[ ١٨٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العاشر
(تابع: الحديث المتواتر - حديث الآحاد (١»
شروط الحديث المتواتر، وأقسامه، ومؤلفات العلماء فيه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزوجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد.
ففي الدرس الماضي بدأنا كلامنا عن المتواتر والآحاد، ذكرنا تعريف ابن حجر -رحمه الله تعالى- وتعريف البغدادي، وتعريف ابن الصلاح -رحم الله الجميع، ورضي عنهم أجمعين-:
وقلنا: إن هذه التعاريف تحمل في طياتها الشروط التي لا بد من توافرها في الحديث المتواتر، ونجمل هذه الشروط كما ذكرها ابن حجر وغيره فيما يلي:
أول شرط العدد الكثير، وذكرنا مناهج العلماء أو اعتبارات العلماء في قضية العدد، وفي تحديد العدد، ولا نرجع إليها إنما نحيل إليها، ونقول: إن العدد إما أن نقول إنه إذا توفر عشرة من الصحابة بطرق صحيحة عن النبي -ﷺ- فهذا الحديث متواتر، وهذا أشار إليه السيوطي -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه، ومنها أن نقول: إن العدد إذا حصل الاطمئنان إلى صدقه وإلى عدم وقوع الكذب منه وله اتفاقًا فقد بلغ التواتر أيًّا كان الرقم.
وقلت أيضًا: إن الذي جرى عليه عملهم في مؤلفاتهم سواء وهم يشرحون الأحاديث يعرجون على هذه القضية أو في الكتب التي جمعت الأحاديث المتواترة حين يجمعون عشرة من الصحابة رووا الحديث، فيعدونه في الأحاديث المتواترة.
إذا رجعنا إلى مؤلفاتهم في هذا سنتأكد من ذلك، ونحن بإذن الله سنذكر بعض مؤلفاتهم في التواتر، إذن العدد الكثير.
ثانيًا: أن يطمئن القلب والعقل إلى عدم اتفاقهم على الكذب، وأن الكذب لا يقع منهم، ولو من قبيل المصادفة.
والشرط الثالث: أن يتوافر هذا العدد المطلوب بتلك الصفات؛ أي باطمئنان القلب والعقل لهم في كل حلقة من حلقات الإسناد؛ يعني لو اختل العدد أو اختل اطمئنان القلب والعقل ولو في حلقة واحدة من حلقات الإسناد فقد فقد
[ ١٩١ ]
الحديث شرط التواتر. نحن عرفنا معنى الإسناد، ومعنى كل حلقة فيه، يريد العلماء في كل حلقة توافر العدد واطمئنان القلب والعقل معهم، وجعلوا ذلك شرطًا ثالثًا من شروط الحديث المتواتر.
الشرط الرابع: أن يكون منتهى خبرهم الحس، ما معنى هذا الشرط؟
منتهى خبرهم يعني: الخبر الذي ينقلونه لنا في النهاية، حلقة سلمت حلقة إلى أن وصل الأمر إلى الخبر الذي ينقلونه، لا بد أن يعتمد هذا الخبر على أداة من أدوات الحس المعتمدة عند أهل العلم، مثلًا يقولون رأينا أو سمعنا أو تذوقنا أو شممنا مثلًا مجرد مثال توضيحي؛ يعني رأيت كتابًا موضوعًا على المنضدة مثلًا فظننته كتاب (الأم) للشافعي، فظننته لا تصلح، لا يكون الخبر متواترًا حتى لو نقله لنا ملايين لأنه ليس منتهى الخبر الآن الاعتماد على الحس.
الاعتماد على الحس يفيد مزيدًا من اليقين، مثلًا لو قال عشرة من طلاب العلم: رأينا الكتاب موضوعًا على المنضدة، وقرأنا عنوان الكتاب، واسمه، إذن نعتمد هنا على الحس على القراءة بالعين، وقرأنا اسم الكتاب فوجدناه كتاب (الأم) للإمام الشافعي.
رأينا جوالًا أبيض فظنناه مملوءًا بالسكر لا، إنما فتذوقناه فوجدناه سكرًا أو ملحًا مثلًا هذا يعتمد على الحس، وهكذا. رأينا مثلًا زجاجة أو آنية بها ماء أو بها سائل، فظنناه ماء، لا، لا يصلح، إنما فشربناه فوجدناه ماء اعتمد هنا على التذوق، وهكذا.
إذن لا بد من أن يعتمد خبرهم على الحس، وكما لاحظنا من خلال الأمثلة التي ذكرناها، فإن الحس هنا يكسب الخبر مزيدًا من التوثيق، ومزيدًا من اليقين حتى يقبله العقل والقلب معًا.
هناك شرط ذكره ابن حجر، وهو أن يفيد الخبر اليقين أو القطع لدى سامعه؛ يعني أنت بمجرد أن تسمعه يتأكد لديك صدق الخبر ويقين مضمونه، يعني أن
[ ١٩٢ ]
مضمونه متيقن مائة في المائة، أيًّا كان مضمون الخبر يعني يخبرون بحديث يخبرون بأي أمر من الأمور، سافر محمد مثلًا، هذا خبر قاله عشرة، فأصبح خبرًا متواترًا.
الشرط الخامس: أن قلبك كمستمع يتأكد ويتيقن من هذا الأمر. هذا معنى قولهم يفيد اليقين لدى سامعه.
