- دعوى تقديم القياس على سنة الآحاد.
- السنة وأسباب توقف الأئمة.
- شبهة تقديم عمل أهل المدينة.
- المذاهب والخلاف الفقهي.
[ ١٧٥ ]
٣١ - دَعْوَى تَقْدِيمِ القِيَاسِ عَلَى سُنَّةِ الآحَادِ:
لقد نسب إلى الإمام أبي حنيفة أنه يقدم القياس على أحاديث الآحاد، ولكن كثيرًا ما أخذ أبو حنيفة بأخبار الآحاد ثم قاس عليها، من ذلك القول بنقض الوضوء بالنوم [مضطجعًا]، وإتمام الصوم لمن أكل وشرب ناسيًا.
وإذا علم الإمام في المسألة حديثًا نبويًا ولو كان من أخبار الآحاد، أخذ به وعدل عن القياس، ومن ذلك أنه كان يفتي بأن دية الإبهام أكبر من دية الخنصر لأن منفعة كل منهما ليست متساوية ثم ترك هذا القياس عندما علم أن النبي - ﷺ - قال عن أصابع اليد: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ» (١).
فالصحيح عند أبي حنيفة أنه لا يقدم القياس على ما صح عنده من الأحاديث ولو كانت آحَادًا ولكننا نجد في بعض الكتب الفقهية أن الإمام أبا حنيفة اشتهر بتقديم القياس على خبر الآحاد.
فما صحة ذلك؟ يجيب على ذلك ابن أمير الحاج فيقول: «إذَا تَعَارَضَ خَبَرُ الوَاحِدِ وَالقِيَاسُ بِحَيْثُ لاَ [جَمْعَ] بَيْنَهُمَا، قُدِّمَ الخَبَرُ مُطْلَقًا عِنْدَ [الأَكْثَرِ] مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ»، وإنما نسب القول بذلك في الجملة إلى أحد فقهاء الحنفية وهو عيسى بن أبان المتوفى سنة ٢٢١ هـ (٢).
_________________
(١) " نيل الأوطار " للشوكاني: جـ ٧.
(٢) " التقرير والتحبير " لابن أمير الحاج: جـ ٢.
[ ١٧٧ ]
ويدافع الإمام عن نفسه فيقول: «كَذَبَ وَاللهِ وَافْتَرَى عَلَيْنَا مَنْ يَقُولُ إِنَّنَا نُقَدِّمُ القِيَاسَ عَلَى النَصِّ وَهَلْ يُحْتَاجُ بَعْدَ النَصِّ إِلَى القِيَاسِ»، ولكنه يرى أنها أخبار ظنية الثبوت، ولهذا خصها بشروط للتأكد من صحتها، فيشترط في الراوي العدالة والضبط ولكن معنى الضبط عنده يتسع لضبط المتن وضبط المعنى، «ولهذا لا يحتج برواية من اشتهرت غفلته خلقة»، «أو مسامحة ومجازفة لعدم توفر شروط الضبط، ولهذا رد رواية من لم يعرف بالفقه عند معارضتها لمن عرف الفقه» (١).
ولكننا نجد شبهة الشك في روايات أبي هريرة أتت من كثرة ما روى عن رسول الله - ﷺ -، ثم من نظرة ومفهوم بعض العلماء عنه فيما قيل إنه ليس بفقيه، الأمر الذي يستوجب بيان حقيقة هذا:
لقد أجاب الصحابي طلحة بن [عبيد الله] عن السبب في كثرة روايات أبي هريرة فقال فيما رواه عنه البخاري في " التاريخ ": «وَاللَّهِ مَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَا لَمْ نَسْمَعْ وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، إِنَّا كُنَّا قَوْمًا أَغْنِيَاءَ وَلَنَا بُيُوتَاتٌ وَأَهْلُونَ، وَكُنَّا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي طَرَفَيْ النَّهَارِ ثُمَّ نَرْجِعُ، وَكَانَ هُوَ مِسْكِينًا لاَ مَالَ لَهُ وَلاَ أَهْلَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ يَدُهُ مَعَ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ، فَمَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ وَسَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ». ونفس السبب قاله أبو هريرة، إذ روى عنه البخاري في " صحيحه ": «كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى مِلْءِ بَطْنِي» كما يروي عنه مسلم في " صحيحه " قوله: «[إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ]، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى [مِلْءِ] بَطْنِي».
وعبارة «مِلْءِ بَطْنِي» قد يفهمها بعض الناس خطأ، ولهذا ذكر الإمام
_________________
(١) " مناهج الاجتهاد في الإسلام " للدكتور محمد سلام مدكور: ص ٦٠١.
[ ١٧٨ ]
النووي في " شرحه لصحيح مسلم " أن المعنى هو أنه كان يقنع بقوته مع النبي ولا يطمع في تجارة أو مال، أي أنه كان يلازم النبي ليتفرغ للعلم والجهاد ويكتفي باللقيمات التي يُقِمْنَ صلبه.
أما مسألة الفقه كشرط لقبول روايات الصحابي فإن النبي - ﷺ - قد حكم فيها وقال: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي، فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» (١)، وهذا الحديث يفيد أن الراوي والمبلغ قد يكون غير فقيه.
