- السنة وتفسير القرآن.
- السنة والمذكرة الإيضاحية.
- شهادة من الغرب حول القرآن والسنة.
- الكتب المقدسة والعلم الحديث.
[ ٣١٩ ]
٦١ - السُنَّةُ وَتَفْسِيرُ القُرْآنِ:
إن السنة النبوية هي البيان النبوي المكمل للقرآن الكرم، وقد امتن الله على المؤمنين بهذا فقال - ﷿ -: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وفي هذا قال الإمام الشافعي: «ذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: " الحكمة سُنَّةُ رسول الله» (١).
لقد جعل الله من خصائص الرسول البيان وهو تفصيل القرآن الكريم، إما زيادة عما ورد في القرآن أو تخصيصًا لعمومه وتقييدًا للأحكام المطلقة به، بل جعل سلطانه شاملًا لجميع الأمور صغيرها وكبيرها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢).
وفي هذا قال ابن القيم: «فَإِذَا [جُعِلَ] مِنْ لَوَازِمِ الإِيمَانِ أَنَّهُمْ لاَ يَذْهَبُونَ
_________________
(١) " الرسالة ": ص ٧٨.
(٢) [سورة النور، الآية: ٦٢].
[ ٣٢١ ]
مَذْهَبًا إذَا كَانُوا مَعَهُ إلاَّ بِاسْتِئْذَانِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ لَوَازِمِهِ أَنْ لاَ يَذْهَبُوا إلَى قَوْلٍ وَلاَ مَذْهَبٍ عِلْمِيٍّ إلاَّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ، وَإِذْنُهُ [يُعْرَفُ بِدَلاَلَةِ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ فِيهِ]».
إن كل ذي حس وبصيرة يدرك أن قول الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وغير ذلك مما ورد في القرآن عن طاعة الرسول كلها آيات بينات على لزوم السنة وحفظ الله لها، إذ لو كان القرآن وحده هو المصدر التشريعي للمسلمين لما كان لهذه الآيات وغيرها معنى لأنها تشير إلى بيان الرسول، وهذا البيان ليس في القرآن الكريم، لهذا أمر الله بطاعة الرسول فيما أمرنا به أو نهانا عنه.
كما جاءت السنة النبوية بأحكام ليست في القرآن الكريم مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في الزواج (١).
ومنها عقوبة شرب الخمر ورجم الزاني المحصن وميراث الجدة، كما خصصت السنة أحكامًا جاءت عامة في القرآن، فالله تعالى يقول: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ﴾ [النساء: ١١]. ولكن جاءت السنة وخصصت هذا بحديث: «لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلاَ يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ» (٢).
وفصلت السنة أمورًا كانت مجملة في القرآن مثل عدد الصلوات ومواقيتها وكيفيتها ومناسك الحج والأموار الخاضعة للزكاة وشروط ذلك وأحكام الصوم.
ولقد أجمع أهل الإسلام على أن هذه الأحكام واجبة كتلك الواردة في القرآن ولا فرق ولكن يوجد بين الفقهاء خلاف لفظي في وصف السنة فنجد
_________________
(١) " البخاري ": ٧/ ١١، و" مسلم ": ٤/ ١٣٥.
(٢) أخرجه " البخاري " و" مسلم " وأصحاب السنن.
[ ٣٢٢ ]
الشافعي يقول: «السُنَّةَ لاَ نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِي تَبَعٌ لِلْكِتَابِ » بينما يقول: «وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ فِيمَا لَيْسَ فِيه نَصُّ الكِتَابِ» (١)، والشافعي مع قوله: «السُنَّةَ لاَ نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ» يأخذ بحديث: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ولكنه يصفه بأنه مخصص لعموم قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وليس ناسخًا لها.
بينما يرى غيره أن هذا الحديث ناسخ لهذه الآية وليس مخصصًا لها، فالخلاف في هذه الاصطلاحات ليس له أثر على العمل بالسنة النبوية، فمن قال: السنة مبينة للقرآن كمن قال: إنها مفسرة له، فكلاهما يأخذ بالسنة إن جاءت بحكم جديد ليس في القرآن، والفارق بينهما أن الذي يقول: إن السنة مفسرة يرد أحكام السنة إلى أصل عام في القرآن وبالتالي لا يرى أن الحديث زائد عن القرآن، والذي يرى أن السنة مبينة أو مكملة للقرآن يستند إلى ما جاء في القرآن، الذي يرى أن السنة مبينة أو مكملة للقرآن يستند إلى ما جاء في القرآن من وجوب طاعة الرسول، فالخلاف يرجع إلى اختلافهم في الوصف أو النظر إلى صفة السنة وليس في وجوب العمل بها ولهذا قال الشافعي: «وَكُلَّ مَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ فَقَدْ أَلْزَمَنَا اللهُ اِتِّبَاعَهُ».