كثير من العلماء يقول: إن هذه نتيجة، وليست شرطًا؛ يعني لا ينبغي أن نعتبره شرطًا من شروط التواتر، بل هو نتيجة للتواتر؛ يعني أنا إذا توفر العدد المطلوب في كل حلقة واطمأن القلب والعقل إلى صدقهم، وتوافر ذلك في كل حلقة من حلقات الإسناد، وكان منتهى خبرهم الحس، فإن النتيجة الحتمية المترتبة على ذلك هي أن نتأكد، وأن نثق، وأن نتيقن، وأن نقطع بصدق الخبر؛ يعني أي مستمع يسمع بهذا.
فإذن هو نتيجة، وليس شرطًا، وبالتالي فإننا في النهاية نقول: إن شروط المتواتر أربعة، هي: أن يتوافر العدد في كل حلقة، وناقشنا فضيلة العدد، وأيضًا أن يطمئن القلب والعقل إلى وقوع الخبر يعني إلى صدقهم وأمانتهم، وهذا الشرط الثاني، هذا له صلة بمواصفات العدد يعني ليس العدد فقط.
لنفترض مثلًا أن مجموعة من الناس أجمعوا على خبر هم أصحاب مصلحة فيه، كأن يخبروا عن من يتحاربون فقال فريق: إنا قتلنا من الفريق الآخر مائة مثلًا. هذا القول قد يقوله ملايين، لكنهم أصحاب مصلحة فيه، فهنا العقل والقلب لا يطمئنان أبدًا إلى صدق خبرهم، مهما كان عددهم، لماذا؟ لأنهم تطرق الشك إلى مضمون الخبر من كونهم أصحاب مصلحة فيه، وهكذا.
أيضًا الشرط الثالث كما قلنا أن يتوافر العدد في كل حلقة من حلقات الإسناد، وأن يعتمد الخبر في نهايته على الحس، ولا يعتمد على شيء من غير الحس.
[ ١٩٣ ]
هذه هي شروط الحديث المتواتر، نقول بعد ذلك انتقالًا إلى نقطة جديدة، إذا أصبح الخبر متواترًا ما الدرجة التي يفيدها من العلم؟ يعني توفرت هذه الشروط في أي خبر من الأخبار، بصرف النظر عن كون هذا الخبر حديثًا أو ليس حديثًا، كما ذكرنا قبل، يعني مثلًا إذا قالوا لنا: محمد سافر. إذا قالوا لنا: إن أمريكا فعلت كذا وكذا. إذا قالوا لنا: إن أول شهر ذي الحجة يوم كذا. أيًّا كان الخبر ما درجة العلم التي تقع في خاطري أو في عقلي نتيجة هذا الخبر؟
هو أولًا خبر متيقن؛ يعني مقطوع بصدقه يقينًا، وأنا هنا يعني أشير في إيجاز حتى تتضح المسألة؛ لأني سأحتاجها في قضية المتواتر، وسأحتاجها في قضية الآحاد، وسأحتاجها وأنا أرد الشبه عن حديث الآحاد؛ لأن هذه الشبه دراستها والرد عليها وتفنيدها هو الغرض الأساسي من إثارة هذا الموضوع، ونحن في مادة تتعلق بالدفاع عن السنة المطهرة.
المتواتر، إذا أصبح الخبر متواترًا أفاد القطع كما قلنا، ما معنى القطع؟ يعني أن السامع قد تيقن بأن الخبر صحيح، بالنسبة للأحاديث النبوية إذا كان الحديث متواترًا قطعنا بأن النبي -ﷺ- قاله، هذا معنى القطع يعني قطعنا بأن النبي -ﷺ- قاله، وأن نسبة هذا الحديث إلى النبي -ﷺ- نسبة يقينية مقطوع بها.
هذا القطع وصلنا إليه عن طريق تواتر الخبر، بعد أن يتواتر الخبر لا نحتاج إلى أدلة أخرى؛ لأن القطع في مسألة ما نصل إليه بوسائل كثيرة، مثلًا إذا قلنا: إن السماء فوقنا، وإن الأرض تحتنا، هذه قضية مقطوع بها، مبنية على المشاهدة، نحن نشاهد السماء فوقنا، والأرض تحتنا، فنحن وصلنا إلى القطع هنا عن طريق المشاهدة.
أيضًا إذا قلت: إن الواحد نصف الاثنين، هذه مسألة بدهية، وصلنا إليها بالقطع بها، لا نجادل ولا نماري فيها بالبداهة.
[ ١٩٤ ]
أيضًا قد نصل إلى القطع بعد نظر واستدلال؛ يعني نستدل على مسألة ما، وبعد الاستدلال قطعنا بمضمون الخبر، كان الخبر قبل هذه الأدلة احتماليًّا؛ يعني نعم أو لا سيان، أو ترجيح أحدهم على الآخر، لكننا لم نصل إلى القطع، سأضرب مثالًا وأرجو أيضًا أن نكون على ذكر منه؛ لأنني أيضًا سأحتاجه في قضية خبر الآحاد، مثلًا، من الأمثلة الواضحة لهذا نظريات هذه الهندسة، مثلًا إذا أخذنا نظرية من النظريات، مثلًا نظرية "فيثاغورس" في المثلث القائم الزاوية "المربع المنشأ على الوتر يساوي مجموع المربعين المنشأين على الضلعين على الآخرين".