فضلًا عن ذلك فإن مسألة تفرغ أبو هريرة للعلم والجهاد مع رسول الله رواها البخاري ومسلم، وليست محل شك وبالتالي فالمتفرغ للعلم والرواية لا ينازع أحد في أنه أقدر على تحمل الرواية وفي هذا يقول الدكتور مصطفى السباعي تعليقًا على كثرة أحاديث أبي هريرة: «وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ المُتَفَرِّغَ لِلْشَيْءِ، المُهْتَمِّ بِهِ، المُتَتَبِّعِ لَهُ، [يَجْتَمِعُ] لَهُ مِنْ أَخَبَارِهِ وَالعِلْمَ بِهِ [فِي أَمَدٍ قَلِيلٍ]، مَا لاَ يَجْتَمِعُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، [وَنَحْنُ] نَعْلَمُ مِنْ أَحْوَالِ بَعْضِ التَّلاَمِيذِ [مَعَ أَسَاتِيذِهِمْ] مَا يَجْعَلُ بَعْضَهُمْ عَلَى تَأَخُّرِهِ فِي التَّلْمَذَةِ وَالصُّحْبَةِ مَصْدَرًا مَوْثُوقًا لَكُلِّ أَخْبَارِ أُسْتَاذِهِ مَا دَقَّ مِنْهَا وَمَا جَلَّ» (*).
إن ما يكتب عن عدم فقه الرواة من الصحابة وما قيل من روايات تشكك فيهم إنما كتب نقلًا عن المستشرقين وهم لا شك يهدفون إلى هدم الإسلام والتشكيك فيه عن طريق هدم السنة أو التشكيك في رواتها.
وحسب صحاب رسول الله فضلًا ومنزلة أن قال رسول الله - صَلَّى اللهُ
_________________
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي "، ص ٣٤٣، الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان. وطبعة دار الوراق للنشر والتوزيع، ص ٣٧٨، الطبعة: الأولى، سنة ٢٠٠٠ م.
[ ١٧٩ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ» (١).
وحسب أبي هريرة أن دعا له رسول الله - ﷺ - فقال: «اللهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا [- يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ -] وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمِ المُؤْمِنِينَ». رواه مسلم.
أما فقهاء الكوفة الذين قدموا القياس على خبر الواحد فقد كان في تلك الفترة يقدمون فيها الحكم المبني على القياس لأنه يستند إلى نص عام في القرآن أو السنة المتواترة، ويقدمونه على أخبار الآحاد التي لم تصح عندهم، والسبب هو الاطمئنان إلى صحة الحديث من عدمه، وبالتالي فإذا كان الراوي معروفًا لديهم قدموا روايته على القياس، والسبب كما ينقل عن عيسى بن أبان أنه لا يستطيع الوقوف على معاني كلام رسول الله الذي أوتي جوامع الكلم إلا من كان له دراية بالفقه وخاصة أن رواية الحديث بالمعنى كانت مستفيضة (٢).
٣٢ - الأَحْنَافُ وَاشْتِرَاطُ فِقْهِ الرَّاوِي:
أما ما نسب إلى الأحناف من تقديم القياس على سُنَّةِ الآحاد إن كان راوي الحديث لم يشتهر بالفقه، كما في روايات أنس بن مالك وأبي هريرة لأنهما وإن عرفا بالضبط والعدالة، ولكن لم يعرفا بالفقه، فمردود عليه بما قاله الفقيه الحنفي أبو اليسر، فقد جاء في " كشف الأسرار " (٣) أنه قال: «[وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا القَوْلُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَيْضًا] بَلْ المَنْقُولُ
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) " كشف الأسرار " وكتب أصول الحنفية، نقلًا عن " مناهج الاجتهاد " للدكتور محمد سلام مدكور: ص ١٢٦.
(٣) " كشف الأسرار ": جـ ٢ ص ٣٨٥ نقلًا عن " مناهج الاجتهاد ": ص ٦٠٣.
[ ١٨٠ ]
عَنْهُمْ أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى القِيَاسِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ اشْتِرَاطُ الْفِقْهِ فِي الرَّاوِي فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا القَوْلَ مُسْتَحْدَثٌ». وأيضًا ما نقله ابن أمير الحاج من أن الإمام أبا حنيفة كان يقدم سُنَّةَ الآحَادِ على القياس سواء كان الراوي فقيهًا أو غير فقيه، وذلك من رواية أبي الحسن الكرخي عن الإمام - ﵀ -.
ونقل الدهلوي (١) عن الكرخي أن أبا حنيفة أخذ بحديث أبي هريرة فيمن أكل وشرب ناسيًا وهو أن يتم صومه، وقدمه على القياس، فبطل بذلك ما اشتهر من اشتراط فقه الراوي، وما أشيع عن عدم فقه أبي هريرة.
كما أخذ الإمام بحديث أنس بن مالك في أكثر مدة الحيض، وعدل عن القياس ما يقول البزدوي.
وبهذا يبطل ما قيل من أن أنسًا لم تقبل روايته لعدم الفقه، وما قيل من اشتراط الفقه في الراوي.
فمخالفة بعض الفقهاء لسنة الآحاد، ليس لضعف هذه السنة ولا لعدم فقه رواتها، بل لعدم معرفة هذا الحديث، أو كان قد وصله ثم بَدَا له رأي في فهمه.
فعدم الثقة في صحة الخبر هو السبب الرئيسي في هذا الأمر.
_________________
(١) " الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف " للإمام ولي الله الدهلوي: ص ٩١.
[ ١٨١ ]
٣٣ - السُنَّةُ وَأَسْبَابُ تَوَقُّفِ الأَئِمَّةِ:
إن الذين يبتغون التقسيم المحدث للسنة النبوية ويقولون إن أحاديث الآحاد ظنية الثبوت فلا يعمل بها في العقائد أو الشؤون الدستورية أو العقوبات أو الشؤون الاقتصادية أو المعجزات، لا ينكرون أن النبي - ﷺ - ما أرسل أبدًا إلى قوم إلا آحادًا، وخولهم إبلاغ قومهم أمور الدين كله، بما فيها العقائد والحلال والحرام، كما أن الصحابة الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس وجاءهم فرد واحد أبلغهم بأن قرآنًا نزل وَحَوَّلَ القبلة إلى الكعبة، قبلوا هذا الخبر وتحولوا في صلاتهم على الفور.