أ - ولكن منهم من يصف هذا القضاء الزائد بأنه تفصيل لنص عام في القرآن فلا نجد في السنة حكمًا إلا وقد دل القرآن عليه إجمالًا أو تفصيلًا، فهي في تصورهم «بَيَانٌ لِمَا فِيهِ، وَذَلِكَ مَعْنَى كَوْنِهَا رَاجِعَةً إِلَيْهِ» (٢).
ب - ومنهم من يصف حكم النبي الزائد عما ورد في القرآن الكريم، بأنه استقلال في التشريع، وفي هذا يقول الأوزاعي: «الكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ
_________________
(١) " الرسالة ": جـ ٢.
(٢) " الموافقات " للشاطبي: جـ ٤ ص ١٢، ١٣.
[ ٣٢٣ ]
مِنَ السُنَّةِ إِلَى الكِتَابِ»، وقال ابن عبد البر: «يُرِيدُ أَنَّهَا تَقْضِي عَلَيْهِ وَتُبَيِّنُ المُرَادَ مِنْهُ» (١). وقال آخرون: «يَجِبُ أَنْ يَكُونَ المَعْلُومُ لَدَى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ أَنَّ القُرْآنَ أَحْوَجَ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُنَّةِ إِلَى القُرْآنِ، فَالسُنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ وَلَيْسَ الكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السُنَّةِ» (٢).
ولكن هذه الأوصاف غير دقيقة فقد كان جواب الإمام أحمد عن القول: «السُنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ» قوله: «مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا [أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ]: إِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ» (٣).
فالقرآن والسنة مصدرهما واحد هو الوحي عن الله تعالى، فهما شيء واحد يعملان معًا في تنسيق كامل ويفترقان في أن القرآن معجز في لفظه ومعناه، والسنة معجزة في معانيها فقط لأن المعنى من الله واللفظ من النبي الذي أجاز الرواية: «إِنَّ القُرْآنَ وَالسُنَّةَ لَهُمَا مَقَاصِدَ وَاحِدَةً فِي جُمْلَتِهَا وَهِي مُتَّسِقَةً بَيْنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ بِحَيْثُ نَجِدَ أَحْكَامًا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ فِي القُرْآنِ وَأَحْكَامًا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ فِي السُنَّةِ لِيَظَلَّ النَّاسُ فِي حَاجَةٍ دَائِمَةٍ إِلَى الكِتَابِ وَالسُنَّةِ مَعًا فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكَانٍ» (٤).
لقد أخرج الخطيب والسمعاني بسنديهما إلى عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَنَّهُ كان جالسًا ومعه أصحابه كَانَ جَالِسًا وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: «لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالقُرْآنِ»، فَقَالَ لَهُ:
_________________
(١) " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر: جـ ٢ ص ١٩١.
(٢) بحث للشيخ محمد المبارك نشر بمجلة " الدعوة " الصادرة بالقاهرة في غرة ذي الحجة ٩٨ هـ، العدد ٣٠: ص ٤٨.
(٣) " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر: جـ ٢ ص ١٩١.
(٤) كتاب " تفسير الرسول للقرآن " للأستاذ محمد العفيفي، وهو كتاب جديد يركز على المنهج الذي تبناه في كتابه " المعجزة القرآنية " وكتابه " القرآن القول الفصل بين كلام الله وكلام البشر " ولكنه ينفرد عنهما بتبيان مفصل لدور السنة النبوية وصلتها بالقرآن والحياة.
