢/ ١١٦ (٢).
(٢) الإحياء مع المغني ٤/ ٥٢٣ (٥).
(٣) وينظر مثال عكس ذلك في الإحياء مع المغني ٢/ ٥٤ (٥).
[ ٤ / ١٦٢٩ ]
حبان من حديث أبي سعيد (^١) ووافقه الشارح (^٢).
فرد العراقي قول الغزالي بأن سند الحديث منقطعًا، وتبعا لذلك رد ما يقتضيه الانقطاع من ضعف الحديث، وأيد ردَّه بالدليل الاصطلاحي، وهو أن إبهام اسم الصحابي لا يضر، كما بين تصحيح ابن حبان للحديث من رواية صحابي آخر وهو أبو سعيد الخدري ﵁.
وقال الغزالي: لما صحَّ قوله ف ﷺ: «المؤمن يَذْبَحُ على اسم الله تعالى، سَمَّى أو لم يُسمّ …»
فقال العراقي في تخريج هذا: قال المصنف: إنه صح، قلت: لا يعرف بهذا اللفظ، فضلًا عن صحته، ثم ذكر ثلاثة أحاديث في الموضوع، بألفاظ أخرى، وبين ضعف كل منها (^٣).
وقد نقل شارح الإحياء عن النووي وابن حجر ما يؤيد قول العراقي هذا في رد ما قرره الغزالي من ورود حديث باللفظ الذي ذكره (^٤)، كما وافق العراقي في نقده هذا للغزالي تاج الدين ابن السبكي (^٥)، وسراج الدين ابن الملقن، قرين العراقي (^٦).
وقال الغزالي أيضًا: «ولم أر في الكتب خبرا مرويا في ترتيب قلم الأظفار،
_________________
(١) الإحياء مع المغني ١/ ٢٣١ (٣).
(٢) الإتحاف ٤/ ١٦٠.
(٣) الإحياء مع المغني ٢/ ١١٦ (٣).
(٤) الإتحاف ٦/ ٦٧ والتلخيص الحبير ٤/ ١٣٧ وفتح الباري ٩/ ٦٣٦.
(٥) طبقات الشافعية ٦/ ٣١٤.
(٦) الخلاصة لابن الملقن ٤/ ٣٧٥ حديث (٢٦٥٢).
[ ٤ / ١٦٣٠ ]
ولكن سمعت أنه في بدأ بمسبحته اليمنى، وختم بإبهامه اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام».
ثم قال: ولما تأملت هذا، خطر لي من المعنى ما يدل على أن الرواية فيه صحيحة، إذ مثل هذا المعنى لا ينكشف ابتداءا إلا بنور النبوة … ثم قال: إذ الشرع يستحب إدارة الطهور وغيره على اليمنى، وبعد سرد الترتيب في قلم الأظفار قال: «وهذه الدقائق في الترتيب تنكشف بنور النبوة، في لحظة واحدة».
وقد قدمت أن العراقي قال عن الحديث المذكور: لم أجد له أصلا، ثم قال: وقد أنكره أبو عبد الله المازري في الرد على الغزالي، وشنع عليه به (^١).
وفي طرح التثريب شرح تقريب الأسانيد، ذكر العراقي أيضا كلام الغزالي السابق عن هذا الحديث، ثم قال: وقد تعقبه في ذلك الإمام أبو عبد الله المازري في كتاب وقفت عليه له، في الرد عليه، وبالغ في هذا المكان في إنكار هذا عليه، وقال: إنه يريد أن يخلط الشريعة بالفلسفة، قال العراقي: «هذا حاصل كلامه، وبالغ في تقبيح ذلك، والأمر في ذلك سهل …» (^٢).
أقول: وكتاب المازري المذكور لم أقف عليه، وكلام العراقي في المغني، وفي طرح التثريب، يفهم من مجموعه أمران: -
الأول: أن ما قرره الغزالي من تجويز تصحيح ما يُنسب إلى الرسول ف على أنه حديث، إذا كان له محمل شرعي، وإن لم يوجد له إسناد، ولا وجد في
_________________
(١) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ١٤٦ (٥).
(٢) طرح التثريب شرح التقريب للعراقي ٢/ ٧٧، ٧٨.
[ ٤ / ١٦٣١ ]
كتاب من كتب الحديث.
فإن العراقي لا يقره على ذلك، وقد تقدم ما يؤيد موقفه هذا أيضًا، حيث ذكر الغزالي عن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ «لم يدع نصيحة جميلة إلا وقد دعاهم إليها، وأمرهم بها».
فقال العراقي في تخريج ذلك: لم أقف له على إسناد، وهو صحيح من حيث الواقع (^١) فبين بذلك أن العبرة ليست بصحة معنى الحديث في الواقع فقط، ولكن لابد من وجود إسناد صحيح بنسبة متن الحديث إلى الرسول ﷺ.
الثاني: يشير العراقي إلى أن الرد على ما يظهر خطؤه مطلوب ممن تأهل لذلك، ولكن بدون قبح ولا تشدد.
وليس قوله: «إن الأمر في ذلك سهل» موجهه إلى مسألة التصحيح بدون إسناد؛ لأن رده على ذلك صرح به في بداية كلامه، بوضوح هادئ؛ ولكن مراده أن ما التمسه الغزالي من وجه مشروع لترتيب تقليم أظافر اليدين، أمر مناسب في عمومه، وبالتالي لا ينبغي توجيه النقد القبيح إليه، بل يكتفي ببيان: الخطأ وتصويبه بأسلوب عفيف وواضح.
ويؤيد ذلك ما قرره الإمام النووي قبل العراقي، فقد ذكر النووي أن المازري: ذكر في إنكاره على الغزالي كلاما لا أوثر ذكره - يعني لقبحه كما وصفه العراقي بعد اطلاعه عليه كما قدمت - ثم قال النووي: والمقصود أن الذي ذكره الغزالي لا بأس به، إلا في تأخير إبهام اليمني، فلا يقبل قوله فيه؛ بل يقدم اليمنى بكمالها، ثم يشرع في اليسرى، وأما الحديث الذي ذكره،
_________________
(١) وينظر «المغني ومعه الإحياء» ٢/ ٣٥٣ (٣) والاتحاف ٢/ ٤١١.
[ ٤ / ١٦٣٢ ]
فباطل لا أصل له (^١).
فاتفق بذلك النووي والعراقي على رد الخطأ، وبيان الصواب، وتجنب القبح والشدة في ذلك.
وهذا هو المشلك الأمثل للنقد العلمى الأمثل، والذي ينبغي لنا التأسى فيه بكل من الإمام النووي، والحافظ العراقي - رحمهما الله.
وقول العراقي في طرح التثريب: إنه لم يثبت في كيفية تقليم الأظفار حديث يُعمل به (^٢).
لا يعارضه ما تعقبه به السخاوي بذكر حديث واه في ذلك، كما قدمت، لأنه ليس مما يعمل به على الراجح (^٣).
وفي مبحث معجزاته، وآيات صدقه ﷺ.
قال الغزالي: فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار، واشتملت عليه الكتب الصحيحة: … ثم ذكر في هذا المبحث زيادة على أربعين حديثا بعضها باللفظ، وبعضها بالمعنى.
وقد قام العراقي بتخريجها، مبينا ما هو مخرج منها في الصحيحين أو أحدهما، وما هو مخرج عند غيرهما بسند صحيح، أو جيد، وهذا أكثرها، كما بين أن بعض ما ذكره الغزالي ضعيف، أو ضعيف جدا، وهذا أقلها (^٤).
_________________
(١) المجموع شرح المهذب للنووى ١/ ٢٨٦.
(٢) طرح التثريب ٢/ ٧٧، ٧٨.
(٣) وانظر الفتح ١٠/ ٣٤٥ والأجوبة المرضية للسخاوى سؤال (٢٤).
(٤) ينظر «الإحياء مع المغني» ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٨.
[ ٤ / ١٦٣٣ ]
فكان هذا نقدا عمليا مفصلا لحكم الغزالي العام بالصحة على كل ما أورده في هذا الموضوع.
وعموما فإن الأحاديث التي وصفها الغزالي بالصحة أو عدم الصحة، قليلة جدا بالنسبة لمجموع الآلاف التي أوردها دون بيان لِدَرَجَاتِها، ولا عزوها إلى مصدر يمكن مراجعتها فيه، وإن كان قد عُرف بالاستقراء إكثاره النقل من كتاب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي، ولا يعني فيه أبو طالب بذكر أسانيد الأحاديث التي يوردها، مع كونه من المتقدمين.
ولهذا، كانت حاجة كتاب (الإحياء) إلى تخريج أحاديثه عموما وبيان درجاتها، أمرا ضروريا، وكان أول من عرف قيامه بهذا هو الحافظ العراقي، كما قدمت.
وكما جعل العراقي من منهجه في هذا التخريج، بيان ما لا أصل له من أحاديث «الإحياء» كما قدمت، فإنه قد جعل من منهجه أيضا بيان درجات الأحاديث التي وجد لها مصادر أصلية أو فرعية.
فقال في مقدمة الكتاب، وهو يبين العناصر العامة لمنهجه: «فاقتصرت على ذكر طرف الحديث، وصحابيه، ومخرجه، وبيان صحته أو حسنه، أو ضعف مخرجه؛ فإن ذلك هو المقصود الأعظم عند أبناء الآخرة؛ بل وعند كثير من المحدثين، عند المذاكرة والمناظرة (^١) والمقصود بأبناء الآخرة هم الذين آثروا ثوابها على غيره، من حظوظ الدنيا مهما عظمت».
وفيما ذكره العراقي كما ترى - تقرير اصطلاح هام في علم تخريج
_________________
(١) ينظر المغني ١/¬٨.
[ ٤ / ١٦٣٤ ]
الأحاديث، وهو أن بيان درجات الأحاديث، وخاصة عند تخريجها بالعزو فقط إلى المصادر، دون ذكر الأسانيد، يعتبر مقصدا عظيما لمن يحتاج الحديث المخرج للاستدلال، أو للاطلاع والمعرفة.
وبالتالي يكون على من يتصدى لتخريج الحديث، وخاصة بدون ذكر شيء من أسانيده، أن يعوض القارئ عن الإسناد بذكر درجة الحديث، باعتبار ما يتيسر له من أسانيده، سواء ذكرها أم لم يذكرها.
وقد أشار العراقي أيضا بمثل هذا على رفيقه الحافظ الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد (^١).
لكن هذا مشروط بأن يكون المتصدي للتخريج متأهلا تأهيلا كافيا لمهمة الحكم هذه، كما هو الحال بالنسبة للحافظ العراقي.
ومن لم تكن لديه الأهلية الكافية فليتق الله ﷿ في سنة رسوله ﷺ ويقف عند مبلغ علمه، ولو كان عزو الحديث إلى موضعه من مصادره، وإن وجد كلاما عن درجته لأهل العلم المعتبرين ذكره معزوا إلى قائله، ولا يتجاسر على خطورة الحكم بغير علم، لما يترتب على ذلك من إدخاله في السنة ما ليس منها، أو إخراجه ما هو منها.
بل إني وجدت العراقي نفسه خلال هذا التخريج قد اقتصر على عزو كثير من الأحاديث إلى ما توافر له من مصادرها الخالية من بيان الدرجة، ولا يبين هو أيضا درجاتها من الصحة أو غيرها، وقد يكون ما يعزو إليه الحديث بعض المصادر المشهورة، والتي بين في مواضع أخرى درجة ما عزاه إليها، مثل: سنن
_________________
(١) ينظر مجموع الزوائد ١/¬٧.
[ ٤ / ١٦٣٥ ]
أبي داود (^١)، والنسائي وابن ماجه (^٢)، وقد يكون ما لم يبين درجته قد بينها رفيقه الهيثمي (^٣).
فلعل العراقي لم يتيسر له حينذاك مراجعة ما يحتاجه الحكم من كتب الرجال وغيرها. وقد يتابعه الشارح على عدم بيان الدرجة أيضا (^٤)، ولم أجد في النسخ الخطية الموثقة لهذا التخريج التي أتيحت مراجعتها بياضا متروكا في تلك المواضع التي لم يُذكر فيها بيان درجة الحديث، بحيث يستفاد من ذلك أن العراقي كان ينوى بيان الدرجة في وقت لاحق، كما يلاحظ أنه لم ينبه على ذلك في المقدمة، ولعل ذلك لكون ما لم يبين درجته يعتبر قليلا بجانب ما بين درجته، كما يلاحظ ذلك من يراجع الكتاب بأكمله.
ولما يسر الله تعالى لي قراءة هذا التخريج كله تبين لي أن ما ذكره العراقي في مقدمة الكتاب عن بيانه لدرجات الأحاديث، يعتبر مجملا كما هو شأن المقدمات، فذكر أصل التقسيم العام لدرجات الأحاديث حسبما استقر عليه الاصطلاح، وهو الصحة والحسن والضعف، في حين نجده خلال التخريج يصف بعض الأحاديث بأن إسنادها جيد (^٥) ويصف بعضا آخر بأن رجاله ثقات، أو رجاله رجال الصحيح، ويصف كثيرا من الأحاديث بأنها موضوعة، أو
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/¬١٢ (٩)، ٢٤٣، (٢).
(٢) المغني مع الإحياء ١/ ٢٤٢ (٢).
(٣) المغني مع الإحياء ١/¬١٣ (١٣) ومجمع الزوائد ١/ ١٢٢.
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٤٤ (٥) مع الاتحاف ٤/ ٢٥٧.
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٦٥ (٢) و٦٧ (١) و١١٩ (٤) و١٤٢ (٤) و١٤٩ (١) و١٨٤ (٣) وغير ذلك كثير.
[ ٤ / ١٦٣٦ ]
ذُكرت في بعض كتب الأحاديث الموضوعة، أو يُذكر أنها ضعيفة جدا، أو يبيّن بعض علل الحديث الدقيقة مثل تعارض الرفع والوقف، والوصل والإرسال، كما يبين أحوال كثير من الرواة، ويذكر إضافات علمية أخرى من القواعد الاصطلاحية والنقدية التي توضح درجات الأحاديث المقبولة أو المعلولة، بحيث يظهر من خلال ذلك شخصيته العلمية البارزة، وإمامته في الصناعة الحديثية، وجمعه في ذلك بين تقرير قواعد المنهج النقدى للمحدثين، وتطبيقه في تمييز المقبول من المردود، بما له من خبرة مشهودة واطلاع واسع، وإنصاف في التعويل على أئمة الرواية والدراية حتى عصره، مع التعقب المهذب في موضعه، وستأتي أمثلة لذلك كله خلال العرض الآتي لتفصيل منهجه في بيان درجات الأحاديث.
وسيَتَّضِح منه أن صنيع العراقي هذا يعتبر غربلة عملية لآلاف الأحاديث التي اشتمل عليها كتاب «الإحياء» ولم تبيَّن درجات أكثرها في مصادره، كما طالت أسانيد الكثير منها فامتدت إلى القرن الخامس الهجري.
وتضمن أيضا التوضيح التفصيلي لكل ما وجّه إلى أحاديث الكتاب من انتقادات عامة أو خاصة.
وتمثل فيه موقف العراقي الحاسم في مواجهة من زيَّن له هواه الابتداع في أمور الدين، فراح يخلط حقائقه بأباطيل مبتدعة، مروجا لها بأحاديث بعضها مكذوب على صاحب الشرع ف، وبعضها شديد الضعف، وبعضها لم يوجد له أصل في دواوين السنة، بعد البحث والتقصى، كما تقدم.
وقد تنوعت طريقة العراقي في بيانه لدرجات الأحاديث التي وجد لها.
[ ٤ / ١٦٣٧ ]
مصدرا، وهي أغلب أحاديث الكتاب، بحيث يطول سرد تفاصيلها، والمادة العلمية التي جمعتها في ذلك تحتمل دراسة مستقلة، لكن الذي يتحقق به المقصود هنا، هو إجمال عناصر طريقة العراقي في بيان درجات الأحاديث، وذكر بعض النماذج، والمقارنات، والنقد في موضعه، بحيث يتوافر للقارئ تصور عام لجهد العراقي في هذا، بما له، وما عليه.
وذلك على النحو التالي: -
١ - جعله العزو إلى المصدر المخرج منه الحديث، بمثابة البيان لدرجته، وذلك بالنسبة للكتب التي اشترطت الصحة، أو كانت من مصادر الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
فإذا عزا الحديث إلى البخاري أو مسلم عزوا مطلقا، كقوله: «حديث: لما توفي عثمان بن مظعون قالت أم سلمة: هنيئا لك الجنة (الحديث)، البخاري من حديث أم العلاء الأنصارية … (^١)».
وقوله: حديث: دُعَاءُ الرجل الفارسي فقال: أنا وعائشة (الحديث) مسلم من حديث أنس (^٢). فيعتبر هذا بيانا منه لدرجة الحديث وهي الصحة تبعا لشرط البخاري أو مسلم، كما هو معروف. فإن كان الحديث في الصحيحين من رواية صحابي واحد أو أكثر، قال: متفق عليه من حديث فلان أو متفق عليه من حديث فلان وفلان يعني صحابي الحديث (^٣).
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٦٦ (٥).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ١١٩ (٥).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬١٢ (١٠) و١٧ (٣) و٤٤ (٣) و١١٩ (١)، و٢/ ٨٠ (٢)، (٣) و٨٢ (٥).
[ ٤ / ١٦٣٨ ]
وَقد يعزو الحديث إليهما عن صحابي واحد، ولا يقول: إنه متفق عليه (^١).
وقد يقول: أخرجاه من حديث فلان، إشارة إلى الشيخين، دون تقدم ذكرهما في موضع قريب، يوضح عائد الضمير (^٢) وعندما يكون الحديث عند كل منهما عن صحابي يبين ذلك (^٣) ويميز في العزو إلى الصحيحين، بين الموصول الإسناد، وبين المعلَّق (^٤) وقد يميز التعليق المجزوم من غيره (^٥).
وسيأتي أن التعليق نوع من الانقطاع في الإسناد يقتضي الضعف، وينجبر بوجود الرواية الموصولة، فلذلك عنى العراقي بتمييز المعلق عن الموصول.
ويكتفي العراقي أيضًا بالعزو إلى ابن حبان في صحيحه، تارة بالعزو المطلق كقوله: «لابن حبان …» وتارة بالتقييد كقوله: «ابن حبان في صحيحه»، وسواء عزا إليه وحده (^٦) أو ذكر معه غيره ممن خرج الحديث، ولم يشترط الصحة، كأبي داود والنسائي، في سننهما وأحمد في مسنده، وغيرهم (^٧) وقد يذكره مع غيره ممن اشترط الصحة (^٨) وقد يتعقب تصحيحه (^٩).
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/ ٥٧ (١).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٣٩ (٢) و٢١٠ (٢) و٢٤٥ (٣).
(٣) المغني مع الإحياء ١/¬٤٢ (٢)، (٣) و٩٨ (١) و١٤٩ (٣) و١٥٢ (٤) و١٥٩ (١) و١٦١ (٢) و١٦٣ (٤).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٢٢ (٤) و١٨٢ (٤) و٢٢٦ (٣).
(٥) المغني مع الإحياء ١/ ١٣٨ (٥).
(٦) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٦٨ (٤) و٧٠ (٣) و١٠٥ (١) و٣١٤ (٦).
(٧) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٩٧ (٢) و١٦٧ (١) و٢١٣ (٣) و٢٤٧ (٣) و٣٥٠ (٢) و٣/ ٣٠٥ (٢).
(٨) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٩١ (٥) و٢٠٢ (٢) و٢١٨ (٣) و٢٤٧ (٦).
(٩) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٢٢ (٥) والإحسان لابن بلبان ٨/ حديث (٣٣٠٩) =
[ ٤ / ١٦٣٩ ]
ويعزو أيضا لابن خزيمة (^١) وقد يتعقبه في تصحيحه (^٢).
ويعزو أيضا إلى المختارة للضياء المقدسي وهي مما اشترط فيه الصحة، كما هو معروف (^٣) وإلى بعض المستخرجات على الصحيحين مثل المستخرج على صحيح البخاري للإسماعيلي (^٤).
والمستخرج على صحيح البخاري أيضا لعمر بن محمد البجيري (^٥).
وأيضا قد يشير العراقي إلى ضعف الحديث، أو وضعه بالعزو إلى بعض المصادر التي تبين ذلك.
مثل عزوه الحديث إلى ابن حبان في الضعفاء (^٦).
أو ابن عدي وابن حبان في الضعفاء (^٧) أو العقيلي في الضعفاء (^٨) أو العقيلي في الضعفاء، وابن الجوزي في الموضوعات (^٩) أو ابن الجوزي وحده في
_________________
(١) = والمقاصد الحسنة للسخاوى حديث (٦١٨).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٨٠ (٣) و٢/ ٣٧٣ (٤).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٩٤ (٦).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٤٣ (٢) مع الشرح ٧/ ٥٤٣ - ٥٤٤.
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٤ (٤).
(٦) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠ (٧) وقد طبعت قطعة من هذا المستخرج بتحقيق الأخ الدكتور/ محمد بن بكر عابد، وتفضل مشكورا بإهدائي نسخة منها.
(٧) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٣٨ (٦).
(٨) المغني مع الإحياء ١/ ١٢٨ (٥).
(٩) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٣٣ (١).
(١٠) المغني مع الإحياء ١/ ٧٤ (٢) و٢/ ١٤١ (١).
[ ٤ / ١٦٤٠ ]
الموضوعات (^١) أو أبو الفتح الأزدي (^٢).
وقد أخذ السيوطي في جامعه الكبير بطريقة الإشارة هذه إلى درجة الحديث، بالعزو إلى عدد من المصادر في الصحة، أو في الضعف، (^٣) لكن اكتفاء العراقي في بيان الدرجة بالعزو إلى بعض المصادر بدلا من التصريح بها، يعتبر قليلا جدا بالمقارنة بما صرح بدرجته كما سيأتي.
٢ - التصريح بدرجة الحديث أو ما يدل عليها.
يعتبر بيان العراقي لدرجات الأحاديث تصريحا، هو الغالب في كتابه هذا، وتصريحه تارة يكون بالنقل عن غيره من العلماء حتى عصره، سواء مع الإقرار لهم على حكمهم، حيث ينقله ولا يتعقبه بشيء، أو ينقله، ثم يتعقبه بما يظهر له هو، فتتضح لنا بذلك شخصيته الحديثية، وأنه ليس مجرد ناقل ومردد لأحكام غيره.
وتارة يبين درجة الحديث دون تصريح بالعزو لغيره، وتارة يذكر ما يدل على على درجة الحديث في الجملة، وإن لم يصرح بها. وسيتضح ذلك كله مما سيأتي من الأمثلة والإحالات التي بالحواشى منعا للتطويل.
أ - النقل عن غيره مع الإقرار أو التعقب:
وفي نقل العراقي عن غيره يهتم بنقل ما يذكره من أخرج الحديث المطلوب،
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬١٦ (٣) و٦٨ (١) مع تنزيه الشريعة ١/ ٢٦٩ والأسرار المرفوعة للقارى/ ٣٦٣.
(٢) المغني مع الإحياء ١/ ٢٤٤ (٣) والإتحاف ٤/ ٢٥٦.
(٣) تنظر مقدمة كنز العمال للمتقي الهندي ١/¬٩، ١٠.
[ ٤ / ١٦٤١ ]
مثل أبي داود (^١) والنسائي والترمذي (^٢) وقد أكثر النقل عنه كما سيأتي، والعقيلي (^٣) وابن عدي (^٤) والبيهقي (^٥) وابن الجوزي (^٦) وغيرهم.
وهذا يدلنا دلالة عملية على أن من مطالب تخريج الحديث من مصدره، أن يذكر المخرج ما يجده في مصدر الحديث، من بيان صريح لدرجة الحديث، أو ما يدل على الدرجة، عازيا ذلك إلى المصدر المخرج منه؛ لأن اقتران بيان الدرجة بالحديث في مصدره، له أهمية لا تخفي ومما يؤيد هذا، تعقب المناوي في الفيض، للسيوطي في عدة مواضع لم يذكر فيها ما وجد في المصدر الذي عزا إليه الحديث، من بيان أو إشارة إلى درجة الحديث (^٧).
وإذا كان من أخرج الحديث جعل من منهجه بيان درجات الأحاديث التي يخرجها، ثم أخرج بعض الأحاديث وسكت عن بيان درجتها، فإن العراقي قد ينبه على سكوته، ثم يتصدى هو لبيان درجة ما سكت عنه هذا الحديث، وقد لا ينبه على هذا السكوت، ولكن يكتفي ببيان درجة المسكوت عنه، كما سيأتي.
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٨٥ (٥) و٢/¬١٤ (٢) و٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠ (١١) مع السنن لأبي داود ٤ حديث (٣٧٤٨).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٧٦ (٤)، ١/ ٣٢٧ (٨) مع السنن الكبرى ٦/ ح ٩٨٤٣، ١٠٤٠٧ والمغني مع الإحياء ٢/¬٥ (٦).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٩١ (٨).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢١٢ (٦) و٣/¬٢٧ (٣).
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬١٥ (٥) و٢/ ٢١٨ (٢)، ٣/¬٧ (٢).
(٦) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٤٩ (٦) و٢/¬١٢ (١).
(٧) ينظر فيض القدير للمناوى ومعه الجامع الصغير للسيوطي ١/ ٧٢، ٨١، ٨٧، ١١٥، ١٤١ وغيرها.
[ ٤ / ١٦٤٢ ]
أيضا لما كان أبو داود له اصطلاح فيما سكت عن تضعيفه، فقد عني العراقي بذكر سكوته، وبيان دلالته عنده (^١) أو تعقبه بما ذكره غيره من النقاد (^٢).
والعراقي في نقله بيان الدرجة عن غيره، تارة يكتفي بنقل قول الغير دون تعقب، ومقتضاه إقراره من نقل عنه؛ لأنه نقل عنه في مقام الاحتجاج (^٣).
غير أنه قد ينقل حكمين مختلفين على حديث واحد، دون تعقب (^٤) ففي مثل هذه الحالة، يمكن القول: بأنه لم يترجح للعراقي شيء في هذا الاختلاف. وقد يتعقب العراقي ما ينقله عن غيره في بيان الدرجة، ولو كان هذا الغير قد أخرج الحديث بسنده، كما سيأتي بالنسبة للترمذي والحاكم، وقد يكون تعقبه بذكر قول آخر لغيره، وقد يذكر التعقب من جانبه هو دون عزو لغيره. ومما يوضح بيان العراقي لدرجة الحديث بالنقل ذكر بعض الأمثلة لمن أكثر النقل عنهم كما يلي: -
نقله عن الترمذي، وموقفه منه:
فمن أكثر النقل عنه الإمام الترمذي خاصة عند تخريجه الحديث من جامعه المعروف (بالسنن). ولما كانت نسخ الجامع - كغيرها من النسخ الخطية للكتب - تختلف في كلام الترمذي عن درجة بعض الأحاديث، فإن العراقي
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٢٤ (١).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٤/¬١٧ (١) حديث من حفظ آية أو سورة من القرآن ثم نسيها. و٤/ ٢٠٥ (١).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٨٥ (٣) مع فيض القدير للمناوي ١/ ٤٨١ - ٤٨٢ حديث (٢٣٦٣)، والمغني مع الإحياء ٢/ ٦٣ (٦) مع الفيض ٢/ حديث (١٨٦٣).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٩ (٣).
[ ٤ / ١٦٤٣ ]
حرص في نقله لحكم الترمذي على الحديث، أن يراجع أكثر من نسخة خطية للجامع، فيما يراه بحاجة إلى ذلك.
ففي حديث: «إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض … ليصلون على معلم الناس الخير» عزاه العراقي إلى الترمذي في السنن، من حديث أبي أمامة، وذكر أن الترمذي قال عنه: غريب، ثم قال: وفي نسخة: حسن صحيح (^١).
وبمراجعة نسخ الجامع المطبوعة حاليا نجدها مختلفة، منها ما ذكر «غريب» فقط كما في النسخة الأولى عند العراقي، وأكثرها ذكر فيه «حسن صحيح غريب» (^٢).
ونقل الزبيدي عن العراقي الاقتصار على قول واحد للترمذي بلفظ «حسن غريب صحيح» (^٣).
فلعل هذا ما اقتصر عليه في التخريج الكبير؛ لأن الزبيدي ينقل منه، مع التخريج الصغير، كما تقدم، ولكنه تارة يميز المنقول من الكبير عن المنقول من الصغير وتارة لا يميز، ونقله هذا يختلف بالتقديم والتأخير فقط مع أكثر النسخ المطبوعة حاليا، كما أسلفت، فلعل هذه نسخة ثالثة، رجع إليها العراقي عند اشتغاله بالتخريج الكبير.
وقد أقر العراقي حكم الترمذي بتصحيح الحديث كما ترى، حيث لم يتعقبه بشيء.
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/¬١٧ (٧).
(٢) ينظر جامع الترمذي - أبواب العلم - فضل العلم على العبادة حديث (٢٦٨٥) مع حاشية التحقيق - للدكتور بشار عواد.
(٣) الإتحاف ١/ ١١٠.
[ ٤ / ١٦٤٤ ]
وأقره أيضا في مواضع أخرى على التحسين (^١) أو التضعيف (^٢)، وقد لاحظت أن إقراره لأحكام الترمذي هو بالأكثر.
ولكنه في مواضع غير قليلة أيضا كانت له مواقف نقدية لحكم الترمذي، حيث يذكر حكمه على الحديث ثم يتعقبه بما يظهر له.
ففي حديث عبد الله بن مغفل: «أن عامة الوسواس من البول في المغتسل» عزاه لأصحاب السنن، وقال: قال الترمذي: غريب.
ثم عقب على ذلك بقوله: قلت: وإسناده صحيح (^٣).
وقد أقره شارح الإحياء على ذلك (^٤).
ووجه التعقب هنا أن كلام الترمذي عقب الحديث: «هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث أشعث بن عبد الله، ويقال له: الأشعث الأعمى (^٥)»، فقرر غرابة رفع الحديث؛ لتفرد أشعث به، ولم يحكم بصحة ولا بغيرها، مع تلك الغرابة.
لكن أشار العقيلي إلى ضعف الحديث مرفوعا من طريق أشعث هذا، حيث وصفه بأن في حديثه وهما، وذكر له الحديث المذكور من طريق معمر عن الأشعث عن الحسن عن عبد الله بن مغفل، وهي طريق الترمذي. ثم ذكر
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٢٥ (٥).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٠٢ (٣).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٣٦ (٤).
(٤) ينظر الإتحاف ٢/ ٣٣٨.
(٥) جامع الترمذي - أبواب الطهارة - ما جاء في كراهية البول في المغتسل ١/ حديث (٢١).
[ ٤ / ١٦٤٥ ]
للحديث طريقا أخرى موقوفة، من رواية شعبة عن قتادة، عن عقبة بن صهبان عن ابن مغفل، وَرَجَّحها على المرفوعة السابقة (^١).
فاقتضى ذلك تقريره ضعف رواية أشعث المرفوعة.
في حين نجد العراقي حكم بصحة إسناد تلك الرواية كما تقدم، وقد سبقه إلى ذلك ابن حبان (^٢) والحاكم، ووافقه الذهبي (^٣) ولكنه لم يعز الحديث، ولا تصحيح إسناده لأى منهم.
وتصحيح ابن حبان والحاكم للحديث دون تعقب من غيرهما، يفيد اتصال رواية الحسن للحديث، وإن كانت بالعنعنة.
وفي حديث: (من قال حين يصبح: رضيت بالله ربا) ذكر العراقي ضمن تخريجه، عزوه للترمذي من حديث ثوبان، وقال: «وحَسَّنه» وعقب على ذلك بقوله: وفيه نظر، ففيه (سعيد) بن المرزبان، ضعيف جدا (^٤)، وقد أقره شارح الإحياء على هذا التعقب مع التنبيه على أن لفظ الترمذي: من قال حين «يمسي …» بدل «يصبح» وهو كذلك فعلا في المطبوع حاليا من جامع الترمذي، فكان الأولى بالعراقي التنبيه على هذا الفرق المهم، كما يفعل في مواضع أخرى كثيرة، وسيأتي بعضها. والحديث أخرجه الترمذي من طريق سعيد بن المرزبان، وقال: حسن غريب من هذا الوجه (^٥).
_________________
(١) ينظر الضعفاء للعقيلي ١/¬٢٩.
(٢) ينظر الإحسان لابن بلبان/ حديث (١٢٥٥).
(٣) ينظر المستدرك مع تلخيص الذهبي ١/ ١٦٧.
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٩ (٣).
(٥) جامع الترمذي - الدعوات - حديث رقم (٣٣٨٩).
[ ٤ / ١٦٤٦ ]
وبمراجعة مجموع الأقوال في حال سعيد هذا، نجد غالبها يلتقي مع ما قرره العراقي في خلاصة حاله، وهو أنه «ضعيف جدا»، كما أنه وصف بالتدليس القادح في اتصال الإسناد (^١).
وعليه يكون تعقب العراقي للترمذي هنا في محله (^٢).
وقد يكون ما تعقب العراقي به الترمذي أصله لغيره ممن سبقه، ولكنه لا يعزوه إليه.
فقد ذكر حديث أبي سعيد الخدري: من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم (الحديث) وعزاه إلى الترمذي، وذكر قوله عنه: «غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن الوليد الوصافي»، ثم تعقبه العراقي بقوله: قلت: الوصافي وإن كان ضعيف، فقد تابعه عليه (عصام ابن قدامة) وهو ثقة، رواه البخاري في التاريخ، دون قوله: «حين يأوى إلى فراشه» ودون قوله: «ثلاث مرات» (^٣) وقد تابعه شارح الإحياء في هذا (^٤).
وعندما نرجع إلى «الترغيب والترهيب» للمنذري، نجد أن ما تعقب العراقي به الترمذي هو نفسه تعقب المنذري، مع اختلاف يسير (^٥)؛ لكن تفصيل العراقي لفرق رواية البخاري في التاريخ، أشار إليه المنذري فقط؛ حيث ذكر: إن
_________________
(١) ينظر التهذيب ٤/ ترجمة (١٣٧) وطبقات المدلسين لابن حجر بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور / عاصم القريوتي/ ترجمة (١٣٧).
(٢) وينظر تعقب له أيضا في المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٠ (٤).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٠ (٣).
(٤) ينظر الاتحاف ٥/ ٥٧.
(٥) ينظر الترغيب والترهيب للمنذري ١/ ٣٠٧ (حديث ٩٠٠) ط دار الحديث بالقاهرة.
[ ٤ / ١٦٤٧ ]
رواية البخاري في التاريخ، بنحو رواية الترمذي، أما المزى فذكر رواية الترمذي وحكمه بالغرابة، ثم قال: رواه البخاري عن عثمان بن هارون، عن عصام بن قدامة عن عطية (^١)، فأطلق العزو إلى البخاري، ولم يقيده بكونه في التاريخ، كما أنه ليس مقصوده العزو إلى الصحيح. وعند مراجعة الحديث في جامع الترمذي نجده عنده عن صالح ابن عبد الله عن أبي معاوية عن الوصافي عن عطية (يعني ابن سعد العوفي) عن أبي سعيد، به.
واختلفت نسخ الترمذي في درجته ففي بعضها «حسن غريب لا تعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الوصافي، عبيد الله بن الوليد».
وفي بعضها كما ذكر العراقي، والمنذري، بلفظ الغرابة فقط دون «التحسين» وكذا البغوي في شرح السنة، والمزي في التحفة (^٢)، وهو المناسب لحال الإسناد، كما سيأتي. ومن عزو المنذري والعراقي إلى التاريخ مطلقا، يفهم أن المراد: «التاريخ الكبير» للبخارى، لكني لم أقف على الحديث في مظنته منه، ولا في مظنته من تاريخه في طبعتيه: المعنونة «بالتاريخ الصغير» والمعنونة «بالأوسط». مع أن نقل كل من المنذري، والمزي، والعراقي، لتفاصيل الرواية يشعر باطلاعهم عليها عند البخاري، فلعلها كانت فيما رجعوا إليه من نسخ التاريخ الخطية.
ونعم أخرج البخاري في التاريخ الكبير المطبوع حاليا، عن موسى (يعني ابن
_________________
(١) تحفة الأشراف ٣/ ٤٢٠ حديث (٤٢١٤).
(٢) ينظر جامع الترمذي - الدعوات - حديث (٣٣٩٧) د/ بشار عواد. مع حاشيته وشرح السنة للبغوي ٥/ حديث (١٣٢٠) والتحفة للمزي ٣/ ٤٢٠ حديث (٤٢١٤).
[ ٤ / ١٦٤٨ ]
إسماعيل) عن حفص بن عُمَر الشُّنّى قال: حدثني أبي، عُمَر بن مرة، سمعت بلال بن يسار بن زيد، قال: حدثني أبي عن جدي سمع النبي ﷺ: من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحى القيوم، وأتوب إليه، غُفِر له (^١) وهذا اللفظ مُقارب لما ذكره العراقي، لكنه كما ترى ليس من حديث أبي سعيد الخدري، ولا في سنده أحد من رواة الطريقين السابقين إليه، بل حديث البخاري هذا من طريق آخر عن صحابي آخر وهو زيد، مولى رسول الله ﷺ، فلا تتحقق به المتابعة المقصودة.
ولو كان هذا الحديث هو مقصود المنذري ومن بعده، لكان عزوه إلى الترمذي أيضًا أولى بدلًا من تاريخ البخاري؛ لأن الترمذي أخرجه عن البخاري، به، مع زيادة في آخره، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٢).
وعلى كل فوجه تعقب الترمذي حسب ما عزاه إليه كل من المنذري ومن بعده المزي والعراقي: أنه حكم بتفرد «الوصافي» بالحديث من هذا الطريق، فأشار بذلك إلى ضعفه الحال الوصافي المنفرد به. فأراد الثلاثة تعقبه بدفع تفرد الوصافي بأصل الحديث، لأنه قد تابعه عليه ثقة وهو عصام بن قدامة (^٣)، فانجبر بذلك تضعيف الحديث من جهة الوصافي.
لكن بقي أن عصام بن قدامة قد تابع الوصافي على رواية الحديث عن عطية العوفي، كما صرح به المزي فيما قدمته، وعطية العوفي كما لخص ابن حجر
_________________
(١) ينظر تاريخ البخاري الكبير ٣/ ترجمة (١٢٧٦).
(٢) ينظر جامع الترمذي - الدعوات - حديث رقم (٣٥٧٧).
(٣) ينظر تهذيب التهذيب ٧/ ترجمة (٣٧٤) والكاشف ٢/ ترجمة (٣٧٩٢).
[ ٤ / ١٦٤٩ ]
حاله في التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيا مدلسا (^١). وفي طبقات المدلسين قال الحافظ: ضعيف الحفظ، مشهور بالتدليس القبيح (^٢) فما زال الحديث لأجله ضعيفًا من حديث أبي سعيد.
وبذلك يكون الترمذي متعقبا في حكمه على الحديث بالحسن مع الغرابة حسب بعض نسخ الجامع كما تقدم، ومتعقبا في الحكم بالغرابة من جهة الوصافي.
ويمكن أن يشهد لأصل الحديث رواية زيد مولى رسول الله ﷺ التي قدمتها، وفي إسنادها أيضا ضعف، أشار إليه الترمذي بالوصف بالغرابة فقط، كما تقدم (^٣).
وذكر العراقي حديث أبي موسى الأشعري في تحريم لبس الحرير والذهب على الذكور من المسلمين، دون إناثهم، وعزاه إلى النسائي، والترمذي، وقال: إنه صححه، ثم عقب على ذلك بقوله: قلت: والظاهر انقطاعه بين سعيد بن أبي هند، وأبي موسى، فأدخل أحمد - يعني ابن حنبل - بينهما رجلا لم يسم (^٤).
والحديث أخرجه الترمذي من طريق سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري، وذكر أن في الباب عن عمر وعلى … وذكر جماعة من الصحابة، ثم
_________________
(١) التقريب ترجمة (٤٦١٦).
(٢) طبقات المدلسين/ ص ١٣٠.
(٣) وينظر التعليق على الحديث بهامش جامع الترمذي ٥/ حديث (٣٥٧٧) حاشية (٣).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ٢/¬١٦ (٢) ومسند أحمد ٤/ ٣٩٢، ٣٩٣.
[ ٤ / ١٦٥٠ ]
قال: وحديث أبي موسى، حديث حسن صحيح (^١).
وهذا التعقب من العراقي بتقريره انقطاع إسناد الرواية التي صححها الترمذي، قد وافقه عليه رفيقيه: الزيلعي (^٢) وابن الملقن (^٣) والحافظ ابن حجر تلميذ العراقي وابن الملقن (^٤) ولكن يمكننا التماس وجه لتصحيح الترمذي للحديث، وذلك بمجموع طرقه التي أشار إليها بذكر أحاديث أخرى في الباب عن جماعة من الصحابة، فيكون حديث أبي موسى صحيحًا لغيره.
وقد يذكر العراقي حكم الترمذي على الحديث، ويقره عليه، حيث لا يتعقبه بشيء، ولكنه يكون متعقبا من غير العراقي.
فقد ذكر حديث أبي سعيد الخدري: «من شغله القرآن عن ذكري، أو مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» وعزاه إلى الترمذي، وذكر قوله عنه: حسن غريب، ولم يتعقبه بشيء (^٥).
وفي سند الحديث عند الترمذي: محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وعطية بن سعد العوفي.
وفي ترجمة «محمد بن الحسن» في الميزان، تعقب الذهبي الترمذي في الحكم على هذا الحديث، فقال: حسنه الترمذي، فلم يُحسن (^٦).
_________________
(١) ينظر جامع الترمذي - أبواب اللباس - ٣/ حديث (١٧٢٠).
(٢) ينظر نصب الراية للزيلعي ٤/ ٢٢٣ وما بعدها.
(٣) الخلاصة لابن الملقن ١/ ٢٣٢.
(٤) الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/ ٢١٩ حديث (٩٣٩).
(٥) المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٠ (٥) وجامع الترمذي - فضائل القرآن حديث (٢٩٢٦).
(٦) الميزان ٣/ ترجمة (٧٣٨٢).
[ ٤ / ١٦٥١ ]
يعني لأجل حال محمد بن الحسن هذا.
لكنه في السير، قال عنه: بالجهد أن يكون حديثه حسنًا (^١).
غير أنه في عدد آخر من كتبه ذكر وصفه بالترك (^٢) أو بما في حكمه (^٣)، وأقوال النقاد فيه تؤيد تضعيفه على الأقل (^٤).
وقد قرر الزيلعي رفيق العراقي تضعيف الحديث من رواية الترمذي هذه (^٥) ومن قبله قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن، ليس بالقوي (^٦).
ثم إن في إسناد الحديث كذلك «عطية بن سعد العوفي» وسبق بيان رجحان القول بتضعيفه، وتدليسه القادح، وقد عنعن هنا.
وعليه فإن إقرار العراقي لتحسين الترمذي لهذا الحديث من طريقه المذكور، في غير محله.
نقله عن الحاكم، وموقفه منه:
وممن أكثر العراقي النقل عنه في الحكم على الأحاديث، الحاكم أبو عبد الله، حيث إن من منهجه - خاصة في المستدرك على الصحيحين - الكلام على
_________________
(١) ينظر السير ٧/ ٥٩.
(٢) ينظر ديوان الضعفاء/ ٣٤٧.
(٣) ينظر المغني ٢/ ترجمة (٥٤١٣)، والكاشف ٢/ ترجمة (٤٧٩٩).
(٤) ينظر التهذيب ٩/ ١٢٠، ١٢١ والميزان ٣/ ترجمة (٧٣٨٢).
(٥) تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ٣/ ٢٢٠ سورة غافر/ بتحقيق الأخ الفاضل سلطان الطبيشي.
(٦) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ مسألة (١٧٣٨).
[ ٤ / ١٦٥٢ ]
درجة أكثر الأحاديث، والسكوت عن بعضها، وقد نقل العراقي من أحكامه على ما حكم عليه، مع الإقرار أو التعقب، وكذلك قد يذكر سكوته عما سكت عن بيان درجته، ويبين موقفه هو مما سكت عنه الحاكم.
فقد ذكر الغزالي: أن عمر ﵁ قبل الحجر الأسود، وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ ف يقبلك ما قبلتك، ثم بكى، فالتفت إلى ورائه، فرأى عليا ﵁ وراءه، فقال له: بل هو يضر وينفع، قال: وكيف؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية، كتب عليهم كتابا، ثم ألقمه هذا الحجر، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء، ويشهد على الكافر بالجحود (الحديث).
فقال العراقي في تخريجه: أخرجاه - يعني البخاري ومسلم - دون هذه الزيادة التي رواها على، ورواه بتلك الزيادة الحاكم، وقال: ليس من شرط الشيخين (^١)، ولم يتعقب العراقي الحاكم في ذلك، ومقتضاه إقراره لحكمه المذكور على الحديث، مع أنه كما ترى ليس فيه تحديد صريح لدرجة الحديث، ولذا علق الذهبي على قول الحاكم هذا بأن في سند الحديث «أبا هارون العبدي» ساقط (^٢) وبذلك أفاد شدة ضعف الزيادة التي ذكرت في هذا الحديث منسوبة إلى على ﵁.
وذكر الغزالي أيضا أن رسول الله ﷺ كان يسجد على الحجر الأسود.
فعزاه العراقي إلى البزار والحاكم من حديث عمر ﵁ وذكر أن
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٤٩ (٣) والمستدرك مع تلخيص الذهبي له ١/ ٤٥٧.
(٢) ينظر المستدرك مع تلخيص الذهبي ١/ ٤٥٧.
[ ٤ / ١٦٥٣ ]
الحاكم صحح إسناده (^١) ولم يتعقبه بشيء.
وقد تختلف نسخة العراقي من المستدرك عن المطبوع حاليا من المستدرك، في ذكر درجة الحديث، أو سقوطها.
فقد ذكر الغزالي: أن (الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة، وله عينان ولسان) (الحديث).
فذكر العراقي أن عجز الحديث - يعني ذكر «العينين واللسان للحجر الأسود» - رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان والحاكم، وصحح إسناده من حديث ابن عباس.
ولم يتعقب العراقي الترمذي ولا الحاكم بشيء في حكمهما السابق، ثم قال: وللحاكم من حديث أنس: إن الركن والمقام، ياقوتتان من يواقيت الجنة، وصحح إسناده (^٢) وأقر الحاكم على هذا.
وعندما نرجع إلى طبعة المستدرك الحالية نجد فيها الحديث، ولكن بدون كلام للحاكم عن درجة إسناده، لا بتصحيح ولا بغيره.
مع أن الذهبي في مختصره المطبوع حاليا مع المستدرك، ذكر تصحيح الحاكم للحديث (^٣) فدل ذلك على ثبوت تصحيح الحاكم في نسخة الذهبي، كما ثبت في نسخة العراقي، وإن لم نجده في طبعة المستدرك الحالية.
_________________
(١) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ٢٤٩ (٢) والمستدرك مع تلخيص الذهبي ١/ ٤٥٥ (المناسك) وأقر الذهبي أيضا تصحيح الحاكم.
(٢) ينظر الإحياء مع المغني ١/ ٢٤٨ (٤) والمستدرك مع تلخيص الذهبي له ١/ ٤٥٦، ٤٥٧.
(٣) ينظر المستدرك مع تخليص الذهبي ١/ ٤٥٦.
[ ٤ / ١٦٥٤ ]
لكن الذهبي لم يقر الحاكم على تصحيح إسناد هذا الحديث، كما أقره العراقي، وإنما تعقبه بقوله: قلت: داود، قال أبو داود: متروك (^١) وبمراجعة إسناد الحديث في المستدرك تجد فيه فلانا (داود بن الزبرقان)، وقد وصفه أبو داود السجستاني في رواية عنه: بأنه ترك حديثه، ووصفه بنحو ذلك جماعة من النقاد، وجماعة آخرون وصفوه بمطلق الضعف (^٢) فيكون الحديث من طريقه دائرًا بين الضعف الشديد، أو الضعف فقط، وبذلك يعتبر سكوت العراقي عن تصحيح الحاكم للحديث من طريقه، في غير محله (^٣).
ولكنه قد يتعقب تصحيح الحاكم بما لم أجد تعقب الذهبي به، أو غيره ممن قبل العراقي.
فقد ذكر حديث: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد راكب».
وعزاه إلى ابن ماجه والحاكم من حديث سلمان ﵁ مع اختلاف بعض الألفاظ، ثم ذكر أن الحاكم قال: صحيح الإسناد، وعقب عليه بقوله: قلت: هو من رواية أبي سفيان عن أشياخه، غير مُسَمّين (^٤) ومعنى ذلك أن في السند إبهاما يقتضي ضعفه.
وقد أورد المنذري هذا الحديث في كتابه الترغيب والترهيب، وعزاه إلى الحاكم فقط، وذكر قوله: «صحيح الإسناد» وعلق عليه بقوله: كذا قال (^٥).
_________________
(١) ينظر تلخيص المستدرك للذهبي مع المستدرك ١/ ٤٥٦.
(٢) التهذيب ٣/ ترجمة (٣٥٢).
(٣) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٨ (٧) والمستدرك مع تلخيص الذهبي ١/¬٥.
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٠٤ (٣).
(٥) ينظر الترغيب والترهيب للمنذري ٤/ الزهد/ حديث (٤٧٠٠) ط دار الحديث بالقاهرة.
[ ٤ / ١٦٥٥ ]
وهذه إشارة إلى توقفه في تصحيح الحاكم، لكنه لم يفصح بسبب توقفه.
وأيضا ذكر الذهبي تصحيح الحاكم، ولم يتعقبه بشيء (^١).
وذكر العراقي حديث عائشة ﵂ قلت: يا رسول الله، ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾: هو الرجل يسرق ويزنى؟ قال: لا (الحديث) وعزاه إلى الترمذي وابن ماجه والحاكم، وذكر أن الحاكم قال: صحيح الإسناد. ثم تعقبه بقوله: قلت: بل منقطع، بين عائشة، وبين عبد الرحمن بن (سعيد) ابن وهب (^٢).
ومقتضى هذا أن إسناد الحديث ضعيف لأجل هذا الانقطاع.
ويؤيد هذا قول أبي حاتم الرازي: عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، لم يلق عائشة ﵂، وأقره العلائي (^٣).
في حين نجد الإمام الذهبي يذكر تصحيح الحاكم لإسناد هذا الحديث، ولا يتعقبه بشيء (^٤).
أما ذكر العراقي لسكوت الحاكم، مع تعقبه أيضا: - فمن ذلك أنه ذكر حديث سعد بن أبي وقاص أنه فى أخرج عمه العباس وغيره من المسجد، وأسكن عليا، وعزاه إلى الحاكم، وأنه سكت عنه، وأن فيه مسلما الملائي ضعيف (^٥).
_________________
(١) ينظر المستدرك مع تلخيص الذهبي ٤/ ٣١٧ (الرقاق).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٥٩ (٤) وينظر تعقبه أيضا للحاكم في المغني مع الإحياء ٢٠/ ٣٥٥ (٣) و٣/ ١٣٠ (٣).
(٣) جامع التحصيل للعلائي/ ٢٢٢.
(٤) ينظر المستدرك للحاكم مع مختصره للذهبي ٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤.
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٨ (٦).
[ ٤ / ١٦٥٦ ]
ومقتضى هذا أن الحاكم سكت عن تضعيف إسناد هذا الحديث، مع وجود «مسلم» هذا فيه، كما يتضح ذلك من مراجعة المستدرك (^١) وقد قرر الذهبي أيضا سكوت الحاكم عن درجة الحديث بهذا الإسناد، وتعقبه بقوله: ومسلم متروك (^٢).
ووصف «مسلما» بالترك، ونحوه في مواضع أخرى من مختصر المستدرك (^٣) وفي عدد من مؤلفاته (^٤).
واقتصر الحافظ ابن حجر على وصفه بمثل ما وصفه به شيخه العراقي، من الضعف فقط (^٥) وبذلك يفترق تعقب الذهبي عن العراقي، فباعتبار وصف «مسلم» بمطلق الضعف يكون الحديث من طريقه ضعيفا فقط وينجبر إلى درجة الاحتجاج به، بمتابع أو شاهد مثله في الضعف أو أقوى منه (^٦).
وباعتبار وصف «مسلم» بأنه متروك أو واه، كما قرره الذهبي، يكون الحديث من طريقه شديد الضعف، فلا ينجبر بمثله من متابع أو شاهد، إلى درجة الاحتجاج (^٧).
_________________
(١) ينظر المستدرك للحاكم مع تلخيصه للذهبي ٣/ ١١٦ (معرفة الصحابة).
(٢) ينظر تلخيص المستدرك للذهبي مع المستدرك ٣/ ١١٦ (معرفة الصحابة).
(٣) ينظر تلخيص المستدرك مع المستدرك ٢/ ١٤٨ و٣/ ٨٣ و٤/ ١١٩، ١٩٥.
(٤) ينظر المغني في الضعفاء ٢/ ترجمة (٦٢٢٠) والديوان/ ترجمة (٤١٠٩) والكاشف ٢/ ترجمة (٥٤٢٦).
(٥) ينظر التقريب (٦٦٤١) والفتح ١٢/ ٣١٢.
(٦) ينظر أجوبة الحافظ ابن حجر على أحاديث مشكاة المصابيح، بآخرها ٣/ ١٧٧٨ ومقدمة جامع التحصيل للعلائي/ ٣٤ وما بعدها.
(٧) ينظر التدريب ١/ ١٧٧ بتحقيق شيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀.
[ ٤ / ١٦٥٧ ]
وذكر العراقي أيضا حديث عمر ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا مد يديه في الدعاء، لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه» وعزاه إلى الترمذي، وذكر أنه قال: غريب، وعزاه إلى الحاكم ثم قال: وسكت عليه، وهو ضعيف (^١). فبين بذلك أن الحاكم سكت عن بيان درجة الحديث، وبين هو أنه ضعيف، لكنه لم يبين سبب الضعف كما ترى.
أما الذهبي فإنه في تلخيص المستدرك لم يتعقب الحاكم بشيء (^٢)، ولكن قال في كتاب السير: أخرجه الحاكم في مستدركه، فلم يصب، «حماد» ضعف (^٣).
وبمراجعة سند الحديث في المستدرك، نجد فيه فعلا «حماد بن عيسى» (^٤) وهو أيضا في سند رواية الترمذي التي نقل العراقي عنه وصفها بالغرابة، وبقية كلام الترمذي التي لم يذكرها العراقي تفيد: أن سبب الغرابة تفرد «حماد بن عيسى» هذا بتلك الرواية، مع قلة حديثه (^٥) ووصف الذهبي له بالضعف، موافق الخلاصة أقوال النقاد في حاله (^٦) وبذلك يتضح سبب تضعيف الحديث من طريقه، وإن كان العراقي لم يوضحه، كما أوضح غيره، مما تقدم، وما سيأتي.
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣١٣ (٧).
(٢) ينظر تلخيص الذهبي للمستدرك مع المستدرك ١/ ٥٣٦.
(٣) سير النبلاء ١٦/ ٦٧.
(٤) المستدرك مع تلخيص الذهبي ١/ ٥٣٦.
(٥) جامع الترمذي - الدعوات - حديث (٣٣٨٦) بتحقيق الدكتور بشار عواد.
(٦) ينظر التهذيب ٣/ ترجمة (١٨) والتقريب/ ترجمة (١٥٠٣).
[ ٤ / ١٦٥٨ ]
وقد يكون تعقب العراقي للحاكم، متفقا مع تعقب الذهبي قبله، ولكن العراقي لا ينسبه إلى الذهبي، ولا إلى غيره.
فقد ذكر العراقي حديث «أنه ف قبل الركن اليماني» وعزاه إلى الحاكم، وذكر أنه قال: صحيح الإسناد، ثم تعقبه بقوله: فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز، ضعفه الجمهور (^١).
أما الذهبي فتعقب الحاكم بقوله: و«عبد الله بن مسلم بن هرمز» هذا، ضعفه غير واحد، وقال أحمد: صالح الحديث (^٢).
فيلاحظ أن عبارة العراقي السابقة، هي ملخص ما ذكره الذهبي، في حال «عبد الله بن مسلم» (^٣) لكن العراقي لم يشر إلى استفادته من تعقب الذهبي هذا، مع أنه صرح بالنقل عنه في مواضع أخرى كما سيأتي.
نقله درجة الحديث من مصدر غير الذي خرجه منه:
قد يكون من أخرج الحديث بسنده لم يتكلم عن درجته من الصحة أو غيرها، فيخرج العراقي الحديث من مثل هذا المصدر بالعزو إليه، ثم يبحث هو بخبرته المشهودة عن مصدر آخر، تكلم عن درجة الحديث نفسه، سواء كان لبعض العلماء المتقدمين على العراقي أو المعاصرين له، فيذكر أقوالهم منسوبة إليهم،
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٥٨ (٣).
(٢) ينظر تلخيص المستدرك للذهبي مع المستدرك ١/ ٤٥٦ (المناسك).
(٣) وانظر مثالا آخر في المغني مع الإحياء ٤/ ١٠٥ (١) مع المستدرك وتلخيص الذهبي له ٣/ ٣١١ (معرفة الصحابة) والمغني مع الإحياء ٣/ ٣٣٢ (١) مع المستدرك وتلخيصه للذهبي ٤/
[ ٤ / ١٦٥٩ ]
وبذلك قدم العراقي لنا اصطلاحا عمليا في منهج التخريج، ينبغي الأخذ به في علم التخريج للأحاديث، كما فعله العراقي في كتاب المغني هذا، وفعله غيره أيضا ممن عاصره، كالزيلعي، وابن كثير، والزركشي وابن الملقن وغيرهم، ومن صنيعهم هذا يتقرر اصطلاح عام وهو: أن من لم يجد في المصدر المخرج منه بيانا لدرجة الحديث المطلوب تخريجه، فينبغي له البحث بأقصى ما يمكن عمن يكون تكلم عن درجة هذا الحديث في مصدر آخر معتبر، سواء كان سابقا أو مُعاصرًا، ويذكر قوله، مصرحًا بنسبته إليه، وبموضعه في المصدر المنقول منه، سواء مع الإقرار. لمن نقل عنه، أو التعقب بما يظهر له أنه الصواب، أو الراجح. وقد وجدت نقول العراقي في ذلك شملت المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، سواء مع الإقرار أو المخالفة.
فنقل عن الإمام أحمد (^١) والبخاري (^٢) والنسائي (^٣) وابن السكن (^٤) وعبد الحق الإشبيلي (^٥) وأبو بكر بن العربي (^٦) وأبو الحسن على بن القطان الفاسي (^٧) والنووي (^٨) والذهبي (^٩).
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٣٧ (٢).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٤ (١).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢/¬٥ (٦).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٥ (٤).
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٥ (٣).
(٦) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٩١ (١).
(٧) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٨٣ (٥).
(٨) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٤١ (٤).
(٩) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٣٠ (٣) و٢/¬٩ (٩) و٨٢/ (١) و٣/ ٢٣٦ (١) و٣٣٨ (٣) و٤/ ١٤٧ (٢) و٤٧٦ (١).
[ ٤ / ١٦٦٠ ]
وسيأتي كذلك نقول للعراقي عن غيره، فيما يتعلق بأحوال الرواة أو الأسانيد أو المتون التي يستعان بها على بيان درجة الحديث، قبولا أو ردا
بيان العراقي للخلاف في درجة الحديث، وموقفه من ذلك:
وقد يكون الحديث مما اختلفت آراء العلماء في درجته، بحسب مبلغ علم كل منهم، وما أداه إليه اجتهاده (^١)
وقد لاحظت أن العراقي في هذا يتنوع موقفه، فتارة يكتفي بذكر الخلاف دون تصريح بترجيح قول معين، وتارة يرجح ما يظهر له رجحانه، وتارة يكون سياق كلامه يشير إلى الترجيح، دون تصريح به.
وفي كل ذلك جهد حديثى للعراقي يظهر شخصيته العلمية.
فقد ذكر حديث أبي أمامة: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم» الحديث، وعزاه إلى الترمذي، وذكر قوله فيه: حسن غريب، ثم قال: وضعفه البيهقي (^٢)
فيلاحظ أنه ذكر ما يفيد تحسين الترمذي للحديث لذاته، وأتبعه بذكر تضعيف البيهقي له، ولم يبين أي القولين أرجح
في حين نجد الإمام النووي بعد ذكر هذين القولين، يقول: والأرجح هنا قول الترمذي (^٣).
وعند مراجعة سند الحديث عند كل من الترمذي والبيهقي نجد مداره على «أبي غالب البصري» عن أبي أمامة
_________________
(١) تنظر نكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٢٧٠ - ٢٧١
(٢) الإحياء مع المغني ١/ ١٧٩ (١) وجامع الترمذي - الصلاة - حديث (٣٦٠) وسنن البيهقي ٣/ ١٢٨.
(٣) خلاصة الأحكام للنووي ٢/ حديث (٢٤٥٨)
[ ٤ / ١٦٦١ ]
وقد جعل البيهقي سبب ضعف الحديث هو وجود أبي غالب هذا في إسناده.
لكن عند مراجعة مجموع الأقوال في أبي غالب نجدها مختلفة بين توثيق، وجرح مجمل، وقال ابن عدي: لم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به (^١)، وقد صحح له الترمذي والحاكم بعض الأحاديث التي لم أجد له متابعًا عليها (^٢)، وعليه فتحسين الترمذي لحديثه هذا، لذاته، غير منتقد، وبه يتأيد ترجيح النووي (^٣).
وذكر العراقي حديث أبي هريرة: إذا صلى أحدكم فليجعل نعليه بين رجليه، وعزاه إلى أبي داود، ثم قال: بسند صحيح، وضعفه المنذري، وليس بجيد (^٤)؛ فيلاحظ أنه حكم بصحة سند أبي داود بالحديث، ثم بين مخالفة المنذري في هذا بتضعيفه الحديث، ثم قرر أن حكمه هذا ليس بجيد، ومقتضاه ترجيحه لحكمه هو بالصحة.
وبمراجعة مختصر سنن أبي داود للمنذري، نجد الحديث من طريق يوسف بن ماهك عن أبي هريرة، وعلق المنذري عليه بقوله: في إسناده عبد الرحمن بن قيس، ويشبه أن يكون الزعفراني البصري، كنيته أبو معاوية، ولا يحتج به (^٥).
_________________
(١) ينظر تهذيب التهذيب ١٢/ ١٩٧.
(٢) ينظر جامع الترمذي/ حديث (٥٢٥٣) مع المستدرك للحاكم وتلخيص الذهبي له ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٣) وتنظر أمثلة أخرى لما ذكر العراقي فيه الخلاف دون تصريحه بترجيح في المغني مع الإحياء ١/¬١٨ (٥) و١٨٣ (٥) و١٩٤ (٦) مع الإتحاف ٣/ ٣٠٠ - ٣٠١ و٢٣١ (٢) مع الإتحاف ٤/ ١٦٠ و٣١٢ (٧).
(٤) المغني مع الإحياء ١/ ١٩٦ (١).
(٥) تنظر سنن أبي داود - الصلاة - ١/ حديث (٦٥٤)، ومختصر السنن للمنذري مع معالم السنن للخطابي، وتهذيب ابن القيم للسنن ١/ ٣٢٩ (حديث ٦٢٤).
[ ٤ / ١٦٦٢ ]
فدل كلام المنذري هذا على تضعيفه الحديث لأجل وجود «عبد الرحمن» هذا في إسناده.
ولكن الحافظ ابن حجر تعقب المنذري بأن هذا ظن منه ليس في موضعه، والصواب أن «عبد الرحمن» الذي في سند أبي داود، هو ابن قيس العتكي، أبو روح، وأنه قد ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح حديثه هذا، كما صححه أيضا ابن خزيمة، بخلاف من قصده المنذري، فهو واهي (^١).
وعليه يترجح ما قرره العراقي من عدم تضعيف الحديث بما ذكره المنذري.
لكن الذي يظهر أيضا أن تصحيح العراقي لهذا الإسناد فيه توسع، وبعرضه على القواعد المعتبرة، نجده حسنا لذاته، فقط.
وذلك لأن في الإسناد غير «عبد الرحمن العتكي» راو آخر هو «صالح بن رستم، أبو عامر الخزاز» ومجمل الأقوال فيه تقتضي أنه صدوق له مناكير، ولم يعد منها هذا الحديث (^٢).
أما «عبد الرحمن العتكي» فلم أجد فيه إلا ذكر ابن حبان له في الثقات، وتصحيح كل من ابن خزيمة وابن حبان والحاكم لحديثه المذكور معنا، وإقرار الذهبي له (^٣) ومقتضى ذلك أن يكون حديثه في مرتبة الحسن لذاته بالإصطلاح العام، ما لم تكن هناك علة أخرى، لأن هؤلاء الثلاثة يعتبرون الحسن نوعا من
_________________
(١) ينظر التهذيب لابن حجر ٦/ ترجمة (٥٠٩).
(٢) ينظر التهذيب ٤/ ترجمة - (٦٥٨).
(٣) ينظر صحيح ابن خزيمة (١٠١٦) والإحسان لابن بلبان (٢١٨٨) والمستدرك للحاكم مع تلخيص الذهبي له ١/ ٢٥٩، وقد سقط الإسناد من طبعة المستدرك الحالية، ولكنه موجود عند البيهقي في سننه ٢/ ٤٣٢، حيث رواه عن الحاكم به.
[ ٤ / ١٦٦٣ ]
الصحيح (^١)، ولم نجد لغيرهم ما يرقى حال هذا الراوي عن ذلك، كما قدمت.
وقد يذكر العراقي الخلاف في درجة الحديث دون تصريح بالترجيح، ولكن من سياق كلامه، يفهم ترجيحه لأحد الأقوال.
فمن ذلك أنه ذكر حديث عثمان ﵁: من شهد صلاة العشاء (في جماعة) فكأنما قام نصف ليلة (الحديث) وعزاه إلى مسلم من حديث عثمان ﵁ مرفوعا ثم قال: قال الترمذي: وروى عن عثمان موقوفا (^٢)، فعزوه الحديث مرفوعًا إلى مسلم أولا، ثم ذكر القول المعارض عن الترمذي برواية الحديث موقوفا، مما يشير إلى ترجيحه تصحيح مسلم للرواية المرفوعة، وبمراجعة بقية كلام الترمذي عن الحديث، يتضح ذلك.
فالترمذي قد شارك مسلما في إخراج الرواية المرفوعة من طريق سفيان عن عثمان ابن حكيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان به، ثم قال: حديث عثمان، حديث حسن صحيح، وذكر روايته موقوفا على عثمان، ثم قال: وروي من غير وجه عن عثمان مرفوعا (^٣) فأشار بذلك إلى رجحان صحة الرواية المرفوعة.
أما الإمام الدارقطني فاختلف ترجيحه: ففي التتبع (^٤) رجح الوقف بأحفظية
_________________
(١) تنظر نكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٢٧٠ - ٢٧١، ٢٩٠ - ٢٩١، ٤٢٨ والفتح ١١/ ١٦٣ و١٣/ ٣٥٣.
(٢) المغني مع الإحياء ١/ ١٥٤ (٥).
(٣) ينظر صحيح مسلم/ المساجد/ حديث (٢٦٠)، وجامع الترمذي - الصلاة/ حديث (٢٢١).
(٤) ينظر التتبع مع الإلزامات/ ٣٦٠ - ٣٦٢.
[ ٤ / ١٦٦٤ ]
منْ رَوَاهُ، وفي العِلل (^١) رجح المرفوع، فيؤخذ من قوله بما وافقه عليه غيره، وهو ترجيح الرفع، كما أشار إليه الترمذي فيما قدمته.
وذكر العراقي أيضًا حديث «للسائل حق وإن جاء على فرس» وعزاه إلى أبي داود من حديث الحسين بن علي، وأبيه علي ﵄ ثم قال: وفي الأول - يعني حديث الحسين - يعلى بن أبي يحيى، جهله أبو حاتم، ووثقه ابن حبان.
وفي الثاني: - يعني حديث علي - شيخ لم يسم.
ثم قال: وسكت عنهما - أي الحديثين - أبو داود.
ثم قال: وما ذكره ابن الصلاح في علوم الحديث: أنه بلغه عن أحمد بن حنبل، قال: أربعة أحاديث، تدور في الأسواق، ليس لها أصل، منها: حديث «للسائل حق» (الحديث)، فإنه لا يصح عن أحمد، فقد أخرج حديث الحسين بن علي في مسنده (^٢).
فمن مجموع كلام العراقي هذا عن الحديث يفهم ترجيحه للقول بأن الحديث له أصل، وأنه مخرج فعلا في مصدرين أصليين مشهورين وهما: سنن أبي داود ومسند أحمد، بإسناديهما (^٣).
وذلك خلاف ما ذكره ابن الصلاح عن الإمام أحمد، وأقره، بأن الحديث مما ليس له أصل؛ ويعتبر تخريج العراقي للحديث من مسند أحمد، ردًّا عمليًا.
_________________
(١) تنظر العلل ٣/¬٤٨.
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٢٠٥ (١).
(٣) ينظر سنن أبي داود - الزكاة - حدث (١٦٦٢، ١٦٦٣) ومسند أحمد ١/ ٢١٠ (١٧٣٠).
[ ٤ / ١٦٦٥ ]
واضحا، على قول ابن الصلاح.
لكن ما ذكره العراقي عن إسنادى الحديث، ثم ذكره سكوت أبي داود عنهما، ليس صريحا في تحديد درجته.
غير أنه تعرض لهذا الحديث بطريقيه، في كتابين آخرين له، وهما: شرحه
لألفيته في مصطلح الحديث المسماة «بالتبصرة والتذكرة» (^١) وكتاب النكت على ابن الصلاح (^٢) فقرر أن الرواية الأولى للحديث إسنادها جيد.
وأن «يعلى بن أبي يحيى» الذي في هذا الإسناد، وإن جهله أبو حاتم فقد وثقه ابن حبان، وباقى رجال الإسناد ثقات.
وأما الرواية الثانية للحديث، التي في سندها رجل لم يسم، فذكر لها شاهدين وبين ضعف كل منهما، وعليه فيرتقى إسنادها إلى الحسن لغيره.
ويصبح الحديث بذلك له أصل، ويرقى بمجموع طرقه إلى الاحتجاج به.
وما قرره الحافظ العراقي في كتابيه المذكورين عن هذا الحديث، وجدت شيخه الحافظ العلائي سبقه إلى نحوه، وقرر أن «يعلى بن أبي يحيى» ترتفع جهالته بذكر ابن حبان له في ثقاته، لكن حكم على الإسناد بأنه «حسن»، بدلا من حكم العراقي بأنه «جيد» (^٣) و«يعلى» قد ذكره ابن حبان في الثقات، وذكر له راويا واحدا، هو «مصعب بن محمد» (^٤) وقد روى عنه
_________________
(١) ينظر الطبعة المعنونة «بفتح المغيث» للعراقي ٤/ ٣ / مبحث الغريب والعزيز والمشهور.
(٢) ينظر التقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح/ ٢٦٤/ مبحث الغريب والعزيز والمشهور.
(٣) ينظر النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح للعلائي/ ٤٠ - ٤١ بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ عبد الرحيم القشقرى/ ٤٠ - ٤٢.
(٤) الثقات لابن حبان ٧/ ٦٥٢.
[ ٤ / ١٦٦٦ ]
حَديثنا هذا، ولَخَّصَ ابن حجر حال (مُصْعَب) بأنه «لا بأس به (^١)».
ولا يُسلَّمُ للحافظين: العلائي، وتلميذه العراقي رَحِمَهُما الله ما قرَّراه هنا، من أن مُجرَّد ذكر ابن حِبّان «ليغلى» هكذا في ثقاته، يقتضي رفع جهالة حاله، وحسَّن حديثه، أو جَوْدَتَه، لذاته.
وذلك لأن ابن حبان يُدخِلُ في كتابه الثقات مَنْ يُعرَف كونه مُسْلِمًَا مِنْ ظاهر حاله، ولو بالاسم فقط، طالما أنه لا يُعرف فيه جرح، سواء روى عنه واحد أو أكثر (^٢).
ومثل هذا يُعتَبَر مجهولًا، أو مستور الحال، عند غيره من جمهور النقاد، وحديثه عندهم ضعيف لذاته، ويرتقى إلى الحسن أو الصحيح لغيره، بمتابع أو شاهد مُعتَبَر.
وقد أقرَّ العلائي والعراقي ومن جاء بعدهم هذا، تبعًا لإقرارهم تعريف الإمام الترمذي للحسن لغيره بما مُجْمَلُه، أنه: ما رواه مستور لم تتحقق أهليته، وروى حديثه من وجه آخر يُعتضد به، أو أكثر (^٣).
بل إن ابن حبان نفسه لم يكتف في الاحتجاج بالراوي بمجرد ذكره في كتابه الثقات، وإنما أضاف إلى ذلك أن يوجد في الراوي ما يقتضي صدقه،
_________________
(١) ينظر التقريب (٦٦٩٥).
(٢) ينظر مثلًا الثقات ٦/ ٤٨٢ و٨/ ٢٤٢.
(٣) ينظر جامع التحصيل للعلائي/ ٣٩ - ٤٢ و٦٢ - ٦٣ وفتح المغيث للعراقي ١/¬٣٩ و٢/¬٢٢ - ٢٥، والتقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح/ ٤٧ - ٤٨ و١٤٤ - ١٤٨. وشرح شرح النخبة للملا علي قاري/ ٧٠ - ٧٢ و١٥٢ - ١٥٥ و١٦٢.
[ ٤ / ١٦٦٧ ]
وضَبطُه في الجُملة (^١)، وسيأتي للعراقي أيضا أنَّه يَصِفُ بعض الرُّواةِ بجهالة الحال مع ذكر ابن حِبَّانَ له في الثِّقاتِ.
و«يعلى بن أبي يَحيَى» هذا، قد اعتمد جهالته التي وصفه بها أبو حاتم الرازي، غير واحد من الأئمَّة ممَّن سَبَقَ العلائي والعراقي، أو عاصرهما، أو تأخر عنهما (^٢) نعم هناك ملحظ آخر يُمكِن التعويل عليه في رفع جهالة «يعلى» هذا، والاحتجاج بحديثه، وهو أن ابن خُزَيمة قد أخرج حديثه الذي معنا في صحيحه (^٣) ولم أجد من تعقَّبه في ذلك بحجَّةٍ مُعتَبَرة، كما لم أجد متابعا ليعلى على هذا الحديث.
فيكون ابن خُزَيمة قد احتجَّ به بمفرده في هذا الحديث، فيُعتَبَر الحديث من طريقه هذا حسنا لذاته، بناء على أن ابن خُزَيمة ممن يُعتَبَر الحسن من قسم الصحيح (^٤) ولكن العلائي والعراقي - رحمهما الله - لم ينظر في تحسين أو تجويد سند الحديث من طريق يعلى إلى احتجاج ابن خُزَيمة به في هذا الحديث، بدليل أنهما لم يعزوا الحديث إلى ابن خُزَيمة، مع حرصهما على تقويته، كما ترى، بل اقتصرَا على الاعتماد على ذكر ابن حِبَّان «ليعلى» في كتابه الثقات، وهو غير كاف في الاحتجاج به حتى عند ابن حِبَّان.
_________________
(١) تنظر مقدمة كتاب الثقات لابن حبان ١/¬١١ - ١٣ ومقدمة صحيحه كما في الإحسان لابن بلبان ١/ ١٣٩ - ١٤٣.
(٢) ينظر عون المعبود - شرح سنن أبي داود - نقلا عن المنذري ٥/ ٨٤، والكاشف ٢/ (٦٤٢١) والمغني ٢/ (٧٢١٢) والديوان (٤٧٨٥) ثلاثتهم للذهبي، والتقريب (٧٨٥١) لابن حجر.
(٣) صحيح ابن خزيمة ٤/ الزكاة/ حديث (٢٤٦٨) وفي إسناده سقط طويل من المطبوع، وراجعته في المخطوط، ومسند أحمد ١/ ٢١٠.
(٤) ينظر نكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ١/ ٢٧٠ - ٢٧١، ٢٩٠، ٤٢٨.
[ ٤ / ١٦٦٨ ]
نفسه، كما أسلفت توضيحه (^١).
وقد يذكر العراقي الخلاف في درجة الحديث، دون تصريح بالترجيح في هذا التخريج الصغير، في حين نجده ذكر في الكبير ما يشير إلى الترجيح، وهذا من مميزات تخريجه الكبير (^٢)، الذي نأسف على افتقاد معظمه حتى الآن، كما أسلفت.
ب - بيان العراقي لدرجات الأحاديث بدون عزو لغيره، أو بالعزو مع الزيادة:
ويعتبر هذان المسلكان أكثر من اقتصاره على النقل عن غيره، كما تقدم، ومقتضى عدم العزو لغيره، أنه هو الذي قرّر درجة الحديث، بناء على خبرته المشهودة بعلمى الرواية والدراية، ومراعاته للقواعد النقدية، المتعلقة بسند الحديث ومتنه.
لكني وجدت بعض الأحكام التي لم يعزها إلى غيره، قد شبق إليها من غيره.
