[ ٢٨٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس عشر
(بين المدرسة الحديثية والمدرسة العقلية)
دفع ما أثير حول المدرسة الحديثية من شبهات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه، وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنحن الآن نبدأ -بإذن الله تعالى وعونه وتوفيقه- نبدأ الكلام عن شبهات من نوع جديد، وهي عن أحاديث بذاتها وبنصها وردت عن النبي -ﷺ-.
أثاروا زوابع حول كثير من الأحاديث النبوية، زعموا أنها تُخالف العقلَ، وأنها تُخالف القواعد الحسية، وأنها تخالف القواعد الطبية، وغير ذلك مما أثاروه من شبه وإشكالات.
وأودُّ أن أنبِّه إلى أن المدرسة الحديثية لم تكن بحاجة إلى أحد لينبِّهها إلى أن هناك قواعد شرعية في ضوئها تُقبل الأحاديث المطهرة؛ بل إن هذا العناء الذي بذله المحدِّثون في صيانة السنة، في وضع قواعد الجرح والتعديل، وشروط قبول الرواية، وشروط قبول الراوي، وكيف يكون التحمل والأداء، وما هي شروط صحة الحديث. علم المصطلح الذي تفرعت عنه علوم كثيرة جدًّا كلها وضعت لخدمة السنة المطهرة ولصيانتها؛ لأن السنة المطهرة عبارة عن رواة نقلوا لنا كلام النبي -ﷺ- وهم رجال الحديث، أو إسناد الحديث، أو طريق الحديث، ومتن نبوي نُقل إلينا عن طريق هؤلاء الرجال، وضعت القواعد الضابطة لأحوال الراوي وأحوال المروي معًا.
لم نكن بحاجة إلى مَن ينبهنا إلى أن الحديث إذا خالف المعقول يكون ذلك من علامات الضعف، أو الوضع في الحديث النبوي، ولم نكن بحاجة إلى أن مخالفة الحديث للقواعد الحسية، أو الواقعية أو العقلية، دلالة على أن هذا الحديث فيه ضعف شديد إن لم يكن موضوعًا.
[ ٢٩١ ]
الضوابط التي وضعها لنا العلماء كثيرة جدًّا في التمييز بين الحديث الصحيح وبين الحديث الضعيف أو الموضوع، عن الوضع والوضاعون تكلموا كثيرًا، من علامات الوضع: ركاكة اللفظ وركاكة المعنى، ومخالفة الحديث للمنقول، ومباينة الحديث للمعقول، ومصادمة الحديث للأصول أي: أصول الشرع العامة المأخوذة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة. وضعوا قواعد نقول عنها: إنها تكتب بماء الذهب، لم نكن في حاجة إلى من ينبه؛ فقد سبقت المدرسة الحديثية المباركة بوضع الضوابط الكفيلة بالحفاظ على السنة المطهرة.
إذن المحدثون سبقوا إلى هذه القواعد، في هذا الإطار كتاب (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) للإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- وهو كتاب صغير وبسيط لكنه طيب ومفيد؛ لأدلل أن المدرسة الحديثية هو ابن القيم -رحمه الله تعالى- أحد تلاميذها، وأحد نوابغها أيضًا يبيِّن ما اصطلحت عليه المدرسة من قواعد للحفاظ على السنة المطهرة، وعلى تنقية الأحاديث الضعيفة من الصحيحة.
يقول -رحمه الله تعالى-: سئلت هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟
نرجو أن ننتبه إلى قيمة السؤال، يرجفون ويقولون: إن المدرسة الحديثية عنيت بدراسة الحديث أكثر من عنايتها بدراستها المتون، هذا قول مفترى إنما هي وضعت الضوابط لنقد المتن، ووضعت الضوابط لنقد الإسناد، والسؤال هل يمكن أن نعرف أو نقف على ضوابط لتمييز الحديث الموضوع من غير أن ننظر إلى إسناده؟
[ ٢٩٢ ]
فأجاب ابن القيم -رحمه الله تعالى- وقال: هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلَّع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وسار له فيها ملَكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله -ﷺ- وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة؛ بحيث كأنه مخالط للرسول -ﷺ- كواحد من أصحابه، فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول -ﷺ- وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به، وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبع مع متبوعه؛ فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم، والله أعلم.
