المبحث الأول: مرتبة السنة مع القرآن
المبحث الأول: مرتبة السنة مع القرآن
آيات القرآن الكريم هي الأساس الأول لجميع علوم الشرع (١)، نزل بها أمين السماء إلى أمين الأرض، يقول سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩] . والقرآن محفوظٌ بحفظ مالك السموات والأرض عن التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، يقول ﷾: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] .
ورغّب الرسول ﷺ في تلاوته ومدارسته (٢)، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" (٣) .
وأهم الفروق بين وحي القرآن ووحي السنة ما يلي:
١- القرآن معجزة بلفظه إلى الأبد دون السنّة.
٢- يتعبد المسلم بتلاوته.
٣- لا تجوز روايته بالمعنى.
٤- يحرم مسه لغير طاهر دون السنة.
_________________
(١) ابن حزم/ الإحكام في أصول الأحكام: ١/٩٤-٩٥.
(٢) أصل المدارسة: الرياضة، والتعهد للشيء، وتدارسوا القرآن: أي اقرأوه وتعهدوه لئلاّ تنسوه. انظر: ابن الأثير/ جامع الأصول في أحاديث الرسول: (٦٢٧٩) ٨/٤٩٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٩٩) ٤/٢٠٧٤. وأبو داود (١٤٥٥) في الصلاة، باب في ثواب قراءة القرآن..
[ ٤٧ ]
١- تُسمى الجملة منه آية، والفصل منه سورة.
٢- لفظه ومعناه من عند الله ﷿.
٣- تكفل الله سبحانه بحفظه فهو قطعي الثبوت وأحاديث الآحاد بما حف بها من ظنون في المرتبة الثانية بعد القرآن من حيث الثبوت (١) .
وكانت وصية عمر ﵁ في كتابه إلى أبي موسى الأشعري ﵁: «الفهم فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ثم عرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق» (٢) . فقدم القرآن ثم السنة وجعلهما مصدري التشريع لما ظهر وخفي.
يقول الإمام الشافعي ﵀:
"فحق على طلبة العلم بلوغ جهدهم في الاستكثار من علمه – أي القرآن- والصبر على كل عارض دون طلبه وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصًا واستنباطًا" (٣) . ويقول في موضع آخر:" فأبان الله لنا أن سنن رسوله فرض علينا بأن ننتهي إليها، لا أن لنا معها من الأمر شيئًا إلا التسليم لها واتباعها، ولا أنها تعرض على قياس ولا على شيء غيرها وأن كل ما سواها من قول الآدميين تبع لها" (٤) . والقرآن ليس كلام الآدميين فيقدم عليها.
_________________
(١) خادم حسين بخش/ القرآنيون وشبهاتهم حول السنة: ص ٢١٧.
(٢) الصنعاني/ سبل السلام: ٤/١١٩.
(٣) الشافعي/ أحكام القرآن: ١/٢٠.
(٤) رفعت فوزي/ توثيق السنة في القرن الثاني: ص ٢٨٥.
[ ٤٨ ]
المبحث الثاني: ثبوت أحكام استقلت بها السنة
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:" فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا منها على وجهين. والوجهان يجتمعان ويتفرعان:
أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب.
والآخر: مما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما (١) . الوجه الثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب" (٢) .
وهذا الوجه الثالث ذهب الجمهور إلى أن في سنة رسول الله ﷺ ما ليس في القرآن (٣) واستدلوا على ذلك بأدلة عديدة أهمها:
أولًا: إن في نصوص القرآن الكريم ما يدل على أن في السنة ما ليس في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] . والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته بعد وفاته. وكذا سائر ما قرن فيه طاعة الرسول بطاعة الله فهو دال على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن؛ إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله (٤) .
_________________
(١) انظر: البحث: ص ٣٦.
(٢) الشافعي/ أحكام القرآن: ١/٢١.
(٣) انظر: السباعي/ السنة ومكانتها في التشريع: ص ٣٨٠.
(٤) الشاطبي/ الموافقات: ٤/٣٢١.
