تبين لي أيضًا بالبحث والمقارنة أن الحافظ بن حجر تلميذ العراقي، قد استمد من هذا الذيل في كتابه «الدرر الكامنة»، مثلما في ترجمة محمد بن إبراهيم بن معضاد الجعبري، حيث قال: «بخط شيخنا أبي الفضل (يعني العراقي) أن الجعبري سمع منه ناصر الدين الفارقي، وقد حضرت مجلسه للتذكير غير مرة» (^١) وهذا الذي نسبه ابن حجر إلى خط شيخه العراقي، وجدته بنصه في «منتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي» المذكور (^٢)، ونسبة ابن حجر ما نقله إلى خط شيخه العراقي تدل على أنه وقف على النسخة التي بخطه، واستفاد منها كما في هذه الترجمة.
سابعا: تأليف العراقي في التراجم المفردة لبعض الثقات أو المتكلم فيهم وأثر ذلك.
من أنواع التأليف في علم الرجال، إفراد كتاب خاص لترجمة شخص واحد من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم، إلى عصرنا الحاضر، حيث تعد رسائل جامعية متخصصة عن بعض الشخصيات الحديثية ذات الأثر الهام في علوم السنة، كما في رسالتي هذه عن الحافظ العراقي وأثره في السنة، وفي خاتمة كتاب «الجواهر والدرر» الذي خصصه السخاوي كما قدمت (^٣) لترجمة شيخه ابن حجر العسقلاني، ذكر السخاوي بيانا مجملا لمن أفرد بعض
_________________
(١) الدرر الكامنة جـ ٣/ ٣٨٤.
(٢) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية» / «المنتقى من تاريخ العراقي».
(٣) انظر ٣٨٦ من هذه الرسالة.
[ ٣ / ١٢٣٢ ]
الأشخاص من الصحابة فمن بعدهم، بالترجمة، وقد ذكر من ضمنهم: الحافظ العراقي، وذكر له في ذلك كتابين: أحدهما خصصه لترجمة شيخه جمال الدين الإسنوي، وقد وثقه وذكر محامد متعددة له، والثاني خصصه لترجمة شيخه أيضا الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج (^١)، وقد بين بعض وجوه لتجريحه، وسنتناول كلا منهما على النحو التالي:
أ - «ترجمته لشيخه جمال الدين الإسنوي وأثرها»
نسبتها إلى العراقي، وتقدير حجمها، وبيان أهميتها، وزمن تأليفها:
قد نسب هذه الترجمة إلى العراقي غير السخاوي، ابن فهد تلميذ العراقي (^٢) وكذلك نسبها إليه ولده أبو زرعة وتلميذهما ابن حجر مع بيانهما لمحتوياتها (^٣) كما سيأتي، أما السيوطي فأضاف تقدير حجم هذه الترجمة بأنها تقع في كراسة (^٤)، وهذا تقدير معتمد، لأن السيوطي قد اطلع على تلك الترجمة، ونقل منها في بعض مؤلفاته كما سيأتي، والمعروف أن الكراسة المخطوطة قدرها عشر ورقات في المتوسط، وإن كان يبدو من النقول التي وقفت عليها من تلك الترجمة أنها تزيد عن العشر ورقات، ونسبها أيضًا إلى العراقي شهاب الدين الغزي، وذكر تملكه لنسخة منها كما سيأتي، وترجع أهمية هذه الترجمة إلى عدة اعتبارات أهمها: أنه لم يعرف من ألف كتابًا خاصا في
_________________
(١) «الجواهر والدرر» / ٢٩٦ ب، ٢٩٧ أ (مخطوط).
(٢) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٢٣١
(٣) «الدرر الكامنة» لابن حجر/ ج ٢/ ٤٦٤ و«ذيل ولي الدين أبو زرعة ابن العراقي على ذيل والده على العبر» / وفيات سنة ٧٧٢ هـ.
(٤) «بغية الوعاة» للسيوطي/ ج ٢/ ٩٢
[ ٣ / ١٢٣٣ ]
ترجمة الإسنوي غير العراقي، وإن كان قد ترجمه غير واحد من أقران العراقي، ومن بعدهم في مؤلفاتهم في التراجم والطبقات، ثم إن العراقي قد استمد مادة هذه الترجمة - غالبا - من الواقع مباشرة، كما سيتضح في التحليل، فهو إما ناقل عن الإسنوي نفسه، أو مسجل لما شاهده بنفسه ولمسه، نظرا لتلمذته الطويلة لشيخه، ومخالطته له، إلى آخر حياته، وقلما نقل عن بعض تلاميذ الإسنوي الملازمين له أيضًا، وهذه المصادر هي أعلا المصادر التاريخية الموثقة، وبالتالي تكون تلك الترجمة هي أوثق ما ترجم به الإسنوي، ولهذا استمد منها - بثقة واطمئنان واستحسان - من وقف عليها كما سيأتي، يضاف إلى ذلك، أن العراقي تعرض في تلك الترجمة لاثنين من القضايا الهامة التي كانت ومازالت تشغل العلماء، وبين موقفه منهما، وهما قضيتا المجددين للدين على رأس كل قرن، وكرامات الصالحين، كما سنذكره بعد، ثم إن العراقي عند بيانه لمؤلفات الإسنوي ذكر من ضمنها كتابين، وقال: إن الإسنوي مات عنهما قبل تبييضهما، ثم استدرك قائلا: «ولكن يبيضان إن شاء الله» (^١)، وهذا يشير إلى أن تأليف العراقي لتلك الترجمة، كان عقب وفاة الإسنوي، سنة ٧٧٢ هـ بيسير، بحيث لم يكن تهيأ للعراقي ولا لغيره النهوض بتبييض هذين الكتابين، وهذا أيضًا يجعل لتلك الترجمة أهميتها من حيث إن العراقي سجل أكثر تفاصيلها في زمن قريب من وقوعه، وهو ما يزال مستحضرا له كأنه ماثل أمامه.
ما وقفت عليه من نصوص الترجمة:
لقد راجعت فهارس المكتبات المصرية، وكثيرًا من فهارس المكتبات العالمية،
_________________
(١) «بهجة الناظرين» / ١٣٦.
[ ٣ / ١٢٣٤ ]
فلم أجد أية نسخة من هذه الترجمة، لكني وجدت بعض من اقترب عصرهم من عصر العراقي، قد وقفوا على هذه الترجمة ونقلوا نصوصا منها في مؤلفاتهم، وفي مقدمة هؤلاء: شهاب الدين محمد بن أحمد الغزي المتوفى سنة ٨٦٤ هـ، وهو أحد فقهاء الشام ومؤرخيه، وقد ألف كتابه «بهجة الناظرين في تراجم الشافعية المتأخرين» (^١).
وممن ترجمهم فيه: الحافظ العراقي، ثم أتبعه بترجمة شيخه الإسنوي، وقال في بدايتها: «وقد أفرد له تلميذه الحافظ المذكور ترجمة حسنة، ووقفت عليها وهي عندي، فلنذكر مقاصدها، ونضيف إلى ذلك ما تيسر من كلام غيره، مع ما اطلعت عليه من ترجمته، فلا تمل من طولها فإنها بديعة، تشتمل على فوائد، ومحاسن جليلة، فنقول وبالله التوفيق: …» وساق الترجمة مستغرقا.
فيها أزيد من عشر صفحات، غالبها منقول عن ترجمة العراقي هذه، ومنسوب إليه (^٢)، ولذلك كانت تلك النقول عمدتي الأولى في بحث وتحليل منهج العراقي وآرائه في تلك الترجمة كما سيأتي.
ثم ألف الإمام بدر الدين الأهدل، الذي كان موجودا سنة ٨٣٠ هـ كتابا بعنوان «الرسالة المرضية في نصرة مذهب الأشعرية» ونقل فيها عن هذه الترجمة أيضا، مع الرد على العراقي في بعض ما ذكره، كما سيأتي (^٣)، ثم ألف جلال الدين السيوطي كتابه «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة».
_________________
(١) وهو مخطوط حتى الآن وتوجد منه عدة نسخ بدار الكتب المصرية.
(٢) انظر بهجة الناظرين/ ١٣٢ - ١٤٣.
(٣) انظر «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» للسيوطي/ ٤٠، ٤١/ مخطوط.
[ ٣ / ١٢٣٥ ]
فنقل في عدة مواضع منها، على وجه الاستدلال (^١)، وقد مكنتني هذه النقول في مجموعها من التعرف على المقومات الأساسية التي تناولها العراقي في تلك الترجمة، وعلى منهجه فيها، وأهم آرائه، ولذا فإني سأقوم بعرض منهج العراقي وأهم آرائه فيها من خلال تلك النقول مع التحليل والمقارنة والنقد، على النحو التالي:
منهج العراقي وأهم آرائه في تلك الترجمة: عرض تحليلي نقدي مقارن: بيان الاسم واللقب وسببهما:
وقد بدأ العراقي الترجمة ببيان اسم الإسنوي ولقبه، فذكر أن اسمه: عبد الرحيم، ولقبه: جمال الدين، ثم بين سببهما فقال: «وسمي ولقب بذلك، باسم عمه جمال الدين عبد الرحيم بن علي، وكان قد توفي قبل مولد صاحب الترجمة بيسير، فلما ولد سموه باسمه، ولقبوه بلقبه (^٢) وقد اعتمد العراقي في ذلك على الإسنوي نفسه، حيث إنه ذكر ذلك في ترجمته لوالده في طبقات الشافعية (^٣).
بيان سلسلة نسب الإسنوي إلى معد بن عدنان، ونسبته، وكنيت هـ:
لم يكتف العراقي ببيان نسب العراقي إلى جده الأول، بل تتبع سلسلة نسبه، حتى أوصله إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ثم إلى معد بن عدنان، وهو الجد الثاني والعشرون للنبي ﷺ (^٤) وقد قرر المؤرخون أن رفع نسب
_________________
(١) انظر «التنبئة» ٥/¬١٨، ٢٧، ٣٤، ٣٥، ٣٦.
(٢) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٢.
(٣) انظر «طبقات الشافعية للإسنوي» ٥/¬٤٤/ مخطوط.
(٤) انظر «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٢.
[ ٣ / ١٢٣٦ ]
الشخص إلى أجداده الأعلين، كلما زاد تتبع المؤرخ له، كان أفيد، تحقيقا لتمييز الشخص المترجم عن غيره، ولبيان أصله (^١)، لهذا كان تتبع العراقي لنسب الإسنوي إلى هذا الحد، له أهميته في تمييزه عن غيره من جهة، وفي بيان اتصال نسبه بالنسب النبوي الشريف من جهة ثانية، وعندما نقارن سياق العراقي لنسب الإسنوي، بسياق ابن تغري بردي له، نجد في سياق ابن تغري بردي سقطا كبيرا، قدره ستة أجداد على التوالي، فقد ساق نسب الإسنوي فقال: «هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن إبراهيم بن علي بن الحكم ..» إلخ (^٢)، أما العراقي فقال: هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن إبراهيم بن علي بن جعفر بن سليمان ابن الحسن بن الحسين بن عمر بن الحكم (^٣)، فما أثبته العراقي أكمل وأصوب؛ لأنه أخبر بشيخه.
ثم بعد سياقه لنسب الإسنوي بأكمله، بين نسبته فقال: «القرشي الأموي الإسنوي الشافعي، وقد جرى في ذلك على قاعدة المؤرخين في ترتيب النسبة عند تعددها (^٤)، فنسبه أولا إلى الأصل، ثم إلى المذهب الفقهي، كما أنه في النسبة إلى الأصل، تبع قاعدة المحدثين التي تقضي بالنسبة إلى الأعم، ثم إلى الأخص (^٥)، فقد قال: القرشي الأموي، ثم ذكر العراقي أن كنية الإسنوي «أبو محمد»، وقد اتفق معه ابن تغري بردي في سياق النسبة والكنية». (^٦).
_________________
(١) انظر «الوافي بالوفيات» للصفدي/ ج ١/¬٣٥.
(٢) «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٠ (مخطوط).
(٣) : بهجة الناظرين ٥/ ١٣٢.
(٤) انظر «الوافي بالوفيات» للصفدي ج ١/¬٣٤.
(٥) «فتح المغيث» للعراقي ج ٤/ ١٦٤.
(٦) «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٠، ٣١١.
[ ٣ / ١٢٣٧ ]
تحديد مكان الولادة وتاريخها:
ثم حدد العراقي مكان ولادة الإسنوي وتاريخها فقال: «وكان مولده بإسنا من صعيد مصر الأعلا، في أواخر سنة ٧٠٤ هـ» (^١)، وتحديد تاريخ الميلاد متفق مع تحديد الإسنوي نفسه في طبقاته (^٢)، وتحديد ابن تغري بردي أيضًا (^٣) وهو كما ترى تحديد غير دقيق، بينما نجد ابن حجر قد حدد الشهر بالضبط، واليوم بالتقريب، فقال: «إن الإسنوي ولد في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ٧٠٤ هـ، وعزا ذلك إلى طبقات الإسنوي أيضًا (^٤)، فلعل النسخة التي اطلع عليها فيها ذلك، وهي أدق وأوفى.
نشأته ودراساته العامة والمتخصصة:
بين العراقي في هذه الترجمة نشأة شيخه ودراساته العامة والمتخصصة، وانقسم ذلك إلى مرحلتين: الأولى، كانت بإسنا مسقط رأس الإسنوي، فحفظ هناك القرآن الكريم، وكتاب (التنبيه) في الفقه الشافعي، كما تقدم ذكره في محفوظات العراقي، ولم يذكر العراقي من دراسات شيخه بإسنا غير ذلك (^٥) بينما ذكر الإسنوي بنفسه في طبقاته تلمذته بإسنا على والده في الفقه والفرائض (علم الميراث) والعربية (^٦).
_________________
(١) «بهجة الناظرين» / ١٣٢.
(٢) «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٠.
(٣) «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٠.
(٤) «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٤٦٣.
(٥) «بهجة الناظرين» / ١٣٢، ١٣٣.
(٦) «طبقات الشافعية» للإسنوي/ ٤٤.
[ ٣ / ١٢٣٨ ]
ثم ذكر العراقي أن والد الإسنوي توفي سنة ٧٢٨ هـ ورتب على ذلك انتقاله من إسنا إلى مصر، يعني القاهرة، حيث نزل طالبا ومقيما بدار الحديث الكاملية، فاستأنف بها دراسته، وفي مقدمتها الفقه الشافعي، فتلقاه بها على يد عدد من الشيوخ ذكر العراقي منهم قطب الدين محمد بن عبد الرحمن السنباطي وتقي الدين السبكي، وأشار إلى غيرهم، كما درس أصول الفقه وأصول الدين المعروف بعلم التوحيد، وفي مقدمة من أخذ عنهم هذين العلمين الشيخ علاء الدين القونوي، ودرس النحو أيضًا على أبي الحسن الأنصاري، والد سراج الدين ابن الملقن، وعلى الشيخ أبي حيان الأندلسي، أما الحديث، فسمعه من أبي النون يونس بن إبراهيم العسقلاني وآخرين حدّد العراقي بعضهم وأشار إلى الباقين، ثم ذكر أن الإسنوي برع في الفقه وأصوله وفي النحو، وكانت له مشاركة جيدة في علوم أخرى جعلته يذكر في أهلها، وهي العروض والتاريخ والحديث والتوحيد.
ومع أن العراقي ذكر من وظائف الإسنوي تدريس التفسير بالجامع الطولوني (^١) فإنه لم يذكر دراسته لعلم التفسير ولا شيوخه فيه، وهذا يعد قصورًا بالنسبة لتأليف كتاب خاص في ترجمة واحدة، بينما نجد ابن تغري بردي في ترجمته العادية للإسنوي ضمن كتابه «المنهل الصافي» تنبه لذكر هذه النقطة ولو بالإجمال، فذكر مما برع فيه الإسنوي علم التفسير. (^٢)
توثيقه للإسنوي: وقد وثق العراقي شيخه الإسنوي غاية التوثيق، فبجانب وصفه له بالبراعة
_________________
(١) «بهجة الناظرين» / ١٣٧
(٢) : «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٠.
