- تقسيم السنة في الماضي والحاضر.
- مدى الشك في ثبوت السنة وسبب التفرقة بينهما.
- أحاديث الآحاد بين الظن واليقين.
- استحالة العمل بغير اعتقاد.
[ ١٣٧ ]
٢٤ - تَقْسِيمُ السُنَّةِ فِي المَاضِي وَالحَاضِرِ:
لقد اصطلح علماء الحديث على تقسيم الحديث النبوي إلى متواتر وآحاد وَعَرَّفُوا الحديث المتواتر بأنه الذي رواه في الطبقات الثلاث (أي في عصر الصحابة وعصر التابعين وعصر تابعي التابعين) عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب. وحد التوتر أي العدد الذي يصبح به الحديث متواترًا شيء غير متفق عليه، كما عَرَّفُوا الآحاد من الأحاديث بأنها تلك التي رواها في الطبقات الثلاث عدد لا يبلغ حد التواتر.
هذا التقسيم اصطلح عليه الفقهاء و[المُحَدِّثُونَ]، ولم يكن في عصر الصحابة أو التابعين إنما دعت الحاجة إليه بعد شيوع الفتن وبدء تمحيص السُنَّةِ وتحديد مراتبها.
ولقد رتب الفقهاء والمحدثون على هذا التقسيم آثارًا أهمها أن السنة المتواترة تفيد العلم القطعي كالقرآن أما سنة الآحاد فتفيد العلم الظني، غير أن الحديث إذا صحت نسبته للنبي - ﷺ - أصبح واجب العمل والعلم، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد، وبذلك قال السيوطي وابن الصلاح وابن حزم وغيرهم.
وهذا التقسيم من الناحية العملية ومن حيث وجوب العمل بالحديث النبوي لا يكاد يذكر لسببين.
[ ١٣٩ ]
الأول - أن الجميع متفقون على وجوب العمل بالمتواتر والآحاد من الأحاديث.
الثاني - أن الغالبية العظمى من الأحاديث النبوية ابتدأت آحادًا من حيث الرواية في عصر الصحابة، ثم تواترت في عصر التابعين وتابع التابعين، كما أن المتواتر يكون في اللفظ ويكون في المعنى، والتواتر اللفظي لا يزيد عن أربعة عشر حديثًا، وقيل أقل وقيل أكثر وذلك للاختلاف في حد التواتر.
أما المتواتر المعنوي فهو اشتراك العدد من الرواة في رواية معنى واحد بالألفاظ المختلفة، وهذا كثير جدًا في السنة القولية والعملية.
وأهم أثر لتقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد هو في أمر من رد الحديث، فمن أخذ باصطلاح المتواتر والآحاد - وهم أغلبية الفقهاء - لا يقولون بكفر من رد الأحاديث الآحاد لأنها ظنية الثبوت بينما يرون كفر من رد الأحاديث المتواترة.
ومن قال إن التواتر والآحاد قطعي الثبوت يقولون بكفر من رد شيئًا من الأحاديث سواء كانت بطريق التواتر أو الآحاد.
٢٥ - أَحَادِيثُ الآحَادِ بَيْنَ مَدْرَسَتَيْ الرَّأْيِ وَالحَدِيثِ:
ولكن مع هذا يختلف الفقهاء في شروط إعمال أخبار الآحاد تبعًا لمدى توثيقهم للخبر، فالأحناف وسائر علماء الكوفة والذين أطلق على فقههم اسم مدرسة الرأي كانوا يرون أن أخبار الآحاد ظنية، وبالتالي لا يعمل بها إن خالفت ما هو أقوى منها، أي القرآن والسنة المتوترة والمشهورة لأن الدليل المعارض قطعي وبالتالي لا تخصصه سُنَّةُ الآحاد أو القياس.
[ ١٤٠ ]
وفقهاء أهل المدينة والذين كانوا يسمون بمدرسة الحديث كانوا يرون أن دلالة العام ظنية، وبالتالي فسنة الآحاد لأنها من الخاص، تخصص عام القرآن وكما تخصص عام الأحاديث المتواترة والمشهورة، ويرون أن السنة كلها تستقل بتشريع الأحكام ولو كان راوي الخبر لم يعمل به فالمعمول عليه عندهم هو صحة السند، ولكن الإمام مالك وهو من فقهائهم كان يقدم عمل أهل المدينة على أخبار الآحاد، ونسب إليه أنه يقدم القياس وظاهر القرآن على سُنَّةِ الآحاد، ولهذا لم يعمل بحديث «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا [إِحْدَاهُنَّ] بِالتُّرَابِ» وذلك لعدم روايته التتريب مع الغسل (" تنوير الحوالك ": ص ٥٥، و" الموافقات " للشاطبي: ج ٣ ص ٢١).
وسبب ذلك أن الإمام مالك يرى أن عمل أهل المدينة هو بمثابة رواية جماعية وبالتالي يقدمه على الآحاد، وهو لا يقدم عليها القياس مطلقًا بل يقدم ما اعتضد منه بقاعدة عامة قطعية، وفي هذا يقول ابن رشد: «ومالك يرجح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول» (١).
بالتالي إذا تعارضت الرواية الجماعية مع رواية الآحاد قدم الرواية الجماعية على رواية الآحاد، وليس أدل على ذلك من أن الإمام مالك قال في كتابه " الموطأ ": «إن في كتابي هذا حديث رسول الله وقول الصحابة وقول التابعين ورأيا هو إجماع أهل المدينة».
كما أن الإمام مالك يبرأ من تقديم شيء على الكتاب والسنة فقد روى ابن حزم في كتابه " الأحكام " عن معين القزاز عن الإمام مالك أنه قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطىءُ وَأُصِيبُ، فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي فَكُلُّ مَا وَافَقَ الكِتَابَ وَالسُنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُوَافِقْ الكِتَابَ وَالسُنَّةَ فَاتْرُكُوهُ».
_________________
(١) " مناهج الاجتهاد " للدكتور مدكور: ص ٦٣٠، و" إعلام الموقعين " لابن القيم: ج ١ ص ٢١، وانظر في ذلك " إعلام الموقعين ": ج ١ ص ١٣٠، و" أدب الاختلاف " للدكتور طه فياض: ص ٨٤ و٩١.
[ ١٤١ ]
وقد أثر عن الإمام أبي حنيفة أنه يقدم القياس على أحاديث الآحاد، والحقيقة التي نقلها الشعراني في كتابه " الميزان " هي أن الإمام أبا حنيفة تبرأ من هذا الادعاء وقال: «كَذَبَ وَاللهِ وَافْتَرَى عَلَيْنَا مَنْ يَقُولُ إِنَّنَا نُقَدِّمُ القِيَاسَ عَلَى النَصِّ وَهَلْ يُحْتَاجُ بَعْدَ النَصِّ إِلَى القِيَاسِ». كما أنكر الإمام الكرخي القول بتقديم الأحناف القياس على أحاديث الآحاد وقال: «لَمْ يَقُلْ أَصْحَابُنَا - أَيْ الأَحْنَافُ - بِذَلِكَ بَلْ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى القِيَاسِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُمْ عَمَلُوا بِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا، أَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ، وَإِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ»، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «لَوْلاَ الرِّوَايَةَ لَقُلْنَا بِالقِيَاسِ» (١).
وقد نسب ابن أمير الحاج دعوى تقديم القياس على خبر الواحد إلى أحد فقهاء الحنفية وهو عِيسَى بْنُ أَبَانٍ المتوفى سَنَةَ ٢٣١ هـ.
حُجِيَّةُ أَحَادِيثِ الآحَادِ بَيْنَ العُمُومِ وَالخُصُوصِ:
والحقيقة أن التثبيت في قبلو أخبار الآحاد على الصورة التي عرفت إنما يرجع إلى فترة تاريخية معينة اكتشف فيها أن بعض أعداء الدين قد اختلقوا أحاديث ونسبوها إلى رسول الله - ﷺ -، وبعد أن دونت السنة وكثرت الرحلات العلمية زالت هذه الشبهة وعاد الأمر إلى عصر الصحابة، وهو أن العبرة بتوافر الثقة في الراوي، فمن كان ثقة كان صادق الخبر ولو كان نفرًا واحدًا، ومن كان غير ذلك لا تقبل روايته وحسبنا أن النبي - ﷺ - كان يرسل عنه رسولًا واحدًا في المهام المختلفة مهما كانت طبيعة المهمة وخطورتها، فقد كان الإمام عَلِيٍّ هو رسول اللنبي إلى مكة سَنَةَ تسع من الهجرة ليخبرهم أحكام الله في المشركين وقتالهم، كما كان قيس بن عاصم هو الموفد بأحكام الإسلام إلى عشيرته نيابة عن النبي - ﷺ -، كما كان معاذ بن جبل هو رسول النبي إلى اليمن، وكان غيرهم
_________________
(١) " مناهج الاجتهاد " للدكتور محمد سلام مدكور: ص ٦٠١.