إن الخلاف في شأن أحاديث الآحاد الذي من أجله نشأ التقسيم هو في طبيعة هذا الخبر، هل يوجب العلم به أم يوجب العمل دون العلم؟ فيرى بعض العلماء أنه قطعي الثبوت أي يوجب العلم به، ويرى الشافعي ومالك وأبو حنيفة، كما يرى آخرون أنه يوجب العمل ولا يوجب العلم، ولقد أجاب الأئمة أحمد بن حنبل وداود وابن حزم بأنه لا عمل بغير علم. ولكن الذين يوجبون العمل دون العلم أنه لا ارتباط بين وجوب العلم ووجوب العمل، إذ يكفي لوجوب العمل الظن الراجح والعلم لا يكون إلا باليقين (١).
_________________
(١) " الإحكام " للآمدي: جـ ٢ ص ٤٩، و" الإحكام " لابن حزم: جـ ١ ص ٩٧ وما بعدها، و" المستصفى " للغزالي: ج ١ ص ٩٢.
[ ١٨٢ ]
فتقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، وكذا الخلاف بشأنه أمر نظري لا يؤثر على العمل، قال الإمام الغزالي: «وَمَا حُكِيَ عَنْ المُحَدِّثِينَ [مِنْ] أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ العِلْمَ، فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ بِوُجُوبِ العَمَلِ؛ إذْ يُسَمَّى الظَّنُّ عِلْمًا».
وهذا يؤكد أن الخلاف في المصطلح لا أثر له من الناحية العملية، فالكل يوجب العمل بأحاديث الآحاد (١) إذا توفرت فيها شروط الحديث.
فمثلًا الإمام مالك يرى أن عمل أهل المدينة هو بمثابة نقل جماعي عن عصر النبي - ﷺ -، وبالتالي إن جاء حديث الآحاد مخالفًا لهذا العمل قَدَّمَ عمل أهل المدينة لأن الحديث لم يثبت عنده إذا تطرق الشك إليه، وهذا كان محتملًا بسبب الفتنة التي وقعت، أما عمل أهل المدينة فلم يتطرق إليه الشك وعليه فمن قال إن الإمام مالك يرد سنة الآحاد مطلقًا قد أساء وتعدى.
كما أنه في هذه الفترة نقل عن الإمام أبي حنيفة أنه يقدم القياس على أحاديث الآحاد. وحقيقة أنه لم يقدم القياس على أحاديث ثبت صحتها، لأنه كان يشك في بعض الرواة، واشترط للعمل بخبر الآحاد شروطًا لم يشترطها غيره، لأنه كان في الكوفة موطن الحروب والفتن آنذاك.
وما كنا بهذا لنلتمس للإمام عذرًا فنحن عيال على فقهه ومائدته، إنما نكشف عن الواقع والحقيقة، لقد قال الإمام أبو حنيفة: «كَذَبَ وَاللهِ وَافْتَرَى عَلَيْنَا مَنْ يَقُولُ إِنَّنَا نُقَدِّمُ القِيَاسَ عَلَى النَصِّ وَهَلْ يُحْتَاجُ بَعْدَ النَصِّ إِلَى القِيَاسِ» (٢) كما قال: «لَوْلاَ الرِّوَايَةِ لَقُلْتُ بِالقِيَاسِ». ولكن أبا حنيفة يرد خبر الآحاد إذا
_________________
(١) " أصول الحديث " للدكتور الخطيب: ص ٣٠٣ تعليق بالهامش.
(٢) " الميزان " للإمام [الشعراني]: ص ٥١ و" مناهج الاجتهاد ": ص ٦٠١.
[ ١٨٣ ]
كان لديه شك في روايته، وعنده إذا خالف الراوي الخبر وعمل بنقيضه شك في الرواية، وإذا كان الخبر في أمر تعم به البلوى فالأصل أن يرويه جمع عن جمع، فإن رواه واحد، تطرق الشك في هذه الرواية وقدم القياس عليها، لأن الظن قد تسرب إلى هذا الخبر بينما القياس مستنده القرآن أو السنة المتواترة وهذه قطعية الثبوت، وبهذا لا يقال إن الإمام أبا حنيفة يقدم القياس على أحاديث الآحاد. قال ابن أمير الحاج: «إذَا تَعَارَضَ خَبَرُ الوَاحِدِ وَالقِيَاسُ بِحَيْثُ لاَ [جَمْعَ] بَيْنَهُمَا، قُدِّمَ الخَبَرُ مُطْلَقًا عِنْدَ [الأَكْثَرِ] مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ»، وإنما نسب القول بذلك في الجملة إلى أحد فقهاء الحنفية وهو عيسى بن [أبان] (*) المتوفى سنة ٢٢١ هـ (١).
وقال الإمام الدهلوي: ويكفيك دليلًا على هذا قول المحققين إن هذا مذهب عيسى بن أبان ولقد زال سبب هذا الظن بتمحيص الروايات تمحيصًا لم يشهد التاريخ مثله، وقد شهد غير المسلمين بذلك أمثال برناردشو وكارليل وباسورث فقد أظهروا إعجابهم بطريقة علم مصطلح الحديث وخصوصًا علم الجرح والتعديل.