خلاصة كلام ابن القيم -﵀- هنا يضع قاعدة هامة جدًّا: حين نريد أن نسأل عن أي فنٍّ، فإنما نرجع إلى المتخصصين المتعمقين فيه، لكل علم متخصصون، وبكل أسف السنة هي الكلأ المباح، أو أمور الشرع عامة هي الكلأ المباح لكل مَن يتكلم فيه، وإذاَّ رد أحدنا عليهم باحترام التهم موجودة هل أنتم عندكم كهنوت؟ هل أنتم تنفردون بعلم الشرع؟ هل أنتم كذا هل أنتم كذا؟ كلمات قد تكون حقًّا في بعضها لكنه حق يُراد به باطل. الذي يتكلم في السنن من تضلَّع فيها -على حد تعبير ابن القيم- واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد، ليس اختصاصًا عاديًّا بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة النبي -ﷺ-. هذا الذي يعرف كأنه مخالط للنبي -ﷺ- كواحد من أصحابه.
هذه المعايشة العميقة الصادقة المخلصة تتيح لأصحابها أن يكونوا أصحاب خبرة عميقة في تمييز كلام رسول الله -ﷺ. إذن لا بد من الرجوع إلى أهل التخصص في
[ ٢٩٣ ]
معرفة أيِّ شيء يتعلَّق بهذا التخصص أيًّا كان هذا التخصص، والعلوم الشرعية، ومن بينها علوم السنة المطهرة هي أولى بذلك.
ثم شرع -﵀- يضرب أمثلة على ذلك قال: فمن ذلك ما روى جعفر بن جسر عن أبيه عن ثابت عن أنس يرفعه من قال: "سبحان الله وبحمده غرس الله له ألف نخلة في الجنة أصلها من ذهب" إلى آخر الحديث مبالغات وطامات كثيرة، جعفر هذا هو جعفر بن جسر أو جسر بن فرقد أبو سليمان القصاب البصري، قال ابن عدي: أحاديثه مناكير. وقال الأزدي: يتكلمون فيه. وأما أبوه فقال عنه يحيى بن معين: لا شيء، ولا يكتب حديثه. وقال النسائي والدارقطني: ضعيف. إلى آخر ما قالوه في هذا الحديث.
ابن القيم هنا يضرب أمثلة لبعض الروايات السمجة التي تُخالف المعقول، تخالف نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة.
أيضًا يضرب مثالًا آخر يقول: من دعا بهذه الأسماء اللهم أنت حي لا تموت، وغالب لا تغلب، وبصير لا ترتاب، وسميع لا تشك، وصادق لا تكذب، وصمد لا تطعم، وعالم لا تعلم، إلى أن قال: فوالذي بعثني بالحق لو دُعي بهذه الدعوات على صفائح الحديد لذابت، وعلى ماء جار لسكن، ومن دعا .. إلى آخره هذا من رواية أحمد بن عبد الله الجويباري الكذاب، وتابعه كذاب آخر، وهو الحسين بن داود البلخي إلى آخر ما ذكر. سماجة اللفظ مع الكذابين الذين في إسناده دلُّوا على أن الحديث موضوع، وذكر أمثلة كثيرة.
لكن على كل حال بعض القواعد التي ضربها يقول: ونحن ننبه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعًا، قواعد ضابطة يتبين بها أن هذا الحديث مضوعًا من ذلك اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول
[ ٢٩٤ ]
الله -ﷺ- وهي كثيرة جدًّا، كقوله في الحديث المكذوب: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرًا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون الله له، ومن فعل كذا وكذا" إلى آخر هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول -ﷺ- بإضافة مثل هذه الكلمات إليه.
إذن هذا ضابط، اشتمال الحديث على مجازفات لا يمكن أبدًا أن تصدر عن رسول الله -ﷺ- يقول: "ومنها أيضًا تكذيب الحس له "الباذنجان لما أُكل له" هذا مثال: "الباذنجان شفاء من كل داء" يقول ابن القيم: قبح الله واضعهما، فإن هذا لو قاله يحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه، ولو أكل الباذنجان للحمَّى والسوداء الغالبة وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدَّة، ولو أكله فقير ليستغني لم يفده الغنى، أو جاهل ليتعلم لم يفده العلم" هو يسخر ممن يقول هذا الكلام، وبالمناسبة ابن القيم -﵀- له باع طويل في الطب أيضًا، ومعرفة به، وله كتاب في الطب النبوي من أفضل الكتب التي كُتبت في هذا الفن، لكن هنا القاعدة تكذيب الحسّ للحديث.
"عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب، ويكثر الدمعة، قدس فيه سبعون نبيًّا". وقد سئل عبد الله بن المبارك يقول ابن القيم: ولو قدَّس فيه نبي واحد لكان شفاء من الأدواء، فكيف بسبعين نبيّا، وقد سماه الله تعالى أدنى، ونعى على من اختاره على المن والسلوى، وجعله قرين الثوم والبصل، أفتُرى أنبياء بني إسرائيل قدموا فيه، أو قدسوا فيه لهذه العلة، والمضار التي فيه من تهييج السوداء، والنفخ والرياح الغليظة، وضيق النفس، والدم الفاسد، وغير ذلك
[ ٢٩٥ ]
من المضار المحسوسة، ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع الذين اختاروه على المن والسلوى، أو أشباههم أي: من كذابي بني إسرائيل الذين أثاروه على المن والسلوى.
وهكذا يمضي ابن القيم مع هذا الضابط مخالفته للحس.
أيضًا يقول: ومنها سماجة الحديث، وكونه مما يسخر منه كحديث: "لو كان الأرز رجلًا لكان حليمًا ما أكله جائع إلا أشبعه"، فهذا من السمج البارد الذي يُصان عنه كلام العقلاء؛ فضلًا عن كلام سيد الأنبياء، وحديث: "الجوز دواء والجبن داء، فإذا صار في الجوف صار شفاء" فلعن الله واضعه على رسول الله -ﷺ". وذكر أيضًا أمثلة لذلك كثيرة جدًّا تقع هذا الضابط.
أيضًا مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينةً مثل أحاديث: مدح من اسمه أحمد أو محمد، وأن كل من يتسمَّى بهذه الأسماء لا يدخل النار، وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه -ﷺ: «أن النار لا يُجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالإيمان وبالأعمال الصالحة»، ولذلك يقول ابن القيم تأكيدًا لهذه القاعدة: فكل حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك فرسول الله -ﷺ- منه بريء، إلى آخر ما ضرب من أمثلة.
أيضًا منها -أي: من الضوابط التي يعرف بها هذا الحديث- أن يُدَّعى على النبي -ﷺ- أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه كيف يحدث هذا؟ يقول: كما يزعم أكذب الطوائف أنه أخذ بيد علي بن أبي طالب -﵁- بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حَجة الوداع، فأقاموه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال: "هذا وصي وأخي والخليفة من
[ ٢٩٦ ]
بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا". ثم اتفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته. فلعنة الله على الكاذبين.
يعني: إذا ضمننا إلى هذا أن حجة الوداع -في بعض الروايات- كان فيها ما يقرب من سبعين ألف، وبعض الروايات وصلت بها إلى مائة ألف وأربعة عشر ألفًا؛ لأن المسلمين في كل البقاع لما علموا أن النبي -ﷺ- يقصد الحج من عامه، هذا تسارعوا إلى الحج؛ ليتشرفوا بمشاركة النبي -ﷺ- في أداء هذه الفريضة، ثم إنه أخذ بيد علي بن أبي طالب -﵁- أمام الحجيج عند عودتهم، وأخبرهم بذلك، ومع ذلك كتموه. هذا كلام لا يقوله عاقلٌ أبدًا.
أيضًا يقول: منها: أن يكون الحديث باطلًا في نفسه، فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول -ﷺ- كحديث: "المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش"، وحديث: "إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية"، وحديث: "ست خصال تورث النسيان: أكل سؤر الفأر، وإلقاء القٌمل في النار وهي حية، والبول في الماء الراكد " إلى غير ذلك من السفاسف الممقوتة التي لا ينبغي أن نتوقف عنها.
ومنها: أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء؛ فضلًا عن كلام رسول الله -ﷺ- الذي هو لا يتكلم إلا بوحي من عند الله -﵎- كحديث مثلًا: "ثلاثة تزيد في البصر: النظر إلى القدرة، والماء الجاري، والوجه الحسن" يعني: هذا مما يجلُّ عنه، حتى الصحابة الذين يروُون الحديث عن النبي -ﷺ- ولا هو حتى من أقوالهم أبدًا؛ لأن كيف يدعو النبي -ﷺ- إلى النظر إلى الوجه الحسن، ونحن قد
[ ٢٩٧ ]
أمرنا بغض البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (النور: ٣٠) إلى غير ذلك. ويغلب على الظن -كما قال ابن القيم- أن هذا ونحوه من وضع بعض الزنادقة الذين يفسدون على المسلمين دينهم.
أيضًا منها: أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قولهم مثلًا: "إذا كانت سنة كذا وقع كيت وكيت" و"إذا كان في شهر كذا" وكقول الكذاب الأشر -على وصف ابن القيم ﵀- "إذا انكسف القمر في المحرم كان الغلاء، والقتال، وشغل السلطان" يقول: وأحاديث هذا الباب كلها كذب مفترى.