[ ٣ / ١٢٣٩ ]
العلمية، وصفه بمكارم الأخلاق وسلامة العقيدة والورع (^١)، بل عده من ذوي الكرامات ومجدد مذهب الشافعي في عصره كما سيأتي، ومن تفصيل ما ذكره بالنسبة لأخلاقه قوله: (إنه صار له ذكر في الكرم، ومكارم الأخلاق)، ومثل لعزته مع تواضعه وصفاء نفسه بقوله: (إن جلس مع أهل الدنيا فهو سيدهم، وإن حضر مع أصاغر طلبته فهو أحدهم، لا يستأثر عليهم بمأكل ولا مشرب، ولا يطوي عن أحد بشرًا، ولا يلوي عنقه عن السائل كبرا، ولا ينوي لأحد من أهل الدنيا غدرًا) (^٢) وأما ورع الإسنوي فقد ذكره العراقي بقوله: «إنه ولي تدريس المدرسة الفاضلية (بالقاهرة) ولم يتناول من معلومها شيئًا مدة ولايته وهي ٨ سنين، بل عمر أوقافها، حتى صارت أجرتها ضعفي ما كانت عليه، ولم يحضر الدرس، وكان يتورع عنها لكونها شرط في مدرسها الورع»، ثم ذكر بعض ما حضره بنفسه من تورع الإسنوي عن تلك المدرسة فقال: «وسأل بها مرة بحضوري، الشيخ شهاب الدين ابن النقيب، أن ينزل له عنها وكان المانع من الشيخ شهاب الدين، وأضاف أنه أراد النزول عنها في أواخر عمره للشيخ شهاب الدين إسماعيل بن إبراهيم بن جماعة، وقال: هو أورع مني»، فلم يتفق ذلك (^٣)، وقول الإسنوي عن ابن جماعة: «هو أورع مني»، يشير إلى إحساسه بأنه كان معدودًا من الورعين، هذا ولم أجد من بَيْنِ من ترجموا للإسنوي من ذكر شيئًا عن ورعه غير العراقي، ثم ذكر بعض دلائل إكرامه لمن حوله من طلبته وإخوانه الواردين عليه، وحسن صلته
_________________
(١) «بهجة الناظرين» ٢/ ١٣٣، ١٣٤، ١٤٢.
(٢) «بهجة الناظرين» / ١٣٤
(٣) «بهجة الناظرين» / ١٣٧
[ ٣ / ١٢٤٠ ]
بكل هؤلاء، وختم هذا بالدعاء له قائلا: «فجزاه الله عنا خير الجزاء (^١)» وهذا يدل على أن العراقي كان ممن ناله بر الأسنوي وحسنت صلته به، وقد أشار الحافظ ابن حجر الى أن هذا، كان له أثره في إشادة العراقي بفضائل الإسنوي والثناء عليه، فقال في ترجمته للإسنوي: «وأفرد له شيخنا العراقي ترجمة ذكر فيها كثيرًا من فضائله ومناقبه، وبالغ في الثناء عليه»، ثم عقب على ذلك بقوله: «وكان هو - أي الإسنوي - يحب شيخنا ويعظمه، وذكره في طبقات الشافعية في أثناء ترجمة ابن سيد الناس ووصفه بأنه حافظ عصره، وذكره في موضع آخر من المهمات» (^٢).
نشاطه الوظيفي والعلمي:
ذكر العراقي نشاط الإسنوي الوظيفي والعلمي مفصلا، فقال: إنه ولي وكالة بيت المال، ونظر الكسوة - يعني كسوة الكعبة - ثم أشار إلى عدم حرصه على تولي مثل تلك الوظائف كما كان يفعل غيره، وقرر في هذا ما عاينه بنفسه فقال: «وولي الحسبة بالقاهرة كالمكره على ذلك، ورأيته بعد أن لبس لها، وهو يبكي بسبب ذلك، ثم قال: وبلغني أن الملك الناصر حسن قال بعد أن ألزمه بها: «خوفته فخاف»، ثم ذكر استعفاءه من تلك الوظائف، وتفرغه لنشر العلم، وإتمام ما تيسر له من مؤلفاته» (^٣). ويلاحظ أن العراقي لم يحدد لنا تاريخ تولي الإسنوي ولا عزله، من أي من تلك الوظائف، بينما قال ابن حجر «إن ولاية الإسنوي الحسبة كانت في رمضان سنة ٧٥٩ هـ، وأن
_________________
(١) «بهجة الناظرين» / ١٣٨
(٢) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤٦٤.
(٣) «بهجة الناظرين» / ١٣٧
[ ٣ / ١٢٤١ ]
اعتزاله لها كان سنة ٧٦٢ هـ»، كما ذكر أن عزله لنفسه من وكالة بيت المال كان سنة ٧٦٦ هـ (^١) ولاشك أن هذه التحديدات أولى من عدمها.
أما نشاطه العلمي فلخصه العراقي في التصدير والتدريس، ومقابلة نسخ الكتب مع طلابه، التصحيحها ووصل سندها لهم، وذلك بالإضافة إلى اشتغاله بالتأليف ونظم الشعر، ثم ذكر الأماكن التي مارس نشاطه بها فقال: «وتصدر للإقراء بالمدرسة الملكية، ودرس بالمدرسة الأقبغاوية والفارسية، وتدريس التفسير بجامع ابن طولون، وأعاد بالمدرسة الناصرية والتدريس بالمدرسة المنصورية والفاضلية (^٢)، ولم يذكر لنا العراقي ولا غيره ممن رجعت إليهم، كابن حجر، وابن قاضي شهبة، وابن تغري بردي، لم يذكروا تواريخ تولي الإسنوي العمل بالأماكن السالفة، ولا مدته بكل منها، غير أن العراقي حدد بداية ونهاية نشاطه عموما في التدريس والإفادة فقال: «وانتصب للإقراء والتدريس والإفادة من سنة ٧٢٧ هـ وهلم جرا، إلى قبل وفاته بيومين»، ثم أجمل نتيجة ذلك فقال: «فتفقه عليه وتخرج به جماعة، وذكر منهم ثلاثة: أولهم الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحيم الأقفهسي»، ثم قال: «في آخرين لا يحصون»، ثم ذكر تلاميذه في الحديث فقال: «وسمع عليه الحديث جماعة من الأئمة» وذكر منهم نفسه، وولده أبا زرعة ورفيقه نور الدين الهيثمي، وذكر سماعه على الإسنوي بعض مروياته الحديثية، وقراءته عليه بنفسه بعض مؤلفاته الضخمة في الفقه وأصوله (^٣) لكن شهاب الدين
_________________
(١) «الدرر الكامنة» ٢/ ٤٦٤
(٢) «بهجة الناظرين» / ١٣٧
(٣) «بهجة الناظرين» / ١٣٤
[ ٣ / ١٢٤٢ ]
الغزي، استقل عدد من حددهم العراقي من تلاميذ الإسنوي فأضاف غيرهم (^١)، ثم قال: «وكأن الشيخ زين الدين (العراقي) لم يذكر إلا الأعيان من الطبقة الأولى من تلاميذه، الذين هم من أضرابه»، ثم قال: «وأخبرني بعض الفقهاء المصريين المطلعين أن تلامذته تشتمل على سبع طبقات» (^٢).
أما مؤلفات الإسنوي فقد أولاها العراقي عنايته بحيث ذكر منها ما لم أجد له ذكرا عند غيره، وتكلم عنها كلام العليم بمعظمها شكلا ومضمونا، وهذا ما يجعل كلامه عنها محل اعتبار هام، وقد استهل كلامه بحكم عام حيث قال إن الإسنوي صنف كتبا مفيدة، نفع الله تعالى بها الناس، ثم قسم ما ذكره من المصنفات إلى قسمين: أولهما: ما أكمله الإسنوي، وثانيهما: ما لم يكمله، وبلغ مجموع ما ذكره في القسمين ٢٣ كتابا (^٣). بينما ذكر ابن حجر ١٦ كتابا فقط (^٤).
وذكر ابن تغري بردي ١٠ كتب فقط (^٥)، وقد أشار العراقي إلى أنه لم يستوعب مؤلفات الإسنوي، وإنما ذكر أهمها، وما خبره منها بنفسه، ولهذا فإني قد وجدت السيوطي ذكر من مؤلفات الإسنوي ما لم يذكره العراقي وهو كتاب «الرياسة الناصرية» في الرد على من يعظم أهل الذمة، واستخدامهم على المسلمين (^٦).
_________________
(١) «بهجة الناظرين» ٤/ ١٣٥.
(٢) «بهجة الناظرين» ٤/ ١٣٦.
(٣) «بهجة الناظرين» ٤/ ١٣٦.
(٤) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤١٤.
(٥) «المنهل الصافي» جـ ٢/ ٣١١.
(٦) «حسن المحاضرة» جـ ١/ ١٨٠.
[ ٣ / ١٢٤٣ ]
ومن أدلة خبرة العراقي بمؤلفات الإسنوي أنه حدد الحجم وموضوع معظمها، وبين المبيض من غيره، فقال: «إن من أجل مؤلفات الإسنوي: - كتاب «المهمات» في ٨ مجلدات، في الكلام على مواضع من «شرح الرافعي الكبير» و«الروضة»، ومنها كتاب «جواهر البحرين في تناقض الخبرين»، في مجلد، ومنها «الهداية إلى أوهام الكفاية»، لابن الرفعة: مجلدان، أو مجلد ضخم، ومنها: «شرح منهاج البيضاوي»، مجلد، ومنها «زوائد المحصول، والإحكام، وأصول ابن الحاجب على منهاج البيضاوي»: - جزء لطيف، ومنها كتاب «الأشباه والنظائر»، ومنها كتاب «الجمع والفرق»، -وعقب على الكتابين الأخيرين بقوله: «وهذان الكتابان الأخيران مات عنهما قبل تبييضهما، ولكن يُبيَّضان إن شاء الله»، ثم قال: «ومن التصانيف التي لم يكملها: «شرح المنهاج» للنووي، كتب فيه من أوله إلى الإجارة»، و«شرح التنبيه»، كتب منه نحو مجلد، و«مختصر الشرح الصغير»، للرافعي، كتب منه قطعة، و«شرح الألفية»، لابن مالك، رأيت منه بخطه ٤ كراريس مبيضة، وشرح التسهيل، لابن مالك أيضًا، كتب منه قطعة، ثم قال: وله ثلاث مجاميع: أحدها المجموع الكبير، في مجلد ضخم، والآخران في قطع ربع البلدي (^١)، وقد أقر العراقي على ما ذكره من المؤلفات السابقة من ترجم للإسنوي بعده كتلميذه ابن حجر (^٢) وابن قاضي شهبة (^٣) وابن تغري بردي (^٤)، لكن يلاحظ أن العراقي لم يحدد تواريخ تأليف الإسنوي لتلك
_________________
(١) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٦.
(٢) «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٤٦٤.
(٣) «الأعلام» ج ١/ ٩٢ أوما بعدها.
(٤) «المنهل الصافي» ج ٢/ ص ٣١١.
[ ٣ / ١٢٤٤ ]
المؤلفات، بينما حدد ابن حجر وابن قاضي شهبة تواريخ فراغه من عدد منها (^١) وذلك أفضل، لمعرفة تدرج آرائه مثلما أوضحته بالنسبة للعراقي، ويلاحظ أن أغلب مؤلفات الإسنوي وأضخمها وأوجودها متعلق بالفقه وأصوله، ولكن العراقي بحكم تخصصه بالسنة عنى بإبراز الجانب الحديثي عند شيخه الإسنوي، فذكر عددًا من مروياته الحديثية التي تلقاها من شيوخه بالسند، لكن شهاب الدين الغزي اكتفى بالإشارة إلى ذكر العراقي لها ولم يذكر لنا شيئًا منها» (^٢).
ولما كان الفقه الشافعي هو الميدان الأول الذي ظهرت فيه براعة الإسنوي، فإن العراقي حرص على ذكر نماذج للآراء الفقهية التي اختارها مخالفًا بذلك غيره من الفقهاء السابقين عليه، وقد أشار الغزي إلى أن غالب ما ذكره العراقي من اختيارات شيخه مذكور في مصنفاته، وهذا يدل على اطلاع العراقي على تلك المصنفات، واستخراجها منها بخبرته الفقهية، وقد اكتفى الغزي بذكر خمسة نماذج فقط مما ذكره العراقي فقال: ومن اختياراته (أي الإسنوي) الحسنة في المذهب: «أنه كان يختار للمنفرد الجمع بين الشفع والوتر بتسليمة واحدة، إذا أوتر بثلاث، وهو اختيار الروياني. والذي عليه الرافض والنووي وغيرهما أن الفصل أفضل، ثم ذكر أربع اختيارات أخرى في العبادات والعقائد والمعاملات». (^٣)
وذكر العراقي أيضًا نماذج مما سمعه بنفسه وكتبه بخطه من شعر شيخه
_________________
(١) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤٦٤. و«طبقات الشافعية» ٤/ ٩٢ أو ما بعدها.
(٢) «بهجة الناظرين» ٤/ ١٣٥، ١٣٨
(٣) «بهجة الناظرين» ٤/ ١٣٩
[ ٣ / ١٢٤٥ ]
الإسنوي، وتلك النماذج عبارة عن بيتين مدح بهما الإسنوي كتاب «الشرح الكبير» للرافعي في الفقه الشافعي، وبيتين كتب بهما إلى بعض رؤساء الدولة حين سافر إلى الصعيد، وأحد عشر بيتًا في مدح بلده ومرباه الأول (إسنا)، وذكر سلفه الصالحين الأشراف المدفونين بها، وفي ختامهم يقول:
إلى الدوحة العليا قريش تناسبوا … نسيبهم خير البرية طه (^١)
ولم يعقب العراقي على هذه النماذج ببيان رأيه في شعر شيخه، مع أنه كان له تذوق للشعر الجيد في عصره، كما قدمت في جوانب شخصيته، فلعله كان مستحسنًا لهذه النماذج، وهذا يخالف ما قرره ابن تغري بردي من بعده، فقد ذكر نموذجا ممّا ذكره العراقي، وصدّره بحكم عام على نظم الإسنوي ونثره الأدبي بأنهما ليسا بذاك (^٢) ويبدو أن الحق مع ابن تغري بردي، كما يظهر من أسلوب ومحتوى النماذج المتعددة التي ذكرها العراقي، وإن كان هذا لا يضير الإسنوي باعتباره فقيهًا أصوليا بالدرجة الأولى، لا أديبًا شاعرًا.
عدّ الإسنوي من المجددين، ورأي العراقي في حديث بعث الله تعالى لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها:
فقد بلغ تقدير العراقي لشيخه الإسنوي وتوثيقه أنه عده مجدد مذهب الشافعي في زمنه عمومًا، فقال عنه في هذه الترجمة: «طار اسمه وعلمه في الأقطار، وتجدّد به في الأمة ما أسس من قواعد محمد بن إدريس، وصار علمه في الأعصار مثلًا» (^٣)، وهذا الوصف بالتجديد العام، يعتمد على
_________________
(١) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٨.
(٢) انظر «المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١١ و«النجوم الزاهرة»، ج ١١/ ١١٥.
(٣) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٣.
[ ٣ / ١٢٤٦ ]
الحديث الذي أخرجه أبو داوود في «سننه» والحاكم في «مستدركه» وصححه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها دينها» (^١). ولهذا فإن العراقي ذكر الحديث وأقر تصحيح الحاكم له. واتفق معه في هذا تلميذه ابن حجر والسيوطي (^٢).