[ ١٤٢ ]
أفرادًا إلى قومهم وروايتهم إليهم رواية آحاد، وكان في ردها أخطر الآثار ألا وهو القتال، ولكن النبي - ﷺ - لم يرسل مع هؤلاء الرسل عددًا ليبلغ حد التواتر، وكان يستطيع أن يفعل ذلك فدل فعله على صحة ما تضمنه هذا الكتاب وأن خبر الآحاد إذا صدر عن ثقة يكون حُجَّةً في جميع الأمور، ولهذا قال الإمام الشافعي في " الرسالة ": «فَلاَ يَجُوزُ عِنْدِي عَنْ عَالِمٍ أَنْ يُثْبِتَ [خَبَرَ وَاحِدٍ كَثِيرًا، وَيُحِلُّ بِهِ، وَيُحَرِّمُ]، وَيَرُدَّ مِثْلَهُ: إِلاَّ مِنْ جِهَةِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حَدِيثٌ يُخَالِفُهُ، أَوْ يَكُونَ مَا سَمِعَ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوْثَقَ عِنْدَهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ خِلاَفَهُ، أَوْ يَكُونَ مَنْ حَدَّثَهُ لَيْسَ بِحَافِظٍ، أَوْ يَكُونَ مُتَّهَمًا عِنْدَهُ، أَوْ يَتَّهِمَ مَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ، أَوْ يَكُونَ الحَدِيثُ مُحْتَمِلًا مَعْنَيَيْنِ، فَيَتَأَوَّلَُ فَيَذْهَبَُ إِلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ» (" الرسالة ": ص ١٠٠).
لقد أثر عن فقهاء الرأي عدم تخصيص عموم القرآن أو السنة المتواترة بأحاديث الآحاد وعدم الأخذ فيما زاد عن القرآن ولكنهم خالفوا ذلك في الأحكام العملية كانتقاض الوضوء بالضحك في الصلاة وبالنوم مضطجعًا، أما فقهاء مدرسة الحديث فيرون استقلال سُنَّةِ الآحاد بتشريع الأحكام كقضاء النبي بشاهد ويمين المدعي ورجم الزاني (١).
كما يرون أنها تخصص عام القرآن والسنة المتواترة لأن الدلالة هنا ظنية فيقوى خبر الآحاد على تخصيصها، بينما ترى مدرسة الرأي أن هذه الدلالة قطعية وكذلك دلالة الخاص قطعية فلا يخصص أحدهما الآخر إلا عند التعارض (٢) وأن عرف المتأخر منهما كان هو الناسخ فإذا لم يعرف يعمل بقطعي الثبوت منهما وهو القرآن والسنة المتواترة ومثلها المشهورة وإذا لم يعرف تاريخ العام أو الخاص كان العام هو الأخير احتياطًا (٣).
_________________
(١) و(٢) و(٣) " كشف الأسرار " للبزدوي: ج ٣ ص ١٠ وج ١ ص ٢٩١ عن " مناهج الاجتهاد ": ص ١٠٤، ١٢٣، ٦٠٢، و" بدائع الصنائع " للكاساني: ج ٥ ص ٤٥، و" إعلام الموقعين ": ج ٢ ص ٢٨٩.
[ ١٤٣ ]
٢٦ - مَدَى الشَكِّ فِي ثُبُوتِ السُنَّةِ وَسَبَبِ التَّفْرِقَةِ بَيِْنَهَا:
نظرًا لأن السُنَّةَ النَّبَوِيَّةَ ولا سيما الأحاديث القولية لم تدون كلها في عهد الرسول - ﷺ -، كما أن روايتها تعتمد على فقه الراوي وحفظه، فقد كان الصحابة يتحرون الدقة في رواية الأحاديث النبوية وقد تمثلت هذه الدقة في أمرين:
الأول - كان بعض الصحابة يتوقفون في قبول روايات مَنْ هُمْ محل شك في قدرتهم على الحفظ والنقل ويعرضون هذه الرواية على ما ورد في القرآن الكريم وفي السُنَّةِ النَّبَوِيَّةَ المنقولة عن الثقات في الحفظ والروية ومن الأمثلة على ذلك:
١ - ما روته فاطمة بنت قيس من أن زوجها طلقها ثلاثًا وأن رسول الله لم يقض لها بالنفقة والسكن (١)، فقد أورد ذلك النسائي ولكن هذه الشهادة لم يطمئن إليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وَرَدَّهَا مُعَلِّلًا الرَدَّ بقوله: «لاَ نَدَعُ كِتَاب رَبِّنَا وَسُنَّة نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ». جاء هذا في " صحيح مسلم "، كما قالت عائشة: «يَا فَاطِمَةُ أَلاَ تَتَّقِينَ اللهَ» (٢)، فالرد للمرأة وليس لحديث ثابت عن النبي - ﷺ -.
_________________
(١) رواه النسائي وصححه بعضهم، " السراج المنير " للمقريزي: ج ٣ ص ٣٧٩.
(٢) رواه البخاري: ٩/ ٤٧٧.
[ ١٤٤ ]
٢ - أيضًا ما رواه أبو داود عن معقل بن يسار (*) من أن النبي قضى في المرأة التي مات عنها زوجها قبل الدخول وقبل أن يسمي المهر بأن لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط.
ولكن الإمام علي - ﵁ - لم يطمئن إلى هذا الراوي لوجود ما يعارض روايته وهو قول الله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ففهم الإمام من الآية أن من طلقها زوجها قبل التدخول وقبل أن يجعل لها مهرًا لا تستحق صداقًا لرفع الله الجناح عن الزوج ومثلها من مات عنها زوجها قبل الدخول وتحديد المهر ولقد فهم الصحابي عبد الله بن مسعود غير ذلك وعنه أخذ بعض الفقهاء ولكن الخلاف لم يكن حول قبول الحديث بل حول ثبوته.
الأمر الثاني - الروايات المنقولة عن النبي - ﷺ - وتعارض نَصًّا في القرآن أو حُكْمًا ثابتًا للنبي - ﷺ - فالدقة والأمانة جعلت بعض الصحابة يستوثق من صدق الراوي أو من حفظه خصوصًا إذا كان الحكم جديدًا على الصحابي الذي سمع الحديث.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - أن خليفة رسول الله أبا بكر الصديق رفض أن يعطي الجدة ميراثًا من تركة حفيدها لأنه قال كما جاء في " سنن أبي داود " و" الترمذي ": «مَا أَجِدُ لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى [شَيْءٌ]، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا»، ولكن لما عارضه المغيرة بن شعبة وقال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُعْطِيهَا السُّدُسَ»، احتاط أبو بكر فسأله: «هَلْ مَعَكَ أَحَدُ الشُّهُودِ بِذَلِكَ؟»، قَالَ: «مَعِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ»، فلما اطمأن أبو بكر أخذ بهذه السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وقضى بها للجدة.
[ ١٤٥ ]
ومن الأمثلة على الدقة في الرواية:
٢ - الإمام علي قال: «كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ [مِنْهُ]، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ» (١).
٣ - ومن الأمثلة على رد الرواية للشك في حفظ الراوي ما رواه الإمام مسلم أن عائشة - ﵂ - قد ذكر لها أن عبد الله بن عمر روى حديثًا فيه: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ»، فقالت عائشة: «يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ» إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» (٢).
وإن كانت أم المؤمنين - ﵂ - قد حفظت هذه الرواية ورجحتها بقول الله تعالى: ﴿وََلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ومن ثم نسبت الخطأ أو النسيان إلى ابن عمر - ﵄ - ولكن ثبت أيضًا أن البخاري ومسلمًا رَوَيَا عن عمر بن الخطاب أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ» وفي رواية «بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (٣)، ولا يوجد تناقض بين الروايتين فقد قال ابن جرير الطبري وانتصر له ابن تيمية أنه يعذب بمعنى يتألم ويحزن لبكاء أهله عليه أو نياحتهم، وفسرها آخرون بمعنى يعاقب (وهذا يكون إذا صدرت منه وصية بذلك، وقد أخرج البخاري حديثًا آخر عن عائشة - ﵂ - ونصه: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآنَ» (٤).
_________________
(١) " مناهج الاجتهاد في الإسلام " للأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور: ص ٥٥٢، قد نقل هذا عن " تذكرة الحفاظ ": جـ ١ ص ٩.
(٢) " مختصر صحيح مسلم " للمنذري: جـ ١ ص ١٢٦، الحديث ٤٦٥.
(٣) و(٤) " نيل الأوطار " للشوكاني: جـ ٤ ص ١١٦، و" اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ": جـ ١ كتاب الجنائز، ص ١٨٦.
[ ١٤٦ ]
طَبِيعَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الآحَادِ وَالمُتَوَاتِرِ:
إن هذا التثبت ليس رَدًّا لحديث قد ثبت عن النبي بل هو مراجعة على الراوي، وهذا يشمل كل ما يروى عن النبي - ﷺ -، فلم ينص أحد على التفرقة بين الحديث المتواتر وحديث الآحاد، لأن الاصطلاح لم يظهر في عصر الصحابة حتى يقال إنهم كانوا يتقبلون الأحاديث المتواترة ويردون أحاديث الآحاد أو يضيقون نطاقها، بل كانوا جميعًا يقبلون الحديث النبوي متى اطمأنوا إلى الرواية على النحو الذي سبق ذكره، وظل هذا خلال عصر التابعين بل والعصر الذي يليه (١).
وفي هذا قال ابن حزم: «إن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي - ﷺ - حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا» (٢) وقال أيضًا: «القرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض وهما شيء واحد في أنهما من عند الله - ومن جاء بعده خبر عن رسول الله يقر أنه صحيح وأن الحجة تقوم بمثله، أو قد صح مثل ذلك الخبر في مكان آخر، ثم ترك مثله في هذا المكان لقياس أو لقول فلان أو فلان، فقد خالف أمر الله ورسوله» (٣).
لقد جاءت عصور فيها وضع العلماء مصطلحات ظنها المتأخرون قواعد شرعية، وهي ليست من القرآن ولا من السنة ولا من آثار الصحابة - ﵃ -، ولكن كان الغرض من هذا المصطلح هو التفرقة في الحكم بالكفر
_________________
(١) " وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة " للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
(٢) و(٣) " الإحكام في أصول الأحكام ": جـ ١ ص ٨٨، ٩٧، ١٢٤.