[ ٣٢٤ ]
[ادْنُهْ]، فَدَنَا، فَقَالَ: " أَرَأَيْتَ لَوْ وُكِّلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ إِلَى القُرْآنِ أَكُنْتَ تَجِدُ فِيهِ صَلاَةَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَصَلاَةَ العَصْرِ أَرْبَعًا وَالمَغْرِبَ ثَلاَثًا؟، تَقْرَأُ فِي اثْنَتَيْنِ، أَرَأَيْتَ لَوْ وُكِّلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ إِلَى القُرْآنِ أَكُنْتَ تَجِدُ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا وَالطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ قَوْمُ خُذُوا عَنَّا فَإِنَّكُمْ، وَاللَّهِ إِلاَّ تَفْعَلُوا لَتَضِلُّنَّ ". فالقرآن أحكم ذلك والسنة تفسر ذلك (١) والقرآن الكريم قد أمر بالعمل بالسنة النبوية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. وفي هذا قال ابن حزم: «القُرْآنُ وَالخَبِرُ الصَّحِيحُ [بَعْضُهَا] مُضَافٌ إِلَى بَعْضٍ وَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي أَنَّهُمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» (" الأحكام ": جـ ١ ص ٨٨).
ولهذا نفى الله الإيمان على من ينكر سنة النبي وحكمه، فقد قال - ﷿ -: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. من أجل ذلك قال الإمام الشوكاني (٣): بـ «ثُبُوتِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ وَاسْتِقْلاَلَهَا».
فالقرآن والسنة هما المصدران الرئيسيان للشريعة الإسلامية، أما الإجماع والقياس وغيرهما من المصادر الأخرى فهي ليست مصادر مستقلة، فلا يؤخذ منها الحكم لأنها بذاتها واجبة الاتباع، بل هي طرق للتعبير وبناء الحكم من المصدر وهو الكتاب والسنة، وهي لا تنشئ حكمًا بل تكشف عنه.
ولقد أشرت إلى هذا في الفصل الثامن عن الإجماع والنسخ.
_________________
(١) كتاب " الحديث النبوي " للأستاذ محمد الصباغ: ص ٢٠.
(٢) [الحشر: ٧].
(٣) " إرشاد الفحول " للإمام محمد بن علي الشوكاني: ص ٢٩.
[ ٣٢٥ ]
٦٢ - السُنَّةُ وَالمُذَكِّرَةُ الإِيضَاحِيَّةُ:
إذا كان فقهاء السلف، قد اختلفوا في شيء من أمر السنة النبوية فإنما كان هذا الخلاف حول الاصطلاحات والمفاهيم، فمن فهم أن السنة النبوية لا تستقل بتشريع الأحكام بل تأتي تبعًا للكتاب وتبنى على أصل عام منه، يوجب العمل بالسنة كلها حتى لو جاءت بحكم جديد، وبالتالي فهذا الفريق لا يرد الأحكام الواردة في السنةالنبوية بل يبحث عن أصل عام في القرآن ويربطها به حتى ولو كانت سنة زائدة عما جاء في القرآن، وتكون النتيجة العملية هي الأخذ بالسنة كلها وهنا يلتقي هذا الفريق مع من قال أن السنة تستقل بتشريع الأحكام.
وهذا هو حال علماء السلف - ﵃ -، ولكن بعض طلاب العلم بنى على هذا الخلاف قضية أخرى تنتهي بحكم آخر وهو حصر نطاق السنة في تفسير القرآن وَرَدِّ ما جاء في السنة النبوية زائدًا عما في الكتاب الكريم - وبالتالي يستحلون كثيرًا من المحرمات ويردون جانبًا من الحدود - والعقوبات بل إن بعضهم يعلل ذلك بأنه يدافع عن السنة النبوية (١).
وهذه هي وسيلة المستشرقين للطعن على الدين، فالمستشرق اليهودي (جولدتسيهر)
_________________
(١) ذهب إلى ذلك الشيخ محمود أبو رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " وتابعه السيد صالح أبو بكر في " الأضواء القرآنية "، انظر البند ٦٩.
[ ٣٢٦ ]
يقول في كتابه " العقيدة والشريعة ": «ألوف الأحاديث هي من وضع العلماء الذين أرادوا أن يجعلوا من الإسلام دينًا شاملًا فخلقوا هذه الأحاديث، والقرآن لم يعط من الأحكام إلا القليل، ولا يمكن أن تكون أحكامه شاملة لهذه العلاقات غير المنتظرة».