ثم ذكر العراقي ما أورده الإمام أحمد في رواية لهذا الحديث أنه ﷺ قال: «إن الله يبعث في رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي، يبين لهم أمر دينهم»، وقرر أن التقييد بأهل بيت الرسول ﷺ الوارد في هذه الرواية، غير معتبر في المجدد، لأن هذه الرواية قد أوردها الإمام أحمد بدون إسناد، ولم يوقف لها على إسناد، واتفق معه في هذا أيضًا تلميذه ابن حجر والسيوطي من بعده (^٣).
أما الإمام تاج الدين ابن السبكي معاصر العراقي فقد أورد في طبقاته هذه الرواية المقيدة بأهل البيت وأقرها، ثم أوّلها على أنه إذا لم يكن المجدد من أهل البيت، فيكتفي بكونه على مذهب من هو من أهل البيت كالشافعي ﵁، وهذا كما ترى تأويل متكلف، لا يتمشى مع صريح لفظ الحديث، ولذلك استبعده السيوطي، وأقر رأي العراقي بعدم ثبوت زيادة «من أهل بيتي» الواردة في هذه الرواية (^٤).
_________________
(١) «سنن أبي داوود» كتاب الملاحم باب ما يذكر في قرن المائة/ ج ٢/ ٢٠٩ وهـ مستدرك الحاكم/ كتاب الفتن/ ج ٤/ ١٥٦ وليس في طبعة المستدرك الحالية ذكر التصحيح والبيهقي في «المعرفة» ج ١/ ١٣٧ و«الجامع الكبير» للسيوطي ج ١/ ١٨٢. وتقدم في ألقاب العراقي العلمية مزيد في بيان صحة الحديث.
(٢) «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» للسيوطي/ ١٨ (مخطوط).
(٣) «انظر التنبئة» للسيوطي/ ٢٣، ٢٥، ٢٧.
(٤) «التنبئة» / ٢٣، ٢٧.
[ ٣ / ١٢٤٧ ]
وبناء على رواية الحديث الأولى الصحيحة، حدد العلماء من قبل العراقي من بعث على رأس القرون السالفة، فقال أحمد بن حنبل: «كان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى» (^١)، ثم روى الحاكم أن شيخا من أهل العلم قال لأبي العباس أحمد ابن سريج: أبشر أيها القاضي، فإن الله تعالى ذكره، بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، ومن على المسلمين به، فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة، ومن الله على رأس المائتين بالشافعي، حتى أظهر السنة وأمات البدعة، ومن علينا على رأس الثلثمائة بك، حتى قويت كل سنة، وضعفت كل بدعة، ثم أنشدنا قائلا:
«اثنان قد مضيا فبورك فيهما … عمر الخليفة ثم حلف السؤدد
الشافعي الألمعي المرتضى … إرث النبوة وابن عم محمد
أرجو أبا العباسي أنك ثالث … من بعدهم سقيا لتربة أحمد»
فبكى أبو العباس بن سريج حتى علا بكاؤه، ثم قال: «إن هذا الرجل نعى إلي نفسي، ثم مات في تلك السنة» (^٢).
وفي عصر الحاكم في القرن الرابع الهجري، ذكر الحاكم أن شيخا آخر زاد في تلك الأبيات ذكر أبي الطيب سهل بن محمد (الصعلوكي) وجعله على
_________________
(١) «معرفة السنن والآثار» للبيهقي ج ١/ ١٣٨ و«التنبئة» / ١٩.
(٢) «معرفة السنن والآثار» للبيهقي ج ١/ ١٣٨، ١٣٩ و«التنبئة» / ٢٠.
[ ٣ / ١٢٤٨ ]
رأس الأربعمائة فقال:
«والرابع المشهور سهل محمد … أضحى إماما عند كل موحد
تأوى إليه المسلمون بأسرهم … في العلم إن جاء والخطب مؤيد
لازال فيما بيننا شيخ الورى … للمذهب المختار خير مجدد»
وذكر الحاكم «أنه قدر الله وفاة سهل في تلك السنة التي سمع فيها هذه الأبيات وهي سنة ٤٠٤ هـ» (^١).
وقد عقب العراقي على ذلك فقال: «وقد بلغني أن بعض العلماء يعد في المائة السادسة الشيخ محيي الدين النووي، وفي المائة الخامسة قبلها أبا طاهر السلفي، وفي المائة الرابعة قبلها الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وكل واحد من المذكورين قد مات سنة ست وسبعين من المائة التي توفي فيها، فإن كان ما ذكره، أي ذلك البعض، صحيحًا، فالظاهر أن صاحب هذه الترجمة (يعني الإسنوي) هو المراد بالعالم الذي يجدد للناس دينهم، لكنه عقب على ذلك قائلا: «وذلك إن كان محتملًا ففيه نظر، لأن الحديث فيه «على رأس كل مائة سنة» ولذلك جعل الإمام أحمد: أن المراد في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي المائة الثانية الشافعي»».
ثم قال: «فإن قيل: الظاهر من الحديث أنه أراد الأئمة الذين هم ولاة
_________________
(١) «التنبئة» / ٢٠، ٢٣.
[ ٣ / ١٢٤٩ ]
الأمور، ولذلك أدخله أبو داود في كتاب الملاحم، قلنا: قد جاء في كلام الإمام أحمد أن المراد، من يعلمهم السنن، كما أخرجه الخطيب، وساق سنده إلى أحمد بن حنبل قال: «إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب، فنظرنا، فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي» (^١). ومن هذا نفهم أن العراقي رأى أن حديث التجديد عام، فيشمل تجديد أمر الدين في كل جانب سواء في الحكم على يد الحكام، أو في العلم على يد العلماء، ويرى بناء على هذا تعدد المجددين لجوانب الدين في كل عصر، لكنه يرى أن المجدد الذي ينطبق عليه الحديث لابد أن تكون وفاته على رأس القرن، ولذلك فإنه مع وصفه للإسنوي بتجديد مذهب الشافعي كما أسلفت رجح عدم انطباق الحديث عليه؛ لوفاته سنة ٧٧٢ هـ كما سيأتي، ويتفق رأي العراقي هذا مع غيره ممن تقدمه أو تأخر عنه، فقد قرر ابن الأثير من قبل العراقي: أن الأجدر والأحسن والأشبه بالحكمة تأويل الحديث على تعدد المجددين على رأس كل قرن بحيث ينتفع بكل منهم في أمر الدين ما لا ينتفع بالآخر، سواء في السياسة والعدل وإقامة الشرع، أو في العلوم الإسلامية المختلفة، كما ذكر أنه قد يكون قبل كل مائة أيضا من يقوم بأمور الدين، ولكن المراد بالذكر في الحديث من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور (^٢) وهذا يوافق ما انتهى إليه رأي العراقي بالنسبة للإسنوي كما مر.
ومن بعد العراقي قرر تلميذه ابن حجر أيضا أن الذي يتعين في المتأخرين:
_________________
(١) (التنبئة) / ٣٤، ٣٥.
(٢) انظر «التنبئة» / ٣٧ - ٤٠.
[ ٣ / ١٢٥٠ ]
حمل الحديث على أكثر من واحد، وكونهم على رأس القرن (^١)، وقد عقب العراقي على كلامه السابق بقوله: «وقد نظمت مذيلا على الأبيات التي أوردها الحاكم، فأوردت الثلاثة الباقين على رأس كل مائة سنة إلى زماننا هذا» بقولي:
«والخامس الطوسي أعني حجة الـ … إسلام وهو محمد بن محمد»
«ذاك الذي أحيا لنا إحياؤه … ميت العمر وجلى القلب الصدي
والسادس الفخر الإمام المرتضى … ابن الخطيب عمى عيون الحسد
ذاك الذي نصب الدلائل للهدى … وأزال شبهة ذي الضلال الملحد
والسابع التبجي (^٢) أبو الفتح الذي … بلغ اجتهاد العلم قبضا باليد
أحيا الأنام (إمامه) (^٣) ولقد رقى … في شرحه (الإلمام) (^٤) فوق الفرقد
_________________
(١) «التنبئة» ٩/¬٤٠.
(٢) يقصد ابن دقيق العيد نسبة إلى «الثبج» وهو الوسط أو وسط الشيء، لأنه ولد في وسط الماء على ظهر سفينة بالبحر الأحمر، قريبا من ميناء «ينبع»، وأبواه متوجهان للحج/ طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ترجمة (٨٥٠) والمعجم الوسيط ١/ مادة «ثبج».
(٣) ، (^٤) «الإمام» إسم كتاب لابن دقيق العيد وقد شرح فيه كتابه الثاني المسمى بـ «الإلمام في أحاديث الأحكام».
[ ٣ / ١٢٥١ ]
والظن أن الثامن المهدي من … ولد النبي، أو المسيح المهتدي
فالأمر أقرب ما يكون فذو الحجي … متأخر ويسود غير مسود
أو ما ترى الأئمة ثم من … يمضي فلا خلف له في المقصد
ليس ارتفاع العلم نزعا إنما … موت الأئمة رفعه وكأن قد (^١)
ومن هذه الأبيات يظهر لنا أن العراقي يرى أن مجدد المائة الثامنة في ظنه سيكون المهدي المنتظر، من ذرية الرسول ﷺ، أو سيدنا عيسى ﵇ وذلك لأنه كان يحس بأن نهاية العالم قد اقتربت، وستكون بعد نهاية القرن الثامن الهجري، واستند في ذلك إلى أنه وجد في عصره بعض علامات الساعة الصغرى، التي وردت في السنة، كحديث جبريل المشهور وغيره (^٢) وذلك أنه كان في عصر العراقي كما أسلفت، يسود الناس من ليس أهلا للسيادة من المماليك وحواشيهم، كما اجتاحت الأوبئة عامة البلاد، ومات فيها كثير من العلماء دون أن يخلفهم أمثالهم، فكان الحالة العصر واضطراباته عموما أثرها، في رأي العراقي هذا، ولكن الإمام بدر الدين الأهدل الذي وجد سنة ٨٣٠ هـ نقل في كتابه (الرسالة المرضية في نصرة مذهب الأشعرية)
_________________
(١) التنبئة/ ٣٦.
(٢) انظر «البخاري مع شرحه فتح الباري» كتاب الإيمان ج ١/ ١٢٢ - ١٣٣ وكتاب الفتن ج ١٦/ ١٢٤ - ١٢٦، ١٤٧ - ١: ٤٩
[ ٣ / ١٢٥٢ ]
أبيات العراقي السابقة المتضمنة لرأيه، ورد عليه فقال: «وما ذكره من أن على رأس المائة الثامنة: المهدي أو عيسى بن مريم، لاقتراب الساعة، لم يصح، فنحن الآن في سنة ٨٣٠ هـ ولم يقع شيء من ذلك (^١)، ومع أن هذا الرد واقعي فعلا، إلا أنه في غير محله، فقد فات الأهدل أن العراقي قد قرر الرجوع عن رأيه المذكور، لما رأى أن ما ظنه واستشعره لم يتحقق على رأس القرن الثامن، وظهر له أن قرينه سراج الدين البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥ يستحق أن يكون مجدد المائة الثامنة على مقتضى حديث التجديد، وذلك في علم الفقه الشافعي، فقرر ذلك في حقه، في قصيدة على نفس قافية الأبيات السابقة، حيث قال:
والله يبقي شيخ المسلمين لنا … غناء عن الماضين للمتجدد
يحل في دروسه ما أعضلت … من المسائل الصعاب العقد
يعقد للإفتاء بعد عصره … إلى غروبها بخير مقعد
يأتون من فجاج الأرض واردي … بحر علومه الهنى المورد
فيسألون لا يرد سائلا … إلا بخط أو بقول مرشد
_________________
(١) «التنبئة» / ٤٠، ٤١.
[ ٣ / ١٢٥٣ ]
وجمع الله شملنا في جنة … ومنزل نعيمه المخلد (^١)
وقد أثبت الحافظ ابن حجر رجوع العراقي هذا وأقره حيث قال في ترجمة البلقيني:
«وشهد له جمع جم بأنه العالم الذي على رأس القرن»، وممن رأيت خطه بذلك في حقه شيخنا الحافظ أبو الفضل بن العراقي، بعد أن كان يصرح قديما بأن الأمر قد اقترب وانقضى، فلما انسلخ القرن (أي الثامن) ودخل القرن الآخر، وكانت الشهرة التي حصلت للشيخ (أي البلقيني) جزم، (أي العراقي) في حقه بذلك (^٢) على أن الإمام الأهدل قد وقع في نفس ما انتقد العراقي فيه؛ حيث إنه بعد انتقاده السابق له حدد بعض من يعتبر مجددًا للقرن الثامن ومنهم البلقيني المتقدم والعراقي نفسه وغيرهما، ثم قال الأهدل: «ويحتمل أن يبقى تاسع على رأس المائة التاسعة التي نحن فيها، ويكون المهدي أو عيسى بن مريم في المائة العاشرة، عند تمام الدور والعدد العربي، والله أعلم» (^٣) وأقول له ﵀: «ها نحن في سنة ١٣٩٩ هـ ولم يقع ما قررته، وبذلك يكون الصواب ما استقر عليه رأي العراقي أخيرًا من تحديد المجددين حتى عصره، وترك ما بعده لعالم الغيب والشهادة ومن عنده علم الساعة ﷾».
_________________
(١) انظر: «بهجة الناظرين» / ١٠ و«التنبئة» / ٣٧.
(٢) «وذيل الدرر الكامنة» لابن حجر/ بخطه/ ٦١.
(٣) «التنبئة» / ٤٢.
[ ٣ / ١٢٥٤ ]
إثبات بعض كرامات الإسنوي ورأي العراقي في كرامات الصالحين عموما:
ومن تقدير العراقي لشيخه الإسنوي وتوثيقه، أنه أثبت في ترجمته له، إخباره ببعض المغيبات، ثم مشاهدة العراقي بنفسه تحققها مثلما أخبر الشيخ. ومثل هذا يعد من الكرامة التي هي أمر خارق للعادة، يُظهره الله تعالى متى وكيف يشاء، على يد عبد من عباده الصالحين، غير مُقْتَرن منه بالتحدي، ولا بدعوى النبوة، ولا الكرامة، ولا حرصه على إظهارها (^١).
وقد أشار إلى ذلك ولي الدين بن العراقي حيث قال إن والده في ترجمته للإسنوي قد حكى عنه فيها كشفا ظاهرا (^٢).
وأوضح الغزي أكثر فقال: «إن العراقي في ترجمته للإسنوي حكى عنه إخبارًا ببعض المغيبات، وذكر أنه شاهده منه» (^٣).
لكنه لم يذكر لنا شيئًا معينًا من ذلك، وإنما نقل من كلام العراقي ما يدل على رأيه عموما في ثبوت مثل هذه الكرامات، فذكر أن العراقي بعد ذكره لبعض المغيبات التي أخبر بها الإسنوي وشاهد بنفسه تحققها، قال: «والله يُطلع من يشاء على ما يشاء، وهذا (أي ما ذكره عن الإسنوي) يسير بالنسبة إلى صالحي العوام، فضلا عن صالحي العلماء، فقد كان (أي الإسنوي) من أهل بيت مشهور بذلك» (^٤).
ومن هذا نفهم: أن العراقي يقر بثبوت الكرامة للصالحين على اختلاف
_________________
(١) «تعريفات الجرجاني» ١/ ٩٦.
(٢) «ذيل ولي الدين» ٥/ وفيات سنة ٧٧٢ هـ.
(٣) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٨.
(٤) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٣٨.
