مدخل
الفصل الثاني: مرتبة السنة النبوية في التشريع الإسلامي:
تمهيد:
إن الله ﷿ أرسل الرسل عليهم صلوات الله وسلامه إلى أقوامهم؛ لكي يبلغوهم دين الله ﷿، وأنزل على كل نبي كتابًا سماويًا ليعلم أمته كتاب ربهم، بأقواله وأفعاله؛ وقد أرسل كل رسول بلسان قومه؛ ليفهموا منه دين الله ﷿ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، وكذلك جعل الله ﷾ الاقتداء بالأنبياء، والتأسي بهم واجب على الأمة، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، مهمة الأنبياء إذن هي: تعليم الناس دين الله ﷾ بسيرتهم قولًا وفعلًا، وبإقامة حياة الناس، وتحقيق مصالحهم؛ بحسب ما يقتضيه دين الله ﷿، والناس مطالبون بكل تلك الأعمال التي يقوم بها النبي ﷺ، والتأسي بها كلها، وهذا ما يسمى بالاتباع، وهو أحد شرطي الشهادتين.
إن شهادة أن لا إله إلا الله، تعني: أن لا معبود بحقٍ إلا الله ﷿، وأن العباد يجب عليهم أن يعبدوا الله تعالى وحده، ويخلصوه بالعبادة؛ فلا يشركوا معه غيره. وشهادة أن محمدًا رسول الله، تعني توحيد اتباع النبي ﷺ، فلا تصح العبادة حتى تكون موافقة لما جاء به الرسول ﷺ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ
[ ٢٥ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ". وفي رواية عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١) .
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] .
وبهذا تصبح حياة الرسول ﷺ كلها سنة، مطابقة لما أمر به الله ﷾، وهذا هو البيان الذي أمره الله به. قال الله تعالى في محكم كتابه:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] .
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه، ٣/١٣٤٣-١٣٤٤، كتاب الأقضية، بَاب نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ. رقم الحديث ١٧١٨.
[ ٢٦ ]
المبحث الأول: السنة بيان للقرآن الكريم، ووحي نزل بها جبريل ﵇ على الرسول ﷺ:
المطلب الأول: السنة بيان للقرآن الكريم:
والبيان المقصود في الآية يشمل نوعين من البيان، هما:
١- بيان لفظه ونظمه، وهو تبليغ القرآن الكريم، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة، كما أنزله الله ﵎. وهو المراد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] . وحديث عائشة في عدم كتمان النبي ﷺ شيئًا في الصحيحين (١) .
٢- بيان معاني القرآن الكريم في الآيات المجملة، أو العامة أو المطلقة؛ فتأتي السنة فتوضح المجمل، وتخصص العام، وتقيد المطلق؛ وذلك يكون بقوله ﷺ، وبفعله، وبتقريره (٢) .
وهذا البيان المطلوب للقرآن الكريم يكون بالسنة النبوية، وكلاهما وحي من عند الله ﷿. قال ابن حزم -مبيِّنًا هذه القضية-: "لما بينَّا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما
_________________
(١) رواه البخاري بلفط: "مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَاللَّهُ يَقُولُ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآيةَ. انظر الصحيح مع فتح الباري: ٨/٢٧٠، كتاب التفسير، باب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة ٦٧)، الحديث رقم ٤٦١٢، واللفظ له، ورواه مسلم ١/١٥٩، كتاب الإيمان، بَاب مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (النجم ١٣)، وَهَلْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ؟ من حديث طويل، رقمه ١٧٧.
(٢) انظر كتاب منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن للألباني ص ٥-٦.
[ ٢٧ ]
أمرنا به رسول الله ﷺ، ووجدناه ﷿ يقول فيه واصفًا لرسوله ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، فصحَّ لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله ﷿ إلى رسوله ﷺ على قسمين:
أحدهما: وحي متلو، مؤلف تأليفًا معجز النظام، وهو القرآن.
والثاني: وحي مروي، منقول غير مؤلف ولا معجز النظام، ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ، وهو المبين عن الله ﷿ مراده منا. قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني، كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق" (١) .
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/١٠٨.