وقد أوضح هذا الإمام الشافعي إذ قال: إن بعض الأحاديث لم تبلغ علماء التابعين - أي الطبقة التالية للصحابة -، فأخذوا بالقياس والقواعد العامة واجتهدوا. ولهذا فإن الطبقة التالية لهم وهي طبقة تابعي التابعين - أي الطبقة الثالثة -، لم تعمل بهذه الأحاديث ظنًا أن التابعين تعمدوا عدم العمل بها لنسخها أو لعلة في بعض رواتها، واستمروا في أخذ الحكم الشرعي بطريق الاجتهاد على الرغم من وجود النص في المسالة.
وقد أعلن الشافعي أنه يجب طرح القياس وعمل أهل المدينة في المسائل
_________________
(١) " الإنصاف " للدهلوي: ص ٩٢. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر صفحة ١٧٧ من هذا الكتاب.
[ ١٨٤ ]
التي تثبت أن حكمها قد وردت به سنة صحيحة، لأن الصحابة والتابعين من بعدهم لم يكن لديهم ما ينسخ هذه الأحاديث أو يقدح فيها، ومن لجأ إلى أخذ الحكم الشرعي من عمل أهل المدينة أو القياس لم يكن لديه علم بهذه الأحاديث، أو لم يكن قد تأكد من صحة نسبتها إلى النبي بسبب الفتنة والخلافات.
وبعد تدوين السنة وزوال الفتن وتوفر الأحاديث وتمحيصها ومعرفة الصحيح والضعيف والموضوع زال سبب التوقف في العمل بأحاديث الآحاد.
فمثلًا حكم خيار البيع في مجلس العقد ورد به حديث نبوي ولكن لم يعرفه فقهاء المدينة السبعة، وأخذوا بالقياس، كما عمل أهل المدينة بخلافه، وبالتالي رأى مالك وأبو حنيفة أن عدم العمل بالحديث علة تقدح فيه، وقدم الأول عمل أهل المدينة عليه كما قدم الآخر حكم القياس، ولكن الإمام الشافعي توفر له وسائل تحصيل السنة وتمحيصها بسبب الرحلات العلمية وبسبب تدوين السنة وتمحيصها فقد الحديث وعمل به (١).
فهل يقبل من مسلم اليوم أن يرد الحديث ويقدم القياس عليه على الرغم من أنه قد روه البخاري ومسلم بلفظ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ».
وهل يحل لمن يتولون تدريس الفقه الإسلامي بالمعاهد والجامعات أن يهدروا هذا النص استنادًا إلى القياس أو عمل أهل المدينة الذي لجأ إليه أبو حنيفة ومالك لعدم ثبوت الحديث في عصرهما، إن ذلك لا يجوز في دين الله تعالى.
_________________
(١) " الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف " للإمام الدهلوي: ص ٨٣.
[ ١٨٥ ]
٣٤ - شُبْهَةُ تَقْدِيمِ عَمَلِ أَهْلِ المَدِينَةِ:
إن من يتمسكون بعمل أهل المدينة ويقدمونه على ما ثبت في السنة النبوية كحديث «خِيَارِ البَيْعِ» سالف الذكر. يعتقدون أن أهل المدينة المنقول عنهم هذا العمل هم كل صحابة رسول الله - ﷺ -. وبالتالي فما كان عندهم إنما أخذ عن النبي - ﷺ -، ويصبح بمثابة رواية جماعية تقدم على حديث الآحاد خصوصًا أن الشك في سنة الآحاد كان موجودًا قبل تدوين السنة وتمحيصها.
والحقيقة أن أهل المدينة في زمن الإمام مالك لم يكونوا صحابة النبي حتى يصبح النقل عنهم إجماعًا، فقد مات الإمام مالك سَنَةَ ٢١٢ هـ (*) وسلسلته الذهبية في الرواية هي (مالك عن نافع عن ابن عمر). فنقله عن التابعين وليس عن الصحابة.
لهذا فالرواية الجماعية المنسوبة إلى الصحابة وليس إلى بعضهم أو إلى التابعين أو بعضهم. ولقد كان جواب الإمام الشافعي على ذلك قوله: «لَسْتُ أَقُولُ وَلاَ أحدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ " هَذَا [مُجْتَمَعٌ] عَلَيه ": إِلاَّ لَمَّا لاَ تَلْقَى عَالِمًا أَبَدًا [إِلاَّ] قَالَهُ لَكَ وَحَكَاهُ [عَنْ مَنْ قَبْلَهُ]، كَالظُّهْرِ أَرْبَعٌ، وَكَتَحْرِيمِ الخَمْرِ، [وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَقَدْ أَجِدُهُ يَقُولُ]:" المُجْمَعُ عَلَيْهِ " وَأَجِدُ [مِنَ] المَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ كَثِيرًا يَقُولُونَ بِخِلاَفِهِ» (**) " الرسالة " جـ ٣.
ومن المعلوم أن الصحابة - ﵃ - كانوا جميعًا في المدينة ثم غادرها كثير منهم إلى مكة والكوفة والشام والبصرة ومصر، وذلك في زمن أمير
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) المشهور أن الإمام مالك - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - توفي سنة ١٧٩ هـ، انظر " مالك: حياته وعصره - أراؤه وفقهه " للشيخ محمد أبو زهرة: ص ٢٤، نشر دار الفكر العربي. (**) انظر " الرسالة " للإمام الشافعي، شرح وتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر: ص ٥٣٤، ٥٣٥ (فقرة ١٥٥٩)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
[ ١٨٦ ]
المؤمنين عثمان، ونقل أهل كل بلد عن هؤلاء الصحابة. فلماذا يكون المنقول عن بعضهم من الأعمال حجة عما نقله الآخرون؟ ثم كيف يصبح عمل بعضهم حجة يقدم على الحديث الصحيح؟ لهذا أيضًا رفض الإمام مالك أن يكون كتابه " الموطأ " هو المرجع الوحيد لدولة الخلافة، ولهذا أيضًا توقف نافع عن فتياه بحل الرهن والكفالة في الورق والفضة والطعام إلى أجل مسمى، وذلك عندما علم أن الحسن لا يقول بذلك، ونافع مولى ابن عمر من كبار فقهاء أهل المدينة الذين أخذ عنهم الإمام مالك، بينما الحسن البصري ليس من هؤلاء بل من العراق.
