وفيه فصلان:
١ - شُبُهَاتُ مُنكري السُنَّة عمومًا.
٢ - شُبُهَاتُ فرقة أهل القرآن في القارة الهندية.
[ ٩٢ ]
الفصل الأول: شُبُهَاتُ مُنْكِرِي السُنَّةِ:
تَعَلَّقَ هولاء وهولاء - مِمَّنْ أنكروا السُنَّةَ - قديمًا وحديثًا - بِشُبَهٍ وهي عندهم أدلة - تعلقوا بها لِيُقَوُّوا موقفهم ويدافعوا عن مذهبهم. نورد الأشهر منها ونرد عليها - باختصار - تلو كل شبهة، كالآتي:
الشُبْهَةُ الأُولَى:
قالوا: قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وإذا قلنا أنَّ القرآن في حاجة إلى بيان كان ذلك تكذيبًا صريحًا للقرآن وتكذيبًا لِمُنْزِلِ القرآن الذي قد نفى عنه أنْ فيه تقصير أو تفريط في أمر من الأمور ولذا فلا يمكن أنْ يستعان بشيء آخر في شريعة الله من سُنَّةٍ أو حديثٍ (١)، (٢).
تعلق به كل من توفيق صدقي وأبو رِيَّةَ (٣)
الرَدَّ: إن القرآن حوى أصول الدين وقواعد الأحكام العامة ونص على بعضها بصراحة وترك بيان بعضها الآخر لرسول الله - ﷺ -، وما دام الله قد أرسل رسوله لِيُبَيِّنَ للناس أحكام دينهم وأوجب عليهم اتباعه كان بيانه للأحكام بيانًا للقرآن، ومن هنا كانت أحكام الشريعة من كتاب
_________________
(١) السُنَّة ومكانتها ": ص ١٥٣، " مجلة المنار ": ٩/ ١ - ٧.
(٢) " دراسات في الحديث النبوي ": ص ٣١.
(٣) " مجلة المنار ": ٩/ ٥١٦، " أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص ٤٠٤.
[ ٩٣ ]
وَسُنَّةٍ وما يلحق بهما ويتفرَّعُ عنهما من إجماع وقياس أحكامًا من كتاب الله تعالى إما نَصًّا وإما دلالةً ولا منافاة بين حُجِيَّةِ السُنَّة وبين أنَّ القرآن جاء تبيانًا لكل شيء (١).
وآية: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢).
الاستدلال بها ليس في محله لأنَّ القرآن قد أرشدنا إلى الأخذ بما جاء عن النبي - ﷺ -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
هذا على أنَّ المراد بالكتاب هنا القرآن، كيف وقد رَجَّحَ كثير من المفسِّرين أنَّ المراد بالكتاب هنا هو (اللوح المحفوظ) (٣).
الشُبْهَةُ الثَانِيَةُ:
قالوا: قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤).
يدل على أنَّ الله تكفل بحفظ القرآن دون السُنَّة، ولو كانت دليلًا وحُجَّةً كالقرآن لتكفَّل بحفظها (٥).
الرد:
والجواب على هذا هو أنَّ ما وعد الله من حفظ الذكر لا يقتصر على القرآن وحده بل المراد به شرع الله ودينه الذي بعث به رسوله وهو أَعَمُّ من أنْ يكون قرآنًا أو سُنَّةً ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٦)
_________________
(١) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ١٥٥.
(٢) [الأنعام: ٣٨].
(٣) " دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ": ص ٣٦.
(٤) [الحجر: ٩].
(٥) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ١٥٣.
(٦) [النحل: ٤٣] و[الأنبياء: ٧].
[ ٩٤ ]
أي أهل العلم بدين الله وشرعه، ولا شك أنَّ الله كما حفظ كتابه حفظ سُنَّة نبيِّه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - بما تهيأ لها من أئمة العلم يحفظونها ويتناقلونها ويتدارسونها ويُميِّزون صحيحها من دخيلها (١).
وذكر الذهبي أَنَّ الرَّشِيْدَ أَخَذَ زِنْدِيقًا لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ وَضَعْتُهَا؟ فَقَالَ الرَّشِيْدُ: فَأَيْنَ أَنْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ يَتَخَلَّلاَنِهَا، فَيُخْرِجَانِهَا حَرْفًا حَرْفًا». وقيل لابن المبارك: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ [المَصْنُوعَةُ]؟ فقال: «يَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ» (٢).
وقد رَدَّ ابن حزم على من زعم أنَّ المُرَادَ بالذكر في الآية وحده فقال: «هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان وتخصيص للذكر بلا دليل والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه - ﷺ - من قرآن أو من سُنَّةٍ وحي يُبَيَّنُ بها القرآن وأيضًا فإن الله تعالى يقول ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فصح أنه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مِمَّا لا نعلم فإذا كان بيانه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - لذلك المُجْمَلِ غير محفوظ ولا مضمون سلامته مِمَّا ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منه» (٣).
الشُبْهَهُ الثالثة:
قالوا: لو كانت السُنَّة حُجَّةً لأمر النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - بكتابتها ولعمل الصحابة والتابعون على جمعها وتدوينها، لكن لما ثبت أَنَّ
_________________
(١) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ١٥٦، ١٥٧.
(٢) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٢٥١. وانظر " تهذيب التهذيب ": ١/ ١٥٢ و" فتح المغيث ": ص ١٠٩.
(٣) " الأحكام " لابن حزم: ١/ ١٢١.
[ ٩٥ ]
النبي - ﷺ - منع من كتابتها وأمر أنْ يُمْحَى ما كتب منها فكيف تكون حُجَّةً؟ (١).
الرد:
وأجيب على هذا: بأنَّ عدم أمر النبي - ﷺ - بكتابتها ونهيه عن ذلك كما ورد لا يدل على حُجِيَّتِهَا لأنَّ المصلحة حينئذٍ كانت تقتضي تضافر كُتَّابَ الصحابة - نظرًا لِقِلَّتِهِمْ - على كتابة القرآن وتدوينه، ولئلاَّ يختلط شيء من السُنَّة بالقرآن.