[ ٣ / ١٢٥٥ ]
درجاتهم في ذلك، سواء كانوا - مع صلاحهم - علماء، وهم الأولى، كالإسنوي وأسرته، أو عوام لهم من العبادة والاستقامة ما يحقق لهم مرتبة الولاية كما قال تعالى ﴿وهو يتولى الصالحين﴾، وهذا يوضح لنا جانبًا من موقفه العام بالنسبة للتصوف والصوفية في عصره الذي عمته نزعة التصوف من جانب، وكثر فيه أدعياؤه من جانب آخر، ومما ذكره العراقي من كرامات شيخه جنازته المشهودة، واستشعاره قرب وفاته، وتحقق ذلك، فقد قال عن جنازته: «ولم أر في عمري جنازة أكثر بهاء منها، ولا أكثر جمعا، إلا ما كان من جنازة الشيخ حسين الجاكي، فإني حضرتها وأنا صغير، وكذلك جنازة سيدي الشيخ عبد الله المنوفي (^١)، لم أر أكثر جمعًا منها، إلا أن الناس كانوا خرجوا اتفاقا ليدعوا الله تعالى ويرغبوا إليه لدفع الوباء، ونودي فيهم بذلك فخرجوا إلى الصحراء، وكأن اجتماعهم في الحقيقة للصلاة على الشيخ المنوفي رحمه الله تعالى» ثم أيد العراقي هذا بقوله: «وقد روى الإمام أحمد بن حنبل ﵁ أنه قال: «بيننا وبينهم الجنائز» وفسر كلام الإمام أحمد هذا بأنه يريد بذلك اجتماع الخلق واجتماع ألسنتهم على الثناء الحسن الجميل» (^٢).
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الزركشي تلميذ الإسنوي أيضا ما يوافق ما ذكره العراقي، حيث قال ابن حجر: «رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي: كانت جنازته (أي الإسنوي) مشهودة، تنطق له بالولاية» (^٣).
أما عن تنبئه بقرب وفاته فقال العراقي: «وكان شيخنا ﵀ قد ظهر
_________________
(١) توفي سنة ٧٤٩ هـ.
(٢) «بهجة الناظرين» / ١٤٠، ١٤١.
(٣) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤٦٥.
[ ٣ / ١٢٥٦ ]
عليه قبل موته بيسير، استشعار الموت واقترابه، وكان على ما حكى لي قد رأى عمر بن الخطاب قبل موته بيسير، وحكى لي بعض أصحابه - وهو الذي كان ينسخ تصانيفه - وهو القاضي نور الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، الجلال الاسنائي، قال: دخلت للشيخ، فأعطاني كراريس لأنسخها، وبعد إلحاح عليه قال: إنه رأى نفسه في النوم جالسًا، وبجانبه رجل يقول له: اشتقنا إليك، فسأل جليسًا بجنبه عنه فقال له: هذا عمر بن الخطاب ﵁، قال الجلال الإسنائي: فكأنه بسبب ذلك استشعر الموت وقرب أجله». (^١)
ذكر تفاصيل مرض الإسنوي ووفاته، ومباشرة العراقي لذلك:
اهتم العراقي ببيان تفاصيل الأحداث الأخيرة في حياة شيخه الحافلة فخصص لها مبحثًا عنونه بقوله «ذكر مرضه ووفاته» وسرد فيه تفاصيل ذلك عن معاينة ومباشرة لأغلب ما ذكر، وهذا ما لم يتح لغيره ممن ترجم للإسنوي من تلاميذه ومعاصريه، كابن الملقن في «طبقاته» (^٢)، فقد قال العراقي عن مرض الإسنوي ووفاته: وكان ابتداء ذلك أن حصل له يوم الثلاثاء ٦ من جمادى الأولى سنة ٧٧٢ هـ هواء في حلقه، فانقطع عن الدرس جمعة، ثم عوفي، وحضر الدرس بجامع ابن طولون يوم الأربعاء ١٤ جمادى الأولى، وانتهى في الدرس إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (^٣) وقال: «ها هنا نقف، وأخبرني من حضر معه الدرس المذكور أنه قام من الدرس، وهو يكرر هذه الآية الكريمة، ويمسح عينيه من الدموع، إلى أن
_________________
(١) «بهجة الناظرين» ٥/ ١٤١.
(٢) «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٤٦٥ و«بهجة الناظرين» / ١٤١.
(٣) الآية ٢٨١ من سورة البقرة
[ ٣ / ١٢٥٧ ]
ركب وهو يكررها، ثم حضر يوم الخميس الدرس «بالاقبغاوية» وقال للطلبة في الدرس: «إن الغزالي ذكر في «الإحياء» أن المستحب أن لا يعاد المريض إلا بعد ثلاثة أيام، فلا تشوشوا علي، ولا تعودوني إلا بعد ثلاثة أيام، ورجع إلى منزله، ثم ركب بقية النهار في عقيقة (^١) البعض فقهاء المالكية، ورأيته يومئذ وقت العصر حين رجع من الركوب وهو طيب، ثم جئت إليه يوم الجمعة قبل الصلاة، فذكر لي أنه شرب دواء، فدخلت إليه منزله، وهو متكئ، فقال لي: أنا طيب، وإنما شربت دواء بسبب البلغم، وهو آخر ما رأيته حيا، ثم انقطع عن الركوب للدرس يوم السبت فقط، وبلغني أنه كتب ذلك اليوم في بعض تصانيفه، ثم خرج يوم الأحد من منزله إلى المدرسة بعد صلاة العشاء الآخرة، وجلس يتحدث مع الجماعة ساعة، ثم دخل منزله، ثم خرج بعد رقدة وحده، فمشى حول الفسقية، ثم استقبل القبلة ودعا طويلا، ثم دعا بعض طلبته فتوكأ عليه، إلى أن دخل منزله، ثم قال: ادع لي الجارية تحضر لي ثيابا نظيفة أغير على ثيابي، واتكأ على ساعده الأيمن، فلما نزلوا له بالثياب وجدوه قد قضي إلى رحمة الله تعالى، في ليلة الأحد ١٨ جمادى الآخرة سنة ٧٧٢ هـ، ودفن من الغد بتربته التي أنشأها خارج باب النصر، وتقدم في الصلاة عليه مولانا قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء، وصلى عليه بجامع الحاكم، لكثرة الناس، ثم صلى عليه عند تربة ابن جوشن، ثم صلى عليه عند تربته، وقد حضرت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه (^٢)»
وما ذكره العراقي من تحديد تاريخ وفاة الإسنوي، أقره عليه تلميذه ابن
_________________
(١) هي وليمة شرعية تعمل في سابع يوم من ولادة المولود فيكون المقصود ابن بعض المالكية.
(٢) «بهجة الناظرين» / ١٤٠.
[ ٣ / ١٢٥٨ ]
حجر (^١) وابن تغري بردي في «المنهل الصافي» (^٢).
أما في «النجوم الزاهرة» فذكر ٢٨ جمادى الآخرة، بدل ١٨ فلعله خطأ من الناسخ (^٣).
استطرادات العراقي في الترجمة:
ومع استيفاء العراقي لعناصر الترجمة على النحو الذي قدمته، فإن التوسع قد جعله يستطرد لذكر بعض نقاط خارجة عن مطالب الترجمة، وذلك بقصد زيادة الفائدة، حتى إن شهاب الدين الغزي لما نقل مقاصد هذه الترجمة، حذف تلك الإستطرادات مكتفيا بالإشارة إليها، وذلك أن العراقي ترجم لوالد الإسنوي، فحذفها الغزي، وقال: «إن الإسنوي نفسه قد ترجم لوالده في طبقاته فلتراجع منها» (^٤)، ويلاحظ أن الغزي نفسه (^٥)، ومن قبله ابن خلكان (^٦)، قد انتهجا هذه الطريقة حيث يترجمان في نهاية بعض التراجم لمن له صلة بصاحب الترجمة، من الأبوة، أو النبوة، أو حتى المصاهرة.
ولما ذكر العراقي في الترجمة المذكورة أن شيخه الإسنوي قرشي الأصل، كما قدمت، فإنه استطرد من ذلك لذكر ثلاثة فصول فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم، والأخذ عنهم، وقد حذف الغزي ذلك واكتفى
_________________
(١) «الدرر الكامنة» ج ٢/ ٤٦٥.
(٢) ج ٢/ ٣١١.
(٣) «النجوم الزاهرة» ج ١١/ ١١٤.
(٤) «بهجة الناظرين» / ١٣٨.
(٥) في «بهجة الناظرين» / ٢.
(٦) انظر «وفيات الأعيان» له عموما.
[ ٣ / ١٢٥٩ ]
بالإشارة إليه فقال: «إن العراقي ذكر أبوابًا فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم، والأخذ عنهم (^١)، ولم يذكر شيئًا من ذلك». ولا شك أن تلك الأبواب تعد استطرادًا كبيرًا، مع ضعف صلته بالترجمة، مع ملاحظة أن العراقي قد تناول نفس النقاط المذكورة في عدة فصول أيضًا من كتابه «محجة القرب إلى محبة العرب» كما سيأتي، لكنه على ما يبدو قد ألف هذا الكتاب بعد الترجمة المذكورة، ومن ثم لم يكن يمكنه الإحالة عليه، بدلًا من الإستطراد.
ذكر رثاء العراقي وغيره للإسنوي:
ختم العراقي ترجمة الإسنوي هذه ببعض المراثي الشعرية، التي رثاه بها غير واحد من الأئمة، فقال: «وقد رثاه جماعة من الأئمة من أصدقائه وطلبته، وقد ذكر في مقدمة ذلك ما رثاه هو به»، حيث قال: «فمما رثاه به جامع هذه الترجمة: عبد الرحيم بن الحسين، وذكر قصيدة بلغت ٢٦ بيتًا ومطلعها:
تنكرت الدنيا فلست أخالها … لفقدكم إلا تدانى زوالها
وقد ضمن تلك القصيدة: التأثر الكبير لفقد الإسنوي، وكثيرًا من مآثره الإنسانية، وآثاره العلمية، كما ضمنها توثيقه من ناحية العقيدة، وإليك بعض الأبيات المتضمنه لما تقدم حيث يقول العراقي عن شيخه:
يعز علي نفسي وعيني أن ترى … مجالس علم ليس فيها جمالها
_________________
(١) «بهجة الناظرين» / ١٣٨.
[ ٣ / ١٢٦٠ ]
فمن بعده للمعضلات يحلها … إذا أغلقت فهما وأعيا سؤالها
بكاه سماء الجو يوم مماته … كذا الأرض حتى سهلها وجبالها
ويبكيه أهل الدين إنس وجنة … وأولادها في مهدها وعيالها
وينفق في ذات الإله فما درت … ما أنفقت يمناه يوما شمالها
عزوف عن الدنيا عكوف على التقى … ألوف فعال لا يبيد فعالها
صحيح اعتقاد لم يكن متفلسفا … ولا شأنه إرجاؤها واعتزالها
له نفس حر لا تذل المطمع … سمت عن سما الفرقدين خصالها
فلم يبتذل نفسًا لذل وإنما … لخدمة بذل العلم كان ابتذالها
وكم من قريش عالم متقدم … وآخرها عبد الرحيم كمالها
لئن فجعتنا الحادثات بشخصه … فآثاره فينا يدوم اتصالها
[ ٣ / ١٢٦١ ]
تصانيفه تتلى وأصحابه لها … مجالس يردي الملحدين جدالها (^١)
وبعد أن فرغ العراقي من مرثيته هذه للإسنوي قال: «ومما رثي به ما أنشدنيه الشيخ الإمام جمال النحاة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصايغ، لنفسه، من نظمه» وذكر بيتين فقط وبهما أنهى الترجمة. (^٢)
مقارنة الترجمة المذكورة بالبحوث المعاصرة في الشخصيات العلمية:
وباستعراضنا لما تقدم من مضامين تلك الترجمة ومنهج العراقي فيها، نجد أنها قد احتوت على المقومات الأساسية، وجرت على المنهج العام الذي يرتضيه ويسلكه الباحثون حتى الآن، في الكتابة المتخصصة عن الشخصيات العلمية، غاية ما هنالك أنه يوجد إختلاف بين تلك الترجمة وبين البحوث المعاصرة، من ناحية الإجمال والتفصيل، وتقسيم وترتيب مقومات الترجمة حسبما يقتضيه نظر كل باحث، وما يتوفر له من مادة علمية عن صاحب الترجمة وآثاره العلمية.
أثر الترجمة فيما بعدها:
رغم أني لم أعثر على شيء من نسخ هذه الترجمة، فقد استطعت - بحمد الله وفضله - من خلال نقول العلماء الشاميين والمصريين عنها، بيان مقوماتها الأساسية، ومنهج العراقي، وأهم آرائه فيها، وهذا من أوضح الأدلة على أثر تلك الترجمة فيما بعدها من كتب الرجال، بحيث يمكن القول: إنها حاليا.
_________________
(١) «بهجة الناظرين» / ١٤١، ١٤٢.
(٢) «بهجة الناظرين» / ١٤٢.
[ ٣ / ١٢٦٢ ]
مفتقدة بذاتها وباقية بآثارها، فقد رأينا شهاب الدين الغزي، أحد مؤرخي الشام وعلمائه، يصرح في طبقاته بأن هذه الترجمة حسنة وأنه اقتنى نسخة منها، ثم أورد كثيرًا من مضامينها بنص كلام العراقي، وأشار إلى مضامين أخرى لم يذكرها كما قدمت.
كذلك نقل الإمام بدر الدين الأهدل في رسالته السابقة الذكر، عن تلك الترجمة الأبيات التي نظمها العراقي في بيان المجددين، كما مر. ثم نقل عنها السيوطي في كتابه «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» الأبيات المبينة للمجددين، ورأي العراقي في درجة حديث التجديد بروايتيه، ثم معناه، ومدى إنطباقه على الإسنوي كما أسلفت، وهذا كله يدل على تداول تلك الترجمة، والإقبال على الاستفادة بمضمونها بعد عصر العراقي، داخل مصر وخارجها، وما تزال تلك المؤلفات المتضمنة للنقول عن الترجمة، موجودة ومنتفع بها حتى وقتنا هذا، وإن كانت لم تطبع حتى الآن، ثم إن الحافظ ابن حجر قد تكلّم عن هذه الترجمة بما يدل على اطلاعه عليها وخبرته بمحتواها، ورأيه فيها، فقال في كتابه «الدرر الكامنة» في ترجمة الإسنوي: وأفرد له شيخنا العراقي ترجمة ذكر فيها كثيرًا من فضائله، ومناقبه، ومن نظمه أيضًا، وبالغ في الثناء عليه (^١)، أما أبو زرعة بن العراقي فإنه في ترجمته للإسنوي أيضًا في ذيله على ذيل والده على كتاب «العبر» قال: إنه سمع هذه الترجمة هو وغيره على والده، كما استمد منها في نفس ترجمته للإسنوي (^٢)، وهذا كما يدل على أثرها في تأليفه، يدل على قيام العراقي بتدريسها لطلابه،
_________________
(١) الدرر الكامنة ج ٢/ ٤٦٤، ٤٦٥.
(٢) انظر «ذيل أبي زرعة» وفيات سنة ٧٧٢ هـ.
[ ٣ / ١٢٦٣ ]
وإقبالهم على تلقيها، وبذلك يتضح لنا أثر تلك الترجمة الممتد منذ فراغ العراقي منها، وحتى الآن، وإلى ما بعد ذلك إن شاء الله.
