ويشتمل على تقدمة وفصلين:-
التقدمة:
في تعريف الحديث الضعيف.
الفصل الأول:
في المسلك الأول من مسالك الضعف إلى الحديث، السقط من السند، وهو نوعان:-
١ - سقط ظاهر.
٢ - سقط خفي.
الفصل الثاني:
في المسلك الثاني من مسالك الضعف إلى الحديث، الطعن في الراوي، وهو من جهتين:-
١ - من جهة عدالته.
٢ - من جهة ضبطه.
[ ٤٩ ]
التقدمة تعريف الحديث الضعيف
التعريف اللغوي:
الضعيف: من الضعف -بضم الضاد وفتحها- خلاف القوة والصحة، فالضم لغة قريش، والفتح لغة تميم، وهما لغتان لمدلول واحد ويستعملان لضعف البدن، وضعف الرأي معا، نسب الأزهري (^١) هذا القول للبصريين (^٢)، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية (^٣). وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ الآية (^٤). بالوجهين (^٥).
_________________
(١) الأزهري: هو محمد بن أحمد بن الأزهر بن نوح أبو منصور الأزهري اللغوي، إمام جليل جمع فنون الأدب، حجة فيما يقوله وينقله، وتهذيب اللغة برهان على كمال أدبه. توفى سنة سبعين وثلاثمائة. انظر: البلغة في تاريخ أئمة اللغة ص ٢٠٥.
(٢) تهذيب اللغة ١/ ٤٨٢.
(٣) الآية ٦٦ من سورة الأنفال.
(٤) الآية ٥٤ من سورة الروم.
(٥) انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩، فتح القدير للشوكاني ٤ - ٢٣٢.
[ ٥٠ ]
قال القرطبي (^١): الضم لغة النبي -ﷺ- (^٢).
وقيل: الضعف -بالفتح- في العقل والرأي، ومنه الحديث في الرجل الذي يخدع في البيوع: "إِنه يبتاع وفي عقدته (^٣) ضعف" (^٤).
ومنه قول الشاعر:
ولا أشارك في رأي أخا ضعف ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
والضعف -بالضم- في الجسد (^٥).
وهذا التفريق ضعيف، لأن الفتح كما ورد في الرأي والعقل، ورد في الجسم، فقد قرئت الآيتان المذكورتان بالوجهين، والمراد بهما ضعف الجسد.
_________________
(١) القرطبي هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي أبوعبد الله العابد الصالح العارف الزاهد. من مؤلفاته: الجامع لاحكام القرآن، التذكار في أفضل الأذكار، التذكرة في أحوال الآخرة، وغيرها. توفي سنة إحدى وسبعين وستمائة. انظر: الديباج المذهب لابن فرحون ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩، نفح الطيب ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠.
(٢) تفسير القرطبي ١٤/ ٤٦.
(٣) أي: في رأيه ونظره في مصالح نفسه. انظر: النهاية لابن الأثير مادة "عقد".
(٤) الحديث رواه أبو داود رقم ٣٥٠١، والترمذي رقم ١٢٥٠، وقال: حسن غريب، والنسائي ٧/ ٢٥٢، وابن ماجه رقم ٢٣٥٤، وأحمد ٣/ ٢١٧.
(٥) انظر: المحكم لابن سيده ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤، المفردات في غريب القرآن، والقاموس المحيط مادة "ضعف"، بصائر ذوي التمييز ٣/ ٤٧٤.
[ ٥١ ]
وقال الشاعر:
ومن يلق خيرا يغمز الدهر عظمه علي ضعف من حاله وفتور (^١)
والمراد بالضعف في هذا البيت ضعف الجسد.
التعريف الاصطلاحي:
تقدم في التمهيد أن الحديث الصحيح ما استكمل خمسة شروط.
وهي:-
١ - عدالة الرواة.
٢ - تمام ضبطهم.
٣ - اتصال سنده.
٤ - سلامته من الشذوذ.
٥ - سلامته من العلة القادحة.
كما أنه لابد من توافر هذه الشروط للحديث الحسن؛ إلا أن ضبط رواته أو أحدهم أخف من ضبط رواة الحديث الصحيح.
فما اشتمل علي هذه الشروط، فهو الحديث المقبول.
أما الحديث الذي لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن، فهو الضعيف.
_________________
(١) البيت في المحكم لابن سيده ١/ ٢٥٤، لسان العرب، وتاج العروس مادة "ضعف" عن ابن الأعرابي ولم يذكروا قائله.
[ ٥٢ ]
بهذا عرفه الحافظ ابن الصلاح، وتبعه كل من النووي، وابن كثير (^١). لكن الحافظ العراقي (^٢) اعترض علي هذا التعريف، وقال: إن ذكر الصحيح غير محتاج إليه، لأن ما قصر عن الحسن؛ فهو عن الصحيح أقصر (^٣).
ولهذا اقتصر عليه في ألفيته (^٤)، وتبعه علي ذلك السيوطي (^٥)، والبيقوني (^٦) (^٧) وقبلهم ابن دقيق العيد (^٨) في
_________________
(١) علوم الحديث ص ٣٧، التقريب للنووي مع التدريب ص ١٠٥، اختصار علوم الحديث لابن كثير ص ٣٧.
(٢) العراقي: هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم المهراني العراقي، زين الدين، حافظ العصر. صنف كتبا كثيرة، منها: تخريج أحاديث الإحياء للغزالي، ونظم علوم الحديث لابن الصلاح في ألفية، وشرحها، وشرع في إكمال شرح الترمذي لابن سيد الناس. قال ابن حجر: لم نر في هذا الفن أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره. توفي سنة ست وثمانمائة. انظر: أنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر ٥/ ١٧٠ - ١٧٦.