فضلًا عن ذلك فالإمام مالك نفسه يقول: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطىءُ وَأُصِيبُ، فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي فَكُلُّ مَا وَافَقَ الكِتَابَ وَالسُنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُوَافِقْ الكِتَابَ وَالسُنَّةَ فَاتْرُكُوهُ».
ومثله قال الإمام الشافعي: «كُلَّ مَسْأَلَةٍ صَحَّ فِيهَا الخَبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ أَهْل النَّقْلِ بِخِلاَفِ مَا قَلَتُ فَأَنَا رَاجِعٌ عَنْهَا فِي حَيَاتِيِ وَبَعْدَ مَوْتَي» (١).
وقال الإمام أحمد: «لاَ تُقَلِّدْنِي وَلاَ تُقَلِّدْ مَالِكًا وَلاَ الثَّوْرِيَّ وَلاَ الأَوْزَاعِيَّ، وَخُذْ مِنْ حَيْثُ أَخَذُوا (*)» (١). وقد اختلف الفقهاء في المراد من عمل أهل المدينة (٢):
أ - فقيل هو إجماع أهل المدينة فيكون حجة من جهة النقل أو الاجتهاد. (" الإحكام " لابن حزم: جـ ١ ص ١٤، و" كشف الأسرار " للبزدوي: جـ ٣ ص ٩٦١،و" إرشاد الفحول " للشوكاني: ص ٨٢، وقيل إجماع من جهة النقل فقط مثل نقلهم الصاع والأذان والإقامة والأوقات.
ب - وقيل إنه إجماع من طريق الاستدلال أي الاجتهاد فيما لا نص فيه وهذا اختلف فيه. (" مجموع الفتاوى " [لابن تيمية]: جـ ٢٠ ص ٣٠٦).
_________________
(١) " صفة صلاة النبي " للألباني: ص ٢٣،و" الوجيز في العبادات " للمؤلف: ص ٣.
(٢) لم يشر المؤلف في الهامش رقم (٢) إلى المصدر. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر " إعلام الموقعين " لابن القيم، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم: ١٣٩، الطبعة: الأولى، ١٤١١هـ - ١٩٩١م، نشر دار الكتب العلمية - ييروت
[ ١٨٧ ]
٣٥ - المَذَاهِبُ وَالخِلاَفُ الفِقْهِيُّ:
لقد تميز عصر الصحابة - ﵃ - بقلة الخلاف في الأحكام الشرعية، لأنه في حياة النبي - ﷺ - كانوا يرجعون إليه في جميع الأمور، فيبين لهم حكم الله تعالى فيعملون بهذا الحكم ويقتدون بالنبي - ﷺ - في الحياة العملية، فيصلون كصلاته ويحجون كحجه دون أن يسألوا عن الفرائض والسنن، حيث كانوا يلتزمون بكل ما صدر عنه قولًا أو عملًا.
كما كانوا لا يكثرون من السؤال، وفي هذا روى الطبراني في " الكبير " (*) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ قَوْمًا كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا سَأَلُوهُ إِلاَّ عَنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ مَسْأَلَةً حَتَّى قُبِضَ، كُلُّهُنَّ فِي القُرْآنِ، مِنْهُنَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]».
غير أنه بعد وفاة رسول الله - ﷺ - ظهر اتجاهان في الفقه:
الأول يتمسك بظواهر نصوص القرآن والسنة النبوية حتى سمي أصحابه بـ (مدرسة الحديث)، وكان من أشهر رجالها زيد بن ثابت، عبد الله بن عباس، عبد الرحمن بن عوف، الزبير بن العوام، أبو عبيدة بن الجراح، وابن عمر [" المدخل لدراسة القرآن والسنة " للدكتور شعبان إسماعيل: جـ ٢ ص ٣١٥].
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) " المعجم الكبير " للطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي: ١١/ ٤٥٤، حديث رقم ١٢٢٨٨، الطبعة الثانية، نشر مكتبة ابن تيمية - القاهرة. انظر أيضًا: " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر، تحقيق أبي الأشبال الزهيري:٢/ ١٠٦٢، حديث رقم ٢٠٥٣، الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، نشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.
[ ١٨٨ ]
والاتجاه الثاني كان يأخذ بالرأي عند انعدام النصوص الشرعية أو لترجيح فهم بعضها على الآخر، ولهذا أطلق على أصحاب هذا التيار اسم (مدرسة الرأي) وقد ظهر منهم الصحابة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأم المؤمنين عائشة. [" الاجتهاد بالرأي " للدكتور خليفة بابكر: ص ١٩٧].
وقبل تدوين السنة وتمحيص الفقه اتسع الخلاف بين المدرستين بسبب قلة الأحاديث النبوية عند أهل الكوفة من أصحاب مدرسة الرأي، ولعدم تثبت بعض أصحاب مدرسة الحديث من بعض الأحاديث كان منهم من يقدم القياس أو عمل أهل المدينة على بعض النصوص الشرعية التي لم تكن قد شاعت وثبت صحتها. فلم يأخذ بحكم خيار البيع كل من الإمام أبو حنيفة وهو من مدرسة الرأي، والإمام مالك وهو من مدرسة الحديث، لأن الحكم الشرعي جاء به حديث غير متواتر ولا مشهور فلم يعملا به لعدم شهرته بين التابعين.