هناك نظريات هندسية كثيرة، ومعظم السامعين الآن قد درسوا شيئًا من الهندسة "المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا" هذه نظرية، كيف نصل إلى اليقين فيها؟ هل هي حقيقة أو غير حقيقة؟ المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا إذا كانت أضلاعه متساوية فزواياه متساوية، يعلموننا في الهندسة مثلًا هذا الترتيب، رأس النظرية يقولون مثلًا الفرض أي: الأمر المفترض الذي يحتاج إلى إثبات، ويكتبون رأس النظرية: المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا.
المطلوب إثبات ذلك، المطلوب إثبات رأس النظرية هذه، البرهان هو هذه الأدلة بما أن وبما أن، لو أننا كلنا نتذكر الآن دراستنا للهندسة، سنجدهم أنهم كانوا يعلموننا إثبات صدق النظرية بهذه الطريقة: الفرض، المطلوب، البرهان. والبرهان بما أن، وبما أن وبما أن، أصل إلى رقم ٤، وهي النتيجة.
إذن النتيجة أن المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا، كانت هذه النتيجة نظرية، مجرد فرض، مجرد احتمال قبل أن أستدل عليها، فلما استدللت عليها أصبحت قضية يقينية مقطوعًا بها، كيف وصلت إلى هذا اليقين والقطع؟
عن طريق النظر والاستدلال، هذه أمور تدرس في علم المنطق والبحث والنظر
[ ١٩٥ ]
والاستدلال، أنا أشير إليها لارتباطها بما نحن فيه؛ يعني أنا أصل إلى القطع في مسألة ما، في خبر ما، بطرق بهذه الطرق التي أشرت إليها وبغيرها، كما قلت بالمشاهدة والنظر بالفطرة والبداهة أو بالبداهة، بتواتر الخبر، بالنظر والاستدلال، لكن المحصلة في النهاية هي أن أصبح مضمون الخبر يقينيًّا ومقطوعًا به.
نحن نقول: إن القرآن ثبت بالتواتر يعني: رواه جمع عن جمع، أصبح كل حرف من حروف القرآن يقينيًّا، لا يستطيع أحد أن يماري أبدًا في أمر ولو حرف، لن أقول كلمة أو آية، ولو حرف واحد، ولذلك قال علماؤنا، إن منكر حرف واحد من حروف القرآن كافر؛ لأنه أنكر التواتر.
إذن التواتر أفادني العلم الضروري، العلم الضروري يعني العلم الذي بمجرد أن يتوافر الخبر لا أحتاج بعده إلى أن أستدل بأدلة أخرى، أنا عندي فقط أن أثبت أن هذا الخبر نقل إلينا بالتواتر، محمد سافر نقل إلي بالشروط التي ذكرناها: جمع عن جمع، يستحيل كذا إلى آخره التي ذكرناها، متى تواتر الخبر، فأنا لا أحتاج بعد ذلك إلى أدلة أخرى لأثبت أن محمدًا قد سافر، وإنما قضية سفره أصبحت قضية يقينية مقطوعًا بها لا يماري فيها إلا مجادل.
سيكون بحثي في المتواتر أن أثبت أنه متواتر فقط، فإذا ثبت لدي التواتر بالشروط التي ذكرناها أصبح الخبر يقينيًّا.
إذن هذه أهم النقاط التي أتكلم فيها في الخبر المتواتر تعريفه لغة واصطلاحًا، شرح هذا التعريف وهو المتضمن لشروط التواتر، ثم نتيجة العلم المترتبة على هذا التواتر، أنا عندي بعض النقاط الأخرى في التواتر، مثلًا الحديث المتواتر له قسمان؛ التواتر اللفظي، والتواتر المعنوي، والتواتر اللفظي هو: ما تواتر لفظه ومعناه؛ بمعنى أن الرواة جميعًا قد اتفقوا على لفظ واحد؛ يعني رووه باللفظ والمعنى معًا، ليس بالمعنى فقط، فألفاظهم جميعًا اتفقت.
[ ١٩٦ ]
يضربون مثالًا مشهورًا لهذا الحديث المتواتر لفظًا ومعنى حديث «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» هذا الحديث يعني بعض العلماء الذين عدوا الصحابة الذين رووه، بعضهم وصل به إلى أكثر من تسعين صحابيا، أو مائة صحابي، مثل الزبيدي في (لقط اللآلئ المتناثرة) لكن محل الكلام هنا أنه متواتر لفظًا ومعنًى.
عندي تواتر معنى؛ يعني الحديث متواتر، لكن ألفاظه ليست واحدة، أوضح مثال لهذا أحاديث الحوض، أحاديث الحوض متواترة؛ يعني متيقنون أن الحوض موجود، وأن النبي -ﷺ- أخبر به، وأن أحاديثه بلغت حد التواتر، وكما قلت إن ابن حجر -رحمه الله تعالى- أشار إلى أن بعض المتأخرين عني بجمع طرقه، فوصلت إلى ثمانين صحابيًّا.