(٣) انظر شرح: ألفية العراقي له ١/ ١١١ - ١١٢.
(٤) حيث يقول: أما الضعيف فهو ما لم يبلغ مرتبة الحسن البيت.
(٥) انظر: ألفية السيوطى ص ١٩ مع شرح أحمد شاكر.
(٦) البيقوني: هو عمر بن الشيخ محمد بن فتوح الدمشقي الشافعي البيقوني، وسماه في معجم المؤلفين"طه" بدل "عمر"، وقال.: إنه محدث أصولي. وذكر أنه كان حيا فبل منة ئمانين وألف. له: البيقونية في مصطلح الحديث. انظر: حاشية الأجهوري على شرح الزرقاني على منظومة البيقوني ص ٦، معجم المؤلفين ٥/ ٤٤
(٧) حيث يقول في منظومته ص ٣٠ مع شرح الزرقاني، وحاشية الأجهوري: وكل ماعن رتبة الحسن قصر فهو الضعيف البيت.
(٨) ابن دقيق العيد: هو تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري،=
[ ٥٣ ]
الاقتراح (^١).
لكن أجاب بعض معاصري ابن حجر (^٢): بأن مقام التعريف يقتضي الإيضاح، وذلك لأنه لا يلزم من عدم وجود وصف الحسن عدم وجود وصف الصحيح، إذ الصحيح -بشرطه السابق- لا يسمى حسنا، فالترديد متعين.
ونظير ذلك، قول النحوي إذا عرف الحرف بعد تعريف الاسم والفعل، قال: الحرف: ما لا يقبل شيئا من علامات الاسم والفعل (^٣).
لكن هذا التنظير غير مطابق، لأنه ليس بين الاسم والفعل عموم ولا خصوص، بخلاف الصحيح والحسن، فبينهما عموم وخصوص، ويمكن اجتماعهما، وانفراد كل منهما، بخلاف الاسم والفعل والحرف.
والحق: أن كلام ابن الصلاح معترض، وذلك أن كلامه يقتضي أن
_________________
(١) =المعروف بابن دقيق العيد، التقي لقبًا ونعتا، والولي سمة وسمتا. من مصنفاته: "الإمام" وهو كتاب عظيم، ومختصره "الإلمام"، والاقتراح في علوم الحديث، وشرح العنوان في أصول الفقه، وغيرها. توفي سنة اثنتين وسبعمائة. انظر: طبقات الشافعية للأسنوي ٢/ ٢٢٧ - ٢٣٣.
(٢) الاقتراح لابن دقيق العيد ورقة (٥) مخطوط.
(٣) ذكر بهامش النكت على ابن الصلاح لابن حجر المخطوط المحفوظ بجامعة الملك سعود ورقة ٦٣/ ب: أنه الزركشي.
(٤) النكت عل ابن الصلاح لابن حجر ورقة ٦٣/ ب من مخطوطة جامعة الملك سعود، و٢٨٥ - ٢٨٦ من النكت المطبوع بالآلة الكاتبة بتحقيق: الشيخ ربيع بن هادي، وانظر: توضيح الأفكار للصنعاني ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧، وشرح الأذكار لابن علان ١/ ٢٤.
[ ٥٤ ]
الحديث حيث تنعدم فيه صفة من صفات الصحيح يسمى ضعيفا، وليس كذلك، لأن تمام الضبط مثلا إذا تخلف صدق أن صفات الصحيح لم تجتمع، ويسمى الحديث الذي اجتمعت فيه الصفات سواه حسنا لاضعيفا، وإذا انعدمت أية صفة من صفات الحسن كان الحديث ضعيفا (^١).
وأجاب ابن الوزير اليماني (^٢) عن هذا: بأن ابن الصلاح لا يلزمه أن يحد الضعيف علي رأي غيره، وإنما كان يلزمه لو كان يرى أن كل صحيح حسن، أوكان الدليل علي أن كل صحيح حسن قاطعا ملتزما لكل مكلف أن يسميه بذلك، وليس كذلك وإنما هذا الكلام في اصطلاح أهل الأثر، ولم يصطلحوا كلهم علي أن كل صحيح حسن (^٣).
لكن الذي تفيده عبارة ابن الصلاح أنه يقول: بان الصحيح أخص من الحسن، فإنه قسم الحسن إلي قسمين، وأفاد فيما ذكره أخصية الصحيح، ثم قال في آخر كلامه: ومن أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن، ويجعله مندرجا في أنواع الصحيح لا ندراجه في أنواع ما يحتج به (^٤).
واختار الحافظ ابن حجر أن تعريف الضعيف:
_________________
(١) انظر: المراجع السابقة.
(٢) ابن الوزير: هو محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الإمام الكبير، المجتهد المطلق، صاحب المؤلفات البديعة، مثل: العواصم والقواصم، والروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، وإيثار الحق على الخلق، وغيرها. توفي سنة أربعين وثمانمائة. انظر: البدر الطالع للشوكاني ٢/ ٨١ - ٩٣.
(٣) تنقيح الأنظار لابن الوزير مع شرحه تلإضيح الأفكار ١/ ٢٤٧.
(٤) علوم الحديث ص ٢٧ - ٢٨، ٣٦، وانظر: توضيح الأفكار ١/ ٢٤٧.