وظن هذان الإمامان أن هناك علة في الحديث أدت إلى عدم شهرته وإلى عدم العمل به، ولكن يرجع السبب في ذلك إلى أن السنة النبوية لم تكن قد جمعت كلها ومحصت، ومن ثم عندما تحقق ذلك تبين أن هذا الحديث عند البخاري ومسلم مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - بلفظ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» [" مناهج الاجتهاد ": ص ١١٤، ١٢٠].
ومن قبيل عدم العلم بالسنة ما رواه الإمام مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي بكر الصديق أنه لم يحكم للجدة بالميرات وقال: ما سمعت رسول الله - ﷺ - قال عن ميراثها شيئًا، وسأل الناس في المسجد بعد صلاة الظهر، فقام المغيرة بن شعبة وقال: أعطاها الرسول - ﷺ - السدس، فقال الخليفة: أيعلم ذلك أحد غيرك؟ قال: محمد بن مسلمة، فصدقه الخليفة وحكم للجدة بهذا الميراث.
وفي الطبقة الثالثة كثرت الرحلات العلمية بين العلماء والفقهاء، كما
[ ١٨٩ ]
كثرت المناظرات وتوفرت السنة النبوية بسبب جمعها وتمحيصها، وأصبح من المتفق عليه أنه لا يحل ترك هذه السنة والعمل بالقياس أو بالرأي أو بعمل بعض التابعين من أهل المدينة أو غيرهم. كما أصبح من المُسَلَّمِ بِهِ أَيْضًا أن الرأي أو الاجتهاد طريق لاستنباط الحكم الشرعي عند عدم وجود الحكم في القرآن أو في السنة النبوية.
غير أنه في نهاية القرن الرابع الهجري انتشرت المذاهب الجماعية واستقرت وانتسب كل فقيه إلى مذهب بعينه لا يتعداه حتى سمي هذا العصر بعصر التقليد، بل أطلق عليه في المرحلة الأخيرة منه اسم عصر الجمود، وأشيع أن باب الاجتهاد قد أغلق حتى أصبح قول إمام المذهب كالنص الشرعي فلا يجوز مخالفته.
وهذا يخالف ما كان عليه صحابة رسول الله - ﷺ -، وما ظل عليه السلف الصالح حتى القرن الرابع الهجري، فكان المسلم لا يقلد مذهبًا بعينه إذ يأخذ عن العالم الثقة بغير اعتبار لمذهبه، بل كان أئمة المذاهب الجماعية يرفضون هذا التقليد. وعندما أراد الخليفة جمع الناس على رأي واحد في الفقه طلب من الإمام مالك أن يضع كتابًا يتجنب فيه رخص ابن عباس وتشدد ابن عمر وشواذ ابن مسعود ويوطئه للناس توطيئًا.
غير أن الإمام مالك عندما فرغ من وضع الكتاب وسماه " الموطأ " رفض أن يلزم المسلمين به وقال: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لاَ تفعل هَذَا، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ سَبَقَتْ [إِلَيْهِمْ] أَقَاوِيلَ، وَسَمِعُوا أَحَادِيثَ وَرَوَوْا رِوَايَاتٍ، وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مِنْهُمْ بِمَا سَبَقَ [إِلَيْهِمْ] ».
وفي هذا أيضًا روى ابن حزم بسنده أن الإمام مالك قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطىءُ وَأُصِيبُ، فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي فَكُلُّ مَا وَافَقَ الكِتَابَ وَالسُنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُوَافِقْ الكِتَابَ وَالسُنَّةَ فَاتْرُكُوهُ».
[ ١٩٠ ]
كما روي عن الإمام أبي حنيفة في كتاب " اليواقيت والجواهر " مثل ذلك وعند الحاكم والبيهقي عن الإمام الشافعي أنه قال: «إذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي».
فليس لمسلم أن يترك الحديث الصحيح ويعمل بقول أحد من الناس. ولهذا عندما أجاب ابن عباس - ﵁ - بالحديث النبوي وقال السائل: قال أبو بكر وعمر، كان جواب ابن عباس: «يوشك أن تسقط عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله - ﷺ - وتقولون: قال أبو بكر وعمر».
ولكن الذي يجتهد في فهم النص الشرعي ابتغاء مرضاة الله فيتمسك بفهم لا ترده قواعد اللغة يكون مأجورًا ولو أخطأ في الحكم، فقد روى " البخاري " و" مسلم " أن النبي - ﷺ - قال: «إِذَا [حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ] ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ». وهذا كله إذ كان من أهل الاجتهاد.
وفي هذا روى " البخاري " و" مسلم " أن النبي - ﷺ - قال بعد غزوة الخندق: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فأدركتهم الصلاة في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة، وقال بعضهم لم يرد منا هذا، فصلوا في الطيق، فسكت النبي - ﷺ -.
ولا شك أنه - ﷺ - كان يعرف سبب حثه الصحابة ليصلوا العصر في بني قريظة وهو سرعة الوصول بغير تأخير، وبالتالي لم يرد تغيير مواقيت الصلاة، والذين صلوا في الطريق كانوا أصوب فعلًا ولكن لم يعب على الذين تمسكوا بعموم الأمر وظاهره لأنهم اجتهدوا في فهم المراد من الأمر النبوي.
[ ١٩١ ]
٣٦ - مُجْمَلُ أَسْبَابِ الخِلاَفِ:
أسباب الخلاف بين الأئمة قد تركز في عدة أمور أهمها:
[١] الاختلاف في فهم النص ودلالته الشرعية.