ومن ذلك حديث أبي أمامة ﵁ «إن سياحة أمتى الجهاد في سبيل الله» فقد عزاه إلى أبي داود، ثم قال: وإسناده جيد (^٣)، وقد أخرج أبو داود الحديث من طريق العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن عن
_________________
(١) وينظر لما لم يصرح فيه العراقي بالترجيح، ولكن يفهم ذلك من سياق كلامه/ المغني مع الإحياء ٢/ ١٩٧ (٤) والمستدرك للحاكم وتلخيصه للذهبي ٤/ ٥٧٦ والمغني مع الإحياء ٢/ ٥٥ (٥) مع اللآلئ المصنوعة ٢/ ١٧٧.
(٢) ينظر «المغني مع الإحياء» ١/ ٦٤ (٢) مع الإتحاف للزبيدي ١/ ٣٤٩.
(٣) «المغني مع الإحياء» ٣/¬٤٠ - ٤١ (١).
[ ٤ / ١٦٦٩ ]
أبي أمامة، به (^١) … وقد سبق العراقي إلى بيان درجة الحديث بهذا الإسناد، حيث أخرجه الحاكم من طريق العلاء، به وصحح إسناده، وأقره الذهبي (^٢). أما الإمام النووي فحكم بمثل عبارة العراقي، فقال: إسناده جيد (^٣).
ومع ذلك لم يعز العراقي هذا الحكم إليه، ولا عزا الحديث كذلك إلى الحاكم، ولا ذكر تصحيحه (^٤).
وقد تنوع بيانه لدرجة الحديث على أنحاء متعددة، يطول تفصيلها، ومجمله: أنه تارة يقيد الدرجة بسندة واحد عن صحابي واحد، وتارة بيّين الدرجة بأكثر من سندة أو أكثر من طريق عن أكثر من صحابي، وقد يكون الإسناد متأخرا إلى القرن السادس، وتارة يذكر الدرجة من غير تصريح بالتقييد بسند معين، وهذا قليل، وقد يفهم القيد من السياق.
وإليك الأمثلة:
ذكر العراقي حديث: إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، وعزاه إلى النسائي من حديث أنس ﵁ ثم قال: بإسناد صحيح (^٥).
وبالمراجعة يظهر لنا أن النسائي أخرج الحديث في سننه الكبرى (^٦) منفردا به.
_________________
(١) السنن لأبي داود (٢٤٨٦) / الجهاد.
(٢) المستدرك مع تلخيصه ٢/ ٧٣.
(٣) ينظر فيض القدير للمناوى ٢/ ٤٥٣ حديث (٢٢٨٠).
(٤) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٦ (٦) حديث عبد الله بن عمرو: إن نوحا قال لابنه (الحديث) مع البداية والنهاية لابن كثير ١/ ١١٩.
(٥) المغني مع الإحياء ١/ ٥٤ (١).
(٦) تنظر تحفة الأشراف ١/ ٢٥٩ حديث (٩٦١) والسنن الكبرى للنسائي - كتاب السير - ياب الاستعانة بالفجار ٥/ ٢٧٩ (٨٨٨٥).
[ ٤ / ١٦٧٠ ]
عن بقية الستة، فرواه عن محمد بن سهل بن عسكر عن عبد الرزاق، عن رباح بن زيد عن معمر بن راشد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس به. وهذا إسناد ظاهر الصحة، لثقة رواته (^١) وعدم ظهور قادح فيه، وأبو قلابة - هو عبد الله ابن زيد الجرمي - مع ثقته فإنه كثير الإرسال، لكن روايته عن أنس متصلة (^٢).
وذكر العراقي حديث أمره ف عمر ﵁ أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان كربضة بعير، وعزاه إلى أحمد من حديث النعمان بن مقرن، ودكين بن سعيد، ثم قال: بإسنادين صحيحين (^٣).
وذكر حديث: يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده، وعزاه إلى النسائي في الكبرى من حديث زيد بن حارثة، وأسماء بنت أبي بكر، ثم قال: بإسنادين جيدين (^٤)، ويلاحظ أن الحكم بجودة الإسناد مما لم ينص العراقي عليه في المقدمة، ولكن عُرف باستقراء منهجه خلال الكتاب، كما سيأتي.
وذكر حديث: تأويل قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية - هو أن تصل من قطعك (الحديث) وعزاه إلى ابن مردويه - يعن في تفسيره - من حديث جابر، وقيس بن سعد بن عبادة، وأنس. ثم قال: بأسانيد حسان (^٥).
وذكر حديث: ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم، وعزاه إلى ابن عدي - يعني في كتابه الكامل في الضعفاء - من حديث معاذ، وأبي أمامة.
_________________
(١) ينظر التقريب (٥٩٣٧) و(٤٠٦٤) و(١٨٧٣) و(٦٨٠٩) و(٦٠٥) و(٣٣٣٣).
(٢) ينظر جامع التحصيل للعلائي/ ٢١١.
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٥ (٢).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠ (١).
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ٣/¬٤٨ (٢).
[ ٤ / ١٦٧١ ]
﵄ ثم قال: بإسنادين ضعيفين (^١).
- وذكر حديث أتاني جبريل في كفه مرآة بيضاء فقال: هذه الجمعة (الحديث)، وعزاه إلى الشافعي في المسند، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه في التفسير ثم قال: بأسانيد ضعيفة، مع اختلاف (^٢).
وذكر حديث: إذا أراد الله بعبده خيرًا جعل له واعظا من نفسه، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث أم سلمة، ثم قال: وإسناده جيد (^٣)، وتابعه الشارح على ذلك (^٤).
وذكر حديث: تحفة المؤمن في الدنيا الفقر، وعزاه إلى محمد بن خفيف الشيرازي في كتاب شرف الفقر، وأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ بن جبل، ثم قال: بسند لا بأس به.
ثم قال: ورواه أبو منصور أيضا، فيه - يعني في مسند الفردوس - من حديث ابن عمر، بسند ضعيف جدا (^٥)، وتبعه الشارح كذلك، لكن ذكر في درجة الحديث الأخير: «ضعيف» فقط (^٦).
وحكم العراقي هذا على حديث أم سلمة، بإسناد أبي منصور الديلمي، بأنه
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٥٦ (٢) وينظر مثل ذلك في ١/ ٨٩ (٢) و١٥٧ (٤) و٢/¬١١ (١) و(٢).
(٢) المغني مع الإحياء ١/ ١٨٥ (١) وينظر مثل ذلك في المغني مع الإحياء ٤/ ٢٨١ (١).
(٣) المغني مع الإحياء ٣/¬١١ (١).
(٤) الإتحاف ٧/ ٢٢٨.
(٥) المغني مع الإحياء ٤/ ١٩١ (٥).
(٦) الإتحاف ٩/ ٢٧٦
[ ٤ / ١٦٧٢ ]
جيد، وعلى حديث معاذ بن جبل بسند الديلمي أيضا بأنه لا بأس به، يعتبر ردا عمليا على ما ذكره ابن الصلاح من التوقف عن الحكم بالصحة على الأحاديث بأسانيد المتأخرين؛ لأن أبا منصور الديلمي متوفى سنة ٥٥٨ هـ (^١) فإسناداه بالحديثين الأول والثاني، من أسانيد العصور المتأخرة، وقد حكم العراقي على الحديث الأول بأن إسناده جيد، وسيأتي أنه في حكم الصحيح، أو فوق الحسن، ودون الصحيح.
وكذلك الحكم على سند الحديث الثاني بأنه «لا بأس به» فهو بمثابة الحسن، وهو مشارك للصحيح في أصل الاحتجاج، وإن كان دونه في القوة، كما هو معروف.
أما حكم العراقي على حديث عمر ﵁ بسند الديلمي أيضا أنه (ضعيف جدا) أو (ضعيف) فقط، حسب ما تقدم من اختلاف النسخ، فيمكن القول بأنه مبنى على حال بعض رجال الإسناد المتقدمي الطبقة، بعد الصحابي.
وقد وجدت السيوطي ذكر حديث أم سلمة السابق وعزاه إلى الديلمي صاحب مسند الفردوس، وحده، ووجدت في طبعة الجامع الصغير التي مع فيض القدير على هذا الحديث الرمز إلى ضعفه.
لكن المناوي في فيض القدير قرر أن السيوطي لم يرمز على الحديث بشيء يدل على درجته، وأشار في التيسير والفيض إلى اطلاعه على لفظ الحديث في مسند الفردوس، وقال في التيسير: وإسناده جيد، كما ذكره العراقي، وقال في
_________________
(١) تنظر الرسالة المستطرفة للكتاني/ ٥٥ ط دار البشائر.
[ ٤ / ١٦٧٣ ]
الفيض: قال الحافظ العراقي وغيره: إسناده جيد، كذا جزم به في المغني (^١).
ولا أعلم من الذي قصده المناوي بقوله «وغيره» حيث لم أقف على من حكم بجودة إسناد هذا الحديث غير العراقي.
وقد نقل الشيخ الألباني ﵀ عن الطبعة التي رجع إليها من كتاب تخريج «الإحياء»: أن العراقي قال عن هذا الحديث: إسناده حسن، وذكر الشيخ إسناد الديلمي بالحديث، وبين من حال بعض الرواة، وغيره، ما يقتضي ضعفه (^٢).
أما الحديث الثاني وهو حديث معاذ «تحفة المؤمن في الدنيا الفقر» فقد ذكره السيوطي أيضا في الجامع وعزاه إلى الديلمي في مسند الفردوس، ورمز له بالضعف، في الطبعة التي مع الفيض من الجامع، وذكر المناوي في الفيض أن سند الديلمي بهذا الحديث فيه يعقوب بن الوليد المدني، وأن الذهبي في الضعفاء قال: كذبه أحمد والناس، ونقل عن السخاوي قوله: حرف اسمه - يعني يعقوب هذا - على بعض رواة الحديث، فسماه «إبراهيم» وللحديث طرق كلها واهية (^٣).
وذكر ابن طولون الحديث كما ذكره العراقي، وذكر حكمه على سند حديث معاذ بأن إسناده لا بأس به، وحكمه على سند حديث معاذ بأن
_________________
(١) ينظر الجامع الصغير مع شرحه فيض القدير ١/ ٢٥٦، والتيسير بشرح الجامع الصغير ١/ ٦٤.
(٢) تنظر «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» للشيخ الألباني ٥/ حديث (٢١٢٤).
(٣) ينظر الجامع الصغير للسيوطي، مع شرحه فيض القدير للمناوي ٣/ حديث (٣٢٥٨) والمغني في الضعفاء للذهبي ٢/ ترجمة (٧٢٠٥).
[ ٤ / ١٦٧٤ ]
إسناده لا بأس به، وحكمه على سند حديث ابن عمر بأنه ضعيف جدا (^١) ولكن لم ينسب هذين الحكمين للعراقي، مع ظهور اتفاقهما مع ما جاء في المغني كما تقدم.
ويبدو أن ما قدمه المناوي من حال «يعقوب المدني» الذي في سند حديث معاذ، يقتضي شدة ضعفه، وبذلك يكون حكم العراقي أو من يوافقه بأن إسناده «لا بأس به» غير مُسْلم.
كما يُلاحَظ أن عبارة «لا بأس به» وعبارة «ضعيف جدا» مما استعمله العراقي في بيان درجات الحديث خلال «المغني» ولم يصرح به في منهجه العام في مقدمته.
لكن يبقى لنا ما استفيد من صنيع العراقي من حيث المبدأ، في رد قول ابن الصلاح بالتوقف عن الحكم بتصحيح الأحاديث باعتبار أسانيد عصر ابن
الصلاح فما بعده، وذلك عند التمكن من بحث هذه الأسانيد حسب القواعد النقدية.
ومما ذكر فيه العراقي درجة الحديث دون تصريح بالتقيد بسند معين، أنه ذكر حديث القضاة ثلاثة، قاض بالحق، وهو يعلم فذلك في الجنة (الحديث) وعزاه إلى أصحاب السنن - يعني أبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجه - من حديث بريدة، ثم قال: وهو صحيح (^٢).
وذكر حديث: «أنه ﷺ كان يتوكأ في خطبة العيد والاستسقاء على قوس
_________________
(١) ينظر الشذرة في الأحاديث المشتهرة لمحمد بن طولون الصالحي ٢/ حديث (٦٣٨).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٧٠ (١).
[ ٤ / ١٦٧٥ ]
أو عصا» وعزاه إلى الطبراني من حديث البراء، ثم قال: ونحوه في يوم الأضحى، ليس فيه الاستسقاء، وهو ضعيف (^١).
لكن الغالب أنه يقيد الحكم بسند واحد عن الصحابي، أو من دونه من التابعي أو غيره في الموقوف أو المرسل، كما سيأتي في بعض الأمثلة.
بيانه لدرجات الأحاديث بما لم يصرح به في مقدمة الكتاب، وتقويم ذلك:
قد ذكر العراقي في مقدمة كتاب المغني أنه يبين صحة الحديث، وحسنه، وضعف مخرجه، يعني الطريق الذي روى منه الحديث.
وهذه الألفاظ تدل اصطلاحا على الدرجات الأساسية للأحاديث، كما هو معروف.
لكن من يقرأ كتاب المغني يلاحظ أن العراقي لم يقتصر على ما ذكره في المقدمة، بل ذكر ألفاظا، وعبارات أخرى، لها دلالات اصطلاحية، بعضها في حكم الدرجات التي ذكرت في المقدمة، وبعضها يفترق عنها، وقد استقرأتها جميعا خلال الكتاب كله، ولكن عرضها جميعا، وتحليلها، ومقارنتها، يطول، بحيث يستغرق دراسة مستقلة، وليس ذلك من مطالب هذا البحث العام.
ويمكن إجمال القول بأن ما ذكر خلال الكتاب من ألفاظ وعبارات، بعضه يتعلق بأحوال رجال الإسناد أو بعضهم، وبعضه يتعلق بحال الإسناد نفسه،
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٨٦ (٢)، وينظر أيضًا المغني مع الإحياء ١/ ٨٦ (١) و٢١٣ (١) و٣٧٣ (٤) و٤/ ٤٤٢ (٢).
[ ٤ / ١٦٧٦ ]
وبعضه يتعلق بكلا الأمرين، وبعضها يتعلق بالمتن فقط، وبه يرد على من زعم أن المحدثين صبوا عنايتهم في نقد السند فقط دون المتن، كما سيأتي، وبعضها يتعلق بالمتن، والسند معا. وسيتضح كل ذلك من النماذج التالية، وما يحال عليه غيرها في حواشي هذه النماذج.
الحكم على الإسناد بأنه: لا بأس به، أو جيد:
فقد حكم العراقي على أسانيد بعض الأحاديث بأنه «لا بأس به» ومن المعروف أن هذه العبارة تطلق على الراوي أيضا، وتكون بمنزلة لفظ (صدوق) ونحوها، في الاصطلاح العام، وبالتالي يكون وصف الإسناد بأنه «لا بأس به» بمثابة وصفه بأنه حسن لذاته، واستعمال العراقي لعبارة «لا بأس به» في وصف الأسانيد خلال كتاب المغني هذا قليلة جدا بالمقارنة باستعماله العبارة المشهورة وهي عبارة (إسناد حسن).
وقد سبق مثال لما حكم فيه العراقي بعبارة «إسناد لا بأس به» مع مناقشته، ونضيف هنا مثالا آخر.
فقد ذكر العراقي حديث: «اجمعوا وضوءكم، جمع الله شملكم» وعزاه إلى القضاعي في مسند الشهاب من حديث أبي هريرة، ثم قال: بإسناد لا بأس به، وأتبع ذلك بقوله: وجعل ابن طاهر مكان أبي هريرة (إبراهيم).
وقال: إنه معضل، وفيه نظر (^١).
فيلاحظ أنه حكم على إسناد القضاعي بأنه لا بأس به، ثم أتبعه بمعارضة ما جاء عن غيره مما يقتضي ضعف إسناد الحديث، ومقتضاه أن حكمه هو على
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/¬٨ (١).
[ ٤ / ١٦٧٧ ]
إسناد الحديث بأنه لا بأس به، مقصود به عدم ضعفه. وقد تابع العراقي على هذا شارح الإحياء (^١) والشيخ أحمد بن الصديق الغماري ﵀ دون تعقب منهما (^٢).
لكن هذا متعقب بما ذكره السيوطي من عزو الحديث إلى ابن لال والبيهقي في الشعب، كلاهما من حديث أبي هريرة، ثم ذكر أن البيهقي ضعفه (^٣).
وحكم العراقي على كثير من الأحاديث بأن «إسنادها جيد» وقد ذكر غير واحد من أهل الاصطلاح أن (الجيد) بمعنى (الصحيح)، وذكر بعضهم: أن الناقد الخبير من المحدثين، لا يعدل عن لفظ (صحيح) إلى لفظ (جيد) إلا لنكتة تظهر له في سند الحديث، أو متنه، تجعله يراه في درجة أقوى من الحسن لذاته، ولكن لا يبلغ درجة الصحيح لذاته، فيطلق عليه وصف (جيد)، وبذلك يكون الوصف به أنزل من الوصف بالصحيح، وأعلى من الوصف بالحسن (^٤)
وعليه يكون حكم العراقي على الإسناد بأنه جيد، يقتضي أن الحديث في نظره، صالح للاحتجاج به، بدرجة أقوى من الحسن في الجملة.
وقد يتفق حكمه بهذا مع غيره، وقد يختلف.
_________________
(١) ينظر الإتحاف ٥/ ٢٣٠.
(٢) ينظر فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب/ للغماري - بتحقيق الشيخ حمدى السلفي ١/ ٤٩٩ - ٥٠٠. وينظر أيضا: المغني مع الإحياء ٣/ ٨٩ (٢) و٤/ ٩٦ (١) و١٩١ (٥).
(٣) ينظر كنز العمال للمتقي الهندى ٩/ حديث (٢٦٢٤٤).
(٤) ينظر تدريب الراوي للسيوط ١/ ١٧٧ - ١٧٨.
[ ٤ / ١٦٧٨ ]
فقد ذكر حديث: (إن سياحة أمتى الجهاد) وعزاه إلى أبي داود في السنن من حديث أبي أمامة، ثم قال: وإسناده جيد (^١).
وذكر السيوطي الحديث في الجامع الصغير، وعزاه إلى أبي داود والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الشعب، ورمز له السيوطي بالصحة.
وعلق عليه المناوي في الفيض، فذكر أن الحاكم قال: صحيح، وأقره الذهبي، وأن النووي في رياض الصالحين والعراقي قالا عن الحديث: إسناده جيد (^٢).
وذكر العراقي حديث: إنَّ الله ي سأل العبد حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر في الدنيا، أن تنكره؟ (الحديث) وعزاه إلى ابن ماجه، من حديث أبي سعيد الخدري، ثم قال: بإسناد جيد (^٣) وأقره الشارح (^٤) لكن المناوي نقل عن شيخ العراقي وهو الحافظ العلائي قوله عن هذا الحديث: إسناد لا بأس به (^٥).
وهذه العبارة بمعنى: إسناده حسن، كما قدمت توضيحه.
وعليه يكون حكم العراقي على إسناد هذا الحديث أعلا من حكم شيخه العلائي.
وعند مراجعة إسناد الحديث عند ابن ماجه (^٦) نجد رجاله متفق على توثيقهم،
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ص ٤١.
(٢) ينظر الجامع الصغير مع شرحه فيض القدير ٢/ ٤٥٣ والمستدرك للحاكم ٢/ ٧٣.
(٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٢٢٩ (٢).
(٤) ينظر الإتحاف ٦/ ٣٤٦.
(٥) ينظر فيض القدير للمناوي ٢/ ٢٦٢ حديث (١٧٦٦).
(٦) سنن ابن ماجه - الفتن (٤٠٦٦) ط الأعظمي.
[ ٤ / ١٦٧٩ ]
عدا رجلين اختلف فيهما: أحدهما: محمد بن فضيل بن غرزوان قال الذهبي: ثقة (^١) وقال ابن حجر: صدوق، عارف، رُمي بالتشيع (^٢).
وثانيهما: نهار العَبْدِي: قال الذهبي: ثقة (^٣) وقال ابن حجر: صدوق (^٤).
وعلى ضوء هذا الاختلاف يمكن توجيه اختلاف حكم العراقي عن حكم شيخه العلائي.
وقد لاحظت مواضع أخرى، يعتبر حكم العراقي فيها بالجودة، أو بالحسن، فيه توسع، أو خطأ.
فقد ذكر حديث ابنة بشير بن سعد أنها قدمت طعاما يسيرا، فأطعم النبي ف منه أهل جيش، وعزاه إلى البيهقي في دلائل النبوة، من طريق محمد بن إسحق حدثنا سعيد بن ميناء، عن ابنة بشير بن سعد، به، ثم قال: وإسناده جيد (^٥) وأقره الشارح (^٦) ومن المعروف أن ابن إسحق، قد رجح غير واحد من العلماء، قبل وبعد العراقي: أن حديثه الذي يُصَرِّح فيه بما يدل على الاتصال كما هنا، ولم تكن له علة أخرى، يكون حسنا لذاته، ومن يصحح له كابن خزيمة وابن حبان، والحاكم، فلأنهم يعتبرون كل من يحتج به من الرواة، فحديثه صحيح، وبذلك يعتبرون الحسن نوعًا من الصحيح (^٧).
_________________
(١) الكاشف ٢/ ترجمة (٥١١٥).
(٢) التقريب (٦٢٢٧).
(٣) الكاشف ٢/ (٥٨٨٢)
(٤) التقريب (٧١٩٥).
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٤ (٦)
(٦) الإتحاف ٧/ ١٦٩ - ١٧٠.
(٧) ينظر الرواة المختلف فيهم للمنذرى في آخر الترغيب والترهيب ٥/ ٣٣٠ وما بعدها ط =
[ ٤ / ١٦٨٠ ]
وعليه، فحكم العراقي على هذا الحديث من طريق إسحق بأن إسناده جيد، يعتبر توسعا، أو تساهلا منه، لرفعه بذلك عن مرتبة الحسن.
وقد سبق ذكرى لحديث آخر مما حكم العراقي بجودة إسناده، مع تعليله ذلك بما لا يقتضي الجودة ولا الحسن: بحسب الاصطلاح العام.
وذكر أيضا حديث: (لا يقص على الناس إلا ثلاثة) (الحديث) وعزاه إلى ابن ماجه - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ثم قال: وإسناده حسن (^١). وبمراجعة إسناد الحديث عند ابن ماجه (^٢) نجد أن راويه عن عمرو بن شعيب هو: عبد الله بن عامر الأسلمي، القاري، وقد اتفق على أنه ضعيف الحديث (^٣). وبعبد الله هذا ضعف البوصيري الحديث (^٤).
وذكر حديث: مالي لا أرى ميكائيل يضحك (الحديث) وعزاه إلى أحمد وابن أبي الدنيا - في كتاب الخائفين له - من رواية ثابت عن أنس ﵁، ثم قال: بإسناد جيد (^٥)، وبمراجعة إسناد الحديث عند أحمد (^٦) نجده من
_________________
(١) = دار الحديث بالقاهرة، والميزان ٣/ ٤٧٥ وسير النبلاء ٧/¬٤١ كلاهما للذهبي، وفتح البارى ٤/¬٣٢ و١١/ ١٦٣ و١٣/ ٣٥٣، والنكت على ابن الصلاح ١/ ٢٧٠، ٢٧١، ٢٩٠، ٢٩١ - كلاهما لابن حجر. وتدريب الراوي للسيوطي ١/ ١٦٠.
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٢٤ (٢).
(٣) سنن ابن ماجه - الأدب - جـ ٢/ حديث (٣٧٩٨).
(٤) ينظر التهذيب ٥/ ترجمة (٤٧١) والكاشف ١/ ترجمة (٢٧٩٨) والتقريب (٣٤٠٦).
(٥) ينظر مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري - ٣/ حديث (١٣١٣) بتحقيق الأخ الدكتور عزت عطية وزميله.
(٦) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٧٨ (٢).
(٧) المسند ٣/ ٢٢٤ (١٣٣٤٣).
[ ٤ / ١٦٨١ ]
طريق إسماعيل ابن عياش عن عمارة بن غزية الأنصاري أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى يقول سمعت ثابتا البناني عن أنس به.
وقد قال الهيثمي: إن هذا الحديث رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين - يعني أحدهم وهما عمارة بن غزية - وهي ضعيفة، ثم قال الهيثمي: وبقية رجاله ثقات (^١) وبهذا يكون حكم العراقي بأن إسناد الحديث جيد مردود، كما أن مخالفة الهيثمي هذه له تدل على عدم استفادة العراقي من قرينه الهيثمي في مثل هذا الموضع المشترك بين كتابه المغني، وبين مجمع الزوائد للهيثمي.
ثم إن في سند الحديث أيضًا «حميد بن عبيد»، لم يُذكر أنه روى عنه غير عمارة ابن غزية، كما لم يُذكر شيء عن بيان حاله، فهو مجهول (^٢)، وبذلك يتأكد تضعيف الحديث بهذا الإسناد، ويُرد كذلك قول الهيثمي السابق: إن بقية رجال الإسناد ثقات.
وذكر العراقي أيضا حديث عبد الله بن عمر أنه ف كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له (الحديث) وفي آخره في بعض الروايات: وكل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم، وإليه ترجعون، وقد عزاه العراقي بهذه الزيادة إلى المحاملي في كتاب الدعاء، ثم قال: بإسناد جيد (^٣)، وأقره الشارح (^٤).
_________________
(١) ينظر مجمع الزوائد للهيثمى ١٠/ ٣٨٥ - كتاب صفة النار.
(٢) تعجيل المنفعة (٢٣٤).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٨ (٣).
(٤) ينظر الاتحاف ٤/ ٤٣١.
[ ٤ / ١٦٨٢ ]
وبمراجعة إسناد الحديث عند المحاملي (^١) نجده من طريق معاوية بن عبد الله بن معاوية - من نسل الزبير بن العوام - حدثتنا عائشة - يعني بنت الزبير بن هشام بن عروة ــ، عن هشام بن عروة عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، به. ورجال الإسناد ثقات، ماعدا (معاوية بن عبد الله) فإنه «لا بأس به» كما قال أبو حاتم (^٢)، و«عائشة بنت الزبير» لم أجد من ترجم لها غير ابن حبان في الثقات (^٣) وذكر لها راويا واحدا باسم «معاوية بن عبد الرحمن بن عبد الله الزبيري»، ولعله هو السابق ذكره في سند المحاملي بهذا الحديث، ولم يتكلم ابن حبان عن حال عائشة بشيء، فهي مجهولة. وعليه فحكم العراقي على هذا الإسناد بأنه جيد ليس صوابا، بل هو ضعيف لحال عائشة هذه.
كما أني لم أجد من تابع عائشة على ذكر تلك الزيادة، فتظل على ضعفها، وإن كان أصل الحديث بدونها صحيح متفق عليه، كما ذكر العراقي نفسه في بداية تخريجه للحديث.
ومن تلك النماذج وغيرها، يظهر لنا توسع العراقي، وتساهله، في بيان درجات بعض الأحاديث، خلال كتاب المغني هذا.
لكنه - بحسب التتبع والمقارنة - ليس طابعًا عامًا في كل أحكامه على الأحاديث، سواء بالجودة أو بغيرها، ولكن وقع منه ذلك في بعض الأحاديث، والكثير من أحكامه متفق مع القواعد النقدية العامة، كما ستأتي أمثلة لذلك.
_________________
(١) الدعاء للمحاملي - باب ما يدعو إذا قفل من سفر/ رقم (٧٧).
(٢) الجرح والتعديل للرازي ٨/ ٣٨٧.
(٣) الثقات لابن حبان ٧/ ٣٠٧.
[ ٤ / ١٦٨٣ ]
ومما يؤيد أن التساهل في أحكام العراقي ليس طابعا عاما، ما تقدم من نماذج تعقباته للترمذي وغيره، ولمن عُرف بالتساهل في التصحيح كالحاكم (^١) أو بالتوسع في إطلاق الصحة على ما هو حسن باصطلاح جمهور المتأخرين، كابن خزيمة وابن حبان، كما تقدم (^٢).
وَصْفُهُ للحديث بأن رجاله ثقات، أو رجال الصحيح:
مما أشار به العراقي إلى درجة الحديث قوله: رجاله ثقات (^٣) أو موثقون (^٤) أو «رجاله رجال الصحيح (^٥)».
ومن المعروف أن تلك العبارات بمفردها لا تفيد درجة معينة للحديث، ولا تفيد صلاحيته للحجية (^٦) وإنما تفيد: أن رجال إسناد الحديث ليس في أحد منهم ما يقتضي إعلاله، لكن قد يكون فيه علة أخرى تقتضي ضعفه ضعفا غير شديد.
فمن ذلك: أنه ذكر حديث انتظاره فى عائشة، وقولها له: إني كنت
_________________
(١) وينظر كذلك المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٠ (٧) و٣/ ٣٤٠ (٣).
(٢) وينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٩٤ (٦).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٠٩ (١) ومجمع الزوائد للهيثمي ١٠/ ٥٦، والمغني مع الإحياء ١/ ١٥٣ (٢) و٣١٣ (٣) و٢/ ٣٧١ (٦) و٣٧٣ (٥) و٣٨٦ (٧) والمغني مع الإحياء ٣/¬٣٤ (٣) و٤٩ (٥) والمغني مع الإحياء ٤/ ٤٤٧ (١).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٠ (٤).
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٤ (٩) و٣/ ١٤٢ (٢).
(٦) يُنظر النكت على ابن الصلاح ١/ ٢٨٤ والتلخيص الحبير ٣/¬١٩ كلاهما للحافظ ابن حجر، وسبل السلام - شرح بلوغ المرام للأمير الصنعاني ١/¬٣٥، ٣/¬٢٤ ط. جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية.
[ ٤ / ١٦٨٤ ]
أسمع قراءة رجل ما سمعت أحسن صوتا منه (الحديث). وعزاه إلى ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ وقال: ورجال إسناده ثقات (^١).
وبمراجعة إسناد الحديث عند ابن ماجه (^٢) نجد أن رجاله فعلا ثقات كلهم، وفيهم «الوليد بن مسلم» يدلس تدليس التسوية، ولكنه صرح بالتحديث، وفيهم عبد الرحمن بن سابط، وقد ذكر الذهبي أنه يرسل عن عائشة ﵂ (^٣) - وهو يروى هنا عنها بالعنعنة.
فيكون إسناد الحديث مع ثقة رجاله، إلا أنه ضعيف من جهة انقطاعه بالإرسال.
ولكن البوصيري ﵀ لم يلاحظ هذا، فقال: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات ثم قال: رواه الحاكم في المستدرك، وساق سنده إلى الوليد بن مسلم، حدثنا حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط، يحدث عن عائشة به. (^٤) وقد أخرج الحاكم الحديث فعلا في المستدرك (^٥) وأبو نعيم في الحلية (^٦) كلاهما من طريق الوليد به.
وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك.
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٧ (١).
(٢) سنن ابن ماجه حديث رقم (١٣٣٢) (الصلاة).
(٣) الكاشف ١/ ترجمة (٣١٩٨) والإصابة ٣/ ١٤٨.
(٤) ينظر: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه - الصلاة ١/ حديث (١٣٣٧) بتحقيق الأخ الدكتور عزت عطية وزميله.
(٥) كتاب معرفة الصحابة ٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦ مع تلخيص الذهبي.
(٦) معرفة الصحابة ١/ ٣٧٦.
[ ٤ / ١٦٨٥ ]
ولعل هذا ما جعل البوصيري يجزم بتصحيحه، كما قدمت.
أما الحافظ ابن حجر فأعل هذا الإسناد بأمرين، واعتبرهما مما خفي على الحاكم في تصحيحه للحديث بهذا الإسناد.
أحدهما: الاختلاف في سند الحديث على حنظلة بن أبي سفيان.
وثانيهما: كون «عبد الرحمن بن سابط» قد رواه بالعنعنة عن عائشة ﵂ وهو موصوف بكثرة الإرسال، قال الحافظ: ويقال: لم يصح له سماع من صحابي (^١) وبهذا يتأيد توقف العراقي في تصحيح إسناد ابن ماجه بالحديث، واقتصاره على الحكم بأن: رجال إسناده ثقات، كما تقدم.
لكن الحافظ ابن حجر ذكر للحديث طريقا آخر للحديث عن عائشة ﵂، وذكر أنه بمجموع الطريقين يصلح ارتقاؤه لدرجة الحسن، ثم قال: ولا يبعد تصحيحه (^٢). وهذا أتم من اقتصار شيخه على الحكم بأن رجال الإسناد الأول ثقات.
ويؤيد أن العراقي لا يقصد بتلك العبارة ولا عبارة رجال الصحيح، حجية الحديث بهذا الإسناد، جمعه بين أي منهما، وبين وصف الإسناد بالإرسال، أو الانقطاع، أو غيرهما، مما يقتضي الضعف (^٣).
_________________
(١) ينظر الإتحاف ٤/ ٤٩٨ والإصابة ٢/¬٧ و٣/ ١٤٨ مع الاستيعاب والتقريب (٣٨٦٧).
(٢) ينظر الاتحاف ٤/ ٤٩٨.
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٣٤ (٤). و٢/ ١٨٣ (٣) و١٩٢ (٩) و٢٢٤ (٦) و٢/ ٣٥٢ (٦) و٢/ ٣٥٤ (٩): و٢/ ٣٧٥ (٥) و٢/ ٣٨٦ (٧). و٣/ ١٣٢ (٥) و٣/ ١٤٢ (٣). و٤/ ٤٤٧ (٣). : : : : : :
[ ٤ / ١٦٨٦ ]
لكن في بعض المواضع لاحظت من سياق كلام العراقي إشارته بتوثيق رجال الإسناد إلى تقوية الحديث، وإن لم يُصرح بذلك (^١).
وفي موضع أشار بتوثيق رجال الإسناد إلى التقوية، ولكني وجدت فيهم من لم يترجح توثيقه، فقد ذكر حديث أنه ف كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، وذكر أنه متفق عليه من حديث جابر، في قصة حفر الخندق، وفيه: (فإذا رسول الله ﷺ شد على بطنه حجرًا)، ثم قال: وأغرب ابن حبان فقال في صحيحه: إنما هو الحجز - بضم الحاء، وآخره زاى، جمع لحجزة، وذكر أن ابن حبان لم يتابعه أحد على ذلك، ثم قال: ويرد على ذلك، ما رواه الترمذي من حديث أبي طلحة: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن حجرين، وعقب العراقي على حديث الترمذي هذا بقوله: ورجاله ثقات (^٢).
وأقره الشارح على ذلك (^٣).
فيلاحظ أن العراقي ذكر رواية الترمذي التي جاءت بلفظ «حجرين» بالراء المهملة للرد على ابن حبان في ضبطه (الحجر) في حديث جابر الذي خرجه، بالزاي المعجمة، بدل الراء.
ومقتضاه أنه يرى قوة رواية الترمذي هذه، بحيث يرد بها ضبط ابن حبان السابق ذكره. في حين أن الترمذي قال عن هذا الحديث: غريب، لا نعرفه
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٠ (٤) و٢/ ٣٧٣ (٥) و٤/ ٢٠٢ (٤).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٦ (١).
(٣) ينظر الاتحاف ٧/ ١٠١.
[ ٤ / ١٦٨٧ ]
إلا من هذا الوجه (^١) فأضاف العراقي إلى ذلك كون رجال هذا الإسناد ثقات، إشارة إلى التقوية، كما قدمت.
ثم إن في إسناد الترمذي هذا «سيار بن حاتم الغزي» وهو مختلف فيه توثيقا وتضعيفا (^٢) وقال الذهبي في الميزان: صالح الحديث (^٣) وفي الكاشف: قال: صدوق (^٤) وجمع ابن حجر بين الأقوال بقوله: صدوق له أوهام (^٥) فترجيح العراقي لتوثيقه مطلقا، خلاف ما يُستفاد من مجموع الأقوال في حاله.
من عباراته المنوعة عن الضعف المطلق للحديث:
لم يقتصر العراقي في بيان الضعف المطلق للحديث على لفظ «الضعف» الذي صرح به في مقدمة الكتاب، ولكنه تارة يقرنه بلفظ آخر، وتارة يذكر لفظا غيره مما هو في حكمه:
فتارة يقول عن الحديث: فيه ضعف (^٦) أو يقول: في إسناده ضعف (^٧)، أو «بإسناد لين» (^٨) أو «فيه لين» (^٩) أو «ليس إسناده
_________________
(١) ينظر جامع الترمذي - أبواب الزهد حديث رقم (٢٣٧١).
(٢) ينظر الميزان ٢/ ترجمة (٣٦٢٨) والتهذيب ٤/ ترجمة (٤٩٧) ورواية ابن محرز عن ابن معين ١/ ٣٨٨.
(٣) الميزان ٢/ ترجمة (٣٦٢٨).
(٤) الكاشف ١/ ترجمة (٢٢١٤).
(٥) التقريب (٢٧١٤).
(٦) المغني مع الإحياء ١/ ٣٣٢ (٨).
(٧) المغني مع الإحياء ٣/ ١٣٩ (٢).
(٨) المغني ١/ ١٥٦، (٥)، ٢٤٠، (٢)، ٢٧٠ (١). و٢/ ٣٤١ (١)، ٣٨٦ - ٣٨٧ (١٠).
(٩) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٦٥ (٣) و٢/ ٣٠٤ (٤). و٣/¬٤٩ (٢)، (١٠).
[ ٤ / ١٦٨٨ ]
بالقوي» (^١) وقد يعزو هذه العبارة إلى غيره من الأئمة (^٢) أو يقول: «بإسناد فيه مقال» (^٣) وقد يعزو هذه العبارة إلى غيره من الأئمة (^٤)، أو يقول: «بإسناد فيه نظر» (^٥) أو بإسنادين فيهما نظر (^٦).
الوصف بما يتعلق بأحوال الرواة، أو جهالتهم، أو نحوها:
فمن ذلك قوله عن الحديث «بإسناد مظلم» (^٧).
وفي الكبير ذكر بدلها «إسناده مجهول» (^٨) وعليه يمكن تفسير مقصود العراقي بكون السند مظلما: أن من رجاله من هو مجهول، عينا أو حالا، أو مبهما كرجل، أو امرأة، ونحوهما.
فقد ساق العراقي في التخريج الكبير إسناد الحديث المذكور بأكمله، كما في كتاب «نوادر الأصول» للحكيم الترمذي، ثم وصفه بأنه: إسناد مجهول (^٩) وبعد البحث الموسع، لم أقف لأكثرهم على ترجمة.
وقد يُصَرِّح في المغني بوصف بعض الأسانيد بالجهالة، فقد ذكر حديث:
_________________
(١) ينظر المغني ١/ ١٤٢، (٣) ٢١٨، (٢).
(٢) المغني مع الإحياء ١/ ٢١٨، (٢) ٢٦٠، (٢)، ٢٨١ (٤)، ٣٢١ (٥).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٥٣ (١) و٤/ ٥٢٢ (١).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢١٣ (٥)، ٢٤٦ (١).
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٤٩ (٤)، ٤/ ١٨٢ (١).
(٦) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٨٢ (١).
(٧) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٧٨ (٣).
(٨) الإتحاف ١/ ٤٠٩.
(٩) ينظر الإتحاف ١/ ٤٠٩.
[ ٤ / ١٦٨٩ ]
إذا كان في آخر الزمان، خرج الناس للحج أربعة أصناف (الحديث)، وعزاه إلى الخطيب من حديث أنس بنحوه ثم قال: بإسناد مجهول (^١) وبمراجعة الحديث في تاريخ بغداد للخطيب (^٢) وجدت في إسناده أكثر من راو لم أقف له على ترجمة، وفيه أيضا: «فرقد بن يعقوب السبخي»، وخلاصة حاله أنه كما في التقريب: أنه صدوق عابد، لين الحديث، كثير الخطأ (^٣).
وذكر حديث: (إن من العلم جهلا) وعزاه إلى أبي داود من حديث بريدة، ثم قال: وفي إسناده من يجهل (^٤)، وبمراجعة إسناد الحديث عند أبي داود (^٥) نجد فيه (عبد الله بن ثابت المروزي، أبو جعفر النحوى) قال عنه الذهبي: شيخ لا يعرف، تفرد عنه أبو تميلة (^٦) وقال ابن حجر: مجهول (^٧).
وذكر حديثا آخر، وعزاه لأحمد من حديث عبيد، مولى رسول الله ﷺ، ثم قال: بسند فيه مجهول (^٨) وبمراجعة إسناد الحديث في مسند أحمد، نجد فيه رجلا مبهما (^٩).
وقال عن حديث آخر: بسند فيه جهالة (^١٠)
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٩ (١).
(٢) تاريخ بغداد ١٠/ ٢٩٦.
(٣) التقريب/ ترجمة (٥٣٨٤).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٣٨ (١).
(٥) السنن - كتاب الأدب حديث رقم (٤٩٧٣).
(٦) الكاشف ١/ ترجمة (٢٦٥٦) مع التهذيب ٥/ ترجمة (٢٨٣).
(٧) التقريب (ترجمة ٣٢٤١).
(٨) المغني مع الإحياء ١/ ٢٤١ (٤).
(٩) ينظر مسند أحمد ٥/ ٤٣١.
(١٠) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٥١ (٦).
[ ٤ / ١٦٩٠ ]
وبمراجعة إسناد الحديث (^١) نجد فيه راويين، خلاصة حال كل منهما أنه: مجهول (^٢)، وباقي رواته ثقات.
وقال عن حديث آخر: في إسناده جهالة (^٣) وذكر تلميذه الهيثمي أن في سنده (عبد الرحمن بن عبيد) لم ير من ذكره (^٤).
وهكذا وصف العراقي عددًا آخر من الأحاديث بأن في إسناد كل منها جهالة (^٥).
وقد سبقه إلى مثل هذا غيره من الأئمة المتقدمين، كالترمذي، وابن المديني، ونقل هو عنهما ذلك في بعض المواضع دون تعقب، وعند مراجعة الإسناد الذي وصفه أحدهما بذلك، نجد فيه من الرواة من وصف بأنه: لا يُعرف، أو «بأنه مجهول (^٦)» فدل ذلك على مراد كل منهما بجهالة السند، وإقرار العراقي لهما على ذلك.
_________________
(١) تنظر سنن ابن ماجه - التجارات/ حديث (٢١٦٤) ط الأعظمي.
(٢) ينظر التهذيب ٣/ ٢١٦ مع التقريب/ ترجمة (١٩٩٩) والتهذيب ١٠/ ٤١٥ مع التقريب/ ترجمة (٧٠٨٨).
(٣) المغني مع الإحياء ١/ ٣٦٢ (١).
(٤) مجمع الزوائد ١/¬٣٦.
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٢٨ (٦)، ١٥٣ (٥)، ١٨٠ (٣).
(٦) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٨١ (٥) مع جامع الترمذي ١/ حديث (١٩٥) والتهذيب لابن حجر ١١/ ترجمة (٥٥٤) والميزان ٤/ ترجمة (٩٦٢٩). والمغني مع الإحياء ١/ ٢٩٧ (٢) مع جامع الترمذي ٥/ حديث (٢٩٠٦) والميزان ٤/ ٥٧١، ٥٩٨، والمغني مع الإحياء ٤/ ٢٨١ (٣) مع المعجم الأوسط للطبراني ١/ ٤٤٥ ط الحرمين، ومجمع الزوائد للهيثمي ٢/ ٣٠٥ - باب في الحمى، والميزان ٤/ ترجمة (٨١٨٤).
[ ٤ / ١٦٩١ ]
وقد يصرح العراقي بأن في السند من لا يُعرف، وعند مراجعة الإسناد الذي قال عنه هذا، نجد بعض رواته لم يوقف له على ترجمة (^١).
وقد يقيد العراقي عدم المعرفة لبعض رجال السند بمبلغ علمه هو، فيصف الإسناد بقوله: وفيه من لم أعرفه (^٢).
وقد وجدت موضعا عزا فيه العراقي الحديث إلى الطبراني - يعني الكبير - من حديث العرس بن عميرة، ثم قال: وفي سنده من لم أعرفه (^٣) وقد قال قرينه وتلميذه الهيثمي عن هذا الحديث: رجاله ثقات (^٤) ولكن في الإسناد «محمد ابن صالح بن الوليد النرسى» شيخ الطبراني (^٥) لم أقف له على ترجمة، فلعله هو المشار إليه في عبارة العراقي.
ولعل الهيثمي حكم بتوثيقه بناء على ما قرره في مقدمة المجمع بقوله: ومن كان من مشايخ الطبراني في الميزان نبهت على ضعفه، ومن لم يكن في الميزان ألحقته بالثقات الذين بعده (^٦) وهذا توسع ظاهر منه ﵀ لا
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٢ (٥) مع الترغيب والترهيب للأصبهاني ٢/ ٥٥٩/ حديث (١٣٣٥) بتحقيق إبراهيم زايد. والمغني مع الإحياء ٢/ ٢٥٢ (٥) مع مكارم الأخلاق للخرائطى ٢/ «باب ما يستحب للمرء أن يفعله إذا أراد سفرا …» حديث (٨٥٨) بتحقيق الدكتورة/ سعاد الخندقاوى، والاتحاف ٦/ ٤٠٣، ٤٠٤.
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٠ (٨).
(٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٠٥ (١).
(٤) مجمع الزوائد ٧/ ٢٦٨.
(٥) ينظر المعجم الكبير للطبراني ١٧/ حديث (٣٤٣).
(٦) ينظر مجمع الزوائد للهيثمي ١/¬٨.
[ ٤ / ١٦٩٢ ]
تساعده قواعد الجرح والتعديل المقررة في مظانها.
والصواب: أن يتوقف عن الحكم على الإسناد الذي لا يوقف على ترجمة لأحد رجاله، مع كون باقيهم ثقات، حيث لا يبعد أن يوقف عليه فيما بعد، فيظهر ضعفه أو تهمته بالكذب، ويعتبر صنيع العراقي في مثل هذا الإسناد توقفا عن الحكم عليه بدرجة معينة، وهذا هو الصواب، والأحوط في صيانة السنة، وفي رعاية القواعد النقدية.
وقد يصرح العراقي بتحديد الراوي الذي جاء في إسناد الحديث، ثم يذكر وصفه بالجهالة المطلقة، فتشمل جهالة عينه وحاله، أو يصفه بجهالة الحال فقط. وكلا الأمرين يقتضي أحدهما ضعف الحديث بالإسناد المذكور، فيعتبر ذلك من العراقي إشارة إلى ضعفه.
وقد يصف الراوي بأنه: لم يعرفه، أو يذكر عبارة نحوها، ومقتضى ذلك التوقف عن تحديد درجة للحديث بهذا الإسناد، وإن كان باقي رجاله ثقات.
فمن أمثلة وصفه لأحد الرواة في الإسناد بالجهالة المطلقة:
أنه ذكر حديث (رده ف واثلة بن الأسقع إلى فتوى قلبه) وعزاه إلى الطبراني من حديث واثلة، ثم قال: وفيه العلاء بن ثعلبة، مجهول (^١).
وبمراجعة مصادر ترجمة (العلاء) هذا نجد أن أبا حاتم الرازي، ذكر رواية شخص واحد عنه، ثم وصفه بالجهالة المطلقة، فقال: مجهول، ومقتضى هذا أنه مجهول عينا وحالا، وقد تابع أبا حاتم على هذا من ترجم (لثعلبة)
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ١١٧ (١) مع المعجم الكبير للطبراني ٢٢/ حديث (١٩٣).
[ ٤ / ١٦٩٣ ]
من بعده، بما فيهم العراقي، وإن لم ينسبوا ذلك لأبي حاتم (^١) وتكرر هذا من العراقي أيضا (^٢)
وفي بعض المواضع عزا إليه، وصف الراوي بالجهالة، حيث ذكر حديث «أخوف ما أخاف على أمتى أن يكثر لهم المال» (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الحسد له، من حديث أبي عامر الأشعري، ثم قال: وفيه ثابت بن أبي ثابت، جَهَلَهُ أبو حاتم (^٣).
وبمراجعة كتاب ابن أبي حاتم نجده ذكر راويا واحدا عن ثابت هذا، باسم «عوف» هكذا مهملا، ثم ذكر قول أبي حاتم في ثابت هذا: هو مجهول (^٤) وتبعا لهذا قال الذهبي: ثابت بن أبي ثابت، شيخ العوف، مجهولان (^٥) يعني ثابتا وعوفا الراوي عنه، أما الحافظ ابن حجر فذكر راويا ثانيا غير عوف، روى عن ثابت (^٦)، فأقصى ما يقتضيه هذا زوال جهالة عينه،
وبقاء جهالة حاله.
وقد يصرح العراقي بيكون الراوي مجهول العين والحال معا، أو يذكر ما يفيد ذلك
_________________
(١) ينظر الجرح والتعديل للرازي ٦/ ٣٥٣ والميزان ٣/ ترجمة (٥٧٢٠) واللسان ٤/ ترجمة (٤٨١)
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٠٢ (٥) مع الجرح والتعديل ٣/ ترجمة (١٤٢)، والميزان ١/ (٥١٩) واللسان ٢/ ترجمة (١٠٣٥) والاتحاف ٦/ ٢٨٠.
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٨٤ (٤).
(٤) الجرح والتعديل ٢/ ترجمة (١٨٠٧).
(٥) الميزان ١/ ترجمة (١٣٥٦).
(٦) اللسان ٢/ ترجمة (٢٩٠).
[ ٤ / ١٦٩٤ ]
فقد ذكر حديث أنه ف بعث بعثا عليهم قيس بن سعد (الحديث)، وفيه: (إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت)، وعزاه إلى الدار قطني في كتاب (المستجاد) له، ثم قال: من رواية أبي حمزة الحميري عن جابر، وذكر أن «أبا حمزة الحميري» هذا، لا يُعرف اسمه، ولا حاله (^١) وتابعه على ذلك الشارح (^٢). ومعنى هذا، جهالة عين «أبي حمزة» هذا وجهالة حاله معا، والذي في مصادر الترجمة يؤيد هذا.
فقد ذكر البخاري (^٣) وابن أبي حاتم (^٤) وابن حبان في الثقات (^٥) أبا حمزة الخولاني، سمع جابرا، وروى عنه بكر بن سوادة، وزاد أبو زرعة الرازي قوله: هو مصري لا يعرف اسمه.
وبمراجعة سند الحديث في كتاب (المستجاد) الذي عزاه العراقي إليه (^٦) وفي مصدر آخر، رواه من الطريق نفسه، نجده ذكر «الحميري» (^٧) كما ذكر العراقي، بدل «الخولاني» الذي في مصادر الترجمة السابقة وذكره ابن حجر
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٤١ (٢).
(٢) الإتحاف ٨/ ١٧٩
(٣) التاريخ الكبير للبخاري ٩/¬٢٦.
(٤) الجرح والتعديل ٩/ ترجمة (١٦٤٥).
(٥) الثقات ٥/ ٥٧٨.
(٦) المستجاد للدارقطني حديث (٤٧) ومن طريقه رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٤/ ٤٥٣/ أ/ ترجمة (قيس بن سعد بن عبادة).
(٧) ينظر الغيلانيات وعواليها، لأبي بكر الشافعي، بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ فاروق عبد العليم/ حديث (١٠٥٣) ط أضواء السلف.
[ ٤ / ١٦٩٥ ]
في اللسان (^١) مثلما ذكره شيخه العراقي، نقلا عنه، ولم يذكر أن أحدا ترجم له غير شيخه، ثم ذكر في الفتح رواية «أبي حمزة»، للحديث المذكور، وذكر نسبته «الخولاني» (^٢)، ولا يبعد تحريف (الحميري) إلى (الخولاني).
وعلى كل فيظل «أبو حمزة» هذا غير معروف الاسم، ولم يعرف له راو غير «بكر ابن سوادة» فيكون مجهول العين والحال، كما ذكر العراقي آنفا، ويكون الحديث من طريقه ضعيفا.
ولكنه روى من بعض الطرق الأخرى (^٣).
وتقرير العراقي أن «أبا حمزة» المذكور آنفا يعتبر مجهول العين والحال، دليل على عدم اعتداده بذكر ابن حبان له في الثقات كما تقدم، في حين تقدم أيضا اعتداده بذلك في غير هذا الراوي.
وقد يصف العراقي الراوي بجهالة الحال فقط، كما في حديث أبي ذر: (ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله) (الحديث).
فقد عزاه لأحمد بلفظه - يعني في المسند - ثم قال: وفيه (ابن الأحمس) لا يُعرف حاله (^٤).
وبمراجعة المسند، نجد الإمام احمد أخرج الحديث من طريق أبي العلاء بن
_________________
(١) لسان الميزان ٧/ ترجمة (٣٦٣).
(٢) ينظر فتح الباري ٨/ ٨١.
(٣) ينظر تاريخ ابن عساكر ١٤/ ٤٥٣/ أ والإتحاف ٨/ ١٧٩. والمستجاد للدارقطني/ حديث (٤٧) مع التعليق عليه.
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٣١ (٨).
[ ٤ / ١٦٩٦ ]
الشخير عن ابن الأحمس عن أبي ذر، به (^١)
وقد ذكره البخاري هكذا «ابن الأحمسي» بزيادة ياء النسب، في آخره، وذكر رواية «ابن الشخير» فقط عنه، ولم يتكلم عنه بشيء (^٢) وتتابع على هذا عامة من ترجم له بعد البخاري (^٣) وعليه فيعتبر «أبو حمزة» هذا مجهول العين والحال معا، وليس مجهول الحال فقط، كما ذكره العراقي (^٤).
وذكر العراقي أيضا حديث عائشة ﵂ في زيارة
وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور له، ثم قال: وفيه عبد الله بن سمعان، ولم أقف على حاله (^٥)، وتعقبه الزبيدي بأن «عبد الله بن سمعان» هذا معروف الحال، إما بالثقة، وإما بالضعف، وأيد ذلك بما في كتب التراجم (^٦).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ٥/ ١٥١.
(٢) التاريخ الكبير للبخاري ٨/ ٤٣١.
(٣) ينظر الجرح والتعديل ٩/ ٣١٥ والتذكرة برجال العشرة ٤/ ترجمة رقم (٩١٨٦) بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ رفعت فوزي. والإكمال ٢/ ترجمة (١٢٠٨) بتحقيق تلميذى الفاضل الشيخ/ عبد الله سرور الباكستاني، كلاهما لأبي حمزة الحسيني، وتعجيل المنفعة لابن حجر العسقلاني/ ترجمة رقم (١٤٣٦).
(٤) وينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٠٣ (٢) مع الإتحاف ٩/ ٩١.
(٥) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٥ (٣).
(٦) الإتحاف ١٠/ ٣٦٥.
[ ٤ / ١٦٩٧ ]
ممن توقف العراقي في معرفته من الرواة، فتوقف عن درجة حديثه، وما يُتعقب به في ذلك:
مع سعة علم العراقي واطلاعه على كتب الرواية والدراية وعلم الرجال، فإنى وجدته توقف في معرفة بعض الرواة في أسانيد بعض الأحاديث، بعد تحديد كل منهم حسب ذكره في الإسناد، وبالتالي توقف عن ذكر درجة الحديث من طريق هذا الراوي.
وبذلك أفادنا أمرًا منهجيا في هذا، وهو: أنه عندما يوجد في سند الحديث راو لا نقف له على ترجمة بعد البحث الكافي، فإننا نتوقف في بيان درجة الحديث بهذا الإسناد، إن كان باقي رواته ثقات، أما إذا كان في الإسناد سبب آخر يقتضي الضعف فيمكن الحكم عليه بحسبه، كما سيأتي مثال لذلك.
ومن أمثلة ما توقف العراقي في معرفته، وبيان درجة الحديث من طريقه: أنه ذكر حديث أبي سعيد الخدري: «من سألنا أعطيناه» (الحديث) وعزاه إلى القناعة لابن أبي الدنيا، والحارث بن أبي أسامة في مسنده، ثم قال: وفيه «حصن ابن هلال» لم أر من تكلم فيه، وباقيهم ثقات (^١) وتابعه الشارح على هذا، لكن ذكر في الشرح «حصين» بدل «حصن» (^٢).
وقد بحثت غاية وسعى عن ترجمة لهذا الراوي، فلم أجد من ترجم له، فلعل هذا مقصود العراقي بأنه لم يجد من تكلم فيه، وبذلك توقف عن بيان
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٢٠٦ (٥).
(٢) الاتحاف ٩/ ٣٠٤.
[ ٤ / ١٦٩٨ ]
درجة الحديث من طريقه مع تقريره أن باقى رواته ثقات.
وذكر حديث: «ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفئة في بحر لُجِّي، وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفئة في بحر لُجِّي» ثم ذكر أن الشطر الأول من الحديث رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث جابر بإسناد ضعيف، وقال: وأما الشطر الأخير فرواه على بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية من رواية يحيى بن عطاء، مرسلا، أو معضلا، ولا أدري من يحيى بن عطاء (^١).
فرواية الشطر الأخير هذه وجد في سندها راو لم يوقف له على ترجمة، وهو «يحيى ابن عطاء» ولكن عُرف أنه ليس بصحابي مع رفعه الحديث إلى النبي ﷺ، فبحسب تسلسل الإسناد، احتمل كونه تابعيا، فيكون الحديث مرسلا، أو تابع تابعي فيكون معضلا، وكل منهما انقطاع يقتضي ضعف الحديث من هذا الطريق، ولو كان رجاله ثقات، وبناء عليه أشار العراقي لضعف هذا الحديث بما وجد في سنده من الانقطاع، ثم ذكر توقفه في معرفة أحد رجال إسناده، عينا وحالا، وهو «يحيى بن عطاء».
ولما وقف الحافظ ابن حجر على كلام شيخه العراقي عن هذا الحديث، علق عليه بحاشية كتاب المغني بقوله: «لعله يحيى عن عطاء».
ومعنى هذا، أنه لم يقف هو الآخر على ترجمة باسم «يحيى بن عطاء» فذكر احتمال أن تكون لفظة «بن» تحرفت عن لفظة «عن»، ومن يمارس النظر في الأسانيد، يعرف أن مثل هذا يحدث في النسخ الخطية، وما يُطبع
_________________
(١) ينظر المغني مع الاحياء ٢/ ٣٠٤ (٥).
[ ٤ / ١٦٩٩ ]
عنها (^١) وقد علق الزبيدي شارح الإحياء، بدوره على عبارة ابن حجر السابقة فقال: «قلت: فلا يكون الحديث معضلًا» ثم قال: «وينظر من «يحيى» هذا الذي روى عن عطاء؟» (^٢)
وعليه فما زال في السند راو لم تعرف عينه، ولا حاله، لكن أيضا فيه ما يقتضي ضعفه، وهو الإرسال، على فرض أن يكون: «يحيى عن عطاء».
وذكر العراقي حديث «حلول طائفة من الخلق الأعراف».
وذكر ضمن تخريجه: أن الطبراني أخرجه من رواية أبي معشر، عن يحيى ابن شبل عن عمر بن عبد الرحمن المدني عن أبيه، مختصرا (^٣) ثم قال: وأبو معشر، نجيح السندي، ضعيف، ويحيى بن شبل، لا يعرف (^٤).
وعند مراجعة الحديث في مجمع الزوائد (^٥) نجد اقتصر في الإشارة إلى ضعف الحديث من هذا الطريق، بذكر ضعف أبي معشر. في حين زاد العراقي ذكر «يحيى ابن شبل» الذي يروى عنه أبو معشر، وذكر أنه لا يُعرف، كما تقدم.
وبمراجعة كتب الرجال، نجد رجلين، كل منهما يقال له: «يحيى بن شبل».
_________________
(١) ومن أراد عدة أمثلة لذلك، فليراجع الطبعة الميمنية المسند الإمام أحمد، وما صور عنها، مع طبعة المسند التي أخرجتها مؤسسة الرسالة مؤخرا بإشراف معالى الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، وزير الشئون الإسلامية والأوقاف - بالمملكة العربية السعودية، وكان لي شرف المشاركة في مراجعة الأجزاء الأولى منه حتى الجزء التاسع عشر.
(٢) إتحاف السادة المتقين، للزبيدي ٧/¬٨.
(٣) وهذا الحديث ضمن المسانيد المفقودة حاليا من طبعة المعجم الكبير للطبراني.
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ٤/¬٣٠ (١).
(٥) ينظر مجمع الزوائد ٧/¬٢٣ - ٢٤. -
[ ٤ / ١٧٠٠ ]
وقد ذكر أحدهما الذهبي في الميزان (^١) وذكر أنه يروي عن مقاتل بن سليمان، ويروي عنه مكي بن إبراهيم، وقال الذهبي: لا يعرف.
فلعل العراقي قصد هذا، لاتفاق عبارته في وصف «يحيى» مع عبارة الذهبي هذه، وإن لم ينسبها العراقي إليه.
لكن ما ذكر من أنه يروي عن مقاتل ويروي عنه مكي بن إبراهيم، لا يتفق مع ما ذكر في رواية الحديث الذي معنا.
والذي يتفق معه هو (يحيى بن شبل) آخر، ذكره ابن أبي حاتم (^٢) وذكر روايته عن شخصين؛ أحدهما: (عبد الرحمن) المذكور في سند هذا الحديث، وذكر نسبته (المزني) بدل (المدني) ولعله تحرف (المزني) عن (المدني)، كما يستفاد من بقية المصادر (^٣) كما ذكر خمسة ممن رووا عنه، وذكر منهم (أبا معشر)، ولكن لم يذكر ابن أبي حاتم فيه جرحا ولا تعديلا. وبذلك يكون معروف العين، مجهول الحال، حسب الاصطلاح العام، وقد سبق مثال لمن صرح العراقي بوصفه بجهالة الحال، فوصفه (ليحيى بن شبل) هذا بأنه لا يعرف، غير متفق مع ما ذكر في مصادر ترجمته، ولا مع صنيع العراقي في من وصفه بجهالة الحال غير هذا الراوي.
ولهذا يترجح لدى الظن بأن العراقي ﵀ اشتبه عليه «يحيى بن شبل» الثاني، «بيحيى بن شبل» الأول، الذي ذكره الذهبي، بدليل وصفه.
_________________
(١) الميزان ٤/ ترجمة (٩٥٤٢).
(٢) الجرح والتعديل ٩/ ترجمة (٦٥٣).
(٣) ينظر مجمع الزوائد ٧/¬٢٣ - ٢٤ وتهذيب التهذيب ١١/ ترجمة (٣٧٠).
[ ٤ / ١٧٠١ ]
بعبارة «لا يُعرف» التي ذكرها الذهبي، كما قدمت.
وذكر حديث «كان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من أمل يمنع خير العمل (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب «قصر الأمل» له، وقال: من رواية حوشب عن النبي ﷺ وفي إسناده ضعف، وجهالة، ولا أدرى من حوشب؟» (^١).
وبمراجعة كتاب «قصر الأمل» المشار إليه، نجد ابن أبي الدنيا قد روى الحديث عن أبي بلال الأشعري قال حدثنا جابر بن سليمان عن أبي عمير المكي عن حوشب قال: كان رسول الله ﷺ (الحديث) (^٢).
وهذا الإسناد لم أجد من رجاله من له ترجمة مطابقة لما في الإسناد، والذي وجدت ترجمة له أبو بلال الأشعري، الكوفي، مع الخلاف في اسمه فقيل «مرداس» وقيل غير ذلك، وخلاصة حاله أنه: ضعيف (^٣) ولكن لم يذكر ممن روى عنهم «جابر بن سليمان» الذي في هذا الإسناد، ولا ذُكر ابن أبي الدنيا ضمن من يروون عنه.
لكني وجدت ابن أبي الدنيا قد روى عنه في غير هذا الكتاب من مؤلفاته (^٤) فلو كان العراقي يقصده بقوله عن الحديث: «في إسناده ضعف» فيمكن حمل الجهالة التي ذكرها أيضا، على من لم نقف لهما على ترجمة وهما: «جابر
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٣٨ (٧).
(٢) ينظر قصر الأمل لابن أبي الدنيا حديث (٤٦) بتحقيق/ محمد خير رمضان.
(٣) ينظر الثقات لابن حبان ٩/ ١٩٩ واللسان ٦/ ترجمة (١٥٠) و٧/ ترجمة (٢٠٧).
(٤) ينظر «الصمت» بتحقيق د/ نجم خلف حديث (٢٤٢) وذم الغيبة والنميمة/ بتحقيقه أيضا (ح ١٠٤).
[ ٤ / ١٧٠٢ ]
ابن سليمان» و«أبي عمير المكي».
أما قول العراقي: لا أدرى من «حوشب» فيبدو أنه ليس مقصوده عدم وجود ترجمة له، ولكن المقصود أنه لا يدرى كونه صحابيا، أو من التابعين أو من أتباعهم، وذلك لكونه رفع الحديث إلى الرسول ﷺ بدون لفظ يدل على الاتصال بينهما مثل: رأيت، أو سمعت، أو حدثنا، ونحو هذا، وقد ذكر «حوشب» في السند كما ترى غير منسوب، وقد ذكر في الصحابة من اسمه «حوشب» غير منسوب، ومن اسمه «حوشب» منسوبا (^١) وذكر في التابعين وأتباعهم من يقال له «حوشب» كذلك (^٢) وليس في تراجم هؤلاء جميعا ما يتطابق مع ما في إسناد الحديث الذي معنا.
وقد ذكر الزبيدي في الاتحاف تعقبا على العراقي في قوله «لا أدري من حوشب» فقال: وجدت بخط شمس الدين الداودي، ما نصه: هو تابعي صغير، وله رواية عن الحسن في كتاب ابن أبي الدنيا أيضا، ثم أضاف الزبيدي من عنده فقال: قلت: هذا التابعي الذي ذكره، له ذكر في الحلية، في ترجمة «محمد بن واسع» ثم ذكر أن في الصحابة اثنان، يقال لهما «حوشب» كل منهما غير منسوب، …
ثم قال: فليحرر، والله أعلم (^٣).
أقول والتحرير هو ما قدمته، وما نقله الزبيدي عن الداودي، لم أجده في
_________________
(١) تنظر الإصابة ١/ ترجمة (١٨٧٤، ١٨٧٥، ٢٠١٨).
(٢) ينظر الثقات لابن حبان ٤/ ١٨٤ و٦/ ٢٤٣ والجرح والتعديل ٣/ ٢٨٠، ٢٨١ والميزان ١/ ص ٦٢٢.
(٣) ينظر الاتحاف ١٠/ ٢٤٠.
[ ٤ / ١٧٠٣ ]
كتاب «قصر الأمل» المطبوع، وإذا وجد فرواته عن الحسن، تخالف ما معنا من رفعه الحديث إلى النبي ﷺ.
وكذلك «حوشب» الذي ذكره الزبيدي وأحال به على كتاب «الحلية»، موجود فعلا في الموضع الذي أشار إليه، وفي موضع آخر قبله (^١) ولكنه لا يطابق الإسناد الذي معنا في هذا الحديث، وقد عزا الزبيدي الحديث أيضا لكتاب اليقين لابن أبي الدنيا، ولم أجده في طبعته الحالية. وبذلك يكون تعقب العراقي بما ذكره الزبيدي عن الداودى، وبما أضافه هو إلى ذلك، غير مؤكد.
وذكر العراقي أيضا حديث عائشة: قلت لامرأة: إنها طويلة الذيل (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا [في كتاب الصمت] وابن مردويه في تفسيره، ثم قال: وفي إسناده امرأة لا أعرفها (^٢).
والحديث قد أخرجه ابن أبي الدنيا كما ذكر العراقي في كتاب الصمت (^٣).
وفي كتاب «ذم الغيبة والنميمة» له أيضا (^٤) في كليهما: عن عبيد الله العتكي عن موسى بن إسماعيل عن الهنيد بن القاسم قال سمعت غبطة بنت خالد قالت سمعت عائشة (الحديث).
وقد اختلف رسم اسم تلك المرأة الراوية للحديث عن عائشة، في نسخ كتابي ابن أبي الدنيا السابقين فمرة رسم (غبطة) ومرة رسم «قطبة» ومرة رسم
_________________
(١) تنظر الحلية ٢/ ٣٤٦ و٣٥١.
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٤١ (٦).
(٣) الصمت لابن أبي الدنيا - بتحقيق د/ نجم خلف/ حديث (٢١٦).
(٤) كتاب ذم الغيبة - بتحقيق د/ نجم خلف/ حديث (٦٧).
[ ٤ / ١٧٠٤ ]
«عطية» ولم يوقف لها على ترجمة بأى من ذلك، ولعل هذا ما جعل العراقي يتوقف فيها، كما تقدم.
لكن الخرائطي قد أخرج حديثها الذي معنا في كتابه «مساوئ الأخلاق» (^١) من طريق موسى بن إسماعيل التبوذكى حدثنا الهنيد بن القاسم، به، وجاءت تسميتها في هذا الإسناد «رابطة» وقد ذكرها ابن سعد في الطبقات فقال: ريطة الحنفية، روت عن عائشة ﵂، وأخرج من طريق ميسرة عنها قالت: أمتنا عائشة في الصلاة، فقامت وسطنا، ولم يذكر فيها جرحا ولا تعديلا (^٢) ومن رواية ابن سعد هذه، ورواية ابن أبي الدنيا والخرائطي للحديث الذي معنا، نجد أنه قد عُرف اسم ونسب «ريطة» هذه، وعرف أيضا أنه روى عنها اثنان، فترتفع جهالة عينها، وتبقى جهالة حالها. ويظهر بذلك تحريف اسمها من بعض النساخ لكتابي ابن أبي الدنيا السابقين. ولأجله لم يتيسر للعراقي ﵀ الوقوف على ترجمة لها، فتوقف عن الحكم على إسناد هذا الحديث.
ولم أجد من ترجم لها ممن حقق كتابي ابن أبي الدنيا السابقين، أما باقي رجال الإسناد: - فهم: -
عبيد الله بن جرير بن جبلة، أبو العباس، العتكى، قال الخطيب: كان ثقة (^٣)؟
وموسى بن إسماعيل، التبوذكى، المنقرى، ثقة على الراجح (^٤)
_________________
(١) مساوئ الأخلاق للخرائطى - حديث رقم (٢٠١) بتحقيق مصطفي الشلبي.
(٢) تنظر الطبقات لابن سعد ٨/ ٤٨٣.
(٣) تارخ بغداد ١٠/ ٣٢٥ - ٣٢٦.
(٤) التقريب (٦٩٤٣).
[ ٤ / ١٧٠٥ ]
وهنيد بن القاسم بن عبد الرحمن، ذكره ابن أبي حاتم (^١) وابن حبان في الثقات (^٢) ولم يذكرا راويا عنه غير موسى التبوذكي، كما لم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وعليه، فهو مجهول.
وبذلك يكون الحديث بهذا الإسناد ضعيفا لأجل «هنيد» هذا، و«ريطة بنت خالد» التي روى هو عنها الحديث، كما تقدم.
الإشارة إلى الحديث ببيان وجود راو مبهم في السند، أو معدل على الإبهام:
وقد صرح العراقي بذلك في عدة مواضع مما وقع الإبهام في سنده مثل «رجل من بنى فلان» و«عمة فلان» ونحو ذلك، وقد يبين اسم المبهم ولا يبين عينه ولا حاله، وقد يذكر التعديل على الإبهام مثل «من لا أتهم»، ومقتضى هذا كله ضعف الحديث من الطريق الذي وقع فيه شيء من ذلك (^٣) وإن لم يصرح العراقي بوصف الضعف (^٤).
_________________
(١) الجرح والتعديل ٩/ ترجمة (٥٠٩).
(٢) الثقات لابن حبان ٥/ ٥١٥.
(٣) ينظر شرح شرح النخبة - لعلى قارى/ ١٥٢ - ١٥٣. والابتهاج في أحاديث المعراج لأبي الخطاب ابن دحية/ ٦٨ بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ رفعت فوزى.
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٥٦ (٨) و٢٧١ (٧) مع سنن أبي داود - اللباس - حديث (٤٠٧٠) و٣٢٤ (٢) و٣٣٤ (٧) مع المسند لأحمد ٥/ ٣٥٩. و٣٦٤ (٢). وينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٠٣ (٥) و٣٧٣ (٣) و٣٠٠ (١) و٣٥٥ (٧). و٣/ ٣٠٥/ ١٥٩ (٥) و١٧٠ (٦) و١٧١ (٤). و٤/ ١٠٣ (٢) و١٤٨ (٩).
[ ٤ / ١٧٠٦ ]
الإشارة إلى درجة الحديث بوصف الراوي بأنه «متكلم فيه»:
قد يشير العراقي إلى درجة الحديث بذكر أحد رجال الإسناد، ولا يصفه بلفظ اصطلاحي معين يوضح مرتبة ضعفه، ولكن يقول: فيه، فلان، «متكلم فيه»، أو «تكلم فيه فلان» وهذه العبارة تعتبر جرحا غير مفسر، كما ذكر الذهبي (^١) وهي بمفهومها العام، متسعة الدلالة، كما ترى.
ولكن الذي لاحظته في كتب الرجال عند إطلاقها هكذا، بدون قرينة أخرى، أن الراوي تكلم فيه بعض النقاد بما لا يقتضي شدة ضعفه. وبنحو هذا أطلقها العراقي في بعض المواضع: -
فقد ذكر حديث: «إن بُدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة ولا بصيام» (الحديث) وعزاه إلى الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي سعيد (الخدري) نحوه، ثم قال: وفيه «صالح المري» متكلم فيه (^٢) وأقره الشارح (^٣).
ثم في موضع آخر ذكر حديثا أخرجه الحاكم من طريق «صالح المري» هذا وقال: مستقيم الإسناد، تفرد به صالح المري، وهو أحد زهاد البصرة اهـ. فتعقب العراقي الحاكم فقال: لكنه ضعيف في الحديث (^٤) فاستفدنا من ذلك مقصوده بوصفه لصالح في الموضع الآخر بأنه «متكلم فيه» وبمراجعة مصادر ترجمة «صالح» هذا نجد الأقوال فيه مختلفة، والأكثرون على تضعيفه ضعفا
_________________
(١) ينظر سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٥٥.
(٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٤٠ (٥).
(٣) الإتحاف ٨/ ١٧٧.
(٤) المغني مع الإحياء ١/ ٣١٥ (١).
[ ٤ / ١٧٠٧ ]
غير شديد، من جهة ضبطه (^١).
لكن لم يطرد إطلاق العراقي لتلك العبارة بمعنى الضعف غير الشديد، خلال الكتاب كله:
فقد ذكر حديث سعيد بن عامر: يدخل فقراء المسلمين الجنة، قبل الأغنياء بخمسمائة عام (الحديث) وعزاه إلى الطبراني مع بعض اختلاف، ثم قال: وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، تكلم فيه (^٢). ووصفه بذلك أيضا في موضع آخر (^٣).
و«يزيد بن أبي زياد» هذا، هو القرشي الدمشقي الشامي، وقد وصف بالصلاح والفقه، لكن الأكثرين على أنه شديد الضعف.
فيتجه ذلك إلى شدة ضعف ضبطه للحديث (^٤) مع أن العبارة كما أشرت، لا يستفاد منها ذلك، بدون قرينة.
وعليه فكان ينبغي على العراقي أن لا يقتصر عليها في بيان حال هذا الراوي، المشار به إلى درجة الحديث من طريقه.
وذكر العراقي في موضع آخر، حديث: «لا تتكلفوا للضيف» وعزاه بنحوه، إلى أبي بكر بن لال في مكارم الأخلاق، من حديث «سلمان»
_________________
(١) ينظر الميزان ٢/ ٢٨٩ والتهذيب ٤/ ٣٨٢ وترتيب العلل الكبير للترمذى ٢/ ٩٦٨ والتقريب (٢٨٤٥).
(٢) المغني مع الإحياء ٤/ ١٩٤ (٣) مع الإتحاف ٩/ ٢٨١.
(٣) المغني مع الإحياء ٣/ ٣١٥ (٥).
(٤) ينظر الميزان ٤/ ٤٢٥ والتهذيب ١١/ ترجمة (٦٢٩). والكاشف ٢/ ترجمة (٦٣٠٤) والتقريب (٧٧١٦).
[ ٤ / ١٧٠٨ ]
﵁، ثم قال: وفيه محمد بن الفرج الأزرق، متكلم فيه (^١) وأقره الشارح (^٢).
وبمراجعة ما جاء في حال (محمد) هذا، نجد أنه تكلم في جرحه مجملا، ومفصلا، وعارض ذلك توثيق الخطيب له، وذكر ابن حبان له في الثقات مع بيان أنه من شيوخ شيوخه، ورد غير واحد على ما تجرح به، وقرر الخطيب أن أحاديثه عموما، صحاح مستقيمة (^٣).
وعليه يكون اقتصار العراقي على وصفه بأنه (متكلم فيه) مخالف لما يفيده الإطلاق العام لهذه العبارة، ومخالف أيضا للراجح من حال هذا الراوي، والذي يشير إلى حسن حديثه - على الأقل - ما لم تكن هناك علة أخرى.
ومما وصف العراقي الراوي فيه بأنه «تكلم فيه فلان»، أنه ذكر حديث الحسن (البصري): «هل منكم من يريد أن يُذهب الله عنه العمى؟» وعزاه إلى ابن أبي الدنيا، والبيهقي - في شعب الإيمان - من طريق الحسن، مرسلا، ثم قال: وفيه إبراهيم بن الأشعث، تكلم فيه أبو حاتم (^٤).
