[ ٢٠٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي عشر
(حديث الآحاد (٢»
الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ثم أما بعد.
فالمسألة الأولى من المسائل المتعلقة بالآحاد: أن نتساءل عن الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم: ما هي الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم؟
وكتوضيح لهذا قلت في الدرس السابق: إن الخبر المتواتر الذي ثبت تواتره يفيد العلم القطعي الضروري يعني علم متلقيه علم متيقن به سواء كان حديثًا أو غيره، كما قلت: وأيضًا هذا معنى قولنا: علم قطعي أو يقيني، ومعنى قولنا: علم ضروري هو أننا لا نحتاج إلى أدلة بعد ثبوت التواتر يعني: إذا كان الخبر الذي سنقوله تأكدنا من أنه خبر متواتر لا يصح بعد ذلك أن نبحث عن أدلة نؤيد بها صدق هذا الخبر، فمتى ثبت تواتره أصبح مقطوعًا به، هذا معنى قول أهل العلم: أنه مقطوع به يفيد العلم القطعي أو العلم اليقيني الضروري.
مثلا نقول أمريكا موجودة على خريطة العالم هل استدل أحد على وجودها؟ لكن تواتر الأخبار: فعلت أمريكا، قالت: أمريكا جعل السامعين قد تيقنوا بصدق هذا الخبر أي: بصدق وجودها على الخريطة، هذا مجرد مثال من الحياة العامة التي نعيشها جميعًا لا نحتاج بعد ذلك إلى إثبات أو إلى أدلة تثبت أن أمريكا أو غير أمريكا موجودة على خريطة العالم أو على خريطة الكرة الأرضية.
إذن الخبر المتواتر أصبح يفيد العلم الضروري الذي يستقر في النفس مثل البدهيات، لا يمكن دفعه عن النفس كما أنه لا يحتاج إلى أدلة تثبته أو إلى براهين تؤكده، وأيضًا لا يحتمل الخلاف حوله، كمثل الخلاف الذي يجري في النظريات لا!
[ ٢١١ ]
النظريات: عمر الأرض كم سنة؟ نظريات ليس عندي قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الكهف: ٥١) يقولون كما يقولون، ويعتمدون على حفريات وهناك إذن العلم الضروري يستقر في النفس مثل البدهيات لا يمكن دفعه عنها، لا يحتاج إلى أدلة تثبته بعد أن تأكدنا منه لا يحتمل الخلاف حوله، والخلاف حوله أو النقاش حوله هو نقاش في البدهيات، والنقاش في البدهيات من أتعس ما يمكن أن تقع فيه العقول الشاعر يقول:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
لو أن النهار يحتاج إلى دليل أمر غريب يعني: أنا الآن فعلا أسجل هذه الحلقات نهارًا في الوقت الذي أتكلم فيه نحن بالنهار، كيف أثبت أننا بالنهار؟ إذا ذهبت أستدل على أننا بالنهار سأزيد الأمر تعقيدًا؛ لأن هذا أمر بدهي ثابت بالمشاهدة، كذلك الخبر المتواتر لا يحتاج إلى أدلة فنتيجته قطعية.
وأنا أشرت أيضًا إلى أن العلم القطعي اليقيني نصل إليه بوسائل متعددة قلنا: منها المشاهدة، وقلنا: منها البداهة، وقلنا منها الفطرة، يعني الطفل الصغير يعرف أمه وأباه من وسط العشرات، هذه فطرة فطر الله الناس عليها لم يقم أحد الأدلة على أن هذا أبوك أو أن هذه أمك إنما هو يعرفها، ويندفع نحوها ويرتمي في حضنها، وهي في وسط عشرات السيدات أو أيًا كان العدد هذا أمر فطري وهكذا.
هذه أمثلة للعلم القطعي إذن التواتر يفيد العلم القطعي الضروري، وعندي أيضًا من الفروق بين العلم الضروري والعلم النظري أنا قلت: - فيما قلت - إننا ممكن أن نصل إلى العلم القطعي أو إلى درجة اليقين عن طريق النظر والاستدلال، وضربت مثالا لهذا بنظريات الهندسة، وقلت: إنها خير مثال لقواعد كانت مجرد نظريات احتمالية لما استدل عليها أصبحت أمورًا قطعية، لكننا لم نصل إلى هذا القطع إلا بعد النظر والاستدلال بعكس التواتر كما قلت.
[ ٢١٢ ]
من الفروق بين العلم النظري والعلم الضروري أي: العلم القطعي المستفاد من الضرورة الذي هو التواتر، أو العلم النظري القطعي الذي جاء بعد نظر واستدلال أن العلم الضروري يقع اليقين به لكل سامع له سواء كان عالمًا أو غير عالم.
أما العلم النظري، فلا يقع القطع به إلا لمن عنده أهمية النظر، لمن يدرك هذا الكلام يعني المثال الذي ضربناه مثلا: المثلث المتساوي الزوايا متساوي الأضلاع، الرجل الفلاح في الحقل، أو العامل في المصنع لا تعنيه مسألة لا من قريب، ولا من بعيد، ولا نستطيع أن نقيم عليه الحجة في أن هذا أمر مقطوع به؛ لأن الأدلة قد قامت عليه.