[ ٢٨ ]
المطلب الثاني: السنة وحي نزل بها جبريل ﵇ على الرسول ﷺ:
وقد ثبت إنزال جبريل ﵇ بالسنة على الرسول ﷺ، كما كان ينزل عليه بالقرآن الكريم. فقد وردت بعض الآثار تنص على ذلك، فقد نقل الدارمي أثرًا عن مُحَمَّد بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ قال: "كان جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ" (١) . وروى أبوبكر محمد بن عثمان بن حازم الهمداني، بسنده عن أبي إسحاق إسماعيل بن سعيد الكسائي الفقيه، قال: المذهب في ذلك: يجب على الناس أن يتبعوا القرآن ولا يخالفوه؛ فإن احتج محتج بأن في السنن ما يخالف التنزيل قيل لهم: إن رسول الله ﷺ قال: "إلا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" (٢)، فكل سنة ثبتت عن رسول الله ﷺ لا يجوز لقائل أن يقول: إنها خلاف التنزيل؛ لأن السنة تفسير للتنزيل، والسنة كان ينزل بها جبريل، ويعلمها رسول الله ﷺ، فكان لا يقول قولًا يخالف التنزيل إلا ما نسخ من قوله بالتنزيل، فمعنى التنزيل: ما قال رسول الله ﷺ إذا كان ذلك بإسناد ثبت عنه" (٣) .
_________________
(١) سنن الدارمي ١/١٤٥، المقدمة، باب السنة قاضية على الكتاب، وفي إسناده محمد بن كثير المصيصي وهو ضعيف، لكن تابعه روح بن عبادة وعيسى بن يونس، فهذا الإسناد صحيح غير أنه مرسل.
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده، ٢٨/٤١٠-٤١١، برقم ١٧١٧٤، ورواه أبو داود في سننه، ٥/١٠-١٢، كتاب السنة، بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ، الحديث رقم ٤٦٠٤.
(٣) في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، ص ٢٦.
[ ٢٩ ]
المبحث الثاني: مكانة السنة من القرآن:
المطلب الأول: مكانة السنة من القرآن من حيث الاحتجاج بها، وتكفل الله بحفظها:
بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، منزلة القرآن الكريم، والسنة النبوية، من حيث ثبوتهما، مبينًا ما امتاز به القرآن على السنة، دون أن يكون في ذلك طعن في السنة، أو في الاحتجاج بها، وَبَيَّنَ أن الله قد تكفل بحفظ معاني القرآن، وحفظ السنة؛ بما أقامه لحفظهما من العلماء الجهابذة النقاد؛ فقال: "ولما كان القرآن متميزًا بنفسه-لما خصه الله من الإعجاز الذي باين به كلام الناس قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وكان منقولًا بالتواتر؛ لم يطمع أحد في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه؛ ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد" (١) . ثم بَيَّنَ أن ذلك لم يضرَّ القرآن ولا السنة، بحفظ الله لهما؛ فقال: "فأقام الله الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان، وانْتَدَبُوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة والنقصان" (٢) .
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١/٧.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١/٧.
[ ٣٠ ]
ومن خلال هذا البيان نعلم أن القرآن والسنة في منزلة واحدة؛ من حيث حفظهما عن التبديل أو التحريف لمعانيهما؛ ومن ثَمّ فإن منزلتهما ومكانتهما في مرتبة واحدة؛ من حيث إن كلًا منهما يحتج به؛ لأنه وحي.
قال عجاج الخطيب:"السنة من حيث وجوب العمل بها، ومن حيث إنها وحي: هي بمنزلة القرآن الكريم. وإنما تلي القرآن بالمرتبة من حيث الاعتبار؛ لأنه مقطوع به جملة وتفصيلًا، والسنة مقطوع بها على الجملة لا على التفصيل؛ ولأنه هو الأصل، وهي الفرع؛ لأنها شارحة ومبينة له، ولا شك في أن الأصل مقدم على الفرع، والبيان مؤخر عن المبين. وقد دل على ذلك حديث معاذ بن جبل حين بعثه الرسول ﷺ قاضيًا إلى اليمن" (١) .