أيضًا منها: أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق كحديث: "الهريسة تشدُّ الظهر "، "أكل السمك يُوهن الجسد "، الذي شكا إلى النبي -ﷺ- قلة الولد فأمره "أن يأكل البيض والبصل "، "أتاني جبريل بهريسة من الجنة فأكلتها فأعطيت قوة أربعين رجلٍ من الجماع "، "المؤمن حلو يحب الحلاوة" إلى آخر هذه العبارات الواضح منها أن الذين وضعوها صانعو الحلوى وما يشابههم، كل واحد صاحب مهنة يتعصب لها، ويضع فيها أحاديث يحاول أن يروج لها.
أيضًا الأحاديث التي وردت في العقل يقول: "أحاديث العقل كله اكذب" كقوله: "لما خلق الله العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال: له أدبر، فأدبر فقال: ما خلقت خلقًا أكرم عليَّ منك، بك آخذ وبك أعطي " هذا كلام عجيب غريب، الحجة في الشرع هي للقرآن الكريم وللسنة المطهرة، وحديث: "لكل شيء معدن، ومعدن التقوى قلوب العاقلين" وهو يضع قاعدة كلية هنا أن كل أحاديث العقل مكذوبة مفتراة على رسول الله -ﷺ-.
[ ٢٩٨ ]
كان الغرض أن المدرسة الحديثية بنفسها وضعت القواعد، وهو قد طال نفسه في الرّدّ على بعض الأحاديث، واستغرقت عدة صفحات، وردَّ عليها من القرآن ومن السنة ومن الإجماع، مثل "أن الخَضرَ موجود، وأنه حي الآن" طال نفسه جدًّا في الرّدّ عليه، وأقام عشرات الأدلة من القرآن، ومن السنة، ومن الإجماع، ومن العقل، على مخالفته للقرآن وللسنة الصريحة.
وأيضًا أن يكون الحديثُ مخالفًا لصريح القرآن مثل حديث الذي حدَّد مقدار الدنيا، وأنها "سبعة آلاف سنة "، ونحن في الألف السابعة، وهذا من أبين الكذب -هذا كلام ابن القيم- لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالِمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا أي: في الوقت الذي تكلم فيه ابن القيم، والله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (النازعات: ٤٢). والشيخ عبد الفتاح أبو جود -عليه رحمة الله- استنتج من كلمات ابن القيم هنا أن هذا الكتاب- (المنار المنيف) - ألفه ابن القيم قبل وفاته تقريبًا بعام واحد؛ لأنه سنة ٧٥٠ لو كان سبعة آلاف سنة يقول: ونحن الآن في الألف السابعة باقي مائتان وخمسون عامًا وسنة أي: قبل وفاته بسنة واحدة -رحمه الله تعالى-.
على كل حال هذا معارض أن علم الساعة قد انفرد به الله -﵎-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ (لقمان: ٣٤) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (الأعراف: ١٨٧) إلى آخر الآيات.
وأيضًا في حديث جبريل المشهور سئل النبي -ﷺ- عن الساعة فقال: «ما المسئول عنها بأعلم عن السائل» ويقولون في ردِّ النبي -ﷺ- الفصاحة والبلاغة كلها لم يقل: لا أعلم، لو قال النبي -ﷺ: لا أعلم، لكان الباب مفتوحًا لمن يكون بعض
[ ٢٩٩ ]
الناس يعلمون وقتها؛ إنما هو فقط هو الذي لا يعلم «ما المسئول عنها بأعلم عن السائل» قال العلماء في شرح هذه الجملة: أي: لتشمل كل سائل وكل مسئول، يعني: كل سائل وكل مسئول إلى يوم القيامة في الجهل بوقت القيامة سواء، لا يعلمها إلا الله -﵎- لأن هذا مما انفرد الله تعالى بعلمه.
بيان خطأ المدرسة العقلية التي تُخضع النصَّ للعقل
نقف وقفة مع المدرسة العقلية التي تحكِّم العقلَ في النص: "هذا الحديث لا يوافق العقل!! ". أي عقل يقصدوه؟ وما هي الضوابط للنظر في السنة بالميزان العقلي؟ هذا أمر مهم جدًّا العقول من حقها أن تنظر، أي عقل ينظر؟
كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: أن العقل يمجُّ بعض الأحاديث التي ذكروها منسوبة إلى رسول الله -ﷺ، لكن الضوابط التي في ضوئها يعمل العقل هو الأمور المادية المحسوسة، الكون كله، بإيجاز شديد دائرة الماديات، كيف نزرع الأرض؟ كيف نصنع من الخشب مكتبًا ومنضدةً وسريرًا وكرسيًّا؟ إلى آخره، كيف ننقي الأرض من الحشائش؟ كيف نطير في أجواز الفضاء؟ كيف كذا؟ رجل مثلًا يجلس يقذف بالتفاحة أو بالطوبة إلى أعلى، فتنزل إلى أرض، لماذا لم تصعد إلى أعلى؟ فيكتشف قانون الجاذبية، كل ذلك وغيره.