وبالمراجعة نجد أن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن إبراهيم بن الأشعث، وذكرت له حديثا رواه عن معن عن ابن أخي الزهري عن الزهري، فقال: هذا حديث باطل، موضوع، كنا نظن بإبراهيم بن
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٢/¬١٢ (٣).
(٢) الإتحاف ٥/ ٢٣٨.
(٣) ينظر سؤالات الحاكم للدارقطني/ ترجمة (١٨٨) والثقات لابن حبان ٩/ ١٤٤ والميزان ٤/¬٤ واللسان/ ٥/ ترجمة (١١٢١).
(٤) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٠٠ (٤).
[ ٤ / ١٧٠٩ ]
الأشعث الخير، فقد جاء بمثل هذا (^١)
وبالنظر لمن فوق إبراهيم، في سلسلة هذا الإسناد السابق، نجد أن «مُعنَّا - وهو ابن عيسى - والزهري، كلاهما ثقتان، وابن أخي الزهري - هو محمد بن عبد الله ابن مسلم - لخص ابن حجر حاله بأنه «صدوق له أوهام (^٢)» وبذلك يكون الثلاثة أرفع حالا من «إبراهيم» ومقتضى كلام أبي حاتم السابق، أنه جعل عهدة هذا الحديث الذي حكم ببطلانه، راجعة إلى إبراهيم، فيكون هذا جرحا شديدا له، يصل إلى تهمة الكذب في نظر أبي حاتم، في حين نجد بعض تلاميذ «إبراهيم» قد وثقه، ونجد غير أبي حاتم تكلم فيه برواية المناكير، وبعض الوهم، وهذا أخف تضعيفا، من قول أبي حاتم السابق (^٣) فاقتصار العراقي على تكلم أبي حاتم في «إبراهيم» يشير إلى اختيار قول أبي حاتم فيه، مع أنه أشد الأقوال فيه، كما أوضحت، فيكون العراقي قد تشدد في هذا الموضع، في الإشارة لتضعيف الحديث بكون راويه تكلم فيه أبو حاتم، بما تقدم ذكره (^٤) وعموما فإن العراقي لم يكثر خلال الكتاب من استعمال عبارة «متكلم فيه» ولا عبارة «تكلم فيه فلان»، ولكن الأكثر هو التصريح بالألفاظ الاصطلاحية في وصف الراوي المشار به إلى درجة الحديث، كما سيأتي توضيحه خلال الفقرات التالية».
_________________
(١) الجرح والتعديل ٢/ ٨٨.
(٢) التقريب (٦٠٤٩).
(٣) ينظر اللسان ١/ ترجمة (٦٨).
(٤) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٣/ ١٧١ (٤) مع اللسان ٣/ ترجمة (٢١٤).
[ ٤ / ١٧١٠ ]
تصريح العراقي بوصف الراوي ببعض الألفاظ الاصطلاحية، إشارة إلى درجة الحديث من طريقه:
مما جرى عليه العراقي في بيان درجة الحديث، ذكره راويا أو أكثر من إسناد الحديث، ومن يذكره، يصفه بلفظ اصطلاحي يدل على درجة ضعفه، وبالتالي يدل على درجة ضعف الحديث من هذا الطريق، وتارة ينسب اللفظ لقائله، وتارة لا ينسبه، وتارة يسوق القول بنصه، وتارة بمعناه.
فمن ذلك أنه ذكر حديث: «ينادى مناد من تحت العرش يوم القيامة» (الحديث) وعزاه إلى سباعيات أبي الأسعد القشيري من حديث أنس، ثم قال: وفيه الحسين ابن داود البلخي، قال الخطيب: ليس بثقة (^١).
ومما عبر فيه العراقي عن قول الناقد، ولم يسق لفظه، أنه ذكر حديث «أكثروا على من الصلاة في الليلة الغراء واليوم الأزهر» وعزاه إلى الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة، ثم قال: وفيه عبد المنعم بن بشير، ضعفه ابن معين وابن حبان (^٢).
وبالمراجعة نجد أن لفظ ابن معين: «أتيت عبد المنعم، فأخرج إلى أحاديث أبي مودود، نحوا من مائتي حديث، كذب، فقلت: يا شيخ، أنت سمعت
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٤/ ٥٣٠ (١) مع اللسان ٢/ ترجمة (١١٧٥). وتنظر أمثلة أخرى لما ذكر فيه الألفاظ معزوة إلى قائليها: في المغني مع الإحياء ٢/ ٣٤٢ (١) مع الميزان ١/ ترجمة (٤٦٢)، والمغني مع الإحياء ٣/ ٢٣٦ (١) مع الميزان ٣/ ترجمة (٦٣١٧)، والمغني مع الإحياء ٤/ ٤٥٧ (١) مع الميزان ١/ ترجمة (٦٨١) و٢/ ترجمة (٥٢٧٠) وترجمة (٤٦٤٢).
(٢) المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٧ (٤).
[ ٤ / ١٧١١ ]
هذه من أبي مودود؟ قال: نعم، قلت: اتق الله، فإن هذه كذب، وقمت، ولم أكتب عنه» (^١).
وقول ابن حبان لفظه: منكر الحديث جدا، يأتي عن الثقات بما ليس من حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال (^٢).
ومن ذلك تلاحظ أن لفظ كل منهما يفيد شدة ضعف «عبد المنعم» هذا، في حين ما عبر به العراقي عن قولهما يفيد مجرد ضعفه فقط. وبذلك تختلف درجة ضعف حديث «عبد المنعم» من ضعيف جدا، إلى ضعيف فقط، وسيأتي بيان تفريق العراقي نفسه بين الضعيف فقط، والضعيف جدا، وهكذا هما متفاوتان في الاصطلاح العام كما سيأتي توضيحه.
ولهذا فإنه ينبغى على من يريد تحرير القول في واحد من الرواة أو الأسانيد، أو المتون، أن يطالع أقوال النقاد بألفاظهم التي نقلت عنهم، ولا يكتفي بنقل العراقي أو غيره لها بالمعنى، كما في المثال السابق. ويعتبر نقل العراقي السابق لقولى ابن معين وابن حبان بالمعنى، متوسعا فيه، كما أوضحته.
وأما وصفه للرواة ببعض الألفاظ الاصطلاحية دون عزوها لغيره، فهذا كثير، ومنه: أنه ذكر حديث «رحم الله عبدا تكلم فغنم» (الحديث) وعزاه إلى البيهقي في الشعب من حديث أنس، ثم قال: بسند فيه ضعف؛ فإنه من رواية إسماعيل ابن عياش عن الحجازيين (^٣).
_________________
(١) الميزان ٢/ ترجمة (٥٢٧١).
(٢) ينظر المجروحين لابن حبان ٢/ ١٥٨.
(٣) المغني مع الإحياء ٣/ ١٠٧ (٢).
[ ٤ / ١٧١٢ ]
فيلاحظ أنه ضعف الحديث، من رواية أنس، ﵁ بهذا الإسناد، وعلل ذلك بحال إسماعيل في روايته عن الحجازيين، ومعناه أن شيخه في هذا الإسناد حجازى.
وبمراجعة سند الحديث عند البيهقي نجد شيخ إسماعيل فيه هو «عمارة بن غزية» وهو أنصارى مدنى (^١).
وبمراجعة الأقوال في حال «إسماعيل» نجد ما ذكره العراقي، قد قرره جماعة من النقاد المعتبرين (^٢) وهذا يعتبر تطبيقا منه لمراعاة قاعدة الجرح المقيد في الحكم على مرويات الراوي؛ لأن إسماعيل وإن ضعف في روايته عن الحجازيين، فهو محتج به، في روايته عن الشاميين (^٣) كما أن العراقي في هذا الموضع ذكر الضعف المطلق بمعناه الاصطلاحي، وهو الضعف الخفيف، الذي يقبل الانجبار بمثله، أو بما هو أقوى منه (^٤) لكنه لم يطرد منهجه على هذا في كل الكتاب، بل خرج عنه في مواضع، فمن ذلك أنه ذكر حديث «من أحب قوما على أعمالهم، حشر في زمرتهم» وعزاه إلى ابن عدي في الكامل، من حديث جابر، ثم قال: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، ضعيف (^٥).
ومقتضى هذا أن يكون الحديث من طريق «إسماعيل» هذا، ضعفه غير
_________________
(١) شعب الإيمان للبيهقى ٤/ حديث رقم (٤٩٣٨) والتقريب (٤٨٥٨).
(٢) التهذيب ١/ ٢٢٣ - ٢٢٦.
(٣) ينظر تهذيب التهذيب ١/ ٢٢٣ - ٢٢٦.
(٤) وتنظر أيضا بعض الأمثلة في المغني مع الإحياء ٣/ ٣١٥ (٤) مع الميزان ١/ ترجمة رقم ٧٢٨ و٣/ ترجمة (٥٦٦٧) والمغني مع الإحياء ٤/ ٦١ (٢).
(٥) المغني مع الإحياء ٤/ ٣٤١ (٦).
[ ٤ / ١٧١٣ ]
شديد، لكن عند مراجعة الأقوال في «إسماعيل» المذكور، نجده موصوفا بوضع الحديث، وبالكذب، وبأن عامة ما يرويه بواطيل، مع ذكر بعضها في مصدر ترجمته (^١). وعليه فاقتصار العراقي على وصفه بمطلق الضعف، غير متوافق، لا مع خلاصة الأقوال في حال هذا الراوي، ولا متوافق مع المرتبة الاصطلاحية للفظ «الضعف» المطلق، ودرجة حديث الراوي الموصوف به. وقد لخص الذهبي حاله بأنه «متروك» كأبيه (^٢)، فأقل أحوال حديثه أنه شديد الضعف، لا ضعيفه فقط.
وأيضا وجدت حكم العراقي على بعض الرواة الذين أشار بوصفهم إلى درجة الحديث من طريق كل منهم، قد تغير، من موضع لآخر في كتاب المغني نفسه.
فمن ذلك أنه ذكر حديث «إن في النار توابيت، يجعل فيها المتكبرون»، وعزاه إلى البيهقي في الشعب، من حديث أنس ثم قال: وفيه أبان بن أبي عياش، وهو ضعيف (^٣).
وذكره في حديث آخر وذكر أنه «ضعيف» أيضا (^٤).
ثم ذكره في حديث آخر بعد هذين الموضعين، وذكر أنه ضعيف جدا (^٥) والمتناسب مع خلاصة الأقوال في حال «أبان» هو القول الأخير بأنه ضعيف
_________________
(١) ينظر الميزان ١/ ترجمة (٩٦٥) واللسان ١/ ترجمة (١٣٧٣).
(٢) ينظر ديوان الضعفاء/ ترجمة (٤٥٥).
(٣) المغني مع الإحياء ٣/ ٣٢٩ (٣).
(٤) المغني مع الإحياء ١/ ٣١٢ (٤).
(٥) المغني مع الإحياء ١/ ٣٧٣ (١).
[ ٤ / ١٧١٤ ]
جدًا (^١) وتكرر مثل هذا في مواضع أخرى من الكتاب (^٢).
ومن المعروف أن هناك تفاوتًا بين مرتبة «ضعيف» ومرتبة «ضعيف جدًا» وقد غاير العراقي نفسه خلال الكتاب بينهما كما سيأتي توضيحه، فإطلاقه كلا اللفظين على راو واحد، غير مناسب للاصطلاحات المقررة لمراتب الألفاظ النقدية. لكن هذا الاختلاف في الحكم على الراوي الواحد، يعتبر قليلًا بالمقارنة بما لم يختلف حكم العراقي عليه عند تكرره في هذا الكتاب.
إشارة العراقي لدرجة الحديث بوصف راويه بأنه «مختلف فيه»، أو ذكر ما يفيد الخلاف فيه، دون تصريح بالراجح:
ومن المعروف أن الراوي المختلف في بيان حاله جرحا وتعديلا، يحتاج إلى عمق في البحث، ودقة في النظر، على ضوء قواعد النقد، حتى تستخلص النتيجة في حاله، جمعًا، أو ترجيحًا، وعلى ضوء ذلك تتحد درجة حديثه، ومثل هذا لا يتاح إلا لأفذاذ العلماء والنقاد، ومنهم من جعل حصول الخلاف في حال الراوي عمومًا، يقتضي الحكم بتحسين حديثه لذاته، ما لم تكن فيه علة أخرى (^٣)، ولكن هذا توسع، لا يستقيم تعميمه على كل المختلف فيهم.
وقد حسن العراقي بعض الأسانيد التي فيها أحد الرواة مختلفًا فيه، مع
_________________
(١) ينظر الكاشف ١/ ترجمة (١١٠) والمغني في الضعفاء ١/ ترجمة (١٤). والديوان/ ترجمة (١٣٧) ثلاثتهم للذهبي. والتقريب/ ترجمة (١٤٢).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ٢٢٦ (٤) والميزان ١/ ترجمة (١٠١٧) واللسان ١/ ترجمة (١٤٢٤) والمغني ١/ ترجمة (٧٧٤) والديوان/ ترجمة (٤٨٦) والمغني مع الإحياء ٢/ ٣٦٨ (٤) مع ٤/ ٧٠ (٤).
(٣) النكت على علوم ابن الصلاح - لابن حجر ١/ ٣٨٦، ٤٢٦ - ٤٢٨.
[ ٤ / ١٧١٥ ]
ترجيح الاحتجاج به بمرتبة الحسن لذاته، عند العلماء ما لم توجد علة أخرى، مثل: عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده (^١)، وشريك بن عبد الله النخعي (^٢)، وأقر تحسين الترمذي لحديث من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (^٣).
لكنه أطلق وصف «مختلف فيه» على بعض الرواة الذين لا يترجح تحسين حديثهم لذاته، سواء عند غيره من العلماء، أو عنده هو، في موضع آخر من كتاب المغني نفسه.
فمن وصفه بأنه «مختلف فيه»: «عمارة بن زاذان» مشيرا بذلك لدرجة الحديث من طريقه، وبمراجعة مصادر ترجمته نجد أقوال العلماء على ترجيح تضعيفه (^٤) ومنهم من ترجح لدى غير العراقي من العلماء أنه متروك الحديث، مثل «حفص بن سليمان الأسدي، أبو عمر المقرى» مع إمامته في القراءة (^٥).
وأما «نجيح بن عبد الرحمن السندى، أبو معشر» فقد وصفه العراقي في موضع من المغني بأنه «اخْتُلِفَ فيه» (^٦) ثم وصفه في موضع آخر بأنه
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/ ١٨٨ (٤) وينظر التدريب ١/ ١٦٠.
(٢) المغني مع الإحياء ٣/ ١٥٤ (١) ومدار الحديث على (شريك) ولم أقف له على متابع، وقد سبق العراقي إلى تحسين هذا الحديث من طريق (شريك) هذه، على بن المديني، كما ذكره المزى، في ترجمة (نعيم بن حنظلة) من تهذيب الكمال ٣/ ١٤٢١ (مخطوط مصور).
(٣) المغني مع الإحياء ٣/ ١٣١ (٩) وينظر التدريب ١/ ١٦٠.
(٤) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٦٠ (٢) مع الكاشف ٢/ ترجمة (٤٠٠٨) والمغني في الضعفاء ٢/ ترجمة (٤٤٠٠) والديوان/ ترجمة (٣٠٠٤) والتقريب/ ترجمة (٤٨٤٧).
(٥) المغني مع الإحياء ١/ ٣٣٤ (١) مع الكاشف ١/ ترجمة (١١٤٦). والتقريب/ ترجمة (١٤٠٥).
(٦) المغني مع الإحياء ٣/¬١٠٩ (٥).
[ ٤ / ١٧١٦ ]
«ضعيف» (^١). وهذا هو المتفق مع عامة الأقوال في حاله، في الحديث (^٢).
ووصف العراقي أيضا (ليث بن أبي سليم) بأنه «مختلف فيه» في مواضع (^٣)، ثم قال في موضع: «ضعفه الجمهور» (^٤)
ووصف (الربيع بن صبيح السعدى) في موضع بأنه «مختلف فيه» (^٥) ووصفه في موضع آخر بأنه «ضعيف جدا» (^٦)
ومن ذلك يظهر أن تعقيب العراقي على الحديث بأن في سنده الراوي الفلاني، «مختلف فيه» لا يستفاد منه وحده، تحديد العراقي درجة معينة للحديث، ولكنه يشير بذلك إلى أن الحديث بهذا الاسناد، يحتاج إلى بحث ونظر، حتى تحدد درجته قبولا، أو ردا.
وهناك عدد آخر من الرواة، ذكر الاختلاف في حالهم، من عالم واحد، أو من أكثر من عالم، دون أن يصرح بترجيح شيء من هذا الاختلاف، مع كونه أشار بذكر هذا الاختلاف في حال الراوي، إلى درجة الحديث من طريقه (^٧) وبذلك كان المقام يقتضي الترجيح.
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٤/¬٣٠ (١).
(٢) ينظر الميزان ٤/ ترجمة (٩٠١٧).
(٣) ينظر المغني ١/ ٣٣٠ (٣) و٢/¬٣٣ (٤)، ١٥٧ (٦)، ٢٣٩ (١). و٣/ ٣١٢ (٤) و٤/ ٣٥٢ (٩).
(٤) المغني مع الإحياء ٢/ ١٧٨ (١).
(٥) ينظر المغني ٤/¬١٨ (ضمن أحاديث الكبائر).
(٦) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٥٢٦ (٦).
(٧) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٢ (١٠) و٢/¬٣ (٢) و٣/ ٢٣٨ (٥)، ٣١٥ (٦)، و٤/ ٣٥٩ (٤) و٤/ ١٣٣ (١).
[ ٤ / ١٧١٧ ]
لكن لعل العراقي حين تكلم على هؤلاء الرواة، سواء من وصفهم بوصف «مختلف فيه» أو من ذكر الخلاف فيهم دون ترجيح، لم يكن ظهر له رأى راجح في كل منهم، بدليل من صرح في بعض المواضع بما ظهر له في حالهم، كما قدمت، وبدليل أن منهم من رجح فيه غيره، أو جمع بين الأقوال، مثل «سعد بن سنان» (^١)
ثم إن هناك عددًا آخر من الرواة المختلف فيهم، ذكرهم العراقي مشيرا بهم إلى درجة الحديث من طريق كل منهم، وتأمل الخلاف في كل منهم، وذكر ما ترجح لديه في حال كل منهم، وعلى ضوء ذلك تستفاد درجة الحديث عنده من طريق كل منهم، كا يدلنا ذلك على شخصيته النقدية، وكفاءته، واجتهاده في اختيار ما يترجح لديه، من وجوه الاختلاف، وعلى درايته بنقد الرواة، ومراتبهم تقعيدًا وتطبيقا
فبعض الأحاديث ذكر أن في سندها فلانا ضعفه الجمهور (^٢)، وبعضها ذكر أن في سندها فلانا أجمعوا على ضعفه (^٣) أو فلانا أجمعوا على تركه (^٤).
وبعض الرواة ذكر بعض الأقوال بتضعيفه، وعارضها بالأقوال المرجحة لتوثيقه، فدل ذلك على اختياره التوثيق.
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٣٢، ١٣٣ (٩) مع التهذيب ٣/ ترجمة (٨٧٨) والمغني في الضعفاء ١/ ترجمة (٢٣٤٤) والديوان/ ترجمة (١٥٦٧) والتقريب/ ترجمة (٢٢٣٨).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٢٨ (١)، ٢٥٨ (٣) و٢/ ١١٦ (١)، ٢/ ١٩٧ (٣)، ٢٠٨ (٦) و٣/ ٢٣٢ (٢) مع ٤/ ٢٢٨ (٣) و٣/ ٢٦٠ (٣)، ٣/ ٣٦٣ (١) و٣/ ١٨٣ (٤) و٤/ ٧٩ (٢)، ٨٢ (١)، ٢٧٧ (٨)، ٤/ ٣٨٠ (٢).
(٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٦٨ (٤).
(٤) المغني مع الإحياء ٣٢٩ (١).
[ ٤ / ١٧١٨ ]
قد ذكر حديث فضل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ …﴾ (الآيتين)، وعزاه إلى المستغفري في الدعوات من حديث علي، ﵁، وإلى ابن حبان في الضعفاء - في ترجمة «الحارث بن عمير» وذكر قول ابن حبان: إن الحديث موضوع، لا أصل له، وقوله: إن الحارث يروي عن الأثبات الموضوعات، ثم عقب على ذلك، بأن «الحارث» هذا وثقه حماد بن زيد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم (الرازيان) والنسائي، وذكر أن البخاري روى له تعليقا (^١).
فمن تعقب العراقي هذا بذكر جماعة الموثقين للحارث، في مواجهة شدة تضعيف ابن حبان له، يستفاد أن العراقي يرى ترجيح قول الموثقين له، لأكثريتهم، لاسيما أن فيهم من عرف بالتشدد في التوثيق وهو النسائي وأبو حاتم، وفيهم أيضا من هو أكبر سنا من الحارث، بحيث شاهده وعرفه عن قرب، وهو حماد بن زيد، وبذلك رد قول ابن حبان بتجريح الحارث، مع كونه مفسرا، لما عرف من تشدده في الجرح. وهذا المسلك من العراقي يتمشى مع قاعدة الترجيح بالأكثر، مع ضميمة قرينة التشديد التي أشرت إليها في جانبي التوثيق والتجريح.
ثم إن العراقي قد سئل عن هذا الحديث الذي معنا بخصوصه، فضمن إجابته تضعيف ابن حبان واثنين آخرين معه وهما الحاكم والذهبي، وعارض ثلاثتهم بذكر جماعة الموثقين للحارث بالقول وبالرواية عنه، والاحتجاج بروايته (^٢).
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/ ٣٤٥ (٦).
(٢) ينظر اللآلئ المصنوعة للسيوطى ١/ ٢٢٩.
[ ٤ / ١٧١٩ ]
أما الإمام الذهبي، فذكر جماعة الموثقين للحارث الذين ذكرهم العراقي، وعقب على ذلك بقوله: وما أراه إلا بين الضعف، وأيد ذلك بقول ابن حبان وبقول للحاكم أيضا بنحوه (^١).
فأفاد ذلك ترجيحه للقول بتضعيفه المفسر، على قول الأكثرين بتوثيقه والرواية عنه. ومقتضى هذا أنه أخذ بالقول بتقديم الجرح المفسر مطلقا، وفي كتابه المغني في الضعفاء، أشار إلى هذا الترجيح (^٢)، ولما ذكر الحارث في كتابه «من تكلم فيه بما لا يوجب الرد» صدر الترجمة بقوله: «لا يحتج به» (^٣).
أما الحافظ ابن حجر، فاتجه إلى الجمع بين الأقوال بدلا من الترجيح، كما دفع ما وجه إلى الحارث من تضعيف شديد؛ ففي التقريب قال: وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان، وغيرهما، فَلَعَلّهُ تغير حفظه في الآخر (^٤).
فجعل توثيق الجمهور له، محمولا على أول أمره، وتضعيف من ضعفه، محمولا على ضعف ضبطه، في أواخر عمره.
وفي غير كتاب التقريب، ذكر الحافظ نسبة ابن حبان له إلى رواية الموضوعات، وحكمه على ما روى من طريقه بالبطلان، ثم أجاب عن ذلك بأنه إفراط من ابن حبان، وبأن حديثنا هذا الذي انتقده على الحارث، علته ممن دون الحارث في الإسناد، وهو أبو صالح محمد بن أبي الأزهر، المعروف
_________________
(١) الميزان ١/ ترجمة (١٦٣٨).
(٢) المغني في الضعفاء للذهبى ١/ ترجمة (١٢٤٥).
(٣) معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد - للذهبي/ ترجمة (٧٣).
(٤) التقريب/ ترجمة (١٠٤١).
[ ٤ / ١٧٢٠ ]
بابن زنبور، لأنه وإن وثقه بعض العلماء فقد ضعفه بعضهم، وقد روى عن الحارث مناكير، لكنها لا تصل إلى درجة الوضع، بل تعتبر ضعيفة فقط، وبذلك اعتبر ذكر ابن الجوزي للحديث الذي معنا في الموضوعات، أنه إفراط منه (^١).
وهذا الصنيع من ابن حجر، بالجمع بين الأقوال، أولى من ترجيح التوثيق مطلقا، كما صنع شيخه العراقي، ومن ترجيح التضعيف مطلقا كما صنع الإمام الذهبي، وذلك لما في الجمع من إعمال مجموع الأقوال.
وقد تابع ابن حجر عليه كل من السيوطي (^٢) وابن عراق (^٣).
وبعض الرواة نجد الحافظ العراقي يقتصر على أحد الآراء الواردة فيهم، مع توافر بقية الآراء في مصادره التي رجع إليها، فدل هذا على اختياره لما ذكره من الآراء، دون غيره، واختياره تبعا لذلك درجة حديث الراوي المذكور على ضوء ما اقتصر عليه في حال راويه.
ومن ذلك أنه ذكر حديثين من طريق «الحارث بن عبد الله الأعور» وعقب على كل منهما بقوله: فيه الحارث الأعور، وهو ضعيف (^٤) وبمراجعة الآراء في الحارث، نجدها مختلفة، ومتفاوتة بين تقوية، وتضعيف، وتكذيب (^٥).
فاقتصار العراقي على تضعيفه، يعتبر اختيارا منه، وسطًا، وقد نسب الذهبي
_________________
(١) ينظر تهذيب التهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١) واللآلئ المصنوعة ١/ ٢٢٩.
(٢) اللآلئ ١/ ٢٢٩.
(٣) تنزيه الشريعة ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٤) المغني عن حمل الأسفار مع الإحياء ١/ ٢٨٥ (٦) و٤/ ٣٤٨ (٥).
(٥) ينظر الميزان ١/ ترجمة (١٦٢٧)، وتهذيب التهذيب ٢/ ترجمة (٢٤٨).
[ ٤ / ١٧٢١ ]
توهين (الحارث) إلى الجمهور (^١)، ولخص حاله بقوله: شيعي لين (^٢) وبنحوه لخصه ابن حجر (^٣).
ولكني لاحظت أن العراقي قد يختار في الحكم على الراوي المشار به إلى درجة الحديث، خلاف الراجح من الأقوال في حاله.
فقد ذكر حديث (من أحب قوما على أعمالهم حشر في زمرتهم يوم القيامة) وعزاه إلى ابن عدي، من حديث جابر ﵁ ثم قال: وفي طريقه «إسماعيل ابن يحيى التيمي» ضعيف (^٤).
وبمراجعة الأقوال في حال (يحيى) هذا، نجدها تدور بين: الوصف بالكذب، مطلقا، وبين الوصف برواية الأحاديث الموضوعة، والباطلة عن الثقات، والكذب في الرواية عنهم، وقال الذهبي: مجمع على تركه، وأقره الحافظ ابن حجر (^٥).
فالحكم على هذا الراوي وعلى الحديث من طريقه بمجرد الضعف، خلاف ما اتفق عامة النقاد عليه في حاله، كما قدمت.
وقد سبق للعراقي وصف بعض الرواة بعبارة الإجماع على تركه، كما أنه يفرق بين الضعف والترك في غير هذا الموضع (^٦) كما سيأتي. فعدم ذكره لهذا:
_________________
(١) الميزان ١/ ترجمة (١٦٢٧).
(٢) الكاشف ١/ ترجمة (٨٥٩).
(٣) التقريب/ ترجمة (١٠٢٩).
(٤) المغني مع الإحياء ٤/ ٣٤١ (٦).
(٥) ينظر الميزان ١/ ترجمة (٩٦٥) واللسان ١/ (١٣٧٣).
(٦) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٤٦ (٥).
[ ٤ / ١٧٢٢ ]
في حال (يحيى) هذا، يشير إلى اختياره عدم وصفه بالترك، وإن كان هو الراجح من الأقوال كما أسلفت.
وذكر العراقي أيضا حديث «ارحموا ثلاثة …» (الحديث) وعزاه إلى ابن حبان في الضعفاء من رواية «عيسى بن طهمان عن أنس» ثم قال: وعيسى ضعيف (^١)، ومقتضى الاقتصار على هذا، أن الحديث من طريقه ضعيف، لأجله.
ولكن عندما نراجع الأقوال في حال «عيسى» هذا، نجد أن عامة النقاد على توثيقه، ماعدا ابن حبان، حيث أورد هذا الحديث في ترجمته، وقال: ينفرد بالمناكير عن أنس، ويأتى عنه بما لا يشبه حديثه، كأنه يدلس، عن أبان ابن أبي عياش، ويزيد الرقاشي، عنه، لا يجوز الاحتجاج بخبره (^٢).
ولم أجد من وافق ابن حبان على قدحه في عيسى هذا، وقد وضع الذهبي في الميزان رمز «صح» أمام ترجمته، للإشارة إلى رجحان توثيقه في نظره (^٣) وفي الكاشف جزم بأنه «ثقة» (^٤)
وفي (معرفة من تكلم فيه بما لا يوجب الرد) قال: صدوق، قال ابن حبان وحده، لا يجوز الاحتجاج به (^٥)، وقد اعتبر الحافظ ابن حجر قول ابن حبان: إفحاشا في حق عيسى هذا، وأجاب عن حديثنا هذا، بأن
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٤/¬٢٨ (٣).
(٢) المجروحين لابن حبان ٢/ ١١٧ - ١١٨.
(٣) الميزان ٣/ ترجمة (٦٥٧٤).
(٤) الكاشف ٢/ ترجمة (٤٣٧٨).
(٥) معرفة من تكلم فيه بما لا يوجب الرد/ ترجمة (٢٦٩).
[ ٤ / ١٧٢٣ ]
الآفة فيه ممن دون عيسى في الإسناد، وليس منه (^١)
كما أن الزبيدي وجد بحاشية إحدى نسخ كتاب المغني هذا الخطية تعقبا من الحافظ ابن حجر لشيخه العراقي، في تضعيف عيسى هذا، فقال: عيسى، ثقة، لم يتكلم فيه غير ابن حبان، وقد احتج به البخاري، والنسائي (والآفة) - يعني في هذا الحديث - ممن دونه (^٢).
وعليه فإن أخذ العراقي هذا بقول ابن حبان وحده في تضعيف عيسى هذا، وجعله هو سبب ضعف الحديث، مردود عليه، كما ترى.
الوصف بما يتعلق بحال الإسناد، للإشارة به إلى درجة الحديث:
أما ما ذكره العراقي من أوصاف للإسناد، مشيرا بها إلى درجة الحديث بالإسناد الموصوف، فأوصاف متعددة، وأكثرها يرجع إلى أنواع الانقطاع التي تقع في سلسلة السند، ويسمى كل منها باسم اصطلاحي، كما سيأتي.
وبعض الأوصاف يرجع إلى ما يحصل في طرق الحديث من اختلاف على بعض الرواة في الإسناد، كالاختلاف بالرفع والوقف، أو بالوصل والإرسال، وغير ذلك. فمثل هذا الاختلاف منه ما يكون سببا في ضعف الحديث، وإعلاله، فأشار العراقي إلى ضعف بعض الأحاديث بما وجد في طرقها من هذا الاختلاف، كما سيأتي.
فمما يتعلق بانقطاع السند: الإرسال، بنوعيه: الظاهر، والخفي، والأول هو المشهور، عند الإطلاق، وهو ما لم يُذكر فيه الصحابي، فيرفع التابعي
_________________
(١) هدى السارى/ ٤٣٤، والتقريب/ ترجمة (٥٣٠١).
(٢) الاتحاف ٨/ ٥٥٩.
[ ٤ / ١٧٢٤ ]
الحديث إلى الرسول ﷺ (^١)، ويذلك يضعف المتن المروي بهذا الإسناد، ما لم يوجد له طريق آخر ينجبر به ضعف الإسناد المرسل (^٢).
ولكن العراقي يقيد حكمه - في الغالب - ببعض أسانيد الحديث، ثم إن أتيح له طرق أخرى ذكرها، ليستفيد الباحث بما يصلح منها الجبر ما في الطريق الأخرى من انقطاع بالإرسال أو غيره.
وفي بعض المواضع التي أشار العراقي فيها إلى درجة الحديث يوصف سنده بالإرسال، أشار إلى أن مراده به النوع الاصطلاحي المشهور، الذي لم يذكر فيه الصحابي كما قدمت.
وقد يشير إلى أن الحكم بالإرسال من استنتاجه هو، بحكم خبرته بطبقات الرواة، وبقواعد المصطلح، فيضيف بذلك أثرا علميا لخدمة السنة، وتمحيص مروياتها، بما لا نجده في مصدر الرواية التي حكم هو عليها.
فقد ذكر حديث «تسعة أعشار الرزق في التجارة» وعزاه إلى إبراهيم الحربي، في غريب الحديث، من حديث نعيم بن عبد الرحمن، ثم قال: ورجاله ثقات، و«نعيم» هذا قال فيه ابن مندة: ذكر في الصحابة، ولا يصح، وقال أبو حاتم الرازي، وابن حبان: إنه تابعي، فالحديث مرسل (^٣) فيلاحظ أنه استنتج الحكم بالإرسال على ضوء أقوال العلماء: بأن رافعه تابعي، لا صحابي.
_________________
(١) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ٦٧ - ٦٨.
(٢) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ٥٣ - ٥٥ و٦٧ - ٧٣.
(٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٦٤ (٢) والإصابة ٤/ ترجمة (٨٩٠٣).
[ ٤ / ١٧٢٥ ]
وذكر حديث الأوزاعي مع المنصور، وموعظته له، وعزاها إلى ابن أبي الدنيا، وغيره، من طريق متكلم في أحد رواته، ثم قال: وقد رأيت سرد الأحاديث المذكورة في الموعظة، لنذكر: هل لبعضها طريق غير هذا الطريق؟، وليعرف صحابي كل حديث، أو كونه مرسلا؟ (^١)، ثم ذكر من تلك الأحاديث: حديث عروة بن رويم: كانت بيد رسول الله ﷺ جريدة، يستاك بها، ويروع بها المنافقين (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في «مواعظ الخلفاء» ثم قال: وهو مرسل، و«عروة بن رويم» ذكره ابن حبان في ثقات التابعين (^٢). وذكر حديث: إذا استقر أهل الجنة في الجنة (الحديث) وعزاه إلى البزار من رواية الحسن عن أنس، ثم قال: ورواه الأصفهاني في الترغيب والترهيب، مرسلا، دون ذكر أنس (^٣).
وقد يحكم بالإرسال على سبيل الاحتمال، لعدم توافر دليل الجزم لديه (^٤) وقد يضم إلى وصف الحديث بالإرسال، بيانا لدرجة الإسناد، إلى من أرسل الحديث، ففي أحد الأمثلة التي تقدمت، ذكر أن رجال الإسناد إلى من أرسل الحديث ثقات (^٥).
وفي موضع آخر ذكر العراقي حديث يزيد الرقاشي: كانت صلاة رسول الله ﷺ مستوية (الحديث) وعزاه إلى ابن المبارك في الزهد، ولغيره من طريقه،
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٤٢ (١).
(٢) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٤٣ (١) مع الثقات لابن حبان ٥/ ١٩٦.
(٣) المغني مع الإحياء ٤/ ٥٢٦ (٦).
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬١٨ (٥) و٤/ ٣٩٤ (١) مع الاتحاف ١٠/ ١١٧.
(٥) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ٤/ ٤٨١ (١).
[ ٤ / ١٧٢٦ ]
ثم قال: وهو مرسل ضعيف (^١).
فيزيد الرقاشي، تابعي، وخلاصة حاله أنه ضعيف، كما ذكر الذهبي (^٢) وابن حجر (^٣)، وعلى هذا وصف العراقي الحديث بأنه مرسل، باعتبار كون التابعي هو الذي رفعه إلى الرسول ﷺ، وبأنه ضعيف باعتبار أن هذا التابعي ضعيف (^٤).
وفي موضع آخر ذكر حديث ابن أبي مليكة: أن النبي ﷺ قال: زوروا موتاكم (الحديث)، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في (أهوال) القبور، ثم قال: هكذا، مرسلا، وإسناده حسن (^٥).
وابن أبي مليكة الذي رفع الحديث: هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، ثقة من كبار التابعين (^٦).
وفي موضع آخر ذكر حديث «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا»، وعزاه إلى كتاب الطاعة والمعصية لعلى بن معبد، من حديث الحسن، ثم قال: مرسلا، بإسناد صحيح (^٧).
ويلاحظ أن العراقي - في الغالب - يذكر التابعي الذي أرسل الحديث،
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/ ١٥٣ (٦).
(٢) الكاشف ٢/ ترجمة (٦٢٧٧).
(٣) التقريب/ ترجمة (٧٦٨٣).
(٤) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٧ (٣)، ٣٠٥ (٤)، ٣٦٥ (٨) و٢/ ٣٧٠ (٣).
(٥) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٤ (٦).
(٦) التقريب (ترجمة - ٣٤٥٤).
(٧) المغني مع الإحياء ١/ ١٥٦ (٥) وينظر أيضا ١/ ١٧٠ (٣) و٢/¬٢٧ (١) و٤/ ٤٧٤ (٨).
[ ٤ / ١٧٢٧ ]
فيكون المراد بتحسين أو تصحيح الإسناد المرسل، أن السند من أوله إلى التابعي الذي أرسل الحديث، مستوفي شروط الحسن أو الصحة، لذاته، وإن كان كل منهما ضعيفا، من حيث عدم اتصاله إلى الرسول ﷺ
وتكون فائدة الحكم بالحسن أو الصحة للإسناد إلى التابعي: إمكان الاحتجاج بالمروى، عند من يحتج بالمرسل الذي ليست له علة سوى الإرسال، وأيضا بيان صلاحية هذا المرسل للاعتضاد بغيره، بحيث يرتقى بما يوجد له من عاضد مثله في المرتبة أو أقوى منه، إلى درجة الحسن أو الصحة، فيحتج به من لا يحتج بالمرسل، بمفرده، وقد يصف العراقي إحدى روايات الحديث بالإرسال، ثم يذكر معها بعض ما يجبر ضعفها من الشواهد (^١) ويترك ملاحظة ذلك للقارئ.
وأما النوع الثاني الذي ذكره العراقي من المرسل، فهو المسمى بالمرسل الخفي، وقد عرفه هو بنفسه بأن يروى الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، وقد بين العراقي أيضا سبب وصفه بـ «الخفي» فقال: فهذا قد يخفي على كثير من أهل الحديث، لكونهما - أي الراوي والمروى عنه - جمعهما عصر واحد (^٢)
ويلاحظ أن العراقي قد أدخل في التعريف رواية المدلس، في قوله: «أن يروى الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه» مع أنه في هذا التخريج وغيره، يذكر التدليس وحده على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه كما
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٣٩ (٣) و٤/ ٢٣٠ (٤).
(٢) فتح المغيث للعراقي ٤/¬٢٥.
[ ٤ / ١٧٢٨ ]
سيأتي. وقد أخرج تلميذ العراقي ابن حجر العسقلاني وغيره عبارة (راوية الراوي عمن سمع منه، ما لم يسمعه منه) من تعريف الإرسال الخفي، الذي ذكره العراقي، لكن يميزوا الإرسال الخفي عن التدليس، واعتمد هذا السخاوي (^١).
وقد ذكر العراقي نوع الإرسال الخفي في حديث لحكيم بن حزام قال: «بايعت رسول الله ﷺ على ألا أخر إلا قائما» فعزاه إلى أحمد والنسائي، ثم قال: وفيه إرسال خفي (^٢).
ولم يوضح العراقي كما ترى، الإرسال الخفي الذي في سند الحديث، ولكن بمراجعة إسناده عند كل من النسائي وأحمد، نجدهما أخرجاه من طريق يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام.
وقد ذكر الإمام أحمد أن رواية يوسف عن حكيم مرسلة، وصححه العلائي (^٣) وتاريخ وفاة يوسف على ما رجحه الذهبي، وقال به الأكثرون سنة ١١٣ (^٤) وهو … … من أقران عطاء بن أبي رباح، وقد ولد عطاء أيام خلافة عثمان ﵁ (^٥).
وحكيم عاش إلى سنة ٥٤ هـ أو بعدها، كما قال الحافظ ابن حجر (^٦)،
_________________
(١) ينظر - فتح المغيث للسخاوى ٤/ ٧٠.
(٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٣٥٠ (٢) مع الاتحاف ٨/ ٣٩٤ ومسند أحمد ٣/ ٤٠٢، وسنن النسائي - كتاب التطبيق - باب كيف السجود ٢/ ٢٠٥.
(٣) جامع التحصيل للعلائي/ ٣٠٥.
(٤) التهذيب ١١/ ترجمة (٨٢١) وتاريخ الاسلام - وفيات سنة ١١٣ ص ٥٠٨.
(٥) تهذيب الكمال ٣٢/ ترجمة (٧١٥٠) والسير ٥/¬٢٩.
(٦) التقريب/ ترجمة (١٤٧٠).
[ ٤ / ١٧٢٩ ]
وبذلك يكون إدراك يوسف ومعاصرته الحكيم ظاهرة، لكن لم يوقف على سماعه منه، فتحقق بذلك الإرسال الخفي بينهما، ومقتضاه ضعف روايته عنه، لعدم اتصالها، على الراجح.
وقد يعبر العراقي بذكر عدم السماع بدلا من ذكر اسم «الإرسال الخفي»، فقد ذكر حديث «من انقطع إلى الله، كفاه الله كل مؤنة» (الحديث)، وعزاه إلى الطبراني في الصغير، وابن أبي الدنيا، ومن طريقه البيهقي في الشعب، كلهم من رواية الحسن عن عمران بن حصين، ثم قال العراقي: «ولم يسمع منه …» (^١) يعني لم يسمع الحسن - وهو ابن يسار البصري - من عمران بن حصين، والحسن قد ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، أي سنة ١٩ هـ تقريبا (^٢) في حين توفي عمران بن حصين سنة ٥٢ هـ (^٣)، فإدراك الحسن - وهو في سن تمكنه من السماع، لعمران بن حصين، حاصل، ولكن اختلف في سماعه منه، والأكثرون على نفي صحة سماعه منه (^٤) وقد وصف البيهقي روايته عن عمران بأنها مرسلة (^٥) وبناء على حصول المعاصرة، دون السماع، ينطبق على هذا الإرسال تعريف المرسل الخفي، كما تقدم، لكن العراقي لم يسمه بذلك كما سمى نظيره في المثال السابق (^٦).
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٤/ ٢٣٩ (٣).
(٢) التهذيب ٢/ ٢٦٣.
(٣) ينظر الكاشف للذهبى ٢/ ترجمة (٤٢٦١).
(٤) ينظر جامع التحصيل للعلائي ترجمة (١٣٥) من رواة المراسيل.
(٥) السنن الكبرى للبيهقى ١٠/ ٨٠.
(٦) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ٤/ ٤٨٨ (١) مع جامع التحصيل للعلائي/ ترجمة (٢٥٨) من المراسيل.
[ ٤ / ١٧٣٠ ]
وقد يطلق العراقي الإرسال على ما يعتبر مُعضلا في الاصطلاح، وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر، من موضع واحد، ممن فوق بداية الإسناد (^١).
فقد ذكر حديث «لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا» وعزاه إلى البيهقي في الشعب، من طريق ابن أبي الدنيا، من رواية محمد بن النضر الحارثي، مرفوعا، وقال: إنه مرسل (^٢)، وتبعه الشارح (^٣).
و«محمد بن النضر» هذا يعتبر ممن تبع أتباع التابعين (^٤)، وقد رفع الحديث إلى الرسول ﷺ فيكون سقط بينهما أكثر من راويين، مع التوالى، فيكون الإسناد معضلا، وليس مرسلا، كما ذكره العراقي.
ومما ذكره مشيرا به إلى درجة الحديث (الانقطاع)، وقد يذكر معه ما يدل على أن مراده به المعنى الاصطلاحي المعروف وهو: ما سقط من إسناده راو واحد غير الصحابي (^٥) سواء كان السقط في موضع أو أكثر، خلال الإسناد (^٦).
ومقتضاه ضعف الحديث بهذا الإسناد، لفقد الاتصال، وهذا الانقطاع يطلق عليه أيضا اسم «الإرسال» بغير معناه الاصطلاحي المشهور، والسابق ذكره، وستأتي بعض الأمثلة لذلك.
وقد يصرح العراقي بالمعنى الاصطلاحى للانقطاع كما قدمت تعريفه، وقد
_________________
(١) فتح المغيث للعراقي ١/ ٧٥.
(٢) المغني مع الإحياء ٢/ ٢٠١ (٣) مع الشعب للبيهقى ٧/ حديث (١٠٥٨٤).
(٣) الإتحاف ٨/ ٨٧.
(٤) الثقات لابن حبان ٩/ ٩٦ والجرح والتعديل ٨/ ١١٠ والحلية لأبي نعيم ٨/ ٢١٧.
(٥) فتح المغيث للعراقي ١/ ٧٥.
(٦) التدريب ١/ ٢٠٨ وفتح المغيث للعراقي ١/ ٧٥.
[ ٤ / ١٧٣١ ]
يحدد موضع الانقطاع في الإسناد، بما يفيد إرادته هذا المعنى
فقد ذكر حديث: أنه ﷺ علم أبا بكر ﵁ أن يقول: اللهم إني أسألك بمحمد نبيك (الحديث) في الدعاء لحفظ القرآن، وعزاه إلى أبي الشيخ بن حبان، في كتاب الثواب، من رواية عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه، أن أبا بكر أتى النبي ﷺ، ثم قال العراقي: وعبد الملك وأبوه، ضعيفان، وهو منقطع بين هارون، وأبي بكر (^١).
و«هارون بن عنترة» هذا يقال له أيضا «هارون بن أبي وكيع» وهذا الانقطاع لم أجد من ذكره غير العراقي، ولعله استنتاج منه، كما أسلفت الإشارة إلى ذلك، وذلك بناء على نظره في طبقة «هارون» هذا، حيث ذكره ابن حبان في ثقاته، ضمن أتباع التابعين، فيكون بينه وبين أبي بكر الصديق ﵁ راو آخر، وهو التابعي (^٢) وبهذا يتحقق تعريف الانقطاع الاصطلاحي، كما سبق، وعلى ضوء هذا المثال، يمكن تفسير مراد العراقي بالانقطاع في غير هذا الموضع مما يماثله، دون أن يبين فيه العراقي مقصوده (^٣).
وقد ذكر أيضا حديث «هذان - يعني الذهب والحرير - حرامان على ذكور أمتي» وعزاه إلى النسائي، والترمذي بنحوه، من حديث أبي موسى الأشعري، وذكر أن الترمذي صححه، ثم عقب على تصحيحه بقوله: قلت: الظاهر انقطاعه بين سعيد بن أبي هند، وأبي موسى الأشعري، ثم
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٣ حديث (٤) مع ص ٣٢٤، وقد تحرف «عنترة» إلى «عبشر».
(٢) ينظر الثقات لابن حبان ٧/ ٥٦٦، ٥٧٨.
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٤٨ (٤)، ٣٠٥ (١)، ٣٣٣ (٥)، ٣٣٦ (٥)، ٣٤٤ (٨) و٣/ ٨٧ (١)، ١٠٩ (٦).
[ ٤ / ١٧٣٢ ]
دلل لذلك بقوله: فأدخل أحمد بينهما رجلا لم يُسم (^١).
ويلاحظ أن تقرير هذا الانقطاع تعقب به العراقي تصحيح الترمذي للحديث، وهكذا فعل رفيقه الزيلعي (^٢) وتلميذ العراقي الحافظ ابن حجر (^٣) ثم الشيخ الألباني في الإرواء (^٤).
وقد سبق هؤلاء جميعا أبو حاتم الرازي وابن حبان، والدارقطني (^٥).
ولكن يمكن الجواب عن تصحيح الترمذي للحديث، أنه باعتبار شواهده، المروية عن جماعة من الصحابة، كما أشار بنفسه إلى ذلك، حيث قال عقب هذا الحديث: وفي الباب عن عمر، وعلى … وذكر تمام ثلاثة عشر صحابيا (^٦). وعليه فكان الأولى بالعراقي أن يشير إلى ذلك، بدلا من الاقتصار على ذكر ما يضعف الحديث من رواية أبي موسى، وحدها.
في حين سلك رفيقه الزيلعي مسلك ذكر عدد من طرق الحديث الأخرى، التي تشهد له (^٧) وتابعه مع التوضيح والإضافة: الشيخ الألباني في الإرواء (^٨).
وذكر العراقي حديث: إذا غضب أحدكم، وهو قائم فليجلس (الحديث)،
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/¬١٦ (٢) مع المسند لأحمد ٤/ ٣٩٢، ٣٩٣.
(٢) نصب الراية للزيلعي ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤ (كتاب الكراهية).
(٣) الدراية ٢/ حديث (٩٣٩).
(٤) ١/ حديث (٢٧٧).
(٥) جامع التحصيل للعلائي/ ١٨٥، ونصب الراية ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٦) جامع الترمذي - اللباس (حديث ١٧٢٠).
(٧) نصب الراية ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٨) الإرواء ١/ حديث (٢٧٧).
[ ٤ / ١٧٣٣ ]
من حديث أبي ذر، وعزاه إلى أبي داود، ثم قال: وفيه عنده انقطاع، سقط منه أبو الأسود (^١).
وذلك لأن الحديث عند أبي داود من طريق أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي ذر، وقد قال أبو داود عقبه: إن أبا حرب لا يحفظ له سماع من أبي ذر (^٢)؟ وقد أخرج الإمام أحمد الحديث في مسنده (٥/ ١٥٢) من طريق أبي حرب ابن أبي الأسود، عن أبيه، عن أبي ذر، فدل ذلك على سقوط أبي الأسود من سند أبي داود.
فيعتبر بيان العراقي هنا للانقطاع، مستفادا من مصدر تخريجه للحديث، وهو سنن أبي داود، وإن كان العراقي لم يصرح بذلك.
وذكر حديث عائشة: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هو الرجل يسرق ويزني؟ قال: لا، (الحديث) وعزاه إلى الترمذي، والحاكم، وذكر قول الحاكم: صحيح الإسناد، ثم تعقبه بقوله: بل منقطع بين عائشة وعبد الرحمن ابن سعيد بن وهب - يعني الراوي له عنها (^٣).
وهذا التعقب من العراقي، لم أجده ضمن تعقبات الذهبي في مختصره لمستدرك الحكم، رغم ما سيأتي عنه بعد قليل.
فيعتبر هذا إضافة من العراقي لتنقية ما صححه الحاكم في المستدرك.
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ١٧٠ (٦).
(٢) ينظر السنن لأبي داود - الأدب (٤٧٤٩) وتحفة الأشراف ٩/ ١٩٣/ حديث (١٢٠٠١).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٥٩ (٤) مع المستدرك ٢/ ٣٩٣، ٣٩٤، ومعه مختصر الذهبي للمستدرك.
[ ٤ / ١٧٣٤ ]
ومن قبل العراقي ذكر أبو حاتم الرازي: أن عبد الرحمن هذا، لم يلق عائشة، وأقره على هذا العلائي شيخ العراقي (^١).
ومعروف أن نفي اللقاء وحده لا يقتضي نفي المعاصرة، وبالتالي ينطبق على رواية عبد الرحمن هذا عن عائشة اسم المرسل الخفي، كما تقدم، وقد وصف أبو حاتم نفسه رواية عبد الرحمن هذا عن عائشة بالإرسال (^٢) لكن الذهبي في الكاشف: ذكر أنه قيل: إن عبد الرحمن، لم يدرك عائشة (^٣) وهذا هو المناسب لتعريف الانقطاع، اصطلاحا، كما تقدم، فلعل العراقي أخذ بما ذكره الذهبي في الكاشف، مع أنه في مختصر المستدرك لم يتعقب الحاكم في تصحيحه (^٤).
ذكر الإعضال، مشارا به إلى درجة الحديث:
وذكر العراقي أيضا «الإعضال» مشيرا به إلى درجة الحديث، ويعرف الإعضال اصطلاحا، بأنه: ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا، مع التوالي، من أي موضع كان في الإسناد، سواء سقط الصحابي والتابعي، أو التابعي وتابعه، أو اثنان قبلهما، بشرط كون السقط من موضع واحد، في كل الأحوال (^٥) وله قسم ثان، وهو رواية تابع التابعي عن التابعي، ما هو موقوف عليه (^٦).
_________________
(١) ينظر المراسيل لابن أبي حاتم/ ١٢٧ وجامع التحصيل للعلائي/ ٢٢٢.
(٢) ينظر الجرح والتعديل ٥/ ٢٣٩.
(٣) الكاشف ١/ ترجمة (٣٢٠٧).
(٤) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٤/¬٤٧ (١) وتحفة التحصيل لأبي زرعة بن العراقي/ ٢٣٠.
(٥) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ٧٥.
(٦) المصدر السابق ١/ ٧٦.
[ ٤ / ١٧٣٥ ]
وقد يقرن العراقي وصف الإعضال بما يدل على المقصود الاصطلاحي به.
ولما كان وصف الإعضال في السند، يقتضي ضعف الحديث، بهذا الإسناد، فإن العراقي إذا توافر لديه، من طرق الحديث الأخرى، عاضد يجبر ضعف الطريق المعضل، فإنه يذكره، للإشارة إلى صلاحية الحديث للاحتجاج بمجموع العاضد والمعضود، لكنه لا يصرح بدرجة الحديث التي ارتقى إليها بمجموع ما ذكره من طرقه، فيترك استنتاج ذلك للقارئ نفسه.
وإليك بعض الأمثلة الموضحة، لما أجملته:
فقد ذكر العراقي حديث: كان رسول الله ﷺ يقول عند ختم القرآن: اللهم ارحمني بالقرآن (الحديث)، وعزاه إلى أبي منصور المظفر بن الحسين الأرجاني، في فضائل القرآن، وأبي بكر بن الضحاك في الشمائل، كلاهما من طريق أبي ذر الهروى، من رواية داود بن قيس معضلا (^١).
وبمراجعة كتب التراجم، نجد راويين كل منهما يقال له: «داود بن قيس» وكلاهما من أتباع التابعين، كما ذكر ابن حبان (^٢) ولم يتضح لي المقصود منهما في إسناد هذا الحديث، لكن باعتبار طبقتهما هذه، تعتبر رواية كل منهما عن النبي ﷺ معضلة، على الاصطلاح، كما تقدم، لعدم ذكر الصحابي والتابعي فيها (^٣).
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٥ (٢).
(٢) ينظر الثقات لابن حبان ٦/ ٢٨٨.
(٣) ينظر لمحات الأنوار للغافقي بتحقيق الأخ الدكتور/ رفعت فوزى ٣/ حديث رقم (١٨٤٤). وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ١/ ٢٩١ (٢). وتحرف فيه «الفضيل» إلى «الفضل»، فينظر الاتحاف ٤/ ٥١٥ مع الثقات لابن حبان ٧/ ٣١٥.
[ ٤ / ١٧٣٦ ]
وذكر حديث «ما أبالي ما رددت به الجوع» وعزاه إلى أبي الحسن بن الضحاك المقرى - في الشمائل، من رواية الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ (الحديث)، ثم قال: وهذا معضل (^١)، فيعتبر حكمه هذا بالإعضال استنتاج منه، طبقا لتعريف المعضل الاصطلاحي، كما تقدم، وذلك لأن الأوزاعي - وهو عبد الرحمن ابن عمرو - إمام أهل الشام، المعروف، وقد ذكره ابن حبان في أتباع التابعين (^٢) وقد رفع الحديث منه مباشرة إلى النبي ﷺ، دون ذكر التابعي، ولا الصحابي.
ثم إن العراقي أتبع الحديث بما يشهد لمعناه، فقال: ولمسلم من حديث جابر: أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به (الحديث) (^٣) وبذلك يرتقي الحديث إلى درجة الصحيح لغيره، باعتبار شاهده الصحيح هذا، وإن لم يصرح العراقي بذلك، كما أشرت لذلك فيما تقدم.
وذكر حديث «لا يستكمل عبد الإيمان، حتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثيره» (الحديث)، وقال: ذكره صاحب الفردوس، من رواية علي بن أبي طلحة مرسلا، ولم يخرجه ولده في مسند الفردوس، ثم قال: وعلي بن أبي طلحة، أخرج له مسلم، وروى عن ابن عباس؛ لكن روايته عنه مرسلة، فالحديث إذن معضل (^٤). ويلاحظ أن العراقي وصف رواية علي بن أبي طلحة،
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٦ (٢).
(٢) الثقات لابن حبان ٧/ ٦٢.
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٦ (٢) وينظر أمثلة أخرى/ المغني مع الإحياء ٢/ ٣٧٣ (٧)، ٢٤٣ (٣)، ٣٤٤ (٢، ٣، ٤)، ٣٤٥ (١)، ٣٧٣ (٧) و٤/ ٨٢ (١).
(٤) المغني مع الإحياء ٤/ ٢١٨ (٤).
[ ٤ / ١٧٣٧ ]
أولا بأنها مرسلة، ثم عرف بحاله، وبطبقته التي تدل على أنه يعتبر من أتباع التابعين، وعقب على ذلك باستنتاج: أن روايته هذه للحديث معضلة، لعدم ذكر التابعي والصحابي فيها.
وبذلك يكون قوله الأول: إن روايته للحديث مرسلة، مقصود به، مجرد عدم الاتصال، وليس الإرسال بمعناه الاصطلاحي المشهور، ثم حدد في آخر كلامه نوع الانقطاع، وأنه إعضال، بناء على طبقة على بن طلحة، ويؤيده ما ذكره ابن حبان في الثقات (^١).
وذكر العراقي أيضا حديث أنه ﷺ كان إذا نزل بأهله الضيق، أمرهم بالصلاة (الحديث)، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، من حديث محمد بن حمزة، عن عبد الله بن سلام، قال: كان النبي ﷺ (الحديث)، ثم قال العراقي: ومحمد بن حمزة بن يوسف بين عبد الله بن سلام، إنما ذكروا له روايته عن أبيه عن جده، فيبعد سماعه من جد أبيه (^٢).
والمراد بجد أبيه: (عبد الله بن سلام) الذي يروى عنه هنا هذا الحديث، ومقتضى كلام العراقي أن الإسناد هنا معضل؛ لأنه سقط منه راويان متواليان، هما: «حمزة» والد محمد، و«يوسف» جده (^٣).
وفي النسخة الخطية التي بين أيدينا، للمعجم الأوسط للطبراني، جاء سند الحديث من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن محمد بن حمزة، عن
_________________
(١) ينظر الثقات لابن حبان ٧/ ٢١١، وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ١/ ٧٨ (٢) مع الثقات لابن حبان ٦/ ١٢٩.
(٢) المغني مع الإحياء ٤/ ٢٣٩ (٥).
(٣) ينظر تهذيب التهذيب ٩/ ترجمة (١٧٩).
[ ٤ / ١٧٣٨ ]
عبد الله بن سلام، به، موافقا لما ذكره العراقي، وبين إعضاله.
وهكذا أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ١٧٦ عن الطبراني، بسنده إلى ابن المبارك، به.
وأخرجه البيهقي في الشعب (^١) من طريق سعيد بن منصور عن عبد الله بن المبارك، به.
لكن لما رجعت إلى النسخة الخطية لسنن سعيد بن منصور (ق ١٥٤/ أ) وجدت الإسناد بعد ابن المبارك هكذا «عن معمر عن حمزة بن عبد الله بن سلام»، قال: كان النبي ف (الحديث).
ولم أجد في الرواة من يقال له «حمزة بن عبد الله بن سلام»، فلعله وقع من الناسخ في هذا الموضع سقط، وتحريف.
وقد أخرج البيهقي الحديث أيضا في موضع متأخر عن السابق، في الشعب، ووقع في السند فيه تحريف صوبه المحقق، بناء على الموضع المتقدم (^٢).
وعلى هذا مشى فضيلة الأخ الدكتور/ محمود الطحان في تحقيقه للمعجم الأوسط للطبراني، وقد قرر الطبراني عقب الحديث: أنه لا يروى عن عبد الله بن سلام إلا بهذا الإسناد (^٣)، وبنحوه قال أبو نعيم (^٤) في تحقيق المعجم الأوسط في
_________________
(١) الشعب ٦/ حديث (٢٩١١) الطبعة الهندية.
(٢) ينظر شعب الإيمان ١٧/ حديث (٢٩٥٥) الطبعة الهندية.
(٣) المعجم الأوسط للطبراني بتحقيق الأخ الدكتور/ محمود الطحان ١/ حديث (٨٩٠) ط دار المعارف بالرياض.
(٤) تنظر الحلية ٨/ ١٧٦.
[ ٤ / ١٧٣٩ ]
طبعته المصرية (^١) وكذا في تحقيق «مجمع البحرين» (^٢) حصل تصرف من الأخوة المحققين في سند الحديث في صلب الكتاب، حيث أثبتوا الراويين الساقطين في موضع الإعضال، وذلك بين حاصرتين، دون مستند صحيح لذلك.
وأيضا ذكر السيوطي أن سند الحديث عند البيهقي في الشعب: صحيح (^٣).
ونسب الزبيدي التصحيح للبيهقي لكن لم أجد للبيهقي كلاما عن الحديث في الموضعين اللذين خرجه فيهما في الشعب.
وقد حاول الزبيدي ﵀ توجيه تصحيح البيهقي للسند، مع ثبوت الإعضال فيه كما تقدم - فقال: وكأنه أثبت سماعه - يعني محمد بن حمزة - من أبي جده، أو أنه سقط في سياق الطبراني: «عن أبيه» (^٤). وتقييد الزبيدي ﵀ السقط بأنه من سياق الطبراني، يفيد أنه لم يراجع السند في الشعب، لأنه فيه كما في الطبراني، كما أسلفت.
وذكر العراقي حديث «أن عطاء بن يسار قال: إن رجلا قال للنبي ﷺ أكذب على أهلي؟ قال: لا خير في الكذب (الحديث) وعزاه لابن عبد البر في التمهيد، مرسلا، من رواية صفوان ابن سليم عن عطاء بن يسار، مرسلا، ثم قال: وهو في الموطأ، عن صفوان بن سليم، معضلا، من غير ذكر عطاء
_________________
(١) ينظر المعجم الأوسط ط دار الحرمين بالقاهرة ١/ حديث (٨٨٦) مع التعليق عليه.
(٢) ينظر مجمع البحرين للهيثمي ط مكتبة الرشد بالرياض ٦/ حديث (٣٣٦٦).
(٣) ينظر الدر المنثور للسيوطى ٤/ ٣١٣/ سورة طه آية (٣٢).
(٤) ينظر الإتحاف ٩/ ٣٨٨، ٣٨٩.
[ ٤ / ١٧٤٠ ]
ابن يسار (^١)، يعني أن يكون سقط منه التابعي والصحابي، معا، فيكون معضلا اصطلاحيا، كما تقدم.
ويلاحظ في هذا المثال تمييز العراقي بين المرسل والمعضل الاصطلاحيين.
ذكر العراقي التعليق في الإسناد، للإشارة به إلى درجة الحديث:
مما أشار به العراقي أيضا إلى درجة الحديث من طريق معين، وصفه بالتعليق من هذا الطريق، فيفيد ذلك ضعفه من هذا الطريق، لانقطاع إسناده بالتعليق، فقد عُرِفَ المعلق كما ذكر العراقي وغيره بأنه ما سقط من بداية إسناده من ناحية مؤلف الكتاب المعزو إليه الحديث، أو راو أو أكثر، حتى لو أسقط الإسناد كله، وذكر الرسول في فقط (^٢).
ويوجد التعليق في كثير من الحديث الأصلية المسندة، ولكن الإمام البخاري أورده في صحيحه أكثر من غيره من الأئمة، مع وصله له في موضع آخر من الصحيح، وهذا هو الأكثر، وقد يذكر تعليقا فقط، مع كونه موصولا عنده في غير الصحيح، أو موصولا عند غيره، وقد يكون التعليق بعبارة جازمة مثل «قال» أو «ذكر» أو بعبارة تفيد التضعيف مثل «يُرْوَى» أو «يُذْكَر»، وبمراعاة الطريق الموصولة، تكون درجة الحديث بمجموع الطريقين، حسن أو صحيح (^٣).
فمن ذلك: حديث: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه
_________________
(١) ينظر المغني ٣/ ١٣٥ (٢).
(٢) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/¬٣٠ - ٣١ وهدى الساري ١٧/¬٢٠.
(٣) ينظر هدى السارى /¬١٧ - ١٩.
[ ٤ / ١٧٤١ ]
وزن ذرة من إيمان» وعزاه إلى البخاري تعليقا من حديث أنس، ثم قال: وهذا عندهما - يعني البخاري ومسلما - متصل بلفظ «خير» بدل «إيمان» وذكر للرواية التي فيها لفظ «الإيمان» بعض الشواهد من الصحيحين (^١).
وعليه تكون الرواية المعلقة بمراعاة بقية الطرق الموصولة صحيحة لغيرها (^٢) وقد يكون التعليق عند البخاري قد وصله غيره، فيبينه العراقي، فقد ذكر حديث: عليكم بالسواك (الحديث)، وعزاه إلى البخاري بقوله: تعليقا مجزوما من حديث عائشة، ثم أتبع ذلك بعزوه إلى النسائي وابن خزيمة، وقال: موصولا (^٣) ونحو هذا ذكر ابن الملقن - قرين العراقي - مع زيادة، لكن لم يصرح بأن رواية النسائي وابن خزيمة قد وصلت تعليق البخاري (^٤).
وقد يذكر الرواية الموصولة شاهدا، للمتن وإن لم تبين اتصال التعليق، فقد ذكر حديث الزهري: «مضت السنة أن يُصلّى لكل أسبوع ركعتين»
وعزاه إلى البخاري تعليقا، ثم أتبعه بذكر شاهد من حديث ابن عمر، وعزاه إلى الصحيحين (^٥).
ويلاحظ أن الزهري من التابعين المعروفين، وقول التابعي: «من السنة كذا ..» مختلف في كونه مرفوعا مرسلا، أو موقوفا متصلا إلى قائله، وهو التابعي؟
_________________
(١) ينظر المغني ١/ ١٢٢ (٤).
(٢) وينظر بعض الأمثلة أيضا في المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٧ (٢)، ٣٦١ (٤)، ٤/ ٨٨ (١).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٣٨ (٥) وبعض أمثلة أخرى في المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٤ (١)، ١/ ٢٦٧ (٣) و٢/ ٣٧٩ (٧).
(٤) تنظر خلاصة البدر المنير لابن الملقن ١/ حديث (٦٦).
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٥٨ (٤) ومثال آخر ٢/ ٢٧٣ (١).
[ ٤ / ١٧٤٢ ]
وقد رجح النووي والمؤلف القول بأنه موقوف متصل (^١) وقد علقه البخاري عن الزهري، كما ذكره العراقي مع بيان الشاهد له من الصحيحين، كما قدمت.
وقد يذكر المعلق في غير الصحيحين، ثم يتبعه ببيان من وصله، فقد ذكر حديث عبد الرحمن بن غنم عن عشرة من الصحابة «تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا» وقال: علقه ابن عبد البر، وأسنده ابن عدي، وأبو نعيم، والخطيب في اقتضاء العلم للعمل، من حديث معاذ فقط، بسند ضعيف، ورواه الدارمي موقوفا على معاذ، بسند صحيح (^٢).
ومما ذكره العراقي يستفاد أن الحديث بمجموع ما ذكره من طرقه معلقا وموصولا يرتقي إلى الصحيح لغيره.
ذكر العراقي أيضا «البلاغ» مشيرا به إلى درجة الحديث وبعض ما ينتقد عليه، فيه:
والبلاغ: هو ما يقول فيه الراوي: بلغنى كذا، أو بلغني عن فلان كذا، وكلا العبارتين تفيدان الانقطاع في الإسناد بين من يقول: «بلغنى» ومن فوقه في الإسناد، بحسب من يظهر لنا سقوطه في موضع الانقطاع، يكون الاسم الاصطلاحي لهذا الانقطاع، كما سيأتي في المثال.
وأشهر من عُرف بالرواية بلفظ «بلغنى» هو الإمام مالك ﵀ في موطئه، وإن كان قد عبر بذلك غيره.
فقد ذكر العراقي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير: بلغني أن رسول الله
_________________
(١) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ٦٤، ٦٥ والتقييد والإيضاح/ ٦٨، ٦٩.
(٢) المغني مع الإحياء ١/ ٦٩ (٢).
[ ٤ / ١٧٤٣ ]
ف قال: إن الميت يقعد، وهو يسمع خطو مشيعيه (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور، له ثم عقب على تلك الرواية بقوله: هكذا مرسلا، ورجاله ثقات، ثم قال: ورواه ابن المبارك في الزهد إلا أنه قال عنه: «بلغني» ولم يرفعه (^١).
و«عبد الله بن عبيد» هذا قد روى عن عدد من الصحابة، وتوفي سنة ١١٣ هـ، فإدراكه للصحابة متحقق، ووصفه العجلى بأنه تابعي مكى ثقة، وعده الحافظ ابن حجر من أواسط التابعين كما في التقريب (^٢).
فرواية ابن أبي الدنيا التي رفع «عبد الله» فيها هذا الحديث، يعتبر بلاغه فيها إرسالا، كما وصفه العراقي، وحسب الاصطلاح المشهور في المرسل.
وأما روايته الثانية التي عند ابن المبارك، والتي فيها «بلغنى: أن الميت» (الحديث) ولم يرفعها، يمكن اعتبارها منقطعة بينه، وبين من بلغه عنه الحديث، سواء أكان صحابيا أم تابعيا، ولو كان والده «عبيد بن عمير»، كما ذكر روايته عنه الزبيدي في الإتحاف، بنحو تلك الرواية (^٣) ..
أما بلاغات الإمام مالك، فهي منقطعة أيضا، ولكن يختلف اسم الانقطاع فيه بحسب من أضيف إليه البلاغ، فتارة يقول مالك: بلغني: أن سعيد بن المسيب مثلا، وتارة يقول: بلغنى عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ وتارة يقول: بلغنى أن رسول الله ف قال كذا (^٤).
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٨٣ (١) مع الإتحاف ١٠/ ٣٩٧.
(٢) تقريب التهذيب/ ترجمة (٣٤٥٤) وينظر التهذيب ٥/ ت (٥٢٤).
(٣) الاتحاف للزبيدي ١٠/ ٣٩٧
(٤) ينظر جمع ابن عبد البر لبلاغات مالك في الموطأ/ التمهيد ٢٤/ ١٦١ - ٣٣٤، وقد قرر =
[ ٤ / ١٧٤٤ ]
وقد ذكر الغزالي أنه ﷺ قال: «أما إني لا أنسى، ولكن أُنسى، لأشرع».
فقال العراقي: ذكره مالك، بلاغا بغير إسناد، وقال ابن عبد البر: لا يوجد في الموطأ إلا مرسلا، لا إسناد له، وكذا قال حمزة الكناني: إنه لم يرد من غير طريق مالك، وقال أبو طاهر الأنماطى: وقد طال بحثى عنه، وسؤالى عنه للأئمة والحفاظ، فلم أظفر به، ولا سمعت عن أحد أنه ظفر به، قال: وادعى بعض طلبة الحديث: أنه وقع له مسندا (^١) وقد ذكر الزبيدي كلام العراقي هذا، مقتصرا عليه، وأقره (^٢).
والحديث قد جاء في الموطأ هكذا «قال يحيى بن يحيى: وحدثني عن مالك، أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: (الحديث)» (^٣).
ومنه يتضح أن مقصود العراقي بقوله: «بغير إسناد»، ومقصود ابن عبد البر بقوله: «لا يوجد في الموطأ إلا مرسلا، ولا إسناد له»، أن مالكا لم يذكر إسناد هذا الحديث، منه إلى من نسب إليه الحديث، وهو الرسول ﷺ، وهذا ينطبق عليه اسم المعضل الاصطلاحي، كما تقدم.
وكلام ابن عبد البر الذي ذكره العراقي، مذكور بنحوه، في إحدى موضعين، وقفت على كلامه فيهما، عن الحديث (^٤).
لكن كلامه بنصه أوضح وأدق من اختصار العراقي ﵀ له، فابن
_________________
(١) = في التمهيد أيضا ١/¬٢٣ أنها تعتبر منقطعة.
(٢) الإحياء مع المغني ٤/¬٤٢ (١).
(٣) الاتحاف ٨/ ٥٩٢.
(٤) الموطأ - رواية يحيى بن يحيى ١/ ١٠٠ (السهو في الصلاة/ حديث) (٢).
(٥) ينظر تجريد التمهيد لابن عبد البر/ ٢٥٣، ٢٥٤.
[ ٤ / ١٧٤٥ ]
عبد البر يقول مرة عن الحديث: إنه لا يوجد في غير الموطأ، ولا يحفظ - بهذا اللفظ - مسندا، ولا مرسلا، من غير رواية مالك هذه المنقطعة، ثم يقول: والذي يصح في هذا المعنى عن النبي ﷺ من حديث ابن مسعود: إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون (^١) ومرة أخرى يقول: أما هذا الحديث - بهذا اللفظ - فلا أعلمه يروى عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه، لا مسندا، ولا مقطوعا، من غير هذا الوجه، والله أعلم.
ثم قال: وهو أحد الأحاديث الأربعة في الموطأ، التي لا توجد في مسنده، ولا مرسلة، والله أعلم، ومعناه صحيح في الأصول، ثم ذكر حديث ابن مسعود السابق، على أنه من الأصول الصحيحة التي هي بمعنى ما ذكره مالك في الموطأ (^٢).
وعلى ذلك فالمنفي وجوده هو الحديث باللفظ الذي ذكره مالك بلاغا، وليس بالمعنى، وحديث ابن مسعود ﵁ الذي قرر ابن عبد البر أنه بمعناه، قد اتفق عليه البخاري ومسلم (^٣).
وبذلك يتحقق قول ابن عبد البر: إن معنى الحديث صحيح، وإن لم يوجد له سند بلفظه. ومن بعد ابن عبد البر جاء ابن الصلاح فقال: وأما حديث النسيان، فرويناه من وجوه كثيرة صحيحة … وذكر منها حديث ابن مسعود، السابق وعزاه إلى الصحيحين، ثم قرر أن ما في الموطأ من
_________________
(١) ينظر تجريد التمهيد/ ٢٥٣، ٢٥٤.
(٢) التمهيد ٢٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦.
(٣) ينظر البخاري مع الفتح - الصلاة - باب التوجه نحو القبلة ١/ حديث (٤٠١) ومسلم - كتاب المساجد ١/ ٤٠٠ حديث (٨٩).
[ ٤ / ١٧٤٦ ]
حديث مالك، طرف منه (^١).
والعراقي من منهجه في هذا التخريج: أنه إذا لم يجد الحديث باللفظ الوارد في الإحياء، ولا بنحوه، ووجد ما هو بمعناه يذكره، في أحيان كثيرة، وهكذا يفعل غيره من أئمة علم التخريج، فلا أدرى لماذا، لم يفعل ذلك في هذا الحديث، واقتصر على إطلاق القول بأنه لم يرد من غير طريق مالك المنقطعة هذه، مع أن عبارة ابن عبد البر التي اختصرها العراقي، نصها ليس فيه الإطلاق، بل هي مقيدة باللفظ الذي في الموطأ، كما تقدم نقلى لها، ومضاف فيها بعد التقييد تقرير وجود بعض الروايات الصحيحة بمعناها، ثم زاد ابن الصلاح بعد هذا التصريح بأن حديث ابن مسعود مشتمل على طرف من لفظ رواية مالك المطلوب وصلها، وأقر أن الرواية الصحيحة التي بمعناها تدل على اتصالها، كما قدمت.
وقد ذكر الشيخ الزرقاني: أنه وقع في فتح البارى، وصف حديث مالك هذا بأنه لا أصل له، ثم تأول ذلك، على معنى: أنه لا أصل له يحتج به، وعلل ذلك بقوله: لأن البلاغ من أقسام الضعيف، وليس معناه أنه موضوع - معاذ الله - إذ ليس البلاغ بموضوع عند أهل الفن، لا سيما من مالك، كيف وقد قال سفيان: إذا قال مالك: بلغني، فهو إسناد صحيح (^٢). وما ذكره من قول سفيان هذا، يخالف ما قرره ابن عبد البر
_________________
(١) ينظر حاشية التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ٣٧٥ نقلا عن رسالة ابن الصلاح في وصل بلاغات أربعة من الموطأ/ ص ١٤ - ١٥.
(٢) ينظر شرح الزرقاني على الموطأ ١/ ٢٩٤، وسفيان، يبدو أنه ابن عيينة لتأخر وفاته عن وفاة مالك - رحمهما الله.
[ ٤ / ١٧٤٧ ]
من أن بلاغات مالك تعتبر منقطعة، كما تقدم (^١).
أما تأويل الشيخ الزرقاني لما عزاه إلى الفتح بأن معناه «لا أصل له يحتج به» فيرده ما تقدم من أن حديث ابن مسعود ﵁ المتفق على صحته، يعتبر بمعنى رواية مالك، وفيه طرف منها.