[ ٥٥ ]
حديث لم تجتمع فيه صفات القبول.
وعلل اختياره بأنه أسلم من الاعتراض وأخصر (^١).
قلت: وهو كذلك، فإنه أسلم من الاعتراضات الواردة على تعريف ابن الصلاح في جمعه بين صفتي الحسن والصحة.
كما أنه أخصر؛ إذ جمع اللفظين في لفظ واحد، وأسلم من تعريف العراقي ومن تبعه في اقتصاره على صفة الحسن، إذ قد يكون الحديث صحيحا وليس بحسن كما ذكر ذلك جماعة.
وتبعا لتخلف أية صفة من صفات القبول يتنوع الضعيف، فهو أنواع كثيرة، أوصلها ابن حبان (^٢) إلى خمسين قسما إلا واحدا، والعراقي إلى اثنين وأربعين قسما (^٣)، كما أوصلها بعضهم إلى ثلاثة وستين قسما (^٤) وأوصلها آخر إلى مائة وتسعة وعشرين قسما باعتبار العقل، وإلى واحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود، وإن لم يتحقق وجودها (^٥).
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ص ٢٨٦ من المطبوع بالآلة الكاتبة بتحقيق: الدكتور ربيع بن هادي.
(٢) ابن حبان: هو الإمام الحافظ العلامة أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي البستي، قال الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، وكان من عقلاء الرجال. من مصنفاته: المسند الصحيح، التاريخ، المجروحين، الثقات، وغيرها. توفي مسنة أربع وخمسين وثلاثماثة. انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ٩٢٠ - ٩٢٤.
(٣) انظر: شرح ألفية العراقي له ١/ ١١٢ - ١١٦، توضيح الأفكار ١/ ٢٤٩ - ٢٥٣.
(٤) هو الشيخ محمد بن علي المجد ولي المالكي الأزهري في رسالة له سماها "فتح اللطيف في قسم الضعيف" المخطوط المحفوظ بمكتبة الأوقاف العامة ببغداد رقم ٣/ (مجاميع).
(٥) انظر: تدريب الراوي للسيوطي ص ١٠٥.
[ ٥٦ ]
وبلغت في إحصاء بعضهم إلى خمسمائة وإحدى عشرة صورة (^١).
وذكر ابن الصلاح طريقة استخراج هذه الصور، بقوله: وسبيل من أراد البسط أن يعمد إلى صفة معينة منها، فيجعل ما عدمت فيه من غير أن يخلفها جابر قسما واحدا، ثم ما عدمت فيه تلك الصفة مع صفة أخرى معينة قسمًا ثانيًا، ثم ما عدمت فيه مع صفتين معينتين قسمًا ثالثًا، وهكذا إلى أن يستوفي الصفات المذكورات جمع، ثم يعود ويعين من الابتداء صفة غير التي عينها أولا، ويجعل ما عدمت فيه وحدها قسما، ثم القسم الآخر ما عدمت فيه مع صفة أخرى، ولتكن الصفة الأخرى غير الصفة الأولى المبدوء بها، لكون ذلك سبق في أقسام عدم الصفة الأولى، وهكذا هلم جرا إلى آخر الصفات (^٢).
وذكر السيوطي أنه أراد بسطها في التدريب، لكنه رأى شيخ الإسلام ابن حجر، قال: إن ذلك تعب ليس وراءه أرب.
ثم وجه ذلك بأنه لا يخلو إما أن يكون لأجل معرفة مراتب الضعيف، وما كان منها أضعف أولا، فإن كان الأول، فلا يخلو من أن يكون لأجل أن يعرف أن ما فقد من الشرط أكثر، أضعف أو لا.
فإن كان الأول، فليس كذلك، لأن منها ما يفقد شرطا واحدا، ويكون أضعف مما فقد الشروط الخمسة الباقية، وهو ما فقد الصدق، وإن
_________________
(١) هو الشيخ محمد بن خليفة المرحومي الشوبري الشافعي في رسالة له في بيان أقسام الحديث الضعيف، مخطوط محفوظ بمكتبة الأوقات العامة ببغداد رقم ٤/ ١١٢٩ (مجاميع). وذكر الشيخ محمد محمد السماحي في كتابه "غيث المستغيث" ص ٧٠ أنها: خمسمائة وعشرة أقسام.
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٣٧ - ٣٨.
[ ٥٧ ]
كان الثاني، فما هو؟
وإن كان لأمر غير معرفة الأضعف، فإن كان لتخصيص كل قسم باسم فليس كذلك، فإنهم لم يسموا منها إلا القليل، كالمعضل، والمرسل، ونحوهما، أو لمعرفة كم يبلغ قسما بالبسط، فهذه ثمرة مرة، أو لغير ذلك فما هو؟، ثم قال السيوطي: فلذلك عدلت عن تسويد الأوراق بتسطيره (^١).
مسالك الضعف إِلى الحديث:
عرفنا -فيما سبق- أن الحديث الضعيف هو الحديث الذي لم تجتمع فيه شروط القبول، بأن كان فاقدا لأحد الشروط المشترطة لقبول الحديث، لكن هذا الضعيف الذي فقد شرطا من شروط القبول قد يرتفع إلي درجة القبول إذا جاء من طرق أخرى، كما تقدم (^٢).
فعلى هذا يكون مسالك الضعف إلى الحديث ستة، هي:
١ - عدم اتصال سنده.
٢ - عدم عدالة رواته، أو بعضهم.
٣ - كون الرواة أو بعضهم غير ضابطين.