[ ٤٩ ]
ثانيًا: إنه لا مانع عقلًا من وقوع استقلال السنة بالتشريع مادام رسول الله معصومًا عن الخطأ، والله قد أمر رسوله بتبليغ أحكامه إلى الناس من أي طريق سواء كان بالكتاب أو بغيره.
ثالثًا: ثبت من قول علي ﵁: «ما عندنا إلاّ كتاب الله أو فهمًا أعطيه رجل مسلم وما في هذه الصحيفة، فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها: المدينة حرم من عيْر (١) إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثًا، فعليه لعنة الله واللائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلا، وإذا فيها: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلا، وإذا فيها: من والى قومًا بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلا» (٢) .
فدل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة، لم ينص عليها في القرآن. وستأتي أمثلة أخرى عليها.
ويظهر للباحث أن الخلاف لفظي، لأن القائلين إنه ليس في السنة ما لم يرد في الكتاب يثبتون هذه الأحكام ولكن يدخلونها تحت القواعد الكليّة التي وردت في القرآن كالأمر بطاعة الرسول ﷺ فالخلاف لا ثمرة له. حيث إن كلا منهما يعترف بوجود أحكام في السنة لم تثبت في القرآن ولكن أحدهما لا يسمي ذلك استقلالًا، والآخر يسميه، والنتيجة واحدة (٣) . وكذا يتم الجمع
_________________
(١) عيْر: جبل بالمدينة، انظر ابن الأثير: النهاية، باب العين مع الراء، ٣/٣٢٨.
(٢) أخرجه البخاري، انظر: صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بها أدناهم: (١٣٣٩) ٤/٥٣٣.
(٣) انظر: السباعي/ السنة ومكانتها في التشريع: ٣٨٥.
[ ٥٠ ]
بين رأي الجمهور وظاهر قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًىوَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩] . فكونه تبيانًا لكل شيء من أمور الدين باعتبار أنّ فيه نصا على بعض الأمور، وإحالة لبعضها على السنة (١) . وأن الآيات المعجزات جاءت تبيانًا لكل شيء: إما تأصيلًا وإما تفصيلًا (٢) .
_________________
(١) أبو السعود/ إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: ٥/١٣٥.
(٢) الشافعي/ أحكام القرآن: ١/٢٠.
[ ٥١ ]
المبحث الثالث: ضوابط قبول الأحكام التي استقلت بها السنة
وضع العلماء شروطًا يجب أن تتوافر في الراوي ليكون خبره مقبولًا، كما وضعوا مناهج لتحمل الحديث تضمن النقل الصحيح للسنة نقلًا لا تحريف فيه ولا تغيير، وبحثوا في الأسانيد من حيث اتصالها وانقطاعها واستولى ذلك على معظم جهودهم. وهذا يسمى بتوثيق السند.
واختلفوا في توثيق متن الحديث بعد ثبوت صحة سنده إلى مذهبين:
ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا نقلت السنة برواة ثقات، وأسلمها بعضهم إلى بعض بطريقة سليمة فإنه مما لا شك فيه ستنقل كما صدرت من رسول الله ﷺ دون تبديل أو تغيير، أو دخيل فلا ينظر إلى غير ذلك من معارضتها لظاهر الكتاب أو لسنة مشهورة لأنه قد تخفى على عقولنا بعض الأحاديث فنتوهم أنها تعارض كتاب الله ﷿ وليست كذلك في واقع الأمر وحقيقته (١) .
إلاّ أن بعض العلماء اعتنوا بوضع مقاييس وضوابط في توثيق متن السنة لا تقل أهمية عن المقاييس التي وضعت لتوثيقها من حيث السند واعتبروا ذلك انقطاعًا باطنيًا في الحديث يقدح في قبوله. يقول الإمام السرخسي:" ثبوت الانقطاع بدليل معارض على أربعة أوجه: إما أن يكون مخالفًا لكتاب الله تعالى، أو لسنة مشهورة عن رسول الله، أو يكون حديثًا شاذًا لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته، أو يكون حديثًا قد أعرض
_________________
(١) رفعت فوزي/ توثيق السنة في القرن الثاني: ٥/١٣٥.