هذا المستشرق لم يجد لمزاعمه دليلًا، ولكن بعض المسلمين التمسوا الدليل في سببين:
١ - الأول هو حديث موضوع نصه: «[إِذَا جَاءَكُمُ الْحَدِيثُ] فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَافَقَهُ فَقَدْ قُلْتُهُ وَمَا خَالَفَهُ لَمْ أَقُلْهُ»، وما يؤكد عدم صحته أنه يتعارض مع حديث آخر صحيح رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ونصه: «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»، وقد جاء هذا الحديث برواية أخرى وفيها يقول النبي - ﷺ -: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ [الكِتَابَ] وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا القُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ».
لقد كشف علماء الحديث أن الحديث الأول من وضع الزنادقة، قال بذلك يحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي، كما قال الشافعي: أنه غير صحيح ويتعارض مع قول الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ومع ما رواه " البخاري " و" مسلم ": «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ».
من هذه اللحمة يستبين أن المستشرقين قد أدركوا أن السنة تجعل الإسلام دينًا شاملًا كاملًا وبالتالي فلا سبيل لهدمها أو تطويرها إلا بتجميدها وأيسر وسيلة هي التشكيك فيها أو ادعاء أن أكثرها موضوع وهو المنهج الذي تبناه جولدتسيهر، أما بقية الأحاديث التي لا يستطيعون الطعن عليها فسبيل تجميدها هو القول بعرضها على القرآن، فإن جاءت بحكم ليس في القرآن لا تلتزم به.
[ ٣٢٧ ]
٢ - والحجة الثانية عندهم هي قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
فيقولون: إن الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ليس إلا مُبَيِّنًا وَمُفَسِّرًا لما جاء في القرآن وقد شاع على ألسنتهم وغيرهم وصف السنة بالمذكرة التفسيرية للقانون ولكن هذه المذكرة غير ملزمة للقاضي ولا لغيره من الناس وقد تكون كاشفة عن سبب الحكم ولكن ما تتضمنه من تفسير لا يلزم أحدًا وهذا بخلاف السنة النبوية، فهي ملزمة لجميع المسلمين.
والآية القرآنية تبين بجلاء أن الله أنزل الذكر على النبي ليبين للناس وَهْمَ الكُفَّارِ حكم الله لعلهم يتفكرون فيهتدون إلى الإيمان (١).
فالناس هنا هم الكفار لا يؤمنون كما أن الذكر هو القرآن وبيان النبي - ﷺ - يكون بتلاوته على الناس جميعًا كما يكون البيان للناس عن طريق الأحاديث النبوية، ولكن ظاهر هذه الآية لا ينطبق إلا على الكفار لأنهم هم الذين يعرضون عن الإيمان، فتلاوة القرآن عليهم وبيانه يقيم الحجة عليهم ولعلهم يتفكرون فيهتدون إلى الإيمان، أما المؤمنون فهم مهتدون إلى الإيمان بنعمة الله وليسوا في حاجة إلى إقامة الحجة أو طلب إيمانهم بالله، ويزيد ذلك وضوحًا الآيات الأخرى الواردة في هذا المعنى في نفس السورة وهي سورة النحل، قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٣، ٦٤]. وهذا لا يكون إلا بالنسبة للكفار كما أن القرآن هدى ورحمة لمن آمن به وهؤلاء لا يقول الله عنهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
_________________
(١) " تفسير القرآن العظيم ": لإسماعيل بن كثير: جزء ٤.
[ ٣٢٨ ]
والنتيجة التي نود إظهارها هي أن السنة النبوية تختلف عن المذكرة التفسيرية للقانون الوضعي، فالأخيرة لا تعد تشريعًا وبالتالي لا تلزم القاضي ولا غيره بينما لا خلاف بين المسلمين على أن السنة النبوية هي تشريع من الله الذي عصم نبيه من الخطأ في بيان حكم الله للناس، ولهذا فما ورد بها يجب العمل به ولو كان حكمًا جديدًا لم تتضمنه نصوص القرآن وتستوي بعد ذلك أن توصف السنة بأنها مبينة أو مفسرة أو مكملة لأن هذه الأوصاف لا يترتب عليها استبعاد حكمها أو إضعافه، ولهذا لا وجه بأن تشبه السنة بالمذكرة التفسيرية للقانون.