٤ - اشتماله على شذوذ، سواء كانت في متنه أو سنده أو فيهما.
٥ - اشتماله على علة قادحة، سواء كانت في متنه أو سنده أو فيهما.
_________________
(١) تدريب الراوي ص ١٠٥ - ١٠٦.
(٢) انظر: ص ٤٧ من هذه الرسالة، وانظر: ما سيأتي ص ٢٤٢ - ٢٤٤.
[ ٥٨ ]
٦ - عدم مجيئه من وجه آخر إذا كان قابلا للانجبار.
هكذا عدد بعض العلماء أسباب الضعف (^١)، لكن الحافظ ابن حجر -﵀- حصر أسباب الضعف في سببين رئيسيين، هما:-
١ - السقط من السند.
٢ - الطعن في الراوي (^٢).
ولا فرق بين هاتين الوجهتين؛ إذ أن الشذوذ داخل في مخالفة الثقات التي هي من أوجه الطعن في الراوي، والعلة داخلة في وهم الراوي، وهو كذلك، وسأعتمد طريقة ابن حجر لا ختصارها وشمولها، وقد جعلتها في فصلين:
_________________
(١) انظر: توضيح الأفكار للصنعاني ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٢) انظر: نخبة الفكر وشرحها للحافظ ابن حجر ص ٦٣.
[ ٥٩ ]
الفصل الأول المسلك الأول من مسالك الضعف إِلى الحديث السقط من السند
تعريف السند:
لغة: ما ارتفع من الأرض، وما قابلك من الجبل، وعلا عن السفح، والجمع: أسناد، وكل شيء أسندته إلى شيء فهو سند ومسند، ويقال: أسند في الجبل: إذا ما صعده، كما يقال: فلان سند أي معتمد (^١).
فالسند: ما يستند إليه، ويعتمد عليه من متكأ ونحوه.
واصطلاحا: الإخبار عن طريق المتن (^٢).
قال ابن جماعة (^٣): وأخذه إما من السند، وهو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل، لأن المسند يرفعه إلى قائله، أو من قولهم: فلان سند أي
_________________
(١) تهذيب اللغة للأزهري ١٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦، الصحاح ولسان العرب مادة "سند".
(٢) إتمام الدراية لقراء النقاية للسيوطي ص ١٥ بهامش مفتاح العلوم.
(٣) هو: بدر الدين محمد بن جماعة الكناني الحموي، له معرفة بفنون عدة، كان ينطوي على دين وتعبد وتصون وتصوف وعقل ووقار وجلال وتواضع، ولي قضاء القدس، ثم قضاء الديار المصرية. من مصنفاته: المنهل الروي في الحديث النبوي، المسالك في علوم المناسك وغيرهما، توفي سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. انظر: تتمة المختصر لابن الوردي ٢/ ٤٢٨، التاج المكلل لصديق حسن خان ص ٢٩٦ وفيه وفاته سنة أربع وأربعين وسبعمائة.
[ ٦٠ ]
معتمد، فسمي الأخبار عن طريق المق سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه (^١).
والإِسناد: رفع الحديث إلى قائله (^٢).
والمسند من الحديث: ما اتصل إسناده حتى يرفع إلى النبي -ﷺ- (^٣).
فالسند: هو سلسلة الرجال الذين يذكرهم المحدث ابتداء بشيخه، وانتهاء برسول الله -ﷺ-.
والسقط من السند: انقطاع تلك السلسلة بسقوط راو أو أكثر عمدا من بعض الرواة، أو عن غير عمد، من أول السند أو من آخره أو من أثنائه، سواء كان هذا السقط ظاهرا أو خفيا.
أنواع السقط:
يتنوع السقط من الإسناد بحسب ظهوره وخفائه إلى نوعين:-
أ- سقط ظاهر.
ب- سقط خفي.
السقط الظاهر:
السقط الظاهر كاسمه لا يخفى على من يشتغل بهذا العلم، بل يشترك في معرفته الأئمة الحاذقون بهذا الفن، وغيرهم ممن له أدنى إلمام بعلوم الحديث.
ويدرك هذا النوع من السقط بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه لكونه لم
_________________
(١) و(^٢) تدريب الراوي ص ٥ - ٦، إتمام الدراية ص ٥١، شعرح الزرقاني على البيقونية ص ٩ - ١٠، حاشية لقط الدرر ص ٤.
(٢) تهذيب اللغة للأزهري ١٢/ ٣٦٥.
[ ٦١ ]
يدرك عصره، أو أدركه، لكن لم يجتمعا (^١)، وليست للتلميذ من شيخه إجازة (^٢)، ولا وجادة (^٣)؛ ومن ثم احتيج لمعرفة تواريخ الرواة، مواليدهم ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحا لهم وبلدانهم أيضا، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم (^٤).
أنواعه:
السقط الظاهر، لا يخلو إما أن يكون من مبادئ السند، أو من آخره بعد التابعي، وقبل الرسول -ﷺ-، فالأول المعلق، والثاني المرسل.
أو يكون السقط في غير مبادئ السند وآخره، وهذا إما أن يكون الساقط اثنين فصاعدا مع التوالي أو لا، فالأول يسمى: المعضل، والثاني يسمى: المنقطع.
وهذه الأنواع الأربعة أكثر ما يقسم إليها السقط الظاهر، وإليك الكلام عليها (^٥):
_________________
(١) لا يرد على هذا أن الإمام مسلم يكتفي بالمعاصرة، ولا يشترط اللقاء كما في شرح النووي على صحيحه ١/ ١٤، لأنا نقول: إنه يكتفي بها إذا لم يعلم أنهما لم يجتمعا، أما إذا تيقنا أنهما لم يجتمعا، فالسند منقطع بلا شك.