[ ٥٢ ]
عنه الأئمة من الصدر الأول بأن ظهر منهم الاختلاف في تلك الحادثة ولم تجر بينهم المحاجة بذلك الحديث" (١) . وأكثر من اهتم بهذا القسم الحنفية.
وأهم ما تم به توثيق متون السنة بعد صحة السند ما يلي:
١. عرض المتن الذي ثبت في خبر الآحاد على كتاب الله ﷿.
وأن النبي ﷺ لم يخالف القرآن، وكيف يخالفه والله ﷾ يقول:
﴿وَلَوْتَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ مَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٧] . وكانت عائشة ﵂ تفعل ذلك، وقصتها مع حديث: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (٢)، وعرضها هذا الحديث على قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٨-٣٩] مشهورة (٣) .
وعليه ذهب الحنفية إلى أن خبر الواحد لا يكون صحيحًا إذا خالف كتاب الله ﷿ فإذا ورد مخالفًا له كان هذا دليلًا على عدم صحته. واتبع الإمام مالك ذلك أيضًا فاختار عرض الدليل من السنة على الكتاب فإن دلّ على التحريم وخالف ظاهر الكتاب لم يذهب الإمام مالك إلى التحريم ومثال ذلك موقفه من أكل ذي المخلب من الطير وذي ناب من السباع (٤) .
_________________
(١) أصول السرخسي ١/٣٦٤.
(٢) متفق عليه، انظر: محمد فؤاد عبد الباقي/ اللؤلؤ والمرجان، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، (٥٣٦) ص ٢٤٠-٢٤١.
(٣) الصنعاني/ سبل السلام: ٢/١١٦.
(٤) المرجع السابق: ٤/٧٢-٧٣.
[ ٥٣ ]
وروي أن مالكًا روى " مائة ألف حديث جمع منها في الموطأ عشرة آلاف ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويخبرها بالآثار حتى رجعت إلى خمسمائة" (١) .
١. عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة:
عرض الحنفية أخبار الآحاد على السنة المشهورة، ذلك لأن الأخبار المشهورة تفيد اليقين القلبي أما أخبار الآحاد فتفيد العلم الظني فالأولى أوثق صلة برسول الله ﷺ من الثانية، فإذا تعارضتا دلت المشهورة على أن غيرها لم يصدر عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد (٢) . وطبق هذا المقياس جمهور الفقهاء على السنن التي ظاهرها التعارض (٣) .
يرى الدكتور رفعت فوزي أن الإمام الشافعي أيضًا كان يعرض السنة على السنة في كثير من الأحكام (٤) .
من ذلك قوله في غسل يوم الجمعة: إنه سنة مستحبة وليس بواجب، وأن الوجوب الذي ورد في بعض الأحاديث صُرف بالسنة المشهورة وفيها أن عثمان بن عفان ﵁ ترك الغسل وأقره عمررضي الله عنه وحاضرو الجمعة وهم أهل الحل والعقد
_________________
(١) السيوطي/ تنوير الحوالك: ١/٦.
(٢) رفعت فوزي/توثيق السنة في القرن الثاني الهجري: ص ٣٢٣.
(٣) انظر البحث: ص ١٧.
(٤) رفعت فوزي/ توثيق السنة في القرن الثاني الهجري: ص ٣٤١.
[ ٥٤ ]
٣عرض الحديث على عمل الصحابة وفتاواهم:
تقدم في عبارة السرخسي المتقدمة أن للحنفية ضابطين أيضًا لقبول أخبار الآحاد وشرحهما الدكتور رفعت فوزي بقوله:" هناك مقياسان غير ما تقدم لتوثيق الحديث أخذ بهما الحنفية وهما:
أولًا: الحديث الذي تعم به البلوى، والذي إليه تكون الحاجة ماسة في عموم الأحوال؛ لا بد أن يأتي بروايات مشهورة ليكون مقبولًا وموثقًا، فإذا لم يكن كذلك يرفض؛ لأنه لو صح لانتشر وشاع بين الصحابة ومن بعدهم. فالعادة تقتضي استفاضة نقل ما تعم به البلوى.