[ ١٤٧ ]
بين من رد حديثًا متواترًا، فهذا يكون كافرًا، وبين من رد حديثًا غير متواتر لشكه في الرواية فهذا لا يكون كافرًا.
وكفر من رد الحديث النبوي المتواتر لا يكون إلا في حق من يعلم أن الحديث ثابت عن النبي - ﷺ -، ثم أصر على أنه غير ملتزم بالسنة النبوية الواردة في هذا الحديث وجحد حكمها وأنكره سواء تعلق الحكم بفرائض كعدد الصلوات أو نوافل كهيئة الصلاة وما ورد فيها من تسبيح لأن الرد والإنكار في هذه الأحوال ليس هو ترك العمل، فهذه معصية بل ينصب حول رد الوحي والرسالة في شطر منها، وهذا كفر بالله ورسوله (١).
٢٦ - أَخْطَاءٌ وَجِنَايَةٌ ضِدَّ السُنَّةِ:
إن قول عمر بن الخطاب: «لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرْي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ».
وكذلك تَحَفَّظَ بعض الصحابة كأبي بكر وعلي وعائشة وتحريهم نسبة الحديث إلى النبي - ﷺ - أصبح لدى بعض علماء عصرنا وخصوصًا بعض أساتذة علوم الشريعة منهجًا خاصًا في شأن رد خبر الآحاد لأنه ظني الثبوت مع أن هؤلاء الصحابة لم يصرحوا أو يلمحوا بذلك، بل لم يعرفوا اصطلاح المتواتر والآحاد لأنه ظهر بعد عصرهم. كما أن اصطلاح فقهاء المذاهب الجماعية في تقسيم الحديث النبوي إلى متواتر ومشهور، والآحاد تحول أثره من التفرقة بين من يحكم بردته وكفره وهو الذي يرد الحديث المتواتر، ومن لا يحكم عليه بالكفر وهو رد حديث الآحاد، تحول من هذا الأثر إلى القول إن أحاديث الآحاد ليست حُجَّةً في أمور مختلفة إذ يقول الشيخ محمد
_________________
(١) مثال ذلك كتاب " أصول الفقه الإسلامي " للشيخ زكي شعبان: ص ٦٧ حيث قال: «وَلَكِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَدَّ الحَدِيثَ». والمنقول أنه شك في حفظ الراوي ولم يرد حديثًا ثبت عنده.
[ ١٤٨ ]
عبده «ولا يمكن أن يعتبر حديث من حديث الآحاد دليلًا على العقيدة» (١).
ويرى الدكتور عبد الحميد متولي أن سنة الآحاد لا يمكن أن يثبت بها حكم دستوري. ويرى آخرون أنها لا تصلح في الحدود والعقوبات، وهكذا ظهرت مادة علمية تغرس في نفوس الطلاب أن السنة النبوية ظنية الثبوت، وهم يعلمون أن الأحاديث المتواترة، نادرة، وأن أحكام الشريعة أكثرها من سنة الآحاد وأنها ملزمة للأمة، ومن ثم تصبح هذه الأقوال جناية ضد السنة النبوية لا تقل أثرًا عن جناية المستشرقين وتلاميذهم من المسلمين، لأن هذه الأقوال قد خلت من بيان المقصود من هذه الظنية وأنه لا أثر لها على العمل بهذه السنة في العبادات والمعاملات والحدود وغيرها ولم يذكر هؤلاء أن جمعًا من الفقهاء يقولون أن أحاديث الآحاد تفيد العلم وتوجب العمل لأنه لا عمل بغير علم حيث قال بذلك الإمام أحمد وبعض أهل الحديث وداود الظاهري وابن حزم وآخرين كما لم تقترن أوصاف هؤلاء لهذه السنة بالظنية، بما قرره الأحناف والشافعية وجمهور المالكية من أن هذا الظن يوجب العمل بهذه السنة لأنه لا تلازم بين وجوب العمل وإفادة علم اليقين بل يكفي الظن الراجح، بل قال الغزالي: أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل إذ يسمي الظن علمًا وهذا لا يتعارض مع قطعية وجوب العمل بها فالظن والقطع غير [واردين] على محل واحد، فمبعث الظن هو المخبر عنه من جواز الخطأ والنسيان ومعبث القطع إنما هو حكم الله ولا تعارض في أن حكم الله يوجب العمل بمقتضى الظن والعمل بخبر الآحاد قد تواتر بإجماع الصحابة وبتواتر الأحاديث الدالة على عمل النبي (٢).
_________________
(١) " الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ": جـ ٥ ص ٣٧ للشيخ عمارة عن " رسالة التوحيد " للأستاذ الإمام.
(٢) " المستصفى " للغزالي: جـ ١ ص ٩٣، و" الأحكام " للآمدي ": جـ ٢ ص ٤٩، و" الأحكام " لابن حزم: جـ ١ ص ١٠٧ - ١٣٣، و" أصول الحديث " للدكتور محمد عجاج الخطيب: ص ٣٠٢، و" الرسالة " للإمام الشافعي: ص ٤٠١، و" ضوابط المصلحة " للدكتور محمد سعيد [البوطي]: ص ١٦٥، و" التقريب " للنووي: ص ٤١.
[ ١٤٩ ]
٢٧ - السُنَّةُ وَالمُصْطَلَحَاتُ الحَدِيثَةُ:
الحديث المتواتر عند من يأخذون بهذا الاصطلاح هو الذي يرويه عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب، ويشترط أن يتوفر هذا العدد من الرواة في زمن صحابة النبي - ﷺ - وزمن التابعين، ثم عصر تابع التابعين.
أما الحديث المشهور أو المستفيض فهو ما رواه الآحاد من الرواة في عصر الصحابة، ثم رواه في الطبقتين التاليتين عدد يبلغ حد التواتر.
أما حديث الآحاد فهو الذي لم يبلغ حد الشهرة ولا حد التواتر، ولكن من الفقهاء من يقسم السنة النبوية إلى متوتر وآحاد، وبذلك يكون المشهور ضمن أحاديث الآحاد.
إن أصحاب هذا المصطلح لم يتفقوا على عدد الرواة الذي يكون فاصلًا بين المتواتر والمشهور والآحاد فقد اختلفوا في عدد رواة الحديث من كل نوع حتى تجد المشهور عند قوم متواترًا عند آخرين، فالباقلاني يحدد المتواتر بما رواه أربعة فأكثر واشترط غيره عشرة، بينما عند أبي الهذي عشرين فأكثر.
قال الحافظ ابن كثير: «والشهرة أمر نسبي، فقد يشتهر عند أهل الحديث أو يتواتر ما ليس عند غيرهم [بالكلية]، ثم [قد] يكون المشهور متواترًا أو مستفيضًا، وهو ما زاد نقلته على ثلاثة.
وعن القاضي الماوردي: أن المستفيض أقوى من
[ ١٥٠ ]
المتواتر. وهذا اصطلاح [منه]» وقال: «وقد يشتهر بين الناس أحاديث لا أصل لها، أو هي موضوعة بالكلية. وهذا كثير جدًا، ومن نظر في كتاب " الموضوعات " لأبي الفرج بن الجوزي عرف ذلك، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: " أربعة أحاديث تدور بين الناس في الأسواق لا أصل لها: " مَنْ بَشَّرَ بِخُرُوجِ آذَارْ بَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ " وَ" مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ " وَ" نَحْرُكُمْ يَوْمَ صَوْمِكُمْ " وَ" لِلْسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ "».
إن المتواتر عند من يأخذون به ينقسم إلى متواتر في اللفظ وهو الذي روي في الطبقات الثلاث بلفظ واحد مثل حديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ».
ومتواتر في المعنى وهو الذي تختلف ألفاظه ورواياته ولكن يتواتر معناه مثل أحاديث الصلوات ومناسك الحج وغيرها مما لا مجال لحصره لأنه كثير منهم من يروي الأحاديث بالمعنى، أي بألفاظ من عنده فالخطبة الواحدة أو الموضوع الواحد يرويه بألفاظ مختلفة ولم ينكر أحد منهم ذلك، وفي هذا قال الصحابي زُرَارَةُ بْنِ أَوْفَى: «لَقِيتُ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظِ وَاجْتَمَعُوا فِي المَعْنَى» (١).
وقد استدلوا لذلك بقول النبي - ﷺ -: «نَضَّرَ اللَّهُ امَرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ» (٢).
والتواتر المعنوي في الأحاديث النبوية، هو الذي قصده شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله:
_________________
(١) " الجامع لأحكام القرآن " للقرطبي: جـ ١ ص ٤١١.
(٢) رواه أحمد بسند صحيح.
[ ١٥١ ]
«فَالمُسْلِمُونَ عِنْدَهُمْ [نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ عَنْ نَبِيِّهِمْ بِأَلْفَاظِ القُرْآنِ وَمَعَانِيهِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَبِالسُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ] مِثْلُ: كَوْنِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَالعِشَاءِ أَرْبَعًا، وَ[كَوْنِ] المَغْرِبِ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ، وَكَوْنِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ وَمِثْلُ الجَهْرِ فِي العِشَائَيْنِ وَالفَجْرِ [وَالْمُخَافَتَةِ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَمِثْلُ كَوْنِ الرَّكْعَةِ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ]، وَكَوْنِ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا، وَرَمْيِ الجَمَرَاتِ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَبْعُ حَصَيَاتٍ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ» (١) (*).
ومع هذا فإن المتواتر المعنوي قد عده أصحاب هذا المصطلح ضمن أحاديث الآحاد مع كثرة رواته في الطبقات الثلاث، فمثلًا خطبة النبي في حجة الوداع تدخل ضمن المتواتر المعنوي، ولا يعدونها قطعية الثبوت.