(٢) الإجازة: هي الأذن في الرواية، وقد يحصل عليها الراوي من شيخ ولم يلتق به، كأن يقول الشيخ: أجزت مروياتي لمن أدرك زماني انظر: فتح الباقي شرح ألفية العراقي لزكريا الأنصاري ٢/ ٦٠، ٦٤.
(٣) الوجادة: هي أن يقف على أحاديث بخط راويها، غير المعاصر له، اْو المعاصر ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمع منه ولكن الواجد لا يروىِ تلك الأحاديث الخاصة عنه بسماع ولا إجازة. انظر: تدريب الراوي ص ٢٨٢، والإلاع للقاضي عياض ص ١١٦ - ١١٧ وسماها "الخط".
(٤) شرح نخبة الفكر ص ٧٠.
(٥) سيأتي الكلام على السقط الخفي وأنواعه بعد الكلام على أنواع السقط الظاهر.
[ ٦٢ ]
النوع الأول: المعلق
تعريفه:
لغه: اسم مفعول من علق الشيء بالشيء، ومنه، وعليه بمعنى أناطه به (^١)، والعلق: التشبث بالشيء، يقال: علق الصيد في الحبالة، وأعلق الصائد إذا علق الصيد في حبالته (^٢).
واصطلاحا: هو الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر (^٣)، ولو إلى آخر الإسناد (^٤).
كذا أطلق كثير من أهل العلم في تعريفه دون تقييد.
وقيده الملا علي القاري (^٥) بالتوالي (^٦).
وقيده ابن الصلاح، وتبعه النووي بكونه مجزوما به، كقال، وفعل، وأمر، ونهى، وذكر وحكى، أما ما كان بغير صيغة الجزم،
_________________
(١) المحكم لابن سيده ١/ ١٢٢.
(٢) المفردات في غريب القرآن مادة "علق".
(٣) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٢٠.
(٤) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ١٧.
(٥) القاري: هو علي بن محمد سلطان الهروي المعروف بالقاري الحنفي، أحد صدور العلم، فريد عصره. له: شرح المشكاة، شرح الشمائل، شرح الشفاء، وغيرها. توفى سنة أربع عشرة وألف. انظر: خلاصة الأثر للمحبي ٣/ ١٨٥ - ١٨٦.
(٦) شرح شرح النخبة ص ١٠٦.
[ ٦٣ ]
كيروى عن فلان كذا، أو يقال عنه كذا، أو يذكر، أو يحكى، وشبهها، فزعما أن المحدثين لم يستعملوه في هذه الصيغة (^١).
لكن الذي يراه كثير من المحققين أن غير المجزوم به داخل في مسمى المعلق، منهم: أبو الحجاج المزي (^٢) حيث أورد في تحفة الأشراف ما في البخاري من ذلك معلما عليه علامة التعليق (^٣).
بل إن النووي -نفسه- أورد في رياض الصالحين حديث عائشة: "أمرنا أن ننزل الناس منازلهم"، (^٤) وقال: ذكره مسلم في صحيحه تعليقا، فقال: وذكر عن عائشة (^٥).
سمي هذا النوع من الحديث معلقا، لأنه بحذف أوله صار كالشيء المقطوع عن الأرض، الموصول من الأعلي بالسقف مثلا.
قال ابن الصلاح: كأنه مأخوذ من تعليق الجدار، وتعليق الطلاق، ونحوه لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال (^٦).
_________________
(١) علوم الحديث ص ٦٣، والتقريب مع التدريب ص ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) المزي: هو العالم الحبر الحافظ الأوحد محدث الشام جمال الدين يوسف بن الزكي عبد الرحمن ابن يوسف المزي أبو الحجاج. له: تهذيب الكمال في أسماء الرجال في مائتين وخمسين جزءا، وكتاب الأطراف في بضعة وثمانين جزءًا. وتوفي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/ ١٤٩٨ - ١٥٠٠.
(٣) انظر مثلا: ١/ ٣٩٠ من كتاب "تحفة الأشراف".
(٤) رواه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ٥٥ مع النووي.
(٥) رياض الصالحين للنووي ص ١٧٤.
(٦) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٦٤.
[ ٦٤ ]
وتعقبه السراج البلقيني (^١) قائلا: أن أخذه من تعليق الجدار ظاهر، أما من تعليق الطلاق ونحوه، فليس التعليق هناك لأجل قطع الاتصال، بل لتعليق أمر على أمر (^٢).
قلت: لعل مراد ابن الصلاح تعليق المرأة لا تعليق الطلاق، ومنه قوله تعالى: ( فلا تميلوا كل اليل فتذروها كالمعلقة ) الآية (^٣). أي: ليست بمطلقة ولا ذات زوج.
قال القرطبي: هذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء، لأنه لا على الأرض استقر، ولا على ما علق عليه انحمل (^٤).
ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: "إِن أنطق أطلق، وإِن أسكت أعلق" (^٥).
واستبعد الحافظ ابن حجر أخذه من تعليق الجدار (^٦).
_________________
(١) البلقيني: هو سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني، مجتهد عصره، وعالم المائة الثامنة، برع في الفقه والحديث والأصول، انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي والإفتاء، وبلغ رتبة الاجتهاد، له تصانيف في الفقه والحديث والتفسير، وغيرها. توفي سنة خمس وثمانمائة. انظر: حسن المحاضرة في أخبار مصر- والقاهرة للسيوطي ١/ ٣٢٩.