نعم هو يفيد القطع لكن بالنسبة لمن عنده أهمية القطع بهذا الأمر، أما من ليست لهم أهلية القطع فهو ليس حجة عليهم؛ لأن هذه الأمور لا يهتم بها إلا المتخصصون، ويأخذون هذه النظريات بعد إثباتها بالطرق العلمية؛ لتطبيقها في أمور علمية مختلفة، ينتفعون بها في أمور حياتهم.
هناك أيضًا من أنكر الذي نقوله، مثلا في إثبات التواتر أو في إفادة التواتر، ونحن لم نقف عليه حتى لم أشر إليه؛ لأن ماذا نفعل إذا وصل بنا الأمر إلى الجدال في البدهيات، مرة أخرى أقول:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
على كل ووصلنا الآن إلى التساؤل عن الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم.
خبر الآحاد لكي أستعيد المسألة في ذهني، وفي ذهن المتلقي الكريم قلت: إن المتواتر يفيد العلم الضروري، طيب الآحاد ماذا يفيد، وبصيغة أخرى لأعرف الهدف من وراء هذا النقاش هل أقطع بصدق نسبة الحديث الآحاد إلى النبي -ﷺ- هل أتيقن مائة بالمائة أن النبي -ﷺ- قاله أم يغلب على ظني؟
وهنا أقول إن الظن درجة من درجات العلم، أنا عندي ظن بمعنى الوهم،
[ ٢١٣ ]
وهذا أيضًا أمر سأحتاج وأنا أرد على الشبهات المثارة حول خبر الآحاد يعني مثلا أجد في القرآن الكريم ذمًا للظن ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: ٢٦ - ٢٨) بعض العلماء يقول مثلا: الظن هنا يعني مذموم، لكن الظن عند الأصوليين درجة من درجات العلم.
تعددت تعبيراتهم في تعريف الظن، الظن هو: غلب أحد القولين أو أحد الرأيين، هو القول بالرأي الراجح، لكن هو درجة من درجات العلم مثلا محمد سافر هذه قضية ما درجة علمي بها؟ هل أنا قطعت بها؟ قطعت بها عن طريق الطرق التي أشرت إلى بعضها في تحقيق العلم القطعي هل رأيته وهو يسافر؟ فيكون الأمر ثبت لدي بالمشاهدة.
هل أخبرني جمع أثق في صدقهم بسفره؟ فيكون الخبر وصل إلي بالتواتر إلى آخره، لكن في النهاية محمد سافر خلاص أصبحت قضية يقينية أو أنه يغلب على ظني أن محمدًا سافر؛ لأن واحدًا فقط هو الذي أخبرني، ولأنني لا أجد محمدًا الآن في قاعات الدرس، ولأنه قد هاتفني، يعني مثلا بعض القرائن التي ترجح أنه سافر، فدرجة علمي بسفر محمد يقينية مقطوع بها، أم أنها يغلب على ظني؟ هذا معنى الظن الأخذ بالقول الراجح أو ترجيح أحد الاحتمالين في المسألة، عندي احتمالان سافر أو لم يسافر غلب أحد الاحتمالين على الآخر، أصبحت المسألة ظنية، فإذا نقلت هذه الأمور إلى الخبر الآحاد، فهل أقطع بأن النبي -ﷺ- قاله أو يغلب على ظني أن النبي -ﷺ- قاله؟.
هناك باختصار شديد فريقان في هذه المسألة، كثير من العلماء، وأغلبهم من الأصوليين، ومعهم أيضًا بعض
[ ٢١٤ ]
المحدثين كالإمام النووي يقول: "إن خبر الآحاد يفيد الظن، يعني يغلب على ظننا أن النبي -ﷺ- قاله، ولا نقطع بذلك لاحتمال وقوع الخطأ من أحد الرواة؛ لأن عدد الرواة لم يصل إلى درجة التواتر".
تكاد تكون حجة هذا الفريق الوحيدة أن احتمال الخطأ من أحد الرواة في نقل الحديث احتمال وارد، وهذا يجعلنا لا نصل إلى درجة القطع، إذن ما هو دليلهم؟ دليلهم فقط أنه قد يقع بعض الرواة في الخطأ.
في حدود قراءتي لم أجد أدلة شديدة لهم في هذا الأمر، ثم يجمعون بعد ذلك الأدلة التي وردت في ذم الظن سواء من الحديث «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» إلى آخره، ومثل الآية التي أشرت إليه، وسأرد على ذلك - إن شاء الله ﵎ بما رد به العلماء حين الكلام أو حين نتكلم عن الشبه، لكن الآن يعني دعوني أقصر كلامي على توضيح الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم، قلت: إن هناك فريقًا من العلماء يرى أنه يفيد الظن، ما معنى أنه يفيد الظن؟ يعني يغلب على ظننا أن رسول الله -ﷺ- قال هذا الحديث ولا نقطع بأنه قاله.
الفريق الثاني: مستند الفريق الأول قلت اعتمادًا على أن الخطأ وارد من بعض الرواة، وما دام أن الخبر لم يصل إلى التواتر، فأنا لا أطمئن بنسبة مائة في المائة إلى أن الحديث قد قاله النبي -ﷺ-، مع ملاحظة أمر مهم سأنتقل إليه بعد قليل.
القضية التي نناقشها الآن وهي قضية ماذا يفيد خبر الآحاد غير قضية وجوب العمل به؟ هذه مسألة وهذه مسألة، إنما نتكلم عن درجة نسبة الحديث للنبي -ﷺ-.