إن النتائج المترتبة على هذا التقسيم قد تبدلت في عصرنا عن بعض الكُتَّابِ، فالذين أتوا باصطلاح الحديث المتواتر لم يرتبوا على هذا التقسيم رد سُنَّةِ الآحَادِ وعدم العمل بها، فهم متفقون على أن حديث الآحاد إذا رواه العدل الثقة وجب العمل به، ومنهم من قال إنه قطعي الثبوت (٢).
وهذا يشمل أمور الدين كلها سواء كانت عقائد أم عبادات أم معاملات.
وكما اختلفوا في مسألة التواتر وشروطها، فقد اختلفوا في العمل بآحاديث الآحاد، إذا خالفت القرآن أو المتواتر من حديث النبي - ﷺ -. فيرى أبو حنيفة ألا يعمل رواية بخلافه في الحياة العملية، ويرى مالك أنه إن خالف عمل أهل المدينة دل على عدم صحة نسبته إلى النبي - ﷺ -، وقال الجبائي: لا يعمل به إلا إذا رواه اثنان فأكثر، بينما يكتفي
_________________
(١) نقلًا عن كتاب " الحديث النبوي " للصباغ: ص ٢٤٥.
(٢) قال ذلك ابن حزم في " الإحكام ": جـ ١ ص ١١٩ واستحسنه ابن القيم في كتابه " مختصر الصواعق المرسلة ": ص ٤٨٧ وفي " إعلام الموقعين ": ص ٣٩٤ جـ ٢، وهو معنى قول الشافعي في " الرسالة ": ص ٤١٢ والنووي في " التقريب " بالنسبة لأحاديث البخاري ومسلم وكذا الشيخ أبو عمرو بن الصلاح و" تيسير الوحيين " للنجدي: ص ١٥ والألباني في الحديث: ص ١٥. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " لابن تيمية، تحقيق: علي بن حسن - عبد العزيز بن إبراهيم - حمدان بن محمد، ٣/ ١٣، الطبعة الثانية، ١٤١٩هـ / ١٩٩٩م، نشر دار العاصمة، المملكة العربية السعودية.
[ ١٥٢ ]
الإمام الشافعي بصحة السند واتصاله بالنبي عن طريق رجال ثقات عدول وهو نفس منهج الإمام أحمد وأهل الظاهر.
كما يختلفون في أمر لا أثر له على قبول الحديث والعمل به. فمنهم من يرى أن حديث الآحاد يفيد غلبة الظن ولا يفيد اليقين وبالتالي فهو ظني الثبوت، ويرى آخرون أنه قطعي الثبوت ثم ظهر بعد ذلك من رأى عدم الأخذ به في العقائد، بل تجاوز بعض المسلمين ذلك فقالوا: الحكم الشرعي في العقائد يحرم أن يكون دليلًا ظنيًا، وكل مسلم يبني عقيدته على دليل ظني يكون قد ارتكب حرامًا، وكان آثمًا عند الله (١).
والذي يلفت النظر أن اصطلاح أحاديث الآحاد والأحاديث المتواترة وما نتج عن ذلك من تفرقة في الأحكام الشرعية، لم يكن عند صحابة رسول الله - ﷺ - فلم تؤثر هذه التفرقة، فهي لم توجد إلا على أثر ظهور أحاديث موضوعة من أعداء الإسلام أو من غيرهم ومنسوبة إلى النبي - ﷺ -، مما استوجب التثبت في الأمر والتأكد من صحة نسبة الحديث إلى النبي - ﷺ -. ومثل هذا التثبت يتفاوت الناس فيه - ومن هنا كانت العلة في هذا التقسيم وكانت نتيجته أن من توقف في قبول حديث من هذا النوع لا يعد كافرًا - بينما من توقف في الأخذ بحديث من الأحاديث المتواترة وأنكره يعد كافرًا.
بِدْعَةُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ:
لقد تجاوز بعض العلماء المعاصرين الغاية التي من أجلها وجد تقسيم الحديث
_________________
(١) كتاب " الدوسية " من كتب حزب التحرير (الإسلامي) (*): ص ٦. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) كثير من مناضلي هذا الحزب وأتباعه يرفضون إضافة صفة (الإسلامي)، فالتسمية الصحيحة (حزب التحرير) فقط.
[ ١٥٣ ]
إلى متواتر وآحاد ألا وهي عصمة دم من رد حديثًا غير متواتر للشك في الراوي:
١ - «فوجدنا من يقطع بأنه لا يمكن أن تتخذ حديثًا من أحاديث الآحاد دليلًا على العقيدة، مهما قوي سنده، لأن المعروف عند الأئمة قطبة أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن، وأن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وهذه نتيجة تغاير تمامًا المعروف عند العلماء كما أوضحناه من قبل.
٢ - ووجدنا من يقول إن كل مسلم يبني عقيدته على دليل ظني يكون قد ارتكب جرمًا وإثمًا.
٣ - كما قيل إنه لا فرق بين القرآن وبين السنة في حق الصحابة من حيث وجوب الامتثال، بينما يختلف هذا الموضوع في حق من جاء في الأعصر المتأخرة، لأن الأحاديث لم تصلهم عن طريق متواتر يقيني» (١).
كما قال الدكتور عبد الحميد متولي: «إن أحاديث الآحاد لا تصلح في الأمور الدستورية لأهميتها، وقال غيره: إنها لا تصلح في العقوبات لخطورتها، ثم كان رد بعض العلماء بأن عدم يقينية أخبار الآحاد هو ما قرره جميع فقهاء الشريعة الإسلامية، بل قيل لم نسمع أن فقيهًا واحدًا ادعى أن أخبار الآحاد تفيد اليقين» (٢).
_________________
(١) " الحديث النبوي " للشيخ محمد الصباغ: ص ٢٧.
(٢) مذكرات مطبوعة للدراسات العليا بكلية الشريعة والقانون بالكويت وعنوانها " نظام الحكم في الإسلام " للدكتور حسن صبحي. وهذا اسم كتاب الدكتور عبد الحميد متولي، فوجب التنويه.
[ ١٥٤ ]
جَوْهَرُ الخَطَأِ العِلْمِيِّ:
إن جوهر الخطأ في هذه الأقوال هو القطع بأن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن، والزعم بأن أحدًا لم يقل أو يدعي أنها تفيد اليقين.
والقطع بأنها لا تصلح في أمور العقيدة بل من المحزن القول بأن من بنى عقيدة على حديث آحاد قد ارتكب إثمًا.
ومن دواعي الحزن والأسى أن أكثر مدرسي الفقه الإسلامي بالجامعات يتوسعون في إثبات ظنية أحاديث الآحاد، ويلقنون هذه الظنية دون بيان سبب هذا المصطلح المستحدث وآثاره، مما يسر اقتناع الطلاب بالتيارات التي تدعي رد هذه السُنَّةِ في بعض الأمور. وقد حدد الشيخ النجدي هذا الخطر بقوله: «رأوا تقسيم الأحاديث إلى متواترة وآحادية، فادعوا أنه لا يقبل في العقائد إلا المتواتر، وقد ادعى من جازف منهم وقل علمه بالإجماع على ذلك وهذا قول ينادي على فساد نفسه» (١).
وبعض الخطأ يكمن في نقل مصطلح وجد أثناء تصفية السنة، وقد زال بعد ثبوتها وتدوينها وأصبح معلومًا أن الشك أو الظن في الأحاديث لا محل له بعد القرن الثالث الهجري.
وإن العلة في التفرقة بين المتواتر والآحاد هي عصمة دم من رَدَّ حديثًا غير متواتر للشك في رواته؟ ومع هذا فالتواتر اللفظي أنكر ابن الصلاح وآخرين وجوده وأقر غيره وجوده في عدة أحاديث ولكن الإجماع منعقد على أن العمل بأحاديث الآحاد واجب ولا تحل مخالفته (٢).
_________________
(١) كتاب " تيسر الوحيين " للشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي: ص ١٥، ١٦. الطبعة الرابعة.
(٢) " أصول الفقه الإسلامي " للأستاذ محمد مصطفى شلبي: ص ١٢٩.
[ ١٥٥ ]
٢٨ - أَحَادِيثُ الآحَادِ بَيْنَ الظَنِّ وَاليَقِينِ:
إذا كان قد نقل عن الإمام مالك - ﵁ - أنه يقدم عمل أهل المدينة على أحاديث الآحاد، وعن الإمام أبي حنيفة - ﵁ - أنه يقدم القياس على سنة الآحاد.
فذلك كان قبل تدوين السنة وتمحيصها ومعرفة الصحيح منها وغير الصحيح، وبالتالي فكان عمل أهل المدينة أو القياس أكثر اطمئنانًا عندهما من الحديث الذي لم يثبت، وهما لا يقدمان شيئًا على الحديث الصحيح، ومن ثم نقل عنهما وعن غيرهما إذا صح الحديث فهو مذهبي.
من أجل ذلك رحل محمد بن الحسن (صاحب أبي حنيفة) من العراق إلى المدينة، والتقى الإمام مالك وقرأ عليه " الموطأ " ثم قارنه بما لدى شيخه أبي حنيفة من أحكام، بحيث إذا وجد في مذهب الأحناف حكمًا يخالف حديثًا صحيحًا أثبت الحكم من الحديث وترك القياس (١).
ولم يكن " صحيح البخاري " أو " مسلم " موجودًا حتى يرجع إليهما الفقيه محمد بن الحسن.
_________________
(١) " حجة الله البالغة " و" الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف " للإمام ولي الله الدهلوي: ص ٥٢، ٥٣.
[ ١٥٦ ]
وأيضًا رحل أبو يوسف الصاحب الثاني لأبي حنيفة إلى المدينة، وقرأ " الموطأ " وصحح ما لديه من الفقه.