أيًّا ما كان الأمر، لو أنا نظرت إلى روايات حديث الحوض، سأجدها روايات متعددة، مثلًا بعضها يقول "حوضي مسيرة شهر" يعني مساحته مسيرة شهر، بعضها يقول "ما بين مكة مثلًا إلى صنعاء" أو "ما بين أذرح إلى أذرعات" إلى آخره، يعني ذكر مدنًا متعددة لبيان المسافة أو مساحة الحوض أنا لن أنتقل إلى شرح حديث الحوض أنا أضربه مثالًا للتواتر الذي يعني ورد بالمعنى روايات كثير جدًّا وردت في مساحة الحوض، كلها تؤكد أن الحوض موجود، وهذا هو القدر الذي نقوله: إن الحوض يقيني أو إن خبر الحوض خبر متواتر، لكن بألفاظ متعددة.
عندي أيضًا تواتر ثبت فيما يسميه العلماء بتعدد الواقعة، يعني هناك وقائع متعددة فيها أمر مثل قدرًا مشتركًا بينها جميعًا، يضربون مثالًا لهذا يقولون مثلًا أحاديث رفع اليدين في الدعاء، بعض العلماء يقول إنه قد ورد في أكثر من مائة واقعة، أن النبي -ﷺ- كان يرفع يده، وهو مثلًا في الاستسقاء، وهو يدعو على
[ ١٩٧ ]
رعل وذكوان في قصة بئر معونة أو الرجيع، وهو يستنصر الله -﷿- في بدر، وهو في البناء الذي بنوه له لكي يمكث فيه النبي -ﷺ- يدعو ويتضرع إلى ربه.
رفع اليدين في الدعاء لم يأت من رواية واحدة بالتواتر إنما عندي عشرات الوقائع، وكلها تقول إن النبي -ﷺ- كان يدعو فيها فيرفع يديه، هذه الوقائع المتعددة وصلت حد التواتر، دعاء في الاستسقاء، دعاء في الحرب، دعاء على قوم كادوا ضد المسلمين إلى آخره، هنا دعاء الواقعة مختلفة، لكن القدر المشترك بينها أنه كان يرفع يديه في هذا الدعاء، هذا أيضًا يسمونه التواتر بتعدد الواقعة.
إذن التواتر له قسمان، متواتر لفظي، ومتواتر معنوي، أيضًا التواتر موجود بكثرة الأغلب في أحاديث السنة أنها أحاديث آحاد، ولذلك كانت قضية حديث الآحاد وحجيتها يعني قضية مهمة جدًّا، وهي من أخطر المسائل التي أثارها أعداء السنة كشبهة يحاولون أن يقضوا بها على السنة تمامًا أو أن يفقدوا المسلمين العمل بها تحت حجة أنها آحاد وليست متواترة.
أنا أذكر فقط بعض المعلومات عن الحديث المتواتر حتى أنتقل إلى حديث الآحاد.
بعض العلماء كابن الصلاح مثلًا قال: إن الحديث المتواتر عزيز؛ يعني نادر في السنة، لكن إذا نظرنا إلى الكتب التي جمعت الأحاديث المتواترة، نجدها كثيرة بعضها أكثر من مائتين حديث، لكن أيضًا في النهاية سيبقى أن الحديث الآحاد هو عمدة السنة، وهو الأغلب فيها، ولكن ليس التواتر نادرًا إلى الحد الذي عبر عنه بعضهم بأنه نادر جدًّا إلى درجة القلة الغريبة، لكن كما قلت هو موجود بإذن الله -﵎-.
وهناك بعض الكتب التي ألفها العلماء في الحديث المتواتر، ونحن نقولها تمامًا للفائدة، لمن أراد أن يقتني مرجعًا أو أكثر في مسألة الأحاديث المتواترة، هناك السيوطي له (الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة) ثم (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) وهذان الكتابان أشار إليهما الكتاني في (نظم المتناثر في الحديث المتواتر) لأبي الفيض جعفر بن الحسن الكتاني، وكتاب السيوطي موجود على كل حال.
[ ١٩٨ ]
وأيضًا (البرهان) الزركشي ألف قبل السيوطي كتابًا في الأحاديث المتواترة، أشار إليه السخاوي في (فتح المغيث) عندي (اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن علي بن طولون الحنفي الدمشقي الصالحي. وعندي أيضًا (لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) لأبي الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري.
الكتب موجودة كثيرة، مطبوعة، وهي اقتناؤها لا يكلف جهدًا، ولا حتى مالًا لأنها كلها تقع في مجلد واحد؛ يعني أقصد أي كتاب مؤلف في الأحاديث المتواترة، في الأعم الأغلب هو في جزء واحد، فاقتناؤه ليس صعبًا، ويعني من الأفضل أن يكون في مكتبة كل عالم من أهل العلم، لا أقول من الأفضل، بل لعله من الأوجب، وخصوصًا أهل العلم خاصة، ولأهل الحديث على وجه الخصوص أن يكون في مكتبتهم بعض الكتب، إن لم يكن كل الكتب المتعلقة بالأحاديث المتواترة.
وعادة أصحاب هذه الكتب يذكرون الحديث المتواتر، ويذكرون الأدلة على تواتره وذلك بذكر من رواه من الصحابة، وبعضهم يزيد فائدة مثل صاحب (لقط اللآلئ المتناثرة) فيقول مثلًا رواية أبي هريرة في البخاري، رواية أنس في الصحيحين، وهكذا، يعني يعطيني مزيدًا من الفائدة ببيان رواية كل صحابي، وأين توجد في كتب السنة.