[٢] اعتقاد وجود سبب أدى إلى عدم العمل بالحديث النبوي ومن ثم استمر العمل بخلاف بعض الأحاديث اعتقادًا أن هذا بمثابة رواية جماعية، وهو ما يسمى عند الإمام مالك بعمل أهل المدينة وبموجبه لم يأخذ بحديث الخيار في البيع في مجلس العقد، ثم ثبت بعد ذلك أنه لا يوجد علة ولا سبب يضعف هذا الحديث، فقد أثبته البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الصحاح.
[٣] ومن أسباب الخلاف أيضًا الاختلاف في دلالة الحديث، مثل الحديث المرفوع الذي رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم ونصه: «لاَ طَلاَقَ وَلاَ عِتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ». فقد فسر بعضهم الإغلاق بالإكراه، وقالوا: لا يقع طلاق المكره، وفسره آخرون بالغضب، قال أبو داود: أظنه الغضب. وقال ابن القيم نقلًا عن شيخه ابن تيمية: الإغلاق إنسداد باب العلم والقصد ومن ثم أبطل طلاق المعتوه والمجنون والسكران والغضبان غضبًا لا يعقل فيه ما يقول وهؤلاء قد أغلق عليهم باب العلم والقصد والطلاق لا يقع إلا من قاصد عالم به.
[٤] ومن أسباب الاختلاف، الخلاف في تصحيح الحديث وتضعيفه، فمثلًا أخذ من ذكرنا بحديث لا طلاق ولا عتاق في إغلاق لصحته عندهم بينما لم يأخذ به آخرون حيث ضعفه الإمام الذهبي.
[ ١٩٢ ]
[٤] ومن أسباب الخلاف الفقهي اختلاف أصحاب المذاهب الجماعية في شروط العمل بأحاديث الآحاد، وهو الحديث الذي رواه شخص واحد في عصر الصحابة وعصر التابعين وعصر تابع التابعين، فكان بعض الأحناف يقدمون عليه القياس، فقالوا بوجوب صوم يوم آخر على من أكل أو شرب ناسيًا في الصوم، بينما عارضهم الإمام الشافعي بالحديث الذي رواه الجماعة عن النبي - ﷺ - بلفظ: «مَنْ نَسِيَ - وَهُوَ صَائِمٌ -، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (١). والسرخسي يوجب القضاء لمن بلغ جوزة والصوم فات ركنه عند ابن دقيق [العيد].
كما كان الإمام مالك يجعل من شروط العمل بأحاديث الآحاد ألا تخالف عمل أهل المدينة ومن ثم قال مالك بوجوب قضاء يوم، فأجاب الشوكاني: لو ردت الأحاديث بمثل هذا ما بقي من الحديث إلا القليل (٢).
تَوْحِيدُ المَذَاهِبِ وَجِنَايَةُ التَّفْرِقَةِ:
وإذا كان مثل هذا الخلاف قد قام في عصر هؤلاء الأئمة حيث لم تكن جميع الأحاديث النبوية جمعت ومحصت، وبالتالي كانت هناك أسباب لتقديم القياس أو عمل أهل المدينة على أحاديث الآحاد غير المشهورة، فلا مجال اليوم لمثل هذا الخلاف إذ قد زال السبب سالف الذكر بتمحيص السنة النبوية وجمعها، فاستكمل أصحاب المدارس الفقهية ما لديهم من أوجه النقص، فمثلًا عدل الأحناف عن تقديم القياس على حديث الآحاد فعملوا بحكم إتمام الصوم لمن أكل أو شرب ناسيًا، كما أخذ المجتهدون من المالكية بالصحيح
_________________
(١) و(٢) يرجع إلى البند ٢٥ و٣٢ وإلى " المبسوط " للسرخسي: جـ ٣ ص ١٣٦، و" فقه السنة " لشيخ سيد سابق: جـ ١ ص ٣٩٣، و" مناهج الاجتهاد ": الفصل الثالث، و" نيل الأوطار ": جـ ٤ ص ٢٨٤.
[ ١٩٣ ]
والثابت من أحاديث الآحاد ولو خالف عمل أهل المدينة، كما أخذوا بالرأي عند انعدام النص، وأيضًا لجأ الإمام الشافعي إلى القياس وتوسط فيه، وقد كان يأخذ به، ومن ثم قال ابن قدامة في كتابه " المغني ": «إن التفرقة بين المسلمين باختلاف المذاهب والآراء وتعصب كل شيعة لمذهب في الأصول والفروع هو من أكبر الكبائر الثابتة بنصوص الكتاب والسنة» (*).
٣٧ - الاِجْتِهَادُ بَيْنَ العُلَمَاءِ وَالعَوَامِّ:
الأصل في الإسلام أن يأخذ المسلم الحكم الشرعي من الكتاب والسنة، لأنه لا عصمة لأحد حتى تصبح أقواله أو أفعاله شرعًا من الله لا تحمل مخالفة وأقوال أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم ليست ملزمة بذاتها بل بما استندت إليه من الكتاب والسنة النبوية.
لقد نص على ذلك هؤلاء الأئمة، فقال الإمام أحمد بن حنبل: «لاَ تُقَلِّدْنِي وَلاَ تُقَلِّدْ مَالِكًا وَلاَ الشَّافِعِيَّ، وَلاَ الأَوْزَاعِيَّ، وَلاَ الثَّوْرِيَّ، وَتَعَلَّمْ كَمَا تَعَلَّمْنَا» (**).