إن الخطأ الشائع بأن السنة كالمذكرة التفسيرية للقانون يرجع إلى عدم معرفة منزلة هذه المذكرة من القانون، فالسنة مصدر تشريعي يعبر عنها بالمصدر الثاني، أما المذكرة التفسيرية للقوانين الوضعية، فهي ليست نصًا تشريعيًا ولا مصدرًا لنص تشريعي إنما تفصح عن المصدر الذي استقى منه النص ثم تبين سبب وضع النص بهذه الصياغة، وبالتالي فهي ليست ملزمة ملزمة للقاضي أو الفقيه بل تكون محل استئناس عند تفسير النص، وعليه فمن شبه السنة النبوية بالمذكرة التفسيرية يضع السنة في غير موضعها، فهي ملزمة للقاضي والفقيه، بل ولكل فرد من المسلمين وهي مصدر تشريعي بجانب القرآن الكريم، وما يرد بها مفسرًا للنص القرآني يستوى ف الإلزام مع ما يرد في السنة من أحكام سكت عنها القرآن لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكذا للأسباب السابق ذكرها.
ومن رد حديثًا ثبت صحته بدعوى أنه غير ملتزم إلا بما جاء في القرآن، يكون بهذا الرد قد ارتد عن الملة، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
[ ٣٢٩ ]
فالاحتكام والتحكيم يكونان للقرآن والسنة معًا، ولا خلاف في هذا، فلا يحل لمسلم أن يطلب الاحتكام إلى غير القرآن والسنة ولا يحل للقضاة أو الحكام أن يحكموا بغير ما أنزل الله أو بغير سنة رسول الله - ﷺ -، ومن استحل هذه المخالفة فقد كفر لإنكاره حكم الله ولتحليله ما حرم الله، أما من مالت نفسه فخالف مع إيقانه وتصريحاته وإعلانه أن حكم الله ورسوله هو الأولى وهو الواجب والأحسن فذاك المخالف يكون عاصيًا.
ولقد حذر النبي - ﷺ - من هذا فقال: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ». رواه أبو داود وغيره (" التاج الجامع للأصول ": جـ ١ ص ٤٦).
وقد زعم البعض أن الآيات القرآنية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، لا تفيد كفر من استحل الحكم بخلاف القرآن والسنة، وهؤلاء نسوا قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
كما تركوا ما رواه الترمذي بسنده الصحيح عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: «يَا [عَدِيُّ اطْرَحْ] عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» (*).
إن آيات سورة المائدة قد وصفت من استحل الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وصفًا يفيد الكفر والظلم والفسق، وهذه الأوصاف الثلاث تتعلق بحقيقة واحدة هي استحلال الحكم بغير الكتاب والسنة النبوية، وبالتالي
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) الرواية التي ذكرها المؤلف هي في " المدخل إلى السنن الكبرى " للبيهقي، تحقيق الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي: ص ٢٠٩، حديث ٢٦١، نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت. انظر التعليق في الهامش: ص ٢٥٥.
[ ٣٣٠ ]
فالكفر في هذا الصدد هو نفسه الفسق وهو أيضًا الظلم، لأن هذه الأوصاف الثلاث قد ترد بمعنى الكفر المخرج عن الملة، كما في هذا الشأن، وفي قوله تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقد ترد هذه الأوصاف بمعنى المعصية كما في سورة الحجرات عن السخرية والتنابز بالألقاب إذ قال الله عنه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
كما قال الله عن الجهاد في سورة التوبة: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. وهذا الخطاب موجه إلى المؤمنين ولذلك كان الفسق بمعنى المعصية وأيضًا ورد الكفر بما يفيد المعصية في الحديث النبوي الذي رواه " مسلم " بلفظ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَاله كُفْر»، لأن الله تعالى لم ينف الإيمان عن المسلمين الذين اقتتلوا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. وهكذا فإن كلمات الكفر والظلم والفسق قد ترد بمعنى الكفر المخرج عن الملة وقد تأتي بمعنى المعصية والذي يحدد المقصود هو سياق الآيات في كل موضوع وليس أهواء الناس ومصالحهم. وقد فصلت ذلك في كتاب " الحكم وقضية تكفير المسلم ".