(٢) محاسن الاصطلاح للبلقيني ص ١٧٤.
(٣) الآية ١٢٩ من سورة النساء.
(٤) تفسير القرطبي ٥/ ٤٠٧.
(٥) حديث أم زرع رواه البخاري ٩/ ٢٥٤ - ٢٥٥ مع الفتح، ومسلم ١٥/ ٢١٢ - ٢٢٢ بشرح النووي مطولا.
(٦) نقله عنه: السخاوي في فتح المغيث ١/ ٥٥.
[ ٦٥ ]
صور المعلق:
للحديث المعلق صور كثيرة، منها:-
١ - أن يحذف جميع السند مع إضافته لقائل.
كقول البخاري: وقال النبي -ﷺ- لصاحب القبر: "كأن لا يستتر من بوله" (^١).
وهذه الصورة لم يذكرها المزي تعليقا في الأطراف (^٢).
٢ - أن يحذف جميع السند مع عدم الأضافة إلى قائل.
كقول البخاري: كانت أم الدرداء لمجلس في الصلاة جلسة الرجل، وكانت فقيهة (^٣).
٣ - أن يحذف جميع السند إلا الصحابي.
كقول البخاري وقال أنس: (حسر النبي -ﷺ- عن فخذه" (^٤).
وهذه الصورة كالأولى لم يذكرها المزي في الأطراف تعليقا (^٥).
٤ - أن يحذف جميع السند إلا الصحابي والتابعي.
كقول البخاري: وقال حميد (^٦) عن أنس عن النبي -ﷺ-: "لا يبزق في
_________________
(١) البخاري ١/ ٣٢١ مع الفتح.
(٢) انظر: فتح المغيث ١/ ٥٥.
(٣) البخاري ٢/ ٣٠٥ مع الفتح، وقد وصله البخاري نفسه في التاريخ الصغير ١/ ١٩٣ عن مكحول.
(٤) البخاري ١/ ٤٧٨ مع الفتح.
(٥) انظر: فتح المغيث للسخاوي ١/ ٥٥.
(٦) حميد بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة الخزاعي مولاهم، وقيل غير ذلك البصري، واختلف=
[ ٦٦ ]
القبلة ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه" (^١).
٥ - أن يحذف من حدثه ويضيفه إلى من فوقه.
كقول البخاري -بعد أن ذكر حديث أنس-: كأن النبي -ﷺ- إذا دخل الحلاء قال: "اللهم إِني أعوذ بك من الخبث والحبائث" (^٢).
قال: وقال غندر (^٣) عن شعبة: "إِذا أتى الخلاء" (^٤).
وليس من صيغ المعلق ما عزاه المصنف لشيخه بصيغة "قال"، بل حكمها حكم المعنعن، فيشترط للحكم باتصاله شيئان:-
١ - لقاء الراوي لمن روى عنه.
٢ - سلامته من التدليس (^٥).
ومثال ذلك: قول الأمام البخاري: وقال هشام بن عمار (^٦) حدثنا
_________________
(١) = في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، قال ابن معين: يقال له: تيرويه، وثقه العجلي وأبو حاتم. توفي سنة اثنتين وأربعين ومائة وقيل: سنة ثلاث وأربعين ومائة. انظر: التاريخ ليحيى بن معين ٤/ ٢٣٨، تهذيب التهذيب ٣/ ٣٨ - ٤٠.
(٢) البخاري ٢/ ١٤ مع الفتح.
(٣) رواه البخاري ١/ ٢٤٢ مع الفتح، وأبو داود رقم ٤، والترمذي رقم ٥.
(٤) غندر: هو محمد بن جعفر المدني البصري المعروف بغندر، ثقة صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومائة. انظر: تقريب التهذيب ٢/ ١٥١.
(٥) البخاري ١/ ٢٤٢ مع الفتح، وقد وصله البزار في مسنده عن محمد بن بشار عن غندر بلفظه كما في الفتح ١/ ٢٤٤.
(٦) ألفية العراقي مع شرحها فتح المغيث ١/ ٥٥.
(٧) هشام بن عمار بن نصِر بن ميسرة بن أبان السلمي الدمشقي خطيب جامعها، وثقه ابن معين، والعجلي، وقال النسائي: لا بأس به تغير لما كبر، توفى سنة خمس وأربعين ومائتين.=
[ ٦٧ ]
صدقة بن خالد (^١) حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (^٢) حدثنا عطية ابن قيس الكلابي (^٣) حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري (^٤)، قال حدثني أبو عامر (^٥)، أو أبو مالك الأشعري (^٦)، والله ما كذبني سمع النبي -ﷺ- يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والحمر والمعازف " الحديث (^٧).
_________________
(١) = انظر: تهذيب التهذيب ١١/ ٥١ - ٥٤.
(٢) صدقة بن خالد الأموي مولاهم أبو العباس الدمشقي، قال الإمام أحمد: ثقة، ثقة، وقال ابن معين: ثقة. توفي سنة ثمانين ومائة. انظر: التاريخ ليحيى بن معين ٤/ ٤١٧، والعلل ومعرفة الرجال ١/ ٨٤، والخلاصة ١/ ٤٦٧.
(٣) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الداراني أبو عتبة ثقة، وفي التاريخ الصغير: له كتابان سمع أحدهما، ولم يسمع الآخر. مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. انظر: التاريخ الصغير للبخاري ٢/ ١١٧ - ١١٨، والكاشف ٢/ ١٩١.