والنهي الوارد إنما كان عن كتابة الحديث وتدوينه رسميًا كالقرآن، وأما أنْ يكتب الكاتب لنفسه فقد ثبت وقوعه في عهد الرسول - ﷺ - بل تواتر كما سنذكره إنْ شاء الله.
وليست الحُجِيَّةُ مقصورة على الكتابة حتى يقال: لو كانت حُجِيَّةُ السُنَّةِ مقصورة على النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - لأمر بكتابتها فإنَّ الحُجِيَّة تثبت بأشياء كثيرة منها التواتر ومنها ما نقل العدول الثقات ومنها الكتابة، والقرآن نفسه لم يكن جمعه في عهد أبي بكر بناء على الرقاع المكتوبة فحسب بل لم يكتفوا بالكتابة حتى تواتر حفظ الصحابة لكل آية منه. وليس النقل عن طريق الحفظ بأقل صحة وضبطًا من الكتابة خصوصًا من قوم كالعرب عرفوا بقوة الحافظة وأتوا من ذلك بالعجائب، فقد كان الرجل منهم يحفظ القصيدة كلها من مرة واحدة كما ثبت عن ابن عباس أنه حفظ قصيدة لعمر بن أبي ربيعة في جلسة واحدة (٢).
الشُبْهَةُ الرَابِعَةُ:
قالوا: يجب أنْ يكون الدين قَطْعِيًّا وفي الأخذ بالسُنَّةِ لا يبقى كذلك.
_________________
(١) و(٢) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ١٥٨.
[ ٩٦ ]
والآيات تدل على قطعية القرآن وتنفي عنه الريب: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ (٢).
وقالوا: إنكم تزعمون أنَّ الحديث إما متواتر وإما آحاد، والمتواتر لا يتجاوز بضعة أحاديث أما البقية فكلها من الآحاد وهي ظنية حسب قولكم، فإذا كان الدين هو مجموع ما في الكتاب والسُنَّة كان بهذا الاعتبار ظنيًا إذ مجموع القطعي والظني ظني والقرآن الكريم يُنَدِّدُ بمن يتبع الظن، قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٣).
وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٤).
وبما أنَّ الأحاديث ظنية لذلك لا يمكن الاعتماد عليها ويبقى الدين هو القرآن وحده (٥).
الرد:
وللجواب على هذا نقول: إنها مِمَّا لا ريب فيه أنَّ القرآن الكريم قطعي الثبوت ولكنه ليس قطعي الدلالة في كل المواضع فمن يرجح أحد معانيه لا يستطيع أنْ يقطع بأنَّ هذه الدلالة قطعية وما سواها باطل، بل هو يعتقد بظنية دلالته فرجح الأمر إلى اتِّباع ما هو ظني الدلالة (٦).
_________________
(١) [البقرة: ٢].
(٢) [فاطر: ٣١].
(٣) [يونس: ٣٦].
(٤) [الإسراء: ٣٦].
(٥) استدل به كل من رَدَّ الأخبار وتوفيق صدقي. المنار: ٩/ ٩١٢ و" جماعة القرآن "
(٦) " دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ": ص ٣٤.
[ ٩٧ ]
وأما الدعوى بأنَّ الظن في أحكام الدين غير جائز فذلك فيما يتعلق بأصول الدين التي يكفر من جحدها أو شك فيها كوحدانية الله تعالى أما فروع الدين وجزئياته فالعمل بالظن واجب ولا سبيل إليها إلاَّ الظن بالظن غالبًا.
وأيضًا، فإنَّ حُجِيَّةَ خبر الآحاد ليست ظنية بل هي مقطوع بها لانعقاد الإجماع على ذلك بين العلماء منذ عصر الصحابة فمن بعدهم فلا يكون العمل بها دليلًا ظنيًا بل بدليل مقطوع به مفيد للعلم بذلك وهو الإجماع (١).
الشُبْهَةُ الخَامِسَةُ:
قالوا: أثر عن بعض الصحابة النهي عن التحديث أو التقليل منه ولم تُدَوَّنْ السُنَّة إلاَّ في عصور متأخرة بعد أنْ طرأ عليها الخطأ والنسيان ودخل فيها التحريف والتغيير وذلك مِمَّا يوجب الشك بها وعدم الاعتماد عليها في أخذ الأحكام.
الرد:
الجواب على هذا: هو أَنَّ تحرز بعضهم عن التحديث أو النهي عنه فذلك من شدة الاحتياط في الدين أَنْ يذكروا عن رسولهم ما قد يخطئون فيه كما صَرَّحَ بذلك الزبير، أما من كان قوي الذاكرة فقد حَدَّثَ بلا حرج، كابن عباس وابن مسعود، على أنَّ الأخبار عن كتابة الصحابة والتابعين للحديث متواترة معنويًا لا مجال لطالب الحق معه أنْ ينكرها أو يتشكَّك فيها.
أما القول بأنَّ السُنَّة قد تأخر تدوينها فزالت الثقة بضبطها وأصبحت مجالًا للظن والشك، والظن لا يجوز في دين الله - فهذا قول من لم يقف على جهود العلماء في مكافحة التحريف والوضع والكذب.
«وإذا كانت السُنّة قد نقلت بالضبط والحفظ غالبًا والكتابة أحيانًا، من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الأول حيث دَوَّنَ الزُّهْرِي السُنّة بأمر عمر
_________________
(١) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ١٦٠، ١٧٩. و" الأحكام " للآمدي: ١/ ١٦٩.
[ ٩٨ ]
ابن عبد العزيز، كانت سلسلة الحفظ والصيانة متصلة لم يتطرَّق إليها الانقطاع فلا يصح أَنْ يتطرق إليها الشك.
أما ما دُسَّ على السُنّة من كذب فقد تصدَّى له العلماء وبيَّنُوهُ بما لا يترك مجالًا للشك، حتى إنَّ النفس لتطمئِنُّ إلى السُنّة إلى حدٍّ يكاد يصل إلى درجة اليقين» (١).