ب - ترجمة العراقي لشيخه «مغلطاي» وزمن تأليفها وأهميتها:
هذا هو الكتاب الثاني للعراقي في التراجم المفردة، وقد نسبه إليه السخاوي كما قدمت، ونسبه إليه تلميذه الحافظ ابن حجر، حيث ذكر أن زين الدين ابن رجب الحنبلي، أخذ غالب ترجمته لمغلطاي، من ترجمته التي أفردها له شيخنا العراقي (^١)، وهذا بجانب إثباته نسبة الترجمة إلى العراقي، يدلنا على زمن تأليفها على وجه التقريب، فإن ابن رجب المذكور الذي اعتمد على تلك الترجمة كان من رفاق العراقي في طلب العلم، وقد توفي في حياته سنة ٧٩٥ هـ (^٢)، فاعتماده على هذه الترجمة يدل على أن العراقي قد فرغ منها قبل وفاة ابن رجب في السنة المذكورة بوقت غير قصير، بحيث أُتيح له - وهو من سكان الشام - الحصول على نسخة الترجمة والاستفادة منها، وترجع أهمية هذه الترجمة إلى عدة اعتبارات، أهمها: - أن البحث الموسع لم يوقفني على أحد ألف كتابًا خاصًا في ترجمة الحافظ مغلطاي، غير العراقي، وإنما ترجمه غير واحد من معاصريه، ومن بعدهم ضمن مؤلفاتهم في التراجم عموما، مثل تقي الدين بن رافع في «وفياته» (^٣)، والصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات» (^٤) وقاسم
_________________
(١) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٣/ أصل وهامش.
(٢) «البدر الطالع» للشوكاني ج ١/ ٣٢٨.
(٣) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٣.
(٤) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٢.
[ ٣ / ١٢٦٤ ]
ابن قطلوبغا الحنفي في «تاج التراجم» (^١) وغير هؤلاء.
كما أن العراقي بحكم تلمذته لمغلطاي قد اعتمد في هذه الترجمة على خبرته بشيخه، واتصاله المباشر به، وكذا بأقرانه من شيوخه، كالعلائي وتقي الدين السبكي، وهذا مما يجعل لمضمون تلك الترجمة أهميتها الخاصة، ويضاف إلى ذلك أن هذه الترجمة تمثل أنواع الجرح والنقد التي كانت توجه لمتأخري المحدثين، حيث ذكر العراقي فيها عدة تجريحات لشيخه كما سيأتي:
مما وقفت عليه من نصوص الترجمة
لقد بحثت كثيرًا، فلم أقف على أية نسخة لهذه الترجمة، لكني وقفت بحمد الله على عدة نقول عنها معزوة إلى العراقي، وذلك في كتب التراجم لمن بعد العراقي، كتلميذه ابن حجر في كتابيه «الدرر الكامنة» و«لسان الميزان» (^٢) وكتلميذه ابن فهد في كتابه «لحظ الألحاظ» (^٣) وكالسيوطي في «ذيل تذكرة الحفاظ» (^٤).
وقد تركزت هذه النقول جميعًا في الانتقاد والتجريح الذي ذكره العراقي لشيخه في هذه الترجمة، ولهذا فإنه لم يتح لي أن أعرض لمنهج العراقي عمومًا وآرائه في تلك الترجمة مثلما فعلت في ترجمة الإسنوي، وإنما سأكتفي ببيان عنصر النقد هذا فقط، في حدود النقول المشار إليها، مع مقارنة ذلك بما عند غير العراقي ممن ترجم المغلطاي.
_________________
(١) الدرر الكامنة جـ ٥/ ١٢٢ أصل وهامش.
(٢) البدر الطالع للشوكاني ١/ ٣٢٨.
(٣) «ذيول تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٣٣ وما بعدها.
(٤) «ذيول تذكرة الحفاظ» ٤/ ٣٦٥.
[ ٣ / ١٢٦٥ ]
من تجريح العراقي لشيخه مغلطاي مع المقارنة بصنيع غيره:
من هذا التجريح: تحديد تاريخ مولد مغلطاي وإجازته برواية الحديث، فقد ذكر العراقي: أنه سأله بنفسه عنهما، فقال له: إنه ولد سنة ٦٨٩ هـ، وأنه قد أجاز له الفخر بن البخاري، قال العراقي: ثم صار يتتبع ما كان خرجه عن الفخر المذكور بواسطة، فيكشط الواسطة ويكتب فوق الكشط أنبأنا (^١) وهذا نوع من الكذب، كما هو مقرر في علم المصطلح، قال العراقي: «فذكرت دعواه في مولده وفي إجازة الفخر له، للشيخ تقي الدين السبكي، فأنكر ذلك وقال: «إنه عرض (^٢) عليّ كفاية المتحفظ في سنة ٧١٥ هـ وهو أمرد بغير لحية» (^٣) ثم قال: «وأقدم ما وجدتُ له من السماع سنة ٧١٧ هـ بخط من يوثق به وادعى هو السماع قبل ذلك بزمان»، فتكلم فيه لذلك» (^٤)، وقال العراقي أيضًا: سألته عن أول سماعه فقال: «دخلت بعد السبعمائة إلى الشام، فقلت له: فماذا سمعت إذ ذاك؟ قال سمعت شعرًا، فقلت له فأول سماعك للحديث متى؟ فسكت، فلقنته: في سنة ٧١٥ هـ؟ فقال: نعم، ثم ادعى أنه سمع على أبي الحسن بن الصواف راوي «سنن النسائي»، والمتوفى سنة ٧١٢ هـ، فسألته كيف سمعت عليه؟ فقال: سمعت عليه ٤٠ حديثًا، انتقاء نور الدين الهاشمي من «سنن النسائي»، فحصلت عندي فيه وقفة، ثم بعد مُدَّةٍ أخرج جزءًا منتقى من النسائي بخطه، ليس عليه طبقة البتة، لا
_________________
(١) انظر «لسان الميزان» لابن حجر ج ٦/ ترجمة/ ٢٧١ والدرر الكامنة ٥/ ١٢٢
(٢) أي قرأ من حفظه
(٣) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٦، واللسان ٦/ ترجمة (٢٧١)
(٤) لسان الميزان ج ٦ ترجمة/ ٢٧١ و«ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٥، ١٣٦.
[ ٣ / ١٢٦٦ ]
بخط غيره، ولا بخطه (^١)، وذكر أنه قرأه بنفسه على ابن الصواف سنة ٧١٢ هـ، يعني سنة وفاة ابن الصواف، قال العراقي: «فقويت الوقفة» (^٢).
وذكر العراقي أيضًا أن شيخه قد خرج لنفسه جزءًا مما سمعه من الدمياطي وابن دقيق العيد وابن الصواف المذكور وغيرهم، وذكر فيه أنه سمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول بدرس «الكاملية» سنة ٧٠٢ هـ: قال رسول الله ﷺ: «لا تجتمع أُمتي على ضلالة»، قال العراقي: فذكرت ذلك لشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، فاستبعد ذلك جدًا، وقال: إن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، ضعف من أواخر سنة ٧٠١ هـ، ولم يحضر درسًا في سنة ٧٠٢ هـ، ولم يكن بالكاملية، وإنما خرج إلى بستان خارج باب الخرق (^٣) فأقام به إلى أن توفي في أوائل صفر سنة ٧٠٢ هـ.
قال العراقي: «ثم سألت تاج الدين عبد الرازق شاهد الخزانة - وكان مخصوصا بخدمة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فذكر نحو ذلك، وأن الشيخ أقام ضعيفًا مدة شهرين أو أكثر، إلى أن توفي بالبستان» (^٤) وقال العراقي أيضًا عن شيخه: ذكر لي أنه وجد سماعًا له على الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، بحديث مسند، فسألته: «من أي كتاب؟ فقال من «سنن أبي مسلم الكجي»، قلت له: فالطبقة بخط من؟ قال: بخط الشيخ تقي الدين نفسه،
_________________
(١) يعني ليس مكتوبا عليه بيانًا لا بالسماع ولا بغيره.
(٢) أي التحفظ في تلقي الحديث عنه بإسناده.
(٣) يعرف حاليا بباب الخلق بالقاهرة.
(٤) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٦، ١٣٧ و«لسان الميزان» ج ٦ ترجمة/ ٢٧١ و«الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٣.
[ ٣ / ١٢٦٧ ]
فسألته أن أقف على «سنن أبي مسلم» الذي عليه سماعه على الشيخ، فتغير، وقال لي: ليس هو هنا، فغلب على ظني أن ما ادعاه من السماع عليه، لا أصل له، فالله يغفر له، ويسامحه، ثم رأيت في تركته نسخة من «سنن أبي مسلم» وقد سمع شيئًا منه على بنت الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وليس له فيها سماع على ابن دقيق العيد البتة، والله تعالى أعلم. (^١)
هذا مجمل ما وقفت عليه من تجريح العراقي لشيخه مغلطاي، وكلها طعون في اتصال سنده بمروياته الحديثية عن بعض شيوخه، ويلاحظ أن العراقي قد اعتمد في تجريحاته على عدة مصادر واقعية، ومؤكدة ببحثه الخاص، وبشهادة غيره من الثقات، ولذلك قرر من جانبه التوقف في تلقي المرويات الحديثية عنه، بحيث لا يأخذ إلا ما ثبت له سند شيخه به، أما غير ذلك من نشاطه الحديثي بصورة عامة، فقد قال عنه في نفس هذه الترجمة، كان عارفًا بالأنساب معرفة جيدة، وأما غيرها من متعلقات الحديث فله بها خبرة متوسطة (^٢)، وعندما نقارن ما ذكره العراقي عمومًا عن شيخه، بما ذكره غيره، نجد أن تقي الدين بن رافع، وصلاح الدين الصفدي، يتفقان مع العراقي في عدم قبول قول مغلطاي بالنسبة لتاريخ مولده، حيث قال ابن رافع: «إن مولد مغلطاي سنة ٦٩٠ هـ»، وقال الصفدي: «إنه ولد بعد سنة ٦٩٠ هـ» وكلا التاريخين متأخران عما ذكره مغلطاي بنفسه، وهو سنة ٦٨٩ هـ (^٣).
كما نجد أن صلاح الدين العلائي، معاصر مغلطاي وشيخ العراقي أيضًا، قد
_________________
(١) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٧، ١٣٨ و«لسان الميزان» ج ٦/ ترجمة/ ٢٧١
(٢) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٣ و«ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٣، ٣٦٥
(٣) : «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٣ و«الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٢
[ ٣ / ١٢٦٨ ]
سبقه إلى إنكار سماع مغلطاي على جماعة ممن ادعى السماع عليهم (^١)؛ بل ذكر هو وابن رجب الحنبلي تجريحًا آخر، تسبب في اعتقاله وتعزيره، وهو أنه في كتابه «الواضح المبين فيمن استشهد من المحبين» تعرض للسيدة عائشة ﵂، وذكر في الكتاب شعرًا من نظمه يدل على الاستهتار وضعف الدين، فأنكر عليه ذلك (^٢)، لكننا نجد معاصرًا آخر للعراقي وهو حسن ابن عمر، صاحب كتاب «درة الأسلاك في دولة الأتراك» قد ترجم في هذا الكتاب لمغلطاي، فوصفه بأنه كان إمامًا يُقتدى بقوله، وعالمًا يهرع الطلبة إلى نزله، وأثنى أيضًا على مصنفاته، ولم يذكر أي تجريح له (^٣) إلا أن الأكثرين مع العراقي فيما قرره.
ولقد حاول الشيخ زاهد الكوثري ﵀ في عصرنا المتأخر أن يرد تجريح العراقي وغيره عن مُغلطاي (^٤)، ولكنه في تقديري لم يوفق في ذلك حيث لم يقدم من الأدلة ما يكفي للرد، وقرر بشأن الإجازة برواية الحديث واتصال الأسانيد خلاف ما تقتضي به قواعد الرواية المعتبرة في التحمل والأداء، كما أول تصرفات العراقي وشيخه مغلطاي في التجريحات السالفة، على غير وجهها الظاهر، وغض نظره عن وجوه إثبات العراقي لتلك التجريحات كما قدمت إيضاحه، وأخيرًا قرر: أن العراقي من المتشبعين على موائد علم مغلطاي، وأن التجريح المذكور لا يحط من مقداره، وقد غفل في ذلك عن
_________________
(١) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٧.
(٢) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٢، ١٢٣ و«اللسان» ج ٦/ ترجمة/ ٢٣١.
(٣) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية»: «المنتقى من درة الأسلاك» وفيات سنة ٧٦٢ هـ.
(٤) تعليقات على طبعة «ذيول تذكرة الحفاظ» / هامش الصفحات/ ١٣٦ - ١٣٨.
[ ٣ / ١٢٦٩ ]
أن العراقي لم ينكر تلمذته للمغلطاي وما له من خبرة علمية جيدة في بعض متعلقات علم الحديث كما قدمت، وكل ما فعله أنه أثبت ما لشيخه وما عليه، فمع تجريحه له في معرض جوانب الاسناد، نجده يروي عنه ما ثبت له اتصال سنده به (^١)، كما أنه في ترجمته له ضمن ذيله على كتاب «العبر» المتقدم، قد وصفه بأنه: علامة، ومن حفاظ الحديث، وذكر أن ذيله على «تهذيب الكمال» للمزي فيه تعصب كبير، وفيه فوائد أيضا (^٢)، واقتنى كتابه الذي صنفه فيمن عرف بأمه، وقال إنه حسن (^٣)، وبذلك لا يكون العراقي قد هضم شيخه حقه فيما تمتع به من ميزات علمية، كما فهم الشيخ الكوثري، وقد أقر العراقي على ما أثبته في هذه الترجمة غير واحد ممن عاصره أو تتلمذ عليه أو جاء بعده كما سأوضحه فيما يلي:
أثر الترجمة فيما بعدها:
منذ ألف العراقي هذه الترجمة، وأودعها الآراء والوقائع المتعلقة بشيخه، ظهر أثرها بين علماء مصر والشام والحجاز، فقد مر أن قرين العراقي زين الدين ابن رجب الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ، لما ترجم للمغلطاي في بعض مؤلفاته، أخذ غالب ما ذكره من تلك الترجمة التي ألفها العراقي، وأقره على ما أورده فيها، كما يظهر من نقول ابن حجر عنه (^٤).
كذلك نجد أن تلميذ العراقي ابن فهد، وهو من علماء عصره بالحجاز، قد
_________________
(١) انظر «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٤١.
(٢) انظر «مجموع ابن خطيب الناصرية»: «المنتقى من ذيل العراقي على العبر» / وفيات سنة ٧٦٢ هـ.
(٣) «فتح المغيث» للعراقي: ج ٤/ ١٢٦
(٤) «الدرر الكامنة» ج ٥/ ١٢٣
[ ٣ / ١٢٧٠ ]
نقل نصوص ومضامين هذه الترجمة، معزوة للعراقي، وذلك في ترجمته للمغلطاي في تذييله على «تذكرة الحفاظ» للذهبي، وأقره على ما ذكره فيها بالنسبة للتجريح وغيره (^١)، وأما في مصر، فقد اعتمد تلميذ العراقي ابن حجر على نصوص ومضامين هذه الترجمة في ترجمته المغلطاي في كتاب «لسان الميزان»، وأقر شيخه العراقي على ما قرره في تلك الترجمة، مع زيادات من جانبه هو (^٢)، ومن بعد ابن حجر نقل السيوطي بعض نصوص هذه الترجمة معزوة للعراقي أيضًا وأقرها، وذلك في ذيله على «تذكرة الحفاظ» للذهبي (^٣)، وما زالت تلك المؤلفات باقية متداولة في أرجاء العالم إلى الآن، حاملة الأثر الممتد لمحتوى تلك الترجمة في علم الرجال.
ثامنا: «تأليف العراقي في مشيخات ومعاجم رجال السنة، وأثر ذلك» المشيخات والمعاجم وقيمتها العلمية:
المشيخه - بسكون الشين المعجمة، أو كسرها - جمع شيخ (^٤)، ثم أُطلق اللفظ في اصطلاح علماء السنة على الكتاب الذي يشتمل على ذكر شيوخ وشيخات أحد العلماء، وبيان ما أخذه عن كل منهم بطريقة أو أكثر من طرق التحمّل، كالسماع والإجازة (^٥)، مع رعاية ترتيبهم في الذكر حسب حروف المعجم، أو دون رعاية لذلك، وأما معجم الشيوخ، فهو أخص من المشيخة.