قلنا: نريد للعقل أن يسيح في الكون والله -﷿- يُنعم عليه بما شاء من معونات وفيوضات يبتكر بها أمورًا يعتمد فيها على خلق الله -﷿- تُيسّر للناس أمور معايشهم، نركب الطائرات، ونركب القطارات، ونركب السيارات، ونستعمل الهواتف، ونضع النظارات على أعيينا، ونلبس الأزياء الطيبة المباركة، إلى آخر ما نشاء من نعم الله -﵎-. الكون كله أمام العقل يعمل فيه بهدي الله -﷿-
[ ٣٠٠ ]
وبقانون الله -﷿- فيجري الله -﷿- على يد البشر ابتكارات تنفعهم في أمور دينهم ودُنياهم، من تحسينهم مواد التربة، من البذور التي تُنتج غلة أكثر من المواد التي تخلو من المضار، يوفقهم الله إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
أما أن يدخل العقل فيما ليس له فيه، فهذا من باب إقحام العقل فيما ليس له، وقطعًا سيضل العقل وسيشقى ويُشقي صاحبه، ويسير به إلى طريق الضلال والغواية، هذه من البداهيات التي لا بد أن يصطلح عليها البشر جميعًا، كيف يتكلم العقل مثلًا في أمور ما وراء الطبيعة كما يقول الفلاسفة، أو غيرهم، يعني: كيف يتكلم في العالم الذي لا يراه؟ كيف يتكلم عن الغيبيات؟ كيف يتكلم عن الوحي؟ كيف يتكلم عن القبر وما يحدث فيه وهو لم يره؟ كل ذلك لا مجالَ للعقل فيه، كيف يتكلم عن القيامة ومشاهدها من بعث، وحشر، وجنة، ونار؟ وكل ذلك يعتمد على الأدلة النقلية المسموعة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة.
أنتَ لا تستطيع أن تتكلم فيها بعقلك، العقل هنا لا يصلح أن يكون مقياسًا أبدًا لمعرفة الصواب والخطأ في هذه الأمور، كيف سيتكلم، هل هناك أحد ذهب إلى القبر وعاد ليخبرنا ماذا فيه؟ هل هناك أحد رأى مشاهد الآخرة التي لم تحدث بعدُ، ورأى الحساب، والميزان، والصراط، والحشرَ، والشفاعة، والجنة، والنار، والحوض، وما إلى ذلك، وجاء لينكر أو ليوافق؟ كل ذلك لا يصلح، أنا أحترم العقل حين أضعه في الدائرة التي يستطيع أن يعمل فيها، وأنا أهينه وأنزل من قدره حين أضعه فيما ليس له من تخصصه، سيتيه، سيضرب في بيداء من الجهل والظلمات والضلالات، سيصل إلى نتائج ربما تصل إلى الإلحاد والإنكار، هذا أمور بدهية.