_________________
(١) أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ٣٦-٣٧. والحديث ضعيف، فيه علل ثلاث: ١-أنه مرسل عن معاذ، ٢-جهالة أصحاب معاذ، ٣- جهالة الحارث بن عمرو. انظر كتاب: سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم ٨٨١، ٢/٢٧٣-٢٨٦، وذكر محقق مسند أحمد العلتين الأخيرتين انظر المسند ٣٦/٣٣٣، الحاشية رقم ٢. وبيَّن الألباني في كتابه: منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن ص ١٦ أن معنى حديث معاذ صحيح في التفريق بين الرأي والنص، وخطأ في التفريق بين السنة والقرآن؛ فما وجد في القرآن يبحث عنه أيضًا في السنة.
[ ٣١ ]
المطلب الثاني: مكانة السنة من القرآن من حيث ثبوتها وعدّها المصدر الثاني للتشريع:
فصَّل الإمام الشاطبي في المسألة أتم تفصيل فقال: "رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار. والدليل على ذلك أمور:
أحدها: أن الكتاب مقطوع به، والسنة مظنونة. والقطع فيها إنما
[ ٣١ ]
يصح في الجملة لا في التفصيل، بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل. والمقطوع به مقدَّم على المظنون. فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة.
والثاني: أن السنة: إما بيان للكتاب، أو زيادة على ذلك. فإن كان بيانًا فهو ثان على المبين في الاعتبار، إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين، وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم، وإن لم يكن بيانًا فلا يعتبر إلا بعد أن لا يوجد في الكتاب؛ وذلك دليل على تقدُّم اعتبار الكتاب.
والثالث: ما دلَّ على ذلك من الأخبار والآثار، كحديث معاذ: "بم تحكم قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي " الحديث" (١) . كما نقل الشاطبي عن عمر بن الخطاب: أنه قال: "سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالأحاديث؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله" (٢) .
وقد وضح هذا الأمر مصطفى السباعي حيث قال: "ولا شك في أن أحاديث الآحاد، بما حف بها من ظنون في طريق ثبوتها، يجعلها في المرتبة الثانية بعد القرآن من حيث الثبوت، وأما من حيث الاجتهاد وفهم النصوص؛ فلابد من الرجوع إلى السنة قبل تنفيذ نصوص القرآن؛ لاحتمال تخصيص السنة لها أو تقييدها، أو غير ذلك من وجوه الشرح والبيان التي ثبتت للسنة؛ فهي من هذه الناحية متساوية مع القرآن، من حيث مقابلة نصوصها
_________________
(١) الموافقات ٤/٧. وتقدم تخريج الحديث والحكم عليه.
(٢) الموافقات ٤/١٧.
[ ٣٢ ]
بنصوصه، والتوفيق بينهما، والجمع حين يظهر شيء من التعارض، وهذا لا ينازع فيه أحد ممن يقول بحجية السنة" (١) .
_________________
(١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ٣٧٩.
[ ٣٣ ]
هل السنة مقدمة على الكتاب عند التعارض؟
عندما تكون السنة مبينة لمجمل القرآن، أو مقيدة لمطلقه، أو مخصصة لعمومه، فهل يعني ذلك أن السنة مقدمة على الكتاب؟
وأجيب عن ذلك: بأن السنة في هذه الحالات تبين مراد الله في كتابه، ولا يعني ذلك تقديمها على الكتاب واطراحه (٢) .
وكذلك فإن الأصوليين اختلفوا في تقديم الكتاب أو السنة عند التعارض.
"واختلافهم هذا يدل على أن السنة ليست متأخرة عن الكتاب، إذ لو كانت متأخرة لما اختلفوا. وكذلك فإن هذا الاختلاف لا يعني أيضًا تقديم السنة، بل مرد ذلك إلى أنه يجب العمل بها، وعند الاجتهاد وفهم النصوص يجب الرجوع إليها، وهي من هذا الجانب في مرتبة الكتاب؛ من حيث مقابلة نصوصها بنصوصه، والتوفيق بينهما، والجمع حين يظهر شيء من التعارض" (٣) .
_________________
(١) انظر الموافقات للشاطبي ٤/١٠، وكتاب أصول مذهب الإمام أحمد ص ٢١٢.
(٢) كتاب أصول مذهب الإمام أحمد ص ٢١٢-٢١٣.
[ ٣٣ ]