_________________
(١) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ١٣٣ - ١٣٩.
(٢) انظر «لسان الميزان» ج ٦/ ترجمة/ ٢٧١.
(٣) «ذيول تذكرة الحفاظ» / ٣٦٥.
(٤) «لسان العرب» لابن منظور ج ٣/ ٥٠٦.
(٥) «الرسالة المستطرفة» / ١٠٤. و«البيان المكمل في تحقيق الشاذ والمعلل» لشمس الحق أبادي/ ٢.
[ ٣ / ١٢٧١ ]
لأنه يُطلق على ما رُتّبَت فيه أسماء الشيوخ على حروف المعجم فقط، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: «إن المشيخات في معنى المعاجم، إلا أن المعاجم يُرتّب المشايخ فيها على حروف المعجم في أسمائهم، بخلاف المشيخات» (^١).
وبين أيضا أن المشيخة ما تضمَّن شيوخ الشخص وأحوالهم، وتفصيل مروياته عنهم، بالسماع، أو بالإجازة، سواءً في موطنه أو خارجه (^٢).
وذكر السخاوي أيضا أن ما جُمِع فيه شيوخ شخص مخصوص، يُسمّى معجما، وهو ما يكون مرتبا على الحروف، أو مشيخة، وهو أعم من ذلك، وقد يكون مرتبا على البلدان، وهو قليل بالنسبة للأولين (^٣)، وقد يكون الشخص هو الجامع لشيوخه بنفسه كالطبراني في «معجمه الأوسط» (^٤)، وابن الجوزي في «مشيخته» (^٥)، والحافظ ابن حجر في «معجم شيوخه» (^٦)، وقد يجمعهم له غيره، كما فعل العراقي لبعض شيوخه فيما يأتي، وقد تجمع مشيخة أو معجم لأحد العلماء، ثم يسمع من شيوخ آخرين، أو يُوقف بمزيد من الاطلاع والبحث في مروياته، على وجود شيوخ آخرين، لم تشملهم مشيخته، أو معجمه، فيجمعون في كتاب آخر، يُعد ذيلا على سابقه، وقد
_________________
(١) «المعجم المفهرس» له/ ٨٤ أ (مخطوط).
(٢) «الضوء اللامع» جـ ١/ ١٤٣.
(٣) «الإعلان بالتوبيخ» / للسخاوي/ ضمن «علم التاريخ عند المسلمين» لروزنتال/ ٦٠٥.
(٤) «الإعلان بالتوبيخ» ٢/ ٦٠٧
(٥) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ ١٦ ب (مخطوط).
(٦) «يسمى المجمع المؤسس للمعجم المفهرس» وتوجد منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم (٤٥٣) مصطلح الحديث:
[ ٣ / ١٢٧٢ ]
١ - الإسهام في المحافظة على خصوصية الأمة المحمدية
فعل ذلك العراقي أيضًا بالنسبة لبعض شيوخه كما سنذكره، وبذلك صار له في هذا تأليف عدة مشيخات، وبعض الذيول والمعاجم - وكلها لشيوخه في الحديث ولكن قبل تناولنا لكل منها على حدة، يجدر بي أن أبين القيمة العلمية للمعاجِم والمشيخات عمومًا، حتى يتضح لنا قيمة ما ألفه العراقي في ذلك وداعيه إليه، ويمكن إجمال القيمة العلمية للمعاجِم والمشيخات فيما يلي:
١ - الإسهام في المحافظة على خصوصية الأمة المحمدية من دون الأمم وهي اتصال إسناد شريعتها قرآنا وسنة، بين نبيها ﷺ وأصحابه ﵃ وبين باقي الأمة في كل عصر إلى قيام الساعة (^١)، ذلك أن المؤلفين الأول كمالك، والإمام أحمد بن حنبل، وأصحاب الكتب الستة، وأمثالهم، قد تكفلوا بتدوين عموم السنن والآثار في مصنفاتهم الجامعة، بسندها المتصل إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، وبذلك صار الاعتماد في ثبوت أو نفي المرويات على النسخ الصحيحة من هذه المصنفات، منذ تدوينها وإلى الأبد حتى لو لم يتصل السند بين من يعتمد على تلك المصنفات في أي عصر وبين مصنفيها، على الراجح، نظرًا لأن تداولها واشتهارها بين عامة الأمة في كل جيل، جعل النفوس مطمئنة إلى سلامة محتواها من التحريف ومستغنية في صحة نسبتها لمؤلفيها عن اتصال السند بين مؤلفيها، وبين من بعدهم من الأجيال (^٢).
ومع هذا فإن مؤلفي مصنفات السنة عموما، حرصوا على أداء ما هو مدون فيها، بأسانيدهم إلى تلاميذهم مشافهة، وقام تلاميذهم بنفس المهمة لمن
_________________
(١) انظر «تاريخ التراث» لفؤاد شركين ج ١/ ٢٣٠.
(٢) انظر «قواعد التحديث» للقاسمي/ ١٩٨ - ٢٠٠.
[ ٣ / ١٢٧٣ ]
يليهم، وهكذا جيلًا بعد جيل، لا من أجل إثبات المروي في تلك المصنفات الشهيرة، ولكن لتصحيح النسخ المنقولة من النسخ الأصلية، حتى يوثق بمحتواها، وحفاظًا على بقاء خصوصية الأمة في اتصال إسنادها الشفاهي بالدين إلى أبنائها، في كل عصر حتى قيام الساعة، وقد قرر ذلك العراقي وغيره من المتقدمين والمتأخرين (^١). وظل قصد المحافظة على تلك الميزة للأمة الإسلامية، يدفع الكثيرين ممن تلقوا شيئًا من الجوامع الأولى للسنن والآثار ومتعلقاتها، إلى الحرص على الإثبات الكتابي لتحمله، سواء في نفس نسخة الكتاب الذي تحمله، أو خارجه في ثَبَتٍ خاص، حذرا من النسيان، وتخليدا لشرف اتصال سنده بأقطاب السنة من قبله، كالبخاري ومسلم، وليكون ذلك أيضًا مستندا له في أداء ما تلقاه عن شيوخه إلى من بعده، فَيُسهم بذلك في استمرار خصوصية الأمة باتصال السند في كل عصر، وبجمع وترتيب إثباتات ما تلقاه الشخص عن شيوخه من كتب السنة وأجزائها ومتعلقاتها، تكونت المشيخات والمعاجم التي ألفها العلماء بعد عصور التدوين، سواء لأنفسهم كالطبراني والسلفى وابن حجر، أو لغيرهم، كما فعل العراقي، وبذلك أصبحت أبرز مهمات المعاجم والمشيخات: اثبات اتصال سند صاحب أي منها بأصحاب المرويات والمدونات الحديثية من قبله، والذين يتصل اسنادهم بمروياتهم، ومدوناتهم إلى المصدر الأول للسنة ﷺ وإلى أصحابه وتابعيهم، وبذلك تكتمل سلسلة الإسناد المحققة لميزة الأمة، نتيجة لتضافر جهود العلماء الأوائل كالبخاري والأواخر كالعراقي، وتلاقيهما،
_________________
(١) انظر «فتح المغيث» للعراقي ج ٢/¬٣٤، ٣٥ و«جامع المعقول والمنقول في شرح جامع الأصول» لابن الأثير تأليف الشيخ عبد ربه سليمان/ ٢٥ و«قواعد التحديث» للقاسمي/ ٢٠٢.
[ ٣ / ١٢٧٤ ]
بحيث أسهمت المشيخات والمعاجم بوصل سند المتأخرين بالمتقدمين، وأسهمت المدونات الأولى للسنة بوصل سند المتقدمين إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم.
وإليك نموذجًا من معجم شيوخ ابن حجر، تلميذ العراقي يوضح ذلك ويُقاس عليه عمل العراقي، لعدم وقوفنا على نموذج كامل من المشيخات والمعاجم التي ألفها، رغم تداول معظمها فى عصره كما سيأتي، يقول ابن حجر في معجم شيوخه ضمن بيان مروياته عن شيخه العراقي بعد أن ترجم له: «وقرأت عليه وعلى رفيقه الشيخ نور الدين الهيثمي مسند محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، سوى من أثناء حديث سلمان الفارسي (رضي الله تعالى عنه) في أواخر الكتاب، إلى آخر الكتاب بسماعهما، بقراءة الاول على أبي محمد عبد الله بن محمد بن ابراهيم البزوري ابن قيم الضيائية، أنا الفخر على بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، قال أنا أبو مسلم هشام بن عبد الرحمن بن أحمد بن الأخوة، ومحمد بن معمر بن الفاخر، بإجازة منهما، قالا: أنا سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، قال أنا أحمد بن محمد بن النعمان، قال أنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن المقري قال أنا إسحاق الخزاعي عنه (^١)، أي عن العدني مصنف المسند. وفي المسند نفسه أثبت العدني سنده بكل ما رواه فيه متسلسلا إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، وبذلك أصبح سند ابن حجر بهذا المسند عن طريق ما أثبته في معجم شيوخه هكذا متصلا إلى العدني مؤلف المسند، ثم اتصل سنده من العدني إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم بأسانيد العدني إليهم، كما أوردها في المسند
_________________
(١) «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ١٧٩ (المخطوط).
[ ٣ / ١٢٧٥ ]
وهكذا شأن ما ألفه العراقى من المعاجم والمشيخات، وعندما يؤدى صاحب المعجم أو المشيخة ما اشتمل عليه أى منهما إلى من بعده بأحد طرق الأداء المقررة في علوم السنة، فإنه يتصل اسناد ما روى في أي منهما لمن بعده ومن بعده، يؤديه صولا إلى من يليه، وهكذا، بحيث لا تقتصر فائدة المعجم أو المشيخة على وصل سند مشتملاته من صاحبه إلى المصنفين الأول لكتب السنة فحسب، بل تمتد إلى من يليه من الأجيال، بحيث تبقى به خصوصية الأمة في اتصال السند بما اشتمل عليه إلى يوم الدين.
وسيأتي بيان ما أمكننا الوقوف على تحقيقه ذلك الأثر الدائم من مؤلفات العراقي، وهو المشيخة التي خرجها وجمعها لشيخه ابن القارئ الثعلبي، حيث تسلسل السند بما حوته من المرويات إلى عصرنا الحاضر، وباستمرار تلقى اللاحق لها عمن اتصل اسناده بها في عصرنا، يتصل الاسناد إن شاء الله إلى الأبد، ويرجع ذلك كله إلى مساهمة العراقي بجمع هذه المشيخة من مصادرها العديدة: كمعاجم شيوخ صاحبها، وسماعاته، وإجازاته، وغيرها المتفرقة في أوائل وأواخر وهوامش النسخ الخطية التي أثبت له ذلك عليها ثم جَمْعِ تراجم شيوخه الذين عين المعجم روايته عنهم، وتحريرها وتنسيق ذلك كله، واخراجه في كتاب واحد، ثم تحمله بالقراءة على صاحبه وأداه لتلميذه ابن حجر وغيره، فانتشر، وتتابعت روايته حتى يومنا هذا كما قدمنا.
ولو أنه أُتيح لنا الوقوف على بقية ما ألفه من معاجم ومشيخات أو على مسار مفصل لتداولها والاستفادة منها، لأدركنا أن كلا منها قد حقق من الأثر مثل ذلك، فليقس ما لم نقف عليه على ما وجدنا بعضه، ولمسنا أثره.
٣ - تسجيل الترابط الخالد ماديا ومعنويا بين أبناء الأمة الإسلامية أينما كانوا.
[ ٣ / ١٢٧٦ ]
بما له من آثار في إثارة روح الوحدة والتماسك، وتجسيد الالتفاف الدائم حول قيادة واحدة هي: محمد رسول الله ﷺ والذين معه، ومبادئ سامية هي: الكتاب والسنة، يتلقاهما جيل بعد جيل، علما وعملا فيصبح العلم والعمل رحما موصولة بين الجميع، والأسانيد أنساب وروابط لا تبيد، وإلى ذلك أشار الشيخ عبد الحي الكتاني حيث قال: «وبما تَطَّلِعُ عليه من ارتباط اسانيد المغاربة بالمشارقة، وتعويل الآخرين على الأولين … تعلم ما كان بين المسلمين قديما من سنى الاتصالات، وزاهر الروابط وأصيلها واعتزاز الكل بواسع الرواية والإجازة، من أطراف هذا المحيط الإسلامي المترامى … كما يَلْفِتُ ذلك إلى أن حفظ الدين حفظ لأهله، وروابطه روابطهم، ومجامعه جامعتهم، وعراه عراهم الوثقى التي لا انفصام لها، كما لا انفصام العراه، ولعل الله تعالى أن يجعل ذلك الترابط المسجل في كتب المشيخات والمعاجم وفهارس المرويات حتى اليوم، إشارة لإحياء ما رَم من روابطنا الإسلامية، وتقوية ما بقى، حتى تجتمع كلمة الجميع، وتُواد عوامل أعداء الاسلام وأهله في تفريق الشمل، وتمزيق الوحدة الإسلامية العربية وارتباط أبنائها، وعلمائها، سندا، وفكرًا، وعقيدة، حتى يتوحدوا عملا ونضالا» (^١).
٣ - ضبط روايات علماء السنة بأسانيدهم:
وذلك أنه من المقرر في شروط قبول الرواية: ضبط الراوى لما يرويه من السند والمتن معا، حتى يؤديها إلى من بعده، وذلك إما بحفظه للمروي في ذهنه، ويُسمى بضبط الصدر، وإما بتدوينه له في مصدر مصون ويُسمّى ضبط كتاب، وقد كان اعتماد الاوائل على ضبط الصدر أكثر من اعتمادهم على
_________________
(١) فهرس الفهارس للكتاني ج ١/¬٥ وما بعدها مع تصرف
[ ٣ / ١٢٧٧ ]
ضبط الكتاب (^١) نظرا لما حَبَاهُم الله به من قوة حافظة، ولقصر سلسلة الأسناد حينذاك، أما في العصور المتأخرة فقد لاحظ العلماء تكاسل همم أكثر المشتغلين بالسنة والقائمين بروايتها عن الحفظ، وضعف تلك الموهبة لديهم، نتيجة لعدم شحذها وتنميتها، بالإضافة لتكاثر المرويات كما نرى بعد عصر التدوين، ولطول الإسناد بتتابع الزمن بحيث أصبح الحديث العشاري الاسناد مما يفتخر بعلو سنده في عصر العراقي، لهذا قرر العلماء المتأخرون حرصا على بقاء خصوصية الأمة في اتصال السلسلة السندية كما سلف، التوسع في شروط قبول الرواية بالنسبة إلى الضبط، فرأوا أنه يكفى لتحققه وجود سماع الشخص، وغيره من طرق التحمل مثبتا بخط ثقة مؤتمن على الأصل المروى، أو في ثبت مستقل، وأن يُؤَدِّى الشخص ما تحمله بالاعتماد على نسخة موافقة لنسخة شيخه الذي تحمل عنه (^٢)، ومن أجل هذا كانت المشيخات والمعاجم المدون فيها بيان مرويات أصحابها عن شيوخهم، وسلسلة سندهم إلى أصحاب المدونات الحديثية والمرويات، عمدة المتأخرين في اثبات توفر اشتراط الضبط فيهم، وعدتهم التي يفزعون إليها عند الأداء لمن بعدهم، كما سنرى بالنسبة لما ألفه العراقي لشيوخه من المعاجم والمشيخات، وبذلك وفرت مؤلفاته تلك، شرط الضبط لشيوخه، ولمن تلقوا عنهم مشيخاتهم ومعاجمهم أيضًا.