ثانيًا: الحديث الصحيح يأخذ به الأئمة من أصحاب النبي ﷺ
- فإذا أعرضوا عن الحديث- وهم الأصول في نقل الشريعة- دلّ ذلك على انقطاعه أو نسخه وهذان المقياسان- كما يبدو واضحًا- يرجعان إلى أصل واحد وهو الرجوع بالحديث وعرضه على عمل الصحابة وفتاواهم ومدى نقلهم له، فإذا كانت العادة تقتضي أن يعلمه أكثرهم ويعملوا به، وحدث ذلك فعلًا ونقلوه قبل وكان صحيحًا أما إذا أعرضوا عنه- وواجب عليهم ألاّ يعرضوا عما ثبت عن رسول الله ﷺ كان ذلك دليلًا على أنه لم يصدر عن رسول الله ﷺ " (١) .
٢. عرض الحديث على عمل أهل المدينة:
المقصود بعمل أهل المدينة ما نقله أهلها من سنن نقلًا مستمرًا عن زمن النبي ﷺ أو كان رأيًا واستدلالًا لهم (٢) .
_________________
(١) توثيق السنة: ص ٣٤٥.
(٢) انظر: أحمد محمد نور سيف/ عمل أهل المدينة: ص ٣١٧.
[ ٥٥ ]
فهل يشترط في قبول خبر الآحاد بعد صحة سنده عرضه على عمل أهل المدينة فإن صحب الخبر عملهم قُبل وإن خالفهم لا يقبل؟
يقول الدكتور أحمد نور سيف:
" نسب إلى مالك أنه لا يقبل الآحاد إلاّ ما صحبه العمل. لكن باستعراض عدد من أخبار الآحاد بالموطأ والتي لم يذكر مالك مصاحبة عمل لها، وكذلك تفرق بعض الأصوليين بين هذا الشرط وبين ردّ مالك أخبار الآحاد بالعمل يدل على أنه لا يشترط في قبول أخبار الآحاد مصاحبة العمل لها وإنما يردها إذا عارضها العمل" (١) .
إن كان عمل أهل المدينة معارضًا لخبر الآحاد، وثبت عنهم من طريق النقل فهذا يشبه التواتر ويفيد القطع واليقين، ومن أمثلة ذلك:
* زكاة الفاكهة والخضروات:
عن عائشة ﵂: «أن السنة جرت به وليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة» (٢) .
عن معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فيما سقت السماء والبعل (٣) والسيح (٤) العشر وفيما سقي بالنضح (٥) نصف العشر» وإنما يكون
_________________
(١) المرجع السابق: ص ٣٢٠.
(٢) أخرجه البيهقي: كتاب الزكاة، باب الصدقة فيما يزرعه الآدميون، ثم قال: هذه الأحاديث كلها مراسيل إلاّ أنها من طرق مختلفة فبعضها يؤكد بعضًا ومعها رواية أبي بردة ومعها قول بعض الصحابة ﵃. انظر: السنن الكبرى ٤/١٢٩-١٣٠.
(٣) البَعل: هو ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها. انظر: ابن الأثير/ النهاية: باب الباء مع العين، ١/١٤١.
(٤) السّيح: الماء الجاري، المرجع. انظر: المرجع السابق، باب السين مع الياء، ٢/٤٣٣.
(٥) النضح: ما سقي بالدوالي والاستسقاء، والنواضح الإبل التي يُسقى عليها، واحدها نضح. انظر: المرجع السابق، باب النون مع الضاد، ٥/٦٩.
[ ٥٦ ]
ذلك في التمر والحنطة والحبوب، وأما القثّاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله ﷺ (١) .
قال الإمام مالك: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا والذي سمعت من أهل العلم أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة (٢) .
الوقف:
المقصود بالوقف شرعًا: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة (٣) .
وخالف الإمام أبو حنيفة جمهور العلماء في جواز الوقف ولزومه (٤) .