كما كثرت المناظرات العلمية في هذا الشأن، من ذلك مناظرة الشافعي لمحمد بن الحسن في حجية أحاديث الآحاد واقتناع الأخير بعدم جواز تقديم القياس عليها، ولهذا أيضًا نجد الإمام النووي في " المجموع " ينقل رأي شيخه الشافعي، فإذا وجد حديثًا صحيحًا أثبته وقال: وهذا هو المذهب.
إننا لا نجد في أن خلافًا وقع بشأن مدى ثبوت أحاديث الآحاد ولكنه لا مجال له اليوم، ولذا يقول أبو الطيب صديق حسن خان: «والخلاف في إفادة خبر الآحاد الظن أو العلم مقيد بما إذالم يضم إليه ما يقويه وما إذا انضم إليه ما يقويه، أو كان مشهورًا أو مستفيضًا، فلا يجدي فيه الخلاف المذكور، ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع عليه، قد صيره من المعلوم صدقه، وهكذا خبر الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول».
وقد أوضح ابن الصلاح أن ما رواه البخاري أو مسلم مقطوع بصحته، عدا ما تكلم فيه أهل الثقة من الحفاظ كالدارقطني، وقال ذلك ابن كثير في " علوم الحديث "، ونقله العراقي في " شرحه على ابن الصلاح " عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي وأبي إسحاق الإسفراييني والقاضي أبي الطيب وأبي أسحاق الشيرازي، ونقله أيضًا عن السرخسي الحنفي أو عن القاضي عبد الوهاب (من المالكية) وعن أبي الخطاب وأبي يعلى من الحنابلة وعن أكثر أهل الحديث، ورجح ذلك الحافظ ابن حجر (١).
_________________
(١) " الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث " لابن كثير: ص ١٦، وكتاب " الحديث حجة في العقائد والأحكام " للشيخ محمد [ناصر الدين] الألباني: ص ٥٨، و" علوم الحديث ": ص ٢٥.
[ ١٥٧ ]
ولما كان الأحناف يرون أن الحديث المستفيض يوجب العلم به، وكان حديث الآحاد في اصطلاحهم هو ما رواه في الطبقات الثلاث (الصحابة والتابعين وتابع التابعين) عدد لا يبلغ حد التواتر، وكان حد التواتر من خمسة رواة فأكثر.
وكان من الاصطلاح عندهم أن الحديث إن اشترك في روايته اثنان أو أكثر يسمى عزيزًا، وإن كان الرواة في أي طبقة أكثر من ثلاثة سمي مشهورًا ومستفيضًا. فإنه لا يوجد ضوابط يعتمد عليها للتفرقة بين الآحاد والمشهور أو المتواتر، إذ أن زيادة رَاوٍ وَاحِدٍ لحديث الآحاد ينقله إلى المشهور وزيادة رَاوٍ وَاحِدٍ إلى الخبر المشهور يجعله متواترًا، فضلًا عن أن هذه الشروط لم تكن عند صحابة رسول الله فقد كان حديث الآحاد عندهم مقبولًا في العقائد وغيرها. والقرآن يثبت الحقوق بشهادة اثنين من العدول.
وعلى ذلك فلا يحل لمسلم أَنْ يَرُدَّ حديثًا صحيحًا أو أن يزعم أن العمل به غير جائز في أمور العقيدة أو في المعجزات أو في الشؤون الدستورية أو في العقوبات أو الحدود، ولو جاز هذا المنطق لما وجد ما يمنع هؤلاء أو غيرهم من القول بأن أحاديث الآحاد لا يعمل بها في الأمور الاقتصادية لخطورتها أو في المعاملات لأهميتها، وبالتالي يصبح الإسلام طقوسًا أو لا يحكم حياة الناس ومعاملاتهم ويخضع لقاعدة (دَعْ مَا لِقَيْصَرْ لِقَيْصَرْ، وَمَا للهِ للهِ)، أو يصبح الإسلام اشتراكية علمية حسب الأسلوب الأخير للبلاشفة، وهو الزعم بأن الماركسية نظام اقتصادي ولا شأن له بالأديان، والمسلم الذي يطبق العدل الماركسي إنما يطبق الإسلام.
وتكون النتيجة أن الإسلام لا يمنع أن نأخذ بالماركسية كنظام اقتصادي أو بالرأسمالية كنظام عالمي، ورحم اللهُ أئمة المذاهب الجماعية فلو كانوا يعلمون أن تقسيم الحديث سيؤدي إلى هذه النتائج ما أقروا التقسيم.
[ ١٥٨ ]
ورحم اللهُ الإمامَ الشافعي إذ يقول في كتابه " الرسالة ": «ولم أحفظ من فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد فلا يجوز عندي عن عالم أن يُثبت خبر واحد كثيرًا، وَيُحِلُّ بِهِ، وَيُحَرِّمُ، ويردَّ مثله إلا من جهة أن يكون عنده حديث يخالفه، أو يكونَ ما سمع ومَنْ سمع منه أوثقَ عنده ممن حَدَّثَهُ خِلاَفَهُ، أو يكونَ من حدثه ليس بحافظ، أو يكونَ مُتَّهَمًا عنده، أو يَتَّهِمَ من فوقه ممن حدثه، أو يكونَ الحديث محتملًا معنيين، فَيَتَأَوَّلَُ فيذهبَُ إلى أحدهما دون الآخر» (١).
٢٨ - حَقِيقَةُ الظَنِّ المَنْسُوبِ لِلْسُنَّةِ:
لما كان ذلك فإن قول بعض العلماء إن الأئمة قاطبة يرون أن أحاديث الآحاد تفيد الظن ولا يعمل بها في العقائد والمعجزات أو في الشؤون الدستورية والحدود أمر ليس صحيحًا حتى لو ظل بعض المدرسين بالجامعات ينقل هذا بغير إدراك لهذه النتائج. إن من يرون أن هذا الحديث ظني الثبوت لديهم شبهة في صحة نسبة الخبر إلى النبي، فالحديث المذكور غير مقطوع بصحته في فهمهم أما الظن الوارد في القرآن الذين يستندون إليه، فموضوعه هو قول الله تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى، وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٧، ٢٨].
فادعاء الكفار أن الملائكة إناث وأنهم بنات الله، وأن الله اصطفى البنات على البنين كما ورد في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ، أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات: ١٤٩ - ١٥٤]. ظن باطل
_________________
(١) " الرسالة ": ص ١٠٠ وما بعدها.
[ ١٥٩ ]
وهذه المزاعم هي التي قال الله عنها: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].
فالظن في هذه الآيات وفي حديث " مسلم " «فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ» ليس هو اصطلاح الظنية الذي أتى بها العُلَمَاءُ المُحْدَثُونَ، والفرق شاسع بين المعنى في الحالتين.
فالظن الوارد في هذه الآية وارد في معرض ترك الحق الثابت باليقين واتباع الهوى الذي لا دليل عليه، وليس كذلك الظن المنسوب إلى أحاديث الآحاد، فإطلاق كلمة الظن على أحاديث الآحاد وهي في حقيقتها أكثر السنة النبوية وربطها بالمعنى الوارد عند بعضهم في عبارة «إن الأئمة قاطبة يرون أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا» خطأ مبين حيث أورد للظن معنى واحدًا حصره في المفهوم الذي اتبعه المشروكون في مواجهة حقائق القرآن، بينما الظن أصله «إِدْرَاك الذِّهْن الشَّيْء مَعَ تَرْجِيحه [وَقد يكون مَعَ اليَقِين]» (١)، وقد يرد في القرآن الكريم بمعنى اليقين كقول الله ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ، كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٢).
وهذا القول غير صحيح لأن الأئمة قاطبة لم يقولوا إن أحاديث الآحاد ظينة الثبوت، فمنهم من قال إنها قطعية الثبوت كابن الصلاح والسيوطي وابن حزم وآخرين.
وأيضًا لأن من قال: إن هذه الأحاديث ظنية الثبوت لم يربط هذه
_________________
(١) " المعجم الوسيط ": جـ ٢ باب الظاء.
(٢) [سورة البقرة، الآيتان: ٤٥، ٤٦] [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر " المعجم الوسيط ": مجمع اللغة العربية، الإدراة العامة للمعجمات وإحياء التراث، (باب الظاء)، ص ٥٧٨، الطبعة الرابعة: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م، مكتبة الشروق الدولية.
[ ١٦٠ ]
الظنية وبين الظن الوارد في قول الله ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، وفي الحديث «فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ».
ولم يجعل هذا الاصطلاح مضعفًا لهذه السنة بحيث لا تصبح حجة في بعض أمور الدين، بل جعل الفارق بين الآحاد والمتواتر قاصرًا على حكم من شك في الحديث النبوي، فالوارد بطريق التواتر، لا مجال للشك فيه وبالتالي من رده كان كافرًا، أما ما ورد بطريق الآحاد يصبح محلًا للنظر في مدى صحة نسبته إلى النبي - ﷺ -، ومن ثم لا يكفر من شك في ثبوت حديث بذاته أما من شك في جميع أحاديث الآحاد ولم يأخذ بها يكون منكرًا للسنة ويكفر بذلك وظنية الآحاد سببها جواز الخطأ والنسيان من الراوي الواحد.
السُنَّةُ بَيْنَ القَطْعِيَّةِ وَالظَنِّيَّةِ:
إن القول بظنة سنة الآحاد أريد به جواز الخطأ والنسيان على الراوي الثقة، وقد نسب ذلك النووي إلى الأكثرية (١) وبهذه الظنية رد البعض حكمها.