وعليه فما اقتصر العراقي عليه في تخريج بلاغ مالك هذا، فيه قصور عما جاء في المصدر الذي رجع إليه فيه، وهو ابن عبد البر، بل يعتبر قاصرًا عن صنيعه في تخريج كثير من المراسيل ونحوها في سنده نوع من الانقطاع خلال كتابه هذا.
وقد بنى الشيخ الألباني على ما اقتصر عليه العراقي فقرر أن هذا البلاغ بلفظه الوارد في الموطأ، باطل، ولا أصل له، وأنه مخالف لحديث ابن مسعود السابق ذكره (^٢).
وهذا مخالف لما قدمته عن ابن عبد البر ومَنْ بعده.
وقد ذكر العلائي بلاغ مالك هذا بلفظه، ضمن ما استدل به لبعض الأقوال في تفسير حديث «ذي اليدين» في السهو في الصلاة، وقد أورده بلفظ «روى» الدال على التضعيف، لكن لم يتعقبه بكونه موضوعًا، ولا شديد الضعف (^٣).
فأوسط الأمور في شأن بلاغ مالك هذا أنه يعتبر ضعيفًا لذاته باعتبار إعضال سند مالك به، ويرتقى للصحيح لغيره باعتبار ما يشهد لمعناه، وما وجد فيه.
_________________
(١) وينظر التمهيد ١/¬٢٣.
(٢) تنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ حديث (١٠١).
(٣) ينظر نظم الفرائد للعلائي بتحقيق الشيخ بدر البدر ٣/ ١٨٣، ١٨٤.
[ ٤ / ١٧٤٨ ]
طرف منه من الأحاديث الصحيحة، كما تقدم.
إشارة العراقي إلى درجة الحديث بعنعنة المدلس القادحة:
ومما أشار به العراقي أيضا إلى درجة الحديث ذكر عنعنة الراوي الموصوف بالتدليس القادح، حيث تقتضى عنعنته انقطاع سند الحديث من طريقه، فيكون ضعيفا بهذا الإسناد، وإن كان العراقي لا يصرح بذلك.
فقد ذكر حديث أبي هريرة، موقوفا، ومرفوعا: من أكل لحم أخيه في الدنيا، قرب إليه لحمه في الآخرة (الحديث)، وعزاه إلى ابن مردويه، في تفسيره، موقوفا، ومرفوعا، ثم قال: وفيه محمد بن اسحق، رواه بالعنعنة (^١).
ومحمد بن إسحق، خلاصة حاله: أنه حسن الحديث، في غير ما وهم فيه، أو رواه بالعنعنة ونحوها مما يدل على عدم الاتصال (^٢).
وقد يذكر مع الرواية المضعفة بالعنعنة، بعض الروايات الأخرى التي تجبر هذا الضعف.
فقد ذكر حديث: طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله، وعزاه إلى الطبراني من حديث عبد الله بن بشر، ثم قال: وفيه «بقية»، رواه بصيغة «عن» وهو مدلس (^٣).
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٣/ ١٤٠ (٣).
(٢) ينظر التقريب/ ترجمة (٥٧٢٥) وفتح الباري لابن حجر ١١/ ١١٣، وطبقات المدلسين له/ ١٤، ٥١ بتحقيق الأخ د/ عاصم القريوتي. وتنظر من الأمثلة لذلك/ المغني مع الإحياء ٣/ ٢٤٢ (١) و٤/ ١٤٩ (١)، ٤٥٤ (٢).
(٣) المغني ٤/ ٣٩٥ (٣).
[ ٤ / ١٧٤٩ ]
و«بقية» هذا هو ابن الوليد بن صائد الحمصي، وخلاصة حاله، كما في التقريب: أنه صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء (^١).
وذكره الحافظ في المرتبة الرابعة من المدلسين (^٢) ووصفه أيضا بتدليس التسوية، وهو أسوأ أنواع التدليس (^٣).
فيكون الحديث من طريقه المذكور ضعيفا، لانقطاعه.
لكن العراقي أتبعه بقوله: وللترمذى من حديث أبي بكرة: خير الناس من طال عمره، وحسن عمله، وقال: حسن صحيح (^٤).
وبهذا الشاهد لحديث «بقية» ينجبر ضعفه، ويرتقي إلى الصحيح لغيره.
بيان العراقي للضعف الشديد للحديث، وتعقب المخالف:
الضعف الشديد يمكن تعريفه، تعريفا تقريبيا بأنه:
وصف الحديث، أو الإسناد، أو أحد الرواة فيه، بعبارة «ضعيف جدا» أو ما في معنى هذه العبارة، مما يدل على شدة الضعف، مثل «واه جدا، أو واه بمرة، أو منكر جدا، أو متروك، أو متهم بالكذب، أو فاحش الخطأ».
ويعتبر الوصف بمثل هذه العبارات أخف من الوصف بالكذب، أو الوضع.
ولما ذكر العراقي ضمن منهجه في المقدمة، بيان درجة الحديث، ذكر أنه يبين ضعف الحديث فقط، ولم يبين أنه يبين الضعف الشديد، مع أنه بين.
_________________
(١) التقريب/ ترجمة (٧٣٤).
(٢) تعريف أهل التقديس/ ٤٩.
(٣) النكت على ابن الصلاح بتحقيق فضيلة الدكتور/ ربيع بن هادى ١/ ٢٩٣، ٤٥٨.
(٤) المغني مع الإحياء ٤/ ٣٩٥ (٣).
[ ٤ / ١٧٥٠ ]
كثيرا منه خلال الكتاب، كما سيأتي، فأفاد ذلك تفريقه بين الضعيف فقط، والضعيف جدا.
ومرتبة الضعف الشديد هذه، عند أهل الاصطلاح بمن فيهم العراقي، تعتبر أسوأ ضعفا من درجة الضعيف فقط، حيث إن الراوي الواحد الشديد الضعف، إذا شارك غيره من هو مثله، أو من هو ضعيف فقط، فإن مشاركته لأى منهما لا تجبر ضعفه إلى درجة الحسن لغيره، وإذا شارك غيره ممن هو مثله في شدة الضعف، فإنه يحتاج إلى اثنين معه - على الأقل - حتى يرتقى إلى درجة الضعف المطلق (^١).
والعراقي في نكته على ابن الصلاح قد أقره على التفريق بين الضعيف فقط، القابل للانجبار إلى درجة الحجية، وبين الضعيف الشديد الضعف (^٢).
وخلال هذا التخريج أطلق العراقي وصف الضعف المطلق، وما في حكمه، على بعض الرواة أو الأسانيد أو الأحاديث، وهذا هو الكثير، وهو الذي نص عليه في المقدمة، لكنه أطلق أيضا وصف الضعف الشديد وما في حكمه، كبعض العبارات السابق ذكرى لها.
فدل ذلك على تفريقه بينهما في التطبيق، كما في التقعيد، وعلى إقراره لتفاوتهما في المرتبة، وإن اشتركا في أصل الضعف.
_________________
(١) ينظر تدريب الراوي للسيوطى ١/ ١٧٥ - ١٧٧ بتحقيق شيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ والامتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع للحافظ ابن حجر/ ٢٩٩ بتحقيق الشيخ صلاح الدين مقبول، وشرح شرح النخبة للقارى/ ٧٢ والنكت الوفية للبقاعي/ ٧٠/ أ.
(٢) ينظر التقييد والإيضاح للعراقي مع مقدمة ابن الصلاح/ ٤٩ - ٥١، ٥٥، ١٣٣.
[ ٤ / ١٧٥١ ]
وقد ظهر ذلك في بعض المواضع جليا، حيث ذكر حديث «أن إبليس لما نزل إلى الأرض قال: يا رب، أنزلتني إلى الأرض، وجعلتني رجيما (الحديث) وعزاه إلى الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة، وقال: وإسناده ضعيف جدا، ثم قال: ورواه (أي الطبراني) من حديث ابن عباس، بسند ضعيف أيضا (^١).
فوصف الإسناد الأول - كما ترى - بأنه ضعيف جدا، والإسناد الثاني بأنه ضعيف فقط.
وبالمراجعة نجد أن إسناد الطبراني لحديث أبي أمامة، فيه: عبيد الله بن زحر، عن على بن يزيد الألهاني، عن القاسم - وهو ابن عبد الرحمن الشامي، أبو عبد الرحمن، عن أبي أمامة (^٢)
وقد تشدد ابن حبان في حكم هذه الترجمة، لدرجة اتهام أصحابها بوضع ما يُروى بها، عن أبي أمامة (^٣)
وتوسط جماعة غيره، فاقتصروا على تضعيف كل من: عبد الله بن زحر، وعلى بن يزيد (^٤).
ولخص الحافظ ابن حجر حال «القاسم» بأنه صدوق يغرب كثيرا (^٥)
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/¬٣٣ (٢) والإتحاف ٧/ ٢٨١.
(٢) المعجم الكبير للطبراني ٨/ حديث (٧٨٣٧).
(٣) ينظر المجروحين لابن حبان ٢/ ٦٢، ١٠١ و٣/¬٢٦، ٢٧.
(٤) ينظر الميزان ٣/ ترجمتي (٥٣٥٩)، (٥٩٦٦) والكاشف ١/ ترجمة (٣٥٤٤) و٢/ (٣٩٨٣) والتقريب ترجمتي (٤٢٩٠)، (٤٨١٧).
(٥) التقريب (٥٤٧٠).
[ ٤ / ١٧٥٢ ]
ومقتضاه تضعيفه من جهة ضبطه، فاجتماع هؤلاء الثلاثة في سند تلك الرواية يقتضي فعلًا شدة ضعفها، كما قرره العراقي.
أما سند حديث ابن عباس عند الطبراني أيضا، فعندما نراجعه، نجد أن رجاله محتج بهم، ما عدا «يحيى بن صالح الأبلى» فقد ضعفه كل من العقيلي وابن عدي، من جهة ضبطه، ومجموع كلامهما يدل على ضعفه ضعفا غير شديد (^١).
فيكون حكم العراقي على الحديث من طريقه بالضعف فقط، متفقا مع خلاصة حال راويه، ومع ما تقضى به قواعد النقد، ومراتبه.
لكن الذي ظهر لي بالتتبع لأحكام العراقي خلال التخريج كله، أنه لم يطرد منهجه على هذا، فتارة يراعى التمييز بين الضعيف فقط، وبين الضعيف جدا، كما قدمت، وتارة لا يراعى هذا.
فقد ذكر حديث أبي أمامة: «إن الكذب باب من أبواب النفاق» وعزاه إلى ابن عدي في الكامل، ثم قال: بسند ضعيف، وفيه عمر بن موسى الوجيهي ضعيف جدا (^٢)
فوصفه للسند بالضعف فقط، ثم إتباع ذلك بأن فيه من هو ضعيف جدا، يشير إلى عدم تفريقه بين الضعيف فقط، وبين الضعيف جدا.
وأقوال العلماء في حال «عمر بن موسى الوجيهي» تؤيد أنه ضعيف ضعيف
_________________
(١) ينظر المعجم الكبير للطبراني ١١/ حديث (١١١٨١) مع اللسان لابن حجر/ ٦ ترجمة (٩٢٠)
(٢) المغني مع الإحياء ٣/ ١٣١ (٦).
[ ٤ / ١٧٥٣ ]
جدا، بل نسبه ابن عدي إلى وضع الحديث (^١).
وذكر حديث معاذ بن جبل (إن اليسير من الرياء شرك) (الحديث) وعزاه إلى الطبراني، والحاكم - واللفظ له - وذكر قوله: صحيح الإسناد، ثم تعقبه بقوله: بل ضعيف، فيه عيسى بن عبد الرحمن، وهو الزرقى، متروك (^٢).
فحكم على السند بالضعف فقط، وعلل ذلك بوجود راو في إسناده، موصوف بأنه متروك، سواء من العراقي كما هنا، أو من غيره (^٣).
وهذا الوصف، بهذا الإطلاق، يعتبر من ألفاظ الضعف الشديد، وليس الضعف فقط، كما هو معروف (^٤).
وقد يكون حكمه بالترك المقتضى لشدة الضعف خلاف الراجح من الأقوال في حال الراوي المذكور في الإسناد، فمن ذلك أنه ذكر حديث «أنه ﷺ زار قبر أمه، وأكثر البكاء» وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور، من حديث بريدة، وذكر أن شيخ ابن أبي الدنيا في الحديث هو أحمد بن عمران الأخنسى، متروك، ثم قال: ورواه - يعني ابن أبي الدنيا - بنحوه من وجه آخر، …، وذكره، لكن لم يبين درجته من هذا الوجه الآخر (^٥).
_________________
(١) ينظر الكامل لابن عدي ١/¬٤٣ (باب - ٢٠) والميزان ٣/ ترجمة (٦٢٢٢).
(٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٧١ (١).
(٣) ينظر الميزان ٣/ ترجمة (٦٥٨٣) والتهذيب ٨/ ت (٤٠٤) والمغني ٢/ ت (٤٨١٣) والديوان/ ت (٣٢٨٥) كلاهما للذهبى، والتقريب ت (٥٣٠٦).
(٤) ينظر فتح المغيث للعراقي ٢/¬٤١، ٤٢، وفتح المغيث للسخاوى ١/ ٣٧٢، ٣٧٣ ط الشيخ عبد الرحمن الأعظمي ﵀. وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٣/ ٢٣٨ (٣).
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٤ (٢).
[ ٤ / ١٧٥٤ ]
ووصف العراقي لأحد رجال إسناد الرواية الأولى بأنه «متروك» هكذا بإطلاق، يفيد شدة ضعفه، كما أشرت لمدلول تلك اللفظة فيما تقدم. ومن يراجع مصادر ترجمة «أحمد بن عمران» هذا، يجد أنه مختلف في حاله، فمن العلماء من وصفه بالترك، ونحوه، ومنهم من ذكر له بعض المناكير، ووثقه ابن عدي، وقال ابن حبان: حدثنا عنه أبو يعلى، وهو مستقيم الحديث، وقال العجلى: كوفي، لا بأس به، وأكثر أبو عوانة الراوية عنه في صحيحه (^١) وقال البيهقي: ثقة فيما زعم ابن عدي وغيره (^٢).
ومن ذلك يلاحظ أن الجزم بكونه متروكا تشدد غير مفسر السبب، ويمكن الجمع بين الأقوال فيه بأنه: صدوق له مناكير، فيحسن من حديثه ما ليس منكرا.
وعليه يكون جزم العراقي بكون أحمد هذا متروكا، وبالتالى شدة ضعف الحديث من طريقه، يعتبر أخذا منه بالتشدد المخالف للراجح.
والكثير من عمل العراقي خلال الكتاب، يفيد تفريقه بين الضعيف فقط، وبين الضعيف جدا، وبين الموضوع أيضا، كما سيأتي.
وقد يعل الحديث الواحد بأن في سنده راويين كل منهما يصفه بأنه ضعيف جدا (^٣).
وقد يكون تضعيفه الشديد للحديث، ليس مصرحا به، هكذا، ولكنه
_________________
(١) ينظر الميزان ١/ ترجمة (٤٩٨) والمغني ١/ ت (٣٨٨) واللسان ١/ ت (٧٣٩).
(٢) شعب الايمان للبيهقى ٦/ ١٢٦ ط دار الكتب العلمية.
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ٣٦٥ (٤).
[ ٤ / ١٧٥٥ ]
يستفاد من ذكره أكثر من علة في الحديث، تكون بمفردها خفيفة، ولكن عند اجتماعها مع مثلها في حديث واحد، فإن المجموع يفيد شدة الضعف، تبعا لما هو معروف عند علماء الاصطلاح - ومنهم العراقي -: أن ما عُدِمت فيه صفة واحدة من صفات القبول، فهو أخف ضعفا مما عُدِمت فيه صفتان، وهكذا، حتى ينتهي الحديث إلى درجة الموضوع المختلق، فيكون هذا الوصف وحده أشد مما عداه (^١).
فمما ذكر العراقي فيه أكثر من سبب للضعف: -
أنه ذكر حديث أبي هريرة: من استمع إلى آية من كتاب الله، كتب الله له حسنة مضاعفة (الحديث) وعزاه إلى أحمد، ثم قال: وفيه ضعف،
وانقطاع (^٢).
وبالمراجعة نجد الحديث في مسند الإمام أحمد من طريق عباد بن ميسرة، عن الحسن البصري، عن أبي هريرة ﵁ (^٣).
وعباد هذا، خلاصة حاله: أنه لين الحديث، وممن ضعفه الإمام أحمد نفسه (^٤) والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة، على الراجح (^٥).
فاجتماع هاتين العلتين في الإسناد، يقتضي شدة ضعف الحديث بهذا الإسناد.
_________________
(١) ينظر فتح المغيث للسخاوى ١/ ١١٥، ١١٦ والتدريب للسيوطي ١/ ١٨٠.
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٧ (٥):
(٣) المسند ٢/ ٣٤١.
(٤) الكاشف ١/ ترجمة (٢٥٧٧) والتقريب/ ترجمة (٣١٤٩).
(٥) جامع التحصيل للعلائي/ ١٦٤.
[ ٤ / ١٧٥٦ ]
وقد أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (^١) والبغوى في تفسيره (^٢)، كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد عن أبي هريرة.
وفيه كما ترى - إسماعيل بن عياش، يروى عن ليث بن أبي سليم، وهو غر شامى، فرواية إسماعيل عنه فيها ضعف، كما هو معروف (^٣) وليث بن أبي سليم، أيضا فيه ضعف من جهة ضبطه (^٤).
وبذلك يكون ضعف هذا الطريق شديدًا، فلا يجبر بمفرده الطريق السابق للحديث.
وذكر العراقي أيضا حديث: من زار قبر أبويه أو أحدهما غفر له (الحديث)، وعزاه إلى الطبراني في الصغير والأوسط، من حديث أبي هريرة، وإلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور له من رواية محمد بن النعمان، يرفعه. ثم قال عن سند ابن أبي الدنيا: وهو معضل، ومحمد بن النعمان مجهول.
أما سند الطبراني، فهو موصول من طريق محمد بن النعمان بن عبد الرحمن عن يحيى بن العلاء البجلي الرازي عن عبد الكريم أبي أمية عن مجاهد عن أبي هريرة (^٥).
وقال عنه العراقي: محمد بن النعمان مجهول، وشيخه عند الطبراني: «يحيى
_________________
(١) الشعب/ بتحقيق أبي هاجر برقم (١٩٨١).
(٢) تفسير البغوى/ المقدمة ١/¬٣٤ ط دار المعرفة - بيروت.
(٣) التقريب/ ترجمة (٤٧٣).
(٤) ينظر الكاشف ٢/ ترجمة (٤٦٩٢) والتقريب/ ترجمة (٥٦٨٥).
(٥) المعجم الأوسط ٦/ حديث (٦١١٤) ط الحرمين، والصغير مع الروض الدان ٢/ حديث (٩٥٥) وفي السند تحريف عما في الأوسط.
[ ٤ / ١٧٥٧ ]
ابن العلاء البجلي» متروك (^١).
وفي مصادر ترجمة كل منهما ما يؤيد قول العراقي فيه (^٢).
ويستفاد من كلامه عن طريقي الحديث، وجود الاعضال وجهالة راو، في طريق الحديث عند ابن أبي الدنيا، ووجود الراوي المجهول نفسه، مع راو متروك في طريق الطبراني، وذلك يقتضي شدة ضعف كل من الطريقين، وبالتالي لا ينجبر أحدهما بالآخر بمفرده، كما أن في سند الطبراني سببا ثالثا للضعف، وهو وجود «عبد الكريم أبي أمية» فيه، وقد اقتصر الهيثمي في المجمع على إعلال الحديث، به (^٣)، وكان يلزم عند إرادة الاقتصار، ذكر «يحيى بن العلاء»؛ لكونه أشد ضعفا، فتتبعه درجة الحديث بهذا الإسناد، كما هو معروف، ولعل هذا هو سبب عدم ذكر العراقي لعبد الكريم ضمن أسباب ضعف سند الطبراني؛ لذكره الأشد ضعفا منه، وهو «يحيى بن العلاء» كما تقدم (^٤).
ويؤيد هذا ماجاء في موضع آخر، حيث ذكر حديث ابن مسعود في صلاة
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٤/ ٤٧٤ (٧).
(٢) الميزان ٤/ ترجمة (٨٢٦٦) والكاشف ٢/ ترجمة (٦٢٢٤).
(٣) ينظر مجمع الزوائد ٣/ ٥٩ (٢) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٢/ ٣٨٦ (٦) مع المعجم الكبير للطبراني ٤/ حديث (٤٤٣٤)، والمؤتلف للدارقطني ٢/ ص ١٠٦٣ واللسان ٣/ ت (١٤٨١) وتاريخ الطبرى ٣/ ٢٨٧، ٢٨٩.
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢١٣ (٥) وتحرف فيه (عمر) إلى «عمرو»، والصواب (عمر) كما في الإتحاف ٣/ ٤٧٠ وكتب التراجم. لكن وهم الزبيدي في بيان حاله كما سيأتي.
[ ٤ / ١٧٥٨ ]
الحاجة اثنتى عشرة ركعة، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، وقال: بإسنادين ضعيفين جدا، فيهما (عمر) بن هارون البلخي، كذبه ابن معين، ثم قال: وفيه علل أخرى فاقتصر العراقي - كما ترى - على ذكر سبب واحد يقتضي شدة ضعف الحديث بإسناديه، مع معرفته بوجود أكثر من علة أخرى، في هذا الحديث، وإن كان لم يصرح بشيء منها. وقد تعقب الزبيدي العراقي في تلك العلة التي اقتصر عليها، فذكر أن عمر بن هارون هذا روى عنه أبو داود وجماعة، قال الذهبي في الكاشف: قال ابن حبان مستقيم الحديث، وقد روى عنه الترمذي وابن ماجه، فمثل هذا لا يترك حديثه، كما ذكر أن الحديث الذي ذكره الغزالي في الإحياء، قد أخرجه أبو نعيم في الحلية بسند قو (^١).
وهذا التعقب من الزبيدي فيه أمران:
الأول: ما ذكره من حديث الحلية مُسلّم، وكان ينبغى على العراقي ذكره بدلا من حديث الديلمي الشديد الضعف.
الأمر الثاني: ما ذكره بخصوص حال «عمر بن هارون» وهذا غير مسلّم له، لأنه ما ذكره عبارة عن خلط بين ترجمة «عمر بن هارون» وترجمة راو آخر مذكور بعده بترجمة في كتاب الكاشف الذي عزا إليه ما ذكره، وهو «عمر ابن يزيد أبو حفص السيارى» فقد جاء في الكاشف (^٢) في ترجمته أنه روى عنه أبو داود وعدة، وأن ابن حبان قال فيه «مستقيم الحديث»، فلعل الزبيدي سبق نظره إلى هذا.
_________________
(١) الاتحاف ٣/ ٤٧٠.
(٢) الكاشف ٢/ ترجمة (٤١٢٠).
[ ٤ / ١٧٥٩ ]
وأما «عمر بن هارون» فقد جاء في ترجمته في الكاشف (^١) أنه روى له الترمذي وابن ماجه، ثم قال الذهبي فيه: واه، اتهمه بعضهم (^٢) وهذا يقتضي أنه متروك، وضعيف جدا، كما قال العراقي وذكر فعلا في ترجمة في غير الكاشف أن يحيى ابن معين كذبه، كما حكى العراقي، وممن ذكر تكذيب ابن معين له ابن حبان، وذكر أنه في رواية أخرى قال فيه «ليس بشيء» ثم زاد ابن حبان من جانبه تأكيدا لذلك، فبعد وصفه بعدالة الدين:
قال: والمناكير في رواياته، تدل على صحة ما قال يحيى بن معين فيه (^٣) وما اختاره ابن حبان من اتصاف (عمر بن هارون) هذا بعدالة الدين، مع شدة ضعفه في رواية الحديث، يعتبر جمعا بين مجمل الأقوال في حاله (^٤)
لكني وجدت العراقي أيضا في بعض المواضع، لا يقتصر على ذكر السبب الأشد في الضعف فقط، بل يذكر معه أكثر من سبب آخر أخف ضعفا.
فمن ذلك أنه ذكر حديث تعليم الرسول ﷺ أبا بكر الدعاء لحفظ القرآن، وعزاه إلى أبي الشيخ ابن حبان، في كتاب الثواب له، من رواية عبد الملك ابن هارون بن عنترة عن أبيه أن أبا بكر أتى النبي ﷺ (الحديث) ثم قال العراقي: وعبد الملك، وأبوه، ضعيفان، وهو منقطع، بين هارون، وأبي بكر ﵁ (^٥)
_________________
(١) الكاشف ٢/ ترجمة (٤١١٨).
(٢) وبنحو هذا لخص حاله في المغني في الضفعاء ٢/ ت (٤٥٦٨) والديوان/ ترجمة (٣١١٨).
(٣) ينظر المجروحين له ٢/ ٩٠ - ٩١.
(٤) ينظر الميزان ٣/ ترجمة (٦٢٣٧) والتهذيب ٧/ ترجمة (٨٣٩) والكاشف ٢/ ترجمة (٤١١٨) مع التعليق عليه.
(٥) المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٣ (٤).
[ ٤ / ١٧٦٠ ]
فذكر ثلاثة أسباب - كما ترى - لضعف إسناد هذا الحديث.
ولم يذكر له رواية أخرى.
وبالمراجعة يظهر لنا أن اقتصار العراقي في حال «عبد الملك بن هارون» على الضعف فقط، قد تبع فيه الأقل ممن تكلم فيه، ولكن الأكثر، على وصفه بالكذب والترك، ووضع الحديث، أو التهمة بذلك، ورواية المناكير عن أبيه (^١) فلو لم يكن في السند مطعن غير «عبد الملك» هذا، لكان كافيا في شدة ضعف الحديث من طريقه ومع ذلك ذكر العراقي معه السببين الآخرين.
وذكر الغزالي حديث الصلاة المأثورة في ليلة السابع والعشرين من رجب، فعزاها العراقي لأبي موسى المديني في فضائل الأيام والليالي، من طريق محمد بن الفضل عن أبان، عن أنس، مرفوعا، ثم قال: ومحمد بن الفضل، وأبان، ضعيفان جدا، والحديث منكر (^٢).
فذكر العراقي ثلاثة أسباب أيضا، وجمع فيها بين نقد السند، بشدة ضعف راويين فيه، ونقد المتن بأنه منكر.
وستأتي أمثلة أخرى لعنايته بنقد المتن، ولكن المقصود هنا بيان عدم اقتصاره على سبب واحد مما يقتضي شدة ضعف الحديث. مثلما اقتصر في أحد الأمثلة السابقة.
وعلى ذلك يمكن القول بأن العراقي تنوع منهجه في ذكر ما يضعف به الحديث، بحسب ما يتيسر له من سبب أو أكثر، حتى لو كان بعض ما
_________________
(١) ينظر اللسان ٤/ ترجمة (٢١٣).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٧٣ (١).
[ ٤ / ١٧٦١ ]
يذكره يقتضي بمفرده شدة ضعف الحديث.
جمع العراقي بين الحكم بشدة الضعف، والرد على من خالف في ذلك:
قد لا يقتصر العراقي على ذكر ما يدل على شدة ضعف الحديث، ولكن يتبعه بالرد على من خالف في ذلك.
فقد ذكر الحديث القدسي: قال الله تعالى: «لا إله إلا الله حصني …» (الحديث) وعزاه إلى الحاكم في كتابه التاريخ - يعني تاريخ نيسابور - ولأبي نعيم في الحلية، من طريق أهل البيت، من حديث على ﵁، ثم قال: بإسناد ضعيف جدا، وأتبع ذلك بقوله: وقول أبي منصور الديلمي: إنه حديث ثابت، مردود عليه (^١) وزاد ابن عراق نقلا عن العراقي أيضا في تخريجه: عزو الحديث إلى مسند الشهاب للقضاعي من رواية على بن موسى الرضا عن آبائه، كما زاد نقل العراقي عن كتاب «الكشف عن أخبار الشهاب» لابن طاهر المقدسي: أن راوى الحديث عن على الرضا في الحلية هو أبو الصلت الهروى وأنه متفق على ضعفه، وأن راويه عن على الرضا عند القضاعي هو: أحمد بن على بن صدقة، متهم بالوضع (^٢).
وقد أفادتنا هذه الزيادة بيان مستند العراقي في الحكم بشدة التضعيف الإسناد الحديث، وهو وجود را ومتهم بالوضع في أحد طريقي الحديث، وهو «أحمد بن علي بن صدقة».
أما أبو الصلت: هو عبد السلام بن صالح الهروى، فقد تعقب ابن عراق
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/ ١٧٣ (١).
(٢) تنزيه الشريعة لابن عراق ١/ ١٤٧ - ١٤٨.
[ ٤ / ١٧٦٢ ]
وصفه السابق بأنه متفق على تضعيفه، فذكر توثيق ابن معين والحاكم له، ولكنه نقل عن العراقي ما يفيد عدم اعتداده بإطلاق توثيقه، لوجود جرح مفسر فيه، من أحد من وثقه وهو الحاكم حيث وصفه بأنه روى عن عدد من شيوخه مناكير (^١) كما جاء عن أكثر من تكلم فيه ما يفيد شدة تضعيفه (^٢) كما هو مقتضى حكم العراقي على إسناد هذا الحديث، فيحمل توثيق من وثقه وهم الأقل على ما وصف به من غيرهم من الزهد والتقشف، ولذا لما لخص الذهبي حاله قال: واه، شعى متهم، مع صلاحه (^٣) وما ذكره العراقي عن أبي منصور الديلمي يفيد أن الديلمي أخرج الحديث في مسند الفردوس، وحكم عليه بذلك، مع أن العراقي لم يعزه إلى مسند الفردوس، كما ترى.
لكن يفهم من زهرة الفردوس لابن حجر أن أبا منصور الديلمي روى الحديث في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم في الحلية (^٤) وقد جاء الحديث فعلا في الحلية (^٥)، مع اختلاف في لفظ أوله، وذلك من طريق أحمد بن على الأنصارى عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح عن علي بن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده، عن على مرفوعا، وقال أبو نعيم: هذا حديث ثابت مشهور بهذا الإسناد.
_________________
(١) ينظر تنزيه الشريعة ١/ ١٤٧ و١٥١.
(٢) ينظر الميزان ٢/ ترجمة (٥٠٥١) والتهذيب ٦/ ترجمة (٦١٦).
(٣) ينظر الكاشف ١/ ترجمة (٣٣٦٨) والمغني ٢/ ترجمة (٣٦٩٤) والديوان/ ترجمة (٢٥٢٨) والتقريب/ ترجمة (٤٠٧٠) مع التلخيص الحبير ١/ ٢٣٥.
(٤) ينظر الفردوس لأبي شجاع الديلمي ٥/ حديث (٨١٠١) مع تعليق المحقق عليه.
(٥) الحلية ٣/ ١٩١، ١٩٢.
[ ٤ / ١٧٦٣ ]
فيبدو أن أبا منصور الديلمي لما أخرج الحديث من طريق أبي نعيم، ذكر قوله هذا عن الحديث، فظنه العراقي من كلام أبي منصور، مع أنه قد عزا الحديث إلى أبي نعيم في الحلية، ومقتضى هذا أنه وقف على قول أبي نعيم عن الحديث، فكان الأولى أن يوجه تعقبه السابق، إلى أبي نعيم، لكونه أسبق من الديلمي، أو يوجهه إلى كل من أبي نعيم، والديلمي، لإقراره قول أبي نعيم.
وما ذكره العراقي وغيره في أحوال الراويين للحديث عن على بن موسى الرضا عن آبائه عن على ﵃ يؤيد القول بشدة ضعف الحديث بهذا الإسناد، ورد قول أبي نعيم والديلمي من بعده، بأنه ثابت مشهور (^١).
وهذا يعتبر من الأمثلة الدالة على تأثير العراقي في نقد أحاديث الإحياء وغربلتها.
مما يتعقب به العراقي في بعض اصطلاحات التخريج، وتضعيف بعض الأحاديث:
وليس ذلك مما يقدح في جهوده الظاهرة خلال الكتاب، ولكن القصد منه تطبيق مبدأ التوازن في عرض وتقويم تلك الجهود والآثار للعراقي، فيذكر ما لها، وهو الأكثر، وما عليها وهو الأقل.
فمن ذلك أن العراقي قد يقتصر في تخريج الحديث على عزوه إلى مصدر غير مشهور، وبسند شديد الضعف، مع وجوده في مصادر أخرى مشهورة، ودرجة الحديث فيها أقوى.
_________________
(١) ينظر مسند الشهاب للقضاعي ٢/ حديث (١٤٥١) مع تعليق الشيخ حمدى السلفي عليه.
[ ٤ / ١٧٦٤ ]
فقد ذكر الغزالي حديث «أقرب الناس منى مجلسا يوم القيامة، إمام عادل» فاقتصر العراقي على عزوه لأبي القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب له، من حديث أبي سعيد الخدرى، وقال: من رواية عطية العوفي، وهو ضعيف، عنه يعني عن أبي سعيد، ثم قال: وفيه أيضا: إسحق بن إبراهيم الديباجي، ضعيف أيضا (^١).
فكتاب الترغيب والترهيب للأصبهاني مع كونه مصدرًا أصليا، وهاما، لكنه غير مشهور، خاصة بالمقارنة بما سيأتي من المصادر الأخرى الأصلية لهذا الحديث، كما أن سند الحديث عند الأصبهاني يعتبر شديد الضعف، لوجود راويين ضعيفين فيه
في حين أن هذا الحديث قد أخرجه من حديث أبي سعيد، بنحوه، كل من الترمذي في جامعه (^٢) وأحمد في مسنده (^٣) والبيهقي في سننه الكبرى (^٤) وشعب الإيمان (^٥)، وليس في أسانيدهم (إسحق بن إبراهيم الديباجي)، وإنما جميعهم رووه من طريق «عطية العوفي» فقط وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه
وخلاصة حال «عطية العوفي» أنه ضعيف من جهة ضبطه، ورمى بالتشيع،
_________________
(١) ينظر الإحياء مع المغني ٣/ ٣١٥ (٤) والترغيب والترهيب للأصبهاني ٣/ ح (٢١٨٩) تحقيق أيمن شعبان.
(٢) كتاب الأحكام/ برقم (١٣٢٩).
(٣) ينظر المسند ٣/¬٢٢، ٥٥.
(٤) ينظر السنن ١٠/ ٨٨
(٥) ينظر الشعب ٦/ حديث (٧٣٦٦).
[ ٤ / ١٧٦٥ ]
وبالتدليس القادح (^١) فيحمل تحسين الترمذي للحديث، على مراعاة ما يشهد له، كما أشار إلى ذلك بقوله: وفي الباب عن عبد الله بن أبي أوفى
ولعل توجيه تحسين الترمذي بهذا، أولى من صنيع الزيلعي، رفيق العراقي، حيث أخذ بقول ابن القطان الفاسي بتحسين الحديث لذاته، من طريق عطية وحده حيث قال: وعطية العوفي مضعف، وقال ابن معين فيه: صالح، فالحديث حسن، وأقره الزيلعي (^٢)، مع أن قول ابن معين «صالح» هكذا مطلقا، ليس صريحا في صلاحية الراوي ولا صلاحية حديثه للحجية، بل يحتمل إرادة الصلاح في الدين فقط (^٣) وصلاحية الحديث للاعتبار، وليس للاحتجاج، ولو سلم الحمل على الاحتجاج، فهو معارض بتضعيف الأكثرين لعطية العوفي كما قدمت.
وعلى كل، فإن طرق هذا الحديث التي يوجد فيها عطية العوفي وحده، تعتبر أقل ضعفا من طريق الأصبهاني التي اقتصر عليها العراقي، وفيها كل من العوفي، وإسحق الديباجي.
كما أن ما ترك العراقي عزو الحديث إليه من المصادر السابق ذكرها، شهرتها واضحة.
ولذلك فإن السخاوي قد تعقب العراقي في موقفه من هذا الحديث، فقال: وقد اقتصر مخرج «الإحياء» على عزوه للأصبهاني، وأعله - مع ضعف عطية -.
_________________
(١) ينظر الكاشف ٢/ ترجمة (٣٨٢٠) والتقريب/ ترجمة (٤٦١٦)، وطبقات المدلسين/ ص ٥٠ بتحقيق الأخ د/ عاصم القريوتي.
(٢) نصب الراية للزيلعي ٤/ ٦٨ (أدب القاضي).
(٣) تنظر نكت ابن حجر العسقلاني على ابن الصلاح ٢/ ٦٨٠.
[ ٤ / ١٧٦٦ ]
بضعف إسحق بن إبراهيم الديباجي، أيضا، وعجبت منه - مع جلالته - كيف لم يعزه للترمذي وغيره ممن ذكرته - يعني أحمد والبيهقي - والله المستعان (^١).
وبهذا التعقب أفادنا السخاوي اصطلاحين، من اصطلاحات علم التخريج، ومخالفة العراقي لهما في هذا الموضع، وهما:
١ - إذا كان الحديث في مصدر مشهور، أو أشهر، فلا يليق الاقتصار على عزوه إلى ما هو غير مشهور، أو ما هو أقل شهرة، إلا لفائدة، أو عذر.
٢ - إذا كان الحديث في بعض المصادر بسند قوى، أو أقل ضعفا، فلا يليق الاقتصار على عزوه إلى غيرها مما هو ضعيف، أو أشد ضعفا.
ويلاحظ في تعقب السخاوي السابق، تحليه بأدب العلماء في النقد، حيث قرنه بتقرير مكانة العراقي الجليلة، فقال: «وعجبت منه، مع جلالته» فأفاد بذلك أن انتقاده هذا، لا يغض من تمتعه بمنزلة جليلة عنده من حيث العموم.
ومما تعقب به العراقي أيضا من مخالفة الاصطلاح الأول، أنه ذكر حديث «أنه خرج يمشى إلى البقيع، فتبعه أصحابه، فوقف، فأمرهم أن يتقدموا (الحديث)، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث أبي أمامة، ثم قال: بسند ضعيف جدا، وأضاف قائلا: وهو منكر، فيه جماعة ضعفاء» (^٢).
_________________
(١) تخريج أحاديث كتاب العادلين، لأبي نعيم - للحافظ السخاوي حديث رقم (١٢) بتحقيق الأستاذ/ مشهور حسن.
(٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٣٤٤ (٢).
[ ٤ / ١٧٦٧ ]
فقوله: فيه جماعة ضعفاء، بيان ظاهر لسبب حكمه بشدة ضعف إسناده، تبعا لما قدمته من أن تعدد أسباب الضعف المطلق، يجعله أشد مما يوجد فيه سبب واحد منه، وسيأتي من أحوال رجال هذا السند، ما يوضح ذلك. أما قول العراقي: هو حديث منكر، فيبدو أنه موجه إلى المتن، فيكون سببا زائدا على ما في رجال الإسناد من ضعف، وبالمجموع تتأكد شدة الضعف للحديث سندا ومتنا، ويعتبر حكمه بنكارة المتن من أمثلة عنايته بنقد المتن، بجانب نقده للإسناد.
لكن الحافظ ابن حجر تعقب شيخه العراقي في تخريج هذا الحديث، فذكر الزبيدي أنه عند تخريج العراقي للحديث، وجد تعليقا للحافظ ابن حجر بخطه على حاشية نسخة من كتاب المغني هذا، قال فيها: «رواه - أي الحديث المذكور - أحمد، بسياق مطول، وابن ماجه مختصرا» (^١).
فهذا التعقب من ابن حجر يعتبر بيانا لمخالفة شيخه العراقي هنا للإصطلاح الأول فيما قدمته عن السخاوي، حيث إن العراقي اقتصر في تخريج هذا الحديث على العزو إلى مسند الفردوس لأبي منصور الديلمي فقط، بينما هو موجود بنحوه، ضمن رواية مطولة في مسند الإمام أحمد، وله رواية مختصرة في سند ابن ماجة. وكلا المصدرين - كما ترى - أشهر، وأقدم بزمن طويل، عن مسند الفردوس للديلمي، فكان عزو الحديث إليهما أولى، أو الجمع بينهما وبين المسند للديلمي، بدلا من الاقتصار عليه وحده.
وقد راجعت كلا من مسند أحمد وسنن ابن ماجه، فوجدت الحديث فيهما
_________________
(١) الاتحاف للزبيدي ٨/ ٣٧٨.
[ ٤ / ١٧٦٨ ]
فعلا كما ذكر الحافظ، ومن حديث الصحابي نفسه الذي أخرج الديلمي الحديث من روايته (^١).
ولكن سند الحديث عندهما فيه ثلاثة رواة، كل منهم يعتبر ضعيفا ضعفا غير شديد، وهم: معان بن رفاعة (^٢) والقاسم بن عبد الرحمن الدمشقي (^٣) وعلى بن يزيد الألهاني (^٤) والمتن عندهما بنحوه، أو مختصر، كما تقدم، وبذلك تكون شدة الضعف في روايتهما متقاربة مع شدة الضعف في رواية الديلمي (^٥)، ولذا لم يتعقب الحافظ ابن حجر شيخه في الحكم على الحديث بشدة الضعف، وإنما وجه تعقبه لمخالفته اصطلاح التخريج من المصدر المشهور، والاقتصار على التخريج من غير المشهور، دون ظهور فائدة أو ضرورة لذلك.
وذكر العراقي حديث: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في المقدمة من سننه - باب من كره أن يوطأ عقبه ١/ حديث (٢٤٥) عن محمد بن يحيى - وهو الذهلي - عن أبي المغيرة - وهو عبد القدوس بن حجاج - عن معان بن رفاعة عن على بن يزيد - وهو الألهاني - عن القاسم بن عبد الرحمن - وهو الدمشقي - عن أبي أمامة، به، مختصرا. وأخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٦٦ عن أبي المغيرة به، بنحوه، مع زيادة في آخره.
(٢) التقريب/ ترجمة (٦٧٤٧).
(٣) التقريب/ ترجمة (٥٤٧٠).
(٤) التقريب/ ترجمة (٤٨١٧).
(٥) وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه عن الحديث: هذا إسناد ضعيف لضعف رواته، وأيد هذا بقوله: قال ابن معين: على بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة، هي ضعفاء كلها/ مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري ١/ ١٠٧ حديث (٩٨) ويستدرك عليه وجود «معان ابن رفاعة» أيضًا في إسناد ابن ماجة، وقد رجح الحافظ ابن حجر أنه: لين الحديث، كثير الإرسال/ التقريب/ ترجمة (٦٧٤٧).
[ ٤ / ١٧٦٩ ]
الرشد (الحديث) وعزاه إلى الترمذي والنسائي والحاكم، ثلاثتهم من حديث شداد بن أوس، وذكر أن الحاكم صححه، ثم قال:
قلت: بل هو منقطع، وضعيف (^١) وهذا التعقب - كما ترى - متوجه نحو إسناد الحاكم الذي صحح الحديث باعتباره، حيث أخرجه في المستدرك من طريق محمد بن سنان القزاز عن عمر بن يونس اليمامي عن عكرمة بن عمار عن شداد أبي عمار عن شداد بن أوس، مرفوعًا، به، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك (^٢).
وهذا الإسناد رجاله محتج بهم، ولم أجد في تراجمهم ما يقتضي الانقطاع بينهم، ومحمد بن سنان القزاز، وإن ضعفه الحافظ في التقريب (^٣) إلا أن مجموع الأقوال فيه، ودفاع الحافظ نفسه عنه في التهذيب (^٤) يقتضي أنه لا بأس به، فالحديث بهذا الإسناد حسن (^٥).
وبذلك لا ينطبق عليه تعقب العراقي السابق بالضعف والانقطاع.
وإنما ينطبق هذا على إسناد الحديث عند الترمذي والنسائي.
فقد أخرجه الترمذي من طريق سفيان الثورى عن سعيد بن إياس الجريري عن يزيد بن عبد الله بن الشخير أبي العلاء عن رجل من بني حنظلة عن شداد
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٨ (١).
(٢) المستدرك مع تلخيص الذهبي له ١/ ٥٠٨.
(٣) التقريب/ ترجمة (٥٩٣٦).
(٤) التهذيب ٩/ ترجمة (٣٢٣) مع السير ١٢/ ٥٤٤.
(٥) جامع الترمذي - الدعوات/ حديث (٣٤٠٧).
[ ٤ / ١٧٧٠ ]
ابن أوس، به، مع زيادة في آخره، وقال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه (^١).
فلم يحكم عليه الترمذي - كما ترى - بدرجة معينة، وفي سنده رجل مبهم من بني حنظلة، ولم أجد من بين شخصه، ولا حاله، فيكون الإسناد لأجله ضعيفا.
وأخرج النسائي الزيادة التي في آخر رواية الترمذي هذه من طريق هلال بن حق عن الجريرى عن أبي العلاء بن الشخير عن رجلين، عن شداد بن أوس (^٢)
وأخرج النسائي أيضا الحديث من طريق حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي العلاء بن الشخير عن شداد بن أوس، به، مع اختصار (^٣) وقد قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث، لم يسمعه أبو العلاء من شداد، إنما سمعه من رجل من بنى حنظلة عن شداد (^٤) وبذلك تلاحظ أن إسناد روايات الحديث عند الترمذي والنسائي، بعضها ضعيف لوجود مبهم في سنده، وبعضها منقطع كما قال الحافظ.
فلعل العراقي ﵀ أراد ذكر تعقبه السابق بالضعف والانقطاع،
_________________
(١) سنن النسائي الكبرى/ «عمل يوم وليلة - باب ثواب من يأوي إلى فراشه فيقرأ سورة …» ٦/ ٢٠٣ حديث (١٠٦٤٨).
(٢) سنن النسائي - الصلاة - نوع آخر من الدعاء ٣/ ٥٤ (١٣٠٣).
(٣) وفي طرق الحديث إلى شداد بن أوس اختلاف، لكنه عند التحقيق والتأمل لا يعكر على تحسينه/ تنظر الحلية لأبي نعيم ١/ ٢٦٥ - ٢٦٧ والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٥/ ٣١٠ - ٣١١ بتحقيق فضيلة الشيخ شعيب ومساعدوه/ حديث (١٩٧٤).
(٤) ينظر إتحاف المهرة لابن حجر ٦/ ١٦٨.
[ ٤ / ١٧٧١ ]
عقب عزو الحديث إلى الترمذي والنسائي، فذهل عن ذلك، ووضعه متأخرا عقب عزو الحديث للحاكم، وذكر تصحيحه له باعتبار إسناده هو الخالي من الضعف والانقطاع كما قدمت توضيحه.
هذا ولم أجد من تعقب العراقي في حكمه على هذا الحديث بالضعف والانقطاع.
بيان العراقي لدرجة الحديث المختلف على بعض رواته، واختلافه مع غيره في هذا:
المراد بالاختلاف هنا: أن يشترك راويان فأكثر في رواية حديث، عن أحد رجال الإسناد، حتى صحابي الحديث، ثم يختلف هذان الراويان فأكثر، في رواية الحديث عمن روياه، أو رووه عنه. سواء كان الاختلاف في المتن والسند معا، أو في أحدهما.
ويعبر العلماء عن هذا بقولهم: «هذا الحديث رواه فلان، - من الصحابة فمن دونهم - واختلف عليه فيه».
أو يقولون: «هذا الحديث اختلف فيه على فلان»، سواء كان صحابيا، أو دونه. وسيأتي في الأمثلة ما يوضح ذلك.
وهذا الاختلاف يعتبر بابا كبيرا من أبواب علل الحديث الدقيقة، حيث ينشأ عنه تعارض الرفع والوقف للحديث، أو الوصل والإرسال، أو الزيادة والنقص في أثناء الإسناد، أو البكارة والشذوذ، والاضطراب في المتن أو الإسناد، وذلك إذا لم يمكن الجمع بين وجهي أو وجوه الاختلاف بأحد وجوه الجمع المعتبرة، وبذلك تندفع عن الحديث علة التعارض والاختلاف.
[ ٤ / ١٧٧٢ ]
فإذا لم يمكن الجمع يبحث عن بعض الوجوه المعتبرة التي يمكن بها ترجيح بعض وجوه الاختلاف على غيرها، فإن أمكن ذلك يبرأ الوجه الراجح من علة الاختلاف، مع إمكان وجود علة أخرى فيه.
وأما الوجه المرجوح فإنه يكون معلولا بمخالفته للأرجح منه، وقد توجد فيه أيضا علة أخرى.
وقد يوجد للوجه المعلول ما يعضده ويقويه من غير الطرق المختلفة. وفي الموضوع تفاصيل وتقعيدات، ليس هنا محل تفصيلها.
ومع أن المنهج العام للعراقي في هذا التخريج، هو الاختصار، إلا أنه لم يهمل هذا الجانب الدقيق من جوانب بيان درجة الحديث، لما له من أهمية لا تخفي، فتناوله، وأظهر أثره في معالجته، مع مراعاة الاختصار في ذلك حسب منهجه العام في هذا الكتاب، حتى إنه قد يكتفي بالإشارة إلى أن الاختلاف هو علة الحديث.
فقد ذكر حديث فاطمة ﵂ (أن ساعة الإجابة التي في يوم الجمعة، تكون قبيل غروب الشمس) وعزاه إلى الدارقطني في العلل، والبيهقي في الشعب، ثم قال: وعلته الاختلاف (^١) ومعنى هذا أنه لم يتيسر له في هذا الاختلاف جمع ولا ترجيح.
ولا يتضح هذا الاختلاف الذي أشار إليه إلا بمراجعة مصادر الحديث، وخاصة ما عزا هو إليه منها، وهما العلل للدارقطني، وشعب الايمان للبيهقي. ولم أستطع الوقوف على موضع الحديث في علل الدارقطني، ولكن وقفت
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٩٢ (٦).
[ ٤ / ١٧٧٣ ]
على روايته في شعب الإيمان للبيهقي، فوجدته ذكر عددا من طرقه التي وقع الاختلاف المشار إليه، فيها، فقد أخرجه من طريق زيد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب ﵃، مع اختلاف فيه على زيد بن على، وعلى من دونه في الإسناد، ولم يرجح البيهقي من هذا الخلاف شيئا (^١).
وأيضا رواه الطبراني في الأوسط، من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأصبغ بن زيد عن زيد بن على عن مرجانة مولاة على عن فاطمة، مرفوعا، وقال: لا يروى هذا الحديث عن فاطمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به المحاربي (^٢) فمدار الحديث كما ترى على زيد بن على بن الحسين، واختلف عليه فيه. والرواة من دون زيد، ومن فوقه، فيهم عدد لم أقف له على ترجمة، وبذلك لم يتيسر لي ما يساعد على الجمع أو الترجيح في هذا الاختلاف.
وهذا ما واجه تلميذى العراقي: وهما الهيثمي وابن حجر العسقلاني، في هذا الحديث.
فالهيثمي قال عن إسناد الطبراني السابق: (مرجانة) لم تدرك فاطمة ﵂ وهي مجهولة، وفيه مجاهيل غيرها (^٣) ويلاحظ أنه لم يتعرض لبيان إعلال الحديث بالاختلاف، الذي اقتصر شيخه العراقي على الإعلال به. ولعل الهيثمي فعل ذلك لكون الطبراني الذي هو بصدد الكلام عن روايته، قد خرج الحديث من طريق واحد، ولم يشر إلى الخلاف فيه.
أما الحافظ ابن حجر فعزا الحديث إلى كل من الطبراني في الأوسط،
_________________
(١) شعب الإيمان للبيهقي ٦/ ٢٣٦ - ٢٣٩.
(٢) المعجم الأوسط ٦/ حديث (٦٤٤٠).
(٣) مجمع الزوائد للهيثمي ٢/ ١٦٦.
[ ٤ / ١٧٧٤ ]
والدارقطني في العلل، والبيهقي في الشعب وفي فضائل الأوقات، كلها من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي عن مرجانة عن فاطمة عن أبيها، ثم قال الحافظ: وفي إسناده اختلاف على زيد بن على، وفي بعض رواته من لم يعرف حاله (^١).
ويلاحظ أنه لم يذكر ما ذكره الهيثمي من الانقطاع بين مرجانة، وفاطمة ﵂، وهذا يؤيد ما قدمته من أنه قد يكون في طرق الحديث بعض العلل الأخرى غير الاختلاف.
ويلاحظ أن الحافظ ابن حجر لم يرجح شيئا في هذا الاختلاف (^٢) وقد يصرح العراقي بترجيح في الخلاف، نقلا عن غيره، مع إقراره، وهذا كثير (^٣) وقد لا يصرح بالراجح المذكور في بعض مصادر تخريج الحديث، ولكن يفهم الترجيح من سياق كلامه، وقد يبين الراجح من جانبه هو، ولو خالفه غيره في هذا، وقد يصرح بوصف الحديث بالاضطراب.
وتفصيل الأمثلة لذلك، كما يلي:
فقد ذكر حديث: «من شهد صلاة العشاء فكأنما قام نصف ليلة» وعزاه إلى مسلم من حديث عثمان ﵁ مرفوعا، ثم قال: قال الترمذي:
_________________
(١) ينظر الفتح ٢/ ٤٤١ حديث (٩٣٥).
(٢) وتنظر بعض الأمثلة الأخرى في المغني ١/ ١٩٢ (٧)، ٦٤ (٢)، ٢/ ٣٧٥ (٥)، ٣/ ١٣٩ (٥).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٣٨ (٤)، ٣٩ (١)، ١١٩ (٢)، ١٧٢ (٢) مع الاتحاف ٣/ ١٤٠ لتصويب ما في المغني المطبوع، ١٩٤ (٥)، ٢٧٣ (٢)، ٢/ ١٦٦ (٢)، ٢٨٣ (٤)، (٣/ ١٣٣) ٦ (، ٤/ ١٦٠) ٧ (، ٢٧٦) ٣ (،) ٥
[ ٤ / ١٧٧٥ ]
وروى عن عثمان موقوفا (^١)
فالسياق هنا يفيد رجحان الوجه المرفوع، لتصحيح الإمام مسلم له وعدم ظهور مرجح للموقوف.
وعند مراجعة جامع الترمذي نجده لم يقتصر على الإشارة إلى الرواية الموقوفة، وإنما أخرج الرواية المرفوعة من إحدى طريقي مسلم (^٢) وهي: سفيان الثورى عن عثمان بن حكيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان، مرفوعا، وقال عقبها: حديث عثمان حديث حسن صحيح، وقال عقب الإشارة للرواية الموقوفة: وروى من غير وجه عن عثمان، مرفوعا (^٣).
فهاتان قرينتان ظاهرتان على ترجيح الترمذي للمرفوعة، مع الإشارة إلى وجه الترجيح، وهو أكثرية رواتها
وأما الدارقطني، فاختلف ترجيحه، ففي التتبع رجح الوقف، بأحفظية رواته (^٤) وفي العلل، استعرض الخلاف في طرق الحديث رفعا، ووقفا، ثم قال: والأشبه بالصواب: حديث الثورى، وقد أخرجه مسلم في صحيحه (^٥)، وحيث لم نعرف المتأخر من قولى الدارقطني هذين، فنأخذ بما وافقه عليه غيره منهما، وهو ترجيح الرفع
وأما تصريح العراقي بالترجيح دون عزو لغيره، فمنه: أنه ذكر
_________________
(١) المغني مع الإحياء ١/ ١٥٤ (٥).
(٢) كتاب المساجد (٢٦٠).
(٣) جامع الترمذي - الصلاة حديث (٢٢١).
(٤) ينظر التتبع/ ٣٦٠ - ٣٦٢
(٥) العلل ٣/ مسألة (٢٧٩).
[ ٤ / ١٧٧٦ ]
حديث أنس ﵁ مررت ليلة أُسري بي، بقوم يخمشون وجوههم بأظفارهم (الحديث) وعزاه إلى أبي داود مسندا ومرسلا، ثم قال: والمسند أصح (^١).
وعند مراجعة الحديث في سنن أبي داود، نجده أخرج الرواية المرفوعة عن شيخه محمد بن المصفي عن بقية - يعني ابن الوليد - وأبي المغيرة - كلاهما عن صفوان عن راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن هبيرة، عن أنس مرفوعا، ثم قال أبو داود: حدثنا يحيى بن عثمان عن بقية - يعني ابن الوليد - ليس فيه أنس.
ثم قال: حدثنا عيسى بن أبي عيسى السيلحينى، عن أبي المغيرة، كما قال ابن المصفي (^٢).
وعند تأمل صنيع أبي داود هذا نجد فيه إشارة إلى ترجيح الرواية المسندة على المرسلة، حيث ذكر متابعة لشيخه محمد بن المصفي على الرواية المسندة، ولم يذكر متابعة لشيخه يحيى بن عثمان على الرواية المرسلة.
ولكنه لم يصرح بالترجيح كما ترى.
وأيضا الحافظ المنذري ذكر المسند والمرسل، ولم يذكر ترجيحا لأيهما (^٣).
فيعتبر تصريح العراقي يترجيح الرواية المسندة الموصولة، من استنتاجه هو،
_________________
(١) ينظر المغني ٣/ ١٣٩ (١).
(٢) سنن أبي داود - الأدب - باب الغيبة (رقم ٤٨٤٤، ٤٨٤٥).
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٧/ ٢١٣ مع المعالم وتهذيب السنن، والترغيب والترهيب للمنذرى - الأدب - الترهيب من الغيبة ٤/ حديث (٤١٧٠) ط دار الحديث.
[ ٤ / ١٧٧٧ ]
بالنظر في صنيع أبي داود.
كما أن الضياء المقدسي قد أخرج الرواية المسندة، في المختارة (^١) ولعل صاحب عون المعبود ﵀ لم يتح له مراجعة ترجيح العراقي هذا، ولذلك لم يذكره في شرحه للسنن، مع أهميته في الاستدلال بالحديث (^٢).
وأما خلاف العراقي مع غيره بالنسبة للاختلاف:
فمنه: أنه ذكر حديث القراءة في المغرب ليلة الجمعة: «قل يا أيها الكافرون»، «وقل هو الله أحد» (الحديث)، وعزاه إلى ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في سننه الكبرى من حديث جابر بن سمرة، وقال: وفي ثقات ابن حبان: المحفوظ عن سماك، مرسلا، وعقب على هذا بقوله:
قلت: لا يصح مسندا ولا مرسلا (^٣).
وبمراجعة المصادر التي عزا العراقي إليها الحديث، نجد البيهقي أخرج الرواية المسندة من طريق سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه عن جابر بن سمرة، مرفوعا، ولم يتكلم عنها بشيء (^٤).
وكذلك أخرجها ابن حبان في صحيحه، من الطريق نفسه (^٥) ولم يتعقبها بشيء، فدل ذلك على تصحيحه لها، وترجيحها على الرواية المرسلة، ولكنه
_________________
(١) المختارة للضياء المقدسي - بتحقيق فضيلة الدكتور/ عبد الملك بن دهيش ٦/ ٢٦٥.
(٢) عون المعبود لأبي الطيب شمس الحق ١٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٣) المغني مع الإحياء ١/ ١٩٤ (١) والإتحاف ٣/ ٢٩٥.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٣/ ٢٠١.
(٥) الإحسان ٥/ حديث (١٨٤١).
[ ٤ / ١٧٧٨ ]
ذكر في كتاب الثقات، الحديث من الطريق نفسه أيضا، ثم قال: المحفوظ عن سماك مرسلا (^١).
ومقتضاه أنه يرى الرواية المسندة معلولة، ولو كان رجالها ثقات، مع اتصال السند، فتكون شاذة، لمخالفتها للمحفوظ من طريقي الحديث، وهو الطريق المرسل.
وبذلك اختلف ترجيح ابن حبان، كما ترى، فمرة رجح الرواية المسندة بتصحيحها، ومرة رجح الرواية المرسلة، بتقريره أنها هي المحفوظة.
ونلاحظ أن العراقي لم يأخذ بأى من الترجيحين، فقرر عدم صحة الحديث من أي من الوجهين، وهنا يتفق مع الراجح من حال الراوي الذي عليه مدار طريقي الحديث، وهو «سعيد بن سماك» فإنه قد ذكره ابن حبان في الثقات، ولكن أشار إلى إعلال روايته للحديث، كما تقدم، وقال فيه أبو حاتم: متروك الحديث (^٢) ومقتضاه شدة ضعف الحديث من طريقه مسندا أو مرسلا.
فيعتبر بيان العراقي لعدم صحته مسندا ومرسلا، أولى من سكوت كل من البيهقي وابن التركماني - شيخ العراقي - عليه (^٣).
في حين عقب الذهبي على الحديث بقوله: قلت: سعيد متروك (^٤) وبه يتأيد حكم العراقي السابق.
_________________
(١) ينظر الثقات لابن حبان ٦/ ٣٦٧.
(٢) الثقات لابن حبان ٦/ ٣٦٧ والجرح والتعديل ٣/¬٣٢ واللسان ٣/¬٣٣.
(٣) السنن الكبرى للبيهقى، وبهامشه الجوهر النقى لابن التركماني ٣/ ٢١٠.
(٤) المهذب في اختصار سنن البيهقي للذهبي ٣/ ١٧٦ حديث (٤٠٦٨).
[ ٤ / ١٧٧٩ ]
وذكر العراقي أيضا حديث «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين» من حديث سالم بن (عبيد)، وعزاه إلى أبي داود، والترمذي، ثم قال: واختلف في إسناده (^١).
وبمراجعة ما عزا المؤلف الحديث إليه، وغيره من المصادر، نجد أن الحديث قد روي عن منصور بن المعتمر، واختلفت الرواية عنه، بعضها عن منصور عن هلال ابن يساف، عن سالم بن عبيد.
وبعضها بذكر واسطة.
وبعضها بذكر واسطتين بين هلال بن يساف وبين سالم.
وقد أخرج أبو داود الرواية التي بدون واسطة، والتي بواسطة، وهو خالد بن عرفطة، بين هلال، وبين سالم، ولم يتعرض لترجيح أي منهما (^٢).
وأخرج الترمذي الرواية التي بدون واسطة، ثم أشار إلى الخلاف بذكر الواسطة، ولم يرجح شيئا (^٣).
أما ابن حبان، فأخرج ا ديث في صحيحه، من طريق إسرائيل عن منصور، عن هلال بن يساف عن سالم، به، دون تعقب منه، فاقتضى ذلك ترجيحه للوجه الذي بدون واسطة، وتصحيحه (^٤).
وعزا الحافظ ابن حجر الحديث إلى أصحاب السنن، وصحح إسناده،
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٢٠٥ (٤).
(٢) سنن أبي داود - الأدب/ ٥/ حديث (٤٩٩٢، ٤٩٩٣).
(٣) جامع الترمذي - الأدب (رقم ٢٧٤٠).
(٤) الإحسان ٢/ حديث (٥٩٩) ط الرسالة.
[ ٤ / ١٧٨٠ ]
فاقتضى ذلك أيضا ترجيحه لهذا الوجه الذي بدون واسطة (^١).
أما النسائي والحاكم فقررا أن هذا الوجه الذي بدون واسطة، وهم، وخطأ من راويه، وعلل الحاكم ذلك بأن هلال بن يساف، لم يدرك سالم بن عبيد، ولم يره (^٢).
ومقتضى ذلك ترجيح الروايات التي فيها واسطة، وإن كان فيها علة جهالة تلك الواسطة.
وعليه يكون ما جرى عليه ابن حبان والحافظ ابن حجر من ترجيح الرواية التي بدون واسطة، وتصحيحها، مردود عليهما بما ذكره كل من النسائي والحاكم.
لكن الحافظ العراقي في عبارته السابقة، اكتفي بذكر الخلاف، ولم يأخذ لا بترجيح ابن حبان وابن حجر، ولا بترجيح النسائي والحاكم.
أما الحافظ المنذري، فذكر ترجيح النسائي وأقره (^٣) وهو ما يؤيده قول الحاكم: بأن هلال بن يساف لم يدرك سالم بن عبيد، كما تقدم.
تصريح العراقي بوصف الحديث بالاضطراب، ونقده في ذلك:
وأما تصريحه بالوصف بالاضطراب، دون عزو ذلك لغيره، أو بالنقل عن الغير دون تعقب، فقد جاء هذا أو ذاك في أكثر من موضع (^٤) ومقتضى
_________________
(١) الإصابة لابن حجر ٢/¬٥/ ترجمة (سالم بن عبيد).
(٢) سنن النسائي الكبرى - عمل يوم وليلة ٦/ حديث (١٠٠٥٣ - ١٠٠٥٩)، والمستدرك ٤/ ٢٦٧.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذرى مع معالم السنن ٧/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٤) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٣٨ (٢) و٢/ ١٣٢ (٣)، ٢٨٣ (١).
[ ٤ / ١٧٨١ ]
التعريف الاصطلاحي للمضطرب (^١) أن العراقي لم يترجح له وجه معتبر، لا للجمع ولا للترجيح بين وجه أو أوجه الخلاف في الحديث الذي وصفه بذلك أو أقر وصف غيره له بذلك.
لكني وجدت بعض أمثلة لم يتوافر فيها الضابط الاصطلاحي للمضطرب، وحكم العراقي عليها بالاضطراب أو نقله عن غيره، دون تعقب.
فقد ذكر حديث: (ردوا السائل ولو بظلف محرق) وعزاه إلى أبي داود، والترمذي والنسائي، من حديث أم بجيد، وذكر قول الترمذي عن الحديث: حسن صحيح، ثم قال: وقال ابن عبد البر: حديث مضطرب (^٢).
وبمراجعة الحديث عند من عزاه العراقي إليهم، نجده عندهم من طريق سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد، عن جدته أم بجيد، مرفوعا (^٣) وقال الترمذي: حديث أم بجيد حديث حسن صحيح.
وهكذا أخرجه ابن خزيمة (^٤) وابن حبان (^٥).
والحاكم في مستدركه، وصححه، ووافقه الذهبي (^٦).
وأما قول ابن عبد البر، فقد ذكره في الاستيعاب في ترجمة (أم بجيد)
_________________
(١) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ١١٣ وللسخاوى ١/ ٢٣٣ ط حبيب الرحمن الأعظمي.
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٢٠٥ (٢).
(٣) ينظر سنن أبي داود ٢/ الزكاة/ حديث (١٦٦٤) ط عوامة، والترمذي ٢/ الزكاة/ حديث (٦٦٥) ط. د/ بشار، والنسائي/ الزكاة ٥/ ٨٦.
(٤) صحيح ابن خزيمة/ حديث (٢٤٧٣).
(٥) الإحسان ٨/ حدث (٣٣٧٣):
(٦) المستدرك مع تلخيص الذهبي له ١/ ٤١٧.
[ ٤ / ١٧٨٢ ]
حيث ذكرها باسم (حواء الأنصارية) وأخرج من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ الأنصاري عن جدته حواء قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ردوا السائل ولو بظلف محرق، ثم قال: وروى المقبري عن عبد الرحمن ابن بجيد الأنصاري عن جدته قالت: قال رسول الله ﷺ يا نساء المؤمنات، لا تحقرن إحداكن لجارتها، ولو فرسن شاة، ثم قال: وقد ذكرنا الاضطراب في هذا الإسناد، في كتاب التمهيد (^١)، ثم ذكرها في باب الكنى فقال: أم بجيد الأنصارية الحارثية، قيل اسمها «حواء» وفي ذلك اضطراب، وهي مشهورة بكنيتها، ثم قال: حديثها عن سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد أخي بني حارثة، أن جدته أم بجيد حدثته … وذكر حديث السائل الذي معنا، بنحوه، وذكر جماعة من الرواة المحتج بهم، رووه هكذا، عن المقبري (^٢).
وبذلك صار في سند الحديث ومتنه اختلاف كما ترى، بين حفص بن ميسرة، وبين سعيد المقبري، ولكنهما لم يشتركا في رواية الحديث عن شيخ واحد، كما هو الأصل في الاختلاف، ولكن خلافهما هنا عبارة عن تبادل سندين ومتنين بكاملهما، فجعل سند أحد الحديثين لمتن الحديث الآخر، ومتن أحدهما لسند الآخر. وهذا سماه ابن عبد البر في الموضعين من الاستيعاب، اضطرابا، كما قدمت، وأحال بتوضيحه على التمهيد، وبمراجعة التمهيد، نجده ذكر حديث السائل من طريق سعيد المقبري السابقة، ثم قال: وخالف حفص بن ميسرة أبو عمرو الصنعاني، في إسناد هذا الحديث، وفي الذي قبله
_________________
(١) الاستيعاب ٤/ ٢٦٤ مع الإصابة.
(٢) الاستيعاب مع الإصابة ٤/ ٤١٧.
[ ٤ / ١٧٨٣ ]
- يعني حديث: لا تحقرن إحداكن لجارتها - فقلبهما، وجعل إسناد هذا، في متن ذلك (^١).
فسمى صنيع حفص هذا مخالفة، وقلبا، ولم يسمه اضطرابا كما سماه في الاستيعاب، ومعروف أن الاختلاف لا يسمى اضطرابا إلا عند تعذر الجمع أو الترجيح، كما قدمت، ويبدو أن ابن عبد البر أطلق الاضطراب بمعنى مطلق الاختلاف، لأن من يتأمل باقى كلامه المحال عليه في التمهيد يجد فيه ما يقتضي ترجيحه بنفسه رواية حديث السائل من طريق المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد عن جدته، على روايته من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ عن جدته أم بجيد.
فقد ذكر رواية مالك للحديث عن زيد بن أسلم عن ابن بجيد عن جدته، ثم قال: هكذا رواه جماعة رواة الموطأ عن مالك، وذكر متابعة معمر لمالك، على سند الحديث ومعناه، كما ذكر متابعة منصور بن حبان وسعيد المقبري لزيد بن أسلم عليه، بمعناه.
وأما رواية الحديث من طريق حفص عن زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ عن جدته أم بجيد، فقد وصفها بأنها مخالفة، ومقلوبة، ولم يذكر لحفص متابعا إلا هشام بن سعد فقط، وعقب على ذكر متابعته بقوله: وهذا الحديث إنما هو لابن بجيد (^٢)، يعني: وليس لعمرو بن معاذ، كما رواه حفص، وهشام ابن سعد.
_________________
(١) ينظر التمهيد ٤/ ٢٩٥، ٢٩٦، ٢٩٨ - ٣٠١.
(٢) ينظر التمهيد ٤/ ٣٠٠.
[ ٤ / ١٧٨٤ ]
ومقتضى هذا ترجيحه رواية سعيد المقبري ومن تابعه.
وعند البحث والنظر نجد أن من تابع زيد بن أسلم، وهما: سعيد المقبري، ومنصور بن حبان، أكثر وأوثق (^١) ممن تابع حفص بن ميسرة، وهو هشام بن سعد (^٢).
فطالما أمكن الترجيح، بهذا الوجه المعتبر، وأيده ما ذكره ابن عبد البر نفسه، فقد زال الاضطراب الذي أطلقه في الاستيعاب، ويؤيد هذا الترجيح وزوال الاضطراب تصحيح عدد من الأئمة للحديث من طريق سعيد المقبري، كما قدمت.
وعليه فما كان للعراقي أن يتعقب ما ذكره الترمذي من تصحيح الحديث، بذكر وصف ابن عبد البر له بالاضطراب، مع السكوت عنه.
وذكر العراقي أيضا حديث: إنما الصلاة تمسكن ودعاء وتضرع (الحديث)، وعزاه إلى الترمذي والنسائي بنحوه، من حديث الفضل بن العباس، ثم قال: بإسناد مضطرب (^٣) وتبعه في هذا الزبيدي (^٤) وبمراجعة ما عزا العراقي الحديث إليه من المصادر، نجد أنه قد رواه الليث بن سعد، وشعبة، كلاهما عن عبد ربه بن سعيد، واختلفا عليه، وبعض النقاد توقف عن الترجيح في هذا الاختلاف (^٥).
_________________
(١) ينظر التقريب (٢٣٢١)، (٦٨٩٧).
(٢) ينظر التقريب (٧٢٩٤).
(٣) المغني مع الإحياء ١/ ١٥٦ (٢).
(٤) الإتحاف ٣/¬٢١.
(٥) ينظر الضعفاء للعقيلي ٢/ ٣١١/ ترجمة عبد الله بن نافع، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم ١/ ٣٥٦ وصحيح ابن خزيمة ٢/ حديث (١٢١٢، ١٢١٣) وسنن قط ١/ ٤١٨/ حديث (٤).
[ ٤ / ١٧٨٥ ]
وصرح ابن عبد البر بوصف الإسناد بالاضطراب، وضعفه لأجله (^١)، ولعله هو مستند العراقي في الجزم بالاضطراب، وإن لم يعزه إلى ابن عبد البر، ولا غيره، كما تقدم.
لكن هناك عدد أكثر من العلماء النقاد، قرروا ترجيح رواية الليث بن سعد للحديث عن عبد ربه بن سعيد عن عمران بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع ابن العمياء عن ربيعة بن الحارث عن الفضل بن العباس، به مرفوعا.
ومنهم البخاري، وأبو حاتم الرازي، وقد أيدا ترجيحهما بأمر معتبر، وهو وجود متابع ثقة لليث بن سعد، على روايته السابقة، وهو «عمرو بن الحارث المصري» (^٢) في حين لم نجد متابعا لشعبة، كما أن الليث وعمرو بن الحارث كانا يكتبان مروياتهما، وشعبة كان صاحب حفظ يعتمد على حفظه، أكثر منهما، كما ذكر أبو حاتم الرازي (^٣).
ويعتبر الحديث من رواية الليث الراجحة ضعيفا، لأن «عبد الله بن نافع بن أبي العمياء» في سنده، كما تقدم توضيحه، وقد وصفه البخاري بأنه لم يصح حديثه (^٤)
_________________
(١) التمهيد ١٣/ ١٨٦.
(٢) التقريب (٥٠٠٤).
(٣) ينظر علل الحديث للرازى ١/ مسألة (٣٢٤، ٣٦٥)، وجامع الترمذي - الصلاة/ حديث (٣٨٥) والعلل الكبير له - بترتيب أبي طالب القاضي ١/ ٢٥٨/ حديث (١٢٩) وسنن النسائي الكبرى ١/ حديث (٦١٥، ١٤٥٠)، وتاريخ البخاري ٣/ ترجمة (٩٧٢) (ربيعة ابن الحارث) والطبراني في الأوسط حديث (١٨٦٣٢) ط الحرمين وفي الدعاء ٢/ ٨٨٤ ومعالم السنن للخطابي ١/ ٢٤١ - باب الأمر بالتطوع والعلل للدارقطني ٥/ ق ١٠/ أ، والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٨٧.
(٤) ينظر الكاشف ١/ ٦٠٢/ ترجمة (٣٠١٦).
[ ٤ / ١٧٨٦ ]
لكن بثبوت الترجيح يندفع عنه وصف الاضطراب الذي اقتصر كل من ابن عبد البر ثم العراقي عليه في تضعيف الحديث به، ويصبح الحديث مضعفا، لا من جهة اضطراب إسناده، ولكن من جهة حال راويه (عبد الله بن نافع) كما تقدم.
من نقد العراقي لمتن الحديث بالنكارة أو الشذوذ (^١) أو نحوهما:
من الانتقادات التي وجهت إلى علماء الحديث: أنهم ركزوا عنايتهم في نقد أسانيد الأحاديث، ورواتها، ولم يعطوا نقد المتون من العناية إلا قدرًا يسيرًا، وقد انبرى لرد هذا الانتقاد عدد من الباحثين، إجمالا، وتفصيلا (^٢).
وقد أردت هنا أن أجعل بيان ما وقفت عليه من جهود للعراقي في نقد المتون، بمثابة رد عملى على هذا الانتقاد، حيث وجدته جعل من منهجه في بيان درجة الأحاديث، نقد بعضها من جهة متنه، ولو لم يقف له إسناد مطلقا، أو وقف له على إسناد مستقيم، ولكن المتن منتقد، وقد يجمع بين نقد المتن والإسناد معا، وقد يصرح في بعض المواضع بالنقل عن سبقه من النقاد دون تعقب، أو مع إضافة من جانبه.
فقد ذكر الغزالي حديث أنس من صلى يوم الاثنين اثنتي عشرة ركعة (الحديث) فقال العراقي: ذكره أبو موسى المديني بغير سند، وهو منكر (^٣)
_________________
(١) ينظر في تعريف المنكر والشاذ/ فتح المغيث للعراقي ١/ ٨٩ - ٩٣، والنكت لابن حجر ٢/ ٦٥٢ - ٦٧٩ وفتح المغيث للسخاوى ١/ ١٩٣ - ٢٠٢ ط الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.
(٢) ينظر مثلا كتاب (نقد متون السنة) للأخ الفاضل الدكتور/ مسفر الدميني/ ص ٢٣٨ وما بعدها.
(٣) المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٤ (٦).
[ ٤ / ١٧٨٧ ]
وتبعه الزبيدي في هذا (^١).
ويلاحظ أن العراقي قرر عدم وقوفه للحديث على أي سند في المصدر الذي عزاه إليه، فيعتبر حكمه بالنكارة متوجها إلى المتن فقط، كما أن التعريف الاصطلاحي للحديث المنكر، غير منطبق عليه، إلا باعتبار أن ألفاظ هذا المتن فيها مبالغة في الثواب، ومخالفة للثابت في هيئة الصلاة (^٢).
وذكر العراقي أيضا حديث أبي هريرة: من صلى ليلة الخميس ما بين المغرب والعشاء ركعتين (الحديث) وعزاه إلى أبي موسى المديني، وأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، ثم قال: بسند ضعيف جدا، وهو منكر (^٣).
