الإهداء
الإهداء:
إن أولى من يهدى إليه هذا الكتاب، هو أولى الناس بالمؤمنين، نبينا "محمد" الصادق الأمين، الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
فإليك يا منقذ الخلق من الضلال.
إليك يا نبي الرحمة ومنبع العلم والنور والعرفان.
إليك يا من حدثت فصدقت، وحكمت فعدلت، وجاهدت فأبليت أحسن البلاء.
إليك يا من أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.
أهدي كتابي هذا راجيا من الله ﷿ أن يمن علي بشفاعتك: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
[ ٣ ]
الداعي لنشر هذا الكتاب:
نال المؤلف بهذا الكتاب "شهادة العالمية مع لقب أستاذ في علوم القرآن والحديث" عام ١٣٦٥هـ-١٩٤٦م من الجامع الأزهر الشريف. "قسم تخصص المادة بكلية أصول الدين".
والذي دعا إلى نشره الآن، هو ظهور بعض مؤلفات، يحمل أصحابها على السنة حملة شعواء، ويشككون المسلمين فيها؛ بالطعن في صحابة رسول الله ﷺ، والنيل من أئمة الحديث ورواته، ورميهم بالتفريط في حفظ السنة وفهمها، وما لهؤلاء الطاعنين بذلك من علم إلا ما يتلقفونه من كتب المستشرقين، ومن سلك طريقهم من المغرضين: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .
[ ٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف:
الحمد لله رب العالمين. بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، الذين رفعوا منار الهداية، وحملوا راية السنة، وأعلوا شأن الرواية، وأحاطوا أحاديث نبيهم بسياج من الصيانة والرعاية؛ فنفوا عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وبعد فإن الله جلت حكمته، أنزل على رسوله محمد ﷺ كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ثم وكل سبحانه إلى رسوله الأمين تبيان هذا الكتاب فقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، والرسول ﷺ في بيانه للقرآن الكريم لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ لذلك أوجب الله علينا طاعته، وحذرنا معصيته، فقال ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فالقرآن والسنة هما أساس الدين، والنور الهادي إلى الصراط المستقيم.
ولما كان للسنة النبوية هذه المكانة العظمى، عرف السلف الصالح
[ ٥ ]
للسنة قدرها ومكانتها، فرعوها حق رعايتها، وحفظوها في الصدور، وأودعوها سويداء القلوب، ودونوها في المصنفات والكتب، وحكموها في شئونهم، وكانوا بها مستمسكين، وعلى نهجها سائرين، وما زال العلماء في كل عصر يعنون بالسنة عناية تامة علما وعملا، حتى جاءت عصور ضعف فيها المسلمون، فخلف من بعد هؤلاء الأعلام خلف تهاونوا بشأنها، وتقاعدوا عن حفظها، فاستعجم عليهم فهمها، واستغلق لديهم الوقوف على أسانيدها ومتونها، وكان من أثر ذلك أن رأينا أرباب الأديان المبدلة، والعقائد الزائفة، والأهواء المتبعة، يطعنون في سنة نبينا، ويغضون من شأن الأحاديث النبوية، فمن قائل: لا يعتمد عليها الآن لانقطاع أسانيدها، ومن قائل: إن السنة ليست دينا عاما دائما، ومن قائل: إن الأغلبية العظمى من الأحاديث ليست إلا من وضع الوضاعين، واختلاق الكذابين، ومن طاعن في صحابة رسول الله وهم الحلقة الأولى في سلسلة الإسناد، الذي يصلنا بصاحب الشريعة ﷺ، ومن مشوه للحقائق التاريخية الثابتة فتراه يخلط الحق بالباطل، ويحمل البريء تبعة المذنب، ويغلب الشر على الخير، ومن متلمس للهفوات يضخم من شأنها، فيرفعها إلى درجة العظائم، لينال من هذه الملة المطهرة، والسنة النبوية المشرفة، إلى غير ذلك من أنواع المكايد والطعون التي يبثها أعداء الإسلام.
فلما رأيت هذا الخلط والتلبيس، وذلك الطعن والأزراء، دون برهان ولا دليل، وغالب ذلك من المستشرقين، ومن حذا حذوهم من المفتونين، ورأيت القوم مسرفين في تبجح واسترسال؛ توجهت رغبتي إلى تأليف كتاب في تاريخ الحديث والمحدثين، يكشف القناع عن وجه الحقيقة، التي طالما شوه جمالها أصحاب الأهواء، ويوضح الحق من
[ ٦ ]
الضلال ويميز الخطأ من الصواب، فأكون بذلك -إن شاء الله- منتظما في سلك المناضلين عن سنة خير المرسلين، ومنضويا تحت لواء البررة المجاهدين.
هذا ولما كانت السنة النوية قد تواردت عليها عصور مختلفة، وتدرجت في أطوار متباينة، ولكل طور منها طابعه الخاص؛ رأيت أن أرتب هذا الكتاب على مقدمة وسبعة أدوار وخاتمة.
المقدمة: في معنى السنة ونسبتها إلى الوحي، ومنزلتها في الدين وبيانها للقرآن الكريم.
الدور الأول: السنة في حياة النبي ﷺ.
الدور الثاني: السنة في عهد الخلافة الراشدة.
الدور الثالث: السنة بعد الخلافة الراشدة إلى منتهى القرن الأول الهجري.
الدور الرابع: السنة في القرن الثاني.
الدور الخامس: السنة في القرن الثالث.
الدور السادس: السنة من مبدأ القرن الرابع إلى سقوط بغداد عام ٦٥٦هـ.
الدور السابع: السنة من عام ٦٥٦هـ إلى عصرنا الحاضر.
الخاتمة: في ذكر أنواع من علوم الحديث ناطقة بجهود الأمة في خدمة السنة.
والله تعالى أسأل أن يوفقنا لخدمة العلم والدين، وأن يديم به النفع العميم إنه على ما يشاء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
محمد محمد أبو زهو
[ ٧ ]
مقدمة الكتاب
المبحث الأول: معنى السنة لغة واصطلاحا
مقدمة الكتاب:
وتشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول - معنى السنة لغة واصطلاحا.
المبحث الثاني - السنة من الوحي.
المبحث الثالث - منزلة السنة في الدين.
المبحث الرابع - السنة مبينة للقرآن الكريم.
المبحث الأول: معنى السنة لغة واصطلاحا
السنة في اللغة: الطريقة حسنة كانت أم سيئة، ومنه قوله ﷺ: "من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، رواه مسلم. قال في لسان العرب "السنة السيرة حسنة كانت أو قبيحة. قال خالد بن عتبة الهذلي:-
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها
وسننتها سنا واستننتها سرتها، وسننت لكم سنة فاتبعوها، وفي
[ ٨ ]
الحديث "من سن سنة حسنة" إلخ يريد عملها ليقتدَى به فيها. وكل من ابتدأ أمرا عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سنه.
قال نصيب:-
كأني سننت الحب أول عاشق من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي
وقد تكرر في الحديث ذكر السنة، وما تصرف منها والأصل فيه الطريقة والسيرة. وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ، ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز؛ ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة أي القرآن والحديث". اهـ.
السنة في لسان أهل الشرع:
يختلف معنى السنة عند أهل الشرع حسب اختلاف الأغراض التي اتجهوا إليها من أبحاثهم، فمثلا علماء أصول الفقه عنوا بالبحث عن الأدلة الشرعية وعلماء الحديث عنوا بنقل ما نسب إلى النبي ﷺ، وعلماء الفقه عنوا بالبحث عن الأحكام الشرعية من: فرض وواجب ومندوب وحرام ومكروه. والمتصدرون للوعظ والإرشاد، عنوا بكل ما أمر به الشرع أو نهى عنه. لذلك اختلف المراد من لفظ السنة عندهم، بل وقد يقع الاختلاف أيضا بين علماء الطائفة الواحدة منهم.
فعلماء الأصول يطلقون لفظ السنة على أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وبعض الأصوليين يطلق لفظ السنة على ما عمل عليه أصحاب رسول الله ﷺ، سواء أكان ذلك في الكتاب
[ ٩ ]
العزيز أم عن النبي ﷺ أم لا، كما فعلوا في جمع المصحف وتدوين الدواوين ونحو ذلك. ويدل على هذا الإطلاق قوله ﷺ، فيما رواه مسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وذهب إلى هذا أيضا طائفة من المحدثين.
وعلماء الفقه، يريدون بالسنة الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب.
وعلماء الوعظ والإرشاد يريدون بالسنة ما قابل البدعة، فيقال عندهم فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ، سواء كان ذلك ما نص عليه في الكتاب العزيز، أم لا ويقال: فلان على بدعة إذا عمل على خلاف ذلك.
وعلماء الحديث يريدون بالسنة -على ما ذهب إليه جمهورهم- أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وصفاته الخلقية والخلقية وسيره، ومغازيه وبعض أخباره قبل البعثة مثل تحنثه في غار حراء، ومثل حسن سيرته؛ لأن الحال يستفاد منها ما كان عليه من كريم الأخلاق ومحاسن الأفعال؛ كقول خديجة أم المؤمنين له ﷺ: "كلا والله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق"، ومثل أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وأنه عُرف بالصدق والأمانة، وما إلى ذلك من صفات الخير وحسن الخلق، فمثل ذلك يُنتفع به في إثبات نبوته ﷺ كثيرا، كما حصل من هرقل في حديثه المشهور. والسنة بهذا المعنى مرادفه للحديث النبوي عندهم.
[ ١٠ ]
المبحث الثاني: السنة من الوحي
السنة النبوية بالمعنى السابق ما أضيف إلى النبي ﷺ، من قول أو فعل أو تقرير هي أحد قسمي الوحي الإلهي، الذي نزل به جبريل الأمين على النبي الكريم ﷺ. والقسم الثاني من الوحي هو القرآن الكريم. فالسنة النبوية من الوحي، بذلك نطق الكتاب العزيز: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وبذلك جاءت السنة نفسها، فقد روى أبوداود والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله"، وعن حسان بن عطية أنه قال: "كان جبريل ﵇ ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن"، وعن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ: "آتاني الله القرآن ومن الحكمة مثليه"، أخرجهما أبو داود في مراسيله.
هذا ولما كانت السنة صنو الكتاب العزيز، ونوعا من وحي رب العالمين؛ رأينا أن نتكلم عن الوحي وأقسامه بإيجاز، حتى يتضح المقام، ويتبين لنا الفرق بين السنة والكتاب، فنقول:
[ ١١ ]
الوحي وأقسامه:
الوحي يطلق ويراد منه الإيحاء، ويطلق ويراد منه الموحَى به، ولا بد من بيانهما.
الوحي بمعنى الإيحاء:
الوحي بمعنى الإيحاء معناه لغة: الإعلام بالشيء على وجه الخفاء والسرعة، ولذا كانت الكتابة والإشارة والرمز والكلام الخفي من قبيل الوحي عند أهل اللغة.
ومعناه في لسان الشرع: إعلام الله لأنبيائه ما يريد إبلاغه إليهم من الشرائع، والأخبار بطريق خفي بحيث يحصل عندهم علم ضروري قطعي، بأن ذلك من عند الله جل شأنه. فهو أخص من المعنى اللغوي باعتبار مصدره، وهو الله سبحانه ومورده وهم أنبياؤه الكرام.
أقسامه: إعلام الله لأنبيائه ما يريد يقع على أحوال ثلاثة، أشار الله إليها بقوله ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾، وإليك بيانها:-
أولا: الإعلام بطريق الإلهام، وهو إلقاء المعنى في قلب النبي، دفعة مع العلم اليقيني بأن ذلك من الله ﷿، وقد يكون هذا الإلهام في المنام كما يكون في اليقظة، وهذا النوع من الوحي هو المراد من قوله تعالى في الآية السابقة ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ بدليل مقابلته بالقسمين بعده.
ثانيا: الكلام من وراء حجاب، أي بدون رؤية النبي لربه ﷿ وقت التكلم بحيث يسمع كلامه، ولا يراه كما حصل ذلك لموسى ﵇ في بدء رسالته، وقد رأى نارا فقال لأهله امكثوا: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ الآيات، وعند مجيئه للميقات كما قال تعالى:
[ ١٢ ]
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ الآيات. وكما حصل ذلك لنبينا محمد ﷺ، ليلة المعراج عند فرض الصلاة عليه وعلى أمته، ومراجعته ربه فيها على ما صرحت به الأحاديث الصحيحة.
ثالثا: إعلام الله للنبي ما يريد أن يبلغه إليه بواسطة الملَك في اليقظة أو المنام، ثم الإعلام بواسطة الملك يقع على وجهين: لأن النبي تارة يشاهد الملك عند الوحي، إما على صورته الحقيقية، وهذا نادر. وإما متمثلا في صورة بشر كما كان جبريل يتمثل للنبي ﷺ في صورة الصحابي الجليل دحية الكلبي، وتارة لا يرى النبي الملك عند الوحي، وإنما يسمع عند قدومه دويا وصلصلة شديدة، يعلم الله كنهها ومصدرها فيعتريه حالة روحية غير عادية، لا يدرك الحاضرون منها إلا أماراتها الظاهرية، كثقل بدنه وتفصد جبينه عرقا.
روى البخاري في الصحيح عن عروة، عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام، سأل النبي ﷺ، فقال يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.
وربما سمع الحاضرون عند وجهه الكريم دويا كدوي النحل عند مجيء الوحي. أخرج الترمذي، عن عمر ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ، إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل الحديث.
[ ١٣ ]
الوحي بمعنى الموحى به:
الوحي بمعنى الموحى به ينقسم إلى متلو وإلى غير متلو:
١- فمن الوحي المتلو القرآن الكريم، الذي جعله الله آية باهرة ومعجزة قاهرة، وحجة باقية على نبوة سيدنا محمد ﷺ، وتكفل بحفظه من التبديل والتحريف إلى قيام الساعة، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾، نزل به جبريل الأمين على النبي ﷺ بلفظه ومعناه، من غير أن يكون لواحد منهما مدخل فيه بوجه من الوجوه، وإنما هو تنزيل من الله العزيز الحكيم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ .
وقد انعقد الإجماع على أن القرآن الكريم، نزل على النبي ﷺ في اليقظة بواسطة جبريل ﵇، وأنه لم ينزل عليه منه شيء في النوم، ولا بطريق من طرق الوحي الأخرى. وليس ذلك لأن طرق الوحي الأخرى يعتريها اللبس، أو يلحقها الشك. كلا، فالوحي بجميع أنواعه في اليقظة أو المنام يصاحبه علم يقيني ضروري بأنه من الله سبحانه. وإنما كان الإجماع على ما ذكرنا؛ لأنه الواقع الذي تفيده الأحاديث، والآثار الواردة في أسباب النزول، فإن قيل: روى مسلم عن أنس أنه قال: "بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا، إذ غفا إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزل علي آنفًا سورة، فقرأ سورة الكوثر"، فهذا يفيد أن سورة الكوثر، نزلت في النوم قلنا: أجاب العلماء عن ذلك بأن الإغفاءة الواردة في الحديث ليست إغفاءة نوم، وإنما هي ما كان يعتريه عند نزول الملك من الوحي وشدته، وقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا عند نزول الوحي عليه؛ لتغلب روحيته على بشريته ﷺ.
[ ١٤ ]
ومن خصائص القرآن الكريم، أنه متعبد بتلاوته في الصلاة وخارجها، وأنه لا تجوز روايته بالمعنى وأنه معجز بلفظه، ومعناه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
٢- ومن الوحي غير المتلو السنة النبوية لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، إلى غير ذلك من الأدلة، وقد تقدم بعضها غير أن السنة النبوية تفارق القرآن الكريم بأمور كثيرة، أهمها أنها منزلة بالمعنى، ولفظها من النبي ﷺ، ومن هنا جاز روايتها بالمعنى للخبير بمقاصدها العارف بمعانيها وألفاظها عند من يرى ذلك من العلماء، وأنها ليست معجزة بألفاظها، ولا متعبدا بتلاوتها، وأنها نزلت بطرق الوحي السابقة في المنام، أو اليقظة بواسطة الملك أو غيره.
وقد يشكل على أن السنة بأقسامها: أقوالها وأفعالها وتقريراتها من الوحي ما قرره العلماء من جواز الاجتهاد له ﷺ، وأنه اجتهد في كثير من الوقائع في الحروب وغيرها، فجعل السنة بأقسامها الثلاثة موحى بها من الله سبحانه يعارض ما قرره جمهور العلماء، فضلا عن أنه يسلبه ﷺ خصائصه ومزاياه من الفهم الثاقب والرأي الصائب، والجواب عن ذلك أنه ﷺ، وإن اجتهد في كثير من المواطن، التي لم ينزل عليه فيها وحي، بمقتضى ما فطر عليه من العقل السليم والنظر السديد، إلا أن الله سبحانه لا يتركه وشأنه، ولكن يقره إذا أصاب وينبهه إن أخطأ، ومن هنا كان اجتهاده ﷺ إذا أقره الله عليه وحيا حُكْما. فلا تعارض بين ما قرره العلماء، وما قررنا
[ ١٥ ]
من أن السنة بأقسامها وحي من الله سبحانه، ثم إن ذلك لا يسلبه ﷺ شيئا من خصائصه ومزاياه، كما قيل: بل يؤكدها ويقررها.
الحديث القدسي، ومن أي أقسام الوحي هو؟
هناك طائفة من الأحاديث نقلت إلينا آحادا عنه ﷺ، مع إسنادها إلى الرب عز اسمه تعرف بالأحاديث القدسية، أو الإلهية أو الربانية، فهل هي من كلامه تعالى وقوله، أو هي من كلامه ﷺ ولفظه؟ وإذا كانت من كلامه تعالى أفيثبت لها خصائص القرآن الكريم أم لا؟ والجواب عن ذلك: أن للعلماء قولين في الأحاديث القدسية:
الأول: أنها من كلام الله تعالى، وليس للنبي ﷺ، إلا حكايتها عن ربه ﷿، وربما يستأنس لذلك بأمور:
١- أن هذه الأحاديث أضيفت إلى الله تعالى، فقيل: فيها قدسية وإلهية وربانية، فلو كان لفظها من عنده ﷺ لما كان لها فضل اختصاص بالإضافة إليه تعالى دون سائر أحاديثه ﷺ.
٢- وأنها اشتملت على ضمائر التكلم الخاصة به تعالى كقوله: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي"، وكقوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بالكواكب".
٣- وأن هذه الأحاديث تروى عن الله تعالى متجاوزا بها النبي ﷺ، فتارة يقول الراوي: "قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه"، وتارة يقول الراوي: "قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله ﷺ"، فلو كان اللفظ من النبي ﷺ لانتهى بالرواية إليه كما هو الشأن في الأحاديث النبوية.
[ ١٦ ]
هذا والأحاديث القدسية، وإن كانت من كلام الله تعالى على هذا القول، لكن ليس لها خصائص القرآن الكريم. فقد نقل القرآن إلينا بطريق التواتر معجزا بلفظه ومعناه متعبدا بتلاوته، يحرم على المحدث مسه وعلى نحو الجنب قراءته مسمى باسم "القرآن" متعينا للصلاة به. الجملة منه تسمى آية وسورة، ولا تجوز روايته بالمعنى، وهو بجميع آياته وسوره نزل به جبريل الأمين على قلب النبي ﷺ كما سبق.
أما الأحاديث القدسية، فليس لها شيء من تلك المزايا بل هي أحاديث تروى آحادا، عن النبي ﷺ عن ربه ﷿، تترجم عن عظمة الباري جل علاه، وسعة رحمته، وعظيم سلطانه، وفيض عطائه، وهي خاضعة لقواعد القبول والرد، أدرجها المحدثون في عداد الأحاديث النبوية، وخلطوها بها في المؤلفات والتصانيف، وأجمعوا على أنها غير معجزة بألفاظها ولا متعبد بتلاوتها، وأنها لا تسمى باسم القرآن والراجح أنها لم يلتزم فيها طريق خاصة من طرق الوحي السابقة، وأنه يجوز روايتها بالمعنى للعارف بالمعاني والألفاظ.
القول الثاني في الأحاديث القدسية: أنها من قوله ﷺ ولفظه كالأحاديث النبوية، وممن قال ذلك أبو البقاء في كلياته وعبارته: "القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، وأما الحديث القدسي، فهو ما كان لفظه من عند الرسول ﷺ، ومعناه من عند الله بالإلهام أو بالمنام"، واختاره أيضا الطيبي وعبارته:
"القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل على النبي ﷺ، والحديث القدسي إخبار الله معناه بالإلهام أو بالمنام، فأخبر النبي صلى الله
[ ١٧ ]
عليه وسلم أمته بعبارة نفسه وسائر الأحاديث لم يضفها إلى الله تعالى، ولم يروها عنه تعالى"، وحكمة أضافتها إليه تعالى على هذا القول دون بقية الأحاديث، زيادة الاهتمام بمضمونها، وتوجيه النفوس إلى ما اشتملت عليه من المعاني والآداب.
"الحكمة في أن الوحي المحمدي منه ما نزل باللفظ، ومنه ما نزل بالمعنى".
من آثار رحمة الله تعالى أن جعل الشريعة المحمدية من دون الشرائع السابقة شريعة باقية خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فأنزل القرآن الكريم وحيا يتلى إلى قيام الساعة، محفوظا من التبديل والتغيير: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فكان دليلا قائما وبرهانا ساطعا على إثبات نبوة محمد ﷺ إلى يوم الدين، وكان خير حافظ للشريعة المحمدية من عبث العابثين، وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، وكان وما يزال نورا ساطعا وضياء للمتقين: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
وكما حفظ الله شريعته بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه رفع الإصر والحرج عن خلقه، فأنزل على نبيه الكريم إلى جانب القرآن العزيز نوعا آخر من الوحي، هو السنة أنزلها عليه بالمعنى، وجعل اللفظ إليه إيذانا بأن في الأمر سعة على الأمة، وتخفيفا عليها، وأن المقصود هو مضمونها لا ألفاظها، فيجوز لصحابته ومن بعدهم أن يبلغوها عنه ﷺ باللفظ النبوي، وهو الأولى والأحوط لما في قوله ﷺ من أنوار النبوة، وضياء الرسالة والفصاحة العربية، التي لا يلحق شأوه فيها، ويجوز لهم أن يبلغوها عنه ﷺ
[ ١٨ ]
بعبارات ينشئونها، وأقوال تفي بالمعنى المقصود، ولا يكون ذلك إلا للماهر في لغة العرب وأساليبها العارف بمعاني الشريعة، ومقاصدها حتى لا ينشأ عن الرواية بالمعنى خلل، يذهب بالغرض المقصود من الحديث وفي ذلك من الخطر ما فيه، فإن السنة تبيان للقرآن العزيز، ووحي من رب العالمين وثاني مصادر التشريع، فالخطأ فيها أثره جسيم وخطره عظيم، ولذلك يقول رسول الله ﷺ: "من كذب علي، فليتبوأ مقعده من النار".
وإنك لتلمس آثار رحمة الله، وحكمته في أن جعل الوحي على قسمين، قسما لا تجوز روايته بالمعنى، بل لا بد فيه من التزام الألفاظ المنزلة، وهو القرآن الكريم وقسما تجوز روايته بالمعنى لمن يستطيع ذلك، وهو السنة النبوية المطهرة وفي ذلك صون الشريعة، والتخفيف عن الأمة، ولو كان الوحي كله من قبيل القرآن الكريم في التزام أدائه بلفظه لشق الأمر، وعظم الخطب ولما استطاع الناس أن يقوموا بحمل هذه الأمانة الإلهية.
ولو كان الوحي كله من قبيل السنة في جواز الرواية بالمعنى، لكان فيه مجال للريب ومثار للشك، ومغمز للطاعنين ومنفذ للملحدين إذ يقولون: لا نأمن خطأ الرواة في أداء الشريعة، ولا نثق بقول نقلة العقائد والأحكام والآداب، ولكن الله جلت حكمته صان الشريعة بالقرآن، ورفع الأصر عن الأمة بتجويز رواية السنة في الحدود السابقة؛ لئلا يكون للناس على الله حجة.
[ ١٩ ]
المبحث الثالث: منزلة السنة النبوية في الدين
١- وجوب اتباعها، والتحذير عن مخالفتها:
السنة النبوية وحي من الله إلى نبيه محمد ﷺ، وهي أصل من أصول الدين، وركن في بنائه القويم يجب اتباعها وتحرم مخالفتها، على ذلك أجمع المسلمون وتضافرت الآيات على وجه لا يدع مجالا للشك. فمن أنكر ذلك فقد نابذ الأدلة القطعية، واتبع غير سبيل المؤمنين.
ومن الآيات في ذلك:
أ- قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
ب- قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
ج- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .
د- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .
هـ- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
ز- قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
[ ٢٠ ]
٢- الرد على من ينكر الاحتجاج بالسنة، وأنها من أصول الدين:
المنكرون لذلك طائفتان: طائفة ردوا السنة جملة، سواء كانت متواترة أم آحادية زعما منهم أن لا حاجة إليها، وفي القرآن غنية عنها وأن النظر فيه يوصل إلى مقاصده، بدون الرجوع إليها، وبنوا هذا الزعم على شبه منها:-
أ- ما فهموه من قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ .
ب- وما فهموه من قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
ج- وما نسبوه إلى النبي ﷺ: "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله. فإن وافق كتاب الله فأنا قلته. وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله".
وطائفة ردوا أخبار الآحاد، فقط زعما منهم أن الراوي ليس معصوما من الكذب، وأنه يجوز عليه الخطأ والنسيان.
الرد على من ينكر الاحتجاج بالسنة جملة:
هؤلاء القوم محجوجون بالأدلة السابقة، وبغيرها مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فلو كان القرآن في غنى عن السنة لما كان لهذه الآية معنى، ونحن إذ نستمسك بالسنة، ونعمل بما جاء فيها إنما نعمل بكتاب الله. قيل لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال: والله ما نبغي بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم منا بالقرآن. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله"، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، فقالت: يا أبا عبد الرحمن بلغني أنك لعنت كيت وكيت. فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ
[ ٢١ ]
وهو في كتاب الله. فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه. أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه رسول الله ﷺ.
ورُوي أن طاوسا كان يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: اتركهما فقال: إنما نهى عنهما أن تتخذا سنة. فقال ابن عباس: قد نهى رسول الله ﷺ، عن صلاة بعد صلاة العصر، فلا أدري أتعذب عليهما أم تؤجر؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وعن عمران بن حصين أنه قال لرجل: "إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله الظهر أربعا، لا يجهر فيها بالقراءة، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا. ثم قال: أتجد ذلك في كتاب الله مفسرا. إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر ذلك". ذكر هذه الآثار كلها ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" "٢-١٨٨".
وأما ما استندوا إليه فشبه واهية نجيب عنها بما يأتي:-
١- المراد من قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أن القرآن بيان لأمور الدين، إما بطريق النص أو بالإحالة على السنة، وإلا لناقض قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ .
٢- وأما قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، فالمراد بالكتاب فيه اللوح المحفوظ لا القرآن بدليل السياق. قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، أي مكتوبة أرزاقها وآجالها، وأعمالها كما كتبت أرزاقكم، وآجالكم، وأعمالكم
[ ٢٢ ]
﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ أي ما تركنا وما أغفلنا ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ أي في اللوح المحفوظ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من ذلك لم نكتبه، ولم نثبت ما وجب أن يثبت مما يخص به ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ يعنى الأمم كلها من الدواب والطير، فيعوضها وينصف بعضها من بعض، أفاده في الكشاف وعلى تقدير أن المراد بالكتاب هنا القرآن فتأويله: ما فرطنا فيه من شيء من أمور الدين، فهو دال عليها إما بطريق النص، أو بالإحالة على السنة كما سبق.
٣- وأما الحديث الذي نسبوه إلى النبي ﷺ، فذكر أئمة الحديث أنه مكذوب، وضعته الزنادقة والخوارج.
قال الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ما نصه: "أمر الله ﷿ بطاعة رسوله ﷺ واتباعه أمرا مطلقا مجملا لم يقيد بشيء، كما أمرنا باتباع كتاب الله، ولم يقل: إذا وافق كتاب الله، كما قال بعض أهل الزيغ. قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث؛ يعني ما رووا عنه ﷺ: "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته. وإن خالف كتاب الله فلم أقله. وإنما أنا موافق كتاب الله وبه هداني الله".
وهذه الألفاظ لا تصح عنه ﷺ عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم، وقالوا: نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء، ونعتمد على ذلك قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفا لكتاب الله؛ لأنا لم نجد في كتاب الله أنه لا يقبل من حديث رسول الله ﷺ إلا ما وافق كتاب الله؛ بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به، والأمر بطاعته، ويحذر من المخالفة عن أمره جملة على كل حال. اهـ "٢-١٩٠".
[ ٢٣ ]
ونقل صاحب كشف الخفاء، عن الصغاني أن هذا الحديث موضوع، فلم يبق لهؤلاء المبتدعة الذين نابذوا السنة، وتأولوا القرآن على غير وجهه من حجة إلا اتباع الهوى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾، ولقد أنبأنا رسول الله ﷺ بما أطلعه الله عليه من الغيب، عن هذه الفرق ومسلكها، وأنهم لا يرفعون للسنة رأسا مع أنها من وحي الله سبحانه فقال: "يوشك رجل منكم متكئا على أريكته، يحدث بحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرمه رسول الله ﷺ مثل الذي حرم الله"، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. وروى ابن عبد البر أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه؛ ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله".
٣- الرد على من ينكر الاحتجاج بالسنة الآحادية:
قسم المحدثون الحديث النبوي إلى متواتر وآحاد:-
الحديث المتواتر: هو ما نقله جمع يحصل العلم بصدقهم، ضرورة بأن يكونوا عددا كثيرا لا يمكن تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم من أوله إلى آخره، ولذا كان مفيدا للعلم الضروري، وهو الذي يضطر إليه الإنسان بحيث لا يمكنه دفعه، ويجب العمل به من غير بحث عن رجاله، ولا يعتبر فيه عدد معين في الأصح.
ثم المتواتر قسمان: لفظي: وهو ما تواتر لفظه. ومعنوي: وهو ما تواتر القدر المشترك فيه.
[ ٢٤ ]
وللأول أمثلة منها حديث: "من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار".
وللثاني أمثلة كثيرة منها أحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد رُوي عنه ﷺ نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء؛ لكنها في قضايا مختلفة وكل قضية منها لم تتواتر، والمتواتر هو القدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء.
خبر الواحد:
وأما خبر الواحد، فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر، سواء كان الراوي له واحدا أم أكثر، وهو نوعان "مقبول"، وهو ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله من مبدئه إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة. "ومردود"، وهو ما لم يتصل إسناده كذلك.
خبر الواحد الثقة حجة يلزم بها العمل:
الذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول: أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع، يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم، ويقابل هذا المذهب مذاهب أخرى؛ منها:
١- ما ذهب إليه القدرية والرافضة وبعض أهل الظاهر أنه لا يجب العمل به.
٢- وقال الجبائي من المعتزلة. لا يجب العمل إلا بما رواه اثنان عن اثنين.
٣- وقال بعضهم: لا يجب العمل إلا بما رواه أربعة عن أربعة.
وهذه الأقاويل التي تقابل ما عليه جماهير المسلمين كلها باطلة، فلم تزل كتب النبي ﷺ، وآحاد رسله يعمل بها ويلزمهم
[ ٢٥ ]
النبي ﷺ العمل بذلك، واستمر على ذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم. ولم يزل الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة فمن بعدهم من السلف والخلف على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بسنة وعلى قضائهم به ورجوعهم إليه في القضاء والفتيا، ونقضهم به ما حكموا على خلافه، وطلبهم خبر عند عدم الحجة ممن هو عنده، واحتجاجهم به على من خالفهم، وانقياد المخالف لذلك، وهذا كله معروف لا شك فيه، والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد، وقد جاء الشرع بوجوب العمل به فوجب المصير إليه.
واحتج بعض العلماء لقبول خبر الواحد، بأن كل صحابي أو تابعي سئل عن نازلة في الدين، فأخبر السائل بما عنده فيها لم يشترط على السائل ألا يعمل بما أخبره به من ذلك، حتى يسأل غيره فضلا عن أن يسأل الكافة، بل كان كل منهم يخبره بما عنده، فيعمل بمقتضاه ولا ينكر عليه ذلك، فدل على اتفاقهم على وجوب العمل بخبر الواحد. وإذا وقع من بعضهم التردد في العمل به في بعض الأحوال، فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبة في الصحة، أو تهمة للراوي، أو وجود معارض راجح، أو نحو ذلك.
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان ما ملخصه: "ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأئمة الثقات بتفرد الراوي، فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة، وقبله الأئمة كلهم فلم يرده أحد منهم، وكم من حديث تفرد به واحد من التابعين، ولم يرده أحد من الأئمة، ولا نعلم أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا، قال: إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابي واحد لم يقبل، وإنما يحكى عن أهل البدع -ومن تبعهم في ذلك- أقوال لا يعرف لها قائل من الفقهاء، وقد تفرد الزهري بنحو ستين سُنة لم يروها غيره، وعملت بها الأئمة ولم يردوها لتفرده، ثم إن هذا القول
[ ٢٦ ]
لا يمكن أحدا من أهل العلم ولا من الأئمة ولا من أتباعهم طرده، ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم. فإن قيل: فهذا هو الحديث الشاذ، وأقل أحواله أن يتوقف فيه، ولا يجزم بصحته عن رسول الله ﷺ، قيل: ليس هذا هو الشاذ، وإنما الشذوذ أن يخالف الراوي الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثا منفردا به، لم يروِ الثقات خلافه؛ فإن ذلك لا يسمى شاذا، وإن اصطلح على تسميته شاذا بهذا المعنى، لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مسوغا له. قال الشافعي ﵀: وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث، بل الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات، قال: في مناظرته بعض من رد الحديث بتفرد الراوي فيه". اهـ.
وقد جود الكلام على قبول خبر الواحد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في رسالته المشهورة في باب على حدة، فارجع إليه إن شئت، وسيأتيك طرف منه إن شاء الله تعالى.
٤- عذر الأئمة في ترك العمل ببعض الأحاديث، وأنه لا يعد طعنا منهم في السنة:
قد يقول قائل: قررت أن السنة بنوعيها -المتواتر منها والآحاد- يجب اتباعها ولا تجوز مخالفتها، ولكننا نرى كثيرا من الأئمة المجتهدين يعمل في بعض المسائل على خلاف ما جاءت به الأحاديث.
والجواب: أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة، يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته، دقيق أو جليل؛ فإنهم مجمعون على وجوب اتباعه ﷺ في كل ما جاء به، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه، والأعذار في هذا الباب كثيرة جدا، وإليك أمثلة من هذه الأعذار:
[ ٢٧ ]
١- ألا يكون الحديث قد بلغه في تلك المسألة، ومن لم يبلغه الحديث لا يكلف العمل به، وهذا هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض الأحاديث. والإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأئمة كائنا من كان، وقد كان النبي ﷺ، يحدث أو يفتي أو يقضي أو يفعل الشيء فيسمعه أو يراه من يكون حاضرا، ثم يبلغه أولئك الحاضرون أو بعضهم لمن يبلغونه، فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فلم تكن سنة رسول الله ﷺ يحيط بها صحابي واحد، أو تابعي واحد، أو إمام من الأئمة. ومن ادعى ذلك فقد أحال، وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم بكثرة العلم أو جودته، واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين، الذين كانوا أعلم الأمة بأمور رسول الله ﷺ وسنته وأحواله. فهذا أبو بكر ﵁ لما سئل عن ميراث الجدة قال: "ما لك في كتاب الله من شيء؛ ولكن أسأل الناس"، فسألهم فقام المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة، فشهدا أن النبي ﷺ أعطاها السدس، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ لم يكن يعلم سنة الاستئذان، حتى أخبره بها أبو موسى ﵁، ولم يكن يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها، حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان -أمير رسول الله ﷺ على بعض البوادي- يخبره أن رسول الله ﷺ: "ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها"، ولم يكن يعلم حكم المجوس في الجزية، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، ولما قدم "سرغ"، وبلغه أن الطاغوت بالشام، استشار المهاجرين الأولين الذين معه، ثم الأنصار، ثم مسلمة الفتح، فأشار
[ ٢٨ ]
كل عليه بما رأى ولم يخبره أحد بسُنة، حتى قدم عبد الرحمن بن عوف، فأخبره بسنة رسول الله ﷺ في الطاعون، وأنه قال: "إذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا سمعتتم به بأرض فلا تقدموا عليه"، وهذا عثمان ﵁ لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيت زوجها، حتى حدثته الفريعة بنت مالك -أخت أبي سعيد الخدري- بقضيتها لما توفي زوجها، وأن النبي ﷺ قال لها: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"، فأخذ به عثمان.
وأُهدي لعثمان مرة صيد كان قد صيد لأجله فهَمَّ بأكله، فأخبره علي ﵁ أن النبي ﷺ رد لحما أُهدي له، وهذا علي ﵁ يقول: "كنت سمعت من رسول الله ﷺ حديثا، نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، وذكر حديث صلاة التوبة المشهور". وأفتى هو وابن عباس وغيرهما بأن المتوفى عنها زوجها، إذا كانت حاملا تعتد أبعد الأجلين، ولم يكن قد بلغهم سنة رسول الله ﷺ في سبيعة الأسلمية؛ حيث أفتاها النبي ﷺ بأن عدتها وضع حملها. وأفتى هو وزيد وابن عمر وغيرهم بأن المفوضة إذا مات عنها زوجها فلا مهر لها، ولم تكن قد بلغتهم سنة رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق، وأنه قضى لها بمهر مثلها، وهذا باب واسع يبلغ المنقول منه عن أصحاب رسول الله ﷺ عددا كثيرا، وأما المنقول منه عن غيرهم، فلا يمكن الإحاطة به، ومن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة أو إماما معينا، فهو مخطئ خطأ بينًا.
[ ٢٩ ]
٢- ان يكون للحديث طريقان؛ أحدهما صحيح، وثانيها غير صحيح، فيبلغ هذا الحديث بعض الأئمة من الطريق الذي لم يصح فلا يعمل به، ويبلغ آخرين من الطريق الصحيح فيعملون به، ولهذا وجد في كلام غير واحد من الأئمة تعليق القول بموجب الحديث على صحته، فيقول: قولي في هذه المسألة كذا، وقد رُوي فيها حديث بكذا، فإن كان صحيحا فهو قولي.
٣- أن يكون للحديث طريق واحد، ولكنه يختلف فيه الأئمة؛ فيراه بعضهم صحيحا لعدم القادح لديه في متنه أو سنده، ويراه بعضهم غير صحيح لقادح في سنده أو متنه. وهذا باب واسع، وللعلماء بالرجال وأحوالهم وفي فهم المرويات ودلالتها ما لسائر العلماء في الفنون الأخرى من الاختلاف.
٤- أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده ولكنه نسيه، وهذا كثير في السلف والخلف؛ ومن ذلك الحديث المشهور عن عمر ﵁، أنه سئل عن الرجل يجنب في السفر، فلا يجد الماء فقال: "لا يصلى حتى يجد الماء" فقال له عمار. "يا أمير المؤمنين، أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل، فأجنبنا فأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة، وأما أنت فلم تصل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنما يكفيك هكذا، وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه" فقال له عمر: "اتق الله يا عمار". فقال: إن شئت لم أحدث به، فقال: "بل نوليك من ذلك ما توليت".
فهذه سنة شهدها عمر، ثم نسيها حتى أفتى بخلافها، وذكَّره عمار فلم يذكر، ومع ذلك لم يكذِّب عمارًا، وأمره أن يحدث به.
٥- أن يبلغه الحديث ولكنه يرى أن دلالته على الحكم قد عارضها ما يدل على أنها ليست بمرادة، مثل معارضة العام بخاص أو المطلق بمقيد
[ ٣٠ ]
أو الأمر المطلق بما ينفي الوجوب أو الحقيقة بما يدل على المجاز، إلى غير ذلك من أنواع التعارض.
٦- أن يبلغه الحديث، ولكنه يرى نسخه بدليل آخر، ومن أمثلة ذلك حديث شداد بن أوس، وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، بين الشافعي ﵀ أن هذا الحديث منسوخ بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وذلك أنه روي في حديث شداد، أنه كان مع النبي ﷺ زمان الفتح، فرأى رجلا يحتجم في شهر رمضان فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وروي في حديث ابن عباس أنه ﷺ احتجم وهو محرم صائم، فبان بذلك أن الأول كان زمن الفتح في سنة ثمان من الهجرة، وأن الثاني كان في حجة الوداع سنة عشر، ومن الأمثلة أيضا حديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، فإنه منسوخ بدليل الإجماع على ترك العمل به.
وهذا وفي كثير من الأحاديث، يجوز أن يكون للإمام حجة في ترك العمل بالحديث، لم نطلع نحن عليها؛ فإن مدارك العلم واسعة، ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها، وإذا أبداها فقد تبلغنا وقد لا تبلغ، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه، سواء أكانت الحجة صوابا في نفس الأمر أم لا، وقد ذكرنا أمثلة بارزة من أعذارهم في ترك العمل ببعض الأحاديث، وأنه لا يعد طعنا منهم في السنة، أو قصورا في العلم، وجماع هذه الأعذار ثلاثة: "أحدها" عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قال الحديث، "ثانيها" عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك الحديث، "ثالثها" اعتقاده أن ذلك
[ ٣١ ]
الحديث منسوخ، وبالله التوفيق. راجع كتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٥- ما يطلب من المسلم إذا وجد حديثا على خلاف مذهبه:
١- ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول الله ﷺ، واتفق العلماء على أنه ليس أحد معصوما في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول الله ﷺ.
٢- عَمِلَ الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة بهذا الأصل، فكانوا يطلبون الحكم في المسائل التي تقع من الكتاب والسنة، فإن لم يجدوا اجتهدوا واستنبطوا، وقاسوا معترفين أن اجتهادهم يحتمل الخطأ والصواب، وإن كان يغلب على ظن المجتهد في هذه الحالة أنه إلى الصواب أقرب، وكان من طريقتهم أنهم إذا وجدوا حديثا في الحكم الذي اجتهدوا فيه على خلاف رأيهم رجعوا عن اجتهادهم إليه؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، وقال غير واحد من هؤلاء الأئمة: كل أحد يُؤخذ من كلامه ويترك، إلا رسول الله ﷺ.
٣- وقد ذكرنا فيما سبق أمثلة من رجوع الصحابة عن آرائهم إلى السنة حينما ظهرت لهم، وهؤلاء الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المدونة، قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه، وقرروا أن الدليل إذا قام على خلاف رأيهم كان أولى بالاتباع، وصح عن كل واحد منهم أنه
[ ٣٢ ]
قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، ولما اجتمع أبو يوسف بإمام دار الهجرة مالك بن أنس، وسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضراوات، ومسألة الإحباس؛ فأخبره مالك بما دلت عليه السنة في ذلك قال: "رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت"، ومالك ﵀ كان يقول: "إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة"، والشافعي ﵀ كان يقول: "إذا صح الحديث بخلاف قولي، فاضربوا بقولي عرض الحائط. وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي قولي"، وقال ابن القيم في أعلام الموقعين: "كان الإمام أحمد إذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان؛ ولذا لم يلتفت إلى خلاف عمر ﵁ في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس"، إلى أمثلة كثيرة ذكرها، فلتراجع "١-٣٢" طبع المنيرية.
٤- ومع هذه الوصايا المتكررة، نرى كثيرًا من العلماء المقلدين لهؤلاء الأئمة إذا وجدوا حديثا يخالف مذهبهم، ولم يستطيعوا الجواب عنه؛ نراهم يلتزمون المذهب، ويهملون العمل بالحديث، ويعمدون إلى فتح باب الاحتمالات البعيدة، ويلتمسون لمذاهب أئمتهم أوجهًا من الترجيح.
وإن عجزوا عن ذلك ادعوا النسخ، بلا دليل أو الخصوصية أو عدم العمل به أو غير ذلك. فإن عجزوا عن ذلك كله ادعوا أن إمامهم اطلع عل كل مروي. فما ترك هذا الحديث إلا لأنه مطعون فيه. وتارة يقولون: إن أمر الحديث عظيم، وليس لمثلنا أن يفهمه، فكيف يعمل به؟! وما دروا أن تعظيم الحديث إنما هو في العمل به، وأن تركه إهانة له، وأن فهمه على الوجه الذي هو مناط التكليف حاصل، وإلا لما قامت لله ولا لرسوله حجة إلا على أمثال الأئمة المجتهدين.
وقد عاب عليهم صنيعهم هذا كثير من العلماء، منهم العز بن عبد السلام؛ حيث قال: "ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على
[ ٣٣ ]
ضعف مأخذ إمامه؛ بحيث لا يجد لضعفه مدفعا، وهو مع ذلك يقلده فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة؛ نضالا عن مقلَّده" بفتح اللام المشددة.
قال: "ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب، ومتعصبوها من المقلدين، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة، مقلدا له فيما قال كأنه نبي أرسل، وهذا نأى عن الحق، وبعد عن الصواب، لا يرضى به أحد من أولي الألباب". انظر كتاب حجة الله البالغة "١-١٥٥".
٥- والذي نراه بعد هذا أن من تفقه على مذهب إمام من الأئمة وتبصر فيه، ثم اشتغل بعده بالحديث، وراض نفسه على استنباط الأحكام منه، فوجد أحاديث صحيحة على خلاف مذهب إمامه، ولا يعلم لها ناسخا ولا مخصصا ولا معارضا أنه لا مناص له من العمل بالحديث وترك المذهب، لا سيما إذا قال بالحديث إمام من الأئمة الموثوق بهم، وأن في هذا المسلك العمل بنصوص الشريعة، وتنفيذ ما أجمع عليه الأئمة، والوقوف من أصحاب المذاهب موقفهم من صحابة رسول الله ﷺ، ولا يقال لمن يفعل هذا: أنت أعلم من إمامك الذي خالفته؛ لأن إمامه قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره فالمصير إلى الحديث في هذه الحالة أولى، والإلزم عليه الإعراض عن أمر الله ورسوله، وبقي كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، واعتبر بما ورد عن ابن عباس، وقد ناظره مناظر في المتعة فقال له: "قال أبو بكر وعمر"، فقال ابن عباس: "يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر"، وكذلك ابن عمر ﵁ لما سألوه عنها، فأمر بها فعارضوه بقول عمر، فبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه
[ ٣٤ ]
فألحوا عليه فقال لهم: "أرسول الله ﷺ أحق أن يتبع أم عمر" مع علم الناس بأن أبا بكر وعمر أعلم من ابن عمر وابن عباس ﵃ أجمعين، والمراد بالمتعة متعة الحج لا متعة النكاح.
٦- ولا بأس أن نذكر هنا كلمات عن بعض العلماء من أتباع الأئمة، تؤيد ما ذهبنا إليه، وأنه لا ينبغي لأهل العلم والمعرفة، أن يتركوا الأحاديث إلى المذاهب؛ فنقول:
المقالة الأولى:
قال ابن الصلاح: "من وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه؛ نظر إن كملت له آلة الاجتهاد مطلقا، أو في ذلك الباب، أو المسألة؛ كان له الاستقلال بالعمل به، وإن لم يكمل له آلة الاجتهاد، وشق عليه مخالفة الحديث بعد أن يبحث، فلم يجد للمخالف جوابا شافيا عنه؛ فله العمل به إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي، ويكون هذا عذرا له في ترك مذهب إمامه ههنا"، وحسنه النووي قاله الدهلوي في حجة الله البالغة "١-١٥٨".
المقالة الثانية:
قال الإمام الشعراني في الميزان: "فإن قلت: فما أصنع بالأحاديث التي صحت بعد موت إمامي، ولم يأخذ بها؟ فالجواب: ينبغي لك أن تعمل بها؛ فإن إمامك لو ظفر بها، وصحت عنده لربما كان أمرك بها، فإن الأئمة كلهم أسرى في يد الشريعة، ومن فعل ذلك فقد حاز الخير بكلتا يديه، ومن قال: لا أعمل بالحديث إلا إن أخذ به إمامي فاته خير كثير، كما عليه كثير من المقلدين لأئمة المذاهب، وكان الأولى لهم العمل بكل حديث صح بعد إمامهم تنفيذًا لوصية الأئمة، فإن اعتقادنا فيهم أنهم لو عاشوا، وظفروا بتلك الأحاديث، التي صحت بعدهم لأخذوا بها، وعملوا بها، وتركوا كل قياس كانوا قاسوه، وكل قول كانوا قالوه، وقد بلغنا من طرق صحيحة أن الإمام الشافعي أرسل يقول للإمام أحمد بن حنبل إذا صح عندكم حديث، فأعلمونا به لنأخذ به، ونترك كل قول قلناه قبل ذلك، أو قاله غيرنا، فإنكم أحفظ للحديث، ونحن أعلم به". اهـ.
[ ٣٥ ]
المقالة الثالثة:
وقال الإمام السندي الحنفي: "تقرر أن الصحابة ما كانوا كلهم مجتهدين على اصطلاح العلماء، فإن فيهم القروي، والبدوي ومن سمع منه ﷺ حديثا واحدا، أو صحبه مرة ولا شك أن من سمع حديثا، عن النبي ﷺ، أو عن واحد من الصحابة ﵃، كان يعمل به حسب فهمه مجتهدا كان أو لا، ولم يعرف أن غير المجتهد منهم كلف بالرجوع إلى المجتهد، فيما سمعه من الحديث لا في زمانه، ﷺ، ولا بعده في زمان الصحابة ﵃، وهذا تقرير منه ﷺ بجواز العمل بالحديث لغير المجتهد، وإجماع من الصحابة عليه، ولولا ذلك لأمر الخلفاء غير المجتهد منهم سيما أهل البودي، أن لا يعلموا بما بلغهم عن النبي ﷺ مشافهة، أو بواسطة حتى يعرضوا على المجتهدين منهم، ولم يرد في هذا عين ولا أثر، وهذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ونحوه من الآيات، حيث لم يقيد بأن ذلك على فهم الفقهاء. ومن هنا عرفت أنه لا يتوقف العمل بعد وصول الحديث الصحيح على معرفة عدم الناسخ، أو عدم الإجماع على خلافه، أو عدم المعارض، بل ينبغي العمل به إلى أن يظهر شيء من الموانع، فينظر ذلك ويكفي في العمل كون الأصل عدم هذه العوارض المانعة عن العمل، وقد بنى الفقهاء على اعتبار الأصل في شيء أحكاما كثيرة في الماء، ونحوه لا تخفى على المتتبع لكتبهم. ومعلوم أن من أهل البوادي، والقرى البعيدة من كان يجيء إليه ﷺ مرة، أو مرتين ويسمع شيئا، ثم يرجع إلى بلاده ويعمل به، والوقت كان وقت نسخ وتبديل، ولم يعرف أنه ﷺ أمر أحدا من هؤلاء بالمراجعة، ليعرف الناسخ من المنسوخ بل أنه ﷺ قرر من:قال "لا أزيد على هذا ولا أنقص" على ما قال ولم ينكر عليه بأنه يحتمل النسخ
[ ٣٦ ]
بل قال: "دخل الجنة إن صدق" وكذلك ما أمر الصحابة أهل البوادي وغيرهم بالعرض على مجتهد ليميز له الناسخ من المنسوخ. فظهر أن المعتبر في النسخ ونحوه بلوغ الناسخ لا وجوده، ويدل على أن المعتبر البلوغ لا الوجود أن المكلف مأمور بالعمل على وفق المنسوخ. بل صحح ذلك حديث نسخ القبلة إلى الكعبة المشرفة، فإن خبره وصل إلى أطراف المدينة المنورة كأهل قباء، وغيرهم بعد ما صلوا على وفق القبلة المنسوخة، فمنهم من وصله الخبر في أثناء الصلاة. ومنهم من وصله بعد أن صلى الصلاة. والنبي ﷺ قررهم على ذلك، ولم يأمر أحدا منهم بالإعادة، فلا عبرة لما قيل: "لا يجوز العمل قبل البحث عن المعارض والمخصص"، وإن ادعى عليه الإجماع، فإنه لو سلم فإجماع الصحابة، وتقرير النبي ﷺ مقدم على إجماع من بعدهم، على أن ما ادعى من الإجماع، قد علم خلافه كما ذكر في بحر الزركشي في الأصول". ا. هـ. ملخصًا.
[ ٣٧ ]
المبحث الرابع: في أن السنة النبوية مبينة للقرآن الكريم
أنزل الله القرآن الكريم هداية للناس في أمور دينهم، ودنياهم ولكن بأسلوب إجمالي في الغالب لا يمكن الوقوف منه على مراد الله ﷿، بطريق الوضوح وقد وكل الله إلى نبيه محمد ﷺ، أن يبلغ القرآن الكريم للناس وأن يبين لهم بقوله، وفعله ما يحتاج إلى البيان فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وهو ﷺ، إذ يبين للناس كتاب الله لا يصدر عن نفسه، ولكنه يتبع ما يوحى إليه من ربه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، فالسنة النبوية وظيفتها تفسير القرآن الكريم
[ ٣٧ ]
والكشف عن أسراره وتوضيح مراد الله تعالى من أوامره، وأحكامه ونحن إذا تتبعنا السنة من حيث دلالتها على الأحكام التي اشتمل عليها القرآن إجمالا، أو تفصيلا وجدناها ترد على هذه الوجوه الأربعة.
الأول: أن تكون موافقة لما جاء في القرآن، فتكون واردة حينئذ مورد التأكيد ومن أمثلة ذلك:
١- قوله ﷺ: "لا يحل مال امرئ مسلم، إلا بطيب من نفسه"، رواه الديلمي فإنه يوافق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ .
٢- قوله ﷺ: "اتقوا الله في النساء فإنهم عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله"، فإنه يوافق قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
٣- قوله ﷺ: "إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته"، يوافق قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ .
الثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن، ومن أمثلة هذا النوع:
١- بيان المجمل في مثل الأحاديث، التي جاء فيها تفصيل أحكام الصلاة والزكاة والصيام، والحج وغيرها.
٢- تقييد المطلق كالأحاديث التي بينت المارد من اليد في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وأنها اليمنى وأن القطع من الكوع لا من المرفق.
٣- تخصيص العام كالحديث، الذي بين أن المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، هو الشرك فإن بعض الصحابة فهم منه العموم حتى قال: "أينا لم يظلم" فقال النبي ﷺ: "ليس بذاك إنما هو الشرك".
[ ٣٨ ]
٤- توضيح المشكل كالحديث، الذي بين المراد من الخيطين في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فهم منه بعض الصحابة العقال الأبيض، والعقال الأسود، فقال ﷺ: "هما بياض النهار وسواد الليل".
الثالث: أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن، ومن أمثلة هذا النوع:
١- قوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
٢- قوله ﷺ في الجنين، الخارج ميتا من بطن أمه المذكاة: "ذكاة الجنين ذكاة أمه".
٣- الأحاديث الواردة في تحريم ربا الفضل.
٤- الأحاديث الواردة في تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم لحوم الحمر الأهلية.
الرابع: أنها تكون ناسخة لحكم ثبت بالكتاب على رأي من يجوز نسخ الكتاب بالسنة، ومثال ذلك حديث: "لا وصية لوارث" فإنه ناسخ لحكم الوصية للوالدين، والأقربين الوارثين الثابت بقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، على أحد الوجوه في تفسير الآية، وحديث: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"، فهو ناسخ لآية النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، الآية على أحد الوجوه أيضا.
والأمثلة كثيرة لا سيما على مذهب الحنفية، الذين يقولون: إن الزيادة على الكتاب من قبيل النسخ. والمسألة مختلف فها بين الفقهاء على ما هو معروف في الأصول.
[ ٣٩ ]
هذا والنسخ من قبيل البيان؛ لأنه بيان انتهاء أمد الحكم، ولذلك يطلق عليه بعض علماء الأصول "بيان التبديل".
هل السنة النبوية تستقبل بالتشريع؟؟
وقد يقول قائل: أن الوجه الثالث، الذي ذكرته يفيد أن السنة قد يثبت بها أحكام لم ترد في القرآن إجمالا، ولا تفصيلا، وهو يخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فإنه يفيد أن السنة إنما تبين القرآن، ولا تتعداه إلى غيره، ولنا عن ذلك جوابان:
الجواب الأول:
أنا لا نسلم خلو القرآن عن الأحكام المذكورة في الوجه الثالث من أوجه البيان، ولكنه اشتمل عليا بطريق الأجمال، فصح أن تكون السنة بيانا للقرآن بهذا الاعتبار. وتوضيح ذلك أن الأحكام التي جاءت بها السنة، وسكت عنها القرآن ظاهرا، يمكن أن تكون بيانا له إما بطريق الإلحاق، وإما بطريق القياس وإما بطريق استنباط القواعد العامة من الجزئيات، وإليك توضيح ذلك:
البيان بطريق الإلحاق:
قد ينص القرآن على حل شيء، وحرمة آخر، ويكون هناك شيء ثالث لم ينص على حكمه، وهو آخذ من كل منهما بطرف، فيكون ثم مجال للاجتهاد في إلحاقه بأحدهما، فيعطيه النبي ﷺ حكم أحدهما، وحينئذ يتبين أنه كان من مشمولاته. ومن الأمثلة على ذلك:
١- أحل الله الطيبات وحرم الخبائث، وبقي بين هذين الأصلين أشياء يمكن إلحاقها بأحدهما، فبين ﵊ في ذلك ما اتضح به الأمر، فنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وقال أنها رجس. ونهى ﵊ عن أكل الجلالة وألبانها ذلك لما في لحمها ولبنها من أثر
[ ٤٠ ]
الجلة، فهذا كله راجع إلى معنى الإلحاق بأصل الخبائث، كما ألحق ﵊ الضب والحبارى، والأرنب وأشباهها بأصل الطيبات.
٢- أباح الله من صيد الجارح المعلم ما أمسك عليك وعلم من ذلك أن ما لم يكن معلما، فصيده حرام إذ لم يمسك إلا على نفسه، فدار بين الأصلين ما كان معلما، ولكنه أكل من صيده، فالتعليم يقتضي أنه أمسك عليك، والأكل يقتضي أنه اصطاد لنفسه لا لك، فتعارض الأصلان، فجاءت السنة ببيان ذلك فقال ﵊: "إن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون، إنما أمسك على نفسه"، أخرجه الشيخان.
٣- أحل الله صيد البحر فيما أحل من الطيبات، وحرم الميتة فيما حرم من الخبائث، فدارت ميتة البحر بين الطرفين، وأشكل حكمها فقال ﵊: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" أخرجه أصحاب السنن.
٤- حرم الله الميتة وأحل المذكاة، فدار الجنين الخارج من بطن المذكاة ميتا بين الطرفين، فاحتمل أن يلحق بكل منهما، فقال النبي ﷺ: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، رواه أبو داود والترمذي، وحسنه وهذا منه ﷺ ترجيح لجانب الجزئية على جانب الاستقلال.
٥- قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، فبقيت البنتان مسكوتا عنهما، فنقل في السنة حكمهما، وهو إلحاقهما بما فوق البنتين.
فهذه أمثلة يستعان بها على ما سواها، وبها يتبين أن السنة في هذا النوع مبينة للقرآن الكريم.
البيان بطريق القياس:
قد ينص القرآن على حكم شيء، فيلحق به الرسول صلى الله عليه
[ ٤١ ]
وسلم مااجتمع معه في العلة بطريق القياس، وذلك راجع في الحقيقة إلى دلالة القرآن، فإن النص القرآني المقرر لحكم الأصل، وإن كان خاصبا به في الصورة، فهو عام في المعنى من حيث عموم العلة، وسواء علينا أقلنا أن النبي ﷺ، قاله بالقياس أم بالوحي إلا أنه جار في أفهامنا مجرى القياس.
ومن أمثلة هذا النوع:
١- أن الله ﷿ حرم الربا. وربا الجاهلية الذي قالوا فيه: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ هو فسخ الدين في الدين يقول الطالب: إما أن تقضي وإما أن تربي، وهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ولما كان المنع فيه من قبل كونه زيادة بلا عوض، ألحقت السنة به كل ما فيه زيادة بهذا المعنى، فقال ﵊: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد".
٢- حرم الله الجمع بين الأختين ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، فجاء نهيه ﷺ عن الجمع بين المرأة، وعمتها أو خالتها من باب القياس؛ لأن المعنى الذي من أجله حرم الجمع بين الأختين موجود هنا، وقد روي هذا المعنى في الحديث: "فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" رواه ابن حبان.
٣- بين القرآن بعض المحرمات من الرضاع بقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ فألحقت السنة بهاتين سائر القرابات بالرضاعة من اللاتي كن يحرمن بالنسب كالعمة، والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، فقال ﷺ: "إن الله حرم من الرضاع
[ ٤٢ ]
ما حرم من النسب" أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح وهذا الإلحاق بطريق القياس من باب نفي الفارق بين الأصل والفرع.
البيان بطريق استنباط الواعد العامة من نصوص القرآن الجزئية في المواضع المختلفة:
قد تأتي نصوص من القرآن الكريم في معان مختلفة، لكن يشملها معنى واحد، فتأتي السنة بمقتضى ذلك المعنى الواحد، فيعلم أو يظن أن ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك النصوص القرآنية، ومن أمثلة ذلك:
١- قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، فهاتان القاعدان تؤخذان من الآيات، التي تحث على الإخلاص وتذم الرياء، وتبين أنه ليس للإنسان إلا ما سعى مثل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، إلى غير ذلك.
٢- قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار" فهذه القاعدة مأخوذة من عدة أوامر، ونواه متفرقة في القرآن الكريم في جزئيات مختلفة منها: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنّ﴾، ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾، وما في معناها.
٣- قوله ﷺ: "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه"، وقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، فكل من الحديثين معناه سد ذرائع الفساد، وهو منتزع من آيات كثير منها: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ
[ ٤٣ ]
لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾، ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾، ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾، ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
ومن ذلك كله يعلم أن السنة موضحة للقرآن، ومبينة لمقاصده الكلية والجزئية.
الجواب الثاني:
فإن أبيت إلا أن تجعل الأحكام، التي جاءت بها السنة زيادة عما في القرآن من قبيل استقلال السنة بالتشريع، فلا يضيرنا ذلك بعد ما نطق القرآن نفسه بأن طاعة الرسول صل الله عليه وسلم، إنما هي طاعة لله ﷿، وأنه لا ينطق عن الهوى، فلو كان لا يطاع إلا فيما يوافق القرآن لم تكن له طاعة خاصة وقد قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، كرر الفعل في الآية الأولى وجعل طاعته في الثانية طاعة لله إشارة إلى ما ذكرنا، وأنه يجب طاعته مطلقا وأما قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فلا يفيد قصره ﷺ على البيان، بل يستفاد من هذه الآية ومن الآيتين السابقتين، أنه يبين للناس كتاب الله، وأنه إذا جاوز البيان إلى غيره من الأحكام، التي لم يتعرض لها القرآن لا ينطق عن الهوى، وقد صرح بهذا طائفة من علماء السلف، فمن ذلك ما روي عن عبد الرحمن بن يزيد، أنه رأى محرما عليه ثيابه، فنهاه فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي فقرأ عليه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وما روي عن طاوس أنه كان يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: اتركهما فقال: إنما نهى عنهما أن تتخذا سنة، فقال ابن عباس: قد نهى رسول الله ﷺ، عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتعذب عليها أم
[ ٤٤ ]
تؤجر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية، وكذلك ما روي عن ابن مسعود حينما لعن الواشمة والمستوشمة، وقد تقدم "الموافقات٤-٢٤ إلى ٤٨".
هذا ونحن نرى أنه لا تخاف بين الجوابين على أصل الاعتراض، فمن قال: إن السنة لا تأتي بأحكام زائدة عما في القرآن، أراد أن القرآن اشتمل على جميع الأحكام، إما بطريق التفصيل، وإما بطريق الإجمال، ومن قال: إن السنة تأتي بأحكام زائدة عما في القرآن أراد بها الأحكام التفصيلية، التي لم ينص عليها صراحة في القرآن، وبذلك يلتقي القولان عند نقطة واحدة.
بيان السنة للقرآن في غير الأحكام: يقع على ثلاثة أضرب:
الأول: ما يرد موافقا لما في القرآن، فيكون مؤكدا له، ولا يخلو مع ذلك عن شرح، وبيان كحديث الخضر مع موسى ﵇ في البخاري وغيره، فإنه يوافق القصة المذكورة عنهما في سورة الكهف.
الثاني: ما يرد مورد التوضيح والشرح، ومثاله قول النبي ﷺ: "يدعى نوح فيقال: هل بلغت فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد فيقال: من شهودك فيقول: محمد وأمته قال: فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ "، أخرجه البخاري، والترمذي.
الثالث: ما يرد على طريق الاستقلال، ومن أمثلته حديث جريج العابد، وحديث الأبرص والأقزع، والأعمى وحديث الصخرة، فهذه الأحاديث وما في معنها مؤكدة للمقاصد، التي جاء بها القرآن وحكمتها تنشيط المكلفين وتنبيه الغافلين.
[ ٤٥ ]