ولكن هذا لا ينطبق على جميع سنة الآحاد، بل على ما كان ضعيفًا منها أو الأحاديث التي حدث كلام في صحتها، ولهذا توجد ثلاثة مذاهب توجب القطع بثبوت أحاديث الآحاد، وتتلخص في:
١ - مذهب يقول إنها قطعية ولو لم تكن في " البخاري " و" مسلم ".
٢ - مذهب يرى أن القطعية خاصة بما رواه البخاري ومسلم.
_________________
(١) " التقريب ": ص ٤١ و" مناهج الاجتهاد ": ص ١٢٣ و٢١٩ و٢٢٧.
[ ١٦١ ]
٣ - مذهب يرى أن سُنَّةَ الآحاد قطعية الثبوت في كل ما تلقته الأمة بالقبول وهو ما رجحه الحافظ ابن حجر في " شرح النخبة " (١). وما قاله ابن حزم في " الإحكام " «نقلًا عن الإمام أحمد والحارث بن أسد المحاسبي والحسين بن علي الكرابيسي وأبو سليمان الخطابي، كما روي عن عن مالك أنه قطعي موجب للعمل والعمل معًا» جـ ١ ص ١٠٨.
ومنهم من قال: يفيد العلم اليقيني كابن الصلاح في " علوم الحديث ": ص ٢٨، وابن كثير في " مختصر علوم الحديث ": ص ٢٨، وابن تيمية كما في " مختصر الصواعق ": جـ ٢ ص ٣٨٣، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة من الأولين والآخرين، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة مثل السرخسي والرازي من الحنفية، وابن حامد أبي الطيب وأبي أسحاق من الشافعية وأبي يعلى وأبي الخطاب، وأبي موسى من الحنابلة وذكره ابن الصلاح واختاره ومن قال أنه تفرد به عن الجمهور لم يرجعوا إلى هذه المسائل ونزلوا إلى كلام ابن الحاجب ولو ارتفعوا درجة إلى السيف الآمدي وإلى ابن الخطيب وإلى الغزالي والجويني والباقلاني لعرفوا ذلك (٢).
والنتيجة التي انتهى إليها الذين قالوا بالقطعية أو الظنية هي ما لخصه ابن القيم في قوله (٣): «والذي ندين به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله - ﷺ -، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، إن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان لا راويه ولا غيره».
_________________
(١) " قواعد التحديث " للأستاذ محمد جمال الدين القاسمي: ص ٨٧ من " شرح النخبة ": ص ٧.
(٢) المرجع السابق: ص ٨٧ نقلًا عن إعلام الموقعين.
(٣) " الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام " للألباني: ص ٥٨.
[ ١٦٢ ]
٢٩ - أَحَادِيثُ الآحَادِ وَالعِلْمِ اليَقِينِي:
الحديث النبوي قد يرويه في عصر الصحابة وعصر التابعين وعصر تابع التابعين، عدد من الرواة يستحيل تواطؤهم على الكذب ويسمى هذا بالحديث المتواتر.
ولكن هذا العدد الذي لا يحصى قد لا يتحقق في هذه الطبقات الثلاث، وفي هذه الحالة يطلق عليه اسم حديث الآحاد مثل حديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» الوارد في أول كتاب البخاري، فقد رواه الصحابي عمر بن الخطاب ولكنه اشتهر وشاع في عصر التابعين ومن بعدهم حتى رواه عدد لا يحصى في هاتين الطبقتين.
ومثل هذا الحديث أجمع على نقله أصحاب كتب الحديث المشهورة المتداولة، ولهذا يرى آخرون أن مثل هذه الأحاديث متواترة إذا أجمعت هذه الكتب على إثباتها وتعددت طرقها مما يستبعد معه تواطؤهم على الكذب (١).
ولقد أجمع العلماء على أنه فرض على كل مسلم أن يعمل بما صح من السنة النبوية سواء في ذلك ما يعد متواترًا أو آحادًا، [(٢)] ولكنهم اختلفوا في مسألة إثبات العقائد والمعجزات بسنة الآحاد، فجمهور الفقهاء يرون أن
_________________
(١) الشيخ الألباني - " وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة ": ص ٢٤.
(٢) " مناهج الاجتهاد ": ص ٥٠٨، والشيخ شلتوت في " الفتاوى ": ص ٦٢.
[ ١٦٣ ]
أمور العقيدة لا تؤخذ إلا من النصوص المتواترة (١)، ويرى غيرهم أنه طالما أن العمل بالسنة كلها مجمع عليه فيستحيل أن يعمل المسلم بشيء ولا يعتقد به.
وقد استدل هؤلاء الفقهاء على ذلك بالآتي:
أولًا: إن التفرقة بين الأحاديث النبوية والقول إن هذا متواتر فنأخذ به في جميع الأمور لأنه قد رواه خمسة فأكثر أو سبعة فأكثر. وذلك آحاد لا يؤخذ به في أمور لأن رواته في عصر النبي - ﷺ - لم يبلغوا حد التواتر سالف الذكر.
هذه التفرقة لا دليل عليها من القرآن أو السنة، أو إجماع الصحابة أو أقوال جمهورهم أو بعضهم وبالتالي فإنه لا يوجد سند شرعي لهذا التقسيم خصوصًا وأن القرآن الكريم قد اعتد بخبر الاثنين والأربعة وأخذ به في الحدود بما فيها من إرهاق النفس في القصاص أو غيره.
قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ [النور: ٤].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].
ثانيًا: إن ما عليه السلف الصالح في أمر العقائد قد تجسد في آراء أحمد بن حنبل في رسائله وإجاباته، وهي تدل على أنه كان يقبل أحاديث الآحاد في الاعتقاد، ويسير على مقتضاها ولا يقتصر في الأخذ بها على العمل، فالإيمان
_________________
(١) " تيسير الوحيين " للشيخ النجدي: ص ١٥ و" مناهج الاجتهاد ": ص ٥٠٨.
[ ١٦٤ ]
بعذاب القبر ومنكر ونكير والحوض والشفاعة، والدجال ونزول عيسى، كل هذا وغيره أخذه عن أحاديث الآحاد.
كما أن كل ذي حس وبصيرة يدرك أن المسلم لا يؤدي العبادة إلا بعد اعتقاده بصحة الحديث النبوي الذي أمر بهذه العبادة، والمعلوم أن العبادات قد ثبتت كلها بأحاديث الآحاد، وأنها تضمنت أمورًا هي من العقائد (١) ومنها الحديث الوارد في " البخاري " و" مسلم " الآمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويؤدوا أركان الإسلام وقد استند إليه الخليفة الأول في قتال مانعي الزكاة وأجمع الصحابة على ذلك.
ثالثًا: أن القرآن الكريم قد تضمن اختصاص الرسول ببيان أحكام القرآن وتفصيلها. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
والرسول إنما بلغ أحكام الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد بأخبار الآحاد فوجبت الطاعة التامة لهذه الأحكام، واعتقاد وجوبها لأن العمل بها يسبقه الاعتقاد بثبوتها إذ لا عمل بغير اعتقاد.
رابعًا: إن الأمانة والصدق في الرواية لا تكون بالعدد، ولهذا قال الدهلوي: «لَيْسَ مِيزَانُ التَّوَاتُرِ عَدَدُ الرُّوَاةِ وَلاَ حَالَهُمْ وَلَكِنَّ اليَقِينَ الذِي يَعْقُبُهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ» (٢).
_________________
(١) الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه " ابن حنبل ": ص ٢٢٦ بند ١١٥ و" المناقب " لابن الجوزي: ص ١٦٩.
(٢) " الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف " للإمام ولي الله الدهلوي: ص ٥٠.
[ ١٦٥ ]
لهذا أرسل النبي - ﷺ - عَلِيًّا وحده ليبلغ الناس في موسم الحج الأحكام الواردة في سورة التوبة وفيها ما يتعلق بالكفر والإيمان وهذه من العقائد.
فلو كان خبر الواحد لا يعمل به في العقائد لأرسل النبي - ﷺ - وفدًا. ولكنه لم يفعل ذلك، بل أرسل نفرًا واحدًا لكل بلد ليبلغ أهلها أحكام الدين كلها بما فيها العقائد والعبادات والمعاملات.
خامسًا: إن أهل البلاد استقبلوا مبعوث النبي وهو فرد واحد وتلقوا عنه هذه الأحكام. وظل الصحابة والسلف الصالح من بعدهم يقبلون خبر الآحاد في العقائد وغيرها، حتى ظهرت التقسيمات النظرية التي لا تستند إلى شيء إلا المنطق العقلي، وهو ليس مصدرًا للأحكام الشرعية بل وينقضه منطق عقلي مخالف.
سادسًا قول ابن تيمية في كتابه " الفتاوى ": «كَانَ جُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَوْ عَمَلًا بِهِ أَنَّهُ يُوجِبُ العِلْمَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد إلاَّ فِرْقَةً قَلِيلَةً مِنْ المُتَأَخِّرِينَ اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الكَلاَمِ» (١).
سابعًا: وهذه الحقيقة ثابتة ومؤكدة منذ عصر الصحابة فأول رسالة في هذا كتبها الإمام الشافعي فقال: «اِجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَديثًا عَلَى تَثْبِيتِ خَبَرَ الوَاحِدِ وَالاِنْتِهاءِ إِلَيه» (٢).
_________________
(١) " مجموع الفتاوى ": جـ ١٣ ص ٣٥١.
(٢) " الرسالة ": ص ١٠٦ - ١٢١.
[ ١٦٦ ]
ثامنًا: قال الكرابيسي وابن منداد وابن حزم وأبو يعلى الحنبلي: إن خبر الواحد حجة في العقائد، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي " التَّبْصِرَةِ " وَ" شَرْحِ اللُّمَعِ ": «وَخَبَرُ الوَاحِدِ إِذَا تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ يُوجِبُ العِلْمَ وَالعَمَلَ سَوَاءٌ عَمِلَ بِهِ الكُلُّ أَوِ البَعْضُُ» ولو كان هناك دليل قطعي على أن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد لصرح بذلك الصحابة (١).