عندنا أحاديث كثيرة، نذكر بعضها كأمثلة مثلًا، ذكرنا حديث «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» كمثال للمتواتر الذي فيه التواتر اللفظي والمعنوي معًا، وكثير من العلماء ذكره كمثال لهذا.
أيضًا «الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» وفي بعض الروايات «رؤيا المؤمن» هذا رواه عشرة من الصحابة: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر،
[ ١٩٩ ]
وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله، والعباس بن عبد المطلب، وسمرة بن جندب، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وعوف بن مالك الأشجعي. وقد رواه الشيخان رحمهما الله تعالى من طريق: أبي هريرة، وأنس، وابن عمر، وعباد، وغيرهم. وروايات بقية الصحابة موجودة في كتب السنن المختلفة.
«المرء مع من أحب» هذا حديث أيضًا أورده الكتاني في (نظم المتناثر) وبين أنه ورد عن خمسة عشر نفسًا من الصحابة منهم: جابر وابن مسعود وأنس وأبو ذر وأبو موسى الأشعري. «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا» هذا رواه زهاء خمسة عشر من الصحابة منهم: أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وابن الزبير، وابن مسعود وأبو هريرة، وعائشة، وأنس، وعبد الله بن عمرو. وقد أخرجه الشيخان من رواية: أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وابن مسعود وابن الزبير إلى آخره.
«من غشنا فليس منا» أيضًا هذا حديث متواتر، وفي رواية «من غش فليس منا» أحاديث التواتر أو المتواترة كثيرة، على كل حال، وأركز على مسألتين أو في قضية الحديث المتواتر مسألة ثبوت التواتر ومسألة الدرجة التي يفيدها التواتر من العلم.
حديث الآحاد: أقسامه، وشروطه
الآن أنتقل إلى حديث الآحاد:
حديث الآحاد، من ناحية اللغة الآحاد جمع أحد، والأحد بمعنى الواحد، وهذا النوع حديث الآحاد هو النوع الثاني لتقسيم الحديث باعتبار عدد رواته في كل حلقة، ذكرنا أن للعلماء تقسيمات متعددة للحديث باعتبارات متعددة، منها تقسيم الحديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة من حلقات الإسناد، وقلنا: التواتر والآحاد، وتكلمنا عن المتواتر.
الآحاد هو القسم الثاني من أقسام الحديث باعتبار عدد الرواة، وتعدد الطرق.
يعرفه العلماء في الاصطلاح فيقولون: "الآحاد هو ما فقد شرطًا من شروط التواتر" وأنا هنا يعني أشير إلى أهمية التعريف لمسألة مهمة، بعض العلماء يتصور أن حديث الآحاد معناه رواية واحد عن واحد من أول السند إلى منتهاه، هذا فهم
[ ٢٠٠ ]
غلط أو خطأ، أحاديث الآحاد فقد شرطًا من شروط التواتر، قد يوجد في حلقة عشرة، وفي حلقة تسعة، وفي حلقة خمسة مثلًا؛ لأنه فقد شرط وجود العدد في كل حلقة من حلقات الإسناد، فأصبح آحادًا، وليس متواترًا.
إذن هو آحاد لفقدانه شرطًا من شروط التواتر، وهذا هو تعريفه، الآحاد: ما فقد شرطًا من شروط التواتر. بعض العلماء يعرفه بتعريف آخر يقول: "ما لم يبلغ درجة التواتر". أنا في تقديري أن التعريفين قريبان، الخلاف بينهما ليس كبيرًا، ما فقد شرطًا من شروط التواتر، أو لم يبلغ درجة من درجة التواتر.
هذا الحديث الآحاد أيضًا باعتبار عدد رواته في كل حلقة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
المشهور، وهو اسم مفعول من قولك شهرت الأمر؛ أي إذا أظهرته وأعلنته. والشهرة في اللغة يعني هي ذيوع الشيء وانتشاره، وشهرته، وظهوره.
سمي الحديث المشهور بذلك بشهرته وانتشاره، بصرف النظر عن كونه صحيحًا أو غير صحيح؛ يعني إياك أن تظن حين يقال إن هذا الحديث مشهور، إنه بالضرورة صحيح إنما مشهور هنا بمعنى الشهرة اللغوية أي: أذيع أي ذاع وانتشر، وهو موجود على الألسنة.
أيضًا الحديث المشهور في الاصطلاح له تعريفات متعددة، لكن أقول: ما لم ينزل عدد الرواة فيه أو في أي حلقة من حلقاته عن ثلاثة، أشير مرة ثانية إلى أن الإسناد يتوفر من حلقات. نحن قلنا: إن الآحاد بشكل عام ما فقد شرطًا من شروط التواتر، قسموه إلى مشهور. المشهور لا يقل عدد الرواة في أي حلقة من حلقات الإسناد عن ثلاثة، بل قد يزيدون.
[ ٢٠١ ]
لكن لما وجد في حلقة واحدة ثلاثة إذن هو فقد شرط التواتر، ولو في حلقة واحدة، انتهى فخرج من باب التواتر إلى قسم الآحاد.
العزيز: هو مثل المشهور في أنه لا يقل العدد عن اثنين. المشهور لا يقل العدد في أي حلقة من حلقات الإسناد، هذه المماثلة؛ يعني العزيز أيضًا لا يقل العدد في أي حلقة من حلقات الإسناد عن اثنين.