الفريق الآخر منهم كثيرون جدا من القدامى ومن المحدثين، الإمام الشافعي في الرسالة له فصل ممتع في تطبيق خبر الحجة، وأنا سأعتمد عليه مع غيره في رد الشبهة التي أثاروها، ويعني -سبحان الله- في غاية العظمة في هذا الكتاب، ابن حزم في (الأحكام) وغيرهم كثير من المحدثين: الشيخ أحمد شاكر، الشيخ ناصر الألباني، الشيخ عبد الله الجبريل غيرهم كثير قطعوا بأن حديث الآحاد يفيد العلم لكنه العلم النظري، وهذا ما جعلني ألح على قضية العلم النظري، وكيف يثبت واستدللت بنظرية الهندسة، يعني -وفقًا لهذا الفريق- نحن نقطع بأن النبي -ﷺ- قاله لكن بعد نظر واستدلال.
[ ٢١٥ ]
ما هو النظر والاستدلال المقصودان في هذا الأمر، النظر والاستدلال المتعلقان بدراسة الإسناد ودراسة المتن يعني هذا الفريق يقول: نحن درسنا الإسناد في ضوء القواعد المقررة عند أهل العلم، وتأكدنا من توفر الشروط التي تفيد صحة الإسناد من اتصال السند، ومن عدالة الرواة، ومن ضبط الرواة، ومن خلو الحديث من الشذوذ، ومن العلة القادحة، ونظرنا ودرسنا المتن في ضوء القواعد المقررة في دراسة المتن فلماذا لا نقطع بأن يعني سلم من الركاكة، سلم من الضعف، سلم من مخالفة الأصول يعني سلم من أي علة قد تقدح فيه، فلماذا لا نقطع بأن النبي -ﷺ- قاله، هذا الفريق يقول ذلك، إذن نحن نتأكد أن النبي -ﷺ- قد قاله بعد أن نظرنا في السند وفي المتن في ضوء القواعد المقررة عند العلماء؟.
هذا الكلام كما قلت هو أشبه بالنظريات الهندسية التي ضربتها مثالا لذلك، نحن درسنا النظرية الهندسية، وأقمنا عليها الأدلة والبراهين إذن أصبحت بعد ذلك مسألة يقينية لا نماري فيها، كذلك هذا يقوله العلماء بالنسبة لحديث الآحاد.
إذن الدراسة النظرية التي يقصدونها، والتي أوصلتهم إلى مسألة القطع واليقين بأن النبي -ﷺ- قد قاله إنما جاءت من دراسة الإسناد، ومن دراسة المتن معًا ثم اطمئنانهم بعد هذه الدراسة إلى صدق الحديث، وبالتالي ما الذي يجعلنا نخاف أن نقول: إن النبي -ﷺ- قد قال هذا الحديث، هذا الفريق من العلماء الذين قالوا بإفادة خبر الآحاد للعلم النظري تعددت آراؤهم داخل هذا الرأي كيف؟
هناك من قال: إن خبر الآحاد مقطوع بصحته، وبصدق نسبته للنبي -ﷺ- لكن ذلك مقصور على أحاديث الصحيحين فقط، يعني نحن نقطع بمضمون الأحاديث أو بصدق الأحاديث وبصحة نسبتها للنبي -ﷺ- التي في الصحيحين، وممن تبنى هذا الرأي ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- في مقدمته، ودافع عن ذلك دفاعًا
[ ٢١٦ ]
شديدًا في المقدمة حيث يقول ﵀: "وهذا القسم - يقصد ما اتفق عليه البخاري ومسلم - مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري -كلمة اليقيني يعني مقطوع به، والنظري بعد النظر والاستدلال- خلافًا والعلم اليقيني النظري واقع به خلافًا لقول لمن نفى ذلك محتجًا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول؛ لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ.
يقول ابن الصلاح -رحمه الله تعالى-:"وقد كنت أميل إلى هذا الرأي، وأحسبه قويًا -أي: إفادته للظن يعني- ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبتنى على الاجتهاد حجة مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة. أنا لا زلت مع كلام ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- وهذه نكتة نفيسة نافعة، ومن فوائدها القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض النقاد من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن".
إذن ابن الصلاح يرى أن خبر الآحاد يفيد القطع بصدق نسبته إلى النبي -ﷺ- غير أنه يقصر ذلك على الصحيحين، وحجته في ذلك واضحة، وهو أن الصحيحين قد أجمعت الأمة على تلقيهما بالقبول، ولذلك هو يضيف نفائس أخرى خلال معالجته لهذه القضية يقول: "إن الأمة في إجماعها معصومة من الخطأ" ويقول: "لهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعًا به -ليس الإجماع المبني على الأدلة فقط إنما الاجتهاد أي: كان هذا الإجماع مقطوعا به- وأكثر إجماعات العلماء كذلك وقال: وهذه نكتة نفيسة نافعة".
[ ٢١٧ ]
أيًا ما كان الأمر فإن ابن الصلاح ومن شايعه يرون أن أحاديث الصحيحين الآحاد منهما تفيد القطع، ونقطع بصحة نسبتها للنبي -ﷺ- وهو يستثني من ذلك الأحرف اليسيرة التي انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره لا تنطبق عليها هذه القاعدة، وهذه الأحاديث معروفة عند أهل السنة، هذا كلام ابن الصلاح -رحمه الله تعالى.
أيضًا هناك رأي آخر ينضم إلى أحاديث الصحيحين أي حديث يعني: احتفت به قرائن أكسبته مزيدًا من القوة يعني ما الذي جعل ابن الصلاح يقول ذلك عن أحاديث الصحيحين؟ أن الأمة أجمعت على تلقيهما بالقبول، وأصبحنا جميعًا متأكدين من أن كل حديث في الصحيحين صحيح من أحاديث الأصول التي لم يتكلم عليها النقاد مثل الدارقطني وغيره، خلاص انتهت المسألة، وأصبحت غير قابلة للنقاش ولا مفتوحة ولا موضوعة على طاولة الجدال، هل نلحق بأحاديث الصحيحين كل حديث فيه بعض القرائن التي أكسبته مزيدًا من القوة؟ يعني ليس شرطًا أن يكون في الصحيحين، لكن كما أن روايته في الصحيحين كانت قرينة ساعدت على قطعنا بصحته، وبصدق نسبته للنبي -ﷺ- اعتمادًا على أن الأمة تلقت الصحيحين بالقبول كذلك نلحق بهما كل حديث فيه قرائن كما قلت تكسبه مزيدًا من القوة مثل مثلا أن يكون مسلسلا بالأئمة الفضلاء، الأئمة الأجلاء.
مثل حديث مثلا يرويه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أو أن يكون هذا الحديث ممن وردت به آيات كثيرة، وأدلة قاطعة في القرآن والسنة قد التقت معه مثل: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه»، مثل حديث تحريم الربا فمقطوع به؛ لأن النبي -ﷺ-؛ لأن القرآن الكريم قطع بحرمة الربا ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥).
[ ٢١٨ ]
إذن الفريق الآخر، ومنهم ابن حجر -رحمه الله تعالى- في كتبه يلحق بالصحيحين الأحاديث التي احتفت بها قرائن.
الخبر المحتف بالقرائن أنواع: منها مثلا ما أخرجه الشيخان في الصحيحين مما لم يبلغ التواتر هذا القرائن التي احتفت به جلالة الشيخين في علم الحديث، تلقي الأمة لكتابيهما بالقبول إلى آخره، هذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم.
أيضًا منها المشهور إذا كانت له طرق سالمة من ضعف الرواة ومن العلل، يعني أحاديث مشهورة على المعنى الذي قلناه في الصورة، وتعددت طرقه، فهذا أيضًا يكسبه مزيدًا من القوة، فنقطع بأن النبي -ﷺ- قاله.
ومنها أيضًا المسلسل بالأئمة الأعلام الأجلاء الحفاظ المتقنين مثلا الحديث الذي يرويه الإمام أحمد، وقد يشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه في غيره وعن مالك، ويشاركه في غيره، هذا النوع من الأحاديث يفيد العلم عند سامعه، والقرائن التي احتفت به هي جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير، وأي واحد له أدنى ممارسة بالنظر أو بالعلم بمعرفة أحوال الرواة يتأكد من سلامة هذه النتائج.
مثلا حين أقول: حديث رواه سفيان بن عيينة مثلا عن عبد الله بن دينار، سفيان، وعبد الله جبلان من جبال الحفظ حين مثلا يروي سفيان بن عيينة عن الزهري مثلا عن ابن عمر مثلا أيضًا ماذا نقول في هؤلاء الأعلام؟ هؤلاء أئمة أجلاء أجمعت الأمة على مكانتهم السامقة العالية في عالم الرواية، وأنهم من كبار وفحول ثقات الرواة.
والمهم أنه متى احتفت بالخبر قرائن أكسبته مزيدا من القوة قطعنا بصدق نسبته للنبي -ﷺ- هذا الرأي لفريق من العلماء منهم: ابن حجر، وهذا زاد على ابن الصلاح،
[ ٢١٩ ]
ابن الصلاح قصر المسألة على أحاديث الصحيحين، وزاد ابن حجر أحاديث أخرى غير أحاديث الصحيحين، لكن فيها قرائن احتفت بها أكسبتها مزيدا من القوة.
هناك فريق ثالث يقول: ولماذا أقصر إفادة الآحاد للقطع على أحاديث الصحيحين فقط؟ أو على الأحاديث التي احتفت بها القرائن تكسبها مزيدا من القوة؟ لماذا لا أقول إن كل حديث آحاد ثبتت صحته فهو مقطوع بصحة نسبته للنبي -ﷺ- أنت من الممكن أن تجادلني في إثبات الصحة ذاتها تقول: هذا ليس صحيحًا، وأدلتي على كذا كذا على عدم الصحة كذا وكذا لكن دعنا نتفق أنه إذا ثبتت صحته بالمقاييس المعروفة عند أهل العلم، وأنا قلت -مرارًا-: أن هذا هو النظر والاستدلال الذي أدى بنا إلى الاطمئنان إلى صدق الخبر، أنا درست -كما قلت- الإسناد، وتأكدت من صحته، ودرست المتن فما الذي يجعلني أتردد في القطع بصحة نسبة هذا الحديث للنبي -ﷺ- وأقصر ذلك على أحاديث الصحيحين فقط أو أقصر ذلك على الأحاديث الأخرى التي احتفت بها قرائن، وتعصب لهذا الأمر جدا ابن حزم، وأيده من المحدثين كثير كما قلت: الشيخ شاكر، والشيخ أحمد، والشيخ الألباني وغيرهم ﵃ أجمعين ورحمهم أجمعين.
وأنا بكل تواضع أقول: إنني مع هذا الرأي فعلا لماذا أخاف؟ يعني: حديث درسناه، وتأكدنا من صحته - كما قلت - سندًا ومتنًا كررت ذلك مرارا ماذا نقول؟ نخاف لماذا نخاف؟ تريد أن تقول إنه ليس صحيحا لا تعتمد على التواتر والآحاد إنما أقم أدلة لعلل في الإسناد أو لعلل في المتن، هذا هو الكلام العلمي أن تثبت أن السند به علة أو أن المتن به علة يعني نتناقش في هذا الأمر، ونأخذ ونرد ونقبل أو لا نقبل، لكن أن يكون الأمر سالمًا من العلل في الإسناد والمتن، ثم تجادلني تحت وطأة، أو
[ ٢٢٠ ]
تحت دعوى أن مجرد احتمال الخطأ من الرواة نحن تأكدنا أنهم ثقات، وتأكدنا من سلامة الحديث متنًا وسندا نقطع بصحته، إذن أنا عندي الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم، عندي فيها رأيان رئيسان:
الرأي الأول: بأن حديث الآحاد يفيد الظن، وممن تبنى هذا الرأي من المحدثين الإمام النووي - رحمه الله تعالى - يقول: يعني لا يرتضي رأي ابن الصلاح حتى في مجرد قصر الآحاد أو القطع بصحة الآحاد على الصحيحين، يقول النووي: لأن ذلك شأن الآحاد أي: إفادته للظن ولا فرق في ذلك بين الشيخين وغيرهما، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقف على النظر فيه بخلاف غيرهما، فلا يعمل به حتى ينظر فيه، ويوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع بأنه كلام النبي -ﷺ- وقد اشتد إنكار ابن برهان على من قال بما قاله الشيخ -يقصد ابن الصلاح- وبالغ في تغليظه، وكذلك ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول، هذا كلام النووي في (التقريب) الذي شرحه السيوطي في التدريب، وهو موجود في (تدريب الراوي) في جزء ١ ص٢٣٢؛ لأن النووي -﵀ كما نعلم جميعًا- اختصر مقدمة ابن الصلاح في (التقريب) والسيوطي شرح اختصار النووي في كتابه المشهور: (تدريب الراوي شرح تقريب النووي) هذا اسم الكتاب.
إذن ابن الصلاح، الإمام النووي، ومعهم مدرسة كثيرة هو ذكر بعضهم مثلا: العز بن عبد السلام، وابن برهان يقولون: "إن الأحاديث الآحاد يفيد الظن" أي: نظن أو يغلب على ظننا أو يترجح لدينا أن النبي -ﷺ- قاله لكننا لا نقطع، أما الموافقون لابن الصلاح كما قلت كثير.
أيضًا السيوطي يذكر في (تدريب الراوي) عن البلقيني تأييده لابن الصلاح،
[ ٢٢١ ]
ويقول نقلا عن البلقيني ما قاله النووي، وابن عبد السلام، ومن تبعهما ممنوع، يعني لا يرضى بأنه يعني بأن أحاديث الصحيحين تفيد الظن، ولا تفيد القطع.
يعني السيوطي نقل آراء كثيرة في مساندة ابن الصلاح، ويقول في ذلك، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية كأبي إسحاق، وأبي حامد الإسفراييني، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السرخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وأبي علي، وابن أبي الخطاب، وابن الزاغوني من الحنابلة، وابن فورك، وأكثر الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة بل بالغ ابن طاهر المقدسي، فألحق به ما كان على شرطهما، وإن لم يخرجاه يعني هؤلاء العلماء يؤيدون ابن الصلاح، بل إن بعضهم لم يقصر الأمر على أحاديث الصحيحين فقط، بل ألحق بهما ما كان على شرطهما حتى وإن لم يخرجاه.
وابن كثير أيضًا في اختصاره لـ (الباعث الحثيث) حيث يقول: وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه، والله أعلم -لا يزال كلام ابن كثير موجودا- ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وابن حامد، وأبو يعلى بن الفراء أبو الخطاب، وابن الزعفراني من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية قال: وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشاعرة، وغيرهم قال: "وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة، وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطًا، فوافق عليه الأئمة".
إذن بعد هذه النقول يتبين لنا أن أهل الحديث قاطبة، وكثيرًا من السلف يقولون على الأقل بما قاله ابن الصلاح من قصر ذلك على حديث الصحيحين، ثم
[ ٢٢٢ ]
قلت: جاء ابن حجر، وأفاد بأن خبر الآحاد التي التفت به قرائن أكسبته مزيدا من القوة أيضًا، تلتحق بأحاديث الصحيحين مثل: الحديث المسلسل، والمشهور من طرق متعددة إلى آخره، وجاء المتأخرون.
وكما قلت يؤيدون ذلك بأن ليس الأمر مقصور على الصحيحين فقط، أو على ما حتى الذي يحتفظ بقرائن، فنجد الشيخ شاكر مثلا يقول: "والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم، ومن قال بقوله من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي سواء كان في أحد الصحيحين أم في غيرهما، وهذا العلم اليقيني نظري برهاني لا يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل، وأكاد أوقن أنه هو مذهب من نقل عنه البلقيني ممن سبق ذكرهم، وأنهم لم يريدوا بقولهم ما أراد ابن الصلاح من تخصيص أحاديث الصحيحين بذلك، وهذا العلم اليقيني يبدو ظاهرًا لكل من تبحر في علم من العلوم، وتيقنت نفسه بنظريته، واطمأن قلبه إليها، أو ودع عنك تفريق المتكلمين في اصطلاحاتهم بين العلم والظن، فإنما يريدون بهما معنى آخر غير ما نريد، هذا كلام الشيخ شاكر عليه -رحمة الله- في (الباعث الحثيث) عند الكلام عن الحديث الصحيح في ص ٣٧، ونحن سننقل أيضا مزيدا من أقوال العلماء في هذه المسألة عند ردنا على بعض الشبه التي أثارها الأعداء أو من أثارها ضد السنة، وضد أهلها وضد الاحتجاج بها.
خلاصة الأمر أنني ناقشت الآن قضية ماذا يفيد خبر الآحاد من العلم استعرضت آراء العلماء، وأن المسألة فيها رأيان رئيسان:
إفادته للظن، وابن عبد السلام، والإمام النووي وغيرهم قالوا بهذا، وكثير من العلماء قالوا بغير هذا على تفاوت في أقوالهم.
[ ٢٢٣ ]
مسألة وجوب العمل بخبر الآحاد
مسألة: إفادة خبر الآحاد العلم:
هذه التي ناقشناها غير قضية وجوب العمل به، وهذا أمر قد يشتبه على بعض المشتغلين بعلوم السنة يخلطون بين قضية العمل بحديث الآحاد، وبين الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم، الفريقان الرئيسان اللذان أشرنا إليهما، هي أن يعني يفيد الظن أو يفيد القطع، الفريقان معًا مجمعان على وجوب العمل بخبر الآحاد حتى الذين يقولون بإفادته بالظن، وأحيانا أجد في بعض كتب أو في بعض أقوال من يعارض في هذا الذين يثيرون الشبه الآن احتجاجا بجزئيات يموهون بها علينا مثل قضية إن بعض المذاهب تقول: إن خبر الآحاد -مثل الأحناف مثلا- إذا كان حديث الآحاد متضمنًا أمرا زائدًا على القرآن، فإننا نتوقف في قبوله هم يتوقفون في هذا الأمر في جزئية صغيرة البعض يأخذها، ويصورها على أن الأحناف لا يعملون بخبر الآحاد، وكأنه يريد أن يؤيد وجهة نظره بأن بعض المذاهب الإسلامية تقول بمثل ما يقول، وأنه ليس بدعًا في هذا الأمر، لا هذا خداع، هم يتكلمون في جزئية مثلا، وأنا هنا - ـ أضرب مجرد مثال الزاني البكر أي: الذي لم يسبق له زواج هذا نجلده مائة جلدة، هذا الحكم ثابت بالقرآن الكريم ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: ٢).
جاء حديث عبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه- عند الإمام مسلم: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب كذا، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» الحديث تضمن أمرًا زائدًا بالتغريب زيادة عن الجلد، هم يتوقفون في مثل هذا، حجتهم أن القرآن متواتر وأن حديث الآحاد أقل في الثبوت من القرآن فما دام تضمن أمرًا زائدًا نتوقف في هذا الأمر، ولذلك لا يقولون بالتغريب، أنا هنا لا أناقش سلامة
[ ٢٢٤ ]
الرأي من عدمه؛ لأن جمهور العلماء غيرهم يقولون بالتغريب وأخذوا بالحديث، لكن هنا هل أصور المسألة على أن الأحناف لا يعملون بخبر الآحاد؟ كما يتلقف بعضهم مثل هذه الأقوال، ويبني عليها أنه مؤيد من المذاهب الإسلامية في رفضه لخبر الآحاد لا! أحاديث الآحاد تملأ كتب الأحناف، ومعظم أدلتهم إن لم يكن كلها في مسائلهم الفقهية مبنية على خبر الآحاد، من أين سيأتون أكثر من ٩٥% من أحاديث السنة بل أكثر من ٩٩ من أحاديث الآحاد، ولذلك هذه خطورة من يتوقف العمل بخبر الآحاد أو من يتوقف في حجيته يريد أن يهدر السنة، وأن يضيعها؛ لأنه نكاد نقول إن السنة ليست لدينا إحصاءات بنسب يعني لكن مسألة تقريبية إذا أردنا أن نتواضع فنقول على الأقل ٩٥% من أحاديث السنة آحاد، وهي حجة عند الأمة كلها، لكن أنا الآن أتكلم في جزئية أرجو أن تكون واضحة: " قضية الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم غير قضية وجوب العمل بها".
العلماء مجمعون على هذه القضايا التي سأقولها الآن، أنه متى صح الحديث وجب العمل بها، صحة الحديث غير القطع بأن النبي -ﷺ- قاله أو لم يقله أو يغلب على ظنه هذه مسألة أخرى، لكن متى صح الحديث وجب العمل به، أرجو أن تجري هذه القاعدة في دمائنا مجرى الدم في عروقنا يعني: أعتقدها اعتقادًا يقينيا.
ونحن نتكلم عن حجية السنة أشرنا إلى مثل هذا واحد -ذكر ذلك السيوطي في: (مفتاح الجنة) - يسأل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- عن صحة حديث يا أبا عبد الله أتقول بصحة هذا الحديث؟ قال نعم، قال: أتعمل به غضب الإمام الشافعي وقال: يا هذا أوجدتني خارجًا من كنيسة هو لم يكتف بقوله: نعم أعمل به إنما أراد أن يبين له، هل يوجد مسلم يصح عنده حديث ولا يعمل به؟.
إذن متى صح الحديث وجب العمل به، ولا يصرف عن وجوب العمل به إلا بصارف شرعي يعني الذي يريد أن يقول: إن هذا الحديث لا أعمل، لابد أن يأتي
[ ٢٢٥ ]
بسبب شرعي كأن يكون منسوخًا أو أن يكون عاما وخصص، لكن يصح الحديث ولا يعمل به، هذه جريمة ليست خطأ عاديًا، هذه جريمة انعقد عليها الإجماع بلا أدنى مبالغة في القول، الإجماع انعقد على هذا، إذن متى صح الحديث وجب العمل به، ولا يصرف عن العمل به إلا بصارف شرعي.
وقاعدة ثالثة: متى صح الحديث أصبح أصلًا من أصول الشرع مثل القرآن والسنة، ولا يوجد أصل شرعي يتصادم مع أصل شرعي آخر لا يمكن أن تجد تناقضًا بين أدلة الشرع؛ لأنها كلها جاءت من مشكاة واحدة جاءت من عند ربنا ﷾ من الوحي الذي هو المصدر من القرآن الكريم وللسنة المطهرة؛ لذلك ينبغي أن نتيقن أن قضية العمل بالحديث غير قضية الدرجة التي يفيدها نحن ناقشنا هذه القضية، ونقول إن العمل بالحديث واجب متى صح؛ لأن العلماء أجمعوا أيضا على قضية أخرى حتى مع القول بأن حديث الآحاد يفيد الظن أي: أن نسبته إلى النبي -ﷺ- مظنونة، وليست يقينية بناء على وجهة نظر من قالوا: بأنها تفيد الظن، العلماء مجمعون، وهذا الإجماع ذكره النووي وغيره -﵏ جميعًا- على أنه يجب العمل بما يغلب على ظن الأمة.
لو أنني استعدت الآن كلام النووي الذي قرأته منذ قليل، وهو يرد على ابن الصلاح في أن أحاديث الصحيحين لا تفيد القطع، وإنما تفيد الظن يقول: "وتلقي الأمة بالقبول يعني ابن الصلاح اعتمد على ذلك هذه هي القرينة أو الدليل الذي جعل ابن الصلاح يقول: بأن أحاديث الصحيحين مقطوع بصحتها؛ نظرا لما تميز بهما من منزلة عند الأمة، وأن الأمة قد تلقت كتابيهما بالقبول، ونحن قلنا: إن كثيرا من العلماء أيد ابن الصلاح، بل زاد على ذلك أنه ليس الأمر مقصورا على أحاديث الصحيحين فقط.
لكن نرجع إلى كلام النووي يقول: وهو يدافع عن وجهة نظره، ولا فرق أي في إفادة الظن في ذلك بين الشيخين وغيرهما، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب
[ ٢٢٦ ]
العمل بما فيهما من غير توقف على النظر فيه بخلاف غيرهما، فلا يعمل به حتى ينظر فيه، ويوجد فيه شروط الصحيح، يعني لا نعمل عند غيرهما إلا بعد أن نتأكد من صحته، وخلاصة كلام النووي أن العمل بالصحيح سواء كان في الصحيحين، أو في غيرهما واجب على الأمة.
غاية ما في الأمر أنني إذا وجد الحديث في الصحيحين لا أحتاج إلى دراسة بعد ذلك، أما إذا كان في غير الصحيحين علي أن أتأكد من صحته، فإذا صح وجب العمل به، وهذا كلام النووي: "ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيها إجماعهم على القطع بأنه كلام النبي -ﷺ- إلى آخره.
إنما هو يقصد يجب العمل؛ لأن الأمة يجب العمل عليها بما غلب على ظنها، بل إن كثيرا من الأحكام كتوضيح لهذه المسألة حتى أفرغ منها، الأحكام الشرعية كلها تقوم على أخبار الآحاد: الدماء، الحدود تقوم على أخبار الآحاد، يعني: الأمة يغلب على ظنها، إذن يجب العمل عليها.
وأنا هنا أرسخ القضية، وأؤكدها أنه لا تلازم بين ما نناقشه من القطع بنسبة حديث النبي -ﷺ- ووجوب العمل، وجوب العمل أمر مفروغ منه ومجمع عليه، إذا قيل إن فلانًا قتل فلان، وجيء بشاهدين عدلين اقتنع القاضي بعدالتهما، سيحكم على القاتل، إما بالقصاص أو بالدية بناء على رأي أولياء الدم، والمهم أن الدعوة هنا ثبتت بشاهدين والشاهدين خبر آحاد، بل إن أكثر الأعداد خبر آحاد أيضا، وهو حد الزنا الذي تحوط فيه الشرع، فلم يثبته إلا بأربعة شهود، الأربعة شهود حد الزنا إذن الدماء تراق، الأعراض رجل يرجم حتى الموت، أو امرأة بخبر آحاد، نقتص من رجل قيل عنه: إنه قتل بخبر آحاد، نثبت دعاوى الأموال يعني لو أن فلانا ادعى على فلان أن عليه مالا له مثلا أيًا كان الرقم، وأتى بشاهدين وهذان الشاهدان عدلان، واقتنع القاضي بعدالتهما سيحكم في الأعم
[ ٢٢٧ ]
الأغلب بأحقية صاحب المال في دعواه التي أقامها مهما أنكر المدعي؛ لأنه لن نطلب رأي المدعي إذا ثبت الأمر بالبينة، ولن ننتقل إلى أن يحلف إلا بعد عجز المدعي عن البينة.
أما وقد أتى بالبينة، وهي أربعة شهود أو شاهدان في قضية المال، فإن المسألة محسومة إذن: الدماء، الأعراض، الأموال كلها تثبت حقوقها بخبر الآحاد في مثلا: صيام رمضان، وفي إفطار شوال، وفي حج المسلمين في ذي الحجة يثبت بواحد فقط ليس حتى باثنين، بواحد عدل رأى الهلال، إذا أخبرنا الثقة العدل أنه رأى هلال رمضان وجب على الأمة أن تصبح صائمة، والذي سيصبح مفطرًا إن لم يكن صاحب عذر سيكون آثما، اللهم إلا إذا أقام الأدلة على أن الرائي للهلال غير عدل، وهذه لا يستطيع أن يثبتها لأن أصلا عدالته تثبت عند الحاكم أو من ينيبه الحاكم، هو سيشهد برؤية الهلال، فإذن لا يستطيع مسلم أبدا أن يصبح مفطرا، والناس صائمون، وكل ذلك انبنى على خبر الواحد.
كذلك إذا أخبرنا راءٍ أنه رأى هلال ذى الحجة أو رأى هلال شوال، سيصبح الناس مفطرين بناء على هذا سيحج الناس من عامهم هذا بناء على القول بأنه رأى هلال ذي الحجة، ويوم التاسع من ذي الحجة ستتوجه الملايين إلى عرفة؛ ليقف الناس بعرفة الذي هو أهم أركان الحج، إذن أمور الشرع كلها تثبت بخبر الآحاد.
في العبادات في الأحكام في الحدود، في عقد النكاح يحتاج إلى شاهدين فقط، إشهار العقد ليس واجبًا عند كثير من أهل السنة فقط الركن في العقد هو أن يكون هناك شاهدان مع الولي، ومع الإيجاب والقبول، هذان الشاهدان سيشهدان أن فلانًا تزوج فلانة، فثبت هذا النكاح، وتنبني عليه أحكام كلنا نعرفها، والمهم أن قضية وجوب العمل لا علاقة لها بقضية الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من
[ ٢٢٨ ]
العلم، وأنا أرجو ألا نخدع بالذي يربط أنا أنقل الآن عن أئمتنا أئمة أهل العلم، وهذه أمور أجمعت الأمة يجب على الأمة العمل بما غلب على ظنها الذين يقولون: أن خبر الآحاد يفيد الظن لم يتوقف أحد أبدا في وجوب العمل بها.
وأنا أكاد أقطع بأن النتيجة الوحيدة المترتبة على هذا النقاش هي عند الترجيح بمعنى أنه إذا تعارض عندي حديثان، ولم أستطع الجمع بينهما أو بين القرآن والسنة مثلا، ولم أستطع الجمع بينهما إذن سنقول إن الخبر المتواتر سواء كان قرآنًا أو حديثًا سيتقدم على خبر الآحاد، وهذا أمر بدهي لا علاقة له بأن الآحاد لم يقولوا: يسن أو لا يجب العمل به إنما هذا أمر يتعلق بدرجة ثبوت الدليل، والأصوليون عندهم من الأدلة: قطعي الثبوت، ظني الثبوت، قطعي الدلالة، ظني الدلالة، بل إني أقول إن مبحث التواتر والآحاد من أساسه ليس مبحثًا حديثا، إنما هو مبحث أصولي نقل إلى المحدثين من أهل الأصول.
أما المحدثون فمعنيون بقضية واحد، وهي ثبوت صحة الحديث بمقاييسهم التي ارتضوها، وأجمعوا عليها من دراسة الإسناد ودراسة المتن، ومتى سلم لهم الإسناد والمتن حكموا على الحديث بالصحة، وأجمعوا على وجوب العمل به ما لم يصرف عن العمل بصارف شرعي قامت الأدلة عليه.
هذه قضية المحدثين، وكل دراساتهم تجري في هذا النهر: إثبات صحة الحديث، وكل علوم المصطلح، وكذا تسير في هذا الإطار إذن نحن نختم، ونقول: إنه يجب على الأمة العمل بخبر الآحاد، وأنه لا تلازم بين القضيتين التي ناقشناهما، والذي يصنع التلازم إنما يريد أن يهدر السنة، وأن يسقط مكان حديث الآحاد في وجوب العمل به على خلاف ما أجمعت عليه أمة الإسلام هذا وبالله التوفيق.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٢٩ ]