تاسعًا: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: «جَمِيعَُ مَا حَكَمَ مُسْلِمٌ - ﵀ - بِصِحَّتِهِ فى هَذَا الكِتَابَ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ وَالعِلْمَ النَّظَرِيَّ حاصِلٌ بِصِحَّتِهِ فِي نَفْسِ الأَمْرِ وَهَكَذَا مَا حَكَمَ البُخَارِيُّ بِصِحَّتِهِ في كِتَابِهِ وَذَلِكَ لأَنَّ الأُمَّةَ تَلَقَّتْ ذَلِكَ بِالقَبُولِ سِوَى مِنْ لاَ يُعْتَدُّ بِخِلاَفِهِ وَوِفَاقَِهِ فِي الإِجْمَاعِ» (٢).
عاشرًا: قال ابن حزم: «فَخَبَرُ الوَاحِدِ إِذَا اتصل برواية العدل إلى رسول الله وجب العمل به ووجب العلم بصحته إذ الناقل للخبر إما أن يكون عدلًا أو فاسقًا، فإن كان فاسقًا فقد أمرنا بالتبين في أمره وخبره، فأوجب ذلك سقوط قوله فلم يبق إلا العدل فكان هو المأمور بقبول روايته»، وقال: «جَمِيعُ أَهْل الإِسْلامِ كَانُوا عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الوَاحِدِ الثِّقَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَجْزِي عَلَى ذَلِكَ كُلَّ فِرْقَةَ فِي عِلْمِهَا كَأَهْلِ السِّنَّةَِ وَالخَوَارِجَ وَالشِّيَعَةَِ وَالقِدْرِيَّةَ حَتَّى حَدَثَ مُتَكَلِّمُو المُعْتَزِلَةَ بَعْدَ المِائَةِ مِنَ التَّارِيخِ فَخَالَفُوا الإِجْمَاعَ» (٣).
حادي عشر: وقال السفاريني: «وَلَمَّا وَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ عَلَى اخْتِيَارِ ابْنِ الصَّلاَحِ مِنْ أَنَّ مَا أُسْنِدَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ، قَالَ: وَإِنَّا مَعَ ابْنِ الصَّلاَحِ فِيمَا عَوَّلَ عَلَيْهِ وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ» (٤).
_________________
(١) " وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة ": ص ٢٤.
(٢) " شرح النووي لصحيح مسلم ": جـ ١ ص ١٤.
(٣) " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم: جـ ١ ص ١٤ - ١٧.
(٤) " لوامع الأنوار البهية " للسفاريني: ص ١٧.
[ ١٦٧ ]
ثاني عشر: وأخيرًا فقد نقل عن ابن كثير أنه وقف على كلا (الشيخ) ابن تيمية مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من أهل الإسلام، ثم قال ابن تيمية: «وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الحَدِيثِ قَاطِبَةً، وَمَذْهَبُ السَّلَفِ عَامَّةً» (١).
ولما كان ذلك كذلك، فقد أخطأ من ذكرنا ممن قالوا إن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا ال ظن، كما أخطأ الشيخ محمود شلتوت خطأ فادحًا فيما قرره بقوله أجمع العلماء على أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة أو المغيبات (٢).
فلا إجماع على ذلك حسبما أوضحناه من قبل، وأحاديث الآحاد التي ثار خلاف حول كونها قطعية الثبوت أم لا، لا نجد بين علماء الأمة خلافًا حول وجوب العمل بها لأن وجوب العمل لا مجال لتقريره إلا لأن العلم بهذه السُنَّةِ يقيني وليس ظَنِّيًّا (٣).
فضلًا عن ذلك كله فإن ادعاء أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن أو لا يعمل بها في العقائد ليس عليه أي دليل من القرآن أو السنة أو عمل الصحابة بل قامت هذه الأدلة وغيرها على أن الحديث النبوي إذا صحت نسبته إلى النبي يعمل به في جميع أمور الدين.
والشروط التي وضعها أصحاب هذا المعتقد تجعل الحديث المتواتر معدوم الوجود غالبًا عند جميع الفرق الإسلامية وإن وجد فهو في أربعة أحاديث أو خمسة، وجميع أمور الدين التي خول الله النبي تفصيلها وبيانها بالسنة هي أحاديث آحاد أجمع المسلمون على العمل بها ولكن الخلاف في مسألة العلم بها وهل هو ظني أو يقيني والحقيقة أن العمل لا يصح إلا إذا اعتقد المسلم بصحة الأمر به وقد استقر العمل بأحاديث الآحاد لاعتقاد المسلمين بثبوتها ويستوي أن يكون الثبوت على سبيل العلم القطعي أو اليقيني أو الظني.
_________________
(١) " العقيدة في الله " للشيخ عمر سليمان الأشقر: ص ٤٦.
(٢) " الإسلام عقيدة وشريعة ": ص ٧٥.
(٣) " الإحكام " لابن حزم: جـ ١ ص ١٠٨.
[ ١٦٨ ]
٣٠ - اِسْتِحَالَةُ العَمَلِ بِغَيْرِ اعْتِقَادٍ:
إن الذين قالوا إن أحاديث الآحاد تفيد وجوب العمل بها، ولا تفيد العلم الجازم، لا يريدون بذلك إنكار ما ورد بهذه الأحاديث أو رفض ما جاء بها، فمثلًا قد روى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كان يدعو في الصلاة بعد التشهد وقبل السلام، فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا، وَفِتْنَةِ المَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ» كما أورد الإمام مسلم هذا للدعاء في رواية لأبي هريرة فيها قال رسول الله - ﷺ -: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ [التَّشَهُّدِ الآخِرِ]، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ» وذكرها.
فهذا الدعاء وغيره من الأفعال الواردة في سُنَّةِ الآحَادِ، يعمل به هؤلاء الذين يقولون إن هذه الأحاديث ظنية الثبوت ومنهم من يتوقف في الإيمان بعذاب القبر والمسيح الدجال، لأنه اعتقاد قلبي والعقيدة عندهم لا تثبت إلا بدليل من القرآن الكريم أو السنة النبوية المتواترة.
أما الذين يقولون بأن أحاديث الآحاد توجب العلم والعمل مَعًا فيرون استحالة القول بوجوب العمل فقط لأن المسلم لا يتعبد بشيء إلا إذا اقترن ذلك بصحة هذا العمل وصدق الدليل الذي جاء به، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقد نهى تعالى عن القول بشيء لا يؤمن بصحته فقال - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
[ ١٦٩ ]
وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
وفي هذا روى ابن تيمية أن أبا بكر المروذي سأل الإمام أحمد بن حنبل عن إنسان يقول: «إِنَّ الخَبَرَ يُوجِبُ عَمَلًا وَلاَ يُوجِبُ عِلْمًا [فَعَابَهُ] وَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا [هَذَا]» (٢).
فهؤلاء يرون أنه من الصعب جدًا أو من المستحيل أن يكلف الله المسلم بدعاء التشهد وفيه التعوذ بالله من عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال، ثم يعمل المسلم ذلك وهو يعتقد أن الذي يستعيذ بالله منه أمر غير ثابت والعلم بصحته غير واجب شرعًا.
والجدير بالذكر أن الذين يقولون إن أحاديث الآحاد ليست حجة في العقائد، يستدلون على ذلك بأن العقيدة هي الجزم واليقين، وقد نهى الله عن اتباع الظن في العقائد فقال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].
ولكن يلاحظ أن الظن الوارد في هذه الآيات يتعلق بإثبات الألوهية لغير الله تعالى، وهذا يختلف تمامًا عن الظن المنسوب إلى أحاديث الآحاد، فالشرك مع الله تعالى يستند إلى ظن هو الوهم والخيال الكاذب الذي لا يوجد أدنى احتمال على صدقه.
_________________
(١) [الأعراف: ٣٣].
(٢) " المسودة " [لآل] تيمية: ص ٢٤٢.
[ ١٧٠ ]
أما أحاديث الآحاد فلا يقطع أحد بأنها من نوع الظن الكاذب فالغالب هو صحتها والاحتمال الضعيف هو عدم صحتها.
إن الظن قد يطلق على الوهم والكذب كما هو الحال بالنسبة لمعتقدات المشركين، وقد يطلق على اليقين كما في قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ، الذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١).
ويطلق الظن كما جاء في معاجم اللغة العربية على إدراك العقل لشيء مع ترجيح ذلك، وهذا الترجيح يتفاوت حتى يصل إلى درجة اليقين.
والظن المنسوب إلى أحاديث الآحاد هو من هذا النوع، ولا ارتباط بينه وبين النوع الأول من الظن والمشار إليه بالنسبة لمعتقدات المشركين.
إن الأمور التي ترد في أحاديث الآحاد وتوصف بأنها من العقائد، كالجنة والنار وفتنة المسيح الدجال وعذاب القبر، قد جعل بعض الفقهاء التصديق بها غير لازم لأنها أمور عقائدية لا تثبت إلا بالدليل القطعي كالقرآن والسنة المتواترة، بل منهم من قال بكفر من أخذ بهذا الخبر في مجال الاعتقاد لأنه لو جاز قبول خبر الآحاد في الرواية لجاز اتباع مدعي النبوة بلا معجزة (٢).
ولكن يجب أن نفرق بين الإيمان بالله وبالرسل وهذا أمر لا يثبت إلا بالأدلة القاطعة، وبين الأوامر الصادرة من الرسول إلى أتباعه الذين آمنوا به وصدقوه.
_________________
(١) [البقرة: ٤٥، ٤٦].