[ ٣٠١ ]
وبالمناسبة لو أنصف الذين يزعمون أنهم أبناء المدرسة العقلية، أو أنهم يهتمون بالعقل، ووضعوا العقل في إطاره؛ العقل لا تصادم بينه وبين الدين، وحين نقول: إن العقل لا يدخل في هذه الأمور لا ينبغي أن يضحكوا علينا، وأن يقولوا لنا: هذه مصادرة على العقل، وهذه حرب على التفكير والإبداع، هذا كلام متهالك، لا ينبغي أن يُخدع به أحدٌ، أبدعوا في الطب، وأبدعوا في الصيدلة، وأبدعوا في الهندسة، وأبدعوا في الزراعة، وأبدعوا في الفضاء، وفي الأسلحة، أغنونا عن أعدائنا في كل هذا، اعملوا، وابتكروا، وأضيفوا إلى رصيد الأمة الإسلامية في هذه الميادين ما يوفقكم الله تعالى إليه. أما أن تدخلوا لتفسدوا على الأمة أمر دينها، وهكذا تحت دعوى أن هذا احترام، أي احترام للعقل أن أدخله فيما ليس فيه؟
هذا الكلام ما فائدته؟ لو أعملوا ذلك ما تدخلوا في أحاديث أنكروها بالعقل، وهي صحيحة وثابتة، ثم إن عقلونا تقبلها، وعقول الأمة كلها على مدار ال ال تاريخها قبلته، أعقولهم أنضج من عقولنا؟ لماذا يفرضون هذا؟ ولماذا يتصورون أن عقولهم أفهم وأوعب لهذه الأمور منا نحن؟ نحن لا نقل عنهم فهمًا، نحن لا ندعي لأنفسنا أننا أفقه منهم، لكننا على الأقل لا نقل عنهم فهمًا لأمور ديننا ودنيانا ونعرف الضوابط ثم إن هذه الأمور اصطلح عليها أهل العلم في العالم كله، وتكلمنا عن خلل المستشرقين في منهجهم، وأنهم يتكلمون كثيرًا عن المناهج العقلية، والمناهج العلمية، والتجريبية، والاستدلال، وينقضون كل ذلك فيما يتعلق بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، وليس عندهم أمانات في النقل، ويعتمدون على مصادر ضعيفة، ولا يعتد بها عند أهل العلم، ويزعمون أنهم أرباب المذهب العقلي، أو أرباب المذهب التجريبي.
[ ٣٠٢ ]
هذا الخلل سبَّب لهم خللًا شديدًا، هو السبب في إنكارهم لكثير من معجزات النبي -ﷺ- وكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي رَأَوا بمنظارهم أنها تُخالف العقل.
ثم أيُّ عقل نسمح له أن ينظر في السنة، العقل الذي تربَّى على موائد الغرب، وتخرج في الجامعات الأجنبية، ولم يقرأ شيئًا عن الإسلام، ولا في الإسلام، وكل ما استقاه عن السنة وعن التفسر هو من كتب المتشرقين، أهذا يليق؟ أهذا يصلح؟ أهذا مقياس علمي أو ضابط دقيق يُرجع إليه؟ وندرك من قراءاتنا لكثير من انتقاداتهم أنهم لم يقرءوا حديثًا في البخاري ولم يقرءوا شروحَ العلماء الأجلاء كابن حجر، والعين، وغيرهم ممن شرحوا البخاري، أو شرحوا (صحيح الإمام مسلم) -﵏ جميعًا- إنما استقوا كلامهم من المصادر المعادية للإسلام.
ملامح المدرسة العقلية
وهنا بسرعة أوضح أو أشير إلى بعض ملامح المدرسة العقلية:
أولًا: هم يقدمون العقل على النص، ويجعلون العقل قاضيًا على النص، وكثيرًا ما تقرأ في كتاباتهم النص يقبل التأويل. خلاصة الكلمة: نحن نقول بعقولنا وأفهامنا، ويجترءون على القرآن في فهمه، في مخالفة الأمة كلها لفهمه، هناك مثلًا مَن يطالب المساواة بين البنت والولد في الميراث؛ ضاربًا عرض الحائط بقوله -﵎-: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١)، ويا أهل النص يا من ليست لكم عقول تفكر، أنتم وما تريدون في النص افهموه كما تريدون، أو أولوه كما تريدون، أما في السنة يجترءون عليها هي ليست من كلام الله، فالباب مفتوح لأن يقولوا: هذا حديث ضعيف، أو
[ ٣٠٣ ]
مكذوب ويردُّونه، وإذا تكلمنا فيهم؛ نحن عقولنا مظلمة، ومغلقة، وضيقة، ولا تتسع للرأي الآخر، بل إنهم أخيرًا من يقول: حتى تفسير القرآن لا نريد تفسيرًا. كل واحد يقول في القرآن بفهمه، والسنة ليست قاضية على الكتاب، أيُّ عبث هذا، وأي فوضى هذا، وإلى أي طريق يريدون أن يصلوا بنا؟
ملامح أو بعض معالم المدرسة العقلية، تتمثل -كما قلت- في تحكيم العقل في النص هذا واحد، وأن العقل قاضٍ على النص، النص هو القاضي، وأن العقل يحاول أن يفهم، وأنه لا مصادرة للعقول في فهم النص، والقاعدة الشرعية المعروفة: لا اجتهادَ مع النص. يعني: لا يقول النص شيئًا ونقول نحن غيره، وقاعدة: لا اجتهادَ مع النص، لا تغلق البابَ أمام قاعدة أخرى تفتح الباب للفهم والاجتهاد، الاجتهاد في النص أي: في فهم النص، ماذا يريد النص أن يقول؟ كيف نطبقه؟ نحن نجتهد في فهمه لنطبقه، لا لنعارضه، ولا لنبعتد عنه، لنطبقه بفهم جيد يكون أقرب ما يكون إلى مراد الله -﷿- مثلًا: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (النساء: ٤٣) ملامسة النساء من نواقض الوضوء، الذي يقول: إن ملامسة النساء غير ناقضة هذا يجتهد مع النص، لا اجتهادَ مع النص، يقول النص شيئًا، وهو يقول غيره يقول: إن الملامسة غير ناقضة، لكن أن يقول: ما المراد بالملامسة؟ هذا هو الاجتهاد في النص، والباب مفتوح فيه إلى يوم القيامة في ضوء القواعد المقررة عند علماء الشرع، أو عند العلماء في ضوابط الاجتهاد والمجتهدين.