(٤) عطية بن قيس الكلابي أو الكلاعي، أبو يحى الحمصي المقرئ، قال أبوحاتم: صالح الحديث، وقال أبو مسهر: توفي سنة عشر ومائة، وقال ابنه: مات سنة إحدى وعشرين ومائة انظر: الجرح والتعديل ٣/ ١/ ٣٨٤، والخلاصة ٢/ ٢٣٤.
(٥) عبد الرحمن بن غنم الأشعري مختلف في صحبته، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين، وقال ابن حبان: زعموا أن له صحبة، وليس ذلك بصحيح عندي، مات سنة ثمان وسبعين. انظر: الثقات لابن حبان ٥/ ٧٨، والتقريب ١/ ٤٩٤.
(٦) أبو عامر الأشعري له صحبة، اسمه: عبد الله بن هانئ، وقيل: عبد الله بن وهب، وقيل: عبيد، وقيل غير ذلك، وليس بعم أبي موسى الأشعري، يقال: مات في خلافة عبد الملك. انظر: تهذيب الكمال للمزي الورقة ٨٠٩ مخطوط.
(٧) أبو مالك الأشعري له صحبة، قيل اسمه: الحارث بن الحارث، وقيل: عبيد، وقيل: عبيد الله، وقيل غير ذلك في خلاف كثير، حتى قال أبو أحمد الحاكم: أمره مشتبه جدا، توفي في خلافة عمر. انظر: الإصابة ٧/ ٢٥٦، تهذيب التهذيب ١٢/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٨) رواه البخاري ١٠/ ٥١ مع الفتح، وأبو داود رقم ٤٠٣٩ بلفظ "ليكونن من أمتي أقوام =
[ ٦٨ ]
فلا التفات إلى زعم أبي محمد بن حزم الظاهري أن الحديث منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعل حكمه بانقطاعه جوابا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه (^١). والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح (^٢)، لأن البخاري قد لقي هشاما وحدث عنه بأحاديث، ولم يصف البخاريَّ أحدٌ بالتدليس (^٣). بل هو من أبعد خلق الله عن التدليس (^٤).
_________________
(١) = يستحلون الخز والحرير الحديث"، وابن ماجه رقم ٤٠٢٠ بلفظ "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف .. الحديث".
(٢) ذكرها الحافظ ابن القيم في "إغاثة اللهفان" ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠، ننقلها منه باختصار:
(٣) أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا قال: قال هام، فهو بمنزلة قوله عن هشام.
(٤) أنه لو لم يسمع منه، فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صح عنه أنه حدث به.
(٥) أنه أدخله في كتابه المسمى بالصحيح محتجًا به، فلولا صحته عنده لما فعل ذلك.
(٦) أنه علقه بصيغة الجزم دون صيغة التمريض.
(٧) أنا لو أضربنا عن هذا صفحا، فالحديث صحيح متصل عند غيره، فقد رواه أبو داود، وابن ماجه.
(٨) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٦١ - ٦٢.
(٩) انظر: فتح المغيث للسخاوي ١/ ٥٥.
(١٠) تذييل: زعم الكرماني أن البخاري يستعمل صيغة قال في مقام المذاكرة والمحاورة، ولكن الحافظ ابن حجر لم يرتض هذا، ونفى أن يكون منحصرا في المذاكرة، وقال: إنه يستعمله فيما يكون ظاهره الوقف، وفيما يصلح للمتابعات لتخلص صيغة التحديث لما وضع الحديث لأجله من الأصول المرفوعة، واستدل على ذلك بوجود كثير من الأحاديث عبر فيها البخاري في الجامع بصيغة القول، وعبر فيها في غير الجامع من تصانيفه بصيغة التحديث. انظر: شرح الكرماني على البخاري ٦/ ١١٤، ٢٠/ ١٤٧، فتح الباري ٢/ ٥١٣، ١٠/ ١١.
[ ٦٩ ]
حكم المعلق:
الحديث المعلق ضعيف، لأنه فقد شرطا من شروط القبول، وهو اتصال السند بحذف راو أو أكثر من أول إسناده مع عدم علمنا بحال ذلك المحذوف.
وهذا الحكم خاص بما إذا كان المعلق في كتاب لم يشترط مؤلفه الصحة، أو اشترط ولم يف بشرطه (^١)، أما إذا وجد المعلق في كتاب التزمت صحته كالصحيحين (^٢)، فهذا له حكم خاص، وهو أنه لا يخلو من حالين:-
الحال الأولى: ما كان معلقا وجاء موصولا في الكتاب نفسه، وهذا هو الكثير الغالب على معلقات الصحيحين.
وسبب التعليق: أنه كثيرا ما يحتاج إلى تكرار الحديث لتعدد ما يستفاد منه من أحكام، فمتى احتاج إلى التكرار لجأ إلى الاختصار، فعلق الإسناد خشية التطويل، ويندر جدا أن يكرر حديثا بسنده ومتنه (^٣).
_________________
(١) كالحاكم وابن حبان.