نسيت أن أقول: ليس معنى المشهور لا يقل العدد عن ثلاثة في أي حلقة أن الإسناد سيسير ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة، نحن نقول: المطلوب ألا يقل العدد عن ثلاثة في أي حلقة، لكن قد يزيدون، لكنه لا ينقص عن ثلاثة؛ لأنه لو نقص عن ثلاثة سيخرج من باب المشهور إلى باب آخر، كأن يكون عزيزًا أو غريبًا.
إذن ليس شرطًا أن تكون الحلقات على نسق واحد في عدد الرواة، سواء بالنسبة للمشهور أو العزيز، كذلك نقول نفس الأمر بالنسبة للعزيز، العزيز لا يقل العدد في أي حلقة من حلقات الإسناد عن اثنين، وليس معنى ذلك أنه يسير في كل حلقاته برواية اثنين عن اثنين من أول السند إلى منتهاه، بل قد يكون في حلقة اثنان، وفي حلقة خمسة، وفي حلقة سبعة إلى آخره، لكنه لما فقد شرط التواتر خرج من كونه متواترًا إلى كونه آحادًا.
ننتبه إلى أن المشهور والعزيز يعني تقسيم باعتبار عدد الرواة، كلاهما يعتريه الحسن والضعف والصحة؛ يعني بمعنى معرفة هذا الأمر يترتب عليه نتيجة مهمة جدًّا، وهي أننا لا نروي حديثًا إلا إذا كنا متأكدين من صحته، إذا قيل عنه أنه مشهور، فليس ذلك دليلًا على صحته، وإذا قيل إنه عزيز، فليس ذلك دليل على صحته.
ونحن عندنا كتب في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، أي التي تجري على ألسنة الناس، هي مشهورة جدًّا، والناس يقولونها في مناسبات كثيرة، ولكنها قد تكون
[ ٢٠٢ ]
أحيانًا شديدة الضعف، مثلًا "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" هذا حديث مشهور جدًّا، يعني حتى أهل العلم يستعملونه أحيانا في كتبهم، وقد قرأناه في كثير من كتب العلم، لكن العلماء يقولون: إنه ليس صحيحًا.
مثلًا "أدبني ربي فأحسن تأديبي" إذا رجعنا إلى (المقاصد الحسنة) للسخاوي أو (كشف الخفا) أو (تمييز الطيب من الخبيث) أو أي كتاب في الأحاديث المشتهرة، سنجدهم قد نصوا على درجته، وأنه لم يصل إلى درجة الصحة، بل إن بعض هذه الأحاديث المشهورة قد يكون لا أصل لها، يعني لا نستطرد بذكر الأمثلة، أنا فقط أركز على نتيجة، وهي مهمة جدًّا، وهي أن أي حديث لا نرويه إلا بعد التأكد من صحته، لا نعتمد على استفاضته، ولا على شهرته، ولا على أن عالمًا من العلماء هو الذي قاله على المنبر أو وضعه في كتاب قد ألفه، إنما لا بد من الوقوف على درجة الحديث بالطرق المعروفة عند أهل الحديث في كيفية الحكم على الأحاديث، هذا هو السبيل للتأكد من صحة الأحاديث من عدمها.
أيضًا القسم الثالث من الحديث الآحاد: الحديث الغريب، والغرابة أنه قد وجد راو واحد، ولو في طبقة واحدة من طبقاته؛ يعني عندي مثلًا أوضح مثال لهذا حديث "إنما الأعمال بالنيات" العلماء يكادون يجمعون على أن هذا الحديث لم يرد من طريق صحيح، قد يكون ورد من طرق ضعيفة عن النبي -ﷺ- من غير طريق عمر بن الخطاب، لكن الطريق الذي أجمعوا على صحته هو طريق عمر -رضي الله تعالى عنه-.
وانفرد بروايته عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، وانفرد بروايته عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، وانفرد بروايته عن محمد بن إبراهيم التيمي يحيى بن سعيد الأنصاري، وبعد يحيى بن سعيد اشتهر وذاع، وانتشر لدرجة أنه قد شبه على بعض العلماء، فظنوا أنه متواتر؛ لأن بعض الروايات قد وصلت بالعدد الذي
[ ٢٠٣ ]
رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري وصل العدد إلى سبعمائة في بعض الروايات، أو إلى مائتي نفس، كما في بعض الروايات، وأشار إلى ذلك ابن حجر وهو يشرحه في أول أحاديث البخاري، وأشار إليه أيضًا في مقدمة (تهذيب التهذيب) وهو يتكلم عن الحاجة إلى استقصاء الشيوخ والتلاميذ في الرواية ونحو ذلك.
مهما يكن من أمر، فإن الغريب ما هو ما رواه راو واحد ولو في حلقة واحدة، وأنبه أيضًا إلى قضية مهمة، وهي أنه ليس معنى ذلك أن الآحاد أو أن الغريب بالذات يرويه واحد عن واحد عن واحد من أول السند إلى منتهاه، إنما معناه أنه قد نزل العدد ولو في حلقة واحدة إلى راو واحد، إنما قد يزيد ويكثر ويقل في بعض الحلقات.
مسائل مهمة قبل أن أنتقل إلى بعض الأمور الهامة أيضًا وبعض الشبهات، ما هي هذه المسائل المهمة؟ الغرابة ليست مرادفة للضعف، يعني ليس كل غريب ضعيفًا، وليس كل غريب صحيحًا، فهو يدرس كما يدرس المشهور، وكما يدرس العزيز، فإذا سلم لنا الإسناد، وسلم لنا المتن تأكدنا من صحته.