إذن العقل له ميدانه في فهم النص في الكون الفسيح إلى آخره، لكن أن يشرع العقل، أن ينظر العقل في النص، وأن يكون قاضيًا عليه؛ هذا ما لا يقول به عاقلٌ أبدًا، ولن نقبله مهما كان.
[ ٣٠٤ ]
من ملامح المدرسة العقلية أيضًا: أنهم يردُّون السنة كليَّة أو جزئيًّا. الذين يزعمون أنهم قرآءنيون وينكرون السنة كلية، ومنهم من يردُّ بعضها، ومنهم مَن يقبل المتواتر ويرد الآحاد، دعاوَى كثيرة يثيرونها، الغرض كله هو تضييع السنة والتفلت منها. إذن هم يعجلون العقل قاضيًا على النص، وهذا أدى إلى إنكارهم للسنة إما كليًّا وإما جزئيًّا.
وعلماء الأمة مجمعون على وجوب العمل بالحديث متى ثبتت صحته، وأن الحديث متى صح يصبح أصلًا من أصول الشرع بصرف النظر عن كونه متواترًا أو آحادًا، والتواتر والآحاد هذا تقسيم على أساس عدد الرواة في كل حلقة لا يتعلق أبدًا بوجوب العمل؛ لأنه حتى الفريق الذي قال: إن الآحاد يفيد الظن بمعنى: أننا يغلب على ظننا أن النبي -ﷺ- قاله ولا نقطع بذلك، يجيبون على الأمة العملَ بما غلب على ظنها، وقلنا: إن هذه من الأمور المجمع عليها عند علماء الأمة. إذن قضية العمل به لا تقبل الجدال.
أيضًا توسعوا جدًّا -المدرسة العقلية- في فهم القرآن الكريم والحديث النبوي في ضوء عقولهم، وفي ضوء معطيات العلم بكل جوانبه؛ بصرف النظر حتى عن كونها حقيقة علمية أو نظرية علمية لا زالت في طور نظرها بالتجريب، العلم قال كذا، إذًا ردُّوا القرآن وردوا السنة، وبعد سنين يردُّ العلم على نفسه؛ فيرفض ما كان يقبله اليوم، وهذا حدث مرارًا وتَكرارًا، وفي كل العلوم، المسلَّمات التي كانت من عشرين سنة انقلبت الآن على أعقابها؛ لتصبح من مظاهر التخلف. فرقوا بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية، الحقيقة العلمية الثابتة لا تتعارض أبدًا مع
[ ٣٠٥ ]
القرآن والسنة، ولن يتعارض مع القرآن والسنة بحال من الأحوال. أما التي ما زالت في طور التجربة والاختبار؛ فهذه محلّ نظر.
إذن لا نجعل معطيات العلم وخصوصًا في مراحلة التجريبة يعني: قيدًا على القرآن، أو على السنة المطهرة، هذا من مفتريات العقول، ومفتريات المنهج العلمي -كما يقولون- ويصنعون بذلك تناقضًا بين العلم والدين. الدين منه براء، ديننا دين العلم الذي امتلأ بالآيات التي تكلمت عن العلم والعلماء، وهذا أمر مفروغ لن نتكلم في البداهيات.