[ ٣٣١ ]
٦٣ - شَهَادَةٌ مِنَ الغَرْبِ حَوْلَ القُرْآنِ وَالسُنَّةِ:
إن هؤلاء العرب المجاملين بالباطل لم يدركوا الحقيقة الكبرى التي آمن بها المنصفون من غير المسلمين، الذين ينادونهم أن يعيدوا قراءة علوم السنة النبوية ليقفوا على ما أدركه بعض الباحثين الغربيين من أن الحديث النبوي يوازي عندهم التوراة والإنجيل (قبل التحريف الذي أصاب جانبًا منها)، فالكاتب الفرنسي موريس بوكاي أصدر كتابه في ذلك وعقد فيه مقارنة علمية بين القرآن والسنة والإنجيل والتوراة (١).
وتأتي أهمية هذا الكتاب من كون مؤلفه أوروبي مسيحي معاصر يشهد شهادة حق من خلال دراسته العلمية الموضوعية لمدى صحة كل من التوراة والأناجيل والقرآن.
ويقرر المؤلف أن معالجة الكتب المقدسة من خلال علم الدراسة النقدية للنصوص شيء قريب العهد في بلدان أوروبا. ففيما يخص العهد القديم (التوراة) والعهد الجديد (الإنجيل) ظل الناس يقبلونهما على ما هما عليه
_________________
(١) الكتاب اسمه " دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة " وقد عرضة الأخ الأستاذ جابر رزق جابر بمجلة " الدعوة " الصادرة بالقاهرة في غرة ذي القعدة ١٣٩٨ هـ - أكتوبر ١٩٧٨ م، وقد نقلنا عنه لدقة العرض والتلخيص.
[ ٣٣٢ ]
طيلة قرون عديدة وكان مجرد التعبير عن أي روح نقدية إزاء الكتب المقدسة خطيئية لا تغتفر!!.
ويقارن المؤلف بين موقف المسلمين من أحاديث الرسول - ﷺ - وموقف المسيحيين من الأناجيل وهي في رأي المؤلف تشبه أحاديث الرسول من حيث أنها مجموعة من الأقوال والأخبار والأفعال لمحمد - ﷺ - وليست الأناجيل بأكثر من هذا فيما يتعلق بالمسيح، فقد دله البحث أنه كتبت أولى الأحاديث بعد عشرات من السنوات بعد موت محمد - ﷺ - مثلما كتبت الأناجيل بعد سنوات من انصراف المسيح، وإذا كانت السنة النبوية عبارة عن أقوال النبي وأفعاله، فالمؤلف ظن أن السنة أفعال فقط.
فقال: «فالأحاديث والأناجيل عبارة عن شهادات بأفعال مضت وسنرى أن مؤلفي الأناجيل الأربعة المعترف بها كنيسًا لم يشهدوا الوقائع التي أخبروا بها والأمر نفسه ينطبق على المؤلفات في الأحاديث المشهورة بصحتها» كما يفهم المؤلف. ويقول أيضًا: «وهنا يجب أن تتوقف المقارنة وذلك لأن النقاش إذا كان قد دار وما زال يدور حول صحة هذا الحديث أو ذاك فإن الكنيسة قد حسمت!!! منذ قرونها الأولى وبشكل نهائي بين الأناجيل المتعددة وأعلنت أربعة منها فقط رغم التناقضات العديدة فيما بين هذه الأناجيل في كثير من النقاط. وهناك فرق آخر جوهري بين المسيحية والإسلام فيما يتلعق بالكتب المقدسة، ونعني بذلك فقدان نصوص الوحي الثابت لدى المسيحية في حين أن الإسلام لديه القرآن الذي هو وحي منزل وثابت حقًا».
ويضيف الباحث المسيحي: «فالقرآن هو الوحي الذي أنزل على محمد - ﷺ - عن طريق جبريل وقد كتب فور نزوله ويحفظه ويستظهره المؤمنون عند الصلاة خاصة وقد رتب في سور بأمر من محمد نفسه وجمعت هذه السور فور موت النبي - ﷺ - وفي خلافة عثمان».
[ ٣٣٣ ]
«أما الكتاب المسيحي المقدس! فإنه يختلف بشكل بَيِّنٍ عما حدث بالنسبة للقرآن فالإنجيل يعتمد على شهادات بشرية متعددة وغير مباشرة، وإننا لا نملك مثلًا أي شهادة لشاهد عيان لحياة عيسى وهذا خلاف لما يتصور الكثير من المسيحيين».