وأيضًا إذا وجدناه ضعيفًا، فهو ضعيف حتى لو كان مشهورًا على الألسنة كما ذكرنا.
المشهور الاصطلاحي: ما لا يقل العدد في روايته ولو في حلقة واحدة عن ثلاثة، لكن هناك شهرة لغوية، وهي أنه قد يستفيض على الألسنة، فليس معنى ذلك أنه صحيح.
إذن الغريب قد يكون صحيحًا، وقد يكون غير صحيح، ولذلك مثلًا لأن الترمذي -رحمه الله تعالى- في جامعه له عناية بالأحكام على الأحاديث كثيرًا ما نجده يقول: "هذا حديث صحيح غريب" أو "هذا حديث صحيح حسن غريب"
[ ٢٠٤ ]
موجود هذا عند الترمذي كثيرًا، فجمع في الوصف بين الغرابة وبين الصحة والحسن للدلالة على أن الغرابة لا تتعارض مع الصحة أو الحسن.
وأيضًا من الناحية الأخرى علماؤنا -رحمهم الله تعالى ورضي عنهم- لم يستحبوا تتبع الغرائب، هناك ولع عند بعض العلماء بتتبع الغرائب باعتباره قد يكون انفرادًا علميًّا أنك جمعت هذا الحديث لم يرد إلا من طريق هذا الراوي، وهذا الحديث لم يرد إلا من رواية الشاميين، سواء كانت الغرابة بالنسبة لبلد أو بالنسبة لشيخ معين، كغرائب الترمذي، غرائب مالك مثلًا؛ أي التي انفرد بها مالك، إلى آخره؛ لأن هذا الانفراد قد يوقع في الخطأ، فانظروا إلى دقة المحدثين، الأمر بين خطين مهمين جدًّا، لا ينبغي أن يكون هناك ولع بتتبع الغرائب، وفي نفس الوقت لا نرفض الحديث لأنه غريب، فقد يكون صحيحًا، ومعيار الصحة وغيرها هذا أمر له شروطه، وله دراسته عند العلماء.
أيضًا من الأمور التي تتعلق بالأحاديث الصحيحة أو الآحاد بأقسامه الثلاثة: المشهور، أو العزيز، أو الغريب. قلت: إن الأنواع الثلاثة تعتريها الصحة والحسن والضعف، وهذا يعني يجعل مسئولية أهل العلم خطيرة، بمعنى أنهم لا يجب أن يرووا الحديث بدون بيان درجته اعتمادًا على أي أمر آخر، إنما نقول: إنه لا بد للعالم أن يروي الحديث مقرونًا ببيان درجته، خصوصًا إذا كان هذا العالم من الذين لهم مكانة عند الناس، أو من الذين ينتشر علمهم في التلفاز في الفضائيات، له كتب مشهورة الناس تقرؤها مثلًا، لا بد من العناية جدًّا بالأحاديث التي يرويها.
أيضًا أطمئن المستمع الكريم، وأطمئن كل المسلمين على أنه يندر جدًّا أن تجد حديثًا في السنة له طريق واحد، هناك غرائب نعم، لكنها قليلة، ما فائدة هذه الملحوظة؟ مهمة جدًّا، بل أنا أعتبرها أنها من وسائل صيانة الله تعالى للسنة، كيف ذلك؟
[ ٢٠٥ ]
بمعنى أنني لا أجد حديثًا في الأعم الأغلب إلا وقد ورد عن أكثر من واحد، بمعنى مثلًا أنه قد سمعه من النبي -ﷺ- أكثر من صحابة، قد لا يصل للتواتر نعم، لكن لم ينفرد بسماعه صحابي واحد مثلًا، هذا الصحابي رواه عنه بعض الناس، قد لا يصل إلى التواتر أيضًا، لكنه لم ينفرد بعنه واحد.
قضية الانفراد هذه قضية قليلة نادرة، موجودة نعم، وقلت: إن العلماء لم يستحبوا تتبع الغرائب خوفًا من الوقوع في الخطأ، ولكن أنا أطمئن كما قلت، يعني أنت حين تطمئن إلى أنه قل أن يوجد حديث إلا وقد ورد من أكثر من طريق، إذن هذا يزيدنا اطمئنانا، نعم النبي -ﷺ- قاله، بدليل أن أبا هريرة وأنس مثلًا، ومعه ثالث أو رابع سمعوه، إذن لم ينفرد برواية واحد فلان، رغم أن أي انفراد الصحابي بالذات، الصحابة كلهم عدول ثقات لا مشكلة في ذلك، وأيضًا هذا الصحابي له تلاميذ، لم ينفرد تلميذ واحد بالرواية عن هذا الشيخ عن هذا الصحابي، وهكذا في كل الحلقات.
مما يطمئننا على أن تعدد الطرق كان واحدًا من الأمور التي حفظ الله تعالى بها سنة نبيه -ﷺ- بل إن سلفنا الصالح -﵃- ومنهم الصحابة علمونا أن نحاول أن نستزيد من طرق الحديث حتى لا يضيع، وهذا كان على رأس الأسباب التي جعلت أبا أيوب الأنصاري -رحمه الله تعالى، ورضي عنه- وجابر بن عبد الله كل منهما يرحل في طلب حديث واحد لمسافات كبيرة بعد كبر سنهما.