(٢) الإمام عبد الرحيم الأسناوي في كتابه " نهاية [السول] شرح منهاج الأصول في علم الأصول ": جـ ٢ ص ٢٣٩ (" المنهاج " للبيضاوي).
[ ١٧١ ]
فالذين اتبعوا الرسول - ﷺ - وآمنوا بصدق رسالته، يصدقون بكل ما جاء في السنة النبوية، ويستوي في هذا الأحكام العملية وغيرها، إذ يكفي في ثبوت صدورها عن النبي - ﷺ - العلم القريب من اليقين.
٣٠ - أُمُورُ العَقِيدَةِ وَالتَّوَقُّفُ فِي بَعْضِ السُنَّةِ:
لهذا فالذين توقفوا في شيء من أحاديث الآحاد، إنما فعلوا ذلك لأن الحديث لم يثبت عندهم، ومن القبيل ما رواه الإمام مسلم أن عبد الله بن عمرو (*) كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينفضن رؤوسهن، فسمعت عائشة أم المؤمنين ذلك فقالت: يَا عَجَبًا لابْنِ عَمْرٍو هَذَا يَأْمُرُ النِّسَاءَ [إِذَا اغْتَسَلْنَ] أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ. أَفَلاَ يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُؤُوسَهُنَّ، «لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَلاَ أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلاَثَ إِفْرَاغَاتٍ».
لذلك نجد الإمام أحمد بن حنبل قد صرح بأن حديث الآحاد يفيد العلم بنفسه (١).
وأحاديث الآحاد التي كانت محلًا للتوقف أو الظن هي التي رويت خلافًا للقواعد الشرعية الثابتة، ومن ثم وجد الشك في صدق الراوي أو قدرته على الحفظ، ومن قبيل ذلك ما رواه أصحاب الكتب الخمسة من أن فاطمة بنت قيس شهدت عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بأنها طلقت ثلاثًا فلم يجعل لها رسول الله نفقة ولا سكنى، فرد عمر شهادتها وقال: «لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لاَ نَدْرِي لاَ نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ (**)، لها النفقة والسكنى».
_________________
(١) " توضيح الأفكار ": جـ ١ ص ٣٧٠. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ورد في الكتاب المطبوع (عبد الله بن عمر) والصواب (عبد الله بن عمرو بن العاص) انظر " الجامع الصحيح " للإمام مسلم، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (٣) كِتَابُ الحَيْضِ (١٢) بَابُ حُكْمِ ضَفَائِرِ المُغْتَسِلَةِ، حديث رقم ٣٣١، ١/ ٢٦٠. الطبعة الثانية: ١٩٧٢ م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان. (**) في هذا يقول الدكتور مصطفى السباعي - ﵀ -: إن قول عمر «لاَ نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» لم يرد في كتاب من كتب الحديث قاطبة، وقد بحثت في كل مصدر استطعت الوصول إليه من مصادر الحديث في مختلف دُورِ الكُتُبِ العامة فلم أعثر على من ذكره بهذا اللفظ، بل الذي فيها «حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ» ولم يرد ذلك اللفظ إلا في بعض كتب الأصول، كـ " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " مَعْزُوًا إلى " صحيح مسلم "، وليس في " مسلم " إلا «حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ» وقد نَبَّهَ شارح " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " إلى هذا فقال: «وَالمَحْفُوظُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ" " حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ "»، انظر " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٢٦٤، ٢٦٥ الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان. وانظر اَيْضًا: رأي الدكتور نور الدين عتر حيث يقول: «وأما زيادة "أصدقت أم كذبت" فلا أصل لها في رواية الحديث، وقد استغلها أعداء الإسلام، والعجب أن يذكرها بعض الكاتبين في "أصول الحديث" أو أصول الفقه، ثم يعزوها لمسلم اَيْضًا، ومسلم وغيره منها براء!!» " منهج النقد في علوم الحديث " للدكتور نور الدين عتر، ص ٥٣، الطبعة الثالثة: ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، نشر دار الفكر دمشق - سورية.
[ ١٧٢ ]
وفي رواية " مسلم " قال عمر: «لاَ نَدْرِي [لَعَلَّهَا] حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ» (١).
وفي هذا روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «[مَا لِفَاطِمَةَ] أَلاَ تَتَّقِي اللَّهَ؟» يَعْنِي فِي قَوْلِهَا: لاَ سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةَ (٢).
من أجل ذلك قال الإمام ابن تيمية: «وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ خَبَرَ [الوَاحِدِ] قَدْ يُفِيدُ العِلْمَ إذَا احْتَفَتْ بِهِ قَرَائِنُ تُفِيدُ العِلْمَ» ثم يقول: «وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ لاَ يُفِيدُ إلاَّ الظَّنَّ»، ويقول: «وَالْعِلْمُ هُنَا حَصَلَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّتِهِ» (٣).
ينكر الإمام ابن الأثير [الجزري] ظنية صحيح أخبار الآحاد، فيقول في كتابه " جامع الأصول ": «[وهو] أخبار الآحاد التي لم يختلف السلف فيها وفي العمل بها» (*) ليست ظنية بل تدخل في نطاق علم الطمأنينة كما تدخل الأخبار المتواترة في علم اليقين، ويحدد علم الظن بأنه: «ما رده السلف من الأخبار التي يخشون منها الإثم على العامل بها، لقربها من الكذب، كما يخشون الإثم على تارك العمل بالمشهور، لقربه من الصدق، والمحدثون لا يطلقون اسم الصحيح إلا على مالا يتطرق إليه تهمة بوجه من الوجوه» (*) ج ١ ص ٩١.
ويقول الإمام الشوكاني: «وَاعْلَمْ: أَنَّ الخِلاَفَ الذِي ذَكَرْنَاهُ [فِي أَوَّلِ هَذَا البَحْثِ] مِنْ إِفَادَةِ خَبَرِ الآحَادِ الظَّنَّ أَوِ العِلْمَ، مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ خَبَرُ وَاحِدٍ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ مَا يُقَوِّيهِ، [وَأَمَّا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مَا يُقَوِّيهِ]، أَوْ كَانَ مَشْهُورًا، أَوْ مُسْتَفِيضًا، فَلاَ يَجْرِي فِيهِ الخِلاَفُ الْمَذْكُورُ وَلاَ نِزَاعَ فِي أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ إِذَا وَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَى العَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ لأَنَّ الإِجْمَاعَ عَلَيْهِ قَدْ صَيَّرَهُ مِنَ المَعْلُومِ صِدْقُهُ، [وَهَكَذَا خَبْرُ الوَاحِدِ إِذَا تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ فَكَانُوا بَيْنَ عَامِلٍ بِهِ وَمُتَأَوِّلٍ لَهُ].
وَمِنْ هَذَا القِسْمِ أَحَادِيثُ " صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ" فَإِنَّ الأُمَّةَ تَلَقَّتْ مَا فِيهِمَا بالقبول» (٤) لما كان ذلك كذلك، فإن الذين يقولون أو يكتبون ما يفيد أن أحاديث الآحاد ظنية الثبوت.
_________________
(١) " مصنف ابن أبي شيبة ": جـ (**)، ص ١٤٧.
(٢) " البخاري ": ٩/ ٤٧٧.
(٣) " [مجموع] الفتاوى ": جـ ١٨ ص ٤٠.
(٤) " إرشاد الفحول ": ص ٤٩. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) النص المثبت بين «» من " جامع الأصول " لابن الأثير الجزري. (**) سقط ذكر رقم المجلد في الكتاب المطبوع. انظر " مصنف ابن أبي شيبة "، تحقيق الشيخ محمد عوامة، (١٠) كِتَابُ الطَّلاَقِ (١٤٠) بَابُ مَنْ قَالَ فِي المُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا: لَهَا النَّفَقَةُ، حديث رقم ١٨٩٨٢، ١٠/ ٨٠، الطبعة الأولى: ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م، نشر شركة دار القبلة للثقافة الإسلامية - المملكة العربية السعودية، مؤسسة علوم القرآن - سوريا.
[ ١٧٣ ]
يتفقون في أن العمل بها واجب شرعًا، وهو ما يقول به أولئك الذين يعتقدون أنها قطعية الثبوت، ويصبح الخلاف في شيء غير عملي ولا يضعف من هذه السنة النبوية.
والقول بغير ذلك يؤدي إلى عدم الاعتقاد بصحة أمور قد جاءت عن طريق أحاديث الآحاد وقد استقرت في نفوس المسلمين جميعًا ومنها، الإيمان بسؤال الميت في قبره وبعذاب القبر والإيمان بالصراط وبحوض النبي - ﷺ - وشفاعته يوم القيامة والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، والإيمان بعلامات الساعة وصفة القيامة والحشر، فهذه وغيرها قد وردت في أحاديث صحاح بعضها من شروط الإيمان كما في " صحيح مسلم " و" البخاري " مثل سؤال جبريل للنبي عن الإيمان والإسلام وفيه قال: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالبَعْثِ» (١).
فكيف يقبل المسلم أن يقال له إن الإيمان بهذه الأمور واجب شرعًا ولكن العلم بها ظني ولا تثبت به أمور العقيدة، مع أن هذه كلها من أمور العقيدة؟.
وكيف يوفق هؤلاء بين كون هذه الأمور التعبدية والتي يدخل في الشعائر وفي الصلاة والدعاء، وبين زعمهم أن العمل بها واجب ولكن العلم بها غير واجب؟.
إن هذا تناقض لا يستقيم إلا بالعودة إلى ما كان عليه الصحابة حيث لا يفرقون بين هذه الأمور.
_________________
(١) " اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ": كتاب الإيمان.
[ ١٧٤ ]