فيلاحظ هنا أنه بين درجة الإسناد ثم أتبعها بوصف النكارة فينصرف إلى المتن (^٤).
وذكر حديث «مثل الذي يغزو، ويأخذ أجرًا مثل أم موسى، ترضع ولدها، وتأخذ أجرها» وعزاه إلى ابن عدي من حديث معاذ، وذكر أن ابن عدي قال: مستقيم الإسناد، منكر المتن (^٥) فهذا إقرار من العراقي لما قرره أحد النقاد المتقدمين وهو ابن عدي، وجمع فيه بين الحكم باستقامة السند ونكارة المتن المروى به (^٦).
_________________
(١) الاتحاف ٣/ ٣٧٤، ٣٧٥.
(٢) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٦، (١)، (٢)، (٣).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٧ (١).
(٤) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٧ (٣).
(٥) المغني مع الإحياء ١/ ٢٦٩ (٣).
(٦) ينظر الكامل لابن عدي ١/ ٢٩١/ ترجمة «إسماعيل بن عياش».
[ ٤ / ١٧٨٨ ]
لكن ابن الجوزي أخرج الحديث في الموضوعات من طريق ابن عدي وحكم بوضعه، وجعل علة ذلك خطأ راويه إسماعيل بن عياش، وأيد ذلك بوصف ابن حبان لابن عياش بتغير حفظه وكثرة خطئه التي تخرجه عن حد الاحتجاج (^١) به.
ولو سلم قول ابن حبان هذا في ابن عياش فهو لا يقتضي الحكم بوضع الحديث من طريقه، ثم إنه غير مسلم لابن حبان قوله المذكور، لأن غيره من النقاد قد قرروا أن ما عُرف لابن عياش من أخطاء قادحة، فذلك في روايته عن غير الشاميين (^٢) وهو يروى الحديث في هذا الطريق الذي انتقده ابن الجوزي، عن صفوان بن عمرو السكسكي الحمصي، وقد وثقه غير واحد، ولم ينتقد عليه هذا الحديث (^٣)، بل إن تلميذ ابن عياش أيضا في هذا الحديث شامى (^٤).
ولذا تعقب الذهبي ابن الجوزي في الحكم بوضع الحديث عموما فقال: وهذا إسناد صالح، ومتن غريب، لا يليق إيراده في الموضوعات (^٥) وتابعه على هذا ابن عراق (^٦) ويلتقى هذا مع ما قرره العراقي فيما تقدم.
وبهذا تتابع على نقد متن الحديث وسنده من تقدم، ومن تأخر.
_________________
(١) تنظر الموضوعات لابن الجوزي - باب مثل من يحج عن غيره ٢/ حديث رقم (١١٧٤) ط أضواء السلف.
(٢) ينظر الكاشف ١/ ترجمة (٤٠٠) مع تعليق فضيلة المحقق عليها، والتقريب (٤٧٣) وبذل الماعون/ ١٩٦ - ١٩٧
(٣) ينظر التهذيب ٤/ ترجمة (٧٤١).
(٤) ينظر الكامل ١/ ٢٩١ والموضوعات لابن الجوزي ٢/ حديث (١١٧٤).
(٥) ينظر تلخيص الذهبي لموضوعات ابن الجوزي/ حديث (٥٢٢) ط. مكتبة الرشد
(٦) ينظر تنزيه الشريعة ٢/ ١٧٤
[ ٤ / ١٧٨٩ ]
وذكر الغزالي حديث «إن الله تعالى خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا» فعزاه العراقي إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود، وسلمان الفارسي، ثم قال: بإسناد ضعيف جدا، وهو باطل (^١) فقوله: «وهو باطل» متجه إلى متن الحديث، لتقدم توجيهه نقدا آخر للسند بأنه ضعيف جدا، كما ترى (^٢).
وذكر العراقي حديث «إذا قام أحدكم من الليل يصلي، فليجهر بقراءته، فإن الملائكة، وعمار الدار يستمعون إلى قراءته (الحديث)، وقال: رواه بنحوه، بزيادة فيه، أبو بكر البزار، ونصر المقدسي في المواعظ، وأبو شجاع - يعني الديلمي صاحب الفردوس - من حديث معاذ بن جبل، ثم قال: وهذا حديث منكر، ومنقطع» (^٣).
وقد راجعت ما تيسر لي من المصادر التي عزا العراقي الحديث إليها، وهو مسند البزار، فوجدته أخرج الحديث بسنده، من طريق خالد بن معدان عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال: من صلى منكم من الليل فليجهر بقراءته (الحديث) بطوله، في صفحتين ونصف تقريبا، وقال البزار عقب روايته له: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بهذا اللفظ، إلا من هذا الوجه، ولم يسمع خالد بن معدان من معاذ، وإنما ذكرناه، لأنا لم نحفظه عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، فلذلك ذكرناه (^٤).
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٢٦٩ (١).
(٢) وينظر أيضا المغني مع الإحياء ١/ ٣٧٣ (١)، ٤/ ١٩٤ (٢).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٨٦ (٢).
(٤) مسند البزار بتحقيق الدكتور/ محفوظ الرحمن ٧/ حديث (٢٦٥٥)، وكشف الأستار =
[ ٤ / ١٧٩٠ ]
وكلام البزار هذا يفيد ما صرح به العراقي من نقد سند الحديث بأنه منقطع، كما يفيد أن وصفه له بالنكارة راجع إلى متنه، ومن يطالع المتن بطوله، سيجد فيه من المبالغات، ما يقتضي النكارة، وبذلك يظهر أن العراقي نقد سند الحديث ومتنه، وأنه استفاد في ذلك من نقد من سبقه ممن روى الحديث، ونقده، وهو الإمام البزار، وإن كان العراقي لم ينسب له غير رواية الحديث فقط، كما تقدم.
وهذا النقد من العراقي أولى مما فعله قرينه وتلميذه الهيثمي، حيث اقتصر على نقد الحديث من جهة سنده فقط (^١).
وقد وجد للحديث شاهد من طريق داود بن راشد الطفاوي الكرماني، عن مسلم بن شداد عن عبيد بن عمير عن عبادة بن الصامت، بنحوه (^٢). وداود ابن راشد قال فيه ابن حجر في التقريب (^٣) «لين الحديث».
وبه يستدرك على البزار فيما ذكره من أنه لم يعلمه عن النبي ﷺ إلا من الوجه الذي ذكره، وهو حديث معاذ ﵁.
لكن تبقى نكارة المتن ظاهرة في كلتا الروايتين، لمن يطالعهما، وذلك لما اشتملا عليه من المبالغات الزائدة.
وقد لا يقتصر العراقي على الوصف بمجرد النكارة، فنجده يحكم بالنكارة الشديدة.
_________________
(١) = ١/ ٣٤١ حديث (٧١٢) ومجمع الزوائد ٢/ ٢٥٣.
(٢) ينظر مجمع الزوائد للهيثمي ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤ (كتاب الصلاة).
(٣) اللآلئ المصنوعة ١/ ٢٤٠ - ٢٤١ وتنزيه الشريعة ١/ ٢٩١، ٢٩٢.
(٤) التقريب/ ترجمة (١٧٨٣).
[ ٤ / ١٧٩١ ]
فقد ذكر الغزالي حديث «من أكل ما سقط من المائدة عاش في سعة، وعوفي في ولده» فعزاه العراقي إلى أبي الشيخ ابن حبان الأصبهاني في كتاب الثواب له، من حديث جابر بلفظ «أمن من الفقر والبرص والجذام، وصرف عن ولده الحمق» ثم قال: وله - يعني أبا الشيخ ابن حبان - من حديث الحجاج ابن علاط (السلمي): «أعطى سعة من الرزق، ووقى في ولده» ثم قال: وكلاهما - يعني الحديثين - منكر جدا (^١).
والكتاب الذي عزا العراقي الحديثين إليه، وهو كتاب «الثواب» لأبي الشيخ الأصبهاني، لا أعرف حتى الآن، وجود نسخة خطية له، حتى أتبين مراد العراقي بالنكارة الشديدة في هذين الحديثين.
لكن الزبيدي في شرحه للإحياء، ذكر أن الخطيب البغدادى في كتابه «المؤتلف والمختلف» روى من طريق هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس - رفعه -: «من أكل ما تحت المائدة أمن من الفقر» ثم قال: قال الحافظ ابن حجر في أطراف المختارة: في سنده - يعني الحديث المذكور - هذبة، على شرط مسلم، والمتن منكر فينظر من دون «هدبة» (^٢).
فأفاد هذا، أن وصف النكارة الشديدة في كلام العراقي متجه إلى متن الحديث، وقد ذكر ابن عراق (^٣) والزبيدي (^٤) عدة روايات أخرى للحديث
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٢/¬٦ (٥).
(٢) الإتحاف للزبيدي ٥/ ٢٢٤، ولم أجد الحديث في المطبوع من المختارة، من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس /¬٥/¬٢٥ - ٨٠.
(٣) تنزيه الشريعة لابن عراق ٢/ ٢٦٢ (كتاب الأطعمة).
(٤) الإتحاف ٥/ ٢٢٤.
[ ٤ / ١٧٩٢ ]
عن غير أنس وجابر ﵄ وبعضها في سنده كذاب، وبعضها في سنده ضعيف.
فأشار الزبيدي إلى أن تعدد هذه الروايات ومنها الضعيف فقط، يعارض الوصف بشدة النكارة التي حكم بها العراقي، ولاسيما حديث أنس الذي أخرجه الضياء في المختارة، وبذلك يكون الأولى الاقتصار على الوصف بمطلق النكارة فقط، كما ذكره الحافظ ابن حجر فيما تقدم.
وذكر العراقي حديث أبي ذر: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، هل من جهاد غير قتال المشركين (الحديث) مطولا، وقال: الحديث بطوله، لم أقف له على أصل، وهو منكر (^١). وتبعه الزبيدي (^٢)
فقول العراقي: (لم أقف له على أصل) يفيد عدم وقوفه على أي رواية له، لا بلفظه، ولا بمعناه، وبذلك يكون قوله بعد هذا «وهو منكر» موجه إلى نقد المتن المذكور، لما اشتمل عليه من مبالغات، لم يوجد ما يشهد لها.
وقد يحكم العراقي بنكارة أو غرابة جزء من متن الحديث فقط، دون بقيته.
فذكر الغزالي حديثا لأبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله، أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: رجل قام إلى والي جائر، فأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر، فقتله، فإن لم يقتله، فإن القلم لا يجرى عليه بعد ذلك، وإن عاش ما عاش.
وقد ذكر العراقي أن الحديث رواه البزار، دون قوله: فإن قتله .. إلى آخر
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٠٧ (١).
(٢) الإتحاف ٧/¬١٢.
[ ٤ / ١٧٩٣ ]
الحديث، ثم قال: وهذه الزيادة منكرة.
ثم بين درجة إسناد البزار بقوله: وفيه أبو الحسن، غير مشهور، لا يعرف (^١) مجمع بذلك بين نقد سند رواية البزار، وخص ما زاد عنها من المتن بنقد خاص وهو النكارة، وقد تبعه في ذلك الزبيدي (^٢).
وذكر الغزالي حديث عائشة «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يكون ممن لا يأمن بوائقه».
فعزاه العراقي إلى ابن عدي - يعني في الكامل - وذكر أن ابن عدي قال عن الحديث: غريب المتن والإسناد، ثم قال: وحديث عائشة عند أبي داود، دون الاستثناء، بسند صحيح (^٣).
والمراد بقوله: «دون ذكر الاستثناء» يعني دون قوله «إلا أن يكون ممن لا يأمن بوائقه» وبذلك بين العراقي أن المنتقد بالغرابة من متن الحديث، هو تلك الزيادة فقط، لكون ما عداها قد صح من طريق آخر، فاندفعت غرابته.
وقد يحكم بضعف حديث من جهة إسناده، ثم يحكم برد متنه من جهة وجود حديث آخر يعارضه.
فقد ذكر حديث الطبراني في الصغير والأوسط من حديث عائشة أنه ﷺ كان له ثوبان الجمعته، فإذا انصرف طويتهما إلى (مثلها)، وقال: بسند
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٠٧ (٢).
(٢) الإتحاف ٧/¬١٢، وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٣/ ٢٥٢ (٣)، والإتحاف ٨/ ٢٠٢
(٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٢٢٤ (٣).
[ ٤ / ١٧٩٤ ]
ضعيف، ثم قال: ويرده حديث عائشة عند ابن ماجه «ما رأيته يسب أحدًا، ولا يطوى له ثوب (^١) وبمراجعة مصادر الحديث الأول، نجد الطبراني بعد تخريجه للحديث يقرر أنه لا يروى عن عائشة إلا بهذا الاسناد، وأنه تفرد به الواقدى (^٢) وبهذا ظهر وجه حكم العراقي بضعف إسناده، وهو وجود الواقدى فيه، مع تفرده به أيضا، وقد صرح العراقي في غير هذا الموضع بأنه ضعيف الحديث (^٣).
أما الحديث الثاني الذي جعله معارضا يرد حديث الواقدي السابق، من جهة المتن، فقد أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن على بن الحسين عن عائشة، به (^٤) وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، لضعف عاصم بن عمر وابن لهيعة (^٥)، كذا جاء في طبعتين من مصباح الزجاجة للبوصيري (^٦) وعاصم ابن عمر بن قتادة» كما تقدم ذكره في الإسناد، ليس ضعيفا، بل متفق على توثيقه (^٧) فذكر البوصيري لتضعيفه وهم
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٧٤ (١).
(٢) ينظر المعجم الأوسط/ ط الحرمين/ ٤/ حديث (٣٥١٦) والصغير ١/ حديث (٤٢٤) مع الروض الداني
(٣) المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٩ (٧).
(٤) سنن ابن ماجه - ٢/ حديث (٣٥٥٤) (اللباس)
(٥) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيرى ٣/ ١٤٥ (اللباس) بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ عزت عطية وموسى محمد على ﵀.
(٦) إحداهما سبقت الإحالة عليها والأخرى طبعة يوسف الحوت ٢/ حديث (١٢٤١).
(٧) الميزان ٢/ ت (٤٠٥٩) والتهذيب ٥/ ت (٨٥) والتقريب/ ت (٣٠٧١).
[ ٤ / ١٧٩٥ ]
وبذلك يستبعد ذكره ضمن ما يضعف به الحديث، ويقتصر على ابن لهيعة فقط، وبهذا تكون درجة ضعف الحديثين متقاربة، بحيث لا يسلم للعراقي ما قرره من رد الحديث الأول بالثاني.
وقد تعقبه الزبيدي في هذا فقال: قلت: «يمكن الجمع بينهما بأن يستثنى: أي غير ثوبى الجمعة»، ثم قال: «سيأتي أنه كان له برد أخضر للجمعة خاصة» (^١).
كذا قال، والذي أحال عليه لفظه «في العيدين والجمعة» (^٢) فيشهد المعنى الحديث الأول في الجملة، وبه يترجح على الثاني، لا أن الثاني يرده كما ذكر العراقي، ولعله لم يتيسر له هذا الشاهد حين كلامه على هذا الحديث، بدليل أن الموضع التالي الذي ذكر فيه الزبيدي هذا الشاهد، لم يذكره العراقي، ولكن أحال بتخريج الحديث على هذا الموضع المتقدم (^٣).
وقد يذكر مع الحكم بالنكارة تعليله بما يتوافق مع المعنى الاصطلاحي للمنكر، سواء من جهة السند أو المتن.
فقد ذكر حديث «إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائفة من أمتى أجنحة، فيطيرون من قبورهم (الحديث) وفيه: أنهم يقولون: «ما رأينا حسابا، ولا صراطا، ولا جهنم» وعزاه إلى ابن حبان في الضعفاء وأبي عبد الرحمن السلمي، كلاهما من حديث أنس، مع اختلاف، ثم قال: وفيه - يعني سند
_________________
(١) الاتحاف ٧/ ١٢٨.
(٢) الإتحاف ٧/ ١٣٠.
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٧٥ (٧).
[ ٤ / ١٧٩٦ ]
الحديث - حميد بن على القيسي، ساقط هالك، ثم أتبع ذلك بقوله: والحديث منكر، مخالف للقرآن، وللأحاديث الصحيحة في الورود، وغيره (^١). يعني ورود جهنم، وغيره كالصراط والحساب».
فقد بين هنا شدة ضعف سند الحديث في حد ذاته، لحال حميد القيسي (^٢)، ثم بين حال متنه وهو النكارة، وعلل ذلك بمعارضته لما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وبهذا يتحقق التعريف الاصطلاحي للمنكر، بل النكارة هنا شديدة لكون الراوي المخالف شديد الضعف (^٣) ومخالفة المتن أيضا لما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (الآية) [مريم: ٧١] وقد يحكم العراقي أيضا بصحة إسناد الحديث المعارض، ثم يحكم بشذوذ متنه، مع التعليل بما يوافق معنى الشذوذ اصطلاحا (^٤).
فقد ذكر حديث عثمان ﵁ عند أحمد في المسند (^٥): إنى لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه، إلا حُرّم على النار، قال عمر بن الخطاب: هي كلمة الإخلاص (الحديث) ثم قال: وإسناده صحيح، ولكن هذا ونحوه شاذ، مخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة، من دخول جماعة من الموحدين النار، وإخراجهم بالشفاعة … (^٦).
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ٣٣٥ (١).
(٢) ينظر اللسان ٢/ ترجمة (١٤٩٦).
(٣) وينظر أيضا/ المغني مع الإحياء ٤/ ١٣٣ (٤) و١٩١ (٦) و٤٥٥ (١) و٤٥٧ (١).
(٤) ينظر فتح المغيث للسخاوى ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٥) مسند أحمد ١/ ٦٣ رقم (٤٤٧).
(٦) المغني مع الإحياء ٤/ ١٤٧ (٧).
[ ٤ / ١٧٩٧ ]
وبذلك يكون متن هذا الحديث ضعيفا لشذوذه، وإن كان ظاهر إسناده الصحة.
وقد جرى غير واحد من العلماء على هذا الظاهر، فصحح الحديث بهذا الإسناد، كالحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي (^١) والمنذري (^٢).
في حين تبع الزبيدي حكم العراقي بالشذوذ المقتضى للضعف (^٣) ولعل من حكم بالصحة، رأى أنه يمكن الجمع بين المتن ومعارضه على معنى «حُرِّمَ خلود قائلها في النار»، وإن لم يصرح أحد منهم بذلك
وما تقدم في المثال السابق، من تعليل العراقي للنكارة بما يوافق المعنى الاصطلاحي، وما ذكر هنا من تعليله للشذوذ بما يوافق المعنى الاصطلاحي له، يعتبر إسهاما منه في جانب هام، وهو التوضيح التطبيقي لعلم مصطلح الحديث، ويعد ذلك أيضا من الفوائد الحديثية الواردة في ثنايا تراث علماء التخريج، وتحتاج لمن يبرزها لتتيسر الاستفادة العملية بها، في مجال دراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث
وقد يحكم العراقي بنكارة متن الحديث، ثم يتبعه بذكر ما هو معروف في معناه، ولو لم يكن مرفوعا أو كان مرفوعا بسند ضعيف
فقد ذكر الغزالي أنه قيل للنبي ﷺ: إن عيسى ﵇ يقال: إنه مشى على الماء، فقال النبي ف لو ازداد يقينا لمشى على الهواء
_________________
(١) المستدرك مع تلخيص الذهبي له ١/ ٣٥١.
(٢) الترغيب والترهيب للمنذرى ٢/ حديث (٢٢٩١) كتاب الذكر والدعاء.
(٣) الاتحاف ٩/ ١٨٠ وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٢/ ٥٢ (٥) والإتحاف ٥/ ٣٧٨ :
[ ٤ / ١٧٩٨ ]
التاب الرابع: ان العراقي موتالات والله وعلى التي وفقه السنة وقدها فقال العراقي: هذا حديث منكر، لا يعرف هكذا، والمعروف ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين، من قول بكر بن عبد الله المزني قال: فقد الحواريون نبيهم، فذكر الخبر وفيه أن عيسى أقبل يمشى على الماء، وأنه قال: لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعرة، مشى على الماء، ثم قال: وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف من حديث معاذ بن جبل: لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور، ولزالت بدعائكم الجبال (^١).
فيلاحظ أن الرواية الأولى من قول تابعي وهو بكر بن عبد الله المزنى، موقوفة عليه، وهي من أخبار بنى إسرائيل التي لم يشهدها هذا التابعي الجليل، ولم يذكر من أخذها عنه، فانقطاعها ظاهر، والرواية الثانية المرفوعة قرر العراقي بنفسه ضعف إسنادها، كما أن كلاهما اشتملا على بعض الحديث وهو المشى على الماء، ولم يذكر فيهما المشى على الهواء.
فيفهم من مجموع ذلك أن العراقي يقصد بالنكارة هنا معنا خاصا يستفاد من السياق، وهو عدم وجود رواية للحديث بلفظه المذكور بأكمله، ولو بسند ضعيف.
عناية العراقي بذكر ما يجبر ضعف الحديث، أو يغنى عنه في الاستدلال:
ذكرت في الأمثلة السابقة بعض الأحاديث التي بين العراقي ضعف إحدى رواياتها، ثم أتبعها بذكر بعض الروايات الأخرى التي يمكن أن تجبر الضعف المذكور، فيرتقى الحديث إلى الحسن أو الصحة بمجموع ما يذكره من رواياته،
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٤/ ٩٤ (٢) وينظر مثال آخر في المغني مع الإحياء ٣/ ١٥٧ (٥) مع الإتحاف ٧/ ٥٧١ - ٥٧٢
[ ٥ / ١٧٩٩ ]
وإن لم يصرح بدرجة الحديث بمجموع ما يذكره.
ولما كان العراقي من أبرز حفاظ عصره، وقد جرى خلال كتابه على هذا، فقد رأيت أن أبرزه هنا باعتباره عنصرا منهجيا ينبغى الاستفادة بمنهج العراقي فيه، لم يتصدى للتخريج، ولدراسة أسانيد الأحاديث وبيان درجاتها، بعد التأهل الكافي لذلك.
كما أنه ذكر عنصرا منهجيا آخر، وهو أنه إذا ورد في أمر من الأمور حديث: ضعيف، وآخر صحيح، فإنه يذكرهما، ويقرر أنه يستغنى في الاستدلال بالصحيح عن الضعيف.
فمن العنصر الأول: أنه يذكر في تخريج الحديث الرواية المعلقة، ويتبعها بذكر رواية أخرى فيها وصل هذا التعليق، سواء أكانت الموصولة مما يحتج بها لذاتها أو لغيرها (^١).
وقد يذكر الطريق الموصولة من حديث صحابي آخر، فتكون بمثابة الشاهد للرواية المعلقة (^٢).
ويذكر في تخريج الحديث الرواية المرسلة، ويتبعها بذكر رواية أخرى موصولة، بحيث ينجبر بها انقطاع الإرسال، ويرتقى بها الحديث من الضعف إلى الحسن أو الصحة لغيره، حسب ما يستفاد من مجموع الطريقين (^٣).
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٣٨ (٥)، ٢٦٤ (١)، ٢٦٨ (حديث بئر جمل)، و٢/ ٣٥٧ (٢)، ٣٦١ (٤)، ٣٧٩ (٧) و٤/ ١٨٨ (١).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٢٥٨ (٤) و٢/ ١٥٩ (١).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٥٦ (٥)، ١٩١ (٥)، ٢٦٤ (٢)، ٢٧٢ (٣) و٢/ ٢٢٥ (٣)، ٣٧٠ (٦) و٣/¬٣٦ (١)، ١٢٥ (٨)، ٢٠٧ (١)، ٢١١ (٣) =
[ ٥ / ١٨٠٠ ]
ويذكر في تخريج الحديث الرواية المعضلة ثم يتبعها بذكر رواية موصولة، لينجبر بها انقطاع المعضلة، ويرتقى الحديث بمجموعهما إلى الحجية أيضا (^١). ومثل ذلك يفعل في الرواية المنقطعة (^٢) والموقوفة يعضدها بمرفوعة (^٣) والتي في سندها مبهم يعضدها برواية فيها تسمية المبهم أو برواية أخرى خالية من الإبهام، وقد يتبع الروايتين بشاهد صحيح الإسناد (^٤).
وقد يذكر رواية من طريق معلول ثم يتبعها ببعض المتابعات التي تؤثر في دفع علة الطريق المعلول، أو ترقيها إلى الحجية (^٥).
وقد يذكر الشواهد بدل المتابعات لجبر الضعف أيضا (^٦).
وأما العنصر الثاني، وهو الاستغناء في الاستدلال عن الضعيف بالصحيح، فمن أمثلته: أن الغزالي ذكر في أخلاقه ﷺ: أنه كان أشد الناس تواضعا، وأسكنهم في غير كبر. فعزاه العراقي إلى أبي الحسن الضحاك في الشمائل له من حديث أبي سعيد، بنحوه، وقال: وإسناده ضعيف، ثم قال: وفي
_________________
(١) = و٤/ ٢٣٠ (٤)، ٢٣١ (٦).
(٢) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٤٣ (٣)، ٣٤٤ (٣)، ٣٥٦ (٢)، (٤)، ٣٧٣ (٧).
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ٢٠/ ٥٦ (١٠)، ٢٣٣ (١).
(٤) ينظر المغني ٣/¬٣٠ (٢) و٤/¬٤٧ (٤).
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٦٥ (٧).
(٦) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٢٠ (٣) و٢/ ٣٧٣ (٤) و٣/ ٢٣٨ (٨).
(٧) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ١٥٦ (٥)، ٢٦٤ (٢)، ٢٧٣ (١)، ٣١٢ (٤)، (٧) و٢/¬٤٦ (٤)، ٥٧ (٤)، ٢٥٥ (١)، ٣٥٨ (٧) و٣/ ٢٤٠ (٦)، (٧)، ٢٤١ (٨) و٤/ ٤٤٩ (١).
[ ٥ / ١٨٠١ ]
الأحاديث الصحيحة الدالة على شدة تواضعه غنية عنه، منها … وذكر ثلاثة أحاديث (^١).
والفرق بين هذا العنصر والذي قبله، وهو جبر الضعيف بمثله، أو بما هو حسن أو صحيح، أنه في هذا العنصر يكون في الرواية الضعيفة زيادة بعض تفاصيل لا يوجد في الرواية الصحيحة ما يشهد لها، وبالتالي لا ينجبر ضعفها، فيشير العراقي بهذا إلى أنه يعتمد في الاستدلال على ما في الصحيح فقط، وما زاد عنه في الرواية الضعيفة فلا يعول عليه.
بيان العراقي للحديث الموضوع، مع المقارنة، وتحقيق القول بتساهله في ذلك:
في منهج العراقي الذي أجمله في مقدمة المغني، لم يصرح بأنه سيبين الأحاديث الموضوعة، مع أن أبرز الانتقادات التي وجهت إلى كتاب الإحياء اشتماله على كثير من الأحاديث الموضوعة، وقد تصدى العراقي لبيانها تفصيلا خلال هذا التخريج، وأظهر بالأدلة النقدية اشتمال كتاب الإحياء فعلا على كثير من الأحاديث الموضوعة، وبالتالي لا يصلح الاستدلال بشيء منها لما استدل له الغزالي بها من أمور العقائد والعبادات والمعاملات والآداب والسلوك.
ولما كان هناك من سبق العراقي إلى الحكم على بعض تلك الأحاديث بالوضع، أو بغيره، فإن العراقي قد ظهر جهده وشخصيته الحديثية في موقفه من أحكام من سبقه، فتارة يعزو الحكم لمن سبقه من العلماء، ولا يتعقبه.
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٢/ ٣٥٧ (١) وينظر مثال آخر ٣/ ١٣٠ (٦).
[ ٥ / ١٨٠٢ ]
بشيء فيعتبر إقرارا منه للحكم، وقد يذكر مثل قول غيره دون عزوه لأحد، وقد يخالف غيره في الحكم من جانبه هو، بحسب ما تقضي به القواعد الاصطلاحية في نظره.
وقد قام بعض من جاء بعد العراقي بالموازنة بين بعض أحكامه، وأحكام غيره، فمنهم من قرر اعتداله، ومنهم من قرر تساهله، كما سيأتي. ومجمل طريقة العراقي في الحكم بوضع الحديث أنه تارة يصرح بذلك، وتارة يذكر حال راوى الحديث التي تقتضى الحكم بوضع الحديث من طريقه، إذا انفرد به، كأن يترجح وصفه بوضع الحديث أو بالكذب مطلقا.
فمن ذلك: أن الغزالي ذكر حديث: «ما من عبد إلا وله أربعة أعين، عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه، وعينان في قلبه، يبصر بهما أمر دينه»، فعزاه العراقي إلى الديلمي في مسند الفردوس، من حديث معاذ ﵁ بنحوه، وقال: وفيه الحسين بن أحمد بن محمد الهروى، الشماخي، الحافظ، كذبه الحاكم، والآفة منه (^١) وتبعه في ذلك الزبيدي (^٢).
فيلاحظ أن العراقي نقل عن الحاكم وصف أحد رجال إسناد الحديث بالكذب، ثم قرر أن الآفة منه، ولم يذكر للحديث طريقا آخر من متابع أو شاهد، ولم أجد من تعقبه في ذلك.
وبمراجعة الحديث في أحد مصادره، نجد في سنده فعلا «الحسين الشماخي» هذا، كما نجد في مصادر ترجمته عن غير الحاكم ما يؤيد وصف الحاكم له.
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٣/¬٤٣ (١).
(٢) الاتحاف ٧/ ٢٩٩.
[ ٥ / ١٨٠٣ ]
بالكذب، ووصفه أيضا برواية المناكير الكثيرة (^١).
وذكر العراقي حديث: «إن الله يحب أن يرى عبده تعبا في طلب الحلال» وعزاه إلى الديلمي في مسند الفردوس من حديث علي، ثم قال: وفيه «محمد بن سهل العطار» قال الدارقطني: يضع الحديث (^٢).
ولم أجد الحديث في طبعتي «الفردوس» المتوافرتين، كما لم أجده في مصدر آخر سابق على العراقي.
وقد أقر كل من الذهبي (^٣) وابن حجر وصف «محمد بن سهل» بأنه يضع الحديث، لكن لم يذكر هذا الحديث ضمن ما انتقد عليه، فيعتبر حكم العراقي عليه من استنتاجه، وذكر السيوطي الحديث في الجامع الصغير (^٤) وعزاه إلى الديلمي وحده، ورمز له بالضعف.
وقد انتقده المناوي في الاقتصار على تضعيفه، وفي ذكره الحديث في الجامع الصغير الذي شرط أن لا يذكر فيه ما تفرد به وضاع، واعتبر ما ذكره العراقي حكما منه بوضع الحديث من طريق راويه «محمد بن سهل» (^٥) وقد أقر الزبيدي العراقي على هذا (^٦).
_________________
(١) ينظر الفردوس للديلمي - بتحقيق أبي هاجر ٤/ حديث (٦٠٤٠) مع حاشيته وتاريخ بغداد للخطيب ٨/¬٨، ٩ واللسان ٢/ ترجمة (١٠٩٦). وينظر بعض أمثلة أخرى في المغني مع الإحياء ١/ ٢٠٥ (١)، ٣٤٥ (٥)، ٣٥١ (٢).
(٢) المغني مع الإحياء ٢/ ٦٣ (٥).
(٣) الميزان ٣/ ت (٧٦٥٣) واللسان ٥/ ت (٦٧٥).
(٤) الجامع الصغير للسيوطي مع الفيض ٢/ ٢٩٣ (١٨٨٢).
(٥) ينظر الفيض للمناوي ٢/ ٢٩٣ (١٨٨٢).
(٦) الإتحاف ٥/ ٤١٥.
[ ٥ / ١٨٠٤ ]
أيضا جزم الشيخ الألباني بالحكم بوضع الحديث، اعتمادا على ما ذكره العراقي (^١). فيعتبر هذا من تأثير جهود العراقي فيمن بعده من النقاد حتى عصرنا الحاضر.
لكن هناك بعض أحاديث اقتصر العراقي فيها على ذكر الحديث من طريق راو يقتضي الحكم بوضع ما يتفرد به، مع أنه يكون للحديث بعض الروايات الأخرى الخالية من هذا الراوي.
فقد ذكر حديث «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وعزاه إلى البيهقي في الزهد من حديث ابن عباس، وقال: وفيه «محمد بن عبد الرحمن بن غزوان» أحد الوضاعين (^٢). وقد نقل الزبيدي عن الحافظ ابن حجر قوله: وللحديث طرق أخرى غير هذه، من حديث أنس وغيره (^٣).
ويلاحظ أن الحافظ ﵀ لم يذكر مصدرا لتلك الروايات حتى يمكن مراجعته، وكذلك الزبيدي من بعده، لكن التعقب بوجود تلك الروايات يدل على وقوف الحافظ عليها، وعلى كونها لا تصل إلى درجة الوضع في نظره، وإلا لم يكن تعقب بها شيخه العراقي.
_________________
(١) تنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة/ حديث (١٠) وتنظر أمثلة أخرى في المغني مع الإحياء ١/ ١٢٦ (١) و٢/¬٢٧ (٣) مع الإتحاف ٥/ ٢٩٨ والمغني مع الإحياء ٢/ ٢٦٨ (٤)، (٦) و٤/¬٢٨ (٣) حديث ابن عباس، مع الإتحاف ٨/ ٥٥٩.
(٢) المغني مع الإحياء ٣/¬٤ (١) والزهد للبيهقي برقم (٣٤٥) مع المغني للذهبي ٢/ ترجمة (٥٧٥٥)، وينظر أيضا بعض الأمثلة في المغني مع الإحياء ٣/ ٧٩ (١) و٣/ ٣٣٨ (٣) مع الإتحاف ٨/ ٣٦٨.
(٣) الإتحاف ٧/ ٢٠٦.
[ ٥ / ١٨٠٥ ]
أما العجلوني فقد ذكر الحديث وعزاه إلى البيهقي في الزهد، ثم قال: بإسناد ضعيف (^١) فيعتبر هذا حكما متساهلا من العجلوني ﵀ إذا قورن بحكم العراقي السابق، الذي تؤيده كتب التراجم. وقد ذكر العجلوني أن للحديث شواهد من حديث أنس (^٢)، لكن لم يذكر مصدرا لتلك الشواهد.
وأما ما صرح العراقي بوصفه بالوضع، سواء بالنقل عن غيره، مع إقراره، أو بدون عزو إلى غيره، فمنه ما يوفق أيضا عليه، ومنه ما خولف فيه. فقد ذكر حديث «حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة» وعزاه إلى ابن الجوزي في الموضوعات، ولم يتعقبه بشيء) (^٣).
وقد بين ابن الجوزي سبب الحكم بوضعه، بأن في سنده «أحمد بن عبد الله الهروى»، المعروف بالجويبارى، وأنه هو الذي وضعه، وذكر أيضا أن شيخه في هذا الحديث (إسحق بن نجيح) وصفه أحمد بأنه: أكذب الناس (^٤). وقد أقر ابن الجوزي على ذلك غير العراقي، من جاء بعده؛ ونظر في الحديث (^٥) واعتبر ابن عراق (^٦) والشيخ على قارى (^٧) أن العراقي أقر ابن
_________________
(١) ينظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني ١/ حديث (٤١٢).
(٢) ينظر كشف الخفاء/ الموضع السابق.
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١٦/¬١ (٣).
(٤) الموضوعات لابن الجوزي - بتحقيق الأخ الدكتور/ نور الدين بوياجيلار - ط أضواء السلف.
(٥) ينظر اللآلئ المصنوعة للسيوطى ١/ ١٩٩.
(٦) تنزيه الشريعة له ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٧) المصنوع في معرفة الحديث الموضوع/ حديث (١١٤).
[ ٥ / ١٨٠٦ ]
الجوزي على الحكم بوضع الحديث (^١).
وهناك بعض مواضع ذكر العراقي فيها قول ابن الجوزي بوضع الحديث، مقتصرا على ذلك، دون تعقب، في حين نجد حكم ابن الجوزي هذا متعقبا من غير العراقي.
فقد ذكر حديث أنس ﵁ «العلماء أمناء الرسل على عباد الله (الحديث)».
وعزاه إلى العقيلي في الضعفاء، ثم قال: وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (^٢) ولم يتعقب ابن الجوزي بشيء، وتتكرر الحديث مرة ثانية، فاقتصر على عزوه إلى العقيلي في الضعفاء، ثم أحال على هذا الموضع الأول (^٣) ومقتضى هذا إقراره حكم ابن الجوزي على هذا الحديث بالوضع.
وبمراجعة الحديث عند ابن الجوزي نجد في سنده ثلاثة، أحدهم متروك، والثاني قال ابن عدي: ليس بمعروف، والثالث وصف بأنه كذاب (^٤) ولكن
_________________
(١) وينظر أمثلة أخرى في المغني مع الإحياء ٢/¬١٢ (١) حديث أبي بكر الصديق «من سر مؤمنا فإنما سر الله» (الحديث) وتنزيه الشريعة ٢/ ١٤٣ والاتحاف ٥/ ٢٣٨، والمغني مع الإحياء ٢/¬١٢ (٢) مع الموضوعات لابن الجوزي ٢/ ٥١٨ واللآلئ المصنوعة ٢/ ٨٧ (كتاب الصدقات) والمغني مع الإحياء ٣/ ٢٨٦ (٤) وتنزيه الشريعة ٢/ ١٢٩، والمغني مع الإحياء ٣/ ٢٨٩ (١) مع المضوعات لابن الجوزي ٣/ ٤٠٥ - ٤١٤ والترغيب والترهيب للمنذرى ١/ ٥٤ ط دار الحديث والمجروحين لابن حبان ٢/ ٢١٤ وتنزيه الشريعة ٢/ ٢٨٩.
(٢) المغني مع الإحياء ١/ ٧٤ (٢).
(٣) المغني مع الإحياء ٢/ ١٤١ (١).
(٤) تنظر الموضوعات لابن الجوزي ١/ حديث (٥١٠) ط أضواء السلف، مع تعليق المحقق عليها.
[ ٥ / ١٨٠٧ ]
ابن عبد البر لما ذكر الحديث، أشار إلى ضعفه فقط (^١).
أما السيوطي فتعقب ابن الجوزي فقال: قلت: الحديث ليس بموضوع، وذكر له بعض الطرق المتابعة التي لم يذكرها ابن الجوزي، ثم ذكر له بعض الشواهد، ثم قال: وله شواهد بمعناه كثيرة، صحيحة، وحسنة، فوق الأربعين حديثا، وأنه على مقتضى الصناعة الحديثية يُحكم له بالحسن (^٢) وأقره ابن عراق (^٣) والمناوي (^٤) والزبيدي (^٥). وأما الشوكاني فأشار إلى تضعيف القول بأن الحديث موضوع (^٦).
واقتصر الشيخ الألباني على تضعيفه (^٧) ومن هذا يتضح أن إقرار العراقي حكم ابن الجوزي بوضع الحديث، ليس في محله، وأنه يعتبر تساهلا منه في الحكم بالوضع، بالمقارنة بما تقدم من تعقبات، يؤيدها ماوجد من طرق أخرى للحديث (^٨).
وهناك أيضا من الأحاديث ما وجَدْتُ العراقي اقتصر على الحكم بضعفه، مع أن مقتضى القواعد أن يحكم عليه بالوضع.
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١/ ٦٤٣ تحقيق أبي الأشبال.
(٢) اللآلئ المصنوعة ١/ ٢١٩ - ٢٢٠.
(٣) تنزيه الشريعة ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٤) فيض القدير ٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣.
(٥) الاتحاف ١/ ٣٨٨.
(٦) الفوائد المجموعة للشوكاني/ ٢٨٨ - ٢٨٩.
(٧) ضعيف الجامع وزيادته حديث رقم (٣٨٨٧).
(٨) وتنظر بعض الأمثلة أيضا في المغني مع الإحياء ١/ ٦٨ (١) مع الإتحاف ١/ ٣٦٥ - ٣٦٧ وتنزيه الشريعة ١/ ٢٦٩، والمغني مع الإحياء ١/ ٦٨ (٣) مع الإتحاف ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨.
[ ٥ / ١٨٠٨ ]
فقد ذكر حديث «ما من شيء إلا له توبة، إلا صاحب سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه» وعزاه إلى الطبراني في المعجم الصغير من حديث عائشة ﵂ ثم قال: وإسناده ضعيف (^١). وتبعه الزبيدي العراقي (^٢) وكذا العجلوني (^٣).
وبمراجعة الحديث في المصدر الذي عزاه العراقي إليه، وهو المعجم الصغير للطبراني، نجد في سنده «عمرو بن جميع» يرويه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الطبراني عقب روايته للحديث: لم يروه عن يحيى إلا عمرو، ولا يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد (^٤).
ومقتضى هذا تفرد «عمرو بن جميع» برواية الحديث، وحاله تقتضي الحكم بوضع الحديث من طريقه (^٥)، وقد مشى الشيخ الألباني على هذا، فجزم بوضع الحديث، ثم وصف حكم العراقي السابق بضعف إسناد الطبراني بالحديث، بأنه قصور، ثم قال: إلا أن يلاحظ أن الموضوع من أنواع الضعيف، كما هو مقرر في المصطلح (^٦).
أقول: وهذا الاعتذار عن العراقي أو التماس وجه لحكمه بالضعف في هذا الموضع، وما يشبهه، غير مسلم؛ لأن العراقي في هذا التخريج - كما تقدم -
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ٥١ (٢).
(٢) الإتحاف ١/ ٣٢٤.
(٣) ينظر كشف الخفاء ١/ ٥٥٩ ضمن تخريج حديث (١٠١٠) الذي بلفظ «سوء الخلق شؤم».
(٤) المعجم الصغير مع الروض الداني ١/ ٣٣٣ حديث (٥٥٣).
(٥) ينظر مقدمة تنزيه الشريعة ١/ ترجمة (٤٠١) ومجمع الزوائد للهيثمي ٨/¬٢٥.
(٦) تنظر السلسلة الضعيفة للألباني ١/ حديث (١٢٦).
[ ٥ / ١٨٠٩ ]
حكم بالضعيف، والضعيف جدا، والموضوع، فدل ذلك على تفاوت هذه الدرجات عنده، وأن دخولها في نوع الضعيف لا يقتضي عدم تلقيب كل منها بلقب خاص يوضح تفاوتها في الضعف بحسب درجة ضعفها.
ولعل حكم العراقي على هذا الحديث والذي قبله بالضعف المطلق، وكذا ما يماثلهما (^١) هو الذي جعل الشيخ أحمد بن الصديق الغماري ﵀ يصف العراقي بأنه متساهل في الحكم للحديث، وأنه لا يكاد يصرح بوضع حديث إلا إذا كان كالشمس في رابعة النهار (^٢) والواقع أن نسبة التساهل المطلق إلى العراقي غير مسلم، لأن ذلك يقتضي منا الاستقراء التام لكل أو أغلب أحكامه بالضعف والوضع في عامة مؤلفاته، ومقارنتها بأحكام غيره على ضوء قواعد الجرح والتعديل وغيرها من قواعد نقد السند والمتن.
ولا أظن الشيخ أحمد الغماري ﵀ تفرغ لمثل هذا، ولكنه فيما يبدو لاحظ وجود تساهل في عدد من الأحكام مثل التي ذكرتها فيما تقدم،
_________________
(١) ينظر المغني ٢/ ٣٦٨ (١) حديث ابن عباس، عند ابن ماجه في «الفالوذج»، مع سنن ابن ماجه (٣٣٤٠) وفي سنده عبد الوهاب بن الضحاك السلمي، شيخ ابن ماجه، منسوب إلى وضع الحديث/ تنزيه الشريعة ١/ ٨٢ ترجمة (٢١٦). والمغني ١/ ٢١٠ (١) حديث على ﵁ عند ابن ماجه (إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها) (الحديث) وقال العراقي: إسناده ضعيف، مع أن في سنده «أبو بكر بن عبد الله، المعروف بابن أبي سبرة» وصف من غير واحد بأنه يضع الحديث، ويروى الموضوعات/ التهذيب ١٢/ ترجمة (١٣٨). والمغني مع الإحياء ٤/¬٢٤ (١) مع الجامع الصغير، وشرحه فيض القدير ٣/ حديث (٤٢٧٨)، والمغني مع الإحياء ٤/ ٤٦٣ (١) مع الاتحاف ١٠/ ٣١٤، والموضوعات لابن الجوزي ٢/ حديث (٥٩٧) ط. أضواء السلف. وتنزيه الشريعة ١/ ٣٤٦ حديث (١٤).
(٢) المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير، له/ ٧.
[ ٥ / ١٨١٠ ]
وهذا لا يصلح بناء حكم عام على أساسه. فالأولى أن يقال: إن العراقي يتساهل فعلا في بعض أحكامه بالضعف أو الوضع، كالأمثلة السابقة، ولكن تساهله غير مطرد، ولا أغلبي.
ويؤيد ذلك أمور:
أولها: أن الشيخ أحمد الغمارى نفسه، خلال عدد من مؤلفاته قد أقر أحكام العراقي على كثير من الأحاديث.
ثانيها: أن هناك من الأحاديث ما حكم عليه العراقي بما يخالف حكم من تساهل في التصحيح، كالحاكم، وحكم من تساهل في الحكم بالوضع مثل ابن الجوزي، وكذا خالف من تشدد في الحكم بالوضع كابن حبان، وبالتحاكم إلى القواعد النقدية العامة، وجدنا حكم العراقي متوافقا معها، وهي الفيصل الذي يوزن به أحكام الجميع، وقد مرت أمثلة وجدنا فيها حكم العراقي متوافقا مع تلك القواعد، وأقره عليه من جاء بعده.
ونذكر هنا بعض الأمثلة الأخرى: -
فقد ذكر حديث: أربع لا يُصَبْن إلا بعَجَب: الصمت، وهو أول العبادة (الحديث) وعزاه إلى الطبراني والحاكم من حديث أنس، ثم قال: قال الحاكم: صحيح الإسناد، ثم تعقبه فقال: قلت: فيه العوام بن جويرية، قال ابن حبان: يروى الموضوعات، ثم روى له هذا الحديث (^١).
وبمراجعة كل من الطبراني في الكبير (^٢) والحاكم في المستدرك (^٣) وابن حبان
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ٣/ ٣٣٢ (١).
(٢) ١/ ٢٢٩ حديث (٧٤١).
(٣) ٤/ ٣١١.
[ ٥ / ١٨١١ ]
في المجروحين (^١) وابن عدي في الكامل (^٢) نجد أن الحديث عندهم من طرق عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير عن العوام بن جويرية عن الحسن عن أنس، به مرفوعا، وقد ذكر «الصبر» بدل «الصمت» عند الطبراني.
وأخرجه تمام في فوائده (^٣) من طريق بشر بن الحارث عن أبي معاوية، به، موقوفا على أنس، وابن أبي عاصم في الزهد (^٤) من طريق محمد بن خازم - وهو أبو معاوية - عن العوام، به، بنحوه، موقوفا على أنس، وابن أبي الدنيا في الصمت (^٥) من طريقين آخرين عن العوام، به، موقوفا على أنس.
وأخرجه هناد عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن العوام عن الحسن عن النبي ﷺ ف مقتصرا على لفظ «أول العبادة الصمت» (^٦) وهذا مرسل كما ترى، و«الوصافي» ضعيف (^٧).
ويلاحظ أن الحديث في مصادره المتعددة مداره على «العوام» مرفوعا، وموقوفا، ومرسلا.
والعوام هو ابن جويرية، وقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (^٨). وقال:
_________________
(١) ٢/ ١٩٦.
(٢) ٢/ ٦٩٧.
(٣) الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام لجاسم الدوسرى ٣/ حديث رقم (١١١٥):
(٤) الزهد لابن أبي عاصم/ حديث (٤٨).
(٥) الصمت لابن ابى الدنيا - تحقيق د/ نجم خلف/ حديث (٥٦٠).
(٦) الزهد لهناد/ بتحقيق الأخ الدكتور/ عبد الرحمن الفريوائي ٢/ حديث رقم (١١٣٠) باب الصمت.
(٧) ينظر التقريب/ ترجمة (٤٣٥٠).
(٨) التاريخ الكبير للبخارى ٧/ ٦٧.
[ ٥ / ١٨١٢ ]
يروى عن الحسن، وروى عنه أبو معاوية هـ ولم يزد على ذلك.
لكن قال فيه يحيى بن معين: ضعيف (^١) أما ابن حبان فقال: كان ممن يروى الموضوعات عن الثقات، على صلاح فيه، كان يهم، ويأتى بالشيء على التوهم، من غير أن يتعمد، فاستحق ترك الاحتجاج به، ثم ذكر له هذا الحديث الذي معنا (^٢) فدل ذلك على أنه من مناكيره. وبنحو ذلك لخص المنذري كلام ابن حبان، كما سيأتي.
وقد اختلف على أبي معاوية وعلى العوام، في رفع هذا الحديث، ووقفه على أنس، وإرساله، كما تقدم.
ولم أجد متابعا لأبي معاوية، ولا للعوام على رفع هذا الحديث.
وقد رجح أبو حاتم وقف الحديث على أنس، أو على الحسن (^٣) ورجح ابن عدي الوقف على أنس (^٤).
وبذلك اتفق قولهما على إعلال طريق رفع الحديث عن أنس. ويلتقى معهما في هذا ابن حبان، كما تقدم.
وترجيح غير المرفوع لا يمنع من الحكم بضعفه كذلك؛ لأن مدار طرق
الحديث مرفوعا وموقوفا ومرسلا على (العوام) وهو ضعيف، كما تقدم. وأيضا في إسناد ابن عدي بالحديث: حميد بن الربيع، عن أبي معاوية،
_________________
(١) معرفة الرجال له/ رواية ابن محرز (٢/ برقم ٤٩٩).
(٢) المجروحين لابن حبان ٢/ ١٩٦.
(٣) تنظر علل الحديث للرازى ٢/ مسألة (١٨٣٦).
(٤) ينظر الكامل لابن عدي ٢/ ٦٩٧.
[ ٥ / ١٨١٣ ]
عن العوام، به مرفوعا (^١).
وقد أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات، من طريق ابن عدي هذه (^٢) وبنى الحكم بوضعه على أن (حميدا) هذا وصفه يحيى بن معين بأنه كذاب، بالإضافة إلى كلام ابن حبان السابق في (العوام). ومع اتفاق ابن عدي وابن حبان على إعلال الحديث مرفوعا، إلا أنهما اختلفا فيمن تحمل علة رفع الحديث عليه.
فابن عدي ترجم الحميد بن الربيع، وروى عن غير واحد وصفه بأنه كذاب، ثم أخرج هذا الحديث من طريقه عن أبي معاوية الضرير عن العوام عن الحسن عن أنس، مرفوعا، وعقب على ذلك بأمرين: - أولهما: ترجيح وقف الحديث على أنس كما قدمت. وثانيهما: بيان أن (حميدا) لم ينفرد برفع الحديث، ولكن توبع من غير واحد، وذكر أن حميد أضعف ممن تابعوه على رفع الحديث، وأن بعض حديثه مما سرق من الثقات، وبعضه من الموقوف الذي رفعه، وأنه ضعيف جدا في كل ما يرويه (^٣) وبذلك أشار إلى أن عهدة رفع الحديث على (حميد)، دون من تابعه، لكونه هو الأضعف، ولشدة ضعفه فيما يرويه، جعل ابن عدي الحديث من طريقه لا ينجبر بمن تابعوه، غير أن متابعتهم تمنع من الجزم ببطلان الحديث، لعدم تفرد حميد بن الربيع به. أما ما تفرد به، فقد ذكر منه.
_________________
(١) ينظر الكامل ٢/ ٦٩٧.
(٢) الموضوعات لابن الجوزي ٣/ حديث (١٦٠٩).
(٣) ينظر الكامل ٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧.
[ ٥ / ١٨١٤ ]
حديثين، وجزم ببطلانهما معللا ذلك بتفرده بكل منهما (^١).
فكأن ابن عدي بهذا لا يرى أن هذا الحديث مجزوم بوضعه مرفوعا.
ولكنه شديد الضعف فقط، ويحمل عهدة شدة ضعفه على (حميد) هذا. أما «العوام بن جويرية» فلم أجد له ترجمة عند ابن عدي، كما أني لم أجد «الحميد» ترجمة عند ابن حبان في المجروحين، وإنما وجدته ترجم للعوام بن جويرية ووصفه بأنه مع صلاحه في الدين، إلا أنه يروى الموضوعات عن الثقات على سبيل الوهم والخطأ، دون تعمد، وعليه قرر أنه يترك الاحتجاج بروايته (^٢) ومقتضى هذا أنه يمكن الاعتبار بها، وتكون ضعيفة لذاتها، ما لم تكن هناك علة أخرى.
وهذا يلتقى مع ما تقدم من وصف ابن معين له بأنه ضعيف فقط.
ثم إن ابن حبان قد ذكر حديثنا هذا في ترجمة «العوام» وذلك من طريقين عن أبي معاوية عن العوام عن الحسن عن أنس مرفوعا (^٣) فأشار بذلك إلى تحميل العوام علة رفعه، لتفرده بذلك، مع الاختلاف عليه، وترجح الوقف كما قدمت.
ومقتضى ذلك أن أبن حبان اعتبر هذا الحديث من طريقه المرفوعة ضعيفا فقط، لا موضوعا، واعتبر علة ضعفه تفرد العوام به. لكن ابن الجوزي لما أخرج الحديث في الموضوعات جعل الدليل على وضعه ما ذكره كل من ابن عدي وابن حبان بشأنه (^٤).
_________________
(١) ينظر الكامل/ الموضع السابق.
(٢) المجروحين لابن حبان ٢/ ١٩٦.
(٣) المجروحين لابن حبان ٢/ ١٩٦.
(٤) الموضوعات لابن الجوزي ٣/ حديث (١٦٠٩) ط أضواء السلف.
[ ٥ / ١٨١٥ ]
في حين أن ما ذكراه يقتضي ضعف الحديث فقط كما أوضحته، وعلى ضوء ذلك تعقبه كل من السيوطي وابن عراق مكتفين بتضعيفه فقط تبعا لحال من تفرد به وهو «العوام بن جويرية» (^١).
أما الإمام المنذري فجمع في إعلاله بين خلاصة ما تقدم عن ابن حبان والرازي، فقد ذكر تصحيح الحاكم للحديث من الطريق المرفوعة ثم تعقبه بقوله: في إسناده العوام - وهو ابن جويرية، قال ابن حبان كان يروى الموضوعات، وقد عَدَّ هذا الحديث من مناكيره، وروى عن أنس موقوفا عليه، وهو أشبه (^٢) وصنيع كل من المنذري والسيوطي وابن عراق في بيان سبب تضعيف الحديث أوضح من صنيع كل من الذهبي والعراقي، فالذهبي تعقب تصحيح الحاكم للحديث فقال: قلت: «العوام يروى الموضوعات» (^٣) والعراقي تعقبه بقوله - كما تقدم -: فيه «العوام بن جويرية»، قال ابن حبان يروى الموضوعات، ثم روى له هذا الحديث.
وكلا العبارتين فيهما الإشارة لاتهامه بوضع ما يرويه، ومنه الحديث الذي معنا، وبهذا أخذ الشيخ الألباني، مع زيادة أخرى كما سيأتي.
لكن كلا من الذهبي والعراقي، قد تصرفا في ذكر كلام ابن حبان بحذف قوله في العوام: إنه «يروى الموضوعات عن الثقات على سبيل الوهم والخطأ، دون تعمد، وأنه لذلك يترك الاحتجاج فقط بروايته، دون الاعتبار بها.
_________________
(١) ينظر اللآلئ المصنوعة للسيوط ٢/ ٣١٩ - ٣٢٠. وتنزيه الشريعة ٢/ ٣٠٣ حديث (٦٥).
(٢) الترغيب والترهيب للمنذرى ٤/ حديث (٤٢٢٠).
(٣) المستدرك مع تلخيص الذهبي له ٤/ ٣١١.
[ ٥ / ١٨١٦ ]
وبذلك يبرأ من تهمة الوضع لما يرويه، بحيث لو روى من طريقه حديث موصوف بالوضع، يكون من غير جهته.
ولعل هذا مما جعل الشيخ الألباني يعزز الحكم بوضع الحديث بأمر آخر، وهو وروده من بعض الطرق المنقطعة، منسوبا إلى عيسى ﵇ (^١) فقد أخرجه ابن المبارك في الزهد عن وهيب قال: قال عيسى ﵇ … فذكره بنحوه (^٢).
و«وهيب» هذا يحتمل أن يكون ابن خالد الباهلي البصري، وهو كما في التقريب «ثقة ثبت، تغير قليلا بآخره» (^٣).
أو يكون «وهيب بن الورد القرشي مولاهم، وهو ثقة ثبت» (^٤)، لأن كليهما من شيوخ ابن المبارك. وأخرجه هناد في الزهد أيضا، فقال: حدثنا قبيصة عن سفيان، قال: قال عيسى بن مريم … فذكره بنحوه (^٥).
و«قبيصة» هو ابن عقبة السوائى، وخلاصة حاله: أنه صدوق ربما خالف، وفي روايته عن سفيان الثورى ضعف (^٦).
ومن هذين السندين يظهر بجلاء، أن بين كل من «وهيب» و«سفيان الثورى» وبين من نسبا الحديث إليه، وهو «عيسى ﵇» انقطاع تام.
_________________
(١) تنظر السلسلة الضعيفة والموضوعة حديث رقم (١٩٥٨).
(٢) ينظر الزهد لابن المبارك/ ٢٢٢/ برقم (٦٢٩).
(٣) التقريب (٧٤٨٧).
(٤) ينظر التقريب (٧٤٨٧).
(٥) الزهد لهناد ١/ رقم (٥٩٤، ١١٣١).
(٦) التهذيب ٨/ ترجمة (٦٢٩) والتقريب/ ترجمة (٥٥١٣).
[ ٥ / ١٨١٧ ]
ولهذا قال الشيخ الألباني: فعاد الحديث إلى أنه من الإسرائيليات وهو بها أشبه.
لكن هذا وحده لا يقتضي الجزم بوضع الحديث؛ حيث إن رجال هذين الطريقين - رغم وضوح انقطاعهما - ليس فيهم من هو متهم بالوضع، كما أن للحديث طريقا آخر، وإن كانت ضعيفة، مرفوعة، وموقوفة، كما تقدم.
وبعد هذا العرض والتحليل، والمقارنة لأقوال العلماء في درجة هذا الحديث، نجد أن عامتهم مخالفين للحاكم في تساهله في الحكم بصحته، وأن أكثرهم مخالفين لابن الجوزي في تساهله في الحكم بوضعه.
ونجد أن عبارة العراقي فيها رد لتساهل الحاكم في تصحيح الحديث، ونجد فيها الإشارة للحكم بوضعه، لكن ليس فيها تصريح بذلك كما فعل ابن الجوزي تساهلا.
وذكر العراقي حديث «السخاء شجرة في الجنة» وعزاه بنحوه إلى ابن حبان في الضعفاء من حديث عائشة، وإلى ابن عدي والدارقطني في «المستجاد» له، من حديث أبي هريرة، وإلى أبي نعيم من حديث جابر، وقال عن بعض أسانيد هؤلاء: إنها ضعيفة، وعن بعضها الآخر «ضعيفة جدا»، ثم ذكر أن ابن الجوزي روى الحديث في الموضوعات من حديث كل من: عائشة وأبي هريرة، وجابر، والحسين (بن على) وأبي سعيد (الخدري) ﵃ (^١).
_________________
(١) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٣٨ (١)، (٢)، (٣)، (٧) مع الموضوعات لابن الجوزي ٢/ حديث (١١٠٨ - ١١١٣).
[ ٥ / ١٨١٨ ]
ومقتضى هذا مخالفته لابن الجوزي في التساهل في الحكم بوضع الحديث من رواية هؤلاء الصحابة، والاقتصار على تضعيف بعض طرقه فقط، وشدة تضعيف بعضها الآخر.
وقد اتفق مع العراقي في تعقب حكم ابن الجوزي بالوضع كل من السيوطي (^١) وابن عراق (^٢) والزبيدي (^٣) والألباني (^٤) وبذلك لا يعتبر في هذا الموضع متساهلا.
وذكر حديث «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه» وعزاه إلى أبي يعلى، من رواية إسماعيل بن عياش عن جبرة بنت محمد بن ثابت بن سباع، عن أمها عن عائشة، ثم قال: وجبرة وأمها لا أعرف حالهما، ثم قال: ورواه ابن حبان من وجه آخر في الضعفاء، من حديثها، والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر، ثم قال: وله طرق كلها ضعيفة (^٥) وفي نقل الزبيدي عن العراقي زيادة عزو الحديث إلى البزار والطبراني وابن عدي (^٦).
وبمراجعة روايات الحديث في هذه المصادر، وفي غيرها نجد أن سند الحديث عند أبي يعلى كما في طبعته التي بين يدى (^٧) موافقا للعراقي، كما في طبعة
_________________
(١) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٣ - ٩٥.
(٢) تنزيه الشريعة ٢/ ١٣٩، ١٤٠.
(٣) الإتحاف ٨/ ١٧٢.
(٤) ضعيف الجامع الصغير وزيادته/ برقم (٣٣٣٩).
(٥) ينظر المغني مع الإحياء ٤/ ١٠٣ (٢) ومسند أبي يعلى ٨/ حديث (٤٧٥٩)، والمجروحين لابن حبان ٢/ ١١٣ ترجمة (محمد بن يونسي الكديمي).
(٦) الإتحاف ٩/ ٩١.
(٧) وهي طبعة دار المأمون للتراث - بدمشق بتحقيق/ حسين أسد.
[ ٥ / ١٨١٩ ]
مصطفي الحلبي التي رجعت في بحثى هذا إليها، مع المقارنة بغيرها عند الحاجة، وجاء فيهما «خيرة» بالخاء المعجمة، والياء المثناة من تحت، ولكن في نسخة الزبيدي من المغني «جبرة» بالجيم والباء الموحدة، ونقل الزبيدي عن الحافظ ابن حجر أنه علق على حاشية نسخة «المغني» لشيخه العراقي ضبط هذا الاسم كما في نسخة الزبيدي مع عزو هذا الضبط إلى الدارقطني والذهبي، وذكر أن في سند الحديث عند الدارقطني «عن أبيها» بدل «عن أمها» واعتذر عن شيخه العراقي، باحتمال أن تكون نسخته من المسند حصل فيها تصحيف «أمها» بدل «أبيها»، كما تعقبه بأن «جبرة» هذه معروفة برواية الحديث، وإن لم يوجد كلام عن حالها (^١).
ويؤيد هذا التصويب والتعقيب سند الحديث عند البيهقي في الشعب، فقد جاء فيه «جبرة» بالجيم والباء الموحدة، وجاء فيه «أبيها» بدل «أمها»، وفيه رواية الحديث من ثلاثة طرق عن «جبرة» فتكون معروفة العين بذلك (^٢).
كما نجد أن رواية ابن عمر عند ابن حبان في سندها «محمد بن يونس الكريمي»، وقد وصفه ابن حبان بأنه: كان يضع على الثقات الحديث وضعا، ولعله وضع أكثر من ألف حديث (^٣).
وقال الدارقطني: يتهم بوضع الحديث، وما أحسن القول فيه إلا من لم يخبر حاله (^٤).
_________________
(١) الاتحاف ٩/ ٩١.
(٢) ينظر شعب الإيمان للبيهقى ٣/ حديث (٣٥٤١)، (٣٥٤٢).
(٣) المجروحين لابن حبان ٢/ ٢١٢، ٢١٣.
(٤) ينظر الميزان ٤/ ترجمة (٨٣٥٣).
[ ٥ / ١٨٢٠ ]
فمثل هذا الطريق يعتبر العراقي متساهلا في حكمه بضعفه فقط، وذلك ضمن حكمه السابق على كل طرق الحديث بأنها ضعيفة.
لكن للحديث عن ابن عمر بعض الطرق الأخرى غير طريق الكديمي هذه، كما يعرف من بقية مصادر الحديث (^١). وكذلك له طرق عن غير ابن عمر وعائشة،
كما أشار إليه العراقي، وقال ابن الجوزي: فيه عن ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس وأبي هريرة، ويزيد القسملي، وعائشة.
ثم ساق رواياتهم بطرقها، ثم قال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ من جميع جهاته، وأتبع ذلك بما يراه علة في الطرق التي ذكرها (^٢).
لكن تعقب ذلك من جاء بعد ابن الجوزي، بذكر طرق أخرى للحديث وإن كانت بين ضعيفة، وضعيفة جدا، لكنها تدفع التفرد به ممن رمى بالكذب أو الوضع، كما يفيد انضمامها إلى غيرها مما ليس فيه من رمى بالكذب أو، الوضع، أن للحديث أصلا في الجملة، وإن تفاوت تقدير درجته في القوة.
وأكثر من رأيته جمع طرق الحديث هو الحافظ السخاوي، وانتهي إلى أن له طرقا، مع ضعفها، يقوى بعضها بعضا، وذكر عن شيخه ابن حجر أنه بناء على هذا لا يتهيأ الحكم بوضع هذا المتن، خلافا لما تقدم عن ابن الجوزي (^٣).
_________________
(١) ينظر الاتحاف ٩/ ٩١.
(٢) ينظر الموضوعات لابن الجوزي ٢/ أحاديث (١٠٥٣ - ١٠٦٨).
(٣) المقاصد الحسنة للسخاوي - حرف الهمزة - بلفظ (التمسوا الخير ..) (الحديث) برقم (١٦١).
[ ٥ / ١٨٢١ ]
وتبع السخاوي على هذا الزيدي (^١) وهو يتفق في الجملة مع ما تقدم عن العراقي من الحكم بضعف كل طرق الحديث، وبهذا يكون قد خالف ابن الجوزي في تساهله في الحكم بوضع الحديث من جميع جهاته، كما تقدم.
لكن يتميز السخاوي عن العراقي بالتصريح بأن طرق الحديث الضعيفة يقوى بعضها بعضا، ومقتضاه أنه يرتقى بمجموعها إلى الحسن لغيره.
وقدمت أن العراقي مع اعتنائه بذكر ما يجبر الضعيف ويرقيه إلى الحسن أو الصحة، لكنه يترك استنتاج ذلك للقارئ، ولا يصرح به.
وبذلك لا يكون اكتفاؤه هنا بالحكم بضعف طرق الحديث المتعددة، معارضا لتصريح السخاوي بتقوى بعضها ببعض. ويلي السخاوي في جمع طرق الحديث، الحافظ السيوطي، ولكنه زاد عنه في تقدير درجة الحديث، فقد ذكر أنه جمع الطرق التي تيسرت له في جزء مستقل، وأن مجموعها يقتضي أن الحديث في نظره حسن صحيح (^٢)، في حين تفيد عبارة السخاوي السابقة ترقية الحديث إلى درجة الحسن لغيره فقط، كما قدمت.
وقد تابع السيوطي على حكمه المذكور، الحافظ ابن عراق (^٣).
لكن المناوي ذكر قول العراقي السابق بضعف كل طرق الحديث، ثم ذكر قول السيوطي ومن وافقه بأن مجموع طرق الحديث الصالحة، تقتضى ترقيته.
_________________
(١) الاتحاف ٩/ ٩١:
(٢) ينظر اللآلئ المصنوعة للسيوطي ٢/ ٧٧ - ٨١.
(٣) ينظر تنزيه الشريعة ٢/ ١٣٣ - ١٣٤.
[ ٥ / ١٨٢٢ ]
إلى أنه حسن صحيح، وتعقبه بأنه يعتبر تفريطًا، كما ذكر أن قول ابن الجوزي ومن يوافقه بأن الحديث باطل لا يصح، يعتبر إفراطا، ثم قال: والقول العدل، ما أفاده زين الحفاظ العراقي (^١). فاعتبر قوله وسطا بين الإفراط والتفريط في الحكم على هذا الحديث. وقد سبق بيان توافق قوله هذا مع ما يفيده قول السخاوي من أن الحديث حسن لغيره.
وذكر العراقي حديث (تجافوا عن ذنب السخي، فإن الله آخذ بيده كلما عثر)، وعزاه إلى الطبراني في مكارم الأخلاق، وأبي نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود، بنحوه، ثم قال: بإسناد ضعيف، ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق الدارقطني (^٢).
فنلاحظ من هذا أنه جزم بضعف إسناد حديث ابن مسعود، خلافا لتساهل ابن الجوزي في الحكم بوضعه، وطريق الدارقطني التي أشار إليها العراقي، وأخرج ابن الجوزي أيضا الحديث منها، تلتقى مع أحد طريقي أبي نعيم، والبيهقي للحديث، في «عبد الرحيم بن حماد البصري الثقفي» (^٣).
وقد بنى ابن الجوزي حكمه بالوضع على أن (عبد الرحيم) هذا تفرد برواية الحديث عن الأعمس، وأنه وصفه العقيلي بأنه: يروى عن الأعمش ما ليس من حديثه (^٤).
_________________
(١) ينظر فيض القدير للمناوى ١/ ٥٤٠ - ٥٤١.
(٢) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٣٩ (١).
(٣) ينظر أطراف الغرائب والأفراد لابن القيسرائي ٤/ حديث (٣٩٤٠)، وفيه في الحلية ٤/ ١٠٨ (عبد الرحمن) بدل (عبد الرحيم) والصواب: (عبد الرحيم) وكذا جاء في الفيض ٣/ ٢٢٨ نقلا عن الدارقطني، وفي الشعب للبيهقى ٧/ حديث (١٠٨٦٧، ١٠٨٦٨).
(٤) ينظر العقيلي في الضعفاء ٣/ ٨١ واللسان ٤/ ترجمة (٥).
[ ٥ / ١٨٢٣ ]
وقد تعقب القول بتفرد (عبد الرحيم) لوجود متابع له وهو (محمد بن حميد العتكى) عند أبي نعيم (^١) مع قوله في موضع آخر عن رواية (عبد الرحيم) هذه: إنها غريبة من حديث الأعمش (^٢).
وبرواية (محمد بن حميد) يرتفع قول أبي نعيم هذا، كما أنه برواية (عبد الرحيم) يرتفع قول الطبراني بتفرد (محمد بن حميد) بالحديث عن الأعمش (^٣).
أما حكم ابن الجوزي بوضع الحديث فيتعقب بأمرين: الأول: أن حال «عبد الرحيم» تقتضى ضعف الحديث فقط من طريقه، وبهذا حكم البيهقي عليه (^٤). الثاني: أن (عبد الرحيم) لم ينفرد به، فقد تابعه (محمد بن حميد) كما تقدم.
وبذلك يكون حكم العراقي على الحديث بأن إسناده ضعيف، متوافقا مع واقع حال (عبد الرحيم) ومع حكم البيهقي على الحديث من طريقه بالضعف فقط.
وعلى هذا مشى كل من السيوطي (^٥) وابن عراق (^٦) والزبيدي (^٧) والألباني (^٨)
_________________
(١) ينظر الحلية ٥/ ٥٨.
(٢) ينظر الحلية ٤/ ١٠٨.
(٣) ينظر المعجم الأوسط للطبراني ٢/ حديث (١١٩٩).
(٤) ينظر اللسان ٤/ ترجمة (٥) والشعب للبيهقى ٧/ حديث (١٠٨٦٨)، واللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٥ (الصدقات).
(٥) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٥.
(٦) تنزيه الشريعة ٢/ ١٤٠.
(٧) الإتحاف ٨/ ١٧٤.
(٨) ضعيف الجامع الصغير وزيادته حديث رقم (٢٣٨٩).
[ ٥ / ١٨٢٤ ]
وأشار الشيخ «أحمد الغماري» ﵀ إلى أن تعدد طرق هذا الحديث مما يدفع قول ابن الجوزي بوضع الحديث (^١).
فالتقى بذلك مع حكم العراقي السابق بضعف الحديث فقط، ودل ذلك على أن ما نسبه بنفسه إلى العراقي من التساهل في الحكم للحديث، ليس على إطلاقه كما تفيده عبارته (^٢).
وذكر حديث «الجنة دار الأسخياء» من حديث عائشة ﵂ وعزاه إلى ابن عدي والدارقطني في المستجاد، والخرائطي، وذكر قول الدارقطني: إنه لا يصح، ثم ذكر أن ابن الجوزي رواه في الموضوعات، من طريق الدارقطني، وأن الذهبي قال: حديث منكر، ما آفته سوى جحدر، وعقب على ذلك بأن الدارقطني روى الحديث في المستجاد أيضا من طريق آخر، وفيه «محمد بن الوليد الموقرى» وهذا ضعيف جدا (^٣). وبهذا رد العراقي القول بتفرد جحدر بالحديث، ورد تساهل ابن الجوزي بذكره له في الموضوعات.
وبمراجعة ما عزا العراقي الحديث إليه، نجده عند ابن عدي (^٤)، والدارقطني في المستجاد (^٥) ونجده عند ابن الجوزي والخرائطي في المكارم (^٦) ليس من طريق
_________________
(١) المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير/ ص ٣٤.
(٢) المغير للشيخ أحمد الغماري ص ٧.
(٣) المغني مع الإحياء ٣/ ٢٤٠ (٢).
(٤) الكامل لابن عدي ١/ ١٩٠ و٤/ ١٦٢٨.
(٥) ينظر المستجاد للدارقطني حديث (١٦) ومن طريقه الأصبهاني في الترغيب والترهيب - باب السين/ حديث (١٥٤٦) ط دار الحديث بالقاهرة.
(٦) ينظر المنتقى من مكارم الأخلاق/ حديث (٢٩٧).
[ ٥ / ١٨٢٥ ]
الدارقطني كما ذكر العراقي، ولكن من طريق ابن عدي التي فيها «جحدر» لكنه نقل قول الدارقطني في «المستجاد»: إن الحديث لا يصح، وذكر قول ابن عدي في «جحدر» إنه يسرق الحديث، ويروى المناكير، ويزيد في الأسانيد، ثم جعل ابن الجوزي هذا معتمده في ذكر الحديث في الموضوعات (^١).
وقد روى الطبراني الحديث في الأوسط بمعناه من طريق جحدر بن عبد الله الرحبي - قال: ثنا بقية عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة، به، بمعناه، وقال: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا بقية، تفرد به جحدر بن عبد الله الرحبي (^٢) لكن ابن عدي أخرجه من طريق زيد بن عبد العزيز ثنا جحدر ثنا بقية، به، وذكر اختلافا فيه عن بقية، ثم قال: ورواه جماعة عن بقية عن الأوزاعي (^٣) فأشار بذلك إلى عدم تفرد جحدر به، وكذا قرر السيوطي (^٤) وعليه يكون الحكم بوضع الحديث باعتبار حال جعفر، مع تفرده به، غير مسلم.
أما ما ذكره العراقي من أن الطريق الآخر عند الدارقطني فيه «محمد بن الوليد الموقرى» ففيه خطأ بقلب الاسم، والذي وجدته في كتب التراجم، ويتفق مع الإسناد، أن اسم هذا الراوي «الوليد بن محمد الموقرى» فلعله
_________________
(١) تنظر الموضوعات لابن الجوزي ٢/ حديث (١١١٥) ط أضواء السلف.
(٢) المعجم الأوسط للطبراني ٦/ حديث (٥٧٤٢) ط الحرمين و٦/ حديث (٥٧٣٨) ط دار المعارف وجاء في الطبعتين «جحدر بن عبد الله الرحبي» كما ترى، و«جحدر» لقب، وفي اسمه واسم أبيه اختلاف كما في الميزان ٢/ ترجمة (٣٨٤٣) وصدر ترجمته بأنه «عبد الرحمن ابن الحارث …».
(٣) ينظر الكامل ١/ ١٩٠ - ١٩١ و٤/ ١٦٢٨.
(٤) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٦.
[ ٥ / ١٨٢٦ ]
حصل تقديم وتأخير من الحافظ العراقي ﵀ على سبيل السهو - لأنه جاء هكذا مقلوبا في طبعة المغني التي طبعها مصطفي الحلبي، والتي اعتمدت عليها في هذا البحث، وكذلك في نسخة الزبيدي من المغني (^١) وفي نقل السيوطي (^٢).
وأيضا درجة ضعف (الموقرى) التي وصفه بها العراقي، قد اختلفت عبارتها، ففي طبعة الحلبى التي اعتمدت في البحث عليها جاءت العبارة (ضعيف جدا) كما سبق نقلها، وفي نقل السيوطي «ضعيف» فقط، وفي نقل الزبيدي: «ضعيف أيضا» فلعل لفظتى «أيضا» و«جدا» تحرفت إحداهما عن الأخرى.