وهذا هو السر في أنهم أنكروا ما يتعلَّق بالملائكة، أو بالشياطين، أو يئولونها على أحسن الأوجه إذا كانت واردة في القرآن الكريم، وتكلموا عن السحر، وعن قصة آدم، وعن كذا وكذا، وصرفوا الطير الأبابيل عن ظاهره في القرآن الكريم، ومن علماء المسلمين من قال ذلك، يعني: الطير الأبابيل مرض ميكروبي تعرَّض له جيش أبرهه لماذا؟ لأن بعض العقول لا تقبل أن طيرًا يحمل حجارةً من سجيل صغيرة يدحر بها جيشًا بأكمله، ويقضي الله عليه قضاءً مبرمًا، أليست هذه معجزة من معجزات السماء؟ فضيلة الشيخ محمد الشعراوي -عليه رحمة الله تعالى- في ردِّه على هذا الزعم -وهو يفسر القرآن الكريم- قال: من المؤكد أنه حين نزلت -يعني: سورة الفيل- كان من بين الموجودين في حياة النبي -ﷺ- مَن عاصر الحادثة، ولو كانت داءًا ميكروبيًّا قضى على الجيش، ولم تكن طيرًا أبابيبلَ تحمل حجارة من سجيل؛ لقالوا له: كذبت يا محمد، لم يكن هناك طير، ولا كذا، وإنما كان الأمر مرضًا معديًا فتك بالجيش كله، لكنَّ ذلك لم يحدث، ولم تنقل لنا رواية واحدة، هذا دليل من الواقع على كذب هذا.
لماذا يريدون أن يجعلوا العقل قاطعًا في مثل هذا؟
[ ٣٠٦ ]
أيضًا: تمجيدهم للعقل أدَّى بهم إلى تهوين من شأن الإجماع، والتقليل من قدره، وعباراتهم في ذلك كثيرة جدًّا، أيُّ إجماع تقصدون؟ ويعتبرون أنفسهم ممن خُلق بهم الإجماع، الأمة حين تصطلح على شيء وصارت على هذا قرونًا متعددةً، يأتي اليوم من يفسد عليها وحدتها واجتماعها تحت دعوى أن هذا اجتهاد عقلي أو كذا، هذا عبث هذا لا يوجد عند أمة. الأمم استقرت على أمور -حتى ليست عن طريق الوحي- أجمعت عليها حتى مع وجود من يخالفها مع أبناء الأمة، ومع ذلك لم يزعم أحد أبدًا أنه يحق له أن يخرج على القانون، أو على الدستور؛ لأن عقله لا يقبله، لماذا هم هناك يحترمون ذلك ونحن هنا نفتح البابَ على مقدساتنا من القرآن والسنة، نهوّن من إجماع أمتنا، ومن تحكم العقل في النص؟ ومن جعل العقل أو المعطيات العلمية التي لا زالت في طور التجربة حكمًا قاضيًا على ما ورد في القرآن أو في السنة، ويئولون، ويرفضون، ويبعِدون إلى آخره.
هذه بعض ملامح المدرسة العقلية.
أيضًا يكادون يغلقون باب الغيبيان، لا يريدون أن يتكلم أحد في الغيبيات.
إذن نحن حددنا أن مدرسة السنة وضعت القواعد الضابطة لتمييز الصحيح والضعيف من غيره، وأدخلت في ذلك العقل، وأيضًا مباينة الحديث للمنقول من القرآن والسنة، ومن مصادمة الأصول، وأنهم قد وضعوا قاعدة تُكتب بماء الذهب أشار إليها ابن الجوزي وغيره في (تنقيح فهوم الآثر) -رحمه الله تعالى-: "إذا رأيت الحديث يباين المنقول، أو يخالف المعقول" يباين: يخالف مخالفة لا تقبل الجمع المنقول من القرآن والسنة، وأن يصادم، أو أن يخالف المعقول -الكلام عن العقؤئل- وأن يصادم الأصول أي: يصطدم بقواعد
[ ٣٠٧ ]
الشرع العامة التي استنبطها العلماء من خلال الأحاديث والآيات القرآنية أي: من خلال قواعد الشرع، وصارت قواعد عامة لهذه الشريعة مثل: "المشقة توجب التيسير"، ومثل: "ما خُيّر بين أمرين إلا أخذ أيسرهما". هذه القواعد التي اصطلحت عليها الأمة، إذا وجدت الحديث يصادم شيئًا من ذلك فاعلم أنه موضوع.
إذن المدرسة العقلية وضعت الضوابط، وصححت الأمور، ونقدت المتن، واحترمت العقل غير أنه العقل المحكوم بالقرآن والسنة، ليس هو العقل الذي تربَّى على موائد الغرب، ورضع من لَبانه، وتأثر بفكرهم ولا يقبل سواه، ثم هو يريد أن يفرض علينا ما انتهت إليهم دراستهم في ذلك، ومع أنهم يجتهدون في احترام مقدساتهم، إلا أنهم أشاعوا هذه الأمور بيننا؛ ليعملوا على انفصام الأمة عن هدي ربها المتمثل في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٣٠٨ ]