٦٤ - مُؤَلِّفُ التَوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ:
ويطرح المؤلف سؤاله التالي: «من هو مؤلف العهد القديم، أي التوراة؟!». ويجيب بأن الكثيرين من قراء العهد القديم سيرددون ما يقرأونه في حقيقة كتابهم العهد القديم: «إن مؤلف كل من هذه الكتب هو الرب برغم أنها كتبت بأقلام بشر». ويشير المؤلف إلى عدة من الدراسات التي أجابت عن هذا السؤال في رؤية شاملة وكاملة ومن هذه الدراسات دراسة أدموند جاكوب التي يقول فيها: «في البدء لم يكن هناك تعدد في النصوص: ففي القرن الثالث قبل الميلاد تقريبًا كان هناك على الأقل ثلاث مدونات للنص العبري للتوراة، وكان هناك النص المحقق والنص الذي استخدم جزئيًا على الأقل في الترجمة اليونانية والنص المعروف بالسامري (أو أسفار موسى الخمسة). ثم بعد ذلك في القرن الأول قبل الميلاد اتجه إلى تدوين نص واحد. ولكن تدوين نص الكتاب المقدس لم يتم إلا في القرن الأول بعد الميلاد ».
ويقول المؤلف: «لو كانت هذه المدونات الثلاث موجودة الآن لأمكن إقامة المقارنات للوصول ربما إلى رأي عما كان عليه النص الأصلي ولكن يشاء سوء الحظ ألا تكون لدينا أقل فكرة عنه! إن إقدم نص عبري للتوراة يرجع عهده إلى القرن التاسع بعد الميلاد».
[ ٣٣٤ ]
ويختم المؤلف إجابته على سؤاله الذي طرحه بقوله: «بهذا تتضح ضخامة ما أضافه الإنسان إلى العهد القديم وبهذا أيضًا يتبين القارئ التحولات التي أصابت نص العهد القديم الأول من نقل إلى نقل آخر ومن ترجمة إلى ترجمة أخرى بكل ما ينجم عن ذلك من تصحيحات جاءت على أكثر من ألفي عام ».
العَهْدُ الجَدِيدُ ظَنِّيُّ الثُبُوتِ:
أما بخصوص الأناجيل وهي الكتب المقدسة المعترف بها من الكنيسة فيقول: «كثيرون من قراء الأناجيل يشعرون بالحرج بل الحيرة عندما يتأملون في معنى بعض الروايات أو عندما يقارنون روايات مختلفة لحدث واحد مروي في كثير من الأناجيل».
وينقل الكاتب عن الأب روحي قوله:
«في عصور ليست بعيدة تمامًا كانت أغلبية المسيحيين لا تعرف من الأناجيل إلا مقاطع مختارة عند القداس أو المواعظ».
كما أن غالبية المسيحيين يعتقدون أن كتاب الأناجيل شهود عيان على حياة المسيح وأنهم بهذا قد أقاموا شهادات لا تقبل الجدل عن الأحداث التي وقعت في حياته!!.
وينفي المؤلف نفيًا قاطعًا أن كاتبي الأناجيل كانوا شهودًا فيقول: «هذه الطريقة في تقديم الأمور لا تتفق مطلقًا مع الواقع، لأ، خروج النصوص التي نملكها اليوم إلى النور قد بدأ في عام ٧٠ م بعد تعديلات في المصادر والشكل،
[ ٣٣٥ ]
ولا تشكل هذه الأناجيل أولى الوثائق الثابتة في المسيحية». ويقول: «إن الأناجيل التي أصبحت رسمية فيما بعد أي كنسية لم تعرف إلا في عصر متأخر»!!. بالإضافة إلى أنها كتبت كتعبير عن وجهات النظر الخاصة بجامعي التراث الشفهي المنتمي إلى مختلف الجماعات!!.
ويقرر المؤلف أن «نتيجة كل هذا هو أننا لم نعد متأكدين مطلقًا من أننا نتلقى كلمة المسيح بقراءة الإنجيل»!!.
٦٥ - مُقَارَنَةُ القُرْآنِ بِالكُتُبِ المُقَدَّسَةِ:
أما عن صحة القرآن وتاريخ تحريره فيقول المؤلف: «صحة القرآن لا تقبل الجدل وتعطي النقل مكانة خاصة بين كتب التنزيل ولا يشترك مع نص القرآن في هذه الصحة لا العهد القديم ولا العهد الجديد» والسبب في ذلك أن «القرآن فور تنزيله أولًا بأول كان النبي - ﷺ - والمؤمنون من حوله يحفظونه عن ظهر قلب وكان الكتبة من الصحابة يدونونه».