وقد روي أن مالكًا قال له أبو يوسف بحضرة الرشيد: إن الحبس - أي الوقف- لا يجوز فقال له مالك:
"فهذه الأحباس؛ أحباس رسول الله ﷺ بخيبر وفَدَك وأحباس أصحابه؟ " (٥)
فاستدل بعمل الرسول ﷺ وعمل الصحابة في المدينة التي شاهدها الناس وعرفوها وهم على اطلاع عليها، فالقرآن الكريم لم يتعرض لذكر الوقف بخصوصه بل رغّب في التصدق العام ويدخل الوقف في هذا
_________________
(١) أخرجه الحاكم والبيهقي، انظر: النسابوري/ المستدرك على الصحيحين، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الحنطة والشعير: ١/٤٠١، السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب الصدقة فيما يزرعه الآدميون: ١/١٢٩.
(٢) انظر: الموطأ، كتاب الزكاة، باب ما لا زكاة فيه من الفواكه والقصب والبقول، ١/٣٧٦.
(٣) انظر: ابن قدامة/ عمدة الفقه: ص ٩٣.
(٤) انظر: السرخسي/ المبسوط: ١١/٢١، الشلبي/ أحكام الوصايا والوقف: ص ٣١٦.
(٥) ابن العربي/ أحكام القرآن: ٢/١٦٣.
[ ٥٧ ]
العموم. وكذلك وردت الأخبار التي تؤكد عمل أهل المدينة، منها حديث ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمررضي الله عنه أرضًا بخيبر قال: لم أُصب مالًا قط أنفس منه فكيف تأمرني به؟ قالﷺ - "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فتصدّق بها عمر في الفقراء والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه (١) .
وفي الأثر عن جابر ﵁: «ما بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ له مقدرة على الوقف إلاّ وقف» (٢) .
والخلاصة لما تقدم في هذا المبحث أن أئمة الفقه وعلماء الأمة بلغوا الغاية في توثيق السنة سندًا كما هو مشهور، ومتنًا بعرض السنن الصحيحة على كتاب الله، وعلى المشهور من السنن الأخرى، وعلى فتاوى جمهور أصحاب رسول الله ﷺ ولاسيما في المدينة موطن رسول الله صلى الله عليهوسلم، والكبار من صحابته أتبع الناس له رضوان الله عليهم ثم من كان فيها من بعدهم من التابعين يسلكون تلك السبيل ولا يظن فيهم مخالفتها.
_________________
(١) متفق عليه، انظر: صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الوقف: (٢٧٣٧)، ٤/٣٨٤.
(٢) أخرجه الخصاف بسنده في كتابه أحكام الوقف: ص ١٥.
[ ٥٨ ]
المبحث الرابع: مثال مما استقلت به السنة في العبادات
هذا المبحث والمباحث التي تليه تصلح لطلبة الدراسات العليا الشرعية، وفيها ردٌّ ودحضٌ لشبهات القرآنيين وقولهم: إن القرآن ذكر كل شيء، ولا حاجة معه للسنة (١) .
وسأكتفي بذكر ثلاثة أحكام في كل مبحث تاركة الاستقصاء والموازنة بين المذاهب لباحثين آخرين سمة أبحاثهم التوسع والمقارنة.
المتأمل للقسم الأول من أقسام الفقه وهو قسم العبادات يلحظ في كل كتاب من كتبه أحكامًا ثبتت بالسنة الصحيحة. ففي كتاب الطهارة:
باب السواك:
حديث أبي هريرةرضي الله عنه:أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي – أو على الناس- لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" (٢) .
وحديث أبي موسى ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده يقول: " أع أع" والسواك في فيه كأنه يتهوع (٣») (٤)
وحديث حذيفة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه (٥) بالسواك» (٦) .
_________________
(١) انظر: خادم حسين بخش/ القرآنيون ص٢١.
(٢) متفق عليه، انظر: محمد فؤاد عبد الباقي/ اللؤلؤ والمرجان، كتاب الطهارة، باب السواك، (١٤٢) ص ٨٩.
(٣) يتهوّع: أي يتقيأ، والهوعُ: القيء. انظر: ابن الأثير/ النهاية، باب الهاء مع الواو: ٥/٢٨٢.
(٤) متفق عليه، انظر: اللؤلؤ والمرجان، كتاب الطهارة، باب السواك (١٤٣) ص ٩٠.
(٥) يشوص: أي يدلك أسنانه وينقها، وقيل هو أن يستاك من أسفل إلى علو، والشوص: الغسل، انظر: ابن الأثير/ النهاية: باب الشين مع الواو، ٢/٥٠٩.
(٦) متفق عليه، انظر: محمد فؤاد عبد الباقي/ اللؤلؤ والمرجان: كتاب الطهارة، باب السواك (١٤٤) ص ٩٠.
[ ٥٩ ]
فاستحباب السواك ثبت بالسنة الفعلية والقولية.
كما ثبتت أحكام أخرى كخصال الفطرة، والمسح على الخفين، وولوغ الكلب في الإناء، ونجاسة المذي وغير ذلك. ومن أراد الاستقصاء فدونه كتب السنن.
وفي كتاب الصلاة:
الأذان وشفعه، وإيتار الإقامة ووردت السنن التالية في ذلك:
حديث عن أبي محذورة أن النبي ﷺ علَّمه هذا الأذان الله أكبر الله أكبر (١) أشهد أن لا إله إلاّ الله أشهد أن لا إله إلاّ الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله ثم يعود فيقول أشهد أن لا إله إلاّ الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حيّ على الصلاة مرتين حيّ على الفلاح مرتين، زاد إسحاق: الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله (٢)
وحديث ابن عمر ﵁ كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم لبعض: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل بوق اليهود؛ فقال عمر ﵁: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: "يا بلال، قم فنادِ بالصلاة" (٣) .
_________________
(١) قال الإمام النووي: «في صحيح مسلم في أكثر الأصول في أوله: الله أكبر مرتين ووقع في غير مسلم: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أربع مرات، قال القاضي عياض ﵀: ووقع في بعض طرق الفارسي في صحيح مسلم أربع مرات، وكذلك اختلف في حديث عبد الله بن زيد في التثنية والتربيع، والمشهور فيه أربع..» شرح صحيح مسلم ٤/٨١.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، صفة الأذان، انظر: المرجع السابق: ٤/٨٠.
(٣) متفق عليه، انظر: اللؤلؤ والمرجان، كتاب الصلاة، باب بدء الأذان (٢١٣) ١١٣.
[ ٦٠ ]
وحديث أنس ﵁ قال: «ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة» (١)
وثبت فرض الصلوات الخمس بالقرآن الكريم وثبت حكم صلاة العيدين، والاستسقاء، والكسوف، والجنائز بالسنة.
_________________
(١) متفق عليه، انظر: المرجع السابق: (٢١٤) ١١٣.
[ ٦١ ]
المبحث الخامس: مثال مما استقلت به السنة في المعاملات
القسم الثاني للفقه الإسلامي قسم المعاملات، والقاعدة التي بنى عليها المسلمون معاملاتهم الدنيوية قوله ﷺ: "إن كان شيئًا من أمور دنياكم؛ فشأنكم به. وإن كان من أمور دينكم فإليّ" (١) .
وكان الضابط منع كل ما يثير الشحناء والبغضاء بين المسلمين فثبت في السنن ما يؤكد هذه القاعدة في المعاملات والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
حديث أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ عن لِبْسَتيْن وعن بيعتين: نهى عن الملامسة والمنَابذة في البيع؛ والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلِبه إلاّ بذلك، والمُنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الآخر ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض.
واللبستين: اشتمال الصمّاء، والصمّاء: أن يجعل ثوبه على أحد عاتِقَيْه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب، واللِّبسة الأخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء (٢)
حديث أبي هريرةرضي الله عنه قال: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تلقّوا الركبان ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا (٣) ولا يبع حاضر لباد ولا تُصروا الغنم ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها؛ إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (٤) .
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٢٤ حاشية ٨.
(٢) متفق عليه، انظر: المرجع السابق، كتاب البيوع، باب إبطال بيع الملامسة والمنابذة، (٩٦٧) ص ٤٢٩.