أبو أيوب رحل إلى مصر في طلب حديث لعقبة بن عامر، وجابر رحل في طلب حديث إلى عبد الله بن أنيس في الشام، كان أبو أيوب يقول لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك. خافوا على الحديث أن يضيع، خصوصًا إذا انتهى جيل الصحابة، فأرادوا أن يؤدوا الأمانة كما حملوها.
والمهم أقول في النهاية: إن تعدد الطرق كان من توفيق الله تعالى لهذه الأمة، وهو أحد
[ ٢٠٦ ]
الوسائل التي نستعين بها على إثبات أن الحديث له طرق متعددة. إذن، فهو إن شاء الله يعني نطمئن إلى صحته، خصوصًا بعد دراسة الإسناد، وبعد دراسة المتن معًا.
هذه المسائل التي تتعلق بالآحاد وأقسامه، وأنا أعلم أنه يدرس بتفصيل أعمق من ذلك في مادة المصطلح، وفي غيره من المواد، لكن أنا أشير إلى هذا في عجالة نظرًا لأنني سأحتاج إلى بعض المعارف التي ذكرتها، وأنا أتكلم عن الحديث المتواتر، وعن دلالته وعن أهميته، وأيضًا عن حديث الآحاد، وهو الأهم، وعن الرد على الشبه التي أثارها المغرضون تجاه حديث الآحاد.
قلت: إنهم لم يحبوا تتبع الغريب، فمثلًا السيوطي في (تدريب الراوي) يقول نقلًا عن الإمام أحمد: "لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء" وقال مالك: "شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس" وهذا ما جعلني أقول: إنه بحمد من الله وتوفيقه قل أن تجد حديثًا ليس له إلا طريق واحد، وعلماؤنا لهم قواعد تكتب بماء الذهب في هذا، لا أريد أن أستطرد إليها، ويكفي أنني لفت النظر إليها الآن للدارسين لينتبهوا، وليطمئنوا إلى أن السنة سارت كما قلت مرارًا في طريق من الصيانة والحفظ والرعاية والعناية، منذ قالها رسول الله -ﷺ- إلى أن وضعت في بطون الكتب المهمة التي نعتمد عليها الآن، وهي الكتب الستة وغيرها من مصادرنا في السنة المطهرة.
ابن عدي أيضًا يروي عن أبي يوسف يقول: "من طلب الدين بالعلم تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب" يعني لماذا كذب؟ هو لا يتعمد الكذب؛ لأن تعمد الكذب هذه يعني مشكلة، إنما المقصود هذا الحديث قد لا يكون ورد إلا من هذا الطريق الضعيف، فإصرارك على تحمله وروايته قد يعرضك لأن تروي الضعيف الذي قد يشتد ضعفه، فيقترب من الكذب، فالمهم أنك تكون مع الأحاديث التي وردت من طرق متعددة.
ومرة أخرى أؤكد أنه ليس معنى ذلك أن كل غريب ضعيف. قلنا إن هناك غرائب، ثبتت صحتها، درسنا إسنادها ودرسنا متنها في ضوء القواعد المقررة لدراسة الإسناد، ولدراسة المتن، فلم نجد غرابة في هذا أو لم نجد يعني بعدًا في صحته بالمقاييس العلمية المعتمدة عند أهل العلم بإذن الله -﵎-.
[ ٢٠٧ ]
طرقت مسائل مثلًا المشهور عند الأحناف مثلًا، المشهور قسم من أقسام الحديث يعني هو قسيم للآحاد، وليس قسمًا منه، الأحناف يقسمون الأحاديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة إلى أقسام ثلاثة: إلى المتواتر، وإلى المشهور، وإلى الآحاد.
هذا تقسيم خاص بالأحناف، كما قلت الوقوف عند هذه التفاصيل يخرجنا عن موضوعنا الذي نحن بصدده، وألفت النظر إليها لمن أراد أن يتتبعها في كتب المصطلح.
وأيضًا المشهور هناك مشهور على ألسنة النحاة، وهناك مشهور على ألسنة المحدثين، وهناك مشهور عند الفقهاء مثل حديث "أبغض الحلال عند الله الطلاق" مثلًا وهناك حديث عند النحاة يستدلون به على قضية نحوية، وإن كانوا لا يعتنون كثيرة بدرجته عند المحدثين مثلًا "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" السيوطي في (تدريب الراوي) نقل عن العراقي وغيره أنه لا أصل له، ولا يوجد بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث، وهذا في (تدريب الراوي) في جزء ٢ ص ١٧٥.
يعني هذا مثال للمشهور عند أهل تخصص معين، لكنه حتى ليس ضعيفًا فحسب، بل هو لا أصل له.
أيضًا هناك مشهور على ألسنة العامة مثلًا «من دل على خير فله أجر فاعله» ومثل «مداراة الناس صدقة» يعني بعضها أهل العلم صححوه أو حسنوه «المستشار مؤتمن» مثلًا حسنه الترمذي، وهذا مشهور على ألسنة العوام "اختلاف أمتي رحمة" هو ضعيف، "نية المرء خير من عمله" ضعيف، "الخير عادة" ضعيف، "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" ضعيف، إلى آخره هي أيضًا مشهورة على ألسنة العامة يستعملونها في مناسبات كثيرة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٠٨ ]