٤ - تيسير نشر مرويات أصحاب المعاجم والمشيخات:
وذلك لأن جمع المرويات في تلك المشيخات والمعاجم وضبطها، يمكن.
_________________
(١) انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٢، ٣، و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ١/¬١٨.
(٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي جـ/ ٣٣٣ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٣٤، ٣٥.
[ ٣ / ١٢٧٨ ]
أصحابها من آداء قدر كبير من مروياتهم إلى من بعدهم بمجرد قراءة المعجم أو المشيخة على الطلاب، أو إسماعهم بواسطة قارئ، أو الإجازة لهم بما تضمنته المشيخة أو المعجم، ويكون التيسر أظهر بالنسبة للراحلين لأداء الحديث أو تحمله، حيث يتمكنون من تحمل أو آداء قدر كبير من المرويات في وقت يسير (^١)، ومن أجل هذا كان الحافظ ابن حجر يُخرج بعض المشيخات أو المعاجم لغير المشهورين من شيوخه وشيخاته، رغبة في اعلام الطلبة بمروياتهم، لتنتشر فيمن بعدهم (^٢)، كما كان الشيوخ يفرحون بمن يُعنى بتأليف مشيخات لهم، لإراحتهم عند الأداء من الكشف عن مروياتهم في أثباتهم المتفرقة (^٣).
٥ - التعريف بعلماء السنة وتراثها، وتمرس المؤلف بهما:
وذلك أن مؤلفي المعاجم والمشيخات بما فيهم العراقي يستخرجون موادها العلمية بالبحث والاطلاع في عامة كتب السنة ورجالها، وبذلك يكتسبون خبرة بها، ومهارة في الاستفادة منها في باقى مهماتهم العلمية، ولهذا اعتبر ابن حجر جمع طالب السنة للمشيخات طريقا لتيقظه ومهارته، ووسيلة لتخرجه في علم الحديث (^٤). ثم إن مؤلفى المشيخات والمعاجم لا يكتفون فيها بذكر أسماء الشيوخ وما روى عنهم فحسب؛ بل يُترجمون لكل شيخ رَوَى عنه صاحب المعجم أو المشيخة، قبل ذكر مروياته ترجمة مناسبة، توضح اسمه وسلسلة نسبه وما عُرف به من لقب أو كنية، ومولده ووفاته وأهم
_________________
(١) انظر «الضوء اللامع» ج ١/ ١٤٣.
(٢) «الجواهر والدرر» للسخاوي/ ٢٤٢.
(٣) «الضوء اللامع» ج ١/ ١٤٠ وما بعدها.
(٤) «الضوء اللامع» ج ١/ ٣٧٩.
[ ٣ / ١٢٧٩ ]
شيوخه وتلاميذه، وما وصف به من الصفات المؤثرة في قيمة الرواية عنه، من توثيق أو تجريح، وذكر أهم مؤلفاته، مع وصف أو تحليل أو تقييم لها، وقد يكون من المؤلفات الحديثية المذكورة في المعجم أو المشيخة ما أصبح مفقودًا بذاته، فلا يبقى لنا منه إلا ما حفظه المعجم أو المشيخة، كما قد يكون بها من المادة التاريخية ما لا يوجد في غيرها من كتب التاريخ والتراجم، خاصة ما يُسجله المؤلف فيها، مما اطلع عليه بنفسه من أحوال الشيوخ ومروياتهم ومؤلفاتهم، ومن أجل ذلك نجد العلماء يعدون المعاجم والمشيخات من المصادر التاريخية وخصوصًا في بيان طبقات رجال السنة، وتراجم الاعلام، والتعريف بتراثهم العلمى (^١).
ولعل القارئ الكريم لاحظ اعتمادى بالنسبة لتاريخ العراقي وتراثه في السنة وعلومها، على معجم شيوخ تلميذه ابن حجر، حيث وجدت فيه تعريفًا ببعض مؤلفاته التي لم أعثر عليها، ومادة تاريخية لم أجدها في سواه، ولعله لو أتيح لنا الوقوف على ما ألفه العراقي من معاجم ومشيخات، لأمكننا تقديم نماذج منها، وتحليلها وتقييمها، وخاصة ما لمسنا أنه توسع فيه، كمعجم شيوخ ابن جماعة، الذي كتب منه ٩ أجزاء حديثية فيمن اسمه (محمد) فقط منهم، كما سيأتي، ولكن يمكننا قياس أثرها في تاريخ التراجم والتراث بما ذكرته عن معجم شيوخ ابن حجر تلميذ العراقي.
٦ - التطبيق العلمى القواعد علوم السنة في طرق التحمل والأداء:
وذلك أن مؤلف المعجم أو المشيخة يسوقُ فيه سند صاحبه، من شيوخه.
_________________
(١) الإعلان بالتوبيخ ص ٥٨٨.
[ ٣ / ١٢٨٠ ]
الذين روى عنهم حتى صاحب الكتاب المروي، مثبتا في سياقه طريقة التحمل والتعبير عنها في الأداء، من واحد لآخر عبر سلسلة هذا الإسناد، بحيث يرى من يطلع على هذا تطبيقا عمليا لقواعد التحمل والأداء التي اصطلح عليها علماء السنة، ويتاح لقارئها دربة عملية مفيدة، ولا شك أن التطبيق العملي والتدريب خير ما يوضح القواعد ويرسخها في أذهان طلاب السنة والمشتغلين بها، وقد نقلنا لك فيما تقدم أنموذجا من معجم شيوخ ابن حجر يتضمن سياق سنده الذي روى به مسند العدني عن شيخه العراقي، وفيه يتضح ما ذكرناه، فانظره وقس عليه عمل شيخه في مؤلفاته من المعاجم والمشيخات التي نذكرها فيما يلي:
أ - مشيخة ابن التونسي وذيلها:
وقد خرجهما العراقي لشيخه القاضي ناصر الدين محمد بن محمد بن أبي القاسم بن جميل الربعي، الشهير بابن التونسي المتوفى في ١١ صفر سنة ٧٦٣ هـ (^١) وهو من شيوخ العراقي الذين أكثر عنهم الرواية بالقاهرة كما قدمنا، وقد قال العراقي نفسه: خرجت له مشيخة، ثم ذيلت عليها، وأقره على ذلك ولده ولي الدين أبو زرعة (^٢)، وتلميذه ابن حجر (^٣)، أما ابن فهد (^٤) والسخاوي (^٥) فاقتصرا على ذكر المشيخة فقط، فلعلهما لم يقفا على تصريح العراقي المتقدم، وقد أسلفت بيان الداعي للتذييل على المشيخة بعد تأليفها.
_________________
(١) و(^٢) «ذيل ولي الدين» ابن العراقي وفيات سنة ٧٦٣ هـ/ ترجمة ابن التونسي.
(٢) «الدرر الكامنة» ج ٥/¬١٤.
(٣) لحظ الألحاظ ضمن الذيول/ ٢٣١.
(٤) الضوء اللامع ٤/ ١٧٣ و١/¬٢٢.
[ ٣ / ١٢٨١ ]
أهميَّة هذه المشيخة وذيلها، وزمن تأليفهما وأثرهما:
ومما حفَّز العراقي لتخريج تلك المشيخة لابن التونسي ثم التذييل عليها، أنَّ هذا الشيخ تميَّز بأمرين:
أحدهما: تفرده بعدة من شيوخه (^١) بمعنى أنه صار في زمانه هو الوحيد في مصر الذي يروي بعض الكتب والأحاديث بسنده عن هؤلاء الشيوخ، وبذلك يكون أعلا معاصريه المصريين إسنادًا بما انفرد به، وبالتالي يفيد التلقي عنه علو الإسناد الذي يحرص عليه المحدثون.
وثانيهما: أنه تفرد بكثير من مسموعاته (^٢) بمعنى أنه كان هو الوحيد في مصر الذي يروي بعض المرويات بسماعها عن شيوخه، والسماع أعلا وأوثق أنواع التحمل، وبذلك صارت مشيخته وذيلها ذواتا أثر نافع في انتشار وتوسيع الاستفادة بهاتين الميزتين، حيث حدث ابن التونسي طلابه بتلك المشيخة وذيلها، كما سأذكره، ولم يوقفني البحث على شيء من نُسَخ تلك المشيخة ولا ذيلها، ولا حتى على نقول منها، لكني وقفت على ما يدل على تداول المشيخة والاستفادة بها في التحمل عن ابن التونسي، وفي مقدمة ذلك أن العراقي نفسه قد أحضر ولده أبا زرعة في السنة الأولى من عمره قراءة قطعة من المشيخة المذكورة على ابن التونسي (^٣) ولما كان أبو زرعة كما تقدم قد وُلِدَ في أواخر سنة ٧٦٢ هـ والتونسي توفى في أوائل سنة ٧٦٣ هـ، فإن هذا يقتضي أن يكون العراقي قد فرغ من تأليف تلك المشيخة قبل ولادة ابنه أبي
_________________
(١) ذيل ولي الدين ابن العراقي وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة ابن التونسي.
(٢) الدرر الكامنة ٥/¬١٤.
(٣) ذيل التقييد للفاسي/ ١١٥/ أ (مخطوط) والدرر الكامنة ٥/¬١٤.
[ ٣ / ١٢٨٢ ]
زرعة، ثم ذيل عليها بعد ذلك، ووجدتُ أيضًا أن أحد تلاميذ ابن التونسي قد ولد سنة ٧٥٣ هـ وسمع عليه مشيخته التي خرجها له العراقي (^١) وهذا يدل على تداول تلك المشيخة منذ تأليفها، واستعمال ابن التونسي لها في أداء محتواها من مروياته إلى تلاميذه.
ب - مشيخة مسند القاهرة: ابن القارئ، شيخ العراقي، وأثرها:
هذا المسند هو زين الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد هارون الثعلبي الشهير بابن القارى المتوفى في نصف ذي القعدة سنة ٧٧٦ هـ وهو من شيوخ العراقي (^٢) وقد قال ولي الدين بن العراقي عنه: وخرج له والدي مشيخة (^٣)، ثم ذكرها أيضًا ضمن مؤلفات العراقي كل من ابن فهد (^٤) والسخاوي (^٥) والكتاني (^٦).
أثر هذه المشيخة حتى وقتنا الحاضر:
ومع أن البحث لم يوقفني على شيء من نُسخ تلك المشيخة، إلا أني وقفتُ على آثار متعددة لها، ودلالات على تداولها، كما وقفت على بعض نصوص منها كما سيأتي، أما الآثار والدلالات ففي مقدمتها: أن العراقي نفسه قام بقراءة هذه المشيخة على صاحبها ابن القاري (^٧)، وبذلك اتصل سند العراقي
_________________
(١) «الضوء اللامع» ج ١/¬٢٢.
(٢) ، (^٣) انظر «ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٧٦ هـ.
(٣) «ذيول تذكرة الحفاظ»» / ٢٣٢.
(٤) «الضوء اللامع» ج ٤/ ١٧٣.
(٥) «فهرس الفهارس» ج ٢/ ١٩٦.
(٦) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ ٩٠ ب.
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
والسامعين حينذاك، بما ذكر في المشيخة من مرويات ابن القاري كما أفادت هذه القراءة على صاحب المشيخة، إقراره بصحة مضامينها، ثم إن العراقي بدوره أنبأ بهذه المشيخة تلاميذه، فقد قال تلميذه ابن حجر: مشيخة ابن القاري، تخريج شيخنا العراقي، أنبأنا بها المخرج - أي العراقي - بقراءته لها على المخرجة له (^١)، وهذا يدل على انتشارها وبقائها متداولة بعد عصر المخرجة له، واصلة سنده بمحتواها لمن بعده، ثم اتصل السند بهذه المشيخة إلى عصرنا الحاضر، حيث ذكر الشيخ محمد عبد الحي الكتاني ﵀، الذي جمع بين أسانيد المشارقة والمغاربة حتى عصره أن هذه المشيخة يرويها بسنده المتصل إلى ابن حجر العسقلاني عن شيخه العراقي عن المخرجة له، وهو ابن القاري (^٢) ثم اتصلت أسانيدها منه بالإجازة والمكاتبة لشيخ مشايخنا: محمد حبيب الله الشنقيطي ﵀، ومنه إلى مشايخنا الذين سمعنا منهم الحديث وبحثنا عليهم علوم السنة وأخبرونا بإجازتهم، من الشنقيطي، وما زالوا أحياء حتى سنة ١٣٩٩ هـ، كالشيخ محمد محمد السماحي والشيخ محمد ياسين الفاداني، والشيخ حماد بن محمد الأنصاري ﵏. ومن الأحياء حتى الآن سنة ١٤١٩ هـ ممن سمعت منهم وأجازوني: الشيخ عبد القادر كرامة الله البخاري نزيل رابغ، بالسعودية، والشيخ عبد الرحمن بن أبي بكر الملا، من الأحساء، بالسعودية. وبهذا اتصل السند بمضامين تلك المشيخة من المرويات إلى هذا الوقت الحاضر ولله الحمد.
ولم يقتصر أثرها وتداولها على العراقي ومن أخذ عنه بل تعداه إلى كثيرين.
_________________
(١) «المعجم المفهرس» لابن حجر/ ٩٠ ب.
(٢) «فهرس الفهارس» للكتاني ج ٢/ ٦٧
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
سواه، فقد ذكر ولى الدين ابن العراقي أن ابن القاري حدث بهذه المشيخة غير مرة، وأنه سمعها عليه (^١)، وقال ابن دقماق المؤرخ المعروف: إنه سمع من ابن القارى صحيح البخاري في مشيخته. (^٢)
وهذا يدل على اتساع دائرة الانتفاع بها، سواء في أداء صاحبها، أو في التحمل عنه، خاصةً وأنه كان مسند القاهرة في وقته كما تقدم، ومقتضى ذلك كثرة الإقبال على تلقى مروياته التي كانت تضمها تلك المشيخة، مع تسهيلها لمهمتي الأداء والتحمل الاجماليين.
بعض ما وقفت عليه من نصوص هذه المشيخة:
ولقد أوقفني البحث الشاق على نص من تلك المشيخة، ذكره الامام الزبيدى ﵀، في شرحه لإحياء علوم الدين حيث قال في بيان علو الاسناد: … ففي مشيخة عبد الرحمن بن على الثعلبي، تخريج الحافظ العراقي بسنده إلى ابن المبارك قال: ليس جودة الحديث قرب الاسناد، جودة الحديث صحة الرجال، وأنشد الحافظ أبو الطاهر السلفى لنفسه:
لَيْسَ حُسْنُ الحديث قرب رجال … عِنْدَ أرباب علمه النقاد
بل علو الحديث بين أولى الحفـ … ظ والإتقان صحة الإسنادِ
_________________
(١) انظر «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٧٦ هـ ترجمة ابن القاري.
(٢) «إنباء الغمر» لابن حجر/ ج ١/ ٨٦.
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
وإذا ما اجتمعا في حديث … فاغتنمه فذاك أقصى المراد (^١)
وهذا يدل على أن العراقي ضمن هذه المشيخة بعض ما يستدعيه المقام من قواعد علوم السنة، وقد ذكر أبيات السلفي هذه في شرحه المتوسط للألفية أيضا في مبحث الإسناد العالي والنازل (^٢)، مستدلا بها على أن العبرة عند علماء السنة في علو السند ليس فقط قلة عدد الرواة الوسائط بين المصدر الأول للمروي، وبين الراوي الأخير له، بحيث يصبح قريبا من المصدر الأول فحسب، بل لابد أن يكون الرواة الوسائط مع قلتهم موثقين حتى يكون المروي عنهم موثقا به، فإذا لم يكونوا كذلك، كان المروي بسند نازل كثير الوسائط مع جودتهم أولى وأجود، ويعتبر عاليا علما معنويا، فذكره لذلك في مشيخة ابن القاري تأكيدا منه لدعوة رواة السنة في كل عصر، أن يتحروا قبل كل شيء، الثقة فيمن يأخذون عنه، فإن ذلك هو العلو الأهم عند النقاد.