(٢) يوجد في البخاري من المعلقات ١٣٤١ حديثا معلقا، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في هدي الساري ص ٤٦٩. أما في صحيح مسلم، فالمعلقات قليلة جدا، قال السيوطي في التدريب ص ٦٠: في مسلم في موضع واحد في التيمم، حيث قال: وروي الليث بن سعد، فذكر حديث أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة: "أقبل النبيﷺ- من نحو بئر جمل الحديث". وفيه أيضا موضعان في الحدود والبيوع، رواهما بالتعليق عن الليث بعد روايتهما بالاتصال، وفيه بعد ذلك أربعة عشر موضعا كل حديث منها رواه متصلا ثم عقبه بقوله: ورواه فلان أ. هـ، وانظر: شرح النووي على مسلم ١/ ١٦ - ١٨.
(٣) مجموع ما كرره البخاري بإسناده ومتنه نحو عشرين حديثا. انظر فتح الباري ١/ ١٦، =
[ ٧٠ ]
الحال الثانية: ما لم يوجد إلا معلقا إذ لم يوصل في موضع آخر من الكتاب (^١)، وهذه لا تخلو من صورتين:-
الصورة الأولى: أن يصدر الحديث المعلق بصيغة الجزم، مثل: قال، وروى، وأمر، وذكر، وحكى، فهذه الصيغة يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن يبقى النظر فيمن أبرز من الرجال، فمنهم من هو على شرط الصحيح، ومنهم من لا يلتحق بشرطه، أما ما كان على شرطه فلا غبار عليه، وأما ما لا يلتحق بشرطه، فقد يكون صحيحا على شرط غيره، وقد يكون حسنا صالحا للحجة، وقد يكون ضعيفا لا من جهة قدح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده (^٢).
الصورة الثانية: أن يصدر الحديث المعلق بصيغة التمريض، مثل: رُوي، أو يروى، أو يُذكر، أو في الباب عن النبي -ﷺ- وما أشبهها، فهذه الصيغة لا يستفاد منها الصحة ولا الضعف، ففيها ما هو صحيح على شرط الصحيح، وفيها ما هو صحيح ليس على شرطه، وفيها ما هو حسن، وفيها ما هو ضعيف (^٣)، قال ابن الصلاح: ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يؤنس به ويركن إليه (^٤).
_________________
(١) = ١١/ ٣٤٠، وانظرها مسطرة في مقدمة إرشاد الساري للقسطلاني ١/ ٢٥ - ٢٦.
(٢) مجموع ما في البخاري من هذا النوع ماءلة وستون حديثا. انظر: هدي الساري ص ٤٦٩، فتح الباري ١٣/ ٥٤٣ تدريب الراوي ص ٦٠، وذكر الحافظ ابن حجر في هدي الساري ص ٤٧٧ أنها مائة وتسعة وخمسون حديثا.
(٣) انظر: هدي الساري ص ١٧، وفيه الأمثلة على ذلك.
(٤) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ٢١، وهدي الساري مقدمة فتح الباري ص ١٨ - ١٩ وفيه الأمثلة على هذا كله.
(٥) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٢١.
[ ٧١ ]
وقال الحافظ ابن حجر: الضعيف الذي لا عاضد له في الكتاب قليل جدا، وحيث يقع ذلك فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف (^١).
ومثال ذلك: قول البخاري: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: "لا يتطوع الإِمام في مكانه" ولم يصح (^٢).
وطريق معرفة الصحيح من غيره من هذه المعلقات هو البحث عن إسناد الحديث والحكم عليه بما يليق به، وقد تولى ذلك -بالنسبة لصحيح البخاري- الحافظ ابن حجر في كتابيه العظيمين: فتح الباري، وتغليق التعليق، فجزاه الله خيرا.
_________________
(١) هدي الساري لابن حجر ص ١٩.
(٢) البخاري ٢/ ٣٣٤ مع الفتح، وأخرجه أبو داود رقم ١٠٠٦ بلفظ "أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتاخر، أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة يعني: في السبحة". وانظر: سنن ابن ماجة رقم ١٤٢٧. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢/ ٣٣٥: لم يصححه البخاري لضعف إسناده واضطرابه، فقد تفرد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف واختلف عليه فيه. أ. هـ.
[ ٧٢ ]
النوع الثاني: المرسل
تعريفه:
لغة: اسم مفعول من الإرسال، وأصله من قولهم: أرسل الشيء: أطلقه وأهمله (^١)، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ الآية (^٢). ومنه حديث عمر﵁- حينما سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأه إياها رسول الله -ﷺ-، وفيه فقال لي: "أرسله" (^٣).
ويحتمل أن يكون من قولهم: جاء القوم أرسالا، أي: قطعا متفرقين، ففي الحديث: "إِن الناس دخلوا على رسول الله -ﷺ- أرسالا يصلون عليه" (^٤).
وفي القاموس: الرسل -محركة- القطيع من كل شيء، جمعه: أرسال (^٥). ويحتمل أن يكون من قولهم: ناقة مرسال، أي سريعة السير، ومنه قول الشاعر:
أمست سعاد بأرض لاتبلغها إلا العتاق النجيبات المراسيل (^٦)
_________________
(١) انظر لسان العرب مادة "رسل".
(٢) الآية ٨٣ من سورة مريم.
(٣) رواه البخاري ٥/ ٧٣ مع الفتح، ومسلم ٦/ ٩٨ - ٩٩ مع النووي، والنسائي ٢/ ١١٦، ومالك في الموطأ ١/ ٢٠١.
(٤) أخرجه ابن ماجه رقم ١٦٢٨، وأحمد ٥/ ٨١ مطولا.
(٥) القاموس المحيط مادة "رسل".
(٦) البيت من قصيدة كعب بن زهير الشهيرة "بانت سعاد"./ انظر: ص ٧٤ من شرحها=
[ ٧٣ ]