ويرى الأستاذ «أحمد حسين المحامي» أَنَّ المستشرقين في نظرتهم إلى القرآن والحديث النبوي يقيسون تدوين السُنَّة النبوية بصياغة التعاليم المسيحية التي بدأ تدوينها أو (وضعها) على الأصح ابتداءً من القرن الرابع الميلادي حيث لا المسيح ولا تلامذته ولا الأناجيل ولا يونس نفسه قد صاغ التعاليم التعاليم المسيحية التي تمارس بها الآن. وإنما وضعتها المجامع المسيحية التي بدأت في القرن الرابع الميلادي - كما أسلفنا - بعد أنْ أصبحت المسيحية هي الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية وذلك لنحدد عناصر العقيدة وتصدر القرارات ضد مخالفيها (٢).
الشُبْهَةُ السَادِسَةُ:
قالوا: قد ورد من النبي - ﷺ - ما يدل على عدم حُجِيَّة السُنَّة من ذلك «إِنَّ الْحَدِيثَ سَيَفْشُو عَنِّي فَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ عَنِّي وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَلَيْسَ مِنِّي».
فإذا كان ما رُوِيَ من السُنَّة حكمًا شرعيًا جديدًا كان ذلك غير موافق للقرآن، وإنْ لم يثبت حُكْمًا جَدِيدًا كان لمحض التأكيد والحُجَّةِ هو القرآن.
الرد:
والجواب على هذا: هو أنَّ هذا الحديث رواه خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر عن رسول الله - ﷺ -، وخالد مجهول وأبو جعفر ليس صحابي، فالحديث منقطع.
_________________
(١) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ١٥٩، ١٦٠. " مفتريات على الإسلام ": ص ٣٨.
[ ٩٩ ]
وقال الشافعي: «ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء».
وقال البيهقي: «والحديث الذي رُوِيَ في عرض الحديث على القرآَن باطل لا يصح، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن» (١).
لقد اتفق أكثر منكري السُنَّة بالأدلة التي ذكرناها وبالحجج التي أوردناها والاتجاه الذي أوضحناه من ترك الاحتجاج بالسُنَّة النبوية لكن منكري السُنَّة قديمًا وحديثًا ما عدا أهل القرآن (٢) كانوا يأخذون بالسُنَّة العمليَّة المتواترة كالصلاة والزكاة والحج وما شاكل ذلك من الأمور التي تناقلها المسلمون جيلًا بعد جيل عمليًا ولكن ذهب أهل القرآن إلى أبعد من ذلك فأنكروا حتى هذا الجزء المتواتر العملي من الإسلام.
_________________
(١) " مفتاح الجنة ": ص ٦ - ١٥.
(٢) أهل القرآن من أشد منكري السُنَّة وهم فرقة بباكستان يُسَمَّوْنَ بالقرآنيِّين، وكان منهم الدكتور توفيق صدقي لكنه رجع أخيرًا عن آرائه كما ذكر ذلك الدكتور مصطفى السباعي.
[ ١٠٠ ]
الفصل الثاني: شُبُهَات فرقة أهل القرآن:
وأما شُبُهَات أهل القرآن فنوجزها فيما يلي مقترنة بالرد عليها.
الشُبْهَةُ الأُولَى:
قالوا حسبنا كتاب الله لأنه تكفَّل بذكر الأمور الدينية كلها بالشرح والتفصيل، فلم يبق للمسلمين حاجة إلى السُنَّة كمصدر للتشريع وأخذ الأحكام منها. يقول عبد الله جكرالوي: «إنَّ الكتاب المجيد ذكر كل شيء يحتاج إليه في الدين مفصلًا ومشروحًا من كل وجه، فما الداعي إلى الوحي الخفي وما الحاجة إلى السُنَّة؟» (١).
ويقول: «كتاب الله كامل مفصَّل لا يحتاج إلى الشرح ولا إلى تفسير محمد - ﷺ - وتوضيحه إياه أو التعليم العملي بمقتضاه» (٢).
ويقول الحافظ أسلم في المعنى نفسه ما نصه: «قد انحصرت ضروريات الدين في اتباع القرآن المُفصَّل ولا تتعداه» (٣).
الرد: لا شك أنَّ القرآن حوى أصول الدين وقواعد الأحكام العامة ونص على بعض جزئياتها اليسيرة وأما ما يدَّعيه هؤلاء من تنصيصه على كل صغيرة وكبيرة فهو ادِّعاء لا يقره واقع القرآن، فلو كان الأمر كما يقولون فأين عدد الصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة فضلًا عن عدد الركعات لكل
_________________
(١) " فرقة أهل القرآن ": ص ٨٨.
(٢) و(٣) " مقام حديث ": ص ١٤٣.
[ ١٠١ ]
فريضة وأين نصاب الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة .. بل خول بيان هذه الجزئيات إلى النبي - ﷺ -، فلو كان القرآن مشتملًا على كل التفاصيل والجزئيات التي يحتاج إليها في الدين - كما يزعم هؤلاء - لما أمر الله رسوله - ﷺ - بتبيينه للناس ولما أمر المسلمين بطاعة الرسول - ﷺ - بامتثال ما يأمرهم واجتناب ما ينهاهم عنه. وفي هذا المقام يقول الدكتور السباعي (*): «بحق إن الله لم ينص في الكتاب على كل جزئية من جزئيات الشريعة وإنما بَيَّنَ أصول الشريعة ومصادرها وقواعدها ومبادئها العامة. ومن الأصول التي بَيَّنَهَا العمل بِسُنَّةِ الرسول - ﷺ - كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١).
ولعل الذي أوقعهم في فهمهمه الخاطئ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢).
ففهموا من التفصيل القرآني ما يفهمون منه من لغتهم الأوردية فالتفصيل والتفصيلات في الأوردية يأتي بمعنى (تعيين الجزئيات) غير أنَّ مادة (ف - ص - ل) لم ترد بهذا المعنى في لغة الضاد وإنما معناها الإبانة والتنحية والتوضيح لأنَّ التفصيل ضد الإجمال» (٣).
قال الراغب: «الفصل: إبانة أحد الشيئين عن الآخر» (٤) فإحلال التفصيل الأوردي مكان التفصيل العربي هو أساس الخطأ الذي وقعوا فيه.
_________________
(١) (*) لم أجد هذا القول في كتاب " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي، ولا في كتاب " دفاع عن السُنَّة " للشيخ محمد محمد أبو شهبة [كتب العنوان خطأ " دفاع عن الحديث النبوي " وإنما هو " دفاع عن السُنَّة "].
(٢) [الحشر: ٧]، " دفاع عن الحديث النبوي ": ص ١٠٢.
(٣) [يوسف: ١١١].
(٤) " فرقة أهل القرآن ": ص ٩١.
(٥) " المفردات في غريب القرآن ": ص ٣٨١.
[ ١٠٢ ]
وبناء على ما تقدم يتضح بأن التفصيل المقصود في الآية هر شمول القرآن بكل الأصول الشرعية دون نعيين جزئياتها بذكر كل صغيرة وكبيرة في المعاش والمعاد.
الشُبْهَةُ الثَانِيَةُ:
قالوا إِنَّ السُنَّةَ لم تكن وحيًا من الله وإنما هي أقوال نسبها الناس إلى رسول الله - ﷺ - زورًا وتزييفًا دون أَنْ يكون للايحاء يد في صدورها منه - ﷺ - وأنه لم ينزل عليه شيء من الوحي سوى ما حواه القرآن، يقول عبد الله: «إنا لم نؤمر إلاَّ باتباع ما أنزل الله بالوحي ولو فرضنا جدلًا صِحَّةَ نسبة بعض الأحاديث بطربق قطعي إلى النبي - ﷺ - فإنها مع صِحَّةِ نسبتها لا تكون واجبة الاِتِّبَاعِ، لأنها ليست بوحي منزل من الله ﷿» (١).
ومثل هذا القول بقول الحافظ أسلم (٢).
وقال الخواجه أحمد الدين: «إنَّ الأصل الذي لا يتغير ولا يتبدل هو الوحي الإلهي فحسب وهل أمرنا بالبحث عن هذا الوحي الإلهي في التوراة أو الإنجيل .. أو البخاري ومسلم أو الترمذي وأبي داود وابن ماجه .. أو مسانيد أئمة أخرى » (٣).
الرد:
كيف لم تكن السُنَّة وحيًا من الله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤).
_________________
(١) " فرقة أهل القرآن ": ص ٩١.
(٢) " مقام حديث ": ص ١٣٩.
(٣) " فرقة أهل القرآن ": ص ٩٢.
(٤) [النجم: ٣، ٤]، يقول القرطبي: «فيها دلالة على أنَّ السُنَّة َ كالوحي المُنَزَّلِ من الله» " الجامع لأحكام القرآن ": ٧/ ٦٢٥٥.
[ ١٠٣ ]
وبفول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (١).
ثم إنَّ الله يقول مُبَيِّنًا حقيقة مقام الرسول - ﷺ - في تبليغ دينه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٢)
تفيد الآية أَنَّ الرسول - ﷺ - لو تكلف القول وافترى على الله - حاشاه أنْ يفعل ذلك - غير ما أخبر الله به فإنَّ المنية تخترقه في حينه وأنَّ مغبة مثل هذا العمل قاسية وأليمة لا تحمد عقباها، فهل يتصور منه بعد هذا الإنذار والوعيد الشديدين لهذا النبي الأُمِيَّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أَنْ يصدر منه تحليل أو تحريم أو تفصيل في الدين مبناه الهوى والنفس الأَمَّارة بالسوء فضلًا عن أنه الصادق الأمين. إذن لا تصدر حركاته وسكناته وأقاويله التشريعية إلاَّ موافقة للإرادة الإلهية وعلى هذا فالسُنَّة وحي من الله وأخبار منه بواسطة رسوله - ﷺ -. قال السيد رشيد رضا: «لا شك في أَنَّ أتباع الرسول - ﷺ - فيما صَحَّ عنه من بيان الدين داخل في عموم ما أنزل الله إلينا على لسانه فإنه تعالى أمرنا باتباعه وطاعته وأخبرنا أنه مُبَلِّغٌ عنه وقال له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. والجمهور على أنَّ الأحكام الشرعية الواردة في السُنَّة مُوحَى بها وأنَّ الوحي ليس مقصورًا في القرآن» (٣).
_________________
(١) رواه أبو داود عن المقداد: ٥/ ١٠.
(٢) [الحاقة: ٤٤ - ٤٧].
(٣) تفسير المنار: ٨/ ٣٠٨.
[ ١٠٤ ]
ويعلل ذلك بقوله: «لذلك أوجز القرآن في بيانه أحكام الدين العملية وَوَكَّلَ بيانها لعمل الرسول - ﷺ - وهو أحال في بيانها على العمل.
ولعل الذي أوقع هؤلاء في هذه الشُبْهَةِ هو عدم فهمهم لحقيقة الوحي في السُنَّة، حيث ظنوا طريقة الوحي فيها مثل طريقة وحي القرآن من نزول الملك به فحفظه وتسجيله ثم روايته تواترًا وعدم إتيان البشر بمثله، فخفاء الفرق بين الوحيين أوقعهم في هذا اللبس» (١).
فوحي القرآن يختلف عن وَحْيِ السُنَّةِ، إذ أَنَّ وحي السُنَّةِ في المرتبة الثانية بعد القرآن فلم يتوسط جبربل في نقل كل جزئية من جزئياتها كما هو الحال في القرآن ومن هنا جاء وَحْيُ السُنَّةِ، إذ أنَّ وَحْيَ السُنَّةِ أعم وصولًا إلى النبي - ﷺ - من إيحاء القرآن وقد كان يأتيه في صور متعددة من الإلهام والقذف والرؤيا في المنام ومن وراء حجاب أو بواسطة ملك الوحي، وقد ذكر الله هذه الأنواع وأشار إلى أنها طريق تكليم الله لعباده، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (٢).
ووحي السُنَّةِ لم يتجاوز مفهوم هذه الآية ولم يتعداه لذا يقول الشيخ المودودي عقب هذه الآية: «ظهر أَنَّ القرآن اشتمل على نوع واحد من أنواع الوحي والصورتان الأخيرتان للوحي المذكور في الآية أيضًا مما كان يستمد منهما الرسول - ﷺ - الهداية والإرشاد وقد أظهرت لنا الآية ذلك» (٣).
_________________
(١) " فرقة أهل القرآن ": ص ٩٥.
(٢) [الشورى: ٥١]. انظر " فرقة أهل القرآن ": ص ٥١ وما بعدها.
(٣) " سنت کي اءيني حيثيت ": ص ١٠٢.
[ ١٠٥ ]
الشُبْهَةُ الثَالِثَةُ:
وللقوم شُبْهَةٌ أخرى مفادها أنَّ اتِّبَاعَ السُنَّةِ والقضاء بوفقها يُؤَدِّي إلى الاشتراك في الحكم وقد نهى القرآن عنه: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (١).
يقول صاحب افتراء تعامل: «البعض على أقوال الرسل وأفعالهم وتقريراتهم مع وجود كتاب الله علة قديمة قدم الزمن وقد برأ الله رسله وأنبياءه من هذه الأحاديث بل جعل تلك الأحاديث كفرًا وشركًا» (٢).
ويقول الخواجه أحمد الدين في شرح هذه الشُبْهَةِ ما نصه: «قد وضع الناس لإحياء الشرك طرقًا متعددة فقالوا إنا لنؤمن أَنَّ الله هو الأصل المطاع غير أَنَّ الله أمرنا باِتِّبَاعِ رسوله، فهو اِتِّبَاعٌ مضاف إلى الأصل المطاع وبناء على هذا الدليل الفاسد يُصَحِّحُون جميع أنواع الشرك، فهل يصبح الأجنبي زوجًا لمتزوجة يقول زوجها إنها زوجته إلاَّ أَنَّ الله لم يأمر بمثل ذلك: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾» (٣).
الرد:
ما أقبح هذه الحُجَّةِ وما أبعد هذا الاستدلال وهل الله تعالى بعث رسله لإحياء الشرك أم لمحوه وهل اِتِّبَاعُ السُنَّةِ والحكم بوفقها إلاَّ اِتِّبَاعٌ وتطبيق لأحكام القرآن، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).
_________________
(١) [الأنعام: ٥٧]، [يوسف: ٤٠]، [يوسف: ٦٧].
(٢) " فرقة أهل القرآن ": ص ٩٦.
(٣) المصدر السابق: ص ٩٧.
(٤) [النساء: ٦٥].
[ ١٠٦ ]
يقسم الرب - جَلَّ وَعَلاَ - في هذه الآية بذاته بأنْ لن يذوق أحد طعم الإيمان ما لم يرض بقضائك يا محمد - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ثم لا يشعر المتحاكمون إليك بحرج أو ضيق في أنفسهم بما قضيت فيهم.
فهل يُؤَدِّي حكمه بعد هذا الخبر الإلهي في القضاء وفصل الخصومات إلى الشرك بل حكمه عين التوحيد وامتثال للأحكام الإلهية بل هو حكم الله تعالى: ولو اقتضت الإرادة الإلهية عدم التحاكم إلى السُنَّةِ كما يزعم هؤلاء لما صح مجيء كاف الخطاب في قوله: ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ ولما جاءت تاء الخطاب في ﴿قَضَيْتَ﴾ للتنصيص على ذك. وقد تكرر هذا المفهوم في آيات متعددة من القرآن الكريم بل علقت بعض الآيات الهداية والفلاح والإيمان بالتسليم لحكمه وطاعته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (١).
وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).
ويقول في آية أخرى مُحَذِّرًا من مغبة عدم اتِّبَاعِهِ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - نافيًا الإيمان عن أولئك: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وأما استدلالهم بقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ﴾ (٤).
_________________
(١) [النور: ٥٤].
(٢) [النور: ٥١].
(٣) [النور: ٤٧].
(٤) [الأنعام: ٥٧]، [يوسف: ٤٠]، [يوسف: ٦٧].
[ ١٠٧ ]
لإخراج السُنَّةِ عن كونها حكمًا إلهيًا فهو استدلال في غير محله. لأن هذه الجملة القرآنية وردت في ثلاثة مواضع من كتاب الله، ففى الأنعام جاءت رَدًّا على طلب الكفار من النبي - ﷺ - إنزال الآيات والإسراع بها، فَرَدَّ الله على هذا الطلب مُوَضِّحًا أنَّ ذلك مرجعه إلى الله لا إلى رسوله، وأنًَّ الله هو المُتَفَرِّدُ في هذه الشؤون لا شريك له فيها لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (١).
والموضعان الأخيران في سورة يوسف، أولهما حكاية عن قول يوسف لصاحبه في السجن ونصحه له بترك الشرك وأنَّ عبادة الأوثان افتراء واختلاق على الله وأنَّ الله هو المُتَفَرِّدُ في الحكم والعبادة، قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٢).
والموضع الأخير جاء حكاية عن قول يعقوب - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ينصح أبناءه ويعلمهم آداب الدخول على الملوك وأنه إِنْ وقع لهم ما يكرهون في الحياة فهو قضاء وقدر وأنه لا يملك لهم من الله شيئًا (*) وأنَّ هذا لهو مسلك عباد الله الصالحين، قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (٣) (٤)
_________________
(١) [الأنعام: ٥٧].
(٢) [يوسف: ٤٠].
(٣) [يوسف: ٦٧].
(٤) " فرقة أهل القرآن ": ص ٩٨، ٩٩. (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: يشير إلى قوله تعالى في الآية التي أوردها ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾
[ ١٠٨ ]
والمواضع الثلاثة - كما ترى - لا تشير إلى ما ذهب إليه هؤلاء بل إنها تأمر العبد بالرضاء بما قدره الله له أو عليه وأنَّ الله هو المتفرِّدُ في حكمه، وهذا لا يتنافى مع الاحتكام إلى السُنَّةِ ولا يوصل من حكم بها أو تحاكم إليها إلى دائرة الشرك بل هو عين التوحيد لأنَّ الحكم بالسُنَّة مستمد من الله بواسطة رسوله - ﷺ - فالحكم بها في الحقيقة والواقع حكم لله المتفرد في شؤون خلقه، فال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١).
وإنما كان يصح الاستدلال بهذه الآية إذا كان الرسول - ﷺ - يحكم ويأمر من عند نفسه وحسب هواه - وحاشاه ذلك - أما أنه لا ينطق عن الهوى وإنما يأمر بما أمره الله فإنَّ الاستدلال بهذه الآية لا يستقيم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ (٢).
الشُبْهَةُ الرَابِعَةُ:
قالوا إنَّ السُنَّة لم تكن شرعًا عند النبي - ﷺ - وفهمها الصحابة على هذا المنوال لذا نُهُوا عن كتابتها وقد تحدث برويز عن ذلك بقوله: «لو كانت السُنَّة جزءًا من الدين لوضع لها الرسول - ﷺ - منهجًا كمنهج القرآن من الكتابة والحفظ والمذاكرة ولا يفارق الدنيا إلاَّ بعد راحة بال على هذا الجزء من الدين لأنَّ مقام النبوة يقتضي أنْ يعطي الدين لأمته على شكل محفوظ لكنه - ﷺ - احتاط بكل الوسائل الممكنة لكتاب الله ولم يفعل شيئًا لسُنَّته بل نهى عن كتابتها: " لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ "» (٣).
_________________
(١) [النساء: ٨٠].
(٢) [الأعراف: ٢٠٣].
(٣) رواه مسلم ولفظه: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ». انظر " مسلم بشرح النووي ": ١٨/ ١٢٩.
[ ١٠٩ ]
وبقول الحافظ أسلم: «الأمر الذي لا مِرَاءَ فيه أَنَّ الصحابة قد أدركوا حقيقة نهي النبي - ﷺ - عن كتابة سُنَنِهِ وعرفوا أَنَّ الأمم السابقة لم تضل إلاَّ بسبب كتابة روايات أنبيائها» (١).
ويضيف فيقول: «االشيء الملفت للنظر هو أنَّ الأحاديث لو كانت لها الصفة الدينية لما اشتدَّ نهي النبي - ﷺ - صحابته عن كتابتها ولهيَّأوا السبل لحفظها وتدوينها» (٢).
وَيُحَذِّرُ صاحب " بلاغ الحق " العلماء من الجهر بالسُنَّة فيقول: «إياكم وإعلان الأحاديث على المنابر وإنْ أَبَيْتُمْ فسيدخل إلى دين الله ما ليس منه وينضاف إلى شرع الله ما لا يجوز إضافته إليه» (٣).
الرد:
أقول أما النبي - ﷺ - نهى عن كتابة السنة فإنه ثبت أنه قد أذن بكتابتها أيضًا وذكر النهي دون الإذن مخالف للأمانة العلمية وسنذكر في باب (اعتراضات منكري السُنَّة) طرق الجمع بين هذا النهي والإذن. وأنَّ الإذن ناسخ للنهي.
على أنَّ مدى حرص النبي - ﷺ - هو تعليم صحابته وإفهامهم أمور دينهم باللسان والعمل، ثم إنَّ حياته العملية أكبر حافز للعض على سُنَّته والأخذ بها في جميع شؤون الحياة.
فلو لم تكن السُنَّة عند النبي - ﷺ - دينًا وشرعًا - كما يزعم هؤلاء - لما اعتنى بها هذا الاعتناء ولما سلك لإشاعتها ونشرها كل الوسائل الممكنة له آنذاك ولما أمرهم بالحفظ والتبليغ، مثل قوله: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ» (٤).
_________________
(١) " مقام حديث ": ص ١٠٤.
(٢) " مقام حديث ": ص ١١٠.
(٣) انظر " فرقة أهل القرآن ": ص ١٠١. وقد ذكر هذه الشُبْهَة بالتفصيل.
(٤) الحديث رواه البخاري: ١/ ٣٠.
[ ١١٠ ]
وقوله - ﷺ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١).
وقوله: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٢).
وقوله: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» (٣).
فلو لم تكن السُنَّة شرعًا ودينًا لما حرص الصحابة والتابعون على حفظها ولما ضربوا أكباد الإبل لسماعها وحفظها وتدوينها وجمعها، يَقُولُ أَنَسٌ - ﵁ -: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - نَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ فَإِذَا قُمْنَا نَتَذَاكَرُهُ فِيمَا بَيْنَنَا حَتَّى نَحْفَظُهُ» (٤). ويقول أبو هريرة: «إِنِّي لأُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ: فَثُلُثٌ أَنَامُ، وَثُلُثٌ أَقُومُ، وَثُلُثٌ أَتَذَكَّرُ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (٥). وهذا سعيد بن المسيب يقول: «كُنْتُ أَرْحَلُ الأَيَّامَ وَاللَّيَالِي فِي طَلَبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ» قِيْلَ لِلشَّعْبِيِّ: «مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا العِلْمِ كُلُّهٌ؟ قَالَ: " بِنَفْيِ الاغْتِمَادِ (*)، وَالسَّيْرِ فِي البِلاَدِ، وَصَبْرٍ كَصَبْرِ الجَمَادِ (*)، وَبُكُوْرٍ كَبُكُوْرِ الغُرَابِ» (٦).
فلو لم تكن السُنَّةُ شرعًا ودينًا لما حرصوا عليها هذا الحرص ولما تحمَّلوا مشاق السفر في سبيلها ولما أصبحت جزءًا من حياتهم اليومية ولما قال - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (٧).
_________________
(١) الحديث رواه البخاري: ١/ ١٥٥.
(٢) و(٣) سبق تخريجهما. [حديث «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» انظر ص ١٥ والحديث الثاني: «فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» انظر ص ١٧ و٥٦].
(٣) رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي، انظر أصول الحديث لمحمد عجاج الخطيب
(٤) رواه الدارمي في " سُننه ": ١/ ٨٢. (*) [ورد كذلك: «بِنَفْيِ الاغْتِمَامِ» و«وَصَبْرٍ كَصَبْرِ الحَمَامِ» انظر " سير أعلام النبلاء " للذهبي، تحقيق الشيخ شُعَيْب الأرناؤوط، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م، نشر مؤسسة الرسالة: ٤/ ٣٠٠].
(٥) ذكر المؤلف في الهامش المصدر الذي استقى منه قوله الشعبي: " البداية والنهاية " لابن كثير: ٩/ ١٠٠ [بحثت في هذا المصدر فلم أجد مقولة الشعبي هذه. انظر " سير أعلام النبلاء ": ٤/ ٣٠٠].
(٦) رواه أبو داود: ٥/ ١٣. وابن ماجه: ١/ ١٦. والدارمي: ١/ ٤٣. وأحمد: ٤/ ١٢٦، ١٢٧. كلهم عن العرباض بن سارية ورواه الترمذي: ٧/ ٤٣٨. وقال: حسن صحيح.
[ ١١١ ]
كيف لا تكون السُنَّةُ شرعًا ودينًا وعليها قوام بناء الدين، وكفاها فخرًا أنْ يجعلها رب العزة والجلال طريق الوصول إليه لمن أراد غفرانه وجنَّته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (١).
أما ما استدلوا به من أنَّ نهي النبي - ﷺ - عن كتابة السُنَّة دليل على عدم حُجِيَّتِهَا فهو استدلال لا ينهض لأنَّ عدم الكتابة ليس دليلًا على عدم حُجِيَّتِهَا وإخراجها من مصدر التشريع لأنَّ المكتوب في حد ذاته لا يكون حُجَّةً حتى يقوم الدليل على صدق نسبته إلى كاتبه بَيْدَ أَنَّ تشكيل المجتمع على السُنَّة العملية أقوى حُجَّةً وأكثر ضمانًا من المكتوب في الكراريس دون نزوله إلى محيط العمل لذا يقول الأستاذ المودودي: «ترك النبي - ﷺ - مجتمعًا متكاملًا على سُنَّته والذي نقل كل حركة من حركاته بختم هدايته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وكان هذا المجتمع يحوي ألوفًا من البشر ممن سمع أقواله وشاهد أفعاله وتربى في كنف هدايته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فنقل هؤلاء كل النقوش إلى من بعدهم نسلًا بعد نسل حتى وصلت إلينا» (٢).
ثم لا يخفى على المُطَّلِعِ البصير أَنَّ ما ورد من النهي إنما كان عن كتابة الحديث رسميًا كالقرآن أما أَنْ يكتب الكاتب لنفسه فقد ثبت وقوعه وإقراره - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - على ذلك كما رُوِيَ عن عبد الله بن عمرو بن العاص في " مسند أحمد " (٣) أَنَّ بعض الصحابة اشتكوا سوء حفظهم لما يسمعون منه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فقالوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَحَادِيثَ لاَ نَحْفَظُهَا، أَفَلاَ نَكْتُبُهَا؟ قَالَ: " بَلَى، فَاكْتُبُوهَا "»
_________________
(١) [الأحزاب: ٢١].
(٢) " سنت کي اءيني حيثيت ": ص ١٦٠.
(٣) ٢/ ٢١٥.
[ ١١٢ ]
وكان هذا آخر الأمرين من كتابة أقواله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - (١).
وأما ما زعمه من أنَّ تدوين أقوال الأنبياء كان سببًا لضلال الأمم السابقة وقياس هذه الأمة عليها فهو أمر مرفوض يحمل في طياته الغش والتمويه لأنَّ هناك فرقًا أساسيًا بين ما دُوِّنَ من أقوال الأنبياء السابقين وبين ما دُوِّنَ من سُنَّتِهِ - ﷺ - فأقوال السابقين لم تُدَوَّنْ بالسند وتسلسل الرُواة في نقلها حتى عهد التدوين في الكتب فضلًا عن معرفة سيرة هؤلاء الناقلين بينما أقوال سيدنا ونبينا محمد - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - نقلت بالتسلسل جيلًا بعد جيل وامتازت الأُمَّةُ المحمدية بميزة الإسناد التي لم تمتاز بها أُمَّةٌ قبلها ثم عرضت سير الناقلين على أصول معتمدة لقبول السُنَّة واعترف بهذا الواقع أعداء الإسلام وخصومه.
يقول الدكتور شبرنجر مشيرًا إلى العناية الإسلامية بعلم الرجال: «اختص المسلمون بتسجيل خمسمائة ألف شخص من قدمائهم وضبط سيرتهم وأحوالهم في تاريخهم المعتمد القويم» (٢).
الشُبْهَةُ الخَامِسَةُ:
قالوا: «إِنَّ طاعة الرسول - ﷺ - كانت طاعة مُقَيَّدَةً بزمنه، وامتثال أحكامه لا يتجاوز حياته، وقد أوصد هذا الباب منذ وفاته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -» (٣).
ويشر ح صاحب " تبليغ القرآن " هذه الشُبْهَة بقوله: «لقد كانت إرشاداته - ﷺ - تصدر وفق ظروف أصحابه ولو كنا موجودين في تلك
_________________
(١) انظر " السُنَّة الإسلامية " للدكتور رؤوف شلبي: ص ٣٧.
(٢) " مقام حديث ": ص ١٣٠.
(٣) " فرقة أهل القرآن ": ص ١٠٧. قاله الخواجه [أحمد دين الأمرتسري].
[ ١١٣ ]
الآونة لوجب علينا اتباع أقواله وإرشاداته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كما أنَّ خطاب القرآن عام عندنا غير أنَّ المخاطبين بالأحاديث أمَّة خاصة وهم العرب» (١).
الرد:
هذه دعوى جديدة لا أصل لها إلاَّ خيال كاتبها وإلاَّ فمن أين لهم أَنَّ طاعته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كانت مُقَيَّدَةً بزمنه، أليس الله قد أرسل رسوله للناس كافة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢).
مع أنَّ العديد من آيات القرآن فيها خطاب خاص لمشركي العرب الذين أقاموا الحواجز في طريق الدعوة فأصدر أحكامًا في أولئك الصادين حسب مسلكهم الخاص ولا تنحصر تلك الأحكام بإجماع في أولئك الأفراد بل تتجاوز إلى من يماثلهم في تصرفاتهم العوجاء. فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كما هو معروف في الأصول.
فإذا كان حكم آيات القرآن لا يختص بزمن ولا بأشخاص معدودين فكذلك السُنَّة إذ لا فرق بين أحكام الكتاب وأحكام السُنَّة لصدورها من مصدر واحد، لذا كان الإيمان بمحمد رسول الله هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، ثم ما هو الدليل على هذا التفريق بين القرآن والسُنَّة حتى صار خطاب القرآن عامًا وخطاب السُنَّة خاصًا بأُمَّة العرب؟.
ولو كانت سُنَّتُهُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - خاصة بأولئك الأفراد ففيم يكون تصديقه بعد وفاته وفيم يكون اتِّبَاعَهُ لجلب المحبة الربانية المنصوص عليها في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) [آل عمران: ٣١]
_________________
(١) " فرقة أهل القرآن ": ص ١٠٧.
(٢) [الأعراف: ١٥٨].
(٣) [آل عمران: ٣١].
[ ١١٤ ]
لذا اتفق المسلمون على أنَّ خطاب القرآن والسُنَّة وأحكامهما عاملان شاملان لا يختصان بأمة ولا بزمن لأن عموم خطاب القرآن مستلزم لعموم خطاب السُنَّة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١).
وتخصيص أوامره - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وإرشاداته محدودة أو بزمن معين تخصيص بغير مخصص لا يستند إلى دليل، لذا يقول الأستاذ المودودي - ﵀ -: «لا فرق بين هداية القرآن وهداية المصطفى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فَإِنْ كانتا مؤقتتين ومحدودتين فهمًا معًا وإنْ كانتا دائمتين وعالميتين فَهُمَا مَعًا» (٢).
الشُبْهَةُ السَادِسَةُ:
قالوا: إنَّ السُنَّة قد انتقدت متنًا وسَنَدًا وأنَّ المحدثين تكلموا في رجالها ومتونها وما كان كذلك ودخله النقد وآراء الرجال لا يصلح دينًا، كما أنَّ الإسلام لم يجرؤ أعداؤه على توجيه الاتهام إليه إلاَّ عن طريق الأحاديث الي أقر المسلمون بصحتها لكن الإسلام بريء منها، يقول الحافظ أسلم: «إِنَّ الأحاديث قد انتقدت علميًّا ما أفقدها صفة التدين لأنَّ الأمور الدينية ما يدخلها النقد وآراء الرجال» (٣). ويضيف فيقول: «الاعتراضات الموجهة للإسلام من غير أهله لا تأتي إلاَّ من الأحاديث التي أَقَرَّ المسلمون بصحتها وهي موضوعة الأصل لا صلة لها بالدين» (٤).
الرد:
إنَّ الرجل يفوه بما لا يعرف وهو في شدة حقده على السُنَّة والطعن فيها لا يبحث عن موضع يظن به الضعف بل يطعن فيها هكذا خبط عشواء وهيهات أَنْ يصدع إلاَّ رأسه إنه يجهل أو يتجاهل تاريخ الإسلام وجهود العلماء
_________________
(١) [سبأ: ٢٨].
(٢) " سنت کي اءيني حيثيت ": ص ٣٣٤.
(٣) " فرقة أهل القرآن ": ص ١٠٩ و" مقام حديث ": ص ١٥٤.
(٤) " فرقة أهل القرآن ": ص ١٠٩ و" مقام حديث ": ص ١٥٤.
[ ١١٥ ]
المحدثين لمقاومة الوضع فهو بدل ما يعترف للمحدثين بفضلهم وجهدهم في سبيل خدمة السُنَّة يتهمهم بأنهم أقروا بصحة الأحاديث وهي موضوعة الأصل ولا صلة لها بالدين وأنَّ الإسلام بريء منها.
إنَّ الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة أَجَلُّ وأسمى من أَنْ يخوضوا في الكذب والوضع وَهُمْ رَوَوْا عن رسول الله - ﷺ - قوله: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (١).
إننا نعترف أنَّ حركة الوضع في الحديث بدأت في وقت مُبَكِّرٍ وأنَّ الخلافات السياسية والكلامية - ولا سيما - بين عَلِيٍّ ومعاوية - ﵄ - كانت من العوامل الرئيسية في حركة الوضع تلك إذ أخذ بعض أصحاب معاوية يضعون الأحاديث في مثالب عَلِيٍّ - ﵁ - وينشرونها بين الناس وقد قابلهم بمثلها جَهَلَةُ أصحاب عَلِيٍّ - ﵁ - دون علم عَلِيٍّ ومعاوية - ﵄ -، كما أنَّ ظهور أرباب الكلام من القدرية والمرجئة والجهمية والمناقشات الحادة بينها هَيَّأَتْ الأجواء المناسبة للوضع بذم بعضهم بعضًا.
لكن حركة الوضع هذه لا يمكن أنْ نجعلها دليلًا على أنَّ السُنَّة كلها موضوعة الأصل وأنها لا تصلح أنْ تكون دينًا عَامًا.
هذه بعض شُبُهَاتِ فرقة أهل القرآن ومزاعمهم قد ذكرنا أشهرها وَفَنَّدْنَاهَا ولا تكفي هذه العُجَالَةُ لنستوفي جميع شُبُهَاتهم وهي في الحقيقة أباطيل وأضاليل، نسأل الله الهداية والرشاد «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ، فَلاَ هَادِيَ لَهُ» (٢).
_________________
(١) رواه البخاري، انظر " فتح الباري ": ١/ ٢٠٠ و" مسلم بشرح النووي ": ١/ ٦٧. وسيأتي تخريجه مُفَصَّلًا في ص ١٧٥.
(٢) هو جزء من حديث أخرجه النسائي في " سننه " تحقيق: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. كتاب النكاح - باب ما يستحب من الكلام عند النكاح. حديث رقم ٣٢٧٧. مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب. الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.
[ ١١٦ ]