(٣) تناشجوا: النجش: هو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها، أو يزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها، ليقع غيره فيها، والأصل فيه: تنفير الوحش من مكان. انظر ابن الأثير/ النهاية: باب النون مع الجيم، ٥/٢١.
(٤) متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه، وتحريم النجش، وتحريم التصرية، (٩٧٠) ص ٤٣٠.
[ ٦٢ ]
حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن (١) .
وغير هذه الأحاديث الكثير مما تفردت به السنة من الأحكام والتي لم ترد في القرآن الكريم. ولقد اهتم العلماء بفصلها عن ألوان الفنون الأخرى واستقلت بمصنفات اقتصرت على جمع أحاديث الأحكام فقط (٢)
_________________
(١) متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان، كتاب المساقاة، باب تجريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي (١٠١٠) ص٤٤٤.
(٢) أشهر المصنفات في علم أحاديث الأحكام: معاني الآثار للطحاوي، وعمدة الأحكام من كلام خير الأنام ﵊ للمقدسي وعليه خمسة شروح، دلائل الأحكام من أحاديث الرسول ﵊ ليوسف بن شداد، المنتقي من أخبار المصطفى لابن تيمية - الجد – الحراني وعليه شروح عديدة أشهرها نيل الأوطار للشوكاني، بلوغ المرام من أحاديث الأحكام للقاضي الإمام ابن حجر العسقلاني وأهم شروحه سبل السلام للصنعاني. انظر: الباحثة/ مدخل لدراسة أحاديث الأحكام، مجلة جامعة أم القرى، العدد ١٨، ١٤١٩.
[ ٦٣ ]
المبحث السادس: مما استقلت به السنة افي النكاح
المبحث السادس: مما استقلت به السنة في النكاح
القسم الثالث في الفقه الإسلامي أحكام النكاح ويلحقها أحكام المهر والنفقة والرضاع والطلاق وثبتت أكثر أحكام هذا القسم في القرآن. ومما استقلت به السنة ما يلي:
حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (١) .
وحديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار. الشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق (٢) .
وحديث أنس ﵁: من السنة، إذا تزوج الرجل البكر على الثيب، أقام عندها سبعًا، وقسم؛ وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا، ثم قسم (٣)
_________________
(١) متفق عليه، سبق تخريجه، انظر ص ٤٠ حاشية ٢.
(٢) متفق عليه، انظر اللؤلؤ والمرجان: كتاب النكاح، باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه (٨٩٣) ص ٣٨٦.
(٣) متفق عليه، انظر المرجع السابق، كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف (٩٢٥) ص ٤٠١.
[ ٦٤ ]
المبحث السابع: مثال مما استقلت به السنة في الحدود والجنايات
ثبتت أكثر الحدود بالقرآن الكريم إلاّ حكم الردّة، وحد الخمر، والتعزير. ووردت فيها الأحاديث التالية:
حديث عبد الله قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "والذي لا إله غيره، لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر، التارك الإسلام المفارق للجماعة - أو الجماعة - والثيب الزاني والنفس بالنفس" (١) .
قال الإمام النووي: والتارك لدينه المفارق للجماعة فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام (٢)
وحديث أنس ﵁ قال: جلد النبي ﷺ في الخمر، بالجريد والنعال؛ وجلد أبو بكر أربعين (٣) .
وحديث أبي بردة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: "لا يجلد فوق عشر جلدات إلاّ في حد من حدود الله" (٤) .
ويوجد في كل مسألة عدة أحاديث جمعت في كتب أحاديث الأحكام واقتصرت على أصحها وأوضحها دلالة، طلبًا للاختصار.
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب القسامة، باب ما يحل به دم المسلم. انظر: النووي/ شرح صحيح مسلم: ١١/١٦٥.
(٢) المرجع السابق: ١١/١٦٥.
(٣) متفق عليه، انظر: اللؤلؤ والمرجان، كتاب الحدود، باب حد الخمر (١١٠٨) ص ٤٨٩.
(٤) متفق عليه، انظر: المرجع السابق، كتاب الحدود، باب قدر أسواط التعزير (١١١٠) ص ٤٨٩
[ ٦٥ ]