لكن مجمل الأقوال في «الوليد بن محمد الموقرى» هذا تفيد تضعيفه فقط لكثرة غلطه، ونسبته إلى الكذب خلاف قول الأكثرين، مع كونها أيضا مجملة غير مفسرة بشيء معين من الكذب، وقد أشار الإمام أحمد وغيره إلى أن المناكير التي ظهرت في رواياته، قد أدخلت عليه من بعض الرواة عنه، وذكر سليمان بن عبد الرحمن - أحد الرواة عنه، وأبو زرعة الدمشقى: أن «موسى بن محمد البلقاوى، أبو طاهر» - وهو أحد الموصوفين بالكذب - قد قدم على (الوليد) هذا فغير كتبه، وهو لا يعلم، فأفسد حديثه، وأشار ابن المديني إلى أن سبب رواياته المنكرة عن الزهري: أنه أتيح له نسخ مما دوّن عن الزهري (^٣)، ومما يؤيده أن (الوليد) كان مولى ليزيد بن عبد الملك، وقد احتفظ
_________________
(١) ينظر الاتحاف ٩/ ١٧٦
(٢) اللآلئ ٢/ ٩٦
(٣) ينظر تهذيب الكمال للمز ٣١/ ٧٨ - ٧٩.
[ ٥ / ١٨٢٧ ]
هشام بن عبد الملك بمدونات كثيرة عن الزهري (^١) وكذا قرر الوليد نفسه أنه لازم الزهري عشر سنين (^٢) فعلى هذا لا يستغرب تفرده عن الزهري بما لا يوجد عند غيره من الرواة عنه.
ثم إن ابن حبان مع وصفه له بأنه يروى الموضوعات، لم يتهمه بها، كما يتهم غيره، بل قرر فقط عدم الاحتجاج به، لا ترك الرواية مطلقا عنه (^٣) وأحد تلاميذه أيضا وهو على بن حجر، وصفه بكثرة الخطأ فقط، ولم يترك الرواية عنه (^٤).
وعلى ذلك فمن وصفه بأنه لا يكتب حديثه، أو بأنه متروك، فيحمل ذلك على ترك الاحتجاج به، دون الاعتبار (^٥).
ومما يؤيد ذلك رواية كل من الترمذي وابن ماجه له في سننهما (^٦)، واقتصر الترمذي على تضعيفه فقط، عقب روايته له عن الزهري (^٧).
وقول ابن عدي: كل أحاديثه غير محفوظة (^٨) معارض بقول بعض من روى عن الوليد، أو روى عمن روى عنه، وتقرير كل منهم: أن من روايات بعض
_________________
(١) تنظر ترجمة الزهري - من تاريخ دمشق - بتحقيق الأخ شكر الله قوجانى/ ٩١ - ٩٣ والتهذيب ٩/ ٤٤٩.
(٢) ينظر تهذيب الكمال ٣١/ ٨٠.
(٣) ينظر المجروحين له ٣/ ٧٦ - ٧٨.
(٤) ينظر التاريخ الكبير للبخاري ٨/ ترجمة - (٢٥٤٢).
(٥) ينظر الجرح والتعديل للرازي ٢/¬٣٨ والتهذيب ١١/ ترجمة (٢٥١).
(٦) تهذيب الكمال ٣١/ ٧٦ - ٨٠.
(٧) جامع الترمذي/ حديث (٣٦٦٥).
(٨) الكامل ٧/ ٢٥٣٤ - ٣٥٣٦
[ ٥ / ١٨٢٨ ]
تلاميذه عنه ما هو مستقيم وصحيح (^١) وعليه يكون القول بضعفه في الجملة، هو المناسب لتحقيق الأقوال فيه.
وبالتالي يكون هذا الحديث من طريقه ضعيفا فقط أما «جحدر» السابق ذكر روايته، فهذا لقب له، وقد اختلف فيمن لقب به من الرواة، هل هو شخص واحد، مختلف في اسمه واسم أبيه، أو هما اثنان، أحدهما ابن يسمى «أحمد» والآخر «أب له» مع خلاف في اسمه أيضا؟ فقيل «عبد الله» (^٢) وقيل «عبد الرحمن بن الحارث» (^٣).
وتردد الذهبي في الميزان في كونهما اثنين (^٤)، لكن جزم في كتابه في الألقاب بأن «جحدرًا» لقب شخص واحد من الرواة هو «عبد الرحمن بن الحارث الكفرتوثى، صاحب بقية (^٥) يعني ابن الوليد.
وتردد الحافظ ابن حجر في اللسان (^٦) في أنهما اثنان: أحدهما ابن يسمى (أحمد) والآخر أب له يسمى «عبد الرحمن بن الحارث»، وهو صاحب بقية بن الوليد، ثم جزم بذلك في كتابه في الألقاب (^٧) وقرر أن كلا منهما لقبه «جحدر».
_________________
(١) تهذيب الكمال ٣١/ ٧٩ - ٨٠ والتهذيب ١١/ ١٥٠.
(٢) الثقات لابن حبان ٨/¬٣٥ والمعجم الأوسط للطبراني ٦/ حديث (٥٧٤٢) ط الحرمين.
(٣) ينظر الثقات ٨/ ٣٨٣ والكامل لابن عدي ١/ ١٩٠ و٤/ ١٦٢٨ والأنساب للسمعاني ٥/ ١٢٦.
(٤) ينظر الميزان ٢/ ٥٥٥.
(٥) ينظر ذات النقاب في الألقاب للذهبي/ ٢٢.
(٦) ينظر اللسان ٣/ ٤٠٩.
(٧) نزهة الألباب له بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ عبد العزيز السديري.
[ ٥ / ١٨٢٩ ]
وسواء كان «جحدر» شخصا واحدا أو اثنين، فإن المترجمين متفقون على أن الملقب بهذا يروى الحديث الذي معنا عن بقية بن الوليد، وقد ترجم له ابن حبان في الثقات مرتين، الأولى ذكره باسم «أحمد بن عبد الله بن الحارث» وروى من طريقه هذا الحديث، وقال: لم أر في حديثه ما في القلب منه، إلا هذا الحديث، ثم قال: هذا حديث منكر، أحاديث بقية غير مستقيمة (^١).
فأشار بذلك إلى أن نكارة الحديث، ليست من جهة «جحدر» بل من جهة شيخه بقية بن الوليد. وفي المرة الثانية ترجم له باسم «عبد الرحمن بن الحارث» ولم يتكلم عن حاله بشيء غير قوله: حدثنا عنه القطان - يعني الحسين بن عبد الله - وغيره من شيوخنا (^٢).
لكن الحافظ ابن حجر تعقب ابن حبان بذكره «جحدرا» هذا في الثقات، فقال: كأنه ما عرفه (^٣) ثم اتفق مع غير ابن حبان على أن «جحدرا» ضعيف جدا، يسرق الحديث (^٤).
وقد قرر ابن عدي أن حديثنا هذا مما سرقه «جحدرا» من الثقات، وادعاه عن شيوخهم (^٥).
ومن هذا يفهم أن سرقة الحديث نوع من تعمد الكذب في رواية حديث
_________________
(١) ينظر الثقات لابن حبان ٨/¬٣٥ - ٣٦.
(٢) تنظر الثقات لابن حبان ٨/ ٣٨٣.
(٣) اللسان ١/ ٢١٠ - ٢١١.
(٤) ينظر الكامل ١/ ١٩٠ و٤/ ١٦٢٨، ١٦٢٩ والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ١/ ٧٥ و٢٠/ ٩٢ والميزان ١/ ١١٠ و٢/ ٥٥٥ واللسان ١/ ٢١٠ - ٢١١ و٣/ ٤٠٩.
(٥) الكامل لابن عدي ٤/ ١٦٢٨، ١٦٢٩.
[ ٥ / ١٨٣٠ ]
موجود، لكن من رواية شخص آخر غير سارقه، ولذا فإن الإنصاف به يقدح في فاعله، وفي درجة حديثه لكن بدرجة أخف من اختلاق الحديث ابتداء، دون أن تكون له رواية من قبل (^١) وعليه فإن المتهم بسرقة الحديث يعتبر ضعيفا جدا، ويعتبر الحديث من طريقه وحده متروكا لشدة ضعف راويه، ولكن لا يجزم بأنه موضوع؛ لأن تهمة الكذب غير الاتصاف بالكذب فعلا، وأخف درجة منه مع شدتها في الضعف (^٢).
وعليه فلا يسلم لابن الجوزي الحكم بوضع هذا الحديث بناء على ما ذكر من حال (جحدر) ومن قول الدارقطني: لا يصح هذا الحديث (^٣) وصنيع الإمام الذهبي في تلخيص الموضوعات، يؤيد هذا (^٤) وقد حكم عليه في الميزان بأنه منكر لأجل جحدر، كما تقدم، والمنكر نوع من الضعيف غير الموضوع، كما هو معلوم (^٥).
ومن بعد الذهبي جاء العراقي، فذكر إيراد ابن الجوزي للحديث في الموضوعات من طريق (جحدر) وذكر قول الذهبي بأن الحديث منكر وأن آفته (جحدر) وحده، ثم تعقب ذلك بوجود رواية للحديث أخرى من غير طريق (جحدر) وهي رواية «الموقرى» كما تقدم، ومع أنها لا تقوى على
_________________
(١) ينظر الاقتراح لابن دقيق العيد/ ٢٣٠ بتحقيق الدكتور/ عامر صبرى، والموقظة للذهبي/ ص ٦٠ والسير ١١/ ٥٠٤.
(٢) تنظر الموقظة للذهبي/ ٨١ والمعرفة والتاريخ للفسوى ٢/ ٣٨٥ ومقدمة الحافظ ابن حجر للتقريب/ ص ٧٤، ٧٥.
(٣) تنظر الموضوعات لابن الجوزى ٢/ حديث (١١١٥).
(٤) ينظر تلخيص الموضوعات للذهبي/ حديث (٤٨٦) ط مكتبة الرشد بالرياض.
(٥) وتنظر التعقبات على الموضوعات للسيوطى/ ص ٣٧/ ط لاهور.
[ ٥ / ١٨٣١ ]
جبر الضعف الشديد لطريق (جحدر) لكنها تدفع القول بتفرده بالحديث، فأشار العراقي بذكرها إلى رد القول بالتفرد، ورد القول بالوضع أيضًا لعدم ثبوت تفرد أحد الوضاعين به.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر مما يعرف به وضع الحديث: تفرد راو كذاب به، ولا يوجد ذلك الحديث عند غيره، وطبق ذلك على بعض الأحاديث (^١).
وبهذا أخذ السيوطي خلال كتابه اللآلئ المصنوعة وغيرها، والمناوي أيضًا (^٢). وقد تابع السيوطي العراقي على ما قرره في هذا الحديث (^٣)، ثم أضاف ذكر: متابعة أخرى لجحدر بن الحارث، حيث قال: وقد توبع، فرواه أبو الشيخ عن أبي (الحريش) (^٤) أحمد بن عيسى الكلابي حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا بقية، به.
وهذه المتابعة تعتبر أمثل طرق الحديث عن بقية.
فأبو الحريش - لقب للراوي - واسمه: أحمد بن عيسى الكلابي أبو جعفر، ذكره ابن القرضي في الألقاب (^٥) وروى من طريقه حديثا، ولكن لم يتكلم عن حاله بشيء، وذكره ابن ماكولا، وزاد وصفه بأنه كان بمصر (^٦) فهو على هذا مجهول الحال.
_________________
(١) ينظر أجوبته عن أحاديث المشكاة ٣/ ١٧٧٨ و١٧٨٤ - ١٧٨٥.
(٢) ينظر فيض القدير للمناوى ٣/ ٢٥٥ حديث (٥٢١٦).
(٣) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٦.
(٤) تحرف فى اللآلئ إلى (التجريش) وتصويبه من مصدر ترجمته الآتي بعد قليل.
(٥) كما في مختصره (٢/ ٢٢٧).
(٦) الإكمال ٢/ ٤٢١.
[ ٥ / ١٨٣٢ ]
ومحمد بن عوف الحمصي: ثقة حافظ، إليه المرجع في أحاديث الشاميين، وقد صرح بالتحديث عن «بقية» وهو حمصي (^١).
وبذلك يتقوى رد العراقي للحكم بوضع الحديث.
وقد ذكر السيوطي للحديث بعض الشواهد أيضا (^٢)، وتبعه ابن عراق (^٣) وكذا قرر الشيخ الألباني: أن الحديث ضعيف لا موضوع (^٤).
ومما يوضح موقف العراقي من حكم ابن حبان بالوضع، ما يلي: - أنه ذكر حديث «فضل: قل اللهم مالك الملك .. الآيتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والآيتين من آل عمران: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ … إلى قول «الإسلام» وقال: وفيه الحارث بن عمير، وفي ترجمته ذكره ابن حبان في الضعفاء، وقال: موضوع، لا أصل له، والحارث يروي عن الأثبات الموضوعات، ثم عقب على قول ابن حبان هذا، بأن الحارث وثقه حماد بن زيد وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم والنسائي، وروى له البخاري تعليقا (^٥). وتابع العراقي على هذا الزبيدي في الاتحاف» (^٦).
وهو بهذا التعقب قد رد حكم ابن حبان بوضع الحديث، والذي بناه على ما
_________________
(١) التهذيب ٩/ ت (٦٣٢) والتقريب/ ت (٦٢٠٢).
(٢) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٩٦، ٩٧.
(٣) تنزيه الشريعة ٢/ ١٤٠، ١٤١.
(٤) ينظر ضعيف الجامع الصغير وزيادته/ حديث رقم (٢٦٦٧)، وينظر مخالفة العراقي لابن الجوزي في الحكم بوضع الحديث أيضا/ المغنى مع الإحياء ٢/ ٨٨ (٤).
(٥) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٣٤٥ (٦).
(٦) الإتحاف ٥/ ١٣٣ والمجروحين لابن حبان ١/ ٢٢٣.
[ ٥ / ١٨٣٣ ]
وصف به راويه.
وقد أخرج الحديث ابن السني (^١) وابن حبان في ترجمة الحارث في المجروحين، مع كلامه السابق عن كل من الحارث وحديثه هذا، ومن بعد ابن حبان أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (^٢) والحافظ ابن حجر في التهذيب (^٣)، جميعهم من طريق محمد بن زنبور، ويقال: ابن جعفر بن أبي الأزهر المكي عن الحارث بن عمير، به.
وقد قرر ابن الجوزي: أن الحديث موضوع، وعلل ذلك بتفرد الحارث به، مع ذكر قول ابن حبان السابق فيه، وزاد قولا آخر لابن خزيمة: أن الحارث كذاب، وأنه لا أصل لهذا الحديث، فيعتبر رد العراقي على ابن حبان، هو رد على ابن الجوزي أيضا، وغيرهما ممن يتفق معهما.
ويلاحظ أن العراقي لم يعارض الحكم بوضع الحديث هنا، بذكر طريق آخر للحديث غير طريق الحارث، كما فعل في المثال الذي قبل هذا، فكأنه أقر تفرد الحارث بالحديث، ولكنه رد تشدد ابن حبان المعروف به في الجرح (^٤) فبين أن قوله في الحارث والذي بنى عليه ابن الجوزي حكمه بوضع الحديث، معارض بما هو أرجح منه، وهو القول بتوثيق الحارث مطلقا من الأكثرين من النقاد المعتبرين، مع تقدمهم الزمني على ابن حبان، ومخالطة بعضهم للحارث، كما سيأتي توضيحه.
_________________
(١) ينظر عمل يوم وليلة له/ حديث (١٢٥) بتحقيق بشير عيون.
(٢) الموضوعات ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠/ ط أضواء السلف.
(٣) ينظر التهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١).
(٤) ينظر الميزان ١/ ترجمة (١٠٢٣). و٣/¬٤٥ ترجمة (٥٥٣٢).
[ ٥ / ١٨٣٤ ]
وبهذا تنوع منهج العراقي في تطبيق قواعد نقد الحديث، في كل موضع بحسبه، فطبق في المثال السابق قاعدة عدم تفرد الراوي المنسوب إلى الوضع أو الكذب بالحديث، وهنا طبق قاعدة أخرى، وهي النظر في حال الراوي المنفرد بالحديث، والأخذ بما عليه الأكثرون المعتمدون في حاله، ما لم تكن علة أخرى، كما سيأتي.
لكن الإمام الذهبي - مع وقوفه على توثيق من ذكرهم العراقي للحارث، وعلى قول ابن حبان وغيره من المجرحين له، فإنه اختلف موقفه؛ فمرة حكى الخلاف، ولم يرجح شيئا (^١) ومرات أخرى أخذ بقول المجرحين، وحكمهم بوضع الحديث الذي معنا (^٢).
ويبدو لي أن الإمام الذهبي ﵀ في موقفه هذا من أقوال النقاد في الحارث، وفي درجة ما ذكره من حديثه، وهو ثلاثة، أحدها حديثنا هذا، قد عوّل بالدرجة الأولى على أن ابن حبان، وإن كان متأخرا عن زمن الراوي، ومتشددا في الجرح، إلا أنه أيد قدحه في الحارث بذكر بعض الأحاديث المنتقدة التي رويت من طريقه، دون متابع له عليها، فاعتبرها بذلك تفسيرا للجرح الذي ذكره، فانطبق عليه القول بتقديم الجرح المفسر على التعديل مطلقا، كما ذكر الذهبي قولا للحاكم أبي عبد الله، في الحارث، يوافق قول ابن حبان في الجملة (^٣) لكن هذا معارض بأمور:
_________________
(١) الكاشف للذهبي ١/ ترجمة (٨٦٨).
(٢) ينظر المغني في الضعفاء ١/ ترجمة (١٢٤٥) و«من تكلم فيه وهو موثق» / ترجمة (٧٣) بتحقيق محمد شكور، وتاريخ الإسلام وفيات سنة ١٧٠ - ١٨٠ هـ/ ص ٧٥، والميزان ١/ ترجمة (١٦٣٨) جميعها للإمام الذهبي.
(٣) ينظر الميزان ١/ ترجمة (١٦٣٨).
[ ٥ / ١٨٣٥ ]
أولها: تقرير الإمام الذهبي نفسه أنه ما علم أحدا سبق ابن حبان إلى تضعيف الحارث، مردود بما جاء عن ابن خزيمة من وصفه بأنه كذاب، وأن حديثه الذي معنا لا أصل له، كما تقدم، وابن خزيمة شيخ ابن حبان، وقد أكثر الرواية عنه في صحيحه وغيره، بل إن الذهبي لما ذكر حديثنا هذا في تلخيص موضوعات ابن الجوزي اقتصر على قول ابن خزيمة في الحارث، وفي حديثه هذا (^١) ولا يبعد استفادة ابن حبان في نقد الحارث ونقد حديثه من شيخه ابن خزيمة، وإن لم يصرح بذلك.
كما أن ابن حبان شيخ الحاكم أبي عبد الله، فلا يبعد استفادته ما ذكره من نقد الحارث ونقد حديثه من شيخه ابن حبان، حيث إن الحاكم وصف الحارث بأنه يروي أحاديث موضوعة عن حميد الطويل وعن جعفر الصادق، وهذا هو طريق الحديثين الذين انتقدهما ابن حبان على الحارث (^٢) وأبو الفتح الأزدي. متوفى سنة ٣٧٤ هـ فلا يبعد استفادته في نقد الحارث بمن تقدمه. فكأن المدار الأساسي في نقد الحارث ونقد حديثه هذا هو قول ابن خزيمة، ثم تابعه من بعده.
ثانيها: أن توثيق الحارث توثيقا مطلقا، لم يقتصر على جماعة المتقدمين عن ابن خزيمة، بل وثقه أيضا الدارقطني (^٣) وهو من شيوخ الحاكم أبي عبد الله.
ثالثها: إن قاعدة تقديم الجرح المفسر ليست على عمومها (^٤)، وفي مقدمة ما
_________________
(١) ينظر تلخيص الموضوعات للذهبي/ حديث (١٤٤) ط مكتبة الرشد بالرياض.
(٢) ينظر المجروحين لابن حبان ١/ ٢٢٣.
(٣) ينظر تهذيب التهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١).
(٤) ينظر قاعدة التاج ابن السبكي في الجرح والتعديل/ ٥٣ ضمن أربع رسائل في علوم الحديث =
[ ٥ / ١٨٣٦ ]
يخصصها: أن يكون الجمع ممكنا بوجه معتبر، بين القول بالجرح والقول بالتعديل، فيقدم الجمع، كما هو معروف (^١) وهو ممكن هنا، كما سيأتي.
رابعها: إن الموثقين للحارث لهم مرجحات معتبرة، منها: الأكثرية، والأقدمية، والخبرة المباشرة للراوي أو الأقرب منه، فهم ما عدا الدارقطني، متقدمون زمنا على ابن خزيمة فمن بعده من المجرحين، وفي مقدمة الموثقين حماد بن زيد وهو من أقران الحارث أو أكبر سنا منه، مع إمامته، واعتماد قوله في النقد، لاسيما عند الذهبي (^٢) وقد رأى حماد الحارث وحكم بتوثيقه وهو يشير إليه، وينظره (^٣) في حين نظر ابن خزيمة ومن بعده في بعض مروياته التي لا تذكر، بجانب كثرة حديثه، مع إمكان الجواب عنها، كما سيأتي.
ومن الموثقين المتقدمين: الإمام أحمد - وهو مع اتصافه بالاعتدال في النقد (^٤) - قد وثق الحارث توثيقا مؤكدًا، مقترنا بالخبرة الواسعة، وروايته عنه بواسطة واحدة فقط من الثقات (^٥)، ثم ذكر أنه رأى حمزة بن الحارث وأن آثار الصلاح ظاهرة عليه (^٦).
_________________
(١) = بتحقيق فضيلة شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀.
(٢) ينظر البحر المحيط للزركشى ٤/ ٢٩٨.
(٣) ينظر من يعتمد في قوله للذهبى ضمن أربع رسائل/ ص ٩٤.
(٤) تهذيب التهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١).
(٥) ينظر من يعتمد قوله للسخاوى/ ٩٤ ضمن أربع رسائل.
(٦) سؤالات أبى داود للإمام أحمد في الجرح والتعديل/ ٢٣٠ والعلل برواية عبد الله ٢/ ٣٣٥ والمعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٦.
(٧) تنظر سؤالات أبى داود للإمام أحمد في الجرح والتعديل/ ٢٣٥ بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ زياد منصور.
[ ٥ / ١٨٣٧ ]
خامسها: من المتقدمين الذين وثقوا الحارث، كل من ابن معين وأبي حاتم الرازي، والنسائي، وثلاثتهم معروفون بالتشدد في التوثيق (^١) وبتوثيق النسائي له يذهب تعجب الإمام الذهبي من تخريج النسائي له في سننه.
ومن ذلك يبدو لمن تأمل جانبي التوثيق والتجريح للحارث، أن مرجحات التوثيق أقوى، خلافا لما جرى عليه الإمام الذهبي من ترجيح الجرح، وإقرار الحكم بوضع الحديث الذي معنا.
وبتلك المرجحات يتأيد تقديم العراقي توثيق الحارث، وتعقبه به لتجريح ابن حبان له، والحكمه بوضع حديثه الذي معنا، كما تقدم.
ومن تخريج الحديث فيما سبق، نلاحظ أن مدار طرقه على محمد بن زنبور المكي، عن الحارث، والحارث قد رواه عن جعفر الصادق عن أبيه عن جده عن علي ﵁ مرفوعا.
فكأن التفرد بالحديث لم يقتصر على الحارث وحده، بل تفرد به عنه تلميذه ابن زنبور، فأصبح الأمر يحتاج إلى النظر فيمن تفرد به عن الحارث أيضا.
وقد سئل العراقي عن هذا الحديث بخصوصه، فأجاب بما يؤكد، ويكمل ما ذكره عنه في المغني، فقد أجاب بقوله: رجال إسناده، وثقهم المتقدمون، وتكلم في بعضهم المتأخرون، وليس فيه محل نظر إلا محمد بن زنبور المكي، والحارث ابن عمير، فأما ابن زنبور، فوثقه النسائي وابن حبان، وقال ابن خزيمة ضعيف، وأما الحارث، فوثقه حماد بن زيد وأبو زرعة وأبو حاتم.
_________________
(١) ينظر «المتكلمون في الرجال» للسخاوى/ ١٣٦ - ١٣٧ وذكر من يعتمد قوله للذهبي/ ص ١٥٨ - ١٥٩ ضمن أربع رسائل في علوم الحديث، وهدى السارى/ ٣٨٧:
[ ٥ / ١٨٣٨ ]
ويحيى بن معين والنسائي، واستشهد به البخاري في صحيحه، وروى عنه الأئمة: عبد الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينة، واحتج أصحاب السنن به، وضعفه ابن حبان، والحاكم، وذكر قولهما المتقدم (^١).
فيلاحظ من هذا الجواب إشارته إلى اثنين من مرجحات التوثيق الذي ذكره لكل من الحارث وابن زنبور، وهما: أكثرية الموثقين، وتقدم زمنهم، في مقابل أقلية المجرحين وتأخرهم عن زمن الراويين، وقد سبق توضيحي لأثر هذين الأمرين في ترجيح التوثيق.
ويلاحظ أيضا: أن العراقي في كلامه في المغني، وفي جواب السؤال عن هذا الحديث بخصوصه، قد اقتصر على رد ترجيح الجرح للراويين المنفردين بالحديث وهما: ابن زنبور وشيخه الحارث، وتبعا لذلك يرد الحكم بوضع الحديث.
كما يلاحظ أن العراقي في جواب السؤال ذكر قول الحاكم بالجرح مع ابن حبان، فجعل الرد شاملا لهما معا.
لكنه لم يحدد لنا درجة الحديث على ضوء ذلك، ولعل اقتصاره على ما ذكر باعتبار أن الأهم دفع الحكم على هذا الحديث بالوضع، أو لعل السؤال كان مقتصرا على هذا لأهميته، وما عداه يمكن فهمه على ضوء ما ذكر من حال راوييه المتفردين به، مع باقي رجال الاسناد، وقد أشار العراقي إلى سلامة هؤلاء الباقين من الضعف.
ومن بعد العراقي تعرض تلميذه ابن حجر لهذا الحديث، ولراوييه المنفرد به
_________________
(١) تنظر اللآلئ المصنوعة للسيوطى ١/ ٢٢٩ (فضائل القرآن).
[ ٥ / ١٨٣٩ ]
كل منهما، وهما ابن زنبور، وشيخه الحارث بن عمير، وما قرره يلتقي مع ما قرره شيخه العراقي، مع زيادة وتتميم يصل بنا رد الحكم بوضع الحديث، وتقرير ضعفه فقط، وذلك على النحو التالي: -
فبالنسبة للحارث ذكر الأقوال في توثيقه، مع الإشارة إلى مرجحاتها بنحو ما ذكره شيخه العراقي، مع زيادة ذكر توثيق الدارقطني، وتضعيف الأزدي له، ثم صرح بأن وصف ابن حبان له بأنه يروي الموضوعات عن الأثبات، يعتبر إفراطا في تضعيف الحارث (^١) وينسحب هذا أيضا على قول كل من ابن خزيمة والحاكم، لكونهما في معنى قول ابن حبان.
لكن وجود بعض الأحاديث المنتقدة من روايته متفردا مثل حديثنا هذا يحول دون رد تضعيفه كلية، فيحمل المنكر من روايته وحده على وهمه في ذلك، لا على تعمده الكذب أو الوضع، مراعاة للتوثيق الثابت له عن جمهور المتقدمين، ولا يتعارض حصول الوهم النادر أو القليل مع التوثيق العام، بل يمكن الجمع بينهما، بحمل التوثيق على غير ما أنكر على الحارث، وبذلك لخص الحافظ ابن حجر حال الحارث فقال: وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان، وغيرهما، فلعله تغير حفظه في الآخر (^٢).
وبهذا تحول الحافظ من ترجيح التوثيق المطلق كما يفهم من صنيع شيخه العراقي، إلى الجمع بوجه معتبر وهو حمل التوثيق العام على أول حياة الحارث،
_________________
(١) ينظر اللآلئ المصنوعة ١/ ٢٢٩ والنكت البديعات للسيوطي أيضا/ ٥٦ والتهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١).
(٢) ينظر التقريب/ ترجمة (١٠٤١).
[ ٥ / ١٨٤٠ ]
وحمل ما يقتضي ضعفه على حصول تغير حفظه في آخر حياته التي هي مظنة ذلك، وطالما أمكن الجمع، فهو أولى من الترجيح كما هو معلوم.
أما المنفرد بهذا الحديث عن الحارث وهو ابن زنبور، فذكر الحافظ كذلك مجمل الأقوال في توثيقه وتجريحه بنحو ما ذكره شيخه العراقي، وزاد أنه مع توثيقه، فقد وصف بأنه يروي عن الحارث مناكير (^١). ثم لخص حاله بقوله: صدوق له أوهام (^٢) وبذلك جمع أيضا بين الأقوال في حاله، بحمل التوثيق على صدقه وعدالته، وحمل الجرح بالمناكير على أوهام له غير متعمدة، فتنزله عن درجة التوثيق المطلق إلى درجة الصدوق المحتج به، في غير ما وهم فيه (^٣). ولما كان ابن زنبور على هذا أدنى حالا من شيخه الحارث، وقد تفرد بالحديث عنه، فرأى الحافظ تحميله الوهم في هذا الحديث أولى من تحميله لشيخه الحارث، فقال في ترجمة الحارث عقب روايته للحديث: والذي يظهر لي: أن العلة فيه ممن دون الحارث (^٤) إشارة إلى ابن زنبور لتفرده عن الحارث به، واتصافه بأن له عن الحارث مناكير، كما قدمت.
ثم ذكر الحافظ علة أخرى للحديث من جهة انقطاع سنده، فذكر أن الضمير في كلمة (جده) إن عاد على (جعفر) اقتضى أن يكون الحديث من
_________________
(١) اللآلئ المصنوعة ٢/ ٢٢٩ والنكت البديعات/ ٥٦ كلاهما للسيوطي، وتهذيب التهذيب ٩/ ترجمة (٢٤٧).
(٢) التقريب ترجمة (٥٨٨٦).
(٣) ينظر مقدمة معرفة من تكلم فيه وهو موثق ط دار الباز بمكة المكرمة/ ص ٥١ وتدريب الراوى ١/ ١٩١ - ١٩٢ ط مكتبة الكوثر بالرياض.
(٤) التهذيب ٢/ ترجمة (٢٦١).
[ ٥ / ١٨٤١ ]
رواية «الباقر» عن «الحسين»، وإن عاد الضمير على «محمد» اقتضى أن يكون الحديث من رواية «زين العابدين» عن «علي» وفي سماع كل منهما خلاف (^١).
ثم نظر الحافظ أيضا إلى متن الحديث، لكونه اشتمل على مبالغة كبيرة في ثواب من يقرأ تلك الآيات المذكورة في الحديث، وابن الجوزي يعتبر مثل ذلك من علامات وضع الحديث، التي يشكل أمرها في حالة ثقة رجال الإسناد (^٢) كما هو الحال في حديثنا هذا، لصعوبة الجزم بوضع الحديث من طريقهم.
ولهذا فإن الحافظ بعد بيان حال الإسناد، ورجاله، كما تقدم، وعدم اقتضاء ذلك للحكم بوضع الحديث، قال: وقد أفرط ابن الجوزي، فذكره في الموضوعات، ولعله استعظم ما فيه من الثواب، وإلا فحال رواته، كما ترى (^٣).
فاعتبر الحكم بوضع الحديث لمجرد المبالغة في الثواب فيه، يعد إفراطا وتشددا من ابن الجوزي، ومثل ذلك يقال عن حكم ابن خزيمة وابن حبان، حيث تبين لنا مما تقدم عدم وجود ما يقتضي الجزم بوضع الحديث، وعليه يكون الظاهر المؤيد بدلائل تحقيق الأقوال في سند الحديث ومتنه، يقتضي أن هذا الحديث ضعيف فقط، لا موضوع، وعلى هذا جرى السيوطي (^٤) ثم ابن
_________________
(١) اللآلئ المصنوعة ١/ ٢٢٩.
(٢) ينظر اللآلئ ١/ ٢٢٩ والنكت البديعات/ ٥٦.
(٣) ينظر المصدرين السابقين.
(٤) اللآلئ المصنوعة ١/ ٢٢٩ والنكت البديعات/ ٥٦.
[ ٥ / ١٨٤٢ ]
عراق (^١)، تبعا لما حققه العراقي، وتلميذه ابن حجر، كما أسلفت، وذكر السيوطي وابن عراق أيضا شاهدا للحديث، وقال ابن عراق: وفي سنده ضعيف (^٢).
ومع تعقب العراقي لابن حبان في تشدده في الحكم بوضع الحديث السابق، فإنه قد أقر حكمه بالوضع على حديث آخر، وهو حديث: «ما عظمت نعمة الله على عبد إلا كثرت حوائج الناس إليه …» (الحديث).
وقد عزاه العراقي إلى ابن عدي، وابن حبان في الضعفاء، من حديث معاذ بن جبل بلفظ «إلا عظمت مؤنة الناس عليه، فمن لم يحتمل تلك المؤنة» … (الحديث) ثم قال: ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عباس، وقال: إنه موضوع على «حجاج الأعور» (^٣) فنقل حكم ابن حبان كما ترى بأن الحديث عن ابن عباس، من طريق حجاج الأعور، موضوع على حجاج، وأقره، ونحوه فعل الذهبي (^٤).
وبمراجعة المجروحين لابن حبان، نجده ذكر الحديث فعلا من رواية طاهر بن الفضل الحلبي عن حجاج الأعور عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس به. ووصف طاهرا بأنه يضع الحديث على الثقات وضعًا، وأن هذا الحديث موضوع على الحجاج بلاشك (^٥) والحجاج هذا ثقة اختلط بآخره (^٦).
_________________
(١) ينظر تنزيه الشريعة ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) ينظر المغنى مع الإحياء ٤/ ١٢٤ (١) والمجروحين لابن حبان ١/ ٣٨٠، ٣٨١ ترجمة طاهر ابن الفضل الحلبي.
(٤) ينظر الميزان ٢/ ترجمة (٣٩٨٠).
(٥) ينظر المجروحين/ الموضع السابق.
(٦) ينظر التقريب/ ترجمة (١١٣٥).
[ ٥ / ١٨٤٣ ]
فمن تلك الأمثلة يظهر لنا أن العراقي لم يسلك في الحكم بوضع الحديث، مسلك التساهل العام، ولا التشدد العام، بدليل أن من عُرف بالتساهل في الحكم بالوضع كابن الجوزي ومن يوافقه، ومن عُرف بالتشدد في ذلك كابن حبان ومن يوافقه، تارة يوافق العراقي كلا منهم، وتارة يخالفه، على ضوء ما يظهر له بالبحث والنظر في قواعد النقد، وفي أقوال من يقف على آرائهم من النقاد، فدل هذا على تمتعه بملكة وخبرة نقدية، تبرز شخصيته الحديثية في اختيار ما يترجح لديه بالدليل.
لكن ضخامة عدد الأحاديث التي تعرض للحكم عليها في كتاب المغني هذا، جعلته في مواضع لا يعني بتحقيق الخلاف وبيان الراجح.
فقد ذكر - مثلا - الحديث السابق من رواية معاذ ﵁، واقتصر على عزوها لابن عدي وابن حبان في الضعفاء، ولم يصرح بالحكم عليه بشيء، وبمراجعة ما عزا إليه الحديث وهو ابن عدي (^١) وابن حبان (^٢) يستفاد أن رواية الحديث عن معاذ ضعيفه، لا موضوعة.
لكن أبا حاتم الرازي قال عن الحديث من الطريق نفسه الذي ذكره ابن عدي، وابن حبان: إنه باطل (^٣).
فكان الأمر يقتضي من العراقي تحقيق هذا الخلاف في حديث معاذ، وبيان الراجح من القولين السابقين فيه، ولكنه لم يفعل كما ترى.
_________________
(١) ينظر الكامل لابن عدى ١/ ١٧٨.
(٢) ينظر المجروحين له ١/ ١٤٢، ١٤٣.
(٣) ينظر اللسان ١/ ترجمة (٩٣٨).
[ ٥ / ١٨٤٤ ]
ولا يقال: إنه اكتفى بإقراره لحكم ابن حبان بوضعه من رواية ابن عباس، لأنه من المعروف أن الحديث قد يكون مقبولا من رواية أحد الصحابة، ومردودا من رواية غيره، بحسب حال الإسناد إلى كل منهما، وقد طبق العراقي بنفسه هذا في بعض المواضع (^١).
وأما الأحاديث التي جزم العراقي بالحكم بوضعها دون عزو ذلك إلى غيره. فمنها: حديث فضل سورة الفتح، حيث ذكر في فضلها، ما رواه أبو الشيخ ابن حبان في (كتاب الثواب) من حديث أبي بن كعب: من قرأ سورة الفتح، فكأنما شهد فتح مكة مع النبي ﷺ، وهو حديث موضوع (^٢) وقد تابعه على ذلك الزبيدي (^٣).
وكتاب الثواب لأبي الشيخ، الذي عزا العراقي الحديث إليه يعتبر من المفتقد حاليا، حيث لا تعرف له نسخة خطية، حسب البحث والنظر في المظان المتاحة حاليا.
ولذلك لم أعرف الإسناد الذي روى به هذا الحديث عن أبي بن كعب، ولكن العراقي نفسه في شرحه للألفية (^٤) وفي نكته على علوم ابن الصلاح (^٥) أنه قد قام المؤمل بن إسماعيل البصري، نزيل مكة بالبحث عن راوي هذا الحديث بسنده إلى أبي، مرفوعا، وذلك في رحلة شاقة من المدائن إلى واسط إلى
_________________
(١) ينظر المغني مع الإحياء ١/ ٣٠٤ (٦).
(٢) المغني مع الإحياء ١/ ٣٤٦ (١).
(٣) الإتحاف ٩/ ١٣٣.
(٤) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/ ١٣١.
(٥) التقييد والإيضاح/ ١٣٤.
[ ٥ / ١٨٤٥ ]
البصرة، إلى عبادان، حتى لقي بها أحد المتصوفة - ولم يذكر اسمه - فأقر له بأنه مع آخرين، قد وضعوه ليرغبوا الناس في قراءة القرآن بعد أن رأوا إعراضهم عن ذلك.
والمؤمل بن اسماعيل هذا، خلاصة حاله كما في التقريب، أنه صدوق سيء الحفظ، ومات سنة ٢٠٦ هـ (^١).
وقد سبق العراقي إلى الحكم بوضع الحديث من رواية أبي بن كعب، وابن عباس: ابن الجوزي، معتمدا على غير واحد أقدم من «المؤمل»، كعبد الله ابن المبارك، وابن مهدي، وغيرهما (^٢).
فلا أدري لماذا لم يشر العراقي هنا إلى مصدره في الحكم بوضع هذا الحديث، خاصة أنه اقتصر على عزوه إلى كتاب مفتقد، ولم يذكر لنا سنده لننظر فيه، كما أن مؤلفه أبا الشيخ لا يعني فيه بذكر درجات الأحاديث، كما يعرف ذلك من متابعة نقول العراقي وغيره عنه (^٣).
من اختلاف حكم العراقي على الحديث بالضعف والوضع:
لقد لاحظت من مقارنة أحكام العراقي في المغني بأحكامه في غيره من مؤلفاته، أنه قد يتفق حكمه في المغني مع حكمه في غيره مثلما في الحديث السابق، وقد يتغير حكمه على الحديث الواحد.
_________________
(١) التقريب/ ترجمة (٧٠٢٩).
(٢) الموضوعات لابن الجوزى ١/¬٢٣ - ٢٤ و٣٩٠ - ٣٩٤ والضعفاء للعقيلي ١/ ١٥٦، ١٥٧.
(٣) وانظر مثالا آخر في المغنى ١/ ٢٠٩. (٢) وفي الإتحاف ٣/ ٤٢٣ - ٤٢٥ تعقبه بغير دليل معتبر، وتنظر الموضوعات لابن الجوزى ٢/ حديث (١٠٠٨) ط أضواء السلف، واللآلئ المصنوعة ٢/ ٥٥ - ٥٦ والتنزيه ٢/ ٩٠ - ٩٢.
[ ٥ / ١٨٤٦ ]
فقد ذكر في المغني حديث معاذ مرفوعا: تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة (الحديث) بطوله.
وعزاه إلى أبي الشيخ بن حيان في كتاب الثواب، وابن عبد البر - يعني في جامع بيان العلم وفضله - وقال: - أي ابن عبد البر: ليس له إسناد قوى (^١) ومفهوم هذا أن الحديث له طرق مرفوعة، ولكنها ضعيفة، وتمام كلام ابن عبد البر عن الرواية المرفوعة لهذا الحديث هكذا: هو حديث حسن جدا، وليس له إسناد قوى، ثم قال: ورويناه من طرق شتى، موقوفا … وساق واحدا منها (^٢).
وقد ذكر العراقي في المغني كما ترى قول ابن عبد البر السابق، المفيد للحكم بضعف طرق الروايات المرفوعة، ولم يتعقبه بشيء. لكنه في نكته على ابن الصلاح تعقب ابن عبد البر، فذكر أن مراده بعبارة (حسن جدا): حسن اللفظ قطعا، وليس الحسن الاصطلاحي، وعلل ذلك بأن إسناد ابن عبد البر فيه موسى بن محمد البلقاوى، عن عبد الرحيم بن زيد العمى، وأن البلقاوى هذا كذاب، كذبه أبو زرعة وأبو حاتم، ونسبه ابن حبان والعقيلي إلى وضع الحديث، وأن عبد الرحيم بن زيد العمى، متروك الحديث، وقال: والظاهر أن هذا الحديث مما صنعت يد موسى البلقاوى (^٣).
وقد ذكر العراقي أيضا في تخريجه الكبير للإحياء نحوا مما ذكرت، مع
_________________
(١) ينظر المغنى ١/¬١٨ (٦).
(٢) ينظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١/ حديث رقم (٢٦٨، ٢٦٩) تحقيق أبي الأشبال الزهيري.
(٣) ينظر التقييد والإيضاح/ ٦٠ مع مقدمة ابن الصلاح.
[ ٥ / ١٨٤٧ ]
زيادة أن في إسناد ابن عبد البر أيضا «زيدًا العمى» والد «عبد الرحيم» السابق، وأن زيدًا هذا مختلف فيه، جرحا وتعديلا، وكذلك في سنده «الحسن عن معاذ» والحسن لم يدرك معاذا (^١) وبذلك يكون اقتصار العراقي في المغني على إقرار قول ابن عبد البر المقتضى للضعف فقط لرواية حديث معاذ، مرفوعًا، قد تغير في كتابين آخرين له، إلى الحكم بوضع الحديث، مع تأييد ذلك بأدلته، كما نرى.
وقد تابع العراقي على هذا صاحب تنزيه الشريعة (^٢).
وذكر العراقي أيضا حديث «إذا أتى على يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله ﷿، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم»، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، وأبي نعيم في الحلية، وابن عبد البر في (جامع بيان) العلم، ثلاثتهم من حديث عائشة ﵂، ثم قال: بإسناد ضعيف (^٣).
ولكنه في التخريج الكبير للإحياء ذكر الحديث عند هؤلاء، من رواية الحكم بن عبد الله (الديلي) عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عائشة، به ..
ثم ذكر أن الحكم هذا متروك كذاب، وأن ابن الجوزي أورد الحديث في الموضوعات، وحكى عن الصورى: أن هذا حديث منكر، لا أصل له عن الزهري، ولا يصح عن رسول الله ﷺ ولا أعلم أحدا حدث به غير الحكم (^٤)، ومقتضى هذا إقراره بوضع الحديث، لتفرد «الحكم» به، وقد
_________________
(١) الاتحاف ١/ ١٢٢ - ١٢٣.
(٢) تنزيه الشريعة ١/ ٢٨٢.
(٣) المغنى مع الإحياء ١/¬١٣ (٧).
(٤) الإتحاف ١/ ٧٨ - ٧٩ والموضوعات لابن الجوزى ١/ حديث (٤٦٠).
[ ٥ / ١٨٤٨ ]
وصف بالترك والكذب، وهذا هو المتفق مع القواعد النقدية، بخلاف ما جاء في المغني من الحكم بالضعف فقط، على هذا الإسناد نفسه، كما تقدم.
وقد لاحظ هذا صاحب تنزيه الشريعة، فذكر كلام العراقي في «المغني» كما سبق، ثم قال: هكذا في التخريج الصغير، وأما في الكبير، فذكر أن ابن الجوزي أورده في الموضوعات، وأنه نقل عن الصوري أنه قال: منكر، لا أصل له، وأقره (^١).
فأفاد ابن عراق بذلك إقراره لحكم العراقي في التخريج الكبير، لكن يؤخذ على ابن عراق ﵀ أنه سها، فنقل هذا عقب حديث آخر، أخرجه ابن الجوزي أيضا بلفظ «إذا أتى على يوم لم أزدد فيه خيرا يقربني إلى ربي، فلا بورك في ذلك اليوم» ولعل مما ساعد على السهو، دقة الفرق المؤثر بين الحديثين، وهو لفظ «خير» بدل «علم» في حديثنا السابق، فلفظ «خير» أعم، وكذلك كون الحديثين عند ابن الجوزي من رواية «الحكم بن عبد الله عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عائشة».
لكن لو راجع ابن عراق ﵀ بقية سند الحديث الذي بلفظ «خير» عند ابن الجوزي، لظهر له أن فيه راويا آخر، دون «الحكم» براويين، وهو سليمان بن بشار، وقد أعل ابن الجوزي الحديث بكلا الراويين، فبعد بيان بيانه لحال «الحكم» كما تقدم، ذكر وصف ابن حبان لسليمان هذا بأنه يحدث عن الثقات ما لم يحدثوا به، ويضع على الأثبات، ما لا يحصى كثرة (^٢) ولم
_________________
(١) تنزيه الشريعة ٢/ ٢٨٩.
(٢) ينظر الموضوعات لابن الجوزى ٣/ حديث (١٦٢٦).
[ ٥ / ١٨٤٩ ]
يذكر كلام «الصورى» الخاص بالحديث السابق الذي بلفظ «عِلْمًا»، كما أنه لو راجع الحديث في المصادر التي عزا العراقي الحديث إليها (^١) لوجده فيها بلفظ «علما»، ولوجد أن طرقه مدارها على (الحكم بن عبد الله)، وليس فيها «سليمان بن بشار»، فليلاحظ هذا من يراجع تنزيه الشريعة في هذا الموضع.
نعم أخرج ابن عدي الحديث بلفظ (علما) في ترجمة (سليمان بن بشار)، فصار في سنده كل من (سليمان) و(الحكم) (^٢)، لكن لم يعزه العراقي إليه، كما تقدم، وقد روى سليمان الحديث عن ابن عيينة عن بقية عن الحكم عن الزهري، به، وقال ابن عدي عقب روايته: وهذا عن ابن عيينة عن بقية، منكر ها فصارت هذه علة في رواية ابن عدي هذه، زائدة على علة تفرد الحكم به، عن الزهري، والتي أعلت بها رواية من عزا العراقي الحديث إليهم، وقد أشار الشيخ الألباني إلى رواية ابن عدي هذه من طريق سليمان، بعد تقريره الحكم بوضع الحديث باعتبار تفرد الحكم به، في الروايات الأخرى (^٣) ..
وذكر العراقي حديث: «من صلى يوم الأحد أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وآمن الرسول .. (الحديث). وعزاه إلى أبي موسى المديني في كتاب (وظائف الليالي والأيام) من حديث أبي هريرة، وقال: بسند ضعيف» (^٤)
_________________
(١) ينظر المعجم الأوسط للطبراني ٦/ حديث (٦٦٣٦) والحلية لأبي نعيم ٨/ ١٨٨ وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١٠/ حديث (٣١٨).
(٢) ينظر الكامل ٣/ (١١٤٢).
(٣) تنظر السلسلة الضعيفة برقم (٣٧٩).
(٤) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٢٠٤ (٣).
[ ٥ / ١٨٥٠ ]
لكن ابن عراق قال: قال الحافظ في تخريج «الإحياء»: رواه جعفر الفريابي في جزئه في صلاة الأيام، وفي سنده محمد بن حميد الرازي، ورواه الحافظ أبو موسى المديني في «وظائف الليالي والأيام» من طريق الفريابي، ومن طريق آخر، ثم قال العراقي: وألان الحافظ أبو موسى القول في تضعيف هذا الحديث، وهو كذب موضوع، انتهى (^١).
وتخريج «الإحياء» الذي نقل ابن عراق كلام العراقي هذا منه هو «التخريج الكبير» حيث لا يوجد شيء منه في المغني المعروف بالصغير؛ بل هو مخالف لما في المغني كما سبق، حيث حكم العراقي على الحديث عند أبي موسى في المصدر نفسه وهو «وظائف الليالي والأيام» من رواية أبي هريرة بأن سنده ضعيف، فقط، كما أن فيما نقله ابن عراق عن التخريج الكبير للعراقي يلاحظ انتقاده أبا موسى المديني بأنه تساهل في تضعيف هذا الحديث بدرجة أخف من الوضع، ثم جزم هو بوصف الحديث بأنه كذب موضوع، ومن هذا يتبين أنه يفرق بين درجة الضعف المطلق، وبين درجة «الوضع»، وأن الأولى أخف من الثانية، وبالتالي يكون الحكم على الحديث بالأولى بدل الثانية يعتبر تساهلا لا يرضاه.
وقد تقدم أيضا تعقبه لمن تشدد فحكم بالثانية بدل الأولى، فدل هذا وذاك على أن من منهجه الاعتدال في الحكم، فلا تساهل ولا تشدد، وإن كان لم يطرد له ذلك خلال الكتاب كله، كما مرت بعض الأمثلة لذلك.
ثم إنه قد قرر في هذا الحديث أن أبا موسى قد أخرجه من طريقين: -
_________________
(١) ينظر تنزيه الشريعة لابن عراق ٢/ ٨٦.
[ ٥ / ١٨٥١ ]
إحداهما: فيها «محمد بن محميد الرازي» ومع أنه لم يصرح بحاله، ولا بالعلة التي في الطريق الآخر إلا أن تعقيبه على ذلك بالجزم بأن الحديث كذب موضوع، يفيد أن تعدد طرقه لم يفد في دفع الوضع عنه، كما أنه قد وصف «محمد بن حميد» هذا في موضع آخر من من المغني بأنه أحد الكذابين (^١). وذكر في موضع آخر من التخريج الكبير أنه قد كذبه أبو زرعة، وإسحق الكوسج، وفضلك الرازي (^٢).
أما الطريق الآخر: الذي أشار إليه العراقي، فلعله هو ما أخرجه منه الجورقاني وابن الجوزي في الموضوعات، كلاهما من طريق أبي المفضل الشيباني، بسنده إلى سعيد المقبري عن أبي هريرة، به.
وقال ابن الجوزي: هذا موضوع، وفيه جماعة مجاهيل، وأقره السيوطي (^٣).
أما الذهبي، فمع إقراره لابن الجوزي على الحكم بالوضع، فإنه أضاف أن في سند الحديث «أبو المفضل الشيباني»، وأنه متهم (^٤).
والذي وجدته في الميزان واللسان (محمد بن عبد الله، أبو المفضل الشيباني، الكوفي، وأنه نُسب إلى الكذب، ووضع الحديث للرافضة (^٥) وزاد في اللسان: محمد بن عبد الله بن محمد الكلوذاني)، قال عنه الخطيب: مجهول، ثم قال أيضا: الظاهر أنه أبو الفضل الشيباني - يعني السابق - وأقر الحافظ ابن حجر ذلك (^٦).
_________________
(١) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٢٠٥ (١).
(٢) تنظر حاشية تنزيه الشريعة ٢/ ٨٧.
(٣) ينظر الموضوعات لابن الجوزى ٢/ حديث (٩٩٨) واللآلئ المصنوعة ٢/¬٥٠.
(٤) ينظر تلخيص الموضوعات للذهبي/ حديث رقم (٤٢٢) ط مكتبة الرشد، بالرياض.
(٥) ينظر الميزان ٣/ ترجمة (٧٨٠٢) واللسان ٥/ ترجمة (٨١١).
(٦) ينظر اللسان ٥/ ترجمة (٨١٤).
[ ٥ / ١٨٥٢ ]
فبناء على ترجيح الخطيب هذا، وإقرار الحافظ له، يكون مدار الحديث من طريقيه على راو موصوف بالكذب، فضلا عما في باقى السند من المجاهيل، وبالتالي يكون الحكم عليه بالوضع هو الراجح، كما ترى، وكما جزم به العراقي في تخريجه الكبير، بدلا من حكمه بضعفه فقط في الصغير.
وقد تابعه على الحكم بالوضع ابن عراق (^١) ومن قبل العراقي جزم بالحكم بالوضع ابن القيم (^٢).
لكن الزبيدي - فيما يبدو - لم يقف على كلام العراقي الذي في التخريج الكبير بالنسبة لهذا الحديث، كما لم يقف على كلام الذهبي وغيره في «أبي المفضل الشيباني» فذكر قول ابن الجوزي ومن بعده السيوطي في تعليل الحكم بوضع الحديث بقوله: فيه جماعة مجاهيل. وعقب على ذلك بقوله: الحكم على هذا بالوضع ليس بسديد، وغاية ما يقال: إنه ضعيف، ثم قال: فالقول ما قاله الحافظ العراقي: أن سنده ضعيف، لا قول ابن الجوزي: إنه موضوع، وشتان بين الموضوع والضعيف (^٣).
فهذا من أمثلة عيوب الاعتماد على حكم العراقي على الحديث، في كتاب المغني وحده، دون النظر في غيره من مؤلفاته الأخرى، أو فيما نقل عنها، وخاصة المتعلق بتخريج أحاديث «الإحياء» نفسه، كما في الحديث السابق (^٤).
_________________
(١) ينظر تنزيه الشريعة ٢/ ٨٦.
(٢) المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن القيم/ حديث (٤٧).
(٣) الإتحاف ٣/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٤) وينظر مثال آخر لما حكم العراقي فيه بالضعف في المغنى، وحكم بالوضع في التخريج الكبير/ المغنى مع الإحياء ١/ ٨٨ (١) مع الإتحاف ١/ ٤٥٠ واللآلئ المصنوعة ١/ ١٥٣، ١٥٤.
[ ٥ / ١٨٥٣ ]
من الأحكام العامة للعراقي على مجموعة الأسانيد أو المتون الخاصة بحديث معين، أو بموضوع معين:
من ضمن ما انتهجه العراقي في بيان درجات الأحاديث في كتاب المغني، قد يذكر حديثا، ويذكر بعض الطرق التي روى منها، ثم يذكر حكما عاما على كل طرقه، سواء ما ذكره أو لم يذكره، وقد يذكر حديثا في موضوع أو باب معين، ويتبع الحكم عليه بحكم عام على درجة الأحاديث المتعلقة بموضوع الحديث وبابه عموما.
وكلا هذين التعميمين فيهما خطورة من جهة تعرض من يذكر أيا منهما للتعقب فيما عمم الحكم فيه، كما سيأتي.
ومن جهة أخرى له فائدة في إعطاء حكم عام، يمكن أن يوفر على الباحث معاناة تتبع الروايات المتعددة للحديث، غير الرواية التي ذكرت.
كما أنه يدل على سعة بحث العراقي، ومحاولته الإحاطة، وتارة يعزو الحكم العام إلى من سبقه من الأئمة، وتارة لا يعزو، ولو كان مسبوقا إلى ما ذكره.
فمما نقله عمن سبقه: أنه ذكر حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ كان له منشفة، وعزاه إلى الترمذي، وذكر أنه قال: ليس بالقائم، وقال: ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء (^١).
_________________
(١) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ١٤٠ (٢) وينظر مثال آخر نقله عن أبي داود/ المغنى ١/ ٣٣٤ (٦) والمراسيل لأبى داود/ حديث (٥٢٧) مع تحفة الأشراف ١٣/ ٣٤٠، ومثال عن العقيلي/ المغنى ١/ ١٩٤ (٦) مع الاتحاف ٣/ ٣٠٠ - ٣٠١، والمغنى ١/ ٢٣٣ (٢) مع الاتحاف ٤/ ١٧١، والمغنى ١/ ٢٣٤ (١)، وعن ابن عدى ٣/ ٢٤٠ (١).
[ ٥ / ١٨٥٤ ]
وبمراجعة موضع الحديث في جامع الترمذي نجده ذكر هذا، مع زيادة بيان سبب ضعف حديث عائشة هذا، وهو وجود راو في إسناده ضعيف عند أهل الحديث، كما ذكر في الباب حديثا آخر وبين ضعفه أيضا (^١) وقد ذكر صاحب تحفة الأحوذي (١/ ١٧٥) أربعة أحاديث أخرى في الباب، وبين ضعف كل منها، وهي تشهد لما ذكره الترمذي.
ثم ذكر صاحب التحفة أن العيني في عمدة القاري أورد حديثا من طريق أبي مريم إياس بن جعفر عن فلان، رجل من الصحابة، أن النبي ﷺ كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ، وقال العيني: أخرجه النسائي في الكنى بسند صحيح.
وعلق صاحب التحفة على هذا بأنه لم يقف على سند هذا الحديث، ولم يظفر بكتاب الكنى للنسائي.
ولما كان هذا يعتبر تعقبا ظاهرا لقول الترمذي السابق: بأنه لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شي، مع إقرار العراقي له، فقد بحثت عن الحديث المذكور، فوجدت الدولابي قد أخرجه في الكنى (١/ ٢١٠) من الطريق التي عزاها العيني إلى النسائي، فقال الدولابي: حدثنا إبراهيم بن يعقوب قال حدثنا سهل بن حماد، قال حدثنا أبو عمرو بن العلاء قال: أخبرني إياس بن جعفر بن الصلت الحنفي، أبو مريم قال أنبأ فلان أن النبي ﷺ (الحديث).
وبالنظر في إسناد الحديث نجد أنه مروي بعبارات الاتصال بين رجاله إلى الصحابي، كما ترى.
_________________
(١) ينظر جامع الترمذى - الطهارة - باب المنديل ١/ حديث (٥٣).
[ ٥ / ١٨٥٥ ]
وأحوال رجاله: ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ثقة حافظ رمي بالنصب كما في التقريب (ترجمة/ ٢٧٣) وليس حديثه هذا متعلقا ببدعته.
وسهل بن حماد العنقزى أبو عتاب، مختلف في حاله، ولخصه الحافظ في التقريب (٢٦٥٤) بأنه صدوق.
وأبو عمرو بن العلاء: ثقة من علماء العربية/ التقريب (٨٢٧١).
وإياس بن جعفر أبو مريم: ذكره ابن أبي حاتم (٢/ ٢٧٧). ونقل عن والده وأبي زرعة أنه: مرسل عن النبي ﷺ.
وقال أبو زرعة: يُعد في البصريين، وذكره ابن حبان في الثقات مرتين: مرة في التابعين (^١) ومرة في أتباع التابعين (^٢) ولم يذكر أحدا روى عنه غير «أبي عمرو بن العلاء» الذي معنا في هذا الإسناد، ولم يتكلم عن حال إياس بشيء.
فإذا اعتبرنا رواية الثقة المشهور عنه، وهو «أبوعمرو بن العلاء» مع ذكر ابن حبان له في الثقات، وعدم وقوفنا على قادح فيه، ووجود عدة شواهد الحديثه - كما تقدم - فتدفع عنه النكارة، فيمكن بهذه القرائن ترقى حاله إلى درجة «صدوق».
ويرجح كونه تابعيا روايته الحديث الذي معنا عن الصحابي بعبارة «أنبأ» التي تفيد الاتصال، كما تقدم.
وبذلك يكون الحديث بهذا الإسناد حسنا، لا صحيحا، كما ذكر العيني. وشواهده السابق الإشارة إليها، ضعيفة، فلا ترقيه إلى الصحة.
_________________
(١) الثقات ٤/¬٣٣.
(٢) الثقات ٦/ ٦٥.
[ ٥ / ١٨٥٦ ]
وعليه فلا يتعقب به قول الترمذي الذي أقره العراقي: بأنه لا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.
ومن أحكامه العامة على طرق حديث، دون عزو لغيره، أنه ذكر حديث «كان عند النبى ﷺ طير، فقال: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه» وعزاه إلى الترمذي من حديث أنس، وذكر قول الترمذي: حديث غريب، ثم قال العراقي: وله طرق كلها ضعيفة (^١).
وفي هذا رد لتصحيح الحاكم للحديث عن أنس على شرط الشيخين (^٢) ومع أن العراقي لم هذا الحكم العام على طرق الحديث بالضعف إلى أحد، فإنه مسبوق إلى ذلك من غير واحد من العلماء المعتبرين.
ومنهم معاصراه: الذهبي وابن كثير - رحمهما الله (^٣).
وذكر العراقي أيضا حديث كرز بن وبرة عن [رجل من أهل الشام عن] ابراهيم التيمي عن الخضر عن النبي ﷺ (أنه علمه المسبعات العشرة) وقد علق العراقي عليه بقوله: ليس له أصل، ثم قال: ولم يصح حديث قط في اجتماع الخضر بالنبي ﵊، ولا عدم اجتماعه، ولا حياته،
_________________
(١) ينظر المغنى مع الإحياء ٢/ ٣٦٩ (٨) والاتحاف ٧/ ١٢٠، وينظر من الأمثلة كذلك: المغنى مع الإحياء ٤/ ١٠٣ (٢) مع الاتحاف ٩/ ٩١.
(٢) المستدرك ٣/ ١٣٠ - ١٣١.
(٣) ينظر مختصر المستدرك للذهبي مع المستدرك ٣/ ١٣١ - ١٣٢ وتعليق الأخ الفاضل الدكتور سعد الحميد على تحقيقه المختصر ابن الملقن لاستدراك الذهبى على مستدرك الحاكم ٣/ حديث (٥٦٣) وهو أوعب من استوفى طرقه عن أنس، وحقق الأقوال في ذلك، فجزاه الله خيرا.
[ ٥ / ١٨٥٧ ]
ولا موته (^١) وقد تابعه الزبيدي في الإتحاف (^٢).
وقول العراقي: «ولا موته» يعني لم يصح حديث في بيان موت الخضر بخصوصه، لأن حديث «أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» أخرجه البخاري ومسلم، وأجاب به البخاري ﵀ حينما سئل عن حياة «الخضر، وإلياس» ﵇، في وقته، (^٣) فدل ذلك على دخول موت الخضر في عموم هذا الحديث مع صحته، ومثله لا يخفى على العراقي، بل إنه عارض بموجبه أحد شيوخ عصره كما سيأتي.
ومع أنه لم ينسب حكمه هذا العام، إلى غيره، فإنه أيضا مسبوق إليه من غير واحد من المتقدمين والمتأخرين، كالحسين بن المنادي (ت ٣٣٦ هـ) (^٤)، وابن الجوزي وأبو الخطاب بن دحية (^٥) وابن القيم (^٦) والذهبي (^٧) وغيرهم (^٨).
_________________
(١) ينظر المغنى ١/ ٣٤٦ (٥).
(٢) ينظر الاتحاف ٥/ ١٣٥، وينظر بعض الأمثلة كذلك في المغنى مع الإحياء ٢/ ٨٨ (١) مع الإتحاف ٦/ ٢٤٤ والمغنى مع الإحياء ٤/ ١٥٩ (٣) مع الإتحاف ٩/ ٢١٢ وجنة المرتاب لأبى إسحق الحوينى ١/ ٥٩ - ٧٦.
(٣) ينظر الاعتبار في حمل الأسفار للسويدى، وتعليق محققه/ على رضا بحاشيته/ حديث (٧٢).
(٤) تنظر الإصابة ٢/ ٤٣٥ مع الاستيعاب.
(٥) ينظر الموضوعات لابن الجوزى ١/ ٣٠٨ - ٣٢٢ ط أضواء السلف، والإصابة مع الاستيعاب ٢/. ٤٣٣
(٦) المنار المنيف/ ٦٧ - ٧٦.
(٧) المستدرك وتلخيصه للذهبي ٢/ ٦١٧.
(٨) ينظر الفتح ٦/ ٤٣٣ - ٤٣٦ والإصابة مع الاستيعاب ١/ ٤٢٩ - ٤٥٢ واللآلئ المصنوعة ١/ ١٦٤ - ١٧٠ وتنزيه الشريعة ١/ ٢٣٣ - ٢٣٧.
[ ٥ / ١٨٥٨ ]
وهذا يؤيده النظر في حال السند أو المتن، أو كليهما في الأحاديث الواردة فيما ذكره العراقي بشأن الخضر.
لكن كان ينبغى للعراقي العزو إلى بعض من سبقه إلى هذا، خاصة وأنه فعل ذلك في مواجهة بعض شيوخ عصره الذين عرفوا بالتصوف مع اشتغالهم بالعلم وهو الشيخ عبد الله بن أسعد المعروف بعفيف الدين اليافعي المتوفى سنة ٧٦٨ هـ ﵀ وكان له تأليف في إثبات حياة الخضر إلى عصره، ومما يصور شدة نفوذ التصوف آنذاك، أن هذا الشيخ حكى العراقي أنه قال له هو وبعض من حضر معه: (إن لم تقولوا: إنه حى، وإلا غضبت عليكم) وذلك لما ذكروا له قول البخاري والحربي وغيرهما بإنكار ذلك.
وكان من أثر تهديده، ما ذكره العراقي بقوله: (فقلنا: رجعنا عن اعتقاد موته) (^١).
لكن تاريخ وفاة الشيخ اليافعي هذا كما قدمته، يفيد حصول هذا من العراقي في وقت متقدم، خلال طلبه للعلم، وتردده مع غيره على شيوخ عصره، ثم استقر أمره بعد ذلك على ما قرره في تخريج هذا الحديث كما سبق، وقد فرغ من تبييض كتاب (المغني) هذا في ١٢ ربيع الأول سنة ٧٩٠ هـ (^٢) أي بعد وفاة اليافعي بأكثر من عشرين سنة.
وذكر العراقي أيضا حديث أنس «من صلى ركعتين ليلة الجمعة، قرأ فيهما
_________________
(١) تنظر الإصابة ١/ ٤٥٢ و١/ ٤٢٩ - ٤٥٢ مع الاستيعاب، وطبقات الشافعية للإسنوى ٢/ ٣٣٠ - ٣٣٣ والدرر الكامنة ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٤ ترجمة (٢١٢٠) وشذرات الذهب لابن العماد ٦/ ٢١٠ - ٢١٢.
(٢) ينظر المغنى مع الإحياء ٤/ ٥٣٢.
[ ٥ / ١٨٥٩ ]
بفاتحة الكتاب، و«إذا زلزلت» خمسة عشر مرة (الحديث) وذكر رواية أخرى في ذلك من حديث ابن عباس، وقال: وكلها ضعيفة منكرة، ثم قال: وليس يصح في أيام الأسبوع ولياليه شيء، والله أعلم (^١) وتبعه الشارح على هذا» (^٢).
وهذا التعميم من العراقي غير مسلم، فقد سبقه إلى ذكر هذا التعميم وتقييده أبو حفص عمر بن بدر الموصلي المتوفى سنة ٦٢٢ هـ، فذكر صلاة الرغائب، والمعراج، والنصف من شعبان، وصلاة الإيمان، والأسبوع، كل يوم وليلة، وبر الوالدين يوم عاشوراء، وغير ذلك، وقال: ولا يصح في هذا الباب شيء عن النبي ﷺ والصحيح من النوافل: السنن الرواتب، والتراويح، والضحى، وصلاة الليل، وتحية المسجد، وشكر الوضوء، وصلاة الاستخارة، والعيدين - على قول من لا يراهما واجبتين - وصلاة الكسوف، والاستسقاء (^٣) فهذا التقييد من الموصلي هو الموافق لما ورد من الأحاديث فيما قيد به العموم المذكور، لم أجد من تعقبه في هذا التقييد، كما لا أظن الأحاديث الواردة فيما قيد به الموصلي مما يخفي على العراقي، مع تأليفه في أحاديث الأحكام كما سيأتي.
ولذا كان الأولى أن يقيد حكمه العام هنا بمثل ما قيده به الموصلي من قبله.
_________________
(١) ينظر المغنى مع الإحياء ١/ ٢٠٧ (٣).
(٢) الإتحاف ٣/ ٣٨١.
(٣) ينظر المغنى عن الحفظ والكتاب للموصلى مع جنة المرتاب ٢/ ٢٩٧ والأحاديث الموضوعة في الأحكام المشروعة له/ بتحقيق ربيع السعودي/ ٥٠، ٦١.
[ ٥ / ١٨٦٠ ]
التعقب والاستدراك على العراقي في كتابه «المغني» والتأليف في ذلك:
بعد هذا العرض والتفصيل لكتاب «المغني عن حمل الأسفار»، وبيان عناصر منهج العراقي فيه، مع التحليل والمقارنة والنقد الموضوعي في مواضعه.
من خلال هذا كله، يستطيع القارئ الخبير بعلمي التخريج ودراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث وعللها، تقدير الجهد المتنوع والمضنى، الذي بذله العراقي خلال سنوات في إنجاز هذا الكتاب، وتقرير محتوياته من قواعد واصطلاحات، وعناصر منهجية .. وتطبيقها، ونتائجها الحديثية.
ولكنه كأي جهد بشرى لم يسلم من بعض نقاط القصور التي لا تغض من فوائده العامة، وأثره فيما بعده، كما سيأتي، ومكانة مؤلفه الحديثية المشهودة.
وتتلخص تلك التعقبات والاستدراكات فيما يلي:
أولا: تعقبات واستدراكات متفرقة من بعض العلماء المتأخرين عن العراقي، مع استفادتهم مما لم ينتقدوه فيه.
وقد تقدم ذكرى لبعض تلك التعقبات والاستدراكات، خلال عرض الكتاب، وتفصيل عناصر منهج العراقي فيه.
وأكثر من وجدته جمع تلك التعقبات هو الزبيدي شارح «الإحياء» في كتابه «إتحاف السادة المتقين» مع إشارته إلى استفادة عدد منها من حواشي خطية بخط الحافظ ابن حجر تلميذ العراقي أو «الداودى» تلميذ السيوطي أو غيرهما، وقف عليها الزبيدي معلقة على بعض نسخ الإحياء أو بعض نسخ كتاب المغني الخطية، كما ذكر الزبيدي بعض تعقبات من جانبه هو.
وقد تنوعت تلك التعقبات التي من الزبيدي أو من غيره؛ فمنها ما يتعلق
[ ٥ / ١٨٦١ ]
بالتخريج لما أغفله العراقي فلم يتعرض له، أو صرح بأنه لم يجده، أو لم يقف عليه، أو لم يقف له على أصل، أو على إسناد.
ومنها ما يتعلق بأحوال بعض رواة صرح بأنه لم يعرفه.
ومنها ما يتعلق بنقد حكمه على بعض الأحاديث، ومنها ما يتعلق بتحريف لفظة في أحد متون الأحاديث.
ومجموع ذلك كله قليل جدا إذا قورن بمشتملات كتاب المغني هذا التي قاربت خمسة آلاف حديث وأثر كما قدمت (^١).
_________________
(١) وقد بلغ ما أحصيته من ذلك قرابة ثلاثين موضعا، خلال كتاب شرح الإحياء كله، وبيانها كالتالي: المغنى مع الإحياء ١/ ١٨٥ (٦) مع الاتحاف ٣/ ٢١٧ والمغنى مع الإحياء ١/ ٢٠٥ (٣) مع الاتحاف ٣/ ٣٧٦، والمغنى ١/ ٢٦٦ (١)، (٢) مع الاتحاف ٤/ ٤٢٢ - ٤٢٣، والمغنى مع الإحياء ١/ ٣٢٩ (٤) مع الاتحاف ٥/ ٨٠، والمغنى مع الإحياء ١/ ٣٤٥ (٥) مع الإتحاف ٥/ ١٣٣، والمغنى مع الإحياء ٢/¬١٧ (١) مع الإتحاف ٥/ ٢٥٢، والمغنى ٢/¬٢٧ (٦) مع الاتحاف ٥/ ٢٩٩، والإحياء ٢/ ١٧٠ مع الاتحاف ٦/ ٢٠٣ مع الفتح لابن حجر ١١/ ٣٣١، والمغنى مع الإحياء ٢/ ٢٠٤ (٩) مع الإتحاف ٦/ ٢٨٤، والمغنى مع الإحياء ٢/ ٣٨٨ (٢) مع الإتحاف ٧/ ١٩١، والمغنى مع الإحياء ٣/¬٥٠ (٢) مع الاتحاف ٧/ ٣٢٢، والمغنى مع الإحياء ٣/ ٨٨ (١) مع الإتحاف ٧/ ٤٠٩، والمغنى مع الإحياء ٣/ ١١٧ (١) مع الإتحاف ٧/ ٤٧٧، والمغنى مع الإحياء ٣/ ١٩٤ (٢) مع الإتحاف ٨/ ٧٣، والمغنى مع الإحياء ٣/ ١٩٩ (٤) مع الإتحاف ٨/ ٨٥، والمغنى ٣/ ٢٢٧ (٤) مع الاتحاف ٨/ ١٤٦، والمغنى مع الإحياء ٣/ ٢٨٦ (١) مع الاتحاف ٨/ ٢٦١، والمغنى مع الإحياء ٣/ ٣٤٤ (٢) مع الإتحاف ٨/ ٣٧٨، والمغنى مع الإحياء ٤/¬٢٨ مع الإتحاف ٨/ ٥٥٩، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٦٤ (١) مع الإتحاف ٩/¬١٣، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٧٣ (١) مع الإتحاف ٤/¬٣٣، والمغنى مع الإحياء ٤/ ١٠٣ (٢) مع الإتحاف ٩/ ٩١، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٢٣٠ مع الإتحاف ٤/ ٣٦١، والمغني مع الإحياء ٤/ ٣١٥ مع الاتحاف ٩/ ٦٠٤، والمغنى مع الإحياء =
[ ٥ / ١٨٦٢ ]
ومن تلك التعقبات ما ليس في محله عند التحقيق، فمن ذلك أن الغزالي ذكر في الإحياء من حديث أنس «حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عينى في الصلاة»
فقال العراقي في تخريجه: «حديث حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء وقرة عينى في الصلاة» وعزاه إلى النسائي والحاكم من حديث أنس، وقال: بإسناد جيد، وضعفه العقيلي (^١).
فقد تعقبه الزبيدي بما خلاصته: أن لفظ «ثلاث» لم ترد في روايات الحديث، وأن وجودها في الحديث يفسد المعنى، وأن الجواب عن وجودها غير متقن، ونقل عن السخاوي أنه لم يجدها إلا في موضعين من «الإحياء» وفي تفسير «آل عمران» من تفسير الكشاف.
وعلى ضوء ذلك تعقب الزبيدي العراقي بعدم تنبيهه على عدم وجود لفظ ثلاث هذا في المصادر الحديثية وخاصة ما عزاه إليها وهو المستدرك وسنن النسائي، وقال: مع أنه - أى العراقي - ذكر في أماليه أن هذه اللفظة ليست في شيء من كتب الحديث، وأنها تفسد المعنى (^٢).
والجواب عن هذا أن الحديث تكرر في الإحياء بعد هذا الموضع خمس مرات، منها ثلاثة مختصرة بدون ذكر لفظ «ثلاث» وقد خرجها العراقي، دون
_________________
(١) = ٤/ ٣٢٦ (٢) مع الإتحاف ٩/ ٦٢٨، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٣٤٨ (٤) مع الإتحاف ٩/ ٦٧٨، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٣٦٠ (١)، (٢) مع الاتحاف ١٠/¬٢٥، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٤٤٧ (٦) مع الإتحاف ١٠/ ٢٦٢.
(٢) ينظر الإحياء ومعه المغنى ٢/¬٣١ (٧).
(٣) ينظر الاتحاف ٥/ ٣١١.
[ ٥ / ١٨٦٣ ]
تعرض اللفظ ثلاث، وتابعه الشارح على هذا دون تعقب (^١).
وفي موضعين ذكر لفظ (ثلاث) فخرجهما العراقي ونبه على عدم وجود لفظ (ثلاث) في المصادر التي خرج الحديث منها، ونقل ذلك الشارح بنفسه عنه (^٢) فلعل الموضع السابق الذي انتقد الشارح فيه العراقي لم يذكر فيه لفظ (ثلاث) في نسخة العراقي من الإحياء، وبالتالي لم ينبه عليها كالمواضع الثلاثة السابقة التي لم يذكر فيها لفظ «ثلاث» فلم ينبه عليه في كل منها. وبذلك يتحقق قول السخاوي لم يقف عليه في الإحياء إلا في موضعين (^٣) ويرتفع عنه هو الآخر تعقب الزبيدي بوجود لفظ (ثلاث) في ثلاثة مواضع من الإحياء، بناء على ما في نسخته هو، التي هي غير النسخة التي رجع السخاوي إليها.
ثانيا: تعقبات واستدراكات مجتمعة في تأليف
وقد وقفت على ذكر كتابين في ذلك:
١ - تأليف للحافظ ابن حجر العسقلاني، تلميذ العراقي، وقد ذكره السخاوي بعنوان «الاستدراك على شيخه العراقي في تخريج الإحياء» ولم يتكلم عنه بشيء (^٤).
_________________
(١) ينظر المغنى مع الإحياء ٢/ ٣٥٨ (٢) مع الإتحاف ٧/ ١٠٤، والمغنى مع الإحياء ٣/ ٥٧ (١) مع الاتحاف ٧/ ٣٣٨، والمغنى مع الإحياء ٣/ ٩٨ (٥) مع الاتحاف ٧/ ٤٣٣.
