قد تعرض هؤلاء المنكرون لسُنَّة رسول الله - ﷺ - لطعن ونقد كثير من الأحاديث الصحيحة وفيما يأتي أمثلة منها:
الحديث الأول:
[عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (١) - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: " إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]].
--------------------------------
(١) هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسِيُّ اليماني، ونظرًا لما أشيع حوله من شُبُهَاتٍ ومطاعن، ومفتريات فإني أوسع ترجمته - بعض الشيء - أداءً لبعض حقه ولما قام به من خدمة جليلة في سبيل السُنَّةِ الشريفة فأقول:
كان اسمه في الجاهلية عبد شمس فسمَّاهُ رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن، واشتهر بِكُنْيَتِهِ حتى غلبت على اسمه وسُئِلَ أبو هريرة: لِمَ كُنِّيتَ بذلك؟ قال: «كُنِّيتُ أبا هريرة لأني وجدت هِرَّةً فحملتها في كُمِّي فقيل لي: أبو هريرة». أسلم سَنَةَ سبع من الهجرة على الطُفيل بن عمرو وقد لازم رسول الله - ﷺ - إلى آخر حياته وقصر نفسه على خدمته فكانت صحبته
_________________
(١) انظر ترجمته في " الإصابة ": ٧/ ١٩٩ - ٢٠١ و" تهذيب التهذيب ": ١٢/ ٦٣ و" تاريخ الإسلام ": ٢/ ٣٣٣ و" طبقات ابن سعد ": ٥٢/ ٤ / ٢.
[ ١٣٥ ]
أربع سنوات وقد اتَّخذ الصفة مقامًا له وخدم رسول الله - ﷺ - على ملء بطنه وكان يحب رسول الله - ﷺ - حُبًّا شديدًا وكان ورعًا ملتزمًا سُنَّةَ رسول الله يُحَذِّرُ الناس من الانغماس في ملذات الدنيا وشهواتها يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، صبر على الفقر الشديد حتى أنه كان يلصق بطنه بالحصى من الجوع، يقول: «إِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، [بِشَبَعِ] بَطْنِي، حَتَّى لاَآكُلَ الخَمِيرَ »، ويقول: «وَكُنْتُ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُفَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا بُرْدَةٌ، أَوْ كِسَاءٌ قَدْ رَبَطُوهَا فِي أَعْنَاقِهِمْ» (١).
وكان عفيف النفس مع فقرة فياض اليد مبسوط الكف لم يحمله فقره على الشح.
اعتزل الفتن التي قامت بعد استشهاد عثمان - ﵁ - وربما كان يحث الناس على اعتزالها ويروي عن رسول الله - ﷺ - قوله: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» (٢).
كان حسن المعشر طيب النفس صافي السريرة نظر إلى الدنيا بعين الراحل عنها فلم تدفعه الإمارة إلى الكبرياء بل أظهرت تواضعه فربما استخلفه مروان على المدينة فيركب حمارًا قد شد عليه بردعة وفي رأسه خلبة (*) من ليف يسير فيلقى الرجل فيقول: «الطَّرِيقَ .. قَدْ جَاءَ الأَمِيرُ» (٣).
ويمر في السوق يحمل الحطب على ظهره - وهو يومئذٍ أمير على المدينة - لمروان
_________________
(١) " السُنَّة قبل التدوين " الدكتور محمد عجاج الخطيب: ص ٤١٤.
(٢) رواه البخاري. انظر " فتح الباري ": ٧/ ٤٢٦. (*) [الخلبة: الحلقة].
(٣) " طبقات ابن سعد ": ٤/ ٢ / ٦٠، ٦١.
[ ١٣٦ ]
كان رسول الله - ﷺ - لا يتأخر عن إجابته لما يسأل لما عرف من حرصه على طلب العلم، قال ذات يوم: يَا رَسولَ الله مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله خَالِصًا مِنْ [قِبَلِ نَفْسِهِ]» (١).
قد عرف الصحابة منزلته بعد رسول الله - ﷺ - فكان يُحَدِّثُ في مسجد رسول الله - ﷺ - ويفتي الناس بحضرة علماء وكبارهم وكان أمينًا في حديثه عن الرسول - ﷺ - وإذا قال في شيءٍ برأيه قال: «هَذَا مِنْ كِيسِي» وقد روى عن رسول الله - ﷺ - كثيرًا وكان يقول: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرُ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَلاَ أَكْتُبُ» وقد شهد له إخوانه أصحاب رسول الله - ﷺ - بكثرة سماعه وأخذه عن رسول الله - ﷺ -، وهذه الشهادات تدفع كل ريب أو ظن حول كثرة حديثه حتى أَنَّ بعضهم رَوَوْا عنه لأنه سمع عن النبي - ﷺ - ولم يسمعوا.
رَوَى أَشْعَثُ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، » (٢).
وكان حافظًا ضابطًا لما يُرْوَى، اجتمعت فيه صفتان عظيمتان تتم إحداهم الأخرى، الأولى سعة علمه وكثرة مروياته والثانية قوة ذاكرته وحسن ضبطه، وهذا غاية ما يتمناه أولو العلم.
_________________
(١) " البخاري ": ١/ ٢٠٣ و" طبقات " ابن سعد: ٢/ ١١٨ - ٢.
(٢) " سير أعلام النبلاء ": ٢/ ٤٣٦.
[ ١٣٧ ]
روى عنه خلق كثير من التابعين. قال البخاي: روى عنه نحوًا من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم.
قال ابن عمر: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ الله - ﷺ - وَأَعْلَمُنَا بِحَدِيثِهِ» (١).
قال الإمام الشافعي: «أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ» (٢).
وقال الذهبي: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ» (٣).
وهذا ما ذكرناه غيض من فيض، شهد به رؤوس العلم لأبي هريرة، فسعة علمه وكثرة حديثه لا يخفيان على مسلم.
وفاته: توفي سَنَةَ تسع وخمسين - ﵁ وَرَحِمَهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً -
-------------------------------------
«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ (لاَ يَقْطَعُهَا)» (٤).
النقد:
يقول أبو رية عن هذا الحديث: «وإليك مثلًا من ذلك نختم به ما نقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة وهي في الحقيقة من الإسرائيليات حتى لا يطول بنا القول». ثم ذكر الحديث، ثم قال: «ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء ": ٢/ ٤٣٥.
(٢) المصدر السابق: ٢/ ٤٣٢.
(٣) المصدر السابق: ٢/ ٤٤٦.
(٤) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي: ٦/ ٢٨٦ وما بين قوسين له. وفي التفسير: ٨/ ٦٢٧ وفي الرقاق: ١١/ ٤١٥ ومسلم: ٤/ ٢١٧٥ والترمذي في صفة شجر الجنة: ٧/ ٢٢٥ وأخرجه ابن ماجه: ٢/ ١٤٥٠ رقم الحديث (٤٣٣٥) في كتاب الزهد. والدارمي في كتاب الرقاق: ٢/ ٢٤٤ وفيه زيادة: «وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» [الواقعة: ٣٠]. ورواه الإمام أحمد في " المسند ": (٢/ ٢٥٧، ٤٠٤، ٤١٨، ٤٣٨، ٤٥٢، ٤٥٥، ٤٦٢، ٤٧٩، ٤٨٧) و(٣/ ١١٠، ١٣٥، ١٦٤، ١٨٥، ٢٠٧، ٢٣٤) وله شاهد عند مسلم عن سهل بن سعد: ٤/ ٢١٧٦ وعن أبي سعيد بلفظ: «يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ [السَّرِيعَ]، مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا».
[ ