في تَحمُّلِ الحديثِ وطُرُقِ نَقِلِه وضَبطِهِ ورِوَايَتِهِ
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في أَهليَّةِ التَّحَمُّلِ
يصح التَّحمل قبل الإسلام وقبل البُلوغ، ومنع الثاني قومٌ وأخطئوا لاتفاق الناس على قبول رواية الحسن والحُسين وابن عبَّاس وابن الزُّبير والنُّعمان بن بَشير، وغيرِهم، ولم يزل الناس يُسمِعون الصِّبيان.
واختُلِف في الزمن الذي يصح فيه سماع الصبي.
فقال القاضي عِيَاض (١): حدَّدَ أهل الصنعة في ذلك خمس سنين وهو سن محمود بن الربيع (٢)، الذي ترجم البخاري فيه "باب متى يصح سماع الصغير" وقيل كان ابن أربع سنين، وهذا الذي استقر عليه عمل المتأخرين يكتبون لابن خمس، سمع ولمن دونه، حَضرَ أو أُحضر.
وقيل الصواب أن يُعتبر كل صغير بحاله، فمتى كان فَهِمًا للخطاب وردَّ
_________________
(١) الإلماع (ص ٦٢).
(٢) أدرك النبي - ﷺ - وهو ابن خمس أو أربع سنين ينظر ترجمته في تهذيب الكمال (٢٧/ ٣٠١).
[ ١١٣ ]
الجواب صحَّحنا سماعه، وإن كان له دون خمس.
ونُقِل نحو ذلك عن أحمد بن حنبل وموسى الحمَّال (١).
وإن لم يكن كذلك لم يصح سماعه وإن كان ابن خمسين (٢).
وقد نقل أنَّ صبيًّا ابن أربع سنين حُمِل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي غير أنه إذا جاع يبكي (٣).
وحاصله أن القاضي اعتبر تحديد السن وبعضهم اعتبر الحالة، وهو الصحيح فلا يُردّ حديث محمود إشكالًا على القول الصحيح؛ لأنه يدل على إثبات سماع من هو مثله في السن والذكاء ولا يدل على نفي سماع من كان دونه في العمر وله ذكاء وفطنة.
قال أبو عبد الله الزبيري (٤): يُستحب كَتْب الحديث بعد عشرين سنة لأنها مجتمع العقل (٥).
وقال موسى بن هارون (٦): أهل البصرة يكتبون لعشر سنين وأهل
_________________
(١) هو موسى بن هارون بن عبد الله بن مروان الحمال البغدادي البزاز الإمام الحجة المتوفى في سنة ٢٩٤ هـ وينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٢/ ١١٦) والنقلان أخرجهما الخطيب في الكفاية (ص ٦١، ٦٥).
(٢) في المطبوعة خمس سنين والمثبت من (ز)، (د).
(٣) ينظر الكفاية (ص ٦٤)، ومقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٥).
(٤) هو الزبير بن أحمد بن سليمان الشافعي البصري توفي في سنة ٣١٧ هـ ينظر ترجمته في تاريخ بغداد (٩/ ٤٩٢) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٧).
(٥) ينظر الكفاية (ص ٥٥).
(٦) المصدر السابق.
[ ١١٤ ]
الكوفة لعشرين، وأهل الشام لثلاثين.
والصواب في هذه الأزمان:
أن يُستكثر سماع الحديث بإسماع الصغير من أول زمان يصح فيه سماعه لأن الملحوظ الآن إبقاء سلسلة الإسناد فَحسْب.
وأن يشتغل بكتب الحديث وتقييده من حين تأهله لذلك، ولا ينحصر التأهل في سن مخصوص، لاختلاف ذلك باختلاف الأشخاص.
[ ١١٥ ]
فرع
تجوز رواية الأكابر عن الأصاغر، فلا يُتوهم كون المرويّ عنه أكبر وأفضل لأنه الأغلب، وهو على أقسام:
الأول: أن يكون الرَّاوي أكبر سِنًّا، وأقدم طبقة، كالزهري عن مالك وكالأزهري (١)، عن الخطيب.
والثاني: أن يكون أكبر قدرًا عن المرويِّ عنه بأن يكون حافظًا عالمًا والمروي عنه شيخًا راويًا، كمالك، عن عبد الله بن دينار.
والثالث: أن يروي العالم الشيخ عن صاحبه أو تلميذه، كعبد الغني (٢)، عن الصوري (٣)، وكالبرقاني (٤)، عن الخطيب.
ومنه رواية الصحابة عن التابعين، كالعبادلة وغيرهم عن كعب الأحبار.
_________________
(١) هو المحدث الحجة المقرئ أبو القاسم عبيد الله بن أحمد المعروف بابن السَّوَادي توفي في سنة ٤٣٥ هـ وترجمته في تاريخ بغداد (١٢/ ١٢٠).
(٢) هو عبد الغني بن سعيد أبو محمد الأزدي المصري محدث الديار المصرية، صاحب كتاب " المؤتلف والمختلف " توفي في سنة ٤٠٩ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٦٨).
(٣) هو الإمام محمد بن علي الشَّامي السَّاحلي الصوري توفي سنة ٤٤١ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٢٧).
(٤) هو الإمام العلامة الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد البرقاني الخوارزمي ثم البغدادي توفي سنة ٤٢٥ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٦٤).
[ ١١٦ ]
الطريق الأول: السماع من لفظ الشيخ سواء كان إملاءا أم تحديثا
الفصل الثاني
في طُرُق تَحَمُّل الحَدِيث
وهي سبعة:
الطريق الأول: السَّماع من لفظ الشيخ سواء كان إملاءًا أم تحديثًا، وسواء كان من حفظه أو من كتابه، وهذا أرفع الطرق عند الجماهير.
قال الخطيب (١): أرفع العبارات في ذلك "سمعت" ثم "حدثنا" و"حدثني" فإنه لا يكاد أحد يقول سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه، وكان بعض أهل العلم يقول فيما أجيز له حدثنا.
وروى عن الحسن أنه كان يقول: حدثنا أبو هريرة ويتأول أنه حدث أهل المدينة، وكان الحسن إذ ذاك بها إلا أنه لم يسمع منه شيئًا (٢).
ثم يتلو ذلك، أخبرنا وهو كثير في استعمال الحفاظ حتى أن جماعة من أهل العلم كانوا لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ مَن حدثهم إلا أخبرنا (٣).
وذكر الخطيب (٤): كان عبد الرزاق يقول: أخبرنا فيما سمع حتى قدم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فقالا له: قل حدثنا.
_________________
(١) الكفاية (ص ٢٨٤).
(٢) ينظر المصدر السابق، ومقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٦).
(٣) ينظر الكفاية (ص ٢٨٤)، ومقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٧).
(٤) الكفاية (ص ٢٨٦).
[ ١١٧ ]
وقال ابن الصلاح (١): هذا الاختلاف كله قبل أن يَشيع تخصيص أخبرنا بما قُرِئ على الشيخ.
فحينئذ يكون فوق حدثنا.
قال الخطيب (٢): ثم يتلو "أخبرنا" "أنبأنا" "ونبأنا"،وهو قليل في الاستعمال.
قال القاضي ابن جماعة (٣): لا سيَّما بعد غلبته في الإجازة.
قال ابن الصلاح (٤): "حدثنا وأخبرنا" أرفع من "سمعت" من جهة أخرى وهي أنه ليس في "سمعت" دلالة على أن الشيخ روى الحديث وخاطبه به وفي "حدثنا وأخبرنا" دلالة على أنه خاطبه به ورواه له.
قال القاضي ابن جماعة (٥): وقد يُردّ هذا، بأن سمعت صريح في سماعه بخلاف أخبرنا لاستعماله في الإجازة عند بعضهم.
أقول: يُردُّ هذا الردّ بأن مقصود الشَّيخ من قوله من جهة أخرى ليس ما عليه اصطلاح أهل الحديث، بل بحسب اللغة والعُرف ألا ترى إلى قوله (٦)
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٧).
(٢) الكفاية (ص ٢٨٦).
(٣) المنهل الروي (ص ٨٠).
(٤) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٧).
(٥) المنهل الروي (ص ٨٠).
(٦) في مقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٧ - ٣١٨)، وأصل الكلام في الكفاية (ص ٢٨٧).
[ ١١٨ ]
كان أبو القاسم (١) مع ثقته وصلاحه عسِرًا في الرواية، وكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره، فيسمع منه ما يحدث به غيرَه فلذلك يقول: سمعت، ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا لأن قصدَه بالرواية غيرُه، وأما قال لنا فلان، أو ذكر لنا، فمن قبيل حدثنا لكنه بما سمع في المذاكرة في المجالس والمناظرة بين الخصمين أشبه وأليق من حدثنا.
وأوضع (٢) العبارات: "قال فلان"، ولم يقل "لي" أو "لنا".
ومع ذلك فهو محمول على السَّماع إذا تحقق لقاؤه لا سيَّما ممن عُرِف أنه لا يقول ذلك إلا فيما سمعه.
وخصَّص الخطيب (٣) حَمْل ذلك على السماع بمن عُرف من عادته أنه لا يقول ذلك إلا فيما سمعه، والمحفوظ المعروف أنه ليس بشرط والله أعلم.
_________________
(١) هو الإمام الحافظ أبو القاسم، عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الجرجاني الآبندوني توفي في سنة ٣٦٨ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٦١).
(٢) في المطبوعة " أوضح" والمثبت من (ز)، ومقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٨).
(٣) في الكفاية (ص ٣١٨).
[ ١١٩ ]
الطريق الثاني: القراءة على الشيخ:
ويُسمِّيها أكثر قدماء المحدِّثين عرْضًا؛ لأن القارئ يعرضه على الشيخ سواء قرأ هو أم غيره وهو يسمع، وسواء قرأ من كتاب أو من حفظ، وسواء كان الشيخ يحفظه أم لا، إذا كان يمسك أصله هو أو ثقة غيره وهي رواية صحيحة باتفاق، خلافًا لبعض من لا يعتد به (١).
واختلفوا في أن القراءة على الشيخ مثل السَّماع من لفظه في المرتبة أو فوقه أو دونه.
فنُقِل عن أبي حنيفة ومالك وغيرهما ترجيح القراءة على الشيخ، ويروى عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة أنهما سواء وهو مذهب مُعْظَم علماء الحجاز والكوفة والبخاري (٢).
والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ وهو مذهب الجمهور من أهل المشرق (٣).
أقول: لعل الوجه فيه، أن الشَّيخ حينئذٍ خليفة رسول الله - ﷺ - وسفيره إلى أمته، والأخذ منه كالأخذ منه صلوات الله وسلامه عليه.
_________________
(١) ينظر محاسن الاصطلاح (ص ٣١٩).
(٢) ينظر المحدث الفاصل (ص ٤٢٦)، الكفاية (٣٠٥ - ٣٠٩).
(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٢٠).
[ ١٢٠ ]
فرع
الأول: العبارة في الرواية بهذا الطريق على مراتب أحوطها أن يقول: قرأت على فلان، أو قُرئ عليه وأنا أسمع فأقر الشيخ به.
ويتلوه قول: حدثنا أو أخبرنا مقيّدًا بقيد قراءًة عليه ونحو ذلك.
واختلفوا في جواز استعمال حدثنا وأخبرنا مُطلَقَيْن، فمنع ابن المبارك وأحمد بن حنبل والنسائي وغيرهم، وجوَّزها الزُّهري ومالك وسفيان بن عيينة وغيرهم (١)، وهو مذهب البخاري.
والمذهب الثالث: أنه يجوز إطلاق أخبرنا ولا يجوز إطلاق حدثنا وهو مذهب الشافعي وأصحابه (٢)، ومسلم وجمهور أهل المشرق وهو الشائع الغالب الآن لأن فيه إشعار بالنطق والمشافهة بخلاف أخبرنا.
ومِن أحسن ما يُحكَي فيه أن أبا حاتم (٣) قرأ على بعض الشيوخ ممن سمِع من الفَرَبْري (٤) قراءًة عليه صحيح البخاري، وكان يقول له في كل حديث "حدثكم الفَرَبْري"، فلما فرغ من الكتاب، سمع الشيخ يذكر أنه
_________________
(١) ينظر المحدث الفاصل (ص ٤٣٢ - ٤٣٣).
(٢) ينظر الكفاية (ص ٢٩٦).
(٣) أبو حاتم هذا هو محمد بن يعقوب الهروي، أحد رؤساء أهل الحديث بخراسان. ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٢٣).
(٤) هو الإمام المحدث الثقة العالم، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، راوي " الجامع الصحيح " عن أبي عبد الله البخاري، توفي سنة ٣٢٠ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ١٠).
[ ١٢١ ]
إنما سمع الكتاب من الفَرَبْري قراءًة عليه، لا سماعًا منه، فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب كله وقال له في جميعه "أخبركم الفَرَبْري" (١).
الثاني: يستحب أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ "حدثني"، وفيما سمعه مع غيره "حدثنا"، وفيما قرأ عليه بنفسه "أخبرني" وفيما قُرِئَ عليه وهو يسمع "أخبرنا".
ورُوي نحوه عن ابن وهب، واختاره الحاكم، وحكاه عن أكثر مشايخه وأئمة عصره (٢).
فإن شك فالمختار أنه يقول: حدثني أو أخبرني.
ونُقِل عن يحيى القطان ما يقتضي جواز حدثنا وأخبرنا، فإن قال لِمَا سمع وحده، حدثنا وأخبرنا، ولِما سَمِع في جماعة حدثني وأخبرني جاز (٣).
الثالث: إذا قرأت على الشيخ وقلت أخبرك فلان، أو قلت أخبرنا فلان وهو مُصْغٍ فاهِم غير مُنكِرٍ ولا مُتَكَرِّهٍ، صحَّ السماع وجازت الرواية به، وإن لم ينطق الشيخ على الصحيح.
وشرط بعض الشافعية كسُليم (٤)، وأبي إسحاق الشِّيرازي وابن الصبَّاغ وبعض الظاهرية نُطقه، وشرط بعض الظاهرية إقراره به عند تمام السماع.
_________________
(١) ينظر تعليق البلقيني على هذه القصة، محا سن الاصطلاح (٣٢٣).
(٢) أخرجه القاضي عياض في الإلماع (ص ١٢٦ - ١٢٧).
(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (٣٢٥).
(٤) تقدمت ترجمته (ص ٧٩).
[ ١٢٢ ]
قال ابن الصبَّاغ (١): وله أن يعمل به وأن يرويه قائلًا: قُرئ عليه وهو يسمع وليس له أن يقول حدثني (٢).
وإذا كان أصل الشيخ حالة السماع في يَدِ مَوثُوقٍ به مُراعٍ لما يقرأ أهلٌ لذلك كان كإمساك الشيخ، سواءٌ كان الشيخ يحفظ ما يقرأ أم لا، هذا هو الصحيح.
وقيل إن لم يحفظه الشيخ لم يصح السماع، وهو مردود لعمل المحدثين على خلافه، فإن كان الأصل بيد القارئ وهو موثوق بدينه ومعرفته فأولى بالصحة، وإن لم يكن الأصل بيد موثوق به ولم يحفظه الشيخ لم يصح السماع (٣).
الرابع: لا يجوز في الكُتُب المؤلفة إذا رُويت إبدال "حدثنا" "بأخبرنا" ولا عكسه ولا سمعت بأحدهما ولا عكسه، لاحتمال أن يكون من قال ذلك ممن لا يرى التسوية بينهما، وإن كان يرى ذلك فالإبدال عند التسوية مبنيٌّ على الخلاف المشهور في رواية الحديث، هل يجب أداء ألفاظه؟ أو يجوز نقل معناه فمن جَوَّز أداء المعنى من غير نقل اللفظ يُجَوِّز إبدال حدثنا بأخبرنا، وعكسه ومن لم يُجَوِّز لم يُجوز (٤) الإبدال وعلى هذا التفصيل ما
_________________
(١) ابن الصباغ هو الإمام، العلامة، شيخ الشافعية، أبو نصر، عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر البغدادي، الفقيه توفي في سنة ٤٧٧ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٤).
(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٢٥).
(٣) قوله لم يصح السماع سقطت من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).
(٤) قوله لم يجوز سقطت من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).
[ ١٢٣ ]
سمعه من لفظ الشيخ.
الخامس: يُستحب للشيخ أن يُجيز للسامعين رواية جميع الكتاب الذي سمعوه وإن كتب لأحدهم خطه كتب: «سمعه منِّي وأجزت له روايته عني كما كان بعض الشيوخ يفعل».
قال ابن عتَّاب الأندلسي (١): لا غِنَى في السماع عن الإجازة لأنه قد يغلط القارئ ويغفل الشيخ أو يغلط الشيخ إن كان القارئ، ويغفل السامع فينجبر (٢) له ما فاته بالإجازة (٣).
وإذا عظم مجلس المحدث، فبلَّغ عنه المُسْتَملِي فهل يجوز لمن سمع المُبَلِّغ دون المُمْلي أن يروي ذلك عن المُمْلي؟ ذهب جماعة من المتقدمين وغيرهم إلى جواز ذلك ومنع ذلك المحققون وهذا هو الصواب.
السادس: يصح ممن هو وراء حجاب، إذا عُرف صوته إن حدَّث بلفظه أو عُرف حضوره إن قرئ عليه، ويكفي في تعريف ذلك خبر ثقة، هذا هو الصواب، وقد كانوا يَسْمعون من عائشة ﵂ وغيرها من أزواج رسول الله - ﷺ - من وراء حجاب ويروونه عنهن اعتمادًا على الصَّوت واحتجوا بقوله - ﷺ -:
_________________
(١) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن عتاب مفتي قرطبة توفي سنة ٤٦٢ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٢٨).
(٢) في المطبوعة فيخبر والمثبت من (ز)، (د)، والإلماع.
(٣) أخرجه القاضي عياض في الإلماع (ص ٩٢).
[ ١٢٤ ]
«إن بِلالًا ينادي بِلَيلٍ فكُلوا واشربوا حتَّى يُنادي ابنُ أمِّ مَكْتُوم» (١).
السابع: إذا قال الشيخ بعد السماع لا ترو عنِّي أو رجعت عن إخبارك به أو نحو ذلك، ولم يُسنده إلى خطأ، أو شك أو نحوه، بل منعه من روايته عنه مع جزمه بأنه حديثه وروايته، فذلك غير مُبطِل لسماعه، ولا مانع له من روايته عنه، [ولو خص بالسماع قومًا فسمع غيرهم بغير علمه جاز له أن يرويه عنه] (٢)، وعن النسائي ما يؤذن بالتَّحَرُّز (٣) منه.
ولو قال الشيخ: أُخبِركم ولا أُخبِر فلانًا لم يضره وجاز له روايته.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ٣٧).
(٢) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).
(٣) في (ز) التجوز، والمثبت من (د)، ونسخة على (ز).
[ ١٢٥ ]
الطريق الثالث: الإجازة:
قال ابن فارس (١): الإجازة مأخوذة من جواز الماء الذي يسقاه المال من الماشية والحرث، يقال منه استجزت فلانًا فأجازني إذا سقاك ماء لماشيتك أو أرضك، فكذا طالب العلم يستجيز العالم علمه فيُجيزه له.
فعلى هذا يجوز أن يُعدَّى الفعل بغير حرف جر ولا ذكر رواية فيقول: أجزت فلانًا مسموعاتي.
وقيل الإجازة إذن، فَعَلىَ هذا يقول: أجزت له رواية مسموعاتي، وإذا قال أجزت له مسموعاتي فهو على حذف المضاف.
والإجازة أنواع:
الأول: إجازة مُعَيَّنٍ لمعين.
كأجزتك كتاب البخاري مثلًا، أو أجزت فلانًا جميع ما اشتمَلت عليه فَهرَستي، ونحو ذلك.
فهذا على أنواع الإجازة المُجرَّدة عن مناولة كتاب والصحيح عند الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء، جواز الرواية بالإجازة مطلقًا، وادَّعى أبو الوليد الباجي (٢) الاتفاق عليه.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس "مادة جوز".
(٢) هو الإمام العلامة سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي، الأندلسي الباجي القرطبي، توفي في سنة ٤٧٤ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٣٥).
[ ١٢٦ ]
وحكى الخلاف في العمل بها (١)، وغُلِّط فيما حكاه من الاتفاق لما منعه جماعة من أهل الحديث والفقه والأصول، وهو إحدى الروايتين عن الشافعي وقطع به من أصحابه القاضيان حُسين (٢) والماوردي، ومن المحدثين إبراهيم الحربي وأبو الشيخ الأصفهاني.
واحتج المُجِيز بأنها إخبار بمروياته جملةً، فصح كما لو أخبر به تفصيلًا وإخباره لا يفتقر إلى النطق صريحًا كالقراءة عليه.
وقال بعض أهل الظاهر: هو كالمرسل، يجوز الرواية بها ولا يجوز العمل به وهو مردود عليهم.
الثاني: إجازة مُعَيَّن في غَيْرِ مُعَيَّن، كقول الشيخ أجزتك مسموعاتي أو مروياتي، والجمهور على جواز الرواية بها ووجوب العمل.
الثالث: إجازة العُموم.
كقوله: أجزت للمسلمين أو لمن أدرك زماني وما أشبهه واختلفوا في هذه فجوزها الخطيب مطلقًا (٣).
فإن قُيِّدت بوصف خاص فأولى بالجواز، وجوزها القاضي أبو الطيب لجميع المسلمين الموجودين عند الإجازة (٤).
_________________
(١) ينظر الإلماع (ص ٨٩).
(٢) هو القاضي أبو علي حسين بن محمد المروروذي نسبة إلى "مرو الروذ" توفي سنة ٤٦٢ هـ ينظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ١٦٤).
(٣) الكفاية (ص ٣٢٥).
(٤) حكاه عنه الخطيب، المصدر السابق.
[ ١٢٧ ]
الرابع: إجازة المَعْدُوم.
كقوله: أجزت لمن يُولَد لفلان، وفيها خلاف، فأجازه الخطيب وحكاه عن ابن الفرَّاء الحنبلي وابن عمروس المالكي لأنها إِذْن.
وأبطلها القاضي أبو الطَّيب، وابن الصباغ وهو الصحيح لأنها في حكم الإخبار، ولا يصح إخبار معدوم (١).
وقولهم: إنها إِذْن، وإن سلمناه فلا يصح أيضًا كما لا يصح الوكالة للمعدوم، أما لو عطفه على الموجود فقال: أجزت لفلان ولمن يُولد له أو أجزت لك ولعقبك ونسلك فقد جوَّزه ابن أبي داود (٢)، وهو أولى بالجواز من المعدوم المجرد عند من أجازه.
وأجاز أبو حنيفة ومالك في الوقف القسمين، وأجاز الشافعي الثاني دون الأول.
والإجازة للطفل الذي لا يُمَيِّز صحيحة، قطع به القاضي أبو الطيب.
قال الخطيب (٣): وعليه عَهِدْنَا شيوخنا يجيزون الأطفال الغُيَّب ولا يسألون عن أسنانهم وتميزهم ولأنها إباحة للرواية، والإباحة تصح للعاقل ولغير العاقل
_________________
(١) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٤٠).
(٢) أخرجه الخطيب في الكفاية (ص ٣٢٥).
(٣) المصدر السابق.
[ ١٢٨ ]
الخامس: إجازة المُجَاز.
كقول الشيخ: أجزت لك مُجازاتي، أو أَجزت لك ما أُجيز لي.
والصحيح الذي عليه العمل جوازُه وبه قطع الحفاظ الأعلام.
وكان أبو الفتح (١) يروي بالإجازة وربما والَى بين إجازات ثلاث (٢).
وينبغي لمن يَروي بها أن يتأمل كيفية إجازة شيخِ شيخِه لِئلاَّ يروي ما لم يندرج تحتها.
فإذا كان صورة إجازة شيخِ شيخِه (أجزت له ما صح عنده من سماعي) فرأى شيئًا من سماع شيخ شيخه، فليس له أن يرويه عن شيخه عنه حتى يستبين أنه مما قد صح عند شيخه، كونه من مسموعات شيخه الذي تلك إجازته، وهذه دقيقة حسنه، والله أعلم.
فرعان:
الأول: إنما يُستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالمًا بما يجيزه، والمجاز له من أهل العلم؛ لأنها توسُّع يحتاج إليه أهل العلم وشَرَطه بعضهم، وحُكى ذلك عن مالك.
وقال ابن عبد البر (٣): الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر في الصناعة وفي
_________________
(١) هو الإمام المحدث، مفيد الشام، شيخ الإسلام، أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود النابلسي المقدسي الفقيه الشافعي، توفي في سنة ٤٩٠ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٣٦).
(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٤٣).
(٣) جامع بيان العلم (٢/ ١١٦٠).
[ ١٢٩ ]
معيّن لا يشكل إسناده.
الثاني: ينبغي للمُجيز بالكتابة أن يتلفظ بها، فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة صَحَّت، كما أن سكوته عند القراءة عليه إخبار وإن لم يتلفظ لكنها دون الملفوظ بها.
الطريق الرابع: المُنَاوَلَة:
وهي نوعان:
أحدهما: المقرونة بالإجازة.
وهي أعلى أنواع الإجازة كما تقدم، ثم لها صورٌ.
منها: أن يَدفَع إليه أَصلَ سماعِه أو فرعًا مقابَلًا به، ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني، أو أجزت لك روايته ثم يبقيه في يديه تمليكًا أو إلى أن ينسخه.
ومنها: أن يناول الطالبُ الشيخَ سماعَه فيتأمله (١)، وهو عارف مُتيقظ ثم يناوله الطالب ويقول: هو حديثي أو سماعي أو روايتي فاروه عني، وسمَّي غيرُ واحدٍ من أئمة الحديث هذا عَرضًا، وقد تقدم أن القراءة على الشيخ تسمى عرضًا أيضًا، فليُسم هذا عرض مناولة، وذاك عرض القراءة.
وهذه المناولة كالسَّماع في القوة عند الزهري وطائفة.
_________________
(١) في المطبوعة فيقابله والمثبت من (ز)، (د)، وينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٤٦).
[ ١٣٠ ]
وقال الثوري وجماعة: إنها منحطة عن السماع وهو الصحيح.
وقال الحاكم (١): وعليه عَهِدْنَا أئِمَّتنا وإليه نذهب.
ومنها: أن يناوله الشيخ سماعه ويجيزه (٢)، ثم يمسكه الشيخ، وهو دون ما سبق فإذا وجد ذلك الأصل أو مقابَلًا به موثوقًا بموافقته، جاز له روايته، ولا يظهر في هذه كثير مزيَّة على الإجازة المجردة في معيَّن، وصرح بذلك جماعة من أهل الفقه والأصول، وأما شيوخ الحديث قديمًا وحديثًا، فيرون لها مزية معتبرة.
ومنها: أن يأتيه الطالب بنسخة ويقول هذه روايتك فناولنيه وأَجِزني روايته فيجيب إليه من غير نظرٍ وتحققٍ لروايته فهذا باطل، فإن وُثِق بخبر الطالب ومعرفته اعتمده وصحَّت الإجازة كما يعتمد قراءته.
ولو قال له حدِّث عني بما فيه، إن كان روايتي، مع براءتي من الغلط، كان جائزًا حسنًا.
الثاني: المجرَّدة عن الإجازة.
وهو أن يناوله كتابًا ويقول هذا سماعي مقتصرًا عليه (٣)، فالصحيح أنه لا يجوز له الرواية بها، وبه قال الفقهاء وأهل الأصول وعابوا من جوَّزه من المحدثين.
_________________
(١) معرفة علوم الحديث (ص ٢٦٠).
(٢) في المطبوعة "وغيره" والمثبت من (ز)، (د).
(٣) أي: لا يقول له الشيخ اروه عني أو أجزت لك روايته عني أو نحو ذلك.
[ ١٣١ ]
فرع:
جوَّز الزهري ومالك إطلاق حدثنا وأخبرنا في المناولة وهو لائق بمذهب من يجعل عرض المناولة المقرونة بالإجازة سَماعًا.
وعن أبي نُعَيم الأصفهاني والمرزباني (١)، وغيرهما جوازه في الإجازة المجردة عن المناولة (٢).
والصحيح الذي عليه الجمهور وأهل التَّحرِّي، المنع من ذلك وتخصيص ذلك بعبارة تُشعِر بالإجازة؛ "كحدثنا إجازةً" أو "مناولةً" أو "إذنًا" أو "ناولني" وشبه ذلك.
واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة، واختاره قوم ومال إليه البيهقي (٣).
وقال ابن حمدان (٤): كل قول البخاري قال لي فهو عرض أو مناولة.
_________________
(١) المرزباني أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى الكاتب صاحب معجم الشعراء المتوفى سنة ٣٨٤ هـ ينظر ترجمته في إنباه الرواة (٣/ ١٨٠)، تاريخ بغداد (٤/ ٢٢٧).
(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٥١ - ٣٥٢).
(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٥٣).
(٤) هو أبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان بن علي بن سنان الحيري النيسابوري الإمام المحدث الثقة مسنِد خراسان توفي في سنة ٣٧٦ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٥٦).
[ ١٣٢ ]
الطريق الخامس: المكاتبة:
وهو أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو يأذن بِكَتْبِه (١) له وهي أيضًا ضربان:
مقرونة بالإجازة: بأن يكتب إليه أجزت لك ما كتبته إليك أو لك أو كتب به إليك، ونحوه من العبارات، وهذه في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة.
ومجردة عنها: بأن يكتب إليه الشيخ قال حدثنا فلان، وقد منع الرواية بها قوم، وأجازها كثير من المتقدمين والمتأخرين، وهو الصحيح المشهور وذلك عندهم معدود في المسند الموصول، وفيها إشعار قوي بمعنى الإجازة، فهي وإن لم تقرن بالإجازة لفظًا، فقد تضمنت معنى، ويكفي في معرفته خط الكاتب، وشرط بعضهم البينة، وهو ضعيف (٢).
الطريق السادس: الإعلام:
وهو أن يُعلِم الشيخُ الطالبَ أن هذا الكتاب روايته أو سماعه مقتصرًا عليه غير قائل اروه أو شبهه، فجوَّز الرواية به كثيرٌ من أهل الحديث والفقه والأصول وأهل الظاهر؛ منهم ابن جريج وابن الصباغ حتى زاد بعض الظاهرية فقال: لو قال له الشيخ هذه روايتي لا تروها عني جاز له روايتها عنه كما تقدم في السماع.
_________________
(١) قوله يأذن بكتبه، تصحفت في المطبوعة، بإذن يكتبه، والمثبت من (ز)، (د).
(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٥٤).
[ ١٣٣ ]
والصحيح أنه لا يجوز الرواية لمجرد الإعلام، وبه قطع بعض الشافعية واختاره المحققون لأنه قد يكون الكتاب سماعه، ولا يأذن في روايته لخلل يعرفه، لكن يصح العمل به إذا صح سنده عنده.
الطريق السابع: الوِجَادَة:
وهي مصدر وَجَدَ يَجِد، مولَّد غيرُ مسموعٍ عن العرب.
ومثالها: أن تقف على كتاب بخط شخص (١) فيه أحاديث يرويها ذلك الشخص ولم يسمعها منه هذا الواجد ولا له منه إجازة ولا نحوها فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه حدثنا فلان ويسوق باقي الإسناد والمتن أو يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان عن فلان ويذكر الباقين.
هذا الذي استمر عليه العمل قديمًا وحديثًا، وهو من باب المُرسل غير أنه أخذ شَوْبًا من الاتصال بقوله وجدت بخط فلان، وربما دلَّس بعضهم فذكر الذي وجد بخطه، وقال فيه: عن فلان أو قال فلان وذلك تدليس قبيح إن أوهم سماعه منه، وجازف بعضهم فأطلق في هذا حدثنا وأخبرنا وأُنكِر هذا على فاعله.
فرعان:
الأول: إذا وجد حديثًا في تأليف شخص وليس بخطه فله أن يقول، ذكر فلان أو قال فلان: أخبرنا فلان.
_________________
(١) في نسخة على (ز) شيخ.
[ ١٣٤ ]
وهذا منقطع لم يأخذ شَوْبًا من الاتصال.
هذا كله إذا وُثق بأنه خط المذكور أو كتابه.
فإن لم يكن كذلك فليقل: بلغني عن فلان، أو وجدت عن فلان، أو قرأت في كتاب: أخبرني فلان أنه بخط فلان أو في كتاب ظننت أنه بخط فلان.
وإذا أراد أن ينقل من كتاب منسوب إلى مصنف، فلا يقل قال فلان كذا إلا إذا وثق بصحة النسخة، بأن قابلها هو أو ثقة بأصول متعددة، كما تقدم في النوع الأول.
فإن لم يوجد ذلك ولا نحوه فليقل: بلغني عن فلان كذا أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني ونحوه.
وقد تسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تَحرٍّ وتثبت.
فيطالع أحدهم كتابًا منسوبًا إلى مصنف وينقل عنه من غير أن يثق بصحة النسخة قائلًا: قال فلان كذا.
فإن كان المطالع عالمًا فَطِنًا لا يخفى عليه في الغالب الساقط والمحوَّل عن جهته؛ رَجوْنا أن يجوز له إطلاق اللفظ الجازم في هذا، وإلى هذا استروح كثير من المصنفين فيما نقلوه من كتب الناس.
الثاني: العمل اعتمادًا على الوِجَادَة.
نُقِل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز.
[ ١٣٥ ]
وعن الشافعي وطائفة من نُظَّار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحققين من الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة.
وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره؛ لأنه لو وقف العمل على الرواية، لا نَسدّ بابه لتعذر شرط الرواية.
[ ١٣٦ ]
الفصل الثالث
في كيفية رواية الحديث
وفيه أنواع:
الأول: شدَّدَ (١) قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل آخرون فَفرَّطوا فقال بعض المشدِّدين لا حجة إلا فيما رواه من حفظه، روي ذلك عن أبي حنيفة ومالك والصيدلاني.
وقال بعضهم: يجوز من كتابه إلا إذا خرج من يده.
وقال بعض المتساهلين: يجوز الرواية من نسخ غير مقابلة بأصولهم فجعلهم الحاكم مجروحين (٢).
وهذا كثير، وتعاطاه قوم من أكابر العلماء والصلحاء، والصواب ما عليه الجمهور وهو التوسط بين الإفراط والتفريط، فإذا قام في التحمل والضبط والمقابلة بما تقدم جازت الرواية منه، وكذا إن غاب عنه الكتاب إذا كان الغالب سلامته من التغيير ولا سيَّما إن كان ممن لا يخفى عليه تغييره غالبًا.
الثاني: الضَّرير إذا لم يحفظ ما سمعه، فاستعان بثقة في ضبطه وحِفظ كتابه واحتاط عند القراءة عليه بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير
_________________
(١) في المطبوعة شذ والمثبت من (ز)، (د)، وينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٩٠).
(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٩٠).
[ ١٣٧ ]
صحَّت روايته، قال الخطيب (١): والبصير الأمي كالضرير.
الثالث: لو وجد في كتابه خلاف حفظه، فإن حَفِظ منه رجع إليه، وإن حفظ من فم الشيخ اعتمد على حفظه، وإن لم يتشكَّل فحسن (٢) أن يذكرهما معًا فيقول: حفظي كذا وفي كتابي كذا.
وإن خالفه فيه غيره قال: حفظي كذا، وقال فلان كذا.
ولو وجد سماعه في كتاب ولم يذكره، فعن أبي حنيفة وبعض الشافعية لا يجوز له روايته، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه وأبي يوسف ومحمد جوازها، وهو الصحيح بشرط أن يكون السماع بخطه أو بخط من يوثق به والكتاب مصون يغلب على الظن سلامته من التغيير، بحيث تسكن إليه نفسه، والله أعلم.
الرابع: قال في شرح السنة: ذهب قوم إلى إتباع لفظ الحديث منهم ابن عُمر وهو قول القاسم بن محمد وابن سيرين ورجاء بن حَيْوَة ومالك بن أنس وابن عينية وعبد الوارث ويزيد بن زريع ووهيب، وبه قال أحمد ويحيى وذهب جماعة إلى الرخصة في نقله بالمعنى منهم الحسن والشعبي والنخعي.
قال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف والمعنى واحد.
_________________
(١) الكفاية (ص ٢٢٨).
(٢) في نسخة على (ز)، "إن لم يتشكك وحسن"، وفي (د) "وإن لم تشكك فحسن"، والمثبت من (ز).
[ ١٣٨ ]
وقال سفيان الثوري: إن قلت أنا حدثتكم كما سمعت فلا تصدقون فإنما هو المعنى.
وقال وكيع: إن لم يكن المعنى واسعًا فقد هلك الناس.
وقال ابن الصلاح: من ليس عالما بالألفاظ، ومقاصدها، ولا خبيرًا بما يخل بمعانيها، لا يجوز له الرواية بالمعنى بالإجماع، بل يتعين اللفظ الذي سمعه وإذا كان عالما بذلك فقد منعه قوم من أصحاب الحديث والفقه والأصول وقالوا لا يجوز إلا بلفظه (١).
وقال قوم: لا يجوز في حديث النبي - ﷺ - ويجوز في غيره.
وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف يجوز في الجميع إذا قطع بأداء المعنى وهذا في غير المصنفات، أما المصنف فلا يجوز تغيير لفظه أصلًا، وإن كان بمعناه.
أقول: قول من ذهب إلى التفصيل هو الصحيح، لأنه صلوات الله وسلامه عليه أفصح من نطق بالضاد وفي تراكيبه أسرار ودقائق لا يوقف عليها إلا بها كما هي، فإن لكل تركيب من التراكيب معنى بحسب الفصل والوصل والتقديم والتأخير.
لو لم يُراع ذلك لذهب مقاصدها، بل لكل كلمة مع صاحبتها خاصية مستقلة، كالتخصيص والاهتمام وغيرهما، وكذا الألفاظ التي تُرى مشتركة أو مترادفة إذ لو وضع كل موضع الآخر لفات المعنى الذي قصد به.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٩٤).
[ ١٣٩ ]
ومن ثم قال صلوات الله وسلامه عليه «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وأدَّاهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، ورُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». رواه أبو داود والترمذي عن ابن مسعود (١)، وكفى بهذا الحديث لفظًا ومعنى، شاهدُ صدقٍ على ما نحن بصدده، فإنك إذا أقمت مقام كل لفظةٍ ما يُشاكِلها أو يُرادفها اختل المعنى وفسد.
فإنك لو وضعت موضع نضَّر الله، رحم الله، أو غفر الله، وما شاكلهما أبعدت المَرمَى فإن من حَفِظ ما سَمِعه وأدَّاه من غير تغيير فإنه جعل المعنى غضًّا طريًّا، ومن بدَّل وغيَّر فقد جعله مُبتذلًا ذاويًا.
وكذا لو أنبت امرءًا مناب العبد فات المعنى لأن العبودية الاستكانة والمُضيُّ لأمر الله ورسوله بلا امتناع ولا استنكاف من أداء ما سمع إلى مَن هو أعلم منه، وخُصَّت المقالة بالذِّكر من بين الكلام والخبر، لأن حقيقة المقالة هي المركبة من الحروف المُبرزة ليدُلَّ على وجوب أداء اللفظ المسموع.
وإرداف وعاها حَفِظها مُشعر بمزيد التقرير، لأن الوعيَ إدامة الحفظ وعدم النسيان وفي رواية أخرى فأدَّاها كما سمعها، أُوثر أدَّاها على رواها وبلَّغها ونحوهما دلالة على أن تلك المقالة مستودعة عنده واجب أدائها إلى من هو أحق بها وأهلها، غير مُغيَّرة ولا مُتَصرَف فيها، وكذا تخصيص ذكر الفقه دون العلم للإيذان بأن الحامل غير عارٍ عن العلم، إذ الفقه علم بدقائق مستنبطة من الأقيسة والنصوص، ولو غَيَّر عالم لزم جهله، وكذا تكرير رُبَّ
_________________
(١) الترمذي (٢٦٥٧) ولم أقف عليه عند أبي داود من حديث ابن مسعود إنما من حديث زيد بن ثابت (٣٦٦٢).
[ ١٤٠ ]
وإناطة كلٍ بمعنًى يخصها فإن السامع أحد رجلين إما أن لا يكون فقيهًا فيجب عليه أن لا يغيره، لأنه غير عارف بالألفاظ المتشاكلة فيخطئ فيه أو يكون عارفًا بها لكنه غير بليغ فربما يضع أحد المترادفين موضع الآخر ولا يقف على رعاية المناسبات بين لفظ ولفظ، فإن المناسبة لها خواص ومعان لا يقف عليها إلا ذو دُربةٍ بأساليب النَّظْم كما قررناه في شرح التبيان في قسم الفصاحة.
قال ابن الصلاح (١): وقد روينا أن بعض أصحاب الحديث رأي في المنام كأنه قد مر من شفته أو لسانه شيء فقيل له في ذلك فقال لفظةٌ من حديث رسول الله - ﷺ - غيَّرتُها برأيي فَفُعِل بي هذا.
فرع
إذا جوَّزنا الرواية بالمعنى فينبغي للمحدث أن يفرق بين "مثله" و"نحوه" فلا يحل له أن يقول مثله إلا بعد علمه أن الحديثين اتفقا لفظًا، ويحل له أن يقول نحوه إذا كان بمعناه، قاله أبو حاتم (٢).
الخامس: ينبغي لمن روى حديثًا بالمعنى إذا اشتبه عليه اللفظ أن يُتبعه بلفظة "أو كما قال"، "أو نحو هذا" أو ما أشبه ذلك من الألفاظ، روي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء وأنس - ﵃ -.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٤٠١).
(٢) ذكره ابن الصلاح في المقدمة (ص ٤١٤) وعزاه للحاكم، ولم أجد من عزاه لأبي حاتم.
[ ١٤١ ]
قال الخطيب (١): والصحابة أرباب اللسان وأعلم الخلق بمعاني الكلام ولم يكونوا يقولون ذلك إلا تخوّفًا من الزلل لمعرفتهم بما في الرواية على المعنى من الخطر.
قال ابن الصلاح (٢): وإذا اشتبه على القارئ فيما يقرأه لفظة، فقرأها على وجه شك فيه، ثم قال "أو كما قال" فهذا حسن، وهو الصواب في مثله لأن "أو كما قال" يتضمن إجازة من الراوي وإذنًا للطالب في رِوَايَةِ صَوَابِهَا عنه إذا بَان.
السادس: اختلف في جواز اختصار الحديث الواحد ورواية بعضه، فمنهم من منعه مطلقًا بناءًا على منع الرواية بالمعنى، ومنهم من منعه مع تجويز الرواية بالمعنى إذا لم يكن قد رواه هو أو غيره على التَّمام، ومنهم من جوَّزه مطلقًا.
قال مجاهد: انقُص من الحديث ما شئت ولا تزد فيه.
والصحيح التفصيل وأنه يجوز ذلك من العالم العارف إذا كان ما تركه غير مُتعلِّق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه فيجوز هذا، وإن لم يجز الرواية بالمعنى لأن المرويُّ والمتروك كخبرين منفصلين (٣) ولا فرق بين أن يكون قد رواه قبلُ على التَّمام، أو لم يروه. هذا
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٣٤).
(٢) المصدر السابق.
(٣) قوله كخبرين منفصلين في المطبوعة لخبرين متصلين! وينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٩٧ - ٣٩٨).
[ ١٤٢ ]
إذا كان رفيع المنزلة بحيث لا يُتَّهم [فأما من روى حديثا على التَّمام فخاف إن رواه ثانيًا ناقصًا أن يُتَّهم] (١)، بزيادة أولًا أو نسيان ثانيًا لقلة ضبطه وغفلته، فلا يجوز له النقص، والله أعلم.
وأما تقطيع المصنف الحديث في الأبواب للاحتجاج، فهو إلى الجواز أقرب وقد فعله مالك والبخاري، ومن لا يُحصَى من الأئمة.
قال ابن الصلاح (٢): ولا يخلو من كراهة.
قال الشيخ محي الدين (٣): وما أظنه يُوافَقُ عليه.
أقول: أي لا يوافِقُهُ أحد في هذه الكراهة، لأنه قد استمر في جميع الاحتجاجات في العلوم، إيراد بعض الحديث احتجاجًا واستشهادًا، سواء كان مستقلًا أو لا، كاستشهاد النحويين وغيرهم.
السابع: لا يُروَي بقراءة لحَّان أو مُصحِّف، وطريق السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق، فإن وقع في الرواية لحن أو تحريف قال ابن سيرين وغيره (٤): يرويه كما سمعه.
والصواب تقريره في الأصل على حاله مع التضبيب (٥) عليه وبيان
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز).
(٢) مقدمة ابن الصلاح (٣٩٩).
(٣) التقريب مع التدريب (٢/ ٦٣).
(٤) نقله عنه وعن غيره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/ ٣٥١).
(٥) التضبيب: هو أن يرسم صادًا ممدودة هكذا "صـ" فوق الكلمة الخطأ إشارة منه أنها هكذا رُويَت، قال السيوطي في ألفيته وهو يُعرِّف التَّضْبِيب: أَوْصَحَّ نَقْلًا وَهْوَ فِي الْمَعْنَى فَسَدْ ضَبِّبْ وَمَرِّضْ فَوْقَهُ صَادٌ تُمَدْ
[ ١٤٣ ]
صوابه في الحاشية إذا كان التحريف في الكتاب.
وأما في السماع فالأَولى أن يقرأه على الصواب ثم يقول: وفي روايتنا أو عند شيخنا أو في طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل ثم يذكر الصواب، وأحسن الإصلاح إصلاحه بما جاء في رواية أخرى أو حديث آخر، وإذا كان الإصلاح بزيادة شيء قد سقط، فإن لم يغاير معنى الأصل فعلى ما سبق، وإن كان الإصلاح بزيادة تشتمل على معنى مغاير لِما وقع في الأصل، تأكد فيه الحكم بأن يَذكرَ ما في الأصل مقرونًا بالتَّنبيه على ما سقط، ليسْلَم من مَعرَّة الخطأ، ومن أن يقول على شيخه ما لم يقل.
وإن علم أن بعض الرواة أسقطه وإنَّ مَن فوقه أتى به، ألحق الساقط في نفس الكتاب مع كلمة "يعني".
مثاله: عن عروة، عن عمرة أنها قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يُدني إلىَّ رأسه فأُرَجِّله». أسقط الراوي "عن عائشة" ولا بُدَّ من ذكرها لما علِمنا أن المحاملي كذلك رواه فإذا ألحقنا الساقط قلنا: عن عمرة يعني عن عائشة أنها قالت (١).
هذا إن علم أن شيخه رواه على الخطأ فإن رآه في كتابه وغلب على ظنه أنه من كتابه لا من شيخه اتجه إصلاحه في كتابه وروايته أيضًا، كما لو اندرس من كتابه بعض الإسناد أو المتن، فإنه يجوز إصلاحه من كتاب غيره إذا عرف صحته ووثق به.
_________________
(١) أخرجه الخطيب في الكفاية (ص ٢٥٢) من طريق المحاملي به.
[ ١٤٤ ]
كذا قاله أهل التحقيق، ومنعه بعضهم وهذا الحكم في استثبات الحافظ ما شك فيه من كتابِ غيرهِ أو حفظه، وإذا وجد كلمة من غريب العربية أو غيرها وهي غير مضبوطة وأشكلت عليه، جاز أن يسأل عنها أهل العلم بها ويرويها على ما يخبرونه، رُوي ذلك عن أحمد وإسحاق (١).
فائدة:
عن الأصمعي يقول: إنَّ أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النَّحو أن يَدْخل في قول النبي - ﷺ -: «من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار»؛ لأنه - ﷺ - لم يكن يَلحن فمهما رَوَيت عنه ولحنت فيه كذبت عليه.
الثامن: إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثر، وبين روايتهما تفاوت في اللفظ، والمعنى واحد فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدِهما ويقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان.
أو هذا لفظ فلان قال، أو قالا: أخبرنا فلان وما أشبه هذا من العبارات.
ولمسلم في صحيحه عبارة أخرى حسنة كقوله: حدثنا أبو بكر وأبو سعيد كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر حدثنا أبو خالد الأحمر عن الأعمش وساق الحديث (٢)، فإعادته ذِكر أحدهما إشعار بأن اللفظ له، وأما إذا لم يخص بل خلط اللفظين فقال: أخبرنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ قالا:
_________________
(١) أخرجه الخطيب عنهما في الكفاية (ص ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٢) صحيح مسلم (٦٧٣).
[ ١٤٥ ]
أخبرنا فلان، فهو جائز على تجويز الرواية بالمعنى.
وأما قول أبي داود في السنن (١): حدثنا مُسدَّد وأبو توبة - المعنى - قالا: حدثنا أبو الأحوص، مع أشباه له في كتابه فيحتمل أن يكون من قبيل الأول فيكون اللفظ لمسدد، ويوافقه أبو توبة في المعنى، ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني فيكون اللفظ لهما جميعًا بالمعنى.
وأما إذا جمع بين رواةٍ اتفقوا في المعنى، وليس ما أورده لفظ واحد منهم وسكت عن بيان ذلك، فقد عِيب بهذا البخاري وغيره، ولا بأس به على تجويز الرواية بالمعنى والله أعلم.
التاسع: جرت العادة بحذف "قال" ونحوه فيما بين رجال الإسناد خطًّا، ولا بُدّ من اللفظ به حال القراءة، وإذا كان في أثناء الإسناد قُرئ على فلان أخبرك فلان، أو فيه قُرئ على فلان حدثنا فلان، فينبغي للقارئ في الأول أن يقول قيل له أخبرك فلان، وفي الثاني قُرئ على فلان قال حدثنا فلان.
وإذ تكررت كلمة "قال" كقوله في كتاب البخاري: حدثنا صالح بن حيان قال: قال عامر الشعبي فإنهم يحذفون أحدهما في الخط وعلى القارئ أن يلفظ بهما.
وسئل الشيخ في فتاواه (٢)، عن ترك القارئ "قال"؟ فقال: هذا خطأ من
_________________
(١) السنن (٣٧٥).
(٢) فتاوى ابن الصلاح (٤٥ - ٤٦).
[ ١٤٦ ]
فاعله والأظهر أنه لا يبطل السماع به؛ لأن حذف القول جائز اختصارًا وقد جاء به القرآن العظيم، والله أعلم.
العاشر:
قال ابن الصلاح: أنه لا يجوز تغيير قال" النبي" إلى قال "رسول الله" ولا عكسه، وإن جوَّزنا الرواية بالمعنى لاختلاف معناهما.
وقال غيره: الصواب أنه يجوز؛ لأن معناهما هنا واحد وهو مذهب أحمد وحماد بن سلمة والخطيب (١).
قال القاضي ابن جماعة (٢): ولو قيل يجوز تغيير النبي إلى الرسول، ولا يجوز عكسه، لَمَا بَعُد لأن في الرسول معنى زائدًا على النبي وهو الرسالة، فإنَّ كلَّ رسول نبي، وليس كلُّ نبي رسول.
أقول: وفيه بحث، لما روى البخاري (٣) عن البرَاء بن عازِب أنه حين دعا "ورسولك الذي أرسلت" قال رسول الله - ﷺ -: لا، "ونبيك الذي أرسلت" لأنه أراد الجمع بين الوصفين النباوة والرسالة، كذا عن ابن الأثير.
الحادي عشر: إذا كان في سماعه بعض الوهن فعليه بيانه حالة الرواية، ومنه ما إذا حدثه من حفظه في المذاكرة فيقول حدثنا مذاكرة.
ومنع جماعة التَّحمل عنهم حال المذاكرة.
_________________
(١) الكفاية (٢٤٤).
(٢) المنهل الروي (ص ١٠٤).
(٣) البخاري (١/ ٧١).
[ ١٤٧ ]
وإذا كان الحديث عن ثقة ومجروح، أو ثقتين فالأَوْلى أن يذكرهما لاحتمال انفراد أحدهما بشيء، فإن اقتصر على ثقة واحد في الصورتين، جاز لأن الظاهر اتفاقهما.
الثاني عشر: إذا سمع بعض حديث من شيخ وبعضه من آخر فخلطه ورواه جملةً عنهما، وبيَّن أن بعضه من أحدهما وبعضه من الآخر جاز، كما فعله الزهري في حديث الإفك؛ فإنه رواه عن ابن المسيب وعروة وعبيد الله وعلقمة وقال: وكلٌ حدثني طائفةً من حديثها، قالوا: قالت عائشة وساق الحديث إلى آخره.
ثم ما من شيء من ذلك الحديث إلا وهو في الحكم كأنه رواه عن أحد الرجلين على الإبهام، حتى لو كان أحدهما مجروحًا، لم يجز الاحتجاج بشيء منه، ما لم يبيِّن أنه من الثقة.
ولا يجوز أن يُسقط أحدَ الراويين، بل يجب ذكرهما مبيِّنًا أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر، والله أعلم.
[ ١٤٨ ]