(٢) ينظر المغنى مع الإحياء ٣/ ٢١٤ (١) مع الاتحاف ٨/ ١١٧، والمغنى مع الإحياء ٤/ ٢٨٩ (١) مع الإتحاف ٩/ ٥٥٢.
(٣) ينظر الاتحاف ٥/ ٣١١ والمقاصد الحسنة للسخاوى/ حديث (٣٨٠) بتحقيق/ محمد الخشت.
(٤) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر/ للسخاوى ١/ ٦٦٧ بتحقيق الأخ الفاضل: ابراهيم باجس.
[ ٥ / ١٨٦٤ ]
وذكره السيوطي باسم «الاستدراك على تخريج الإحياء للعراقي»، وذكر أنه مما شرع فيه الحافظ ابن حجر، وكتب منه اليسير (^١).
أما حاجي خليفة فذكر أن الحافظ ابن حجر استدرك في هذا الكتاب على شيخه العراقي ما فاته من تخريج «الإحياء» وأنه في مجلد (^٢)، وكذا قال الزبيدي (^٣).
ولكني لم أقف على ذكر نسخة خطية لهذا الكتاب، رغم البحث المضني، ولا على شيء من النقول عنه.
٢ - الكتاب الثاني من تأليف قاسم بن قطلوبغا المصري، الفقيه الحنفي، زين الدين، المتوفى سنة ٨٧٩ هـ، وهو تلميذ للحافظ ابن حجر صاحب الكتاب السابق.
وقد ذكر صاحب كشف الظنون أن ابن قطلوبغا سمى كتابه هذا «تحفة الأحياء فيما فات من تخاريج أحاديث الإحياء» (^٤).
وكذا ذكر صاحب الرسالة المستطرفة (^٥).
وعبارة «من تخاريج» تفيد أن الكتاب استدراك على كتب العراقي الثلاثة التي ألفها في تخريج الإحياء، كما تقدم.
_________________
(١) نظم العقيان للسيوطي/ ٤٩ - ٥٠.
(٢) كشف الظنون ١/¬٢٤.
(٣) الإتحاف ١/¬٤١.
(٤) كشف الظنون ١/¬٢٤، ٣٦١.
(٥) الرسالة المستطرفة للكتاني/ ١٩٠ بتحقيق محمد المنتصر الكتاني.
[ ٥ / ١٨٦٥ ]
لكن السخاوي - وهو ممن عاشر ابن قطلوبغا، وذاكره العلم - قال: «إتحاف الأحياء بما فات من تخريج أحاديث الإحياء» (^١)، وكذا سماه الزبيدي (^٢) فيفيد هذا أنه استدراك على كتاب واحد، من الثلاثة، والذي كمل منها واشتهر هو كتاب المغني هذا، فلعله هو المقصود بهذا الاستدراك، وسماه أيضا بهذا الإسم صاحب «إيضاح المكنون»، وزاد: أن أوله «الحمد لله الذي خص الأنبياء بالعصمة، ثم قال: الخ» (^٣) وهذه إضافة على من سبقه، هامة حيث تفيد أن الكتاب وُجد فعلًا، وأن صاحب ذيل كشف الظنون هذا مع تأخره كثيرا عن زمن المؤلف، قد وقف على نسخة من الكتاب، فنقل من بدايتها، أو يكون استفاد هذا ممن وقف على نسخة للكتاب.
لكني - رغم البحث المستقصى - لم يتيسر لي الوقوف على ذكر نسخة لهذا الكتاب، ولا على شيء من النقول عنه.
تعقيب: وعموما فإن ما قدمته من جوانب التعريف بكتاب «المغني» وبمنهج العراقي فيه، وجهوده الحديثية خلاله، كل ذلك يفيد أن التعقبات والاستدراكات عليه، سواء المتفرقة، أو المجتمعة في تأليف مستقل لكل من الحافظين ابن حجر وتلميذه ابن قطلوبغا، فإن ذلك لا يغض من قيمة الكتاب الحديثية؛ ولا من مكانة مؤلفه في ريادة مدرسة الحديث في عصره، ويؤيد ذلك ما قدمته من واقع دراسة وتحليل الكتاب: أن الذي فات العراقي تخريجه من أحاديث كتاب الإحياء التي شرط على نفسه تخريجها، تعتبر قلية جدا.
_________________
(١) الضوء اللامع للسخاوى ٦/ ١٨٦.
(٢) الإتحاف ١/¬٤١.
(٣) إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون لاسماعيل باشا البغدادي ١/¬١٤ نهر (٢).
[ ٥ / ١٨٦٦ ]
بالمقارنة بما خرجه، كما أن ما سيأتي من أثر الكتاب فيما بعده، يؤيد علو مكانته، وعمق تأثيره هو ومؤلفه.
أثر كتاب المغني فيما بعده:
تتفق المصادر التي ترجمت للعراقي على أن كتاب المغني هذا قد نال الشهرة والانتشار الواسعين منذ فراغ العراقي من تأليفه، فتلميذه ابن حجر، بعد أن ذكر التخريج الكبير قال: واختصر هذا، فسماه: «المغني» في مجلد واحد، وقد بيض وكتب منه نسخ (^١).
وفي إنباء الغمر قال: وكتب منه النسخ الكثيرة (^٢).
فكتابة تلك النسخ الكثيرة منه بعد الفراغ منه، دليل على كثرة الطلب الفوري له في حياة العراقي، وتلميذه ابن حجر.
ثم إن السخاوي تلميذ ابن حجر ذكر التخريجين: الكبير والمتوسط ثم قال: وصغير، وهو المتداول (^٣).
فقوله: وهو المتداول، دليل على استمرار الطلب للكتاب، والإقبال عليه، ولاسيما من طلبة العلم في عصر السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) بحيث أصبح متداولا بين أيديهم للاطلاع والاستفادة.
وأما تقي الدين ابن فهد المكي (ت ٨٧١ هـ) تلميذ العراقي بالإجازة، فقد ذكر التخريج الكبير للإحياء، ثم قال «ثم اختصره في مجلد ضخم،
_________________
(١) المجمع المؤسس لابن حجر ٢/ ١٨٢ بتحقيق الأخ الدكتور يوسف مرعشلي.
(٢) إنباء الغمر ٥/ ١٧١.
(٣) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٣.
[ ٥ / ١٨٦٧ ]
سماه (المغني عن حمل الأسفار …) فاشتهر، وكتب منه نسخ عديدة، وسارت به الركبان إلى الأندلس، وغيرها من البلدان؛ فبسبب ذلك تباطأ الشيخ عن إكمال تبييض الأصل (^١).
ومن هذا وغيره يتضح مدى انتشار الكتاب عالميا، في حياة مؤلفه، حتى كان له تأثيره في عدم إسراع الشيخ بإكمال تبييض الأصل وهو التخريج الكبير.
وفي ذلك تقرير صريح أن انتشار الكتاب والإقبال عليه، لم يقتصر على موطن إقامة العراقي، وهي مصر - على اتساعها وكثرة معاهد وطلاب العلم بها - ولكنه تجاوز ذلك حتى وصلت شهرته والطلب عليه إلى أقصى الحواضر العلمية للعالم الإسلامى حينذاك من جهة الغرب، وهي الأندلس، وقول ابن فهد: «وغيرها من البلدان» فيه تعميم ظاهر يشمل بقية الحواضر العلمية للعالم الإسلامي حينذاك، وهو في أقصى اتساعه، غربا، حتى الأندلس في أوربا، وشرقا حتى بلاد الهند في آسيا، كما هو معروف.
وقدمت في التعريف بنسخ الكتاب الخطية التي انتشرت حتى الآن في مكتبات العالم، ما يؤيد هذا.
وبجانب هذا الانتشار الواسع لنسخه، وتأثيرها في الإفادة الحديثية، حتى الآن، فإن العراقي قد قام أيضا بمدارسة الكتاب مع طلابه، وأثبت خطه على بعض نسخه بقراءة من قرأه عليه، وسماع من سمعه، مع الإجازة لكل منهم بأن يرويه عنه، وبذلك تواصل تأثير الكتاب، رواية، ودراية تعليمية في تقعيد.
_________________
(١) ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد - ضمن ذيول التذكرة/ ٢٣٠.
[ ٥ / ١٨٦٨ ]
وتطبيق قواعد علمي التخريج ودراسة الأسانيد.
وقد استمر تداول بعض تلك النسخ الموثقة بالقراءة والسماع، للنقل عنها، واحتكام العلماء والباحثين إليها في المواضع المشكلة، حتى عصر الطباعة الذي نحن فيه.
فالحافظ ابن حجر لما ذكر هذا الكتاب، ذكر أن شيخه العراقي ناوله إياه، وأنه سمع شيئا منه (^١).
وترجم السخاوي لعبد الرحيم بن محمد بن أبي بكر الهيثمي، ابن أخي الحافظ نور الدين الهيثمي، وأرخ وفاة عبد الرحيم هذا بعد الثلاثين وثمانمائة، وقال: إنه لازم العراقي، حتى قرأ عليه تخريج الإحياء وغيره من تصانيفه (^٢).
وذكر الزبيدي - شارح إحياء علوم الدين - والمتوفى سنة ١٢٠٥ هـ أنه وقف على نسخة من المغني للعراقي قرئت عليه، وعليها خطه، واحتكم إليها في موضع مشكل (^٣).
وكذا ذكر الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀ (^٤).
وقد طبع كتاب المغني بعد ذلك في حياة المعلمي، وتعددت طبعاته (^٥).
_________________
(١) ينظر المعجم المفهرس بالمجمع المؤسس لابن حجر/ كتاب رقم (١٧٩٢) بتحقيق/ محمد شكور.
(٢) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٨٥.
(٣) ينظر الاتحاف ١/ ٣٧٦.
(٤) ينظر الجرح والتعديل للرازى بتحقيق الشيخ المعلمى ٣/¬١٠ حاشية رقم (١).
(٥) وآخرها وأجودها طبعة مكتبة دار طبرية (أضواء السلف) حاليا، باعتناء الأخ الفاضل/ أشرف عبد المقصود.
[ ٥ / ١٨٦٩ ]
فصارت دليلا على استمرار الحاجة إليه، والاستفادة به.
وأثر هذا الكتاب في المؤلفات الحديثية بعده كبير، ومنتشر حتى وقتنا هذا، بحيث يصعب إحصاء الناقلين عنه، والمستفيدين منه، سواء مع موافقتهم للعراقي، واعتمادهم على ما ذكره فيه، وهذا هو الأكثر، أو مع تعقبه والاستدراك عليه، وهذا أقل.
وحيال هذا التأثير الواسع المتوالي، لا يسعني إلا ذكر بعض الأمثلة المنوعنة، دون حصر أو استيعاب.
وفي مقدمة ما يُذكر في هذا: أن أبرز تلاميذ العراقي وحافظ الدنيا من بعده، وهو أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني، كما تلقى الكتاب عن العراقي، مناولة وسماعا، كما أسلفت، فإنه نقل منه في بعض مصنفاته (^١).
وقد قدمت أنه وجد للحافظ ابن حجر تعقبات لشيخه على حواشي إحدى نسخ كتاب المغني الخطية، وأنه ألف كتابا في تخريج ما فات شيخه العراقي من أحاديث الإحياء، وهذا وذاك يعتبر دليلا على مراجعة تفصيلية للكتاب واستفادة ابن حجر منه فما ليس له عليه تعقب.
وأيضا الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) من أبرز تلاميذ ابن حجر العسقلاني، وقد نقل عن كتاب المغني هذا في غير واحد من كتبه الحديثية المتداولة (^٢).
_________________
(١) ينظر لسان الميزان له ٢/ ترجمة (٩١٦) مع المغنى ٤/ ٥٢٣ والجرح والتعديل للرازي ٣/¬١٠، واللسان ٧/ ترجمة (٣٦٣) مع المغنى ٣/ ٢٤١.
(٢) تنظر الأجوبة المرضية ٢/ ٧٥٠، ٨٤٢ بتحقيق الأخ الفاضل الدكتور/ محمد إسحق الهندي، والمقاصد الحسنة/ حديث (٥٠) مع المغنى ١/ ٢٣٦ (٣).
[ ٥ / ١٨٧٠ ]
والحافظ السيوطي - وهو معاصر السخاوي، ومنافسه - ت (٩١١ هـ)، قد أكثر النقل عن (المغني) في غير واحد من مؤلفاته الحديثية، وخاصة كتابه (اللآلئ المصنوعة) وذلك في تأييد تعقبه لحكم ابن الجوزي بوضع الأحاديث (^١).
وقد تابعه في غالب نقوله المحدث الناقد أبو الحسن عل بن محمد بن عراق (ت ٩٦٣ هـ)، وذلك في كتابه تنزيه الشريعة (^٢) في الفصل الثاني من فصول كل باب في الكتاب وهو الذي خصصه لما تعقب ابن الجوزي في الحكم عليه بالوضع، وفي الفصل الثالث أيضا وهو ما خصصه لما زاده السيوطي من عند غير ابن الجوزي، أو زاده هو على السيوطي، كما أنه صرح في مقدمة كتابه أن مما راجعه حال تأليف كتابه هذا، تخريج الإحياء للعراقي (^٣).
_________________
(١) ينظر اللآلئ المصنوعة ١/¬١٩ مع المغنى ١/ ١٠٧ (١)، واللآلئ ١/ ١١٦ مع المغنى ٤/ ٢٩٠ (٢) واللآلئ ١/ ١٥٤ مع المغنى ١/ ٨٨ (١)، واللآلئ ٢/ ٧٧ مع المغنى ٣/ ٢٣٨ (٨) واللآلئ ٢/ ٩٦ مع المغنى ٣/ ٢٤٠ (٢)، واللآلئ ١/ ١٧٧ مع المغني ٢/ ٥٥ (٥) واللآلئ ٢/ ٢١١ مع المغنى ٢/ ٣٦٩ (١)، واللآلئ ٢/ ٢٥٦ مع المغنى ٢/¬١٩ (٣) واللآلئ ٢/ ٣٠٣٠ مع المغنى ٣/ ١٥٠ (٢)، وتنظر الدرر المنتشرة للسيوطى/ ص ٥٩ حديث: بنى الدين على النظافة مع المغنى ١/¬٣٠ (٢). واللآلئ ٢/ ٣٢٧ مع المغنى ٤/ ٤٠٩ (١)، واللآلئ ٢/ ٣٢٨ مع المغنى ٤/ ٢١٦ (٤).
(٢) ينظر تنزيه الشريعة المرفوعة لابن عراق، بتحقيق شيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف، وشيخنا بالإجازة/ الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري - رحمهما الله - ١/ ٢٧١ - ٢٧٢ مع المغنى ١/¬١٣ (٣)، وتنزيه الشريعة ١/ ٢٧٧ مع المغنى ١/ ٧٠ (٤) والتنزيه ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤ مع المغنى ١٧ (٩) وتنزيه الشريعة ١/ ٣٠١ - ٣٠٢ مع المغنى ١/ ١٩٣ (٤) وتنزيه الشريعة ٢/ ١١٥ مع المغنى ١/ ١٠٧ (٢) وتنزيه الشريعة ٢/ ٣١٨ - ٣١٩ مع المغنى ١/ ٣٠٦ (٧).
(٣) ينظر تنزيه الشريعة ١/¬٤، ٥.
[ ٥ / ١٨٧١ ]
وأيضا العلامة نور الدين علي بن محمد بن سلطان، المشهور بالملا على القاري (المتوفى سنة ١٠١٤ هـ).
نقل عن كتاب المغني هذا في كتابه (الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة) المعروف بالموضوعات الكبرى، وذلك في أكثر من ثلاثين موضعا، كثير منها في بيان ما لا أصل له، أو ما لم يجده العراقي مطلقا، أو مقيدا (^١).
وأيضا محمد المدعو: عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١ هـ، وهو من ذوي أرحام الحافظ العراقي، حيث يقول المناوي: إن العراقي جدنا الأعلا من جهة الأمهات، كما قدمته (^٢) وقد أكثر النقل عن المغني في كتابه المعروف (فيض القدير شرح الجامع الصغير)، وفي مرات يصرح باسم كتاب المغني (^٣).
ومرات كثيرة لا يصرح، بل يكتفي بالعزو إلى العراقي فقط، ويُعرف كون النقل من المغني بمقابلة ما في الفيض بالموضع الموافق له في المغني (^٤).
_________________
(١) ينظر (الأسرار المرفوعة) لعلى القارى ط مؤسسة الرسالة سنة ١٣٩١ هـ/ الأحاديث ذات الأرقام: ١٧٦، ١٩٠، ٢١١، ٢٣٢، ٣٠٦، ٣٣٣، ٣٣٧، ٣٧٢، ٣٨٦، ٣٩٨، ٤١٥، ٢٠، ٥٣، ٥٧، ٦١، ٧٨، ٨١، ٨٤، ٨٨، ٩٠، ٩٥، ٩٦، ٩٧، ١٠٦، ١٠٩، ٤٢٢، ٤٤٢، ٤٦٣، ٤٨٧، ٤٩٣، ٥٠٤، ٥٣٧، ٥٣٨، ٥٤٦، ٦٠٣.
(٢) وينظر فيض القدير، شرح الجامع الصغير للمناوى ١/¬٣.
(٣) ينظر الفيض ١/ ٧١، ٢٥٦، ٥٢٢، ٥٣٣.
(٤) ينظر الفيض ١/ ١٥٢ مع المغنى ٢/¬٤ (٧)، والفيض ١/ ٢٤٣ مع المغنى ٢/¬٩ (٦)، والفيض ١/ ٣٥٥ مع المغنى ٤/ ١٢٩ (٣) والفيض ١/ ٥٢٣ مع المغنى ١/ ١٣٩ (١) والفيض ٢/ ٦٢ مع المغنى ١/ ٢٨١ (٣)، والفيض ٢/ ٨٩ مع المغنى ١/ ٣٠٥ (٢) والفيض ٢/ ٢٢٢ مع المغنى ٣/ ٢٤٠ (٦)، والفيض ٢/ ٥٢٩ مع المغنى ٢/ ١٩٤ (٢)، وغير ذلك كثير يظهر لمن طالع الكتابين وقارن بينهما.
[ ٥ / ١٨٧٢ ]
وأما أكثر الناقلين على الإطلاق من كتاب المغني هذا، والمتأثرين بما فيه، بحسب البحث والتتبع، فهو اللغوي المحدث الشهير: محمد بن محمد الزبيدي المعروف بمرتضى، المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ، فقد نقل في شرحه للإحياء، نسخة كاملة من كتاب المغني هذا، موزعة خلال شرحه الماتع الذي بلغ في طبعته الحالية عشرة مجلدات، وجعل لما ينقله من المغني في تخريج الحديث محل الصدارة، فيذكره أولا، ثم إن كانت هناك إضافات أو تعقبات يذكرها عقب ذلك، وقد كانت نسخته من المغني موثقة بوجود تعليقات عليها بخط الحافظ ابن حجر، أبرز تلاميذ العراقي وأخصهم بهذا الفن (^١)، وقد قرر الزبيدي في مقدمة شرحه أثر كتاب المغني هذا فقال: «ومن الكتب التي أعتمد على تخريج الأحاديث عليها: المغني عن حمل الأسفار، للحافظ العراقي، في مجلد، فأذكر كلامه عقيب الحديث، ثم أزيد عليه حسبما فتح الله علي في مطالعتى لكتب الفن» (^٢).
وهذا واضح الدلالة على الأثر الكبير لكتاب المغني هذا في جانب تخريج أحاديث الإحياء خلال شرح الزبيدي المذكور.
وهناك من ألف في جانب من الجوانب التي تناولها العراقي في كتابه هذا، فنجده قد نقل من هذا التخريج ما يتعلق بهذا الجانب، مثل الشيخ أبي المحاسن محمد بن خليل القاوقجي الطرابلسى الأزهرى المتوفى سنة ١٣٠٥ هـ. فقد ألف كتابا في الأحاديث الموضوعة، والتي قيل: إنه لا أصل لها،
_________________
(١) ينظر الاتحاف ٩/ ٩١.
(٢) ينظر إتحاف السادة المتقين للزبيدي ١/¬٤.
[ ٥ / ١٨٧٣ ]
وسماه «اللؤلؤ المرصوع، فيما لا أصل له أو بأصله موضوع» وقال في مقدمته:
وضعت هذا اللؤلؤ المرصوع، مختصرًا فيه على ما قيل: لا أصل له، أو بأصله موضوع، ورتبته على حروف المعجم … (^١).
وقد نقل القاوقجي عن المغني في هذا الكتاب في أزيد من عشرين موضعا، أكثرها مما قيل فيه: «لا أصل له»، أو قال العراقي: لم أجد له أصلا، مطلقا، أو مقيدا، وقد لا يصرح المؤلف باسم كتاب «المغني» ولكن يعزو إلى العراقي فقط، أو إلى «العراقي في تخريج الإحياء»، ويعرف أن المنقول من «المغني» عند المقارنة لما ذكره المؤلف بما في الموضع الموافق له في المغني (^٢).
وهناك من جرد الأحاديث التي حكم عليها العراقي في كتاب المغني هذا بأنه «لا أصل لها» أو «بأنه لم يجد لها إسنادا»، أو «لم يجدها»، مطلقا، أو مقيدا بالوجه الذي وردت به في الإحياء، وجعل ذلك في تأليف خاص، مثلما صنع أحد علماء العراق وهو الشيخ محمد أمين بن على السويدي العباسي البغدادي، أبو الفوز، المتوفى سنة ١٢٤٦ هـ (^٣)، حيث ألف كتابا سماه «الاعتبار في حمل الأسفار» وقال في مقدمته: لما كانت الأحاديث الواقعة في كتاب: «إحياء علوم الدين» للغزالي، الإمام، قد تكلم فيها العلماء الأعلام، لأن منها ما هو موضوع ظاهر وضعه، ومنها ما هو مشهور على الألسنة؛ لكنه لا يوجد له إسناد، تعرض لها الشيخ الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي،
_________________
(١) ينظر اللؤلؤ الموضوع للقاوقجي/ بتحقيق الشيخ فؤاد زمرلي/ ٢٧
(٢) ينظر «اللؤلؤ المرصوع»، وحواشي المحقق له/ صفحات: ٣٤، ٤٨، ٥٠، ٥٧، ٥٨، ٦٣، ١٠٦، ١٢٤، ١٣٥، ١٥٧، ١٦٢، ١٨٧، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢١١
(٣) ينظر الأعلام للزركلي ٦/ ٢٦٧
[ ٥ / ١٨٧٤ ]
فصنف كتابا سماه «المغني عن حمل الأسفار …» جمع فيه أحاديث «الإحياء» وتكلم عليها، وبينها بيان شفاء، فأحببت أن ألخص من كتابه الأحاديث التي ذكر أنها لا إسناد لها، فقط .. وسميته: «الاعتبار في حمل الأسفار» (^١).
وقد أورد السويدي في هذا الكتاب (٢٧١) حديثا، بعضها مما عزاه العراقي الموضوعات ابن الجوزي، ولم يتعقبه، وأكثرها قال فيه العراقي: لم أجده، أو لم أجد له أصلا، مع الإطلاق أو التقييد، كما قدمت في منهجه، ولذلك ختم السويدى الكتاب بقوله: هذه الأحاديث التي لا يوجد لها أصل، المنقولة من تخريج «الإحياء» (^٢) وبمقابلة ما ذكره السويدي، مع المواضع الموافقة له في كتاب «المغني» نجد أنه لم يستوعب في تأليفه هذا النوع الذي خصص كتابه هذا له، ولذلك تعقب عليه الأخ محقق الكتاب (٣٦) حديثا آخر عنونها بقوله «الإخبار بما فات من أحاديث الاعتبار» وجعله عقب نهاية كتاب «الاعتبار» (^٣).
وفي عصرنا الحاضر قام فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ بالإسهام الكبير في إحياء مدرسة الحديث في المشرق الإسلامي، ومن أبرز ما ساهم به في ذلك تأليف كتابيه المشهورين؛ كتاب «سلسلة الأحاديث
_________________
(١) ينظر الاعتبار/ ص ١٥ بتحقيق على رضا بن عبد الله، ويليه «الإخبار بما فات من أحاديث الاعتبار» وهو استدراك من المحقق على مؤلف «الاعتبار» وقد عنون الكتاب في طبعته هذه هكذا «الموضوعات في الإحياء، أو الاعتبار في حمل الأسفار»، ط مكتبة لينة بدمنهور - مصر سنة ١٤١٤ هـ.
(٢) ينظر الاعتبار/ ص ١١٦.
(٣) ينظر ص ١١٨ - ١٢٤ بآخر «الاعتبار».
[ ٥ / ١٨٧٥ ]
الضعيفة» وكتاب (سلسلة الأحاديث الصحيحة)، وقد قرر ﵀ أن كتاب (المغني) هذا يعتبر من كتب التخريج التي سهلت لمن بعدها معرفة درجة الأحاديث (^١) ثم تطابق قوله هذا مع الأثر الفعلى لهذا الكتاب في سلسلتيه المذكورتين، حيث نقل عنه في كل منهما في كثير من المواضع، مع الموافقة لحكمه على الأحاديث، وهذا هو الكثير، أو مع المخالفة والتعقب وهو القليل (^١).
الاستنتاج العام لأثر الكتاب:
وبتلك النماذج المتولية لأثر كتاب المغني منذ أنجزه العراقي، وحتى عصرنا الحاضر، يمكن للقارئ المتتبع تصور الأثر الحديثي الكبير والمتتابع لهذا الكتاب، سواء في التكوين العلمي لمن جاء بعد العراقي من المشتغلين بعلوم السنة، أو في المؤلفات في ذلك، ولاسيما في علمى التخريج ودراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث عموما.
_________________
(١) تنظر السلسلة الصحيحة ١/ أحاديث: (٣٤، ٥٢، ١٣١، ٢٠٤) و٢/ أحاديث: (٥٠٣، ٦٢٥، ٦٦٤). وتنظر السلسلة الضعيفة ١/ أحاديث: (٢، ٤، ٧، ١٠، ١١، ١٤، ١٦، ٢٩، ٣٤، ٣٨، ٤٩، ٥٢، ٥٣، ٥٩، ٩٦، ٩٧، ١٢٤، ١٢٦، ١٥٩، ١٧٣، ١٧٥. وج ٢/) أحاديث: (٥٠٥، ٥٠٧، ٥٤١).
[ ٥ / ١٨٧٦ ]
تخريج أحاديث وآثار كتاب: منهاج الوصول إلى علم الأصول
أولا: التعريف بكتاب منهاج الوصول، واعتناء العلماء به.
هو كتاب مختصر في أصول الفقه، ألفه القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد، المعروف بالقاضي البيضاوى، الشافعي، المتوفى سنة ٦٩١ هـ وقيل سنة ٦٨٥ هـ (^١)! وقد أخذ الكتاب تسميته من قول المؤلف في مقدمته: «وإن كتابنا هذا، منهاج الوصول إلى علم الأصول …» (^٢).
وقد وصف ابن كثير الكتاب بأنه مشهور، ولقب مؤلفه بأنه صاحب المنهاج (^٣) وقال ابن قاضي شهبة: لو لم يكن له غير المنهاج، الوجيز لفظه، المحرر، لكفاه (^٤).
وقال تقى الدين السبكي: إنه من أحسن المختصرات في أصول الفقه (^٥).
_________________
(١) ينظر طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين بن السبكى ٨/ ١٥٧ - ١٥٨ أصل وحاشية/ بتحقيق الأخوين الدكتور/ عبد الفتاح الحلو والدكتور/ محمود الطناحي - رحمهما الله تعالى. وطبقات الشافعية لجمال الدين الإسنوي ١/ ١٣٦ بتحقيق كمال الحوت، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٢٢٠ بتحقيق الدكتور/ عبد العليم خان، والبداية والنهاية لابن كثير بتحقيق معالي الدكتور/ عبد الله التركى ١٧/ ٦٦، والوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي ٧/ ٣٧٩، وبغية الوعاة للسيوطى ٢/¬٥٠ بتحقيق د/ محمد أبو الفضل إبراهيم.
(٢) ينظر مقدمة المنهاج مع الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج للغماري/ ١٩.
(٣) تنظر البداية والنهاية ١٧/ ٦٦.
(٤) طبقات الشافعية له ٢/ ٢٢٠.
(٥) الابهاج في شرح المنهاج لتقي الدين السبكي، وولده تاج الدين ١/¬٦ ط دار الكتب العلمية - بيروت.
[ ٥ / ١٨٧٧ ]
وقد كان الكتاب فى عصر العراقى من المقررات الدراسية، بحيث إن طلاب العلم، بعد حفظهم للقرآن الكريم، يجعلون هذا الكتاب من ضمن كتب، المتون التى يحفظونها (^١)، ويقرؤونها على الشيوخ البارزين من فقهاء الشافعية، مع البحث والدراسة (^٢)، ولهذا نال الكتاب الشهرة الواسعة بين طلاب العلم، والعناية الفائقة من العلماء بخدمته، تارة بنظمه، وتارة بشرحه، وتارة بتخريج أحاديثه وآثاره المصرح بها فيه، والمشار إليها (^٣).
بل قال الإسنوى، شيخ العراقي: «إن أكثر المشتغلين بعلم أصول الفقه فى عصره، قد اقتصروا من كتبه على المنهاج، لكونه صغير الحجم، كثير العلم مستعذب اللفظ، ثم ذكر أنه لازمه درسا، وتدريسا» (^٤).
وقد جمع العراقى فى العناية بهذا الكتاب بين نظمه شعرا، لتسهيل حفظه، كما سيأتى، وبين تخريج أحاديثه وآثاره فى كتابه الذى نحن بصدده.
ثانيا: ممن شارك العراقى فى تخريج أحاديث الكتاب وآثاره:
قد سبق العراقى إلى تخريج أحاديث وآثار هذا الكتاب، الحافظ بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ، وذلك مع تخريج
_________________
(١) طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ٤/¬٢٠ - ٢١، ٧١.
(٢) مقدمة الابتهاج فى شرح المنهاج ١/¬٦.
(٣) المعتبر فى تخريج أحاديث المنهاج والمختصر للزركشى/ ٢٣ بتحقيق الشيخ حمدى السلفى. وكشف الظنون ٢/ ١٨٧٨ - ١٨٨٠، وطبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ٢/ ٢٤٧، ٣٠٨، ٣٠٩، ٣١٠، ٣٧٥ و٣/¬٩، ٣٩، ٦٠، ٩٦، ١٣٥، ١٤٣ و٤/ ٥٦، ٥٨، ٨٩، ووجيز الكلام فى الذيل على دول الإسلام للذهبى - تأليف محمد بن عبد الرحمن السخاوى ١/¬٣٩، ١٨١، ٣١٧، ٣٦٢، ٥٣٦ ط مؤسسة الرسالة سنة ١٤١٦ هـ.
(٤) نهاية السول شرح منهاج الأصول للإسنوى مع شرح البدخشى ١/¬٤.
[ ٥ / ١٨٧٨ ]
أحاديث وآثار كتاب آخر في أصول الفقه أيضا، وهو «مختصر منتهى السول والأمل» لابن الحاجب المالكي، وسمى الزركشي كتابه «المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر» (^١). كما خرج أحاديثه وآثاره أيضا قرين العراقي الحافظ سراج الدين، عمر بن علي المعروف بابن الملقن ت (٨٠٤) ويسمى «تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج» (^٢) وقد جاء في آخره أنه وافق تعليقه يوم الخميس ٢٦ من شوال سنة ٧٥٥ هـ.
في حين لم أجد تاريخا محددا لتأليف العراقي لكتابه، كما سيأتي، وبالتالي لا يتيسر لى تحديد السابق منهما.
وفي عصرنا الحاضر قام شيخنا بالإجازة، الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري ﵀ بتخريج أحاديثه وآثاره في كتاب سماه «الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج» (^٣).
وهذه الكتب الثلاثة مطبوعة حاليا، وستأتى بعض الأمثلة منها في المقارنة بتخريج العراقي هذا.
ثالثا: تسمية الكتاب، وثبوت نسبته إلى العراقي، وزمن تأليفه له:
لم أجد تصريح العراقى بتسمية معينة لهذا الكتاب، مثل التسميات السابقة
_________________
(١) ينظر المعتبر/ ٢٤ بتحقيق الشيخ حمدى السلفي.
(٢) ينظر مقدمة تحقيق الكتاب ص ٥، ٧ حيث عنونت نسختان من مخطوطاته بهذا، خلافا لما سماه به صاحب الرسالة المستطرفة ص ١٨٧ أنه يسمى «تحفة المحتاج إلى أحاديث المنهاج» لأن المسمى بهذا الاسم، كتاب آخر له، وهو في تخريج أحاديث منهاج الطالبين للنووي، وهو في الفقه الشافعي.
(٣) ينظر الابتهاج مع المنهاج/ ١٩.
[ ٥ / ١٨٧٩ ]
لكتب غيره ممن ألف في تخريج أحاديث الكتاب، وأيضا من ترجموا للعراقي من تلاميذه وغيرهم، وعددوا مؤلفاته ذكروا أن له كتاب «تخريج أحاديث منهاج البيضاوى»، ولم يذكر أحد منهم له تسمية معينة (^١).
ونسخته الخطية المنقولة عن نسخة «سبط ابن العجمى» تلميذ العراقي، المنقول عن نسخة العراقي، قد عنونت بـ «تخريج أحاديث منهاج البيضاوى» (^٢).
وعنوت نسخة الظاهرية بـ «تخريج أحاديث منهاج الأصول للبيضاوى، تأليف العلامة، شيخ المحدثين، عبد الرحيم بن الحسين العراقي ..» (^٣) وقد حصلت على نسخة مصورة عنها كما سيأتي.
أما نسخة المكتبة الأزهرية التي سيأتى التعريف بها، فعنوانها «ذكر الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج الأصول، تأليف الحافظ الكبير … عبد الرحيم بن الحسين العراقي ﵀».
وهذا العنوان هو الأقرب مطابقة لمضمون الكتاب، لكن كان الأولى التعبير بكلمة «تخريج» بدل كلمة «ذكر» التي في أول العنوان، لأن واقع الكتاب هو ذكر الأحاديث والآثار الواقعة فى المنهاج، وتخريجها، وليس ذكرها فقط.
فكاتب هذه النسخة تساهل في التعبير بكلمة «ذكر» بدل «تخريج»، ولكنه أصاب في ذكر الآثار مع الأحاديث طبقا لواقع الكتاب، ولم يقتصر على ذكر الأحاديث فقط في العنوان، كما فعل من كتب النسختين السابق ذكرهما.
_________________
(١) الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٥ والأعلام لابن قاضي شهبة ٤/ ق ٢١٩/ ب/ مخطوط، وبهجة الناظرين للغزى/ ص ١٣٠ مخطوط، وذيول تذكرة الحفاظ/ ٢٣٢.
(٢) ينظر المنتخب من المخطوطات العربية في حلب/ ٧٨ - ٧٩.
(٣) ينظر المنتخب من مخطوطات دار الكتب الظاهرية للشيخ الألباني ﵀/ ٣٥٨.
[ ٥ / ١٨٨٠ ]
وأيضا أحسن فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي في عنونة طبعته المحققة لهذا الكتاب بـ «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي» فهذا هو الاسم المطابق لواقع الكتاب فعلا، كما سيأتي توضيحه.
ومما تقدم عمن ترجموا للعراقي، وعن عناوين بعض نسخ الكتاب الخطية يتضح لنا ثبوت نسبة هذا الكتاب إلى الحافظ العراقي، وسيأتي أيضا نسبته إليه ممن نقلوا عنه في مؤلفاتهم.
وقد ذكر تلميذ العراقي وملازمه «سبط ابن العجمي» أن شيخه أخبره بأنه عمل تخريج أحاديث البيضاوي بين الظهر والعصر (^١).
وهذه كما ترى ساعات قليلة، ولم يعهد من العراقي التسرع في إنجاز مؤلفاته، صغيرة كانت أو كبيرة، بل كان شأنه التأني في عمومها، وما تقدم من مراحل تأليفه لتخريج أحاديث «الإحياء» يؤيد ذلك.
لكن «سبط ابن العجمي» ذكر هذا في معرض بيان مهارة شيخه العلمية، وسعة اطلاعه، وسرعة استحضاره، بحيث عول في تأليف هذا الكتاب على حفظه بالدرجة الأولى، مع خبرة سابقة بمواضع الأحاديث والآثار التي يحتاجها، ولاسيما في المصادر الضخمة التي عزى إلى بعضها، مثل سنن البيهقي الكبرى، وصحيح ابن حبان، مع ترتيبه العسر لأحاديثه على التقاسيم والأنواع، هذا فضلا عن بيانه لدرجات الأحاديث في الغالب، كما سيأتي.
وإذا كان سبط ابن العجمي ﵀ قد نقل إلينا عن شيخه العراقي المدة التي استغرقها في تأليف كتابه هذا، فإنه لم يبين لنا في أي سنة ألفه؟
_________________
(١) ينظر الضوء اللامع للسخاوي ٤/ ١٧٥.
[ ٥ / ١٨٨١ ]
وقد سبق في ترجمة السبط ضمن تلاميذ العراقي، أن رحلته الأولى إلى مصر وتلمذته للعراقي بها بدأت سنة ٧٨٠ هـ، واستمرت نحو خمس سنوات قرأ على العراقي فيها عددًا من مؤلفاته، ثم رحل مرة ثانية سنة ٧٩٦ هـ واستمر في التلمذة على العراقى نحوًا من خمس سنوات أخرى، فتكون نهايتها، في نهاية سنة ٨٠١ هـ تقريبا، وسيأتى أن «السبط» قد قرأ الكتاب على شيخه العراقي، ونسخ لنفسه نسخة من نسخة شيخه كذلك، ومقتضى هذا أن يكون العراقي قد فرغ من تأليف هذا الكتاب قبل نهاية سنة ٨٠١ هـ على وجه التقريب.
ويبدو أن العراقي لم يقصر جهده في تأليف الكتاب على الساعات القليلة التي أنجز أصله فيها، ولكن أعاد النظر فيه مرة أخرى، فأضاف بعض ما فاته، حيث جاء في بعض نسخ الكتاب الآتى ذكرها: «أثر عمر ﵁ قال: أقضى في الجد برأيي» وقال العراقي: لم أجده. وفي نسخة أخرى ذكر بدل عبارة «لم أجده» عبارة «البيهقي في سننه الكبرى» والأثر فعلا في سنن البيهقى الكبرى (^١) وذكر عقب هذا الأثر، أثرًا آخر عن عثمان ﵁: «إن اتبعت رأيك فسديد، وإن اتبعت رأى من قبلك فنعم الرأى» وترك موضع تخريجه في بعض النسخ بياض، وفي بعضها بدل البياض، وَجَدْتُ عبارة «البيهقى في سننه»، والأثر في سنن البيهقي الكبرى فعلًا (^٢).
_________________
(١) تنظر نسخة الظاهرية/ ق ٧٩/ أ مع طبعة التخريج التي بتحقيق الأستاذ صبحي السامرائي/ أثر رقم (٥) وطبعته بتحقيق الشيخ محمد بن ناصر العجمي/ أثر رقم (٥) مع تعليقه برقم (١) و(٢).
(٢) ينظر الإحالة التي في التعليق السابق أثر رقم (٦).
[ ٥ / ١٨٨٢ ]
رابعًا: نُسَخُ الكتاب الخطية، وطبعاته، وتقويمُهما.
عندما كنت أبحث عن مؤلفات العراقي الواردة في تراجم العلماء له، لأتبين الموجود منها والمفتقد، مكثت عامين كاملين، وأنا لا أجد ذكرًا لأي نسخة خطية لهذا الكتاب في فهارس المخطوطات بمصر، فضلًا عن وجوده مطبوعًا، ولم يكن الحصول على بعض نسخه الخطية من خارج مصر ميسورًا، ثم هيأ الله تعالى إلى أخا فاضلًا، وهو الأخ الدكتور/ همام عبد الرحيم سعيد، عندما كان يعد رسالته للدكتوراه بكلية أصول الدين بالقاهرة، فأفادني - مشكورًا - بأنه توجد نسخة خطية للكتاب بالمكتبة الظاهرية بدمشق (مكتبة الأسد) حاليًا، ثم أضاف فضلًا آخر بإحضار نسخة ورقية منها إلى، وسيأتي التعريف بها، فحمدت الله تعالى على ذلك، وشكرت للأخ الفاضل حُسن صنيعه.
ثم كانت هذه النسخة فاتحة خير لإحياء شأن هذا بمصر، فقد أعثرني الله تعالى - بمحض الصدفة - بعد ذلك على نسخة أخرى للكتاب بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة، رغم أنها لم تذكر في فهارسها المطبوعة، ثم وقفت بعد ذلك على ذكر عدة نسخ أخرى خطية للكتاب، بلغ انتشارها في حواضر العالم الإسلامي من الهند شرقًا، حتى المملكة المغربية غربًا، ومنها ما هو جيد التوثيق، وسأعرف بمجموع ما تيسر لي معرفته من نسخه الخطية فيما يلي: -
١ - نسخة المكتبة الظاهرية السابق الإشارة إليها، وهي ضمن مجموعة برقم (٣٩٦٣) عام.
وعدد أوراقها عشر ورقات من (٧٠/ أ - ٨٠/ أ) من المجموعة المشار إليها. وقد حصلت على نسخة ورقية منها بمعونة الأخ الدكتور/ همام.
[ ٥ / ١٨٨٣ ]
عبد الرحيم، كما أسلفت.
وعنوانها «تخريج أحاديث منهاج الأصول للبيضاوي» تأليف العلامة، شيخ المحدثين، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، تغمده الله برحمته … وبهذا العنوان ذكرها الشيخ الألباني ﵀ (^١).
وتعتبر تلك النسخة من أكمل نسخ الكتاب الخطية نصا، رغم أني لم أجد عليها شيئًا من علامات التوثيق، مثل بلاغ المقابلة بأصلها أو بغيره، أو إثبات القراءة أو السماع، ونحو ذلك، ولم يُذكر اسم ناسخها، ولكن ذكر في آخرها تاريخ نسخها هكذا «نجز بحمد الله وعونه وحسن توفيقه (سنة) (٦) بعد الألف» وخط هذه النسخة، نسخ معتاد، وعدد سطور الصفحة (١٧) سطرًا.
٢ - نسخة المكتبة الأزهرية، وهى أيضا ضمن مجموعة، برقم (١٧٢) مجاميع، وهذا مما سبب خفاءها على من فهرس هذه المجموعة، فلم يذكرها كما قدمت، وعدد أوراقها (٨) ورقات (من ق ٣٩/ ب - ٤٧/ ب) وعدد سطور الصفحة (٢٣) سطرًا، وخطها معتاد، قريب إلى «الرقعة».
وقد طلبت هذه المجموعة للاطلاع على تخريج أحاديث المنهاج لابن الملقن، لأنه هو الذي ذكر في فهرس المكتبة المطبوع (^٢)، وذكر المفهرس أن نسخة تخريج ابن الملقن هذا من (ق ٢١ - ٤٦).
وهذا خطأ، فتخريج ابن الملقن ينتهى فى (٣٩/ أ) ثم يليه نسخة تخريج.
_________________
(١) المنتخب من مخطوطات دار الكتب الظاهرية له/ ٣٥٨.
(٢) ينظر فهرس المكتبة الأزهرية ١/ ٤٢٦.
[ ٥ / ١٨٨٤ ]
العراقي هذه، كما قدمت.
ولكن تشابه الخط، واتفاق موضوع الكتابين، ساعدا على عدم تنبه المفهرس لكتاب العراقي، مع أنه قد عُنون بعنوان مستقل هكذا «ذكر الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج الأصول، تأليف الحافظ الكبير … عبد الرحيم بن الحسين العراقي ﵀».
ومن هذا الترحم على المؤلف، يفهم أن النسخة كتبت بعد وفاته، وتشبه تلك النسخة سابقتها من حيث خلوها من علامات التوثيق، وعدم بيان الأصل المنسوخة عنه، ولا تحديد تاريخ النسخ ولا اسم الناسخ.
وبالفحص التفصيلي والمقارنة بنسخة الظاهرية السابقة تبين لي وجود فروق بينهما، تدل على عدم رجوعهما إلى أصل واحد، كما تدل على أن نسخة الظاهرية في عمومها، أقل سقطا من هذه النسخة.
وقد قامت هيئة «اليونيسكو» للعلوم والثقافة بتصوير هذه النسخة مع نسخة تخريج ابن الملقن على «ميكروفيلم» أودعته دار الكتب المصرية برقم (١٣١١) وذكر في الفهرس على أنه كتاب واحد فقط هو كتاب ابن الملقن (^١).
٣ - نسخة بالمكتبة الأحمدية بحلب، ضمن مجموعة تضمها هي والتخريج المختصر للإحياء تحت رقم (٢٣٢) مجاميع الحديث، وعدد أوراقها (٦) ورقات، وعدد سطور الصفحة (٢٥) سطرًا، وهى نسخة جيدة، وموثقة حيث ذكر مفهرسها أنها منقولة من نسخة سبط ابن العجمي التي نقلها من
_________________
(١) ينظر قائمة المخطوطات المصورة و«بالميكروفيلم» من مكتبة الأزهر وأروقته بواسطة وحدة و«اليونيسكو» سنة ١٩٦٤ م/ ص ٥٤
[ ٥ / ١٨٨٥ ]
نسخة شيخه المصنف، لكن لم يذكر اسم ناسخها، ولا تاريخ نسخها (^١). وتوجد منها نسخة «ميكرو فيلمية» بمديرية إحياء ونشر التراث العربي بسوريا (^٢).
٤ - نسخة أخرى بالمكتبة الأحمدية بحلب أيضا برقم (٣٠٨) مجاميع، عدد أوراقها (٤) ورقات، وعدد سطور الصفحة (٢٧) سطرا، وخطها جيد، ومضبوط بالشكل، ولم يذكر اسم ناسخها أيضا ولا تاريخ النسخ (^٣).
٥ - نسخة بمكتبة داماد ابراهيم باشا برقم (٣٩٦) ضمن مجموع، وتلك المكتبة ألحقت مخطوطاتها بالمكتبة السليمانية باستامبول - بتركيا. وتعتبر هذه النسخة أوثق ما عرفته من نسخ الكتاب، وأفيدها في بيان أثره الحديثي كما سيأتي.
وعدد أوراقها (١٥) ورقة، وعدد سطور الصفحة (١١) سطرا، وخطها نسخ جميل، ومضبوط بالشكل، وناسخها كما جاء في آخر المجموع «عمر ابن نصر الله بن اسماعيل الإربلي الأصل، الحلبي، وهو من طلاب علم الحديث، كما يفهم من طبقة السماع التي بآخر النسخة، كما سيأتي. وتاريخ النسخ سنة ٨٦٧ هـ، وفي آخرها طبقة سماع بقراءة والد كاتب النسخة، على أحد تلاميذ سبط ابن العجمى، وهو محمد بن ابراهيم بن
_________________
(١) ينظر فهرس المكتبة الأحمدية بحلب ص ١٢ والمنتخب من المخطوطات العربية في حلب/ ٧٨ - ٧٩.
(٢) ينظر فهرس المخطوطات المصورة بتلك المديرية/ إعداد عدنان درويش سنة ١٩٦٩ م/ نشرة رقم (٤) / ص ١٦.
(٣) ينظر المنتخب من المخطوطات العربية في حلب/ ٧٩.
[ ٥ / ١٨٨٦ ]
محمد السلامي، بخطه، وسيأتي ذكر نص هذه الطبقة في بيان أثر الكتاب فيما بعده.
وعلى حواشي النسخة تعليقات حديثية بخط دقيق، منسوبة إلى سبط ابن العجمي، ومذكور أنها نقلت من خطه، وفيها إضافة تخريج بعض الأحاديث من مصدر غير الذي عزاه العراقي إليه (^١).
٦ - نسخة بالمكتبة الناصرية بمدينة (لكنو) بالهند، وتوجد منها صورة ميكروفيلمية بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. برقم (٣٥٧١)، وعدد أوراقها (٧) ورقات، وكل صفحة فيها (٢٧) سطرا، وخطها نسخ جيد، وناسخها كما في آخرها هو (حسين حامد بن مولانا السيد حسين المعماني) فرغ منها في ظهر يوم ٢٦ شعبان سنة ١٣٢٤ هـ (^٢) ورغم تأخر تاريخ نسخها كما ترى، فإنه كتب بصفحة العنوان منها، ما يدل على أنها نقلت من نسخة مكتوبة في حياة المؤلف، حيث دعى له في عنوان نسخة الأصل المنقولة عنه، بتمتع المسلمين بحياته. فهذا يدل على وثاقة تلك النسخة في عمومها.
٧ - نسخة ذكرها الشيخ عبد الحي الكتاني ﵀ في ترجمة ابن العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين المعروف بأبي زرعة ابن العراقي) فقال الشيخ الكتاني: (وعندي خطه على أول تخريج أحاديث المنهاج، للبيضاوى، لوالده (^٣) فهذا يفيد توثيق تلك النسخة في عمومها باطلاع ولد
_________________
(١) تنظر مقدمة تحقيق تخريج أحاديث المنهاج للعراقي، المحققه الشيخ محمد بن ناصر العجمي/ ٢٢ - ٢٣.
(٢) تنظر مقدمة تحقيق تخريج أحاديث المنهاج السابقة/ ٢٣.
(٣) فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ١١١٩ ط ثانية.
[ ٥ / ١٨٨٧ ]
المؤلف وتلميذه أبو زرعة ابن العراقي عليها، والتوقيع عليها بخطه، وقد نُقِلَتْ مكتبة الشيخ الكتاني ﵀ بمحتوياتها النفيسة من المخطوطات، إلى مكتبة القرويين بمدينة فاس، بالمملكة المغربية، ورمز لها في فهارس المكتبة بحرف (ك) فيمكن الرجوع إلى تلك النسخة في مكتبة القرويين هذه.
تعقيب: وباستعراض تلك النسخ الخطية للكتاب، يتضح ما قدمته، من انتشاره مخطوطا في أنحاء البلاد الاسلامية، من أقصى الشرق بالهند، إلى أقصى الغرب بالمملكة المغربية.
خامسا: طبعات الكتاب وتقويمها:
رغم حصولي على صور لأكثر من نسخة خطية للكتاب، منذ أكثر من عشرين سنة، ودراستى التفصيلية للكتاب كما ترى من خلال تلك النسخ، فإن مشاغلى الدراسية لم تسمح لى بطبعه محققا. فهيأ الله لغيري من الأساتذة الأفاضل القيام بهذه المهمة، وفى إعداد هذه الرسالة للطبع استفدت ممن سبقني إلى طبع الكتاب محققا، كما ترى في إحالاتي بالحواشي. وأول من عرفته قام بتحقيق هذا الكتاب ونشره هو الأستاذ صبحي البدرى السامرائى العراقى، الذى جمعتنى وإياه بعض المجالس العلمية بمدينة الرياض بالسعودية.
وقد اعتمد الأستاذ في نشرته على نسخة واحدة فقط، هي نسخة المكتبة الظاهرية السابق ذكرها.
ونشرت طبعته هذه ضمن مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة جامعة الملك عبد العزيز (أم القرى حاليا).
[ ٥ / ١٨٨٨ ]
وذلك فى العدد الثانى من المجلة سنة ١٣٩٩ هـ (من ص ٢٧٩ - ٣١٣).
ثم أعيدت هذه الطبعة مستقلة عن المجلة فى دار الكتب السلفية بالقاهرة لصاحبها/ شرف حجازى ﵀.
ولم يظهر على النسخة التي لدى من تلك الطبعة تاريخ الطبع.
وهاتان الطبعتان أهم ما يميزهما، هو سبقهما في إخراج الكتاب إلى عالم الطباعة، وبالتالى اتساع دائرة انتشاره، والاستفادة منه لطلاب علوم السنة، والشريعة.
لكنهما اشتملتا على تحريفات متعددة، وسقط، وخلل في بعض المواضع في ترتيب النص، كما جاء عنوان الكتاب في مقدمة المحقق، وفي عنوان الطبعتين هكذا «تخريج أحاديث مختصر المنهاج، في أصول الفقه» وكلمة «مختصر» ذكرها خطأ محض، ومخالف لعنوان النسخة الوحيدة التي اعتمد الأستاذ المحقق عليها.
٢ - ثم طبع الكتاب مرة ثالثة سنة ١٤٠٩ هـ في دار البشائر الإسلامية، ببيروت، بعنوان «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي» وهذا هو العنوان المطابق لواقع الكتاب، فعلا، كما أشرت من قبل.
وهذه الطبعة بتحقيق فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي، الكويتى.
مع تعليقه على الكتاب بتحديد مواضع الحديث أو الأثر فيما عزاه العراقي إليه من المصادر، مع زيادات فى العزو إلى مصادر أخرى، وبيان لأحوال بعض الرواة، ولدرجات الأحاديث على ضوئها.
وقد اعتمد فضيلة المحقق في تحقيق نص الكتاب على النسخة التركية السابق
[ ٥ / ١٨٨٩ ]
ذكرها وجعلها أصلا، وعلى نسختي الظاهرية والهند السابقتين، لاستكمال وتصويب بعض المواضع.
وتعتبر هذه الطبعة أفضل طبعة للكتاب حتى الآن.
ولكن يتعقب عليها موضع حصل فيه سقط من النص، ففي سطر (٣) ص ٨٤ جاء النص هكذا «عن أبيه عن ابن عمر».
والذي في نسخة الظاهرية، وهي إحدى النسخ التي اعتمد عليها فضيلة المحقق، هكذا «عن أبيه عن ابن المسيب عن ابن عمر».
وهكذا جاء في مصدر تخريج الحديث الذي عزا إليه فضيلته، ومن قبله المؤلف، فلعل هذا من سقط الطباعة فقط.
سادسا: موضوع الكتاب:
يفيد عنوان الكتاب، ومضمونه، أن موضوعه هو تخريج الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة على الصحابة، والتي ذكرت في منهاج الوصول إلى علم الأصول، للإمام البيضاوي، سواء صرح فيه بلفظ الحديث أو الأثر، أو أشير إليه بالمعنى، وسواء صرح فيه بالرفع إلى الرسول ﷺ أو إلى الصحابي، أو ترك التصريح بذلك اعتمادا على معرفة القارئ ذلك.
لكن العراقي في مقدمة الكتاب قال: «قد ذكرت في هذه الأوراق الأحاديث التي ضمنها قاضي القضاة، ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد ابن علي البيضاوي، كتاب المنهاج» (^١).
_________________
(١) تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي للعراقي/ بتحقيق محمد العجمي/ ٣٣.
[ ٥ / ١٨٩٠ ]
فاقتصر على ذكر الأحاديث كما ترى، مع أن واقع الكتاب أنه خرج الأحاديث والآثار، إلا بعض مواضع قليلة فاتته كما سيأتي، وقد جعل للآثار مبحثا خاصا في آخر الكتاب عنونه بقوله: «وفيه من الآثار» (^١) وصار يذكر الأثر وصحابيه، ثم يخرجه، وقد بلغ ما ذكره من الآثار (١٨) أثرا، واتفقت نسخ الكتاب على قوله في واحد منها فقط: «لم أجده» وهو موجود كما سيأتي.
وبلغ عدد الأحاديث (٨٩) حديثا، مع تكرر عدد قليل منها.
فكان الأولى أن يذكر العراقي في المقدمة أنه خرج الأحاديث والآثار أيضا، طبقا لواقع الكتاب، كما فعل قرينه ابن الملقن في كتابه السابق ذكره في تخريج أحاديث وآثار منهاج البيضاوى أيضا، فقال في مقدمته: «فهذا تعليق نافع إن شاء الله تعالى، على الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج الأصول …» (^٢)
فلعل اقتصار العراقي على النص على الأحاديث فقط، لكونها هي المقصود الأصلي، والآثار تبع لها، وعددها قليل بالنسبة لعدد الأحاديث كما قدمت.
وقد فعل الشيخ الغمارى فى كتباه الابتهاج مثلما فعل العراقي، فاقتصر في تسمية الكتاب وفى مقدمته على النص على الأحاديث (^٣) مع كونه خرج الأحاديث والآثار، ولكن لم يجعل لها مبحثا مستقلا، بل خرج كل أثر في موضعه من ترتيب المنهاج
أما الزركشي فاقتصر في تسمية كتابه على النص على الأحاديث فقط فقال:
_________________
(١) ينظر المصدر السابق/ ١١٩ وما بعدها.
(٢) ينظر تذكرة المحتاج لابن الملقن/ ٩ بتحقيق الشيخ حمدى السلفي.
(٣) ينظر الابتهاج مع المنهاج/ ١٩
[ ٥ / ١٨٩١ ]
«وسميته المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر» ولكن نبه في المقدمة على أنه يخرج الأحاديث والآثار (^١).
سابعا: منهج العراقي في الكتاب، مع المقارن والتقويم
أجمل العراقي منهجه في هذا الكتاب في مقدمته، فقال: «ذكرت في هذه الأوراق الأحاديث التي ضمنها … البيضاوي كتاب المنهاج، ذاكرا من خرجها من الأئمة، وصحابي كل حديث، أو من رواه مرسلا، مع التنبيه على صحتها وضعفها، على سبيل الاختصار» (^٢) وعلى ضوء هذا الإجمال لعناصر المنهج، ومراجعتى التفصيلية للكتاب، مع المقارنة أيضا بمثيله، يتضح الآتي: -
أ - نوع التخريج:
أنه تخريج مختصر بالعزو، فيذكر الحديث أو الأثر، كما ذكره أو أشار إليه البيضاوي في المنهاج، ثم يتبعه بعزو إجمالي لبعض من أخرج الحديث أو الأثر من الأئمة بسنده، في بعض مؤلفاته، دون تحديد موضع الحديث أو الأثر في المصدر الذي يعزو إليه، ويكتفى من الإسناد غالبا بذكر الراوى الأعلى فقط، وهو الصحابي، أو من دونه ممن أرسل الحديث بالنسبة للمرسل، مثال ذلك قوله: «حديث: والله لأغزون قريشا، ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس، ورواه أبو داود مرسلا من رواية عكرمة مولى ابن عباس» (^٣).
_________________
(١) ينظر المعتبر/ ٢٣ - ٢٤.
(٢) ينظر تخريج أحاديث وآثار المنهاج للعراقي/ ٣٣ - ٣٤.
(٣) ينظر التخريج حديث رقم (٢).
[ ٥ / ١٨٩٢ ]
وقد يكون بعض من أخرج الحديث، رواه من طريق مصنف آخر متقدم عليه، فيبين العراقي ذلك، مثل قوله عن حديث: (إذا روى عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله …): الدارقطني، والبيهقى من طريقه في المدخل … (^١).
ومن مراجعة الكتاب يظهر أن منهج الاختصار الذي أشار إليه العراقي هو أنه لا يستوعب ولا يتوسع في عزو الحديث أو الأثر إلى مصادره، بل يكتفى ببعضها عن الآخر، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفى بذلك، وإن كان في غيرهما مع تعدد مصادره، تخير منها ما هو الأشهر أو الأقوى إسنادا، أو الأقل ضعفا، أو الأقرب إلى اللفظ الوارد في المنهاج، ويعرف ذلك، بمراجعة الرواية في المصدر المعزو إليه سندا ومتنا.
كما يعنى العراقي ببيان ما بين الروايات من اختلاف في الألفاظ المؤثرة في المعنى غالبا (^٢).
ب - مصارد العراقي في الكتاب:
اعتمد العراقي في هذا الكتاب مع صغر حجمه على مصادر متعددة أصلية، حيث يُروى الحديث أو الأثر فيها بسند مؤلف المصدر كأصحاب السنن والمسانيد وابن حبان والحاكم والبيهقى، والموضوعات لابن الجوزى، وبعض كتب الرجال الأصلية كالضعفاء لابن حبان والكامل لابن عدى.
وهناك عدد من المصادر عزا إليها العراقى فى هذا الكتاب، وهي تعتبر - بحسب علمي - مفتقدة حتى الآن وهى: كتاب الفضائل للدارقطني (حديث ٥٥)،
_________________
(١) ينظر التخريج حديث (٢٣) وينظر أيضا حديث (٥٥).
(٢) ينظر الأحاديث رقم (٢٠، ٣٠، ٥١) وغيرها.
[ ٥ / ١٨٩٣ ]
وكتاب العلم والحلم لآدم بن أبي إياس (حديث ٦٠)، ومشيخة ابن كليب (حديث ٨٠)، وحديث أهل مصر والجزيرة لابن عدى (حديث ٨٨)، وتفسير القرآن الكريم لابن مردويه (حديث ٣٢).
ولم يذكر قرينه ابن الملقن من تلك المصادر غير الفضائل للدارقطني، مع أنه ﵀ معروف بامتلاكه مكتبة حديثية حافلة، حتى كان احتراقها في أواخر حياته سببا لاختلال عقله، واختلاطه، حتى توفى ﵀ (^١).
فانفراد العراقي عن قرينه بالعزو إلى تلك المصادر الأصلية النادرة، دليل على سعة اطلاعه، وافتقادنا تلك المصادر الآن تعطى قيمة لكتابه هذا، بحفظه من النصوص الحديثية ما فقدنا أصله حتى الآن، وأصبح كتابه بديلا عنها فيما احتفظ به منها.
ج - بيانه لدرجة الأحاديث:
جعل العراقي من منهجه في هذا الكتاب بيان درجة الأحاديث، وأشار إلى ذلك إجمالا بقوله: (وأنبه على صحتها وضعفها).
فاقتصر كما ترى على ذكر الصحة والضعف المطلق، ولكن عند المراجعة التفصيلية للكتاب نجده زاد على هذين النوعين، فبين أن بعض الأحاديث: إسناده حسن، وبعضها ضعيف جدا، وبعضها موضوع باطل، وبعضها لا أصل له مطلقا، أو مقيدا،، بحسب مبلغ علمه، كما سأفصله فيما يأتى.
ولما كان العراقي في مؤلفاته في مصطلح الحديث وعلم الرجال، يفرق بين.
_________________
(١) ينظر المجمع المؤسس للحافظ ابن حجر ٢/ ٣١٨ والاغتباط فمن رمى بالاختلاط لسبط ابن العجمى مع نهاية الاغتباط لعلاء الدين على رضا/ رقم (٧٩).
[ ٥ / ١٨٩٤ ]
درجات الحديث هذه، ويميزها باعتبار مراتب رواتها، فإنه كان ينبغى أن يفصل في منهجه في المقدمة، بحيث يتطابق مع صنيعه خلال الكتاب، ومع ما قرره في علم المصطلح والرجال.
١ - وفي بيان العراقي لصحة الحديث، تارة يكتفى فيه بالعزو، كقوله عن الحديث: متفق عليه، أو رواه الشيخان، من حديث فلان (^١) أو رواه البخاري، أو عند البخاري (^٢) أو مسلم (^٣) أو ابن حبان في صحيحه، أو ابن خزيمة (^٤). وتارة يبيين الصحة بذكر قول من أخرج الحديث، مثل قوله: رواه الحاكم من حديث فلان وقال صحيح الإسناد على شرط مسلم، أو على شرط الشيخين، أو وصححه (^٥).
وإن كان تصحيح الحاكم متعقبا ذكر ما يتعقب به، كما سيأتي.
ويذكر أيضا تصحيح الترمذى (^٦) والدارقطني والخطابي والبيهقي (^٧).
٢ - وأما بيانه لتحسين الحديث، فتارة يكون بالنقل عن الترمذى مع إقراره، وذلك في أغلب المواضع (^٨).
_________________
(١) ينظر التخريج حديث ١، ٥، ٦، ٣٣، ٣٨.
(٢) ينظر التخريج حديث ٧، ٩، ٢٩، ٣٥.
(٣) ينظر التخريج حديث ٣، ١١، ٣٧، ٧٠.
(٤) ينظر التخريج حديث ٢، ٦٢، ٦٨، ٧٢، ٨٦.
(٥) ينظر التخريج حديث ١٧، ٣٠، ٣٦، ٥١، ٥٢، ٥٤، ٧٣، ٧٧.
(٦) ينظر التخريج حديث ٤٢، ٥٣، ٦٨.
(٧) ينظر التخريج حديث (٣٤).
(٨) ينظر التخريج حديث ٤٩، ٥١، ٥٢، ٥٤.
[ ٥ / ١٨٩٥ ]
وتارة لا يعزو الحكم بالحسن إلى غيره، حيث ذكر حديث «لا تُنكِحُ المرأةُ المرأةَ» وعزاه إلى ابن ماجه من حديث أبي هريرة وقال: بسند حسن، بلفظ «لا تُزَوِّجُ (^١)».
وسيأتى مقارنة ذلك بحكم غيره على هذا الإسناد.
٣ - وأما بيانه للضعف فمتنوع أيضا، فتارة يصرح بوصف الحديث بالضعف، وتارة يذكر من حال السند أو حال بعض الرواة، أو حال كليهما، ما يقتضى الضعف، وتارة يشير إلى الضعف إشارة مجملة، وتارة يعزو الحكم إلى غيره ولا يتعقبه، فيكون مقرا له، وتارة لا يعزو الحكم لغيره، وتارة يبين السبب، وتارة لا يبينه، وتارة يذكر مع الرواية الضعيفة ما ينجبر به الضعف، وتارة لا يذكره.
ومن الأمثلة على ما قدمت ما يلى: -
فقد ذكر حديث «الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو ريحه» وعزاه إلى ابن ماجه من حديث أبي أمامة بلفظ «الماء طهور» ثم قال: وإسناده ضعيف (^٢).
وبالمراجعة لسنن ابن ماجه لا نجد لفظ «طهور» في هذه الرواية (^٣). وأما الإسناد فنجد أن فيه «رشدين» وهو ابن سعد بن مفلح المهرى، وخلاصة حاله أنه ضعيف من جهة ضبطه (^٤).
_________________
(١) ينظر التخريج حديث (٨).
(٢) ينظر التخريج حديث (٢٤).
(٣) ينظر السنن - كتاب الطهارة - باب الحياض حديث (٥٢١).
(٤) ينظر الكاشف ١/ ترجمة (١٥٧٥) والتقريب/ ترجمة (١٩٤٢).
[ ٥ / ١٨٩٦ ]
وذكر العراقي حديث: «لا صلاة إلا بطهور» وعزاه إلى الدارقطني من حديث عائشة، وذكر أن الدارقطني ضعفه (^١).
وذكر حديث: سيأتيكم عنى أحاديث مختلفة (الحديث)، وعزاه إلى البيهقي من حديث أبى هريرة، ثم قال: قال البيهقي تفرد به صالح بن موسى الطلحي، وهو ضعيف لا يحتج به، قاله الدارقطني والحاكم (^٢).
وذكر حديث معاذ في بعثه إلى اليمن، لإثبات القياس، وعزاه إلى أبي داود والترمذي، وذكر قول الترمذى: ليس إسناده عندى بمتصل (^٣).
ومن هذا يفهم ضعف الحديث بهذا الإسناد، لانقطاعه.
وذكر أثرين عن ابن مسعود أحدهما: أنه قال: «لا أقيس شيئا بشيء فتزل قدم بعد ثبوتها» وقال: رواه الطبراني.
والثاني: عن ابن مسعود أيضا «إياكم ورأيت، وأرأيت؟؟ …»، وقال: رواه الطبراني، بإسناد منقطع، وأتبع ذلك بقوله: وفيهما - يعنى إسناد الأثرين - جابر الجعفي وهو ضعيف (^٤) ويلاحظ هنا أنه لم يعز بيان الدرجة لأحد غيره.
وبالمراجعة يظهر أن الأثر الأول أخرجه الطبراني في الكبير (^٥)، من طريق جابر.
_________________
(١) ينظر التخريج حديث (٢٠) مع سنن الدراقطني ١/ ٣٥٥ حديث (٤).
(٢) ينظر التخريج حديث (٢٣) وسنن الدراقطني ٤/ ٢٠٨ حديث (١٧)، وينظر مثال آخر حديث (٥٥) حديث جابر بن عبد الله، وعمر، وابن عباس، وجواب بن عبد الله، مرسلا، ومرفوعا.
(٣) ينظر التخريج حديث (٥٧) وينظر مثال للإرسال حدث (٢)، (١٢).
(٤) ينظر التخريج ص ١٢٥، ١٢٦، وينظر مثال آخر: أثر رقم (٧) ص ١٢٦.
(٥) المعجم الكبير للطبراني ٩/ أثر رقم (٩٠٨١).
[ ٥ / ١٨٩٧ ]
الجعفى عن الضحاك عن مسروق عن ابن مسعود، به.
والثاني أخرجه الطبراني أيضا من طريق أبي يزيد - وهو جابر الجعفى - عن الشعبي عن ابن مسعود به (^١).
وفي إسناد الأثرين كما ترى (جابر الجعفى) وقد اختلفت الأقوال فيه بين توثيق وتضعيف فقط، وشدة التضعيف، والتكذيب (^٢) ونسب المؤلف في المغنى تضعيفه إلى الجمهور (^٣) ولخص ابن حجر حاله بقوله: ضعيف رافضي (^٤)
أما الانقطاع الذي أشار إليه العراقي في سند الأثر الثاني، فهو بين الشعبي وابن مسعود، حيث ذكر أبو حاتم الرازى وغيره أن الشعبي لم يسمع من أبن مسعود (^٥):
فاجتمع في سند هذا الأثر الثانى سببان للضعف وهما: انقطاع الإسناد، وضعف أحد رجاله وهو جابر الجعفي.
ويتميز تخريج العراقي لهذين الأثرين عن تخريج قرينه ابن الملقن لهما، ببيان العراقى لضعفهما كما تقدم، في حين اقتصر ابن الملقن على عزوهما فقط إلى المعجم الكبير للطبراني (^٦).
_________________
(١) المعجم الكبير ٩/ أثر رقم (٨٥٥٠).
(٢) ينظر تهذيب التهذيب ٢/ ترجمة (٧٥) والميزان ١/ ترجمة (١٤٢٥)، ومختصر المختلف فهيم لابن شاهين/ ترجمة (٣) بتحقيق الأخ د/ القشقرى.
(٣) ينظر المغنى عن حمل الأسفار مع الإحياء ٤/ ٢٧٧ حديث (٩).
(٤) التقريب/ ترجمة (٨٧٨).
(٥) ينظر جامع التحصيل للعلائي/ ترجمة (٣٢٢).
(٦) ينظر تذكرة المحتاج لابن الملقن/ ص ٩١ بتحقيق الشيخ حمدى السلفي.
[ ٥ / ١٨٩٨ ]
٤ - وأما ذكر العراقي لما يجبر الضعيف، وعدم ذكره، فمن أمثلتهما ما يلى: -
ذكر العراقي حديث: «لا تجتمع أمتى على خطأ».
وعزاه إلى البيهقى فى المدخل من حديث ابن عباس بلفظ «ضلالة» بدل «خطأ»، ولابن ماجه من حديث أنس بنحو رواية البيهقي، ثم قال: وروى من حديث أبي ذر، وأبي مالك الأشعرى وابن عمر، وأبي بصرة، وقدامة بن عبد الله الكلابي، وعقب على تلك الروايات كلها بقوله: وفي كلها نظر، وقد حسن الترمذى حديث ابن عمر (^١).
فهذه العبارة فيها إشارة إجمالية إلى تضعيف روايات الحديث من طرقه السابقة، ما عدا رواية ابن عمر التي ذكر أن الترمذى حسنها، وهذا بحسب نسخته هو من جامع الترمذى، وكذا نسخة قرينه ابن الملقن (^٢) أما نسخة الزركشي (^٣) والنسخ التي بين أيدينا حاليا (^٤) ففيها أن الترمذى قال عن حديث ابن عمر: إنه غريب.
ثم إن العراقي لم يشر إلى أن تلك الطرق يجبر بعضها ضعف بعض، ولم يشر إلى وجود جابر آخر لضعفها، وهو ما يشهد للحديث في الصحيحين من حديث أنس: «المؤمنون شهداء الله في الأرض» وفي لفظ لمسلم «من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له
_________________
(١) ينظر التخريج حديث (٤٩).
(٢) ينظر تذكرة المحتاج له/ حديث (٥١) ص ٥٢، وذكر قول الترمذى عن الحديث: حسن غريب.
(٣) ينظر المعتبر للزركشي/ ٥٨.
(٤) ينظر جامع الترمذى حديث (٢١٦٧).
[ ٥ / ١٨٩٩ ]
النار، أنتم شهداء الله في الأرض، ثلاثا».
وقد ذكر الزركشي هذا، وذكر أيضا تقوى طرق الحديث الضعيفة بعضها ببعض (^١) وهذا هو الموافق لما تقرره قواعد الاصطلاح التي لا تخفى على العراقي.
وذكر أيضا حديث: «الاثنان فما فوقهما جماعة» وعزاه إلى ابن ماجه والحاكم من حديث أبي موسى الأشعرى، ثم قال: وهو ضعيف (^٢) وبالمراجعة نجد الحديث عند ابن ماجه (^٣) والحاكم (^٤) في سنده الربيع بن بدر الملقب بـ «عُليلة»، يروى الحديث عن أبيه عن جده عن أبي موسى.
و«الربيع بن بدر» هذا متفق على ضعفه من جهة ضبطه ووصفه النسائي بأنه متروك، وبه قال الحافظ في التقريب (^٥) والزركشي في المعتبر، وزاد: أن الذهبي قال عن والد الربيع وجده: إنهما مجهولان (^٦). لكن للحديث طرق أخرى عن خمسة آخرين من الصحابة، وفى سند أكثرها ما يقتضى شدة ضعفه (^٧) لكن الزركشي قرر أن هذه الطرق يقوى بعضها بعضا (^٨). وللحديث أيضا شاهد موقوف على زيد بن ثابت بلفظ «الأخوة في كلام العرب، أخوان فصاعدا» وقد أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين وأقره.
_________________
(١) ينظر المعتبر/ ٦٢.
(٢) ينظر التخريج حديث (١٩).
(٣) سنن ابن ماجة/ حديث (٩٧٢).
(٤) المستدرك ٤/ ٣٣٤ وسكت عنه، ولم أجده في مختصر الذهبي للمستدرك.
(٥) التقريب (١٨٨٣) وينظر الميزان ٢/ ت (٢٧٣٠).
(٦) المعتبر للزركشى/ حديث (١٠٤).
(٧) ينظر تعليق الشيخ محمد العجمى على تخريج المنهاج حديث (١٩).
(٨) ينظر المعتبر/ حديث (١٠٤).
[ ٥ / ١٩٠٠ ]
الذهبي (^١)، فلا يبعد أن يرتقى الحديث بمجموع ذلك إلى الحسن لغيره، ويؤيده ما تقدم عن الزركشي، وهذا أولى من اقتصار العراقي على ما يقتضى تضعيف الحديث فقط.
وقد يذكر بعض ما يضعف الحديث، ويتبعه بما يجبر موضع الضعف فقط، ولو كان فيما ذكره سبب آخر يقتضى الضعف، وقد يتبعه بما يجبر ضعف الحديث عموما ويرقيه إلى درجة الحجية فمثال الأول أنه ذكر حديث «البيان لتكرار وجوب الزكاة».
وعزاه إلى أبي داود - وجادة - من حديث عبد الله بن معاوية رفعه، في أثناء حديث «وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، كل عام» (الحديث) ثم قال: ووصله الطبراني وغيره (^٢).
فوصفه رواية أبي داود بأنها «وجادة» إشارة إلى تضعيفها بالانقطاع، وقوله: «ووصله الطبراني وغيره» بيان لوجود طريق آخر لهذا الحديث موصول، وبه بنجبر الانقطاع السابق، لكن عندما نراجع إسناد الطبراني وغيره ممن وصل الحديث.
نجد فيه: إسحق بن ابراهيم، عن عمرو بن الحارث (^٣).
وإسحق بن ابراهيم قال الحافظ: إنه صدوق يهم كثيرا، وأطلق محمد بن
_________________
(١) ينظر المستدرك ٤/ ٣٣٥ ومعه مختصر الذهبي.
(٢) ينظر التخريج حديث (١٠) مع سنن أبي داود حديث (١٥٨٢).
(٣) ينظر التاريخ الكبير للبخارى ٥/¬٣١ والمعرفة للفسوى ١/ ٢٦٩ والطبراني في مسند الشاميين (١٨٧٠) والبيهقى في السنن (٤/ ٩٥ - ٩٦) كلهم من طريق إسحق بن إبراهيم عن عمرو بن الحارث بسنده إلى عبد الله بن معاوية، به.
[ ٥ / ١٩٠١ ]
عوف أنه يكذب (^١) وعمرو بن الحارث الزبيدى الحمصي - ذكر الذهبي رواية اثنين عنه، ثم قال: فهو غير معروف العدالة (^٢)
فهذا الطريق وإن جبر انقطاع الطريق الآخر، إلا أنه بقى ضعفه من جهة حال الراويين السابقين.
لكن للحديث طريق آخر لم يذكره العراقى أخرجه الطبراني في الصغير (^٣).
وفيه (عبد الحميد بن ابراهيم، أبو تقى) قال الحافظ في التقريب: صدوق إلا أنه ذهبت كتبه فساء حفظه (^٤). فبمجموع ذلك يرتقى الحديث إلى الحسن لغيره. وذكر العراقي حديث: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».