ج - ذيل مشيخة القلانسي، شيخ العراقي، وأهميته، وزمن تأليفه، وأثره:
القلانسي هو مسند الديار المصرية في وقته، أبو الحرم محمد بن محمد بن أبي الحرم القلانسي الحنبلي المتوفى في ٤ جمادى الأولى سنة ٧٦٥ هـ (^٣) وهو أحد شيوخ العراقي المتميزين بعلو الإسناد، بحيث روى عنه العراقي بأعلا
_________________
(١) اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين ج ١/ ٣٦٢.
(٢) «وفتح المغيث» للعراقي ج ٣/ ١٠٧.
(٣) «الدرر الكامنة» ج ٤/ ٣٥٣.
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
أسانيد عصره (^١)، وقد نسب هذا الذيل إلى العراقي ولده أبو زرعة حيث قال في ترجمة القلانسي: خرج له شيخنا أبو المعالي بن رافع مشيخة وكتب والدى عليها ذيلا (^٢)، وأقر هذا الحافظ ابن حجر (^٣)، وابن فهد (^٤)، والسخاوى (^٥)، وصاحب «كشف الظنون» (^٦)، والكتاني (^٧)، وقد جاء في ترجمة القلانسي هذا ما يُوضح استحقاقه بتأليف ابن رافع له مشيخة، ثم نهوض العراقي لعمل ذيل عليها، فبجانب تميزه بعلو السند كما قدمت، وصفه العراقي بأنه مكثر من المرويات والشيوخ، مع ثقته وصحة سماعه (^٨)، كما وصفه ولى الدين ابن العراقي بأنه تفرد بكثير من مسموعاته وشيوخه، وصار رحلة بلاده، وكان خيرا دينا من أعيان الحنابلة (^٩)، وقال ابن حجر: أنه صار مسند الديار المصرية في زمانه (^١٠)، وكل هذه خصائص توضح أهمية الرجل في وصل سند المرويات الحديثية لمن بعده، ومن هنا كانت أهمية تدوين أكبر
_________________
(١) انظر آخر كتاب الأربعين حديثا العشارية الاسناد للعراقي، وقرة العين بالمسرة بوفاء الدين له أيضا/ ٢٠، ٢٣، ٣٦، ٤١، ٦٩، ومحجة القرب للعراقي أيضًا/ ٢١ أ، ب، والثلاثة مخطوطات سيأتي التعريف بهم.
(٢) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٥ هـ.
(٣) «الدرر الكامنة» ج ٤/ ٣٥٣
(٤) «ذيول تذكرة الحفاظ»» / ٢٣٢
(٥) «الضوء اللامع» ج ٤/ ١٧٣.
(٦) «كشف الظنون»» / ١٦٩٦.
(٧) «فهرس الفهارس» ج ٢/ ١٩٦.
(٨) «طرح التثريب» ج ١/ ١٠٨.
(٩) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٥ هـ.
(١٠) «الدرر الكامنة» ج ٣/ ٣٨١، ٣٨٢.
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
قَدْر من مروياته وشيوخه، فقام شيخ العراقي ابن رافع بجانب من تلك المهمة، وأتمها تلميذه العراقي من بعده، عملا على نشر السند المتصل لكتب السنة ومتعلقاتها، والتعريف برجالها العاملين، ولئن كان البحث الدائب لم يوقفني على شيء من مشيخة ابن رافع، ولا من ذيل العراقي عليها، ولا على نقول معزوة اليهما، إلا أن أبا زرعة ابن العراقي قد صرح بأن القلانسي حدث تلاميذه بكل من المشيخة، وذيل العراقي عليها، وهذا يدل على أن العراقي قد أنجز هذا الذيل قبل وفاة القلانسى في سنة ٧٦٥ هـ بفترة غير قليلة، كما يدل على أن هذا الذيل قد تم تداوله والاستفادة به في التحمل والأداء لما تضمنه من المرويات، منذ تأليف العراقي له.
د - ذيل مشيخة البياني، شيخ كل من العراقي وولده وأهميته وأثره:
البياني، هو المسند، المعمر، الرحلة، شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن محمد بن أبي بكر بن يعقوب، الانصاري الخزرجي، وعرف بالبياني، توفى على الصحيح في ٢٩ ذي القعدة سنة ٧٦٦ هـ، وهو من شيوخ العراقي، وولده أبو زرعة (^١). وقد ذكر أبو زرعة ابن العراقي في ترجمته له ما يدل على خبرته هو ووالده به حتى آخر عمره، حيث قرر وفاته في ليلة الاثنين ٢٩ ذي القعدة سنة ٧٦٦ هـ، وقال: سمع منه الأئمة وسمعت عليه صحيح مسلم، وقطعة كبيرة من تاريخ بغداد وأجزاء كثيرة ثم قال: وذكر ابن رافع أنه توفي ليلة ١٨ ذي الحجة وهو وهم، وما
_________________
(١) ذيل ولي الدين أبي زرعة ابن العراقي على العبر للذهبي ١/ ١٨٦ - ١٨٨ والمعجم المفهرس لابن حجر/ ٦٥ «الدرر الكامنة» ج ٣/ ٣٨١، ٣٨٢
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
ذكرته أولا هو الصواب الذي ذكره والي، وكانت وفاته عندنا بالخانقاه الطشتمرية ظاهر القاهرة.
وقد نُسِب هذا الذيل إلى العراقي ولده أبو زرعة وتلميذه ابن حجر فقال في ترجمة البياني: وخرج له ابن رافع مشيخة، وذيل عليها شيخنا العراقي، وتبعه على ذلك صاحب «كشف الظنون» (^١) وسيأتي كلام أبي زرعة بن العراقي، وقد وصف البياني بما يوضح استحقاقه لعمل مشيخة، ثم التذييل عليها، فقد قال ابن حجر: إنه أحضر مجلس الحديث في الثالثة من عمره (^٢)، وقال أبو زرعة ابن العراقي: إنه مسند معمر، محب للرواية (^٣)، وهذا يدل على تمتعه بعلو الاسناد، وكثرة الشيوخ والمرويات، ومن هنا كان جديرا بجمع شيوخه، وتخريج مروياته ليستفاد بها، كما فعل ابن رافع ومن بعده العراقي، وقد ذكر أبو زرعة بن العراقي تأليف والده هذا باسم «الفهرست» مع الإشادة بشكله ومضمونه فقال: وعمل له والدي فهرستا حافلا مفيدا، توفي - يعني والده - قبل إكماله/ ذيل العبر لأبي زرعة (١/ ١٨٨). ومعروف أن «الفهرشت» و«المشيخة» بمعنى واحد (فهرس الفهارس للكتاني ١/ ٦٨ - ٦٩).
أقول: ولعل وفاة العراقي قبل إكمالها هو الذي جعل روايتها عن البياني توجد من غير طريق العراقي كما سيأتي مع كون العراقي من تلاميذ البياني، كما أنه من دلائل فائدة هذه المشيخة أو الفهرست وأثرها في الرواية رغم اكتمالها، ما ذكره الكتاني، حيث ذكر روايته لها من طريق شمس الدين
_________________
(١) «كشف الظنون» / ١٦٩٦.
(٢) «الدرر الكامنة» / ج ٣/ ٣٨١.
(٣) «ذيل أبي زرعة» وفيات سنة ٧٦٦ هـ.
[ ٣ / ١٢٨٩ ]
مُحمَّد بن طولون الحنفي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ عن يوسف بن حسن بن عبد الهادي عن محمد بن محمد الخيضري عن أبي ذر عبد الرحمن بن محمد الزركشي عن المخرجة له/ فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٦٤٣.
والزركشي هذا توفي سنة ٨٤٦ هـ، تتلمذ للعراقي/ الضوء اللامع (٤/ ١٣٧) ولكن قال ابن تغري بردي في ترجمة البياني: وآخر من تأخر ممن سمع عليه شيخنا الرُّحَلَةَ: زين الدين عبد الرحمن الزركشي الخيلي رحمه الله تعالى/ النجوم الزاهرة ١١/ ٨٩.، بل سيأتي عناية العراقي بجمع أربعين حديثا وعشرين حديثا كلاهما من عواليه، تساعية الإسناد.
وللأسف لم أقف على شيء من المشيخة التي خرجها ابن رافع للبياني، ولا على ذيل العراقي هذا الذي خرجه لها مع تداول روايته كما قدمت.
هـ - معجما شيوخ ابن جماعة، موجه العراقي الأول للتخصص بالسنة، والداعي لتأليفهما:
قدمت التعريف بابن جماعة ضمن شيوخ العراقي (^١)، والمهم هنا أنه تمتع بكثرة الشيوخ حتى إن شيوخه ليزيدون عن ١٣٠٠ شيخ، وتمتع أيضًا بكثرة المرويات، مع ثقته وتفرده بالرواية عن عدد من شيوخه، وبرواية عدد من الكتب والأجزاء الحديثية (^٢)، ولهذا كان جديرا بعناية العراقي وغيره، بجمع مروياته وشيوخه للاستفادة بها، وقد أثبت أبو زرعة ابن العراقي تأليف والده معجمى شيوخ ابن جماعة فقال: وخرج له والدى معجما عن شيوخه
_________________
(١) انظر ص (٣٢٥) وما بعدها من هذه الرسالة.
(٢) انظر ذيل أبي زرعة ابن العراقي وفيات سنة ٧٦٧ هـ.
[ ٣ / ١٢٩٠ ]
بالسماع والإجازة، لم يكمل، كتب منه ٩ أجزاء حديثية، وكلها في المحمدين (^١)، أي فيمن اسمه (محمد) من شيوخ ابن جماعة، والأجزاء الحديثية في المتوسط تبلغ ١٥ ورقة، وبذلك يكون العراقي قد استغرق فيما أنجزه من هذا المعجم ١٣٥ ورقة تقريبا، وهو كم كبير يدل على غزارة ما أودعه العراقي فيه من المادة العلمية، وعلى الجهد الكبير الذي بذله في الجمع والبحث والتحقيق العلمي، ويفهم من كون الأجزاء المذكورة كلها في المحمدين، أن العراقي انتهج ترتيب أسماء الشيوخ على حروف المعجم ولكنه بدأ بمن اسمه (محمد)، تيمنا بأشهر أسماء الرسول ﷺ، كما فعل في ذيله في وفيات الاعيان المتقدم بحثه.
ورغم أن العراقي لم ينجز من هذا المعجم إلا القدر المذكور، فإنه قد أتى ثماره عاجلًا، حيث ذكر أبو زرعة ابن العراقي أن ابن جماعة قد حدث طلبته بثلاثة أجزاء منه (^٢) وهذا دليل على تداوله والانتفاع به، كما أنه دليل على ارتضاء ابن جماعة لهذا التأليف واقرار مضمونه العلمي.
ومع هذا الانتفاع، والتداول المذكور للمعجم في حياة ابن جماعة والعراقي إلا أننى للأسف وأقف على شيء منه الآن.
أما المعجم الثاني لشيوخ ابن جماعة فقد نسبه أبو زرعة ابن العراقي لوالده أيضًا، وذلك في ترجمة محمد بن عبد اللطيف المعروف بابن الكويك المتوفى سنة ٧٧٩ هـ، حيث قال عن ابن الكويك هذا: إنه جمع شيوخ قاضي القضاة عز الدين بن جماعة، مرتبًا لهم على حروف المعجم، ثم قال: وهذبه.
_________________
(١) انظر ذيل أبي زرعة ابن العراقي وفيات سنة ٧٦٧ هـ.
(٢) انظر «ذيل أبي زرعة وفيات» سنة ٧٦٧ هـ.
[ ٣ / ١٢٩١ ]
والدى وأصلحه (^١)، ولعل العراقي بحكم معاصرته لابن الكويك، علم باشتغاله بعمل هذا المعجم، فانصرف عن اتمام المعجم السابق، حتى لا تتكرر الجهود أو تتكدر النفوس، لأن المعجم الذي ألفه ابن الكويك كما يفهم من عموم عبارة أبي زرعة المتقدمة، عام يجمع كل شيوخ العراقي، بينما المعجم الذي شرع العراقي فيه وأنجز بعضه، خاص بجمع نوعين فقط من شيوخ ابن جماعة، وهما من روى عنهم بالسماع ومن روى عنهم بالإجازة، فصار عمل العراقي داخلا في عموم عمل ابن الكويك، فإعراض العراقي عن اتمام المعجم الأول، متسق مع عموم شأنه في أخلاقه وفي مؤلفاته، فلا تجده يؤلف إلا ما يجد الحاجة ماسة إليه، ولا ينازع غيره عملا علميا اطلع على اشتغاله به، وأهليته له، وتوفيته حقه، وهكذا فليكن علماء السنة في كل جيل، اقتداء بالعراقي في هذا المسلك الحسن، حتى تتحرر دائرة التأليف في علوم السنة من التكرار غير المجدى، وتمد الناس في كل عصر بما هم بحاجة فعلية إليه، في روح من الاحترام المتبادل بين علمائها، ورعاية لحقوق الانتاج العلمي لكل منتج تصدى للعمل بجد وإخلاص، وبذلك يتحقق أحد الآثار المرتجاة من دراستنا لسيرة الأسلاف من حفاظ السنة، كالحافظ العراقي وغيره، ولئن كان العراقي في تقديري قد توقف عن اتمام ما شرع فيه من معجم الشيوخ الخاص، نأيا عن التكرار، وتقديرًا للزمالة العلمية، فإنه لم يصرف النظر نهائيا عن الموضوع، بل حرص على الاطلاع على المعجم العام الذي جمعه ابن الكويك، ليرى هل حقق فيه الغاية المرجوة أم لا؟ وقد ظهر له أنه بحاجة إلى التهذيب والإصلاح، حتى يكون عملا علميا أتم فائدة، وبمقتضى صلته الطويلة بابن جماعة،
_________________
(١) «ذيل أبي زرعة وفيات» سنة ٧٧٩ هـ.
[ ٣ / ١٢٩٢ ]
وممارسته السابقة لجمع بعض شيوخه، أعاد النظر في هذا المعجم الذي أنجزه ابن الكويك، وباشر تهذيبه وإصلاحه، وليس هذا بالعمل الهين، بل إن فيه جهدًا علميًا كبيرًا يتمثل فيما يستدعيه الإصلاح والتهذيب من الحذف والإضافة، وإعادة ترتيب بعض المواد العلمية في نسق سليم، واعمال الفكر والنظر في التصويب والتحقيق، خاصةً وأن كثرة شيوخ ومرويات ابن جماعة، تدل على أن هذا المعجم الجامع لهم كان ضخمًا، وبهذا الاصلاح والتهذيب خرج هذا المعجم في صورة جديدة نُسبت للعراقي، بينما نُسبت الصورة الأولى لسلفه ابن الكويك، وقد صدر العراقي في هذا عن غرض علمى وجيه، ينبغي على المتأخر أن ينهض به بالنسبة لعمل المتقدم، وهو تهذيب ما يراه بحاجة إلى التهذيب، واصلاح ما يراه بحاجة فعلية إلى الإصلاح، كالسهو والخطأ اللذان لا يخلو منهما جهد بشري، ويبدو أن العراقي قام بهذا التهذيب والإصلاح بعد وفاة ابن الكويك، وانقطاع الأمل في أن يباشر ذلك بنفسه.
هذا ولم يوقفنى البحث على شيء من المعجم الذي أنجزه ابن الكويك، ولا تهذيب العراقي له، وإن كان من المسلم أنهما كانا متداولين، ومستفادا بهما في عصر العراقي على الأقل.
ولعلي بهذا قد وقفت في بيان أكبر قدر من آثار العراقي بمؤلفاته وآرائه، في مصطلح علوم السنة وعلم رجالها وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٢٩٣ ]