الحَقَائِقُ العِلْمِيَّةُ وَالكُتُبُ المُقَدَّسَةُ:
وللإجابة على ذات السؤال الأول الذي طرحه المؤلف عن مدى صحة كل من التوراة والإنجيل والقرآن، قام بمقابلة نصوص الكتب المقدسة بحقائق العلوم موضوع تفكير الإنسان في كل العصور وكشف عن الكثير من التناقضات والأمور غير المعقولة والتعارضات بين ما جاء في التوراة والإنجيل وبين المعارف اليقينية التي وصلت إليها البشرية اليوم واستدل بذلك على بشرية تلك النصوص «إذ لا يمكن في الحقيقة أن نقبل بأن رسالة ما منزلة تنص على
[ ٣٣٦ ]
واقع غير صحيح بالمرة. وبناء على ذلك فليس هناك سوى إمكانية واحدة للتوفيق المعقول بين الأمرين وهي عدم صحة المقطع الذي يقول في التوراة بأمر غيره مقبول علميًا».
وفي نفس الوقت يقرر أنه: «لا شيء في القرآن يناقض كل ما نعرف اليوم ولا مكان مطلقًا للخرافة» وذلك أن استعراض أهم ما جاء في القرآن عن الإنسان والكون والحياة.
وعن السنة النبوية قال الدكتور موريس بوكاي: «لقد قام الذين جمعوا المصدر الثاني بتحقيقات تتسم دائمًا بالصعوبة، لهذا كان همهم الأول في عملهم العسير مُنْصَبًّا أَوَّلًا على دقة الضبط لهذه المعلومات الخاصة بكل حادثة في حياة النبي وبكل قول من أقواله. وقد نصوا على أسماء الذين نقلوا أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وذلك بالصعود في الإسناد إلى الراوي الأول من أهل بيت النبي أو من صحابته الذين نقلوا هذه المعلومات مباشرة منه نفسه، وذلك بعد الكشف عن حال الراوي والابتعاد عن الرواة غير المشهود لهم بحسن السيرة وصدق الرواية، وهذا ما قد انفرد به علماء الإسلام في كل ما روي عن نبيهم» (١).
٦٦ - نَحْنُ وَالأَعْرَابُ وَالزُّعَمَاءُ:
إن أمام الأعراب المسلمين من الزعماء أو العلماء أو غيرهم وهم الذين رَدُّوا السنة النبوية كلها أو بعضها أو أضعفوا حجية جانب منها، أمامهم أحد أمرين:
الأول: أمامهم سبيل واحد بدونه يصبحون منافقين، هذا الباب هو البحث في السنة وعلومها للوصول إلى صحة الحديث من عدمه، فإن كان
_________________
(١) عن كتابه المذكور: ص ٢٧٥.
[ ٣٣٧ ]
الحديث النبوي صحيحًا فهو ملزم لكل مسلم، ولا يقبل في دنيا العقلاء أن يظل الإنسان على إسلامه وفي الوقت نفسه ينكر بعض السنة النبوية، أو يضعف حجيتها في الحياة العملية.
وإن كان الحديث غير صحيح كان لهؤلاء ولغيرهم الحق في رده بل أصبح واجبًا عليهم ذلك مع إذاعة وإشاعة هذا الذي أدركوه عن طريق علوم السنة وليس عن طريق عقولهم أو عقول سادتهم.
الثاني: أن يخرج هؤلاء من الإسلام، فلا يوجد فئة من الناس تقبل أن ينتسب شخص إليها وفي الوقت نفسه يطعن في هذه الفئة ولا يعمل بقانونها ونظامها ومن هنا تبادر الجماعات والأحزاب إلى الإعلان عن الأشخاص الذين خرجوا على منهاج هذه الفئة إن لم يعلنوا هم عن هويتهم الجديدة. ولكن البدعة العالمية الجديدة هو أن يصبح الإسلام شرقيًا أو غربيًا وأن يصبح من أنكر هذه البدعة عرضة للتقتيل والسجن أو الاضطهاد، أو أن يصبح في قاموس العلمانية الجديد، أحد أربعة: موتور أو مأجور أو متخلف أو إِمَّعَةٌ.
فهل إلى علاج من سبيل؟
[ ٣٣٨ ]