وعزاه إلى ابن ماجه من حديث ابن عباس، وعبادة بن الصامت دون قوله «في الإسلام» وإلى الحاكم من حديث أبي سعيد وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. ثم قال: ورواه بهذه الزيادة - يعنى زيادة قوله: «في الإسلام» - أبو داود في المراسيل من حديث واسع بن حبان، ثم قال: ووصله الطبراني في الأوسط من روايته عن جابر (^٥) يعنى من رواية «واسع بن حبان» عن جابر ابن عبد الله مرفوعا.
وبالمراجعة نجد أن مجموع ما ذكره العراقي من طرق الحديث يمكن أن يرقى بأصله إلى الحسن، وأضاف النووى إلى ذلك رواية مالك في الموطأ عن عمرو
_________________
(١) التقريب (٣٣٠)
(٢) الميزان ٣/ ت (٦٣٤٧)
(٣) المعجم الصغير مع الروض الداني ١/ حديث (٥٥٥).
(٤) التقريب (٣٧٥١).
(٥) التخريج حديث (٧٧)
[ ٥ / ١٩٠٢ ]
ابن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلا، وهذا مرسل صحيح الإسناد إلى يحيى، وقرر النووي وابن الصلاح وابن رجب أن مجموع تلك الطرق يقوى بعضها بعضا، ويرتقي بها الحديث إلى الحسن لغيره (^١).
٥ - وذكر العراقي حديث: «لو كنت سمعت هذا الشعر قبل أن أقتله ما قتلته» يعني النضر بن الحارث، وقد عزا الحديث إلى مشيخة ابن كليب، من رواية هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس، مرفوعا، ثم قال: والكلبي ضعيف جدا (^٢).
وبمراجعة ترجمة «هشام» هذا، نجده قد وصف من غير واحد بأنه متروك، ونسب إلى الرفض (^٣).
وهذا يؤيد وصف العراقي له بشدة الضعف، وبالتالي يكون الحديث من طريقه ضعيفا جدا. وقد تقدم وصف العراقي لغير هشام بالضعف فقط، فدل هذا على أنه يفرق بين الضعيف فقط، والضعيف جدا. وبالتالي كان ينبغي أن لا يقتصر في المقدمة على أنه يبين الضعيف فقط. لكني لاحظت أنه لم يلتزم بهذا التمييز بين الضعيف فقط، والضعيف جدا، خلال الكتاب كله، بل قد يطلق الضعف فقط، على من يشابه حاله حال من وصف بأنه ضعيف جدا فى المثال السابق.
فقد ذكر حديث (الاثنان فما فوقهما جماعة) وعزاه إلى ابن ماجه والحاكم
_________________
(١) ينظر جامع العلوم والحكم لابن رجب حديث (٣٢) وتعليق الشيخ محمد العجمي على تخريج العراقي حديث (٧٧) المذكور.
(٢) ينظر التخريج حديث (٨٠).
(٣) الميزان ٤/ ت (٩٢٣٧) واللسان ٦/ ت (٧٠٠).
[ ٥ / ١٩٠٣ ]
من حديث أبي موسى الأشعري، ثم قال: وهو ضعيف (^١).
وبالمراجعة، نجد الحديث عند ابن ماجه والحاكم، كلاهما من طريق الربيع ابن بدر عن أبيه عن جده عمرو بن جراد، عن أبي موسى، به (^٢).
وفي هذا الإسناد (الربيع بن بدر) وخلاصة حاله أنه متروك ولم ينسب إلى الكذب (^٣).
وبذلك يكون في مرتبة «هشام بن محمد، ابن الكلبي» الذي وصفه العراقي في المثال السابق بأنه (ضعيف جدا) كما أن في باقي السند «بدر بن عمرو» ووالده (عمرو بن جراد).
وخلاصة حال كل منهما أنه (مجهول) (^٤) ومع ذلك حكم العراقي على الحديث بهذا الإسناد: أنه ضعيف فقط.
وذكر حديث (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) وعزاه إلى عبد ابن حميد في مسنده، وابن عدى فى الكامل، من رواية حمزة بن أبي حمزة النصيبي عن نافع عن ابن عمر، بلفظ: «فبأيهم أخذتم بقوله» بدل (اقتديتم). ثم قال: وإسناده ضعيف، من أجل حمزة، فقد اتهم بالكذب (^٥). فحكم
_________________
(١) ينظر التخريج حديث (١٩).
(٢) ينظر سنن ابن ماجه - الصلاة - حديث (٩٧٢) والمستدرك للحاكم - الفرائض ٤/ ٣٣٤.
(٣) ينظر الميزان ٢/ ت (٢٧٣٠) والكاشف ١/ ت (١٥٢٥) والتقريب/ ت (١٨٨٣).
(٤) ينظر الميزان ١/ ت (١١٢٦) والتقريب/ ت (٦٤٤) والميزان ٣/ ت (٦٣٤٤) والتقريب/ ت (٤٩٩٩).
(٥) ينظر التخريج حديث (٥٥) مع الميزان ١/ ت (٢٢٩٩) والكاشف ١/ ت (١٢٣٤) والتقريب (ت ١٥١٩) والتلخيص الحبير ٤/ ١٩٠، والمنتخب من مسند عبد بن حميد حديث رقم (٧٨١) والكامل لابن عدى ٢/ ٧٨٥ - ٧٨٧
[ ٥ / ١٩٠٤ ]
على الإسناد بالضعف فقط كما ترى، وعلل ذلك بكون راوى الحديث «حمزة النصيبي» متهما بالكذب، فهذا يفيد أن من يكون متهما بالكذب فحديثه عنده ضعيف فقط.
وهذا مخالف لما نقله بنفسه عن ابن الصلاح وأقره، من أن الراوى الموصوف بتهمة الكذب فضعفه أشد، والموصوف بسوء الحفظ ونحوه فضعفه أقل، بحيث يقبل الانجبار إلى درجة الحسن والاحتجاج، بخلاف المضعف بتهمة الكذب ونحوه (^١).
وعليه فإن ما ارتضاه العراقى فى التقعيد الاصطلاحي من تفاوت مراتب الضعف، والتفريق بين الضعيف فقط والضعيف جدا، كان يقتضيه التزام هذا في التطبيق، بدلا من مراعاته القاعدة مرة، كما في المثال الأول، وعدم مراعاتها كما في المثالين السابقين.
وقد سبق أن نبهت إلى مثل هذا في منهج العراقي فى تخريج الإحياء.
ومع كون حديث «أصحابي كالنجوم» السابق ذكره من حديث ابن عمر، قد ظهر أن إسناده ضعيف جدا، فإن له طرقا أخرى عن غير ابن عمر، ذكرها العراقي وغيره كما سيأتى.
٦ - وأما بيانه للحديث الموضوع، فقد ذكر حديث «مطر بن ميمون عن أنس أن النبي ﷺ قال: إن أخى ووزيرى وخليفتي في أهلى، وخير من أترك بعدى، يقضى دينى وينجز موعدى، على بن أبي طالب»، وعزاه إلى ابن حبان فى الضعفاء، وذكر قول ابن حبان: مطر يروى الموضوعات، وذكر أن
_________________
(١) ينظر فتح المغيث للعراقي ١/¬٤٢ - ٤٣ ومقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٤٩ - ٥٠.
[ ٥ / ١٩٠٥ ]
ابن الجوزى روى الحديث أيضا فى الموضوعات، ووصفه بأنه موضوع (^١).
وبمراجعة ما عزا العراقى الحديث إليه من المصادر وغيرها، نجد ما يؤيد إقراره للحكم بوضع الحديث واتصاف راويه «مطر بن ميمون» بما يقتضى ذلك (^٢).
وذكر أيضا حديث ميناء، مولى عبد الرحمن بن عوف عن ابن مسعود قال: كنت عند النبي ﷺ ليلة الجن (الحديث) وفيه: أن ابن مسعود لما أشار على النبي ﷺ بأن يستخلف عليا ﵁ قال ﵊: «والذى نفسي بيده، لئن أطاعوه ليدخلن الجنة …» وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، ثم قال: ومينا كان يكذب، قاله أبو حاتم، وذكر أيضا أن ابن الجوزى روى الحديث في الموضوعات، ووصفه بأنه موضوع (^٣) ولم يتعقب ذلك بشيء.
وبالمراجعة، لم أقف على الحديث في مظنته من المعجم الأوسط الذي عزاه العراقي إليه، ولكن وجدته في الكبير (^٤).
وعزاه الهيثمي إلى الطبراني مطلقا (^٥) فينصرف إلى الكبير، كما هو معروف.
وقد أخرجه ابن الجوزى فى الموضوعات من طريق أبي نعيم صاحب الحلية عن الطبراني، وقال: هذا حديث موضوع، وعلل ذلك بوجود «ميناء» في إسناده، وذكر تكذيب أبي حاتم الرازى له، وتضعيف ابن معين له.
_________________
(١) ينظر التخريج حديث (٤٦).
(٢) ينظر: المجروحين لابن حبان ٣/¬٥/ ت مطر بن ميمون الإسكاف، والموضوعات لابن الجوزى ٢/ حديث (٦٤٨) ط أضواء السلف، واللآلئ المصنوعة ١/ ٣٢٦ وتنزيه الشريعة ١/ ٣٥٣، والفوائد المجموعة للشوكاني/ ٣٤٦ حديث (٤٦).
(٣) ينظر التخريج حديث (٤٦).
(٤) ينظر المعجم الكبير للطبراني ١٠/ حديث (٩٩٧٠).
(٥) مجمع الزوائد ٥/ ١٨٥.
[ ٥ / ١٩٠٦ ]
تضعيفا شديدًا (^١).
لكن السيوطي قد تعقب ابن الجوزى فى الحكم بوضع الحديث، وذلك بناء على أن «ميناء» لم ينفرد به، فذكر له متابعا هو «أبو عبد الله الجدلي»، في رواية للطبراني أيضا، بنحوه، كما ذكر له شاهدا من حديث على ﵁ (^٢) ومع أن كلا من المتابع والشاهد ضعفهما ليس هينا، فقد اعتبرهما السيوطى مانعين من الجزم بوضع الحديث، لعدم تفرد «ميناء» به، بل قال: إن الحديث قد يقوى بالشاهد المروى من حديث على ﵁ (^٣) ووافقه على هذا ابن عراق (^٤) وسيأتى معارضة العراقي الحكم بوضع حديث آخر مع التعليل بعدم تفرد الراوى المنسوب إلى الوضع به، فلعله حين تأليفه لهذا الكتاب لم يتح له ما ذكره السيوطى من المتابع والشاهد لهذا الحديث. ومن هذين المثالين لحكم العراقي على بعض الأحاديث بالوضع يتضح أنه ذكر خلال الكتاب من درجات الأحاديث ما لم ينبه عليه في مقدمته.
٧ - وأما بيانه لما ليس له أصل، فمنه ما أطلق الحكم فيه، ومنه ما ذكر معه ما يدل على التقييد، وهذا هو الأكثر، فقد ذكر حديث «حكمى على الواحد حكمى على الجماعة» وقال: ليس له أصل، وسئل المزى والذهبي عنه فأنكراه، ثم قال: وللترمذى والنسائى من حديث أميمة بنت رقيقة: «ما قولى لامرأة واحدة إلا كقولى لمائة امرأة» لفظ النسائي، وقال الترمذي: «إنما
_________________
(١) ينظر الموضوعات لابن الجوزى ط أضواء السلف ٢/ حديث (٦٤٥).
(٢) ينظر اللآلئ المصنوعة ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦.
(٣) ينظر اللآلئ/ الموضع السابق
(٤) تنزيه الشريعة ١/ ٣٧٧.
[ ٥ / ١٩٠٧ ]
قولي لمائة امرأة، كقولى لامرأة واحدة» (^١) فيلاحظ أن الروايتين المذكورتين بمعنى اللفظ المطلوب، وأقربهما رواية النسائي.
فيفهم من ذكره له، أن مقصوده بعبارة «ليس له أصل» مقيدة، باللفظ المذكور في المنهاج فقط، ولكن يوجد ما هو بمعناه، ولا سيما رواية النسائي. وعلى هذا التقييد يحمل إنكار كل من المزى والذهبي.
وقد صرح بالتقييد غير العراقي ممن خرج أحاديث المنهاج. فقال الزركشي: لا يُعرف بهذا اللفظ، ولكن معناه ثابت، ثم ذكر روايتي الترمذي والنسائي السابقتين (^٢).
وقال ابن الملقن: هذا الحديث لم أره بهذا اللفظ … . وذكر إنكار المزى والذهبي له ثم قال: لكن في سنن النسائي … وذكر روايته ثم رواية الترمذي، ثم زاد عزو الحديث لأحمد في مسنده باللفظين، ثم ذكر شاهدا بالمعنى أيضا من الصحيحين (^٣).
وبذلك نجد أن عبارة الزركشى فيها التصريح بالتقييد، وبأن الروايتين المذكورتين بمعنى اللفظ المطلوب، وأن ابن الملقن صرح بالتقييد، وترك للقارئ ملاحظة كون الروايات التي خرجها تعتبر بمعنى اللفظ المطلوب. وأما حكم العراقي على الحديث بأنه «ليس له أصل» مطلقا، فحديث واحد، في هذا الكتاب، حيث ذكر حديث «ما اجتمع الجلال والحرام، إلا
_________________
(١) ينظر التخريج حديث (٢٥)، وينظر أيضا حديث ٤٧، ٧٨.
(٢) ينظر المعتبر/ حديث (١٢٣).
(٣) ينظر تذكرة المحتاج لابن الملقن/ حديث (٢٤).
[ ٥ / ١٩٠٨ ]
وغلب الحرام الحلال، وقال: لم أجد له أصلا (^١) ولم يزد على ذلك.
وعبارته هذه تفيد أن هذا الحكم وإن كان مطلقا، فهو مقيد بمبلغ علمه وبحثه هو.
وقد جاء في تخريج أحاديث الكتاب لغيره، ما يعتبر تعقبا لإطلاقه، وأيده الواقع.
فابن الملقن - قرين العراقى - قال: هذا الحديث، قال فيه البيهقي في سننه: رواه جابر الجعفى عن الشعبى، عن ابن مسعود، وجابر ضعيف، والشعبي عن ابن مسعود منقطع (^٢).
وبالمراجعة نجد البيهقى - فعلا - قد أخرج هذه الرواية الموقوفة على ابن مسعود، تعليقا، وبين ضعفها بما نقله عنه ابن الملقن فيما تقدم، بل لكلام البيهقى بقية هكذا: وإنما رواه غيره - يعنى غير جابر - بمعناه عن الشعبي من قوله، غير مرفوع إلى ابن مسعود (^٣).
وبهذا تميز تخريج ابن الملقن في هذا الموضع، حيث أثبت للحديث أصلا وإن كان ضعيفا وموقوفا.
وأما تخريج الزركشي فجاء أوفى وأدق، حيث قال: لا يُعرف مرفوعا، ورواه عبد الرزاق موقوفا في مصنفه فى الطلاق: حدثنا سفيان الثورى عن جابر عن الشعبي قال: قال عبد الله: … (فذكره مع زيادة) ثم ذكر تخريج
_________________
(١) ينظر تخريج أحاديث المنهاج/ حديث (٨٧).
(٢) ينظر تذكرة المحتاج حديث (٨٥) وذكر أيضا حديثا ضعيفا معارضًا له.
(٣) ينظر سنن البيهقى الكبرى - النكاح ٧/ ١٦٩.
[ ٥ / ١٩٠٩ ]
البيهقى له وبيانه لدرجته كما ذكر ابن الملقن، ثم قال: ومن شواهده حديث عائشة: ما خير رسول الله بين امرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه - ثم قال: متفق عليه (^١).
فتميز تخريجه للحديث كما ترى بذكر رواية عبد الرزاق الموصولة، للرواية الموقوفة التي ذكرها البيهقي معلقة، وزاد ذكر شاهد مرفوع له متفق على صحته.
وبهذا وبما سيأتى يتضح خطورة استعمال عبارة «ليس له أصل» في مجال تخريج الأحاديث، خاصة من عالم حافظ مثل العراقي بما له من مكان الريادة في علم التخريج كما قدمت، سواء بين حفاظ عصره، أو من بعدهم.
فرغم أن العراقي كما أوضحت قيد حكمه على هذا الحديث بمدى علمه وبحثه هو، فقال: لم أجد له أصلا، فإن من جاء بعده قد حذف هذا القيد الهام، ونسب إليه العبارة مطلقة فقال عن هذا الحديث: قال العراقي: إنه لا أصل له (^٢).
بل إن الملا على قارى ﵀ فعل هذا الإطلاق بالنسبة لقول العراقي السابق عن حديث «حكمي على الواحد …»، مع أن بقية كلامه في تخريج الحديث تفيد التقييد، كما قدمت (^٣)، فلينتبه الباحثون لورود هذه.
_________________
(١) ينظر المقاصد الحسنة للسخاوى/ حرف الميم حديث (٩٤١) والدرر المنتشرة للسيوطي حرف الميم حديث (٤١٠) ط جامعة الملك سعود سنة ١٤٠٣ هـ.
(٢) ينظر المعتبر للزركشي حديث (٣٢٩) والمصنف لعبد الرزاق كتاب النكاح ٧/ حديث (١٧٧٢).
(٣) ينظر الأسرار المرفوعة فى الأخبار المرفوعة للملا على قارى/ حديث رقم (١٧٨) ط مؤسسة الرسالة سنة ١٣٩١ هـ.
[ ٥ / ١٩١٠ ]
العبارة في الحكم على الأحاديث عموما، ويتيفظوا لإطلاقها وتقييدها، سواء من العراقي أو من غيره.
د - مما خالف فيه العراقي غيره في بيان درجة الأحاديث.
بينت فيما سبق أن بيان العراقى لدرجة الأحاديث، بعضه بالنقل عن غيره من الأئمة مع إقراره، وبعضه يذكره بدون عزو لغيره، ويكون له فيه استنتاج لدرجة الحديث بناء على نظره في سنده، أو في حال بعض رواته، وفي كلتا الحالتين، إذا قارنا أحكامه التي أقرها أو استنتجها، نجد منها ما يخالف العراقي فيه غيره، ومع أن ذلك جاء في مواضع قليلة بسبب صغر حجم الكتاب، ومنهج الاختصار الذي انتهجه العراقي فيه كما تقدم، إلا أن ذلك يدل على ظهور شخصيته العلمية في نتاجه الحديثي، سواء كان صغيرا أو كبيرا،
بحيث لا يقر غير ما يرتضيه حسب مبلغ علمه، ولو خالفه غيره.
فمن ذلك أنه ذكر حديث (لا تُنكِحُ المرأة المرأة) وعزاه إلى ابن ماجه، من حديث أبي هريرة، وقال: بسند حسن (^١) فحكم على الحديث بإسناد ابن ماجه أنه حسن، في حين نجد قرينه ابن الملقن يقول عن الحديث نفسه: رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف (^٢)، ومن قبله أعله ابن الجوزى، كما سيأتي.
وبالمراجعة نجد الحديث قد أخرجه ابن ماجه عن جميل بن الحسن العتكى حدثنا محمد بن مروان العقيلى حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة
_________________
(١) ينظر التخريج حديث (٨).
(٢) ينظر تذكرة المحتاج/ حديث (٨).
[ ٥ / ١٩١١ ]
نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها (^١) ورواه الدارقطني عن أحمد بن محمد الفزاري عن جميل به (^٢).
وقد أعل ابن الجوزى الحديث بأن في سنده (جميل بن الحسن) لا يعرف (^٣)؟ وقد رد عليه ذلك ابن عبد الهادى فى (التنقيح) بأن جميلا مشهور، وأن ابن خزيمة أخرج له هذا الحديث (^٤). يعني فيكون ذلك تعديلا فعليا من ابن خزيمة له، وكذلك أخرجه له ابن حبان في صحيحه (^٥).
وبمراجعة مصادر ترجمته نجد أنه تفرد عبدان الأهوازي بتجريحه بالفسق والكذب فى كلامه، وقد اعتبر ذلك إفراطا منه مردودا عليه، وأما غير الأهوازي فخلاصة ما يستفاد من أقوالهم أن جميلا هذا صدوق صالح الرواية، وله غرائب عن أبي همام الأهوازي (^٦).
وفي الإسناد كذلك شيخ جميل وهو محمد بن مروان العقيلي، مختلف فيه، ويجمع بين الأقوال فيه، قول الحافظ في التقريب بأنه صدوق له أوهام (^٧).
_________________
(١) ينظر سنن ابن ماجه/ حديث (١٨٨٢).
(٢) سنن الدارقطني ٣/ ٢٢٧ حديث (٢٥).
(٣) نصب الراية ٣/ ١٨٨.
(٤) ينظر نصب الراية ٣/ ١٨٨، ومن طريق ابن خزيمة أخرجه البيهقي في سننه الكبرى ٧/ ١١٠.
(٥) ينظر الإحسان برقم (٨٨٠).
(٦) ينظر الكامل ٢/ ٥٩٤ والميزان ١/ ت (١٥٥٥) والكاشف ١/ ت (٨١٢). والتهذيب ٢/ ت (١٧٩).
(٧) ينظر الميزان ٤/ ت (٨١٥٥) والكاشف ٢/ ت (٥١٤٤) مع حاشية التحقيق، وديوان الضعفاء/ ت (٣٩٧٠) والتهذيب ٩/ ت (٧١٧) والتقريب ت/ (٦٢٨٢).
[ ٥ / ١٩١٢ ]
وباقي رجال الإسناد ثقات، وعليه يكون إسناد ابن ماجه حسن، لحال كل من جميل وشيخه (^١).
وبهذا يرد تضعيف كل من ابن الجوزي وابن الملقن - رحمهما الله - لهذا الإسناد، ويترجح حكم العراقي بالتحسين، ويؤيده تصحيح كل من ابن خزيمة، وابن حبان، كما قدمت، وكذا ترجيح البيهقي والزركشي (^٢).
وذكر العراقي حديث «أصحابي كالنجوم …» وعزاه إلى كل من الدارقطني وابن عبد البر من حديث جابر، وذكر تضعيف ابن عبد البر له، وعزاه إلى عبد بن حميد في مسنده، وابن عدى من حديث ابن عمر، وضعفه، وعزاه إلى البزار من رواية عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن ابن المسيب عن ابن عمر، وذكر قول البزار: إنه منكر، لا يصح، وقول ابن حزم: إنه مكذوب، موضوع، باطل، ثم أتبع هذا كله بقول البيهقي: ويؤدي بعض معناه: حديث أبي موسى: النجوم أمنة لأهل السماء، وفيه «وأصحابي أمنة لأمتي» الحديث، رواه مسلم (^٣).
ومعنى هذا أن العراقي وإن أقر إعلال طرق الحديث التي أوردها من عند غير الإمام مسلم، فإنه لا يقر حكم البزار المطلق بأن الحديث منكر لا يصح، ولا حكم ابن حزم أيضًا بأنه باطل وموضوع، ولكن يتعقبهما بما ذكره البيهقي من وجود شاهد صحيح لبعض معنى الحديث، رواه الإمام مسلم، كما تقدم.
وقد توقف غير البيهقي والعراقي في هذا.
_________________
(١) ينظر المعتبر/ حديث (٩٥).
(٢) ينظر سنن البيهقي ٧/ ١١٠ والمعتبر/ حديث (٩٥) والإرواء ٦/ حديث (١٨٤١).
(٣) تخريج أحاديث المنهاج/ حديث (٥٥) وصحيح مسلم/ برقم (٢٥٣١).
[ ٥ / ١٩١٣ ]
فالزركشي بعد ذكر قول البيهقي السابق عقب عليه بقوله: ولا يخلو عن نظر (^١).
أما الحافظ ابن حجر فقال: صدق البيهقي هو - يعنى حديث مسلم السابق - يؤدى صحة التشبيه للصحابة بالنجوم خاصة، أما في الاقتداء، فلا يظهر في حديث أبي موسى، نعم يمكن أن يتلمح ذلك من معنى الاهتداء بالنجوم (^٢).
أقول: ويتلمح أيضا من معنى (الأمنة) في قوله: ﴿أصحابي أمنة لأمتي﴾ (^٣) كما يلاحظ من كلام الحافظ ﵀ عدم الجزم بنفي شهادة حديث أبي موسى هذا لبعض معنى الحديث المطلوب، وبذلك يبقى لقول البيهقي الذي أقره العراقي محمله.
وقد ذكر الزركشي وجها آخر لتقوية الحديث بلفظه المطلوب، وهو تعدد طرقه عمن تقدم ذكر العراقي لهم من الصحابة.
فذكر أنه يتقوى بعضها ببعض، كما ذكر أنه يتقوى كذلك باعتماد الامام أحمد عليه في فضائل الصحابة له (^٤).
أقول: وله أيضا شاهدان من حديث أنس وسمرة بن جندب يصلحان لتقويته (^٥).
_________________
(١) ينظر المعتبر للزركشي/ حديث (٣٢) ص ٨٤.
(٢) ينظر التلخيص الحبير ٤/ ١٩١ حديث (٢٠٩٨).
(٣) ينظر النهاية لابن الأثير مادة (أمن) ١/ ٧٠ - ٧١.
(٤) ينظر المعتبر للزركشي حديث (٣٢) مع تعليق المحقق عليه وفضائل الصحابة لأحمد ١/ ٥٨.
(٥) ينظر المقاصد الحسنة/ حديث (٩٩٦) مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح، ومسند أبي يعلى حديث (٢٧٦٢) ومختصر زوائد البزار لابن حجر ٢/ حديث (٢٠٢٢) وشرح السنة للبغوى ١٤/ ٧٣.
[ ٥ / ١٩١٤ ]
وذكر العراقي أيضا حديثا بلفظ: «وإن أصاب فله عشرة أجور» يعنى المجتهد في حكم شرعي وعزاه إلى أحمد والحاكم، وذكر أن الحاكم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ثم قال: وتعقبه الذهبي بتضعيفه بالفرج بن فضالة (^١).
وبالمراجعة، نجد أن الحديث قد أخرجه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة (^٢). وفي سندهما «فرج بن فضالة»، ونجد الذهبي تعقب تصحيح الحاكم فقال: قلت: فرج ضعفوه (^٣).
و«فرج» هو ابن فضالة بن النعمان التنوخي، مختلف فيه، جرحًا، وتعديلا، ولكن الأكثرين على تضعيفه، مع إشارة بعضهم إلى ضعفه من جهة ضبطه، فيحمل توثيق من وثقه على عدالته دينا وصلاحا (^٤).
ويعتبر العراقي بذكره تعقب الذهبي هذا، قد خالف الحاكم، ورد عليه تصحيحه لهذا الحديث، وهكذا ضعفه تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر (^٥).
في حين نجد كلا من الزركشي وابن الملقن في تخريجهما لأحاديث المنهاج يذكران تصحيح الحاكم للحديث، دون تعقبه بشيء (^٦) مع وجود ما يقتضى
_________________
(١) ينظر تخريج المنهاج/ حديث (٨٩).
(٢) ينظر المسند لأحمد ٤/ ٢٠٥ والمستدرك ٤/ ٨٨.
(٣) مختصر المستدرك للذهبي مع المستدرك ٤/ ٨٨.
(٤) ينظر الميزان ٣/ ت (٦٦٩٦) والتهذيب ٨/ ت (٤٨٥) والكاشف ٢/ ت (٤٤٤٦) والتقريب/ ت (٥٣٨٣).
(٥) ينظر التلخيص الحبير ٤/ ١٨٠ وفتح البارى ١٣/ ٣١٩.
(٦) ينظر المعتبر للزركشي/ حديث (٣١٤) وتذكرة المحتاج لابن الملقن حديث (٨٧).
[ ٥ / ١٩١٥ ]
التضعيف في سند الحديث، وهو فرج بن فضالة كما قدمت.
ثامنا: أهم مميزات الكتاب:
مما قدمت من عناصر الدراسة والتحليل والمقارنة لجهود العراقي في هذا الكتاب، يتضح لنا أنه تميز ببعض الجوانب على تخريج غيره من معاصريه وغيرهم لأحاديث وآثار الكتاب.
وأهم تلك المميزات ما يلى: -
١ - أنه تعرض لتخريج حديث «اختلاف أمتي رحمة» فعزاه إلى البيهقي في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ «أصحابي» يعنى بدل لفظ «أمتى» ثم قال: ورواه آدم بن أبي إياس، في كتاب «العلم والحلم» بلفظ «اختلاف أصحابي لأمتى رحمة» وقال: وهو مرسل ضعيف، ثم قال: وذكره البيهقي في رسالته الأشعرية، بهذا اللفظ، بغير إسناد (^١).
والرواية المذكورة بمعنى اللفظ المطلوب، باعتبار أن اختلاف أصحابه ﷺ في حكم اختلاف الأمة (^٢).
وقد تعرض لتخريج الحديث نفسه، قرين العراقي ابن الملقن، فقال: هذا الحديث لم أر من خرجه مرفوعا، بعد البحث الشديد عنه، وإنما نقله ابن الأثير في مقدمة جامعة من قول مالك، وفى المدخل للبيهقي عن القاسم ابن محمد أنه قال: اختلاف أمة محمد رحمة، ثم قال: ورأيت بخط بعضهم أن الحليمي قال: قوله ﵇: «اختلاف أمتي رحمة» أى.
_________________
(١) ينظر تخريج أحاديث المنهاج رقم (٦٠) والمدخل إلى السنن الكبرى حديث (١٥٢).
(٢) ينظر فيض القدير للمناوى ١/ ٢١٢.
[ ٥ / ١٩١٦ ]
في الحرف والصنائع (^١).
فتلاحظ من مقارنة التخريجين، أنهما اتفقا على عدم وجود رواية مرفوعة للحديث المطلوب بلفظه، ثم تميز تخريج العراقى بذكر رواية بمعناه، مع بيان درجتها بأنها مرسلة ضعيفة، وقد زاد الوصف بالإرسال على ما ذكره في بيان درجة هذا الحديث نفسه في كتابه «المغنى عن حمل الأسفار»، السابق دراسته (^٢).
فأشار العراقي بذلك إلى أن الحديث ضعيف، من جهة انقطاع سنده بالإرسال، ومن جهة أحد رواته بالضعف.
وعند المراجعة نجد أن الأمرين موجودان فعلا في الإسناد المذكور، فقد أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى وكذلك الخطيب البغدادي في الكفاية كلاهما من طريق سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، مرفوعا (^٣).
وفي هذا الإسناد رواية «الضحاك» وهو ابن مزاحم الهلالي، صاحب التفسير، والراجح أنه لم يلق ابن عباس، فروايته عنه مرسلة، بمعنى أنها منقطعة (^٤) وقال الحافظ ابن حجر في خلاصة حال الضحاك: صدوق كثير الإرسال (^٥)، وسليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم، وأشار ابن عدى إلى أن
_________________
(١) ينظر تذكرة المحتاج لابن الملقن حديث (٦٢)، وقد رد السبكي على القول بأن المراد الاختلاف في الصنائع والحرف/ ينظر فيض القدير للمناوى ١/¬٢١٢.
(٢) وينظر المغنى مع الاحياء ١/¬٣٤ حديث (١).
(٣) ينظر المدخل/ حديث (١٥٢) والكفاية للخطيب/ باب تعديل الله ورسوله للصحابة/ ٤٨.
(٤) ينظر جامع التحصيل للعلائي/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٥) ينظر التقريب/ (٢٩٧٨).
[ ٥ / ١٩١٧ ]
ضعفه من جهة ضبطه (^١).
وجويبر بن سعيد الأزدى، راوى التفسير، لم أجد من اتهمه بالكذب (^٢). ولخص ابن حجر حاله بأنه ضعيف جدا (^٣). فالحديث بهذا الإسناد ضعيف جدا.
ولكن هذا أولى مما قاله ابن السبكي: إن الحديث بلفظ «اختلاف أمتى رحمة» لا أصل له (^٤).
ومن قول والده تقى الدين السبكي - شيخ العراقي -: إنه لم يقف للحديث على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع (^٥)، يعنى بلفظ «اختلاف أمتى رحمة»، لأن الحديث الذي ذكره العراقى بمعنى هذا اللفظ، كما تقدم.
٢ - تميز تخريج العراقى أيضا أنه ذكر بدل الآيات القرآنية، حديث «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة»، مخرجا بالعزو إلى الشيخين من حديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن قرط: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر …» (الحديث) وعزاه إلى أبي داود والنسائي، وإلى ابن حبان بنحوه (^٦) وذلك مقابل إشارة مؤلف المنهاج إلى تفضيل الشارع لبعض الأزمنة.
فى حين ذكر قرينه ابن الملقن مقابل ذلك دليلين من القرآن الكريم (^٧) وهو وإن
_________________
(١) الميزان ٢/ ت (٣٥٠٢).
(٢) ينظر المجروحين لابن حبان ١/ ٢١٧ والتهذيب ٢/ ت (٢٠٠).
(٣) التقريب/ (٩٨٧) وينظر الكاشف ١/ ت (٨٢٦).
(٤) إتحاف السادة المتقين للزبيدى ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٥) المصدر السابق.
(٦) ينظر تخريج أحاديث المنهاج/ برقم (٦٢).
(٧) ينظر تذكرة المحتاج/ حديث (٦٣).
[ ٥ / ١٩١٨ ]
كان مقدما على السنة في الاستدلال، إلا أن موضوع التخريج هو ذكر الأحاديث التي تتعلق بمضامين الكتاب، ولو كان هناك ما هو بمعناها في القرآن الكريم.
أما الشيخ الغماري ﵀ فلم يذكر في مقابل تفضيل الشارع للأزمنة شيئا، لا من القرآن ولا من الحديث (^١).
٣ - ذكر صاحب المنهاج من أمثلة ما نهى الشارع عنه: بيع الحصاة، والملاقيح، والربا (^٢).
فذكر ابن الملقن حديثا في النهى عن بيع الحصاة، وأحاديث في النهي عن بيع الملاقيح، ولم يذكر شيئا في النهى عن الربا (^٣) وذكر الغماري الأحاديث المشتملة على النهى عن الملاقيح فقط، ولم يذكر شيئا في النهي عن بيع الحصاة ولا فى النهى عن الربا (^٤) أما العراقي فذكر الأحاديث المشتملة على النهى عن بيع الحصاة، وبيع الملاقيح، والنهي عن الربا (^٥)، فجاء تخريجه في هذا الموضع أكمل من تخريج رفيقه ابن الملقن، ومن بعده الغماري.
٤ - يعتبر ما قدمته أيضا في مبحث اختلاف العراقي مع غيره في درجات الأحاديث، من مميزات هذا التخريج.
_________________
(١) ينظر الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج لعبد الله بن الصديق، مع المنهاج/ ص ٢٢١.
(٢) ينظر المنهاج مع الابتهاج ص ٧٤ - ٧٥.
(٣) ينظر تذكرة المحتاج/ حديث ١١، ١٢.
(٤) ينظر الابتهاج حديث (١٤) مع المنهاج.
(٥) ينظر تخريج العراقي/ أحاديث ١١، ١٢، ١٣.
[ ٥ / ١٩١٩ ]
تاسعا: من المآخذ على الكتاب:
رغم جهود العراقي الحديثية في هذا الكتاب، وما ذكرته له من مميزات، فإنه لم يخل من المآخذ، كما هو شأن كل جهد بشرى، وبهذا يتوازن تقويم الكتاب، وبيان أثره الحديثي.
وأهم تلك المآخذ، ما يلى: -
١ - لقد شرط العراقى فى مقدمة الكتاب أن يبين درجة الأحاديث التي يخرجها، من الصحة والضعف، مع الاختصار فى ذلك، كما سبق توضيحه، وقد وفي العراقي بشرطه هذا في أكثر الكتاب، ولكن هناك أحاديث وآثار قليلة بالنسبة لمجموع أحاديث الكتاب وآثاره، وقد خرجها بالعزو إلى بعض مصادرها، ولكن لم يتكلم على درجة كل منها بشيء.
وأكثر ما وقع ذلك في المبحث الذي خصصه في آخر الكتاب لتخريج ما في المنهاج من الآثار غير المرفوعة إلى النبي ﷺ.
وقد بلغ مجموع الأحاديث التي لم يبين العراقى درجتها خلال الكتاب كله، خمسة أحاديث (^١) ومنها حديث عزاه إلى الترمذى، وقد قال الترمذى إنه حسن صحيح، فلم يذكر العراقي حكم الترمذى هذا، ولا غيره (^٢) مع اعتنائه خلال باقى الكتاب وغيره من كتبه بذكر أحكام الترمذي وغيره، مع الاقرار
_________________
(١) ينظر حديث (١٥) (الأئمة من قريش)، وحديث (٢٥) قولي لامرأة واحدة، و(قولى لمائة امرأة)، حديث (٢٨) (دباغها طهورها)، حديث (٣٢) إنه ﷾ أنزل ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، حديث (٥٨) حديث أبي موسى في القياس، حديث (٨٢) (لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين).
(٢) ينظر حديث (٢٥) مع جامع الترمذي ٣/ حديث رقم (١٥٩٧).
[ ٥ / ١٩٢٠ ]
أو التعقب، كما قدمت، وقد ذكر حكم الترمذى على هذا الحديث كل من الزركشي (^١) وابن الملقن (^٢) والغماري (^٣) ومنها حديث بين العراقي بنفسه درجته في تخريج (الإحياء) السابق دراسته (^٤).
وهناك أربعة مواضع ذكر العراقي في تخريج الحديث أكثر من رواية، وبين درجة بعض الروايات، وبعض الروايات لم يذكر درجتها (^٥) فلعله اكتفى بما بين درجته، من باب الاختصار الذي جعله من منهجه في هذا الكتاب.
وأما الآثار التي لم يبين درجتها فبلغ عددها تسعة آثار (^٦).
٢ - قال العراقي: إن حديث «ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام، على الحلال» لم يجد له أصلا، وتقدم بيان أن له أصلا ضعيفًا، موقوفا على ابن مسعود، وشاهدًا صحيحًا بمعناه.
وذكر أثر أبي بكر ﵁ في الكلالة، إنها ماعدا الوالد والولد، وقال: إنه لم يجده (^٧) وهو موجود في عدة مصادر أصلية، ومعروفة، ومن مصادر العراقي في هذا الكتاب وغيره (^٨).
_________________
(١) المعتبر حديث (١٢٣).
(٢) تذكرة المحتاج حديث (٢٤).
(٣) الابتهاج حديث (٣٠).
(٤) ينظر تخريج أحاديث المنهاج حديث (١٥) والمغنى مع الإحياء ٤/ ١٠٢ (٢).
(٥) ينظر أحاديث (٢٠)، (٣٣)، (٤٦)، (٦٤).
(٦) ينظر أثر (٢)، (٤)، (٧)، (١٠) ومن الآثار في ذم القياس، الأثر رقم (١)، (٢)، (٣)، (٥)، (٨).
(٧) ينظر تخريج أحاديث المنهاج - الآثار - برقم (٣).
(٨) ينظر سنن الدارمي ٢/ ٣٦٥، ٣٦٦، والبيهقى ٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤، ومصنف =
[ ٥ / ١٩٢١ ]
وهناك أثران أوردهما العراقي، ولم يتعرض لتخريجهما، مع وجود ما هو بمعناهما (^١).
٣ - هناك أكثر من عشرين موضعا في كتاب «منهاج الوصول»، أشير في معظمها إلى أحاديث مرفوعة، ولكن لم يتعرض العراقي لذكرها كما ذكر الأثرين السابقين، وبالتالي لم يتعرض لتخريج شيء منها، في حين ذكر ابن الملقن بعضها وخرجه، وذكر أكثرها الشيخ عبد الله الغماري، وخرجها (^٢).
تعقيب: ولعل مرجع تلك المآخذ ما ذكره تلميذ العراقي وخريجه «سبط ابن العجمي»، حيث قال: وقد أخبرني أنه عمل تخريج أحاديث البيضاوي، بين الظهر والعصر (^٣) فهذا الوقت لا يتسع لأكثر من كتابة ما أورده العراقي في هذا.
_________________
(١) = عبد الرزاق ١٠/ ٣٠٤ وابن أبي شيبة ١١/ ٤١٥
(٢) ينظر التخريج أثر رقم (٨) عن عبد الله بن عباس: أنه قاس الحد على ابن الابن في حجبه للأخوة - وقد أخرج البخاري تعليقا مجزوما عن ابن عباس، بمعناه - الفرائض - باب ٩ في ترجمة الباب -١٢/¬١٨ مع الفتح، ووصله سعيد بن منصور في سننه، بنحوه ١/ حديث (٤٦). وأثر رقم (٩): أن أبا بكر نصب زيد بن ثابت، مع أنه كان يخالفه،، وقد ذكر الزركشي أن المعروف في ذلك تنصيب أبي بكر لزيد في جمع القرآن/ المعتبر/ ٢٤٥ - ٢٤٦. وهذا قد أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل القرآن - حديث (٤٩٨٦) وذكر الطبرى في تاريخه ٣/ ٤٢٦ بدون إسناد، وكذا خليفة بن خياط في تاريخه أيضا/ ١٢٣: أنه يقال: إن زيد بن ثابت كتب لأبي بكر.
(٣) ينظر تذكرة المحتاج لابن الملقن/ حديث (٢٥) أثر مخالفة أبى هريرة لما رواه في غسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب، وحديث (٤٥) والمنهاج مع الابتهاج/ ١٥٧، ١٦١، وحديث (٤٩)، (٧٨) الأحاديث التي بنحو حديث: لو سمعت ما قتلت. وينظر الابتهاج مع المنهاج، أحاديث/ ١٢، ١٣، ١٥، ١٦، ٢٣، ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٩، ٥٤، ٥٥، ٥٧، ٥٨: ٥٩، ٦٠، ٦١، ٧١، ٧٢، ١٠٤، ١٠٥.
(٤) ينظر الضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٥
[ ٥ / ١٩٢٢ ]
الكتاب، اعتمادًا على ذاكرته التي عُرف بقوة حفظها، وسعة استيعابها، مع بعض المراجعات اليسيرة لما يتسع الوقت المذكور لمراجعته من المصادر المتعددة التي عزا إليها.
كما أن هذه المآخذ لا تطغى على ما اشتمل عليه الكتاب - رغم صغر حجمه - من الفوائد والمميزات السابق ذكرها.
ولم تحجب هذه المآخذ أيضًا آثاره الحديثية فيما بعده، كما سأشير إلى بعضها في المبحث التالي.
عاشرًا: أثر الكتاب فيما بعده:
ما إن فرغ العراقي من تأليف كتابه هذا، حتى بدأ يؤتي ثماره، ويحقق آثاره فيما بعده من حفاظ السنة، والمؤلفات فيها.
فإن إحدى نسخه الخطية الموثقة، وهى نسخة مكتبة «داماد ابراهيم باشا السابق ذكرها»، قد جاء في آخرها طبقة سماع للكتاب مؤرخة في يوم الجمعة العشرين من جمادى الآخرة سنة ٨٦٧ هـ، يقول كاتبها: «الحمد لله رب العالمين، وبعد فقد قرأ على جميع هذا المؤلف، الشيخ الفاضل العالم البارع الأوحد: ناصر الدين، نصر الله بن عماد الدين إسماعيل الإربلي الشافعي، نفع الله به، يقراءتي له على شيخنا الإمام العلامة الحافظ، برهان الدين، ابراهيم بن محمد بن خليل، سبط ابن العجمي الحلبي ﵀، بقراءته له على مخرجه، الحافظ زين العراقي - رحمه الله تعالى - فسمعه ولد القارى، الشيخ زين الدين عمر …» وذكر جماعة من الشيوخ، ثم قال: وصح ذلك وثبت يوم الجمعة .. وذكر التاريخ السابق، ثم قال: وأجزت لهم ما يجوز لي، وعنى
[ ٥ / ١٩٢٣ ]
روايته، قال ذلك وكتبه محمد بن ابراهيم بن محمد السلامي عفا الله عنه (^١). وأيضا نسخة الكتاب التي كانت محفوظة في مكتبة حلب - بسوريا، كما سبق، فقد جاء في وصفها أنها منقولة عن نسخة عن نسخة سبط ابن العجمي الذي نقلها عن نسخة شيخه المصنف، وتقدم أيضا أن نسخة الكتاب الخطية المحفوظة في إحدى مكتبات الهند، قد نقلت من نسخة كتبت في حياة المؤلف.
فيستفاد من مجموع ذلك أن العراقي بعدما أنجز كتابه هذا قام بمدارسته مع طلابه، وهم بدورهم فعلوا ذلك مع طلابهم، كما يستفاد أن العراقي أذن لطلابه بتداول الكتاب للاستفادة منه والإفادة لغيرهم رواية ودراية.
وبذل لبعضهم نسخته الخاصة لينقلوا منها لأنفسهم نسخا، ويتداولونها، وهم بدورهم فعلوا ذلك مع طلابهم.
وهذا يدل على حصول الإقبال على الكتاب من طلاب السنة وعلومها، مع وجود مثيل له من تأليف قرين العراقي ابن الملقن، وبذلك حصل انتشار نسخ الكتاب الخطية في حواضر العالم الإسلامي، كما تقدم في التعريف بها، فوجد بعضها في مصر حيث أقام العراقى وأنجز الكتاب ودرسه، وبعضها في الشام حيث نقلها خريجه سبط ابن العجمي، حافظ حلب، والشام، وبعضها فى تركيا التي كانت دار الخلافة الإسلامية، وحاضرة ثقافته، وتراثه العلمي.
_________________
(١) ينظر أنموذج نسخة داماد ابراهيم الخطية في مقدمة تحقيق تخريج العراقي لفضيلة الشيخ محمد ابن ناصر العجمي ص ٢٦ وص ٢٢ - ٢٣.
[ ٥ / ١٩٢٤ ]
وبعضها في بلاد المغرب العربي حيث ذكر الشيخ الكتاني ﵀ وجود نسخة من هذا الكتاب لديه، عليها خط أبي زرعة أحمد بن العراقي، وقد ألحقت مكتبة الشيخ بخزانة القرويين بفاس، كما قدمت. وبعضها في بلاد الهند، كما قدمت أيضا.
وتقدم أن سبط ابن العجمي وجدت له تعليقات على نسخته من الكتاب، دلت على بحثه المضامينه، والتعليق عليه بما رآه متمما لفائدته.
ثم اتسعت دائرة انتشار الكتاب أكثر، وانتشار آثاره تبعا لذلك، وهذا من خلال طبعاته الثلاث السابق ذكرها.
وكما انتشر الكتاب مخطوطا ومطبوعا، وتداوله حفاظ الحديث وطلابه، فقد انتشرت النقول عنه في المؤلفات الحديثية التي عاصرته أو جاءت بعده.
وتلك النقول في غالبها مما ذكره الناقل للاعتماد عليه، وإقراره، وتارة يكون النقل بالعزو إلى الكتاب منسوبا إلى العراقي، وتارة بالعزو إلى العراقي فقط دون ذكر الكتاب، ولكنه يعرف بمقارنة المنقول بما في الموضع الموافق له في الكتاب، وتارة يكون النقل من الكتاب بدون واسطة، وتارة يكون بواسطة مصدر وسيط وإن لم يصرح به الناقل، ولكن يعرف ذلك بالقرائن، وأغلبه يكون ممن هو متأخر كثيرا عن عصر العراقي أو معاصر لنا.
فمن أمثلة النقول المباشرة ما وجدته بحواشى نسخة دار الكتب المصرية المخطوطة من كتاب (تذكرة المحتاج لأحاديث المنهاج) لابن الملقن قرين العراقي، فقد وجدت بحواشيها تعليقات من أولها إلى آخرها عبارة عن نقول عن تخريج أحاديث المنهاج للعراقي، دون تصريح باسم الكتاب، ولكن تارة.
[ ٥ / ١٩٢٥ ]
يقول: قال العراقي، وتارة يقول: عند العراقي كذا، وتارة يقول: عبارة العراقي كذا، وتارة ينقل ما ذكره العراقي في تخريج الحديث وفي نهايته يذكر لفظة «عراقي» إشارة إلى أن الكلام المذكور منقول عن العراقي، وبمقارنة تلك النقول كلها وجدتها في كتاب العراقي هذا. ويعتبر المنقول بحواشي تلك النسخة أكثر ما وجدته من النقول عن هذا الكتاب.
ونقل عنه شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري المتوفى سنة ٨٤٠ هـ، وهو أحد كبار تلاميذ العراقي، وذلك في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، وختم ما نقله بقوله: قاله شيخنا العراقي ﵀ (^١) ونقل عنه الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوى المتوفى سنة ٩٠٢ هـ (^٢).
ونقل عنه السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ (^٣) والمناوي المتوفى سنة ١٠٣١ هـ وهو من أحفاد العراقي من جهة الأم (^٤).
وممن يعتبر نقله بواسطة، سواء صرح بها أم لم يصرح: العجلوني صاحب
_________________
(١) ينظر مصباح الزجاجة - كتاب الفتن - باب السواد الأعظم ٣/ ٢٢٨. حديث (٣٩٥٠).
(٢) ينظر المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة حديث (٣٩) و(اختلاف أمتى رحمة) مع تخريج أحاديث المنهاج للعراقي (٦٠)، والمقاصد/ حديث (١٧٨) «أمرت أن أحكم بالظاهر» والأجوبة المرضية للسخاوى أيضا - بتحقيق الأخ الدكتور/ محمد إسحق الهندي حديث (٢١٩) مع تخريج العراقي (٧٨) والمقاصد (٤١٦) (حكمى على الواحد، حكمي على الجماعة) مع تخريج العراقي (٢٥) والمقاصد (٩٤١): «ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحلال» وصرح السخاوى باسم الكتاب في هذا الموضع، مع تخريج العراقي (٨٧).
(٣) ينظر الدرر المنتشرة له/ (٤٠١) بتحقيق د/ محمد الصباغ، مع تخريج العراقي (٨٧).
(٤) ينظر فيض القدير بشرح الجامع الصغير ١/ ٢١٢ مع تخريج العراقي (٦٠) حديث «اختلاف أمتى رحمة».
[ ٥ / ١٩٢٦ ]
كشف الخفاء (^١) والملا على قارى (^٢).
والشيخ عبد الله بن الصديق الغماري (^٣).
_________________
(١) ينظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس له أحاديث (١٥٣، ٥٨٥، ١١٦١) وصرح باسم الكتاب في هذا الموضع، ٢١٨٦ وصرح باسم الكتاب أيضا.
(٢) ينظر الأسرار المرفوعة له (١٧٨) مع تخريج العراقي (٢٥).
(٣) ينظر الابتهاج له مع المنهاج أحاديث/ ٨٧، ١٠٣، ١١٣.
[ ٥ / ١٩٢٧ ]
تأليف العراقي في تخريج بعض الأربعينات الحديثية وفي عواليها
التعريف بالأربعينات الحديثية وعواليها
الأربعينات هي مؤلفات حديثية، صغيرة الحجم، حيث يشتمل كل منها على أربعين حديثا، أو أزيد قليلا، مع تنوع مقاصد ومناهج مؤلفيها، من حيث السند أو المتن أو كليهما (^١).
وقد راجعت عددا من كتب الأربعينات، فوجدت اتفاق مؤلفيها على أن الدافع الذي حثهم على تأليف هذا النوع أمران:
أولهما: الحديث المروي عن جماعة من الصحابة (^٢) في فضل وجزاء من حفظ للأمة المحمدية أربعين حديثا من أمر دينها، وسنة نبيها ﷺ، مع تقرير بعضهم أن الحديث وإن كان في طرقه مقال، فإنه يتقوى بعضها ببعض، وإن لم ترق إلى درجة الصحة، لكن يمكن الأخذ بها في موضوعها هذا، لأنه ليس فيه فرض (^٣).
_________________
(١) بلغ عددهم (١٥) صحابيا، ينظر الأربعين للآجرى/ ٦٥ - ٧١، والأربعين البلدانية لابن عساكر/ ٣٩ - ٤٣ والعلل المتناهية لابن الجوزى ١/ ١١١ - ١٢١ والأربعين للصدر البكرى/ ٢٤ - ٤٦ والأربعين المتباينة لابن حجر/ ٢٨٩ - ٢٩٧ - وقال البكرى: إن طرق الحديث عن أنس بن مالك وحده كثيرة، حتى إنه لو ذكرها جاءت كتابا مفردا/ الأربعين له/ ٤٥.
(٢) ينظر الأربعين للآجرى/ ٦٥ - ٧١ والأربعين البلدانية للسلفي ٢٨ - ٣٥ والأربعين البلدانية لابن عساكر/ ٣٢ - ٣٩ والأربعين للبكرى/ ٢٤ - ٢٨ وكشف الظنون ١/ ٥٢ - ٦١. والنكت للزركشي على ابن الصلاح/ ٤٩/ ب، وشرح السيوطى لألفيته في المصطلح/ ٢/ ١٥٢ والأربعين لصدر الدين البكرى ص ٢٨.
(٣) ينظر الأربعين البلدانية لابن عساكر/ ص ٤٣ والأربعين المتباينة لابن حجر/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
[ ٥ / ١٩٢٨ ]
وقرر كل من الرهاوي والسلفي ومن تابعهما: أن هذه التقوية تصل إلى الصحة المفيدة للعلم (^١).
ويرى الإمام النووي، والحافظ ابن حجر وغيرهما: أن مجموع طرق الحديث - على كثرتها - تتقوى ببعضها، لكن بحيث ترتقي بمجموعها من شدة الضعف التي في مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال، إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال، وأضاف النووي: أن معنى الحديث مندرج أيضا تحت عموم ما صح من الأحاديث في أمره ﷺ بالتبليغ عنه، وبالنضرة لمن فعل ذلك (^٢).
وذكر العراقي حديث الأربعين هذا، وعزاه إلى ابن عبد البر في جامع بيان العلم من حديث ابن عمر وأنس، وذكر تضعيف ابن عبد البر لروايته عنهما، ولم يتعقبه بشيء (^٣)، أما الزبيدي فذكر أن للحديث شاهدا قويا مع ضعفه، وهو من حديث أبي سعيد الخدري، وعزاه إلى ابن النجار في تاريخه، وقرر إجمالا: أن الحديث بمجموع طرقه عن هؤلاء الثلاثة من الصحابة، وغيرهم، كما قدمت، يكون حسنا أو صحيحا (^٤).
الأمر الثاني: الذي حث المؤلفين للأربعينات هو تأسي اللاحق منهم، بمن
_________________
(١) ينظر الأربعين البلدانية للسلفي/ ٢٨ - ٣١ و٣٣ - ٣٤/ تحقيق/ عبد الله رابح والنكت للزركشي على ابن الصلاح/ ٤٩/ ب، وشرح السيوطي لألفيته في المصطلح/ ١٥٢/ أ والأربعين لصدر الدين البكري ص ٢٨.
(٢) ينظر الأربعين النووية مع شرحها، كلاهما للنووي/ ٣ - ٤. والأربعين المتباينة لابن حجر/ ٢٩٨ - ٢٩٩ والاتحاف للزبيدي ١/ ٧٧.
(٣) ينظر المغني مع الإحياء ١/¬٧.
(٤) الاتحاف ١/ ٦٤، ٧٤ - ٧٧.
[ ٥ / ١٩٢٩ ]
سبقه إلى ذلك من سلف الأمة الصالح (^١). ومن العلماء من ألف بعض الأربعينات بنفسه، من مروياته عن شيوخه، ومنهم جمعها لغيره، مخرجة من مرويات هذا الغير بأسانيده عن شيوخه، وفي هذين النوعين، نجد من يراعى علو الإسناد، فيطلق عليها ما يفيد ذلك، كالسباعيات والثمانيات والتساعيات والعشاريات وسيأتي بيان ما للعراقي من تأليف في ذلك.
ومنهم من يراعى البلاد التي أخذ صاحب الأربعين الأحاديث فيها عن شيوخه، فتسمى الأربعين البلدانية، وللعراقي تأليف في ذلك أيضًا، كما سيأتي، ومن هذين النوعين أيضا ما يجمع فيه بين التخريج بالرواية بإسناد صاحب الأربعين، وبين التخريج بالعزو إلى بعض مصادر الحديث الأصلية، ولاسيما الصحيحين، والسنن الأربعة، ومنهم من يختار الأربعين حديثا من مصنفات الحديث الأصلية، مع حذف الأسانيد، ماعدا الصحابي، ثم يذكر تخريجها بالعزو الإجمالي إلى مصدر أو أكثر من المصادر الأصلية، مثلما فعل النووى في أربعينه المعروفة، كما سيأتى.
ومنهم من لا يذكر في أربعينه تخريجا، لا بالرواية بأسانيده، ولا بالعزو إلى شيء من المصادر، مثلما نجده في «الأربعين في اصطناع المعروف» للحافظ المنذري، ومن الأربعينات ما يذكر فيها درجة الأحاديث من الصحة وغيرها، ومنها ما لا يذكر فيه ذلك،
_________________
(١) ينظر الأربعين لأبي بكر الأجرى/ ٦٥ - ٧١، ٢٠٣ - ٢٠٤ والأربعين البلدانية للسلفي/ ٢٨ - ٣٧ بتحقيق/ عبد الله رابح، والأربعين البلدانية لابن عساكر ٣٧ - ٤٣/ بتحقيق مطيع الحافظ، والأربعين لصدر الدين البكرى/ ٢٤ - ٤٦، والأربعين النووية مع شرحها له/ ٣ - ٥ طبع شركة الطوبجي بالقاهرة.
[ ٥ / ١٩٣٠ ]
كأربعين المنذري السابقة.
ومن العلماء من يرى بعض كتب الأربعين التي ألفها غيره، تحتاج إلى تخريج أحاديثها وبيان درجاتها من الصحة أو غيرها، أو شرحها، وبيان مشتملاتها من الحكم والآداب، فيتصدى لذلك.
وقد أسهم العراقي في موضوع الأربعينات هذا بالتأليف، والتخريج، وذلك على النحو التالي:
[ ٥ / ١٩٣١ ]
أولا: تخريج الأربعين حديثا العشارية الإسناد، للعراقي
١ - نسبة الكتاب إلى العراقي:
ذكر غير واحد ممن ترجم للعراقي، من تلاميذه، وغيرهم، أن من مؤلفاته كتاب الأربعين حديثا العشارية الإسناد، وأنه هو الذي خرجها لنفسه (^١).
٢ - تسمية الكتاب وتاريخ تأليفه:
ذكر صاحب فهرس الفهارس أن لديه نسخة عتيقة مسموعة من هذا الكتاب في كراسين، وقال: عنوانها «كتاب الأربعين العشاريات الإسناد»، ونقل نحو نصف صفحة من مقدمة الكتاب (^٢). وهذا العنوان مأخوذ بالمعنى من قول العراقي في المقدمة: «فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشاريات الإسناد …» (^٣). فلا تعتبر هذه تسمية صريحة منه للكتاب، ولكنه بيان لموضوعه.
وفي نسخة خطية أخرى للكتاب، سيأتي ذكرها، جاء عنوان الكتاب هكذا «الأربعين العشاريات السامية، مما وقع لشيخنا من الأخبار العالية» وهذه يمكن اعتبارها تسمية صريحة للكتاب، لكنها ليست من العراقي نفسه، وإنما
_________________
(١) المجمع المؤسس، للحافظ ابن حجر ٢/ ١٨٨، ٣/ ٢٢٧، وذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد/ ٢٣٢ - ٢٣٣، والضوء اللامع للسخاوى ٤/ ١٧٣، ١٧٦، والجواهر والدرر له ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩، ٣٧٨، ومقدمة عبد الرحيم بن عبد الكريم بن نصر الله الشيرازي لكتاب الأربعين العشارية/ ١٢٠ - ١٢١، وكشف الظنون ٢/ ١١٠٤ والرسالة المستطرفة للكتاني/ ١٠١، وفهرس الفهارس للشيخ عبد الحي الكتاني ٢/ ٨١٧، ٨٨٠، ٨٨١
(٢) فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٨٨٠
(٣) ينظر فهرس الفهارس ٢/ ٨٨٠ وكتاب الأربعين العشارية للعراقى بتحقيق الشيخ/ بدر البدر/
[ ٥ / ١٩٣٢ ]
من أحد تلاميذه، لقوله فيها: «لشيخنا» كما نرى.
وسيأتي ذكر تلميذه هذا، وذكر كلامه الذى يشير إلى هذا العنوان. أما تاريخ تأليف الكتاب، فقد ذكر ابن فهد: أن هذه الأربعين كانت أول أمالي العراقي الحديثية، وأنه أملاها بالمدينة الشريفة، بين قبره ﷺ ومنبره (^١)، ولكن لم يحدد تاريخ الشروع أو الانتهاء من إملائها.
وقد حدده تلميذ للعراقي كان من أوائل من طلب منه هذا الإملاء، وحضره، وهو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن نصر الله القرشى الجرهي الشيرازي المتوفى سنة ٨٢٨ هـ، وكان من أهل شيراز، من بلاد إيران الحالية، وبلاد فارس قديما (^٢).
وقد ذكر أنه وفد على المدينة النبوية ولقى الحافظ العراقي، فوجده أوحد دهره علما وفضلا، ونعم بسماع الحديث المسلسل بالأولية منه، في يوم الأربعاء ١٧ صفر سنة ٧٩٠ هـ، ثم لازمه للسماع منه والقراءة عليه من مؤلفاته المفيدة صباحا ومساءا، عدة أشهر، وفي خلالها طلب بنفسه من شيخه العراقي أن يملى عليه هو ومن يحضر من طلبة العلم معه بعض ما اتصل بالعراقي من الأسانيد العشارية السامية، ويحدثهم بما وقعت له من الأخبار العالية، ثم قال تلميذ العراقى هذا: فأجابنا ﵁ وعن مُخَلِّفيه - لما رأى ذلك متعينا عليه، وعلم أنه قربة من الله فانتدب إليه، ورسم أن يملى أربعين حديثا … . وكان ابتداء الإملاء المبارك، يوم السبت، من رجب الفرد سنة ٧٩٠ هـ، بالروضة الشريفة …، ثم رأى - فسح الله في مدته - أن يفتتح.
_________________
(١) ذيل تذكرة الحفاظ/ ٢٣٢.
(٢) الضوء اللامع ٤/ ١٨٠ - ١٨٢ ومعجم البلدان ٢/ ١٣١ «جره».
[ ٥ / ١٩٣٣ ]
هذا الجزء أيضًا بالحديث المذكور - أعنى المسلسل بالأولية - عودًا على بدء، فأملاه علينا من لفظ الشريف، مبتدئا بسم الله ﵎، والثناء عليه، وذكر - يعنى العراقي - مقدمة، فقال: … (^١). وساق مقدمة الكتاب، ثم بقيته إلى آخره.
ومما ذكره هذا التلميذ الشيرازي يظهر لنا أن بين سماعه وحده الحديث المسلسل بالأولية من شيخه العراقى في ١٧ صفر سنة ٧٩٠ هـ، وبين شروعه في إملاء كتاب الأربعين العشارية، والمسلسل بالأولية، في رجب سنة ٧٩٠ هـ، توجد مدة أربعة أشهر وبعض شهر، وأنه خلال هذه المدة قام بجمع أحاديث الكتاب حسب الشرط المطلوب، فانتقاها من مروياته الكثيرة بحيث يكون في إسناد كل حديث بينه وبين الرسول ﷺ عشرة أشخاص، وعمل لذلك مقدمة، وكتب لذلك كله نسخة خطية وقعت في جزء حديثى، كما وصفه مشاهده تلميذ العراقي هذا، ثم شرع العراقى في إملاء مشتملات الكتاب تفصيلا ابتداء من التاريخ السابق ذكره، واستمر في إملاء بقيته في مجالس أسبوعية، بحيث يعقد في كل أسبوع مجلسًا واحدا، ويملى فيه حديثا أو حديثين من حفظه، كما أشار تلميذه هذا بقوله: «من لفظه» وكما هو معروف في طريقة الأمالي الحديثية، وسيأتي تفصيل أكثر عند بيان أمالي العراقي الحديثية عموما.
ويلاحظ أن هذا التلميذ الشيرازي ذكر تاريخ بداية العراقي في إملاء مشتملات الكتاب في يوم السبت من شهر رجب سنة ٧٩٠ هـ، ولم ييين
_________________
(١) ينظر مقدمة ابن نصر الله الشيرازي للأربعين العشارية/ ١١٩ - ١٢٢.
[ ٥ / ١٩٣٤ ]
تاريخ فراغه من إملائه، حتى نعرف المدة الإجمالية التي استغرقها في إملائه كله، ولم أجد من ذكرها، لكن وجدت ما يفيد فراغ العراقي من إملاء الكتاب كله قبل ليلة الأحد الخامس من جمادي الأولى سنة ٧٩١ هـ، حيث إن هناك نسخة خطية للكتاب، غير نسخة الشيرازى هذه، وهي النسخة الحلبية الآتى ذكرها، وقد أثبت في حواشيها، وآخرها أنها قرئت على العراقي بواسطة رفيقه الهيثمى في ستة مجالس، سادسها - وهو الأخير - كان في ليلة الأحد الخامس من جمادي الأولى سنة ٧٩١ هـ بالمدينة الشريفة، ومقتضاه أن فراغ العراقي من إملائها على السامعين، كان قبل مجالس قراءتها عليه بواسطة الهيثمي في التاريخ المذكور.
كما يلاحظ أن المجلس الأخير لقراءتها عليه كان يوم الأحد، في حين كان ميعاد الإملاء السابق كل يوم سبت، ويلاحظ أيضًا أن مجالس قراءة الكتاب على العراقى تعتبر قليلة العدد حيث بلغت ستة مجالس فقط، بينما مجالس الإملاء المتعارف عليها تكون مرة واحدة في الأسبوع، وبالتالي يكون العراقي قد استغرق في إملائه لهذا الكتاب فترة أطول من فترة قراءته عليه السابق ذكرها.
من نسخ الكتاب الخطية، وطبعه:
يوجد للكتاب عدة نسخ خطية مفرقة في أنحاء العالم، شرقا وغربا، وسأذكر بعضها، لكون الكتاب قد طبع الآن محققا، كما سيأتي.
١ - نسخة بدار الكتب المصرية برقم (١٥٧٨) حديث دار الكتب، وعدد أوراقها (٢١) ورقة، وبها خرم بعد الورقتين الأوليين، مع اختلال ترتيب الورقة الثانية عن موضعها الأصلى، كما أن حواشى بعض الأوراق مقصوص عند تجليدها بواسطة من لا خبرة له بالمخطوطات، وبذلك ضاع بعض نصوص
[ ٥ / ١٩٣٥ ]
الكتاب، وبعض الأوراق أصابها تلويث أيضا، وعدد سطور الصفحات مختلف بين ١٤، ١٥ سطرا.
٢ - نسخة بالمكتبة الأحمدية بحلب، تحت رقم (٣٠٦) مجاميع وهي رقم (٥) في المجموعة، وعدد أوراقها (١٩) ورقة، وعنوانها هكذا «هذه أربعون حديثا عشارية الإسناد، ألفها ﵀، بالمدينة المنورة، وذلك في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، والله أعلم» فلم يذكر اسم المؤلف عليها كما ترى وجعل تاريخ قراءتها عليه هو تاريخ التأليف ولذلك جاء في فهرس المكتبة الأحمدية الذي أعده الشيخ راغب الطباخ ﵀ قوله: «أربعين حديثا عشارية الإسناد، تأليف الحافظ العراقي أو ابن حجر» وكتب عقب ذلك عبارة «تراجع».
فلما وقفت على النسخة وقابلتها بنسخة دار الكتب المصرية السابق ذكرها، وجدت توافقهما في الجملة، وبذلك يرتفع تردد الشيخ الطباخ ﵀ في نسبة الكتاب للعراقي.
٣ - نسخة بمكتبة جوته بألمانيا، ذكرها بروكلمان، وذكر أنها منسوبة في فهرس المكتبة خطأ للترمذى، وذكر رقمها هكذا (١/ ٦١٣) (^١). ويبدو أن هذه النسخة هي التي اعتمد عليها الشيخ الفاضل/ بدر البدر في تحقيق الكتاب كما سيأتي.
وهي تقع في (٣٤) ورقة، وخطها نسخ جيد.
وقد وصفها الشيخ بدر في مقدمة تحقيقه للكتاب، والذي أود التنويه عنه.
_________________
(١) ينظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان/ ملحق رقم ٢/ ٦٩ - ٧٠.
[ ٥ / ١٩٣٦ ]
بشأنها أمران: -
أحدهما: أني لاحظت استعمال الناسخ للفصل بين فقرات النص، علامة الفاصلة التي نستعملها حاليا في الإملاء الحديث للغرض نفسه، فيعتبر هذا أنموذجا لتأصيل استعمال بعض علامات الترقيم المعاصر.
وثانيهما: أن تلك النسخة اشتملت في بدايتها على مقدمة للشيخ عبد الرحيم الشيرازي تلميذ العراقي، أوضح فيها بعض الأسباب التي دعت العراقي إلى تأليف الكتاب، وحدد تاريخ شروعه في إملائه، ومكان ذلك كما قدمت.
٤ - نسخة الشيخ عبد الحي الكتاني، صاحب فهرس الفهارس، ﵀. وقد ذكرها في فهرسه، كما قدمت، ووصفها بأنها نسخة عتيقة مسموعة، يعنى عليها إثبات سماعها على مؤلفها العراقي (^١).
ومكتبة الشيخ الكتاني قد ألحقت بعد وفاته بالخزانة العامة بالرباط، ويرمز في فهرسها إلى محتويات تلك المكتبة برمز (ك) ولعل هذه النسخة هي التي ذكرها الشيخ محمد بن الحسين العراقي في مقدمة تحقيقه لكتاب شرح ألفية العراقي في المصطلح، حيث ذكر كتاب الأربعين هذا وقال: اطلعت على نسخة منه بالخزانة الكتانية (^٢).
طبع الكتاب:
حين أعددت هذا البحث قبل أكثر من عشرين سنة كان اعتمادى في دراسة هذا الكتاب هو ما أمكن اطلاعى عليه من نسخه الخطية السابقة، بعد نسخى
_________________
(١) ينظر فهرس الفهارس للكتانى ٢/ ٨١٧ - ٨٨١.
(٢) ينظر مقدمة تحقيق شرح التبصرة والتذكرة ١/¬١٨.
[ ٥ / ١٩٣٧ ]
لها بيدى حيث كان التصوير الورقى للمخطوطات غير منتشر، ولكني الآن وجدت الكتاب مطبوعا بتحقيق الشيخ الفاضل: بدر بن عبد الله البدر، من الكويت، وهو محقق معروف الاعتناء بكتب السنة المطهرة، فجزاه الله خيرا، وقد نشر الكتاب بواسطة دار ابن حزم في بيروت سنة ١٤١٣ هـ مع كتاب الأربعين في الجهاد والمجاهدين، لعفيف الدين محمد بن عبد الرحمن المقرى، وكتاب العراقى هو الكتاب الثانى منهما، وعدد صفحاته (٢٥٦) صفحة بما فيها الفهارس، ومقدمة المحقق، وذلك من ص ١٠١ - ٢٥٦، وقد حقق الشيخ (بدر) كتاب الأربعين هذا بالاعتماد على نسخة واحدة هي النسخة الألمانية السابق ذكرها، وقام مشكورا بخدمة الكتاب على وجه لائق، فقدم له بمقدمة عرف فيها بالحافظ العراقي بإيجاز مناسب، وبين منهجه في الكتاب باختصار، وذكر أهم مصادر العراقي فيه، ووصف النسخة الخطية التي اعتمد عليها، كما علق على الكتاب بتخريج أحاديثه من مصادر العراقي وغيرها، مع التعريف بما اقتضاه الأمر من الرواة، وبيان درجات بعض أحاديث الكتاب، بعد ذكره بعض طرقها التي لم يذكرها العراقي، كما عمل عدة فهارس مفيدة تيسر الاستفادة بمشتملات الكتاب، وهناك بعض ملحوظات يسيرة ظهرت لى على نص الكتاب، مرجعها إلى كون النسخة التي اعتمد فضيلة المحقق عليها واحدة، وقد صوبت بعضها خلال الأمثلة الآتي ذكرها.
ولكني استفدت عموما من تلك الطبعة في تعديل بعض جوانب دراسة الكتاب الآتى ذكرها؛ كما أحلت على تلك الطبعة في خلال الدراسة، بجانب ما هو لدى من نسخ الكتاب الخطية في موضع الحاجة.
[ ٥ / ١٩٣٨ ]
كما أني أعددت الكتاب على ضوء بقية نسخه التي لدى، لطبعة ثانية إن شاء الله.
أسباب تأليف الكتاب، وموضوعه:
ذكر الشيرازي تلميذ العراقي في تقديمه لهذا الكتاب كما أسلفت، أنه خلال ملازمته لشيخه العراقي طلب منه أن يملي عليه، وعلى من يحضر معه بعض الأحاديث التي اتصل إسناده بها عاليا، ويحدثهم بها، فأجابه الشيخ بما تضمنه هذا الكتاب، وبذلك يكون طلب الشيرازي هذا هو السبب الأول لتأليف العراقي هذا الكتاب، والسبب الثاني هو التقرب إلى الله تعالى، وقد ذكر الشيرازي هذين السببين فقال: «فأجابنا ﵁، وعن مُخَلَّفيه - لما رأى ذلك متعينا عليه، وعلم أنه قربة من الله فانتدب إليه» (^١).
ثم قال الشيرازي: «وَرَسَم - أى العراقي - أن يملي أربعين حديثا مقتفيا طرق السلف الصالح، ونعمت المسالك، ومتكلا على دعائه عليه أفضل الصلوات والتسليمات، وأكمل البركات والتحيات، بالنضرة لم سمع مقالته فأداها كذلك» (^٢). فهذان سببان أيضا.
وقد أشار العراقي في مقدمته للكتاب إلى بعض هذه الأسباب التي ذكرها تلميذه، وأضاف سببا آخر، وهو ابتداؤه إحياء سنة إملاء الحديث على طلابه، بعد أن كانت منقطعة قبل ذلك، كما سيأتى توضيحه عند ذكر أمالي العراقي الحديثية عموما (^٣).
_________________
(١) ينظر مقدمة الشيرازي للأربعين العشارية/ ١٢٠ - ١٢١.
(٢) ينظر مقدمة الشيرازي/ الموضع السابق.
(٣) وانظر مقدمة العراقي للأربعين العشارية/ ١٢٢ - ١٢٣.
[ ٥ / ١٩٣٩ ]
وأما الموضوع الأساسى للكتاب، ومشتملاته العامة، فقد ذكر الشيرازى والعراقي أنه تضمن أربعين حديثا عشارية الإسناد، فيرويها العراقي بسنده المتصل عن شيوخه فمن فوقهم، حتى يصل إلى الرسول ﷺ ويكون عدد سلسلة إسناد كل حديث، عشرة أشخاص، أولهم شيخ العراقي، وآخرهم الصحابى الذى رفع الحديث إلى الرسول ﷺ.
ثم ألحق العراقي بالحديث رقم عشرين أثرًا موقوفا على عبد الملك بن مروان، في معنى الحديث المذكور، وساقه بسند عشاري أيضا، إلى عبد الملك بن مروان، كما أتبعه برواية بيت من الشعر، وحديث آخر معلق، كلاهما في معنى الحديث المذكور (^١).
ورأى العراقي أن يضيف إلى تلك الأربعين، على سبيل الفائدة، حديثا في بدايتها، وهو الحديث المسلسل بالأولية، وإن لم يكن عشاريا، ولكن يذكر العراقي أنه أول حديث سمعه من شيخه أبى الفتح الميدومي، وهكذا يذكر من فوق الميدومى، أن هذا أول حديث سمعه من شيخه حتى ينتهى تسلسل الأولية إلى سفيان بن عيينة (^٢)، وزاد العراقي أيضا في آخر العشاريات إسنادا تساعيًا للحديث الأربعين، وبعده حديثين تساعيين أيضا، بحيث نجد رجال الإسناد من شيخ العراقي حتى الرسول ﷺ عددهم تسعة أشخاص، وبنهاية الحديث الثاني منهما ينتهى الكتاب (^٣) أما مقدمة الكتاب فضمنها العراقي أهم أسباب تأليفه له كما قدمت، وأهمية علو الإسناد، ومجمل عناصر منهجه في
_________________
(١) ينظر الأربعين العشارية/ ١٨٠ - ١٨١
(٢) ينظر الأربعين العشارية/ ١٢٤ - ١٢٥
(٣) ينظر الأربعين العشارية/ ٢٢٧ - ٢٣٥.
[ ٥ / ١٩٤٠ ]
الكتاب، كما سيأتي تفصيله.
وأما متون أحاديث الكتاب فموضوعاتها متنوعة، فالحديث المسلسل بالأولية، موضوعه الرحمة، والحديث الأول من العشاريات موضوعة إحدى علامات الساعة، والثاني في حكم القصاص في القتل، وهكذا، بحيث يمكن القول: إن متون أحاديث الكتاب تشمل أزيد من أربعين موضوعا من عقائد أو عبادات أو معاملات أو أخلاق، لكن لم يتعرض العراقي لبيان ذلك، لأن الغرض الأصلى هو جمع وتخريج الروايات بأسانيد عالية، مع بيان نوع العلو في كل منها، ودرجة الإسناد من حيث الصحة أو غيرها، كما سيأتي.