وقال الشافعي: «[وَبِالتَّقْلِيدِ أَغْفَلَ مَنْ أَغْفَلَ مِنْهُمْ]» ()، و«مَثَلُ الذِي يَطْلُبُ العِلْمَ بِلا حُجَّةٍ مَثَلُ حَاطِبِ لَيْلٍ يَحْمِلَ حِزْمَةٍ مِنْ حَطَبٍ فِيهَا أَفْعَى تَلْدَغُهُ وَهُوَ لاَ يَدْرِي» (١).
ثم جاء ابن حزم وقال: «التَّقْلِيدُ حَرَامٌ» ويعني به أن يأخذ المسلم كل أقوال إمام من الأئمة دون أن يردها إلى الكتاب والسنة، ولكنه كغيره يدرك أن العوام ليست لديهم هذه القدرة، ولهذا قال على هؤلاء أن يسألوا من يعتقدون أنه أعلم أهل البلد بحكم الله ورسوله وليس بمذهب فلان أو قوله. وليعلم الجميع أن هؤلاء الأئمة ما خالفوا حديثًا صحيحًا إلا لسبب من الأسباب السابق ذكرها، وبالتالي فإن أصاب أحدهم فله أجران وإن أخطأ فله أجر حسبما هو ثابت بالحديث النبوي في " صحيح البخاري " و" مسلم ".
_________________
(١) " الوجيز في العبادات ": للمؤلف: ص ٣. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) لم أجد قول ابن قدامة هذا في " المغني ". (**) قارن بما ورد في صفحة ١٨٧ من قول الإمام أحمد بن حنبل. () انظر " الرسالة " للإمام الشافعي، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر: ص ٤٢، الطبعة الأولى: ١٣٥٨ هـ - ١٩٤٠ م، نشر مكتبه الحلبي، مصر. تصوير دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
[ ١٩٤ ]
فإن اعتقد أحد من المسلمين في علم إمام وتقواه فأخذ عنه حكمًا ثم تبين أنه قد خالف الحديث النبوي فليس عليه ذنب، لأنه قبل أن يعلم بالحكم الصحيح الثابت في الحديث النبوي لم يكن قد خالف شيئًا فالله تعالى يقول: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، والنبي - ﷺ - يقول: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ» رواه الإمام مسلم.
وعلى هذا لا يجوز النيل من هؤلاء الأئمة والعلماء فهم ورثة الأنبياء بهم حفظ الله هذا الدين.
كما أن اجتهاد غير العلماء قد يؤدي إلى التنطع في الدين، بل وإلى الضلال، فمثلًا قال النبي - ﷺ - كما رواه مسلم: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» فأوضح لنا هؤلاء الأئمة أن معنى الكفر هنا هو الكفر بنعمة الإيمان وليس الكفر المخرج عن الملة لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] (١).
ومن الأحاديث النبوية ما كان الغرض منه الترغيب أو الترهيب أو الوعيد وهذا لا يدركه إلا العلماء.
فقد روى أبو داود أن النبي - ﷺ - قال: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ القُبُورِ». ومع هذا رخص وأجاز بعضهم للنساء زيارة القبور فحملوا الحديث على الترهيب لما رواه " مسلم " وغيره عن النبي في قوله: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا» ولأدلة أخرى عندهم منها نسخ الحديث الأول.
_________________
(١) يرجع في تفصيل ذلك إلى كتاب " الحكم وقضية تكفير المسلم " للمؤلف.
[ ١٩٥ ]
وقفة مع المجادلين:
إن ظاهر الحديث يدل على النسخ وذلك بإباحة الزيارة بعد أن كانت ممنوعة، وهذا ما أثبته الكتاب بالبند ٤٨ بعنوان (بين النسخ والتخصيص) (١) حيث أوضح أن النهي السابق نسخ الحكم أي أن العمل به قد انتهى وهذا ما كان موضع استدلال الدكتورة عزية علي طه في رسالتها للدكتوراه في الحديث النبوي من جامعة الأزهر الشريف، كلية البنات الإسلامية، قسم التفسير والحديث، حيث استشهدت بما ورد في هذا البند للرد على المستشرق جون وليام فيما زعمه من التناقض في هذه الأحاديث وطعنه في الناسخ والمنسوخ، كما استدلت الصفحات بالعقل البشري والتحريف العلمي بند ٥٩ للرد على من ادعى بالتناقض في بعض الأحاديث بينما أثبت هذا البند صحتها وسلامة المتن من التناقض. ص ٢٥، ٢٦ و٥٠ إلى ٥٣ من الرسالة. كما أورد " فقه السنة ": جـ ١ ص ٤٧٨ عن الشوكاني أن اللعن للمكثرات من الزيارة ولهذا لم يرجح النسخ وجمع بين الأحاديث.
ولكن الأخ [محمد] سلامة جبر توصل إلى استدلال آخر بخلاف هؤلاء جميعًا، هو أن كتاب " السنة المفترى عليها " يجب أن يحرق أو يحجر على صاحبه لجهله وعدم فقهه في السنة فيما أورده في هذه البنود.
لقد ذكر ذلك في " النسخ و" خصائص الأنوثة " ومقالاته في " مجلة اليقظة " ومذكراته ثم عاد وتخلى عن هذا الكتيب واستبعده بعد أن استخدم كل عبارات التجريح والسب لمن خالفه ولا سيما كتاب " السنة المفترى عليها " وصاحبه.
_________________
(١) وانظر أيضًا " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ " للهمداني: ص ١٣١، وكتاب " منهجية جمع السنة وجمع الأناجيل " للدكتورة عزية طه: ص ٣٠٧ - ٣١٠، دار البحوث العلمية، سنة ١٩٨٧ م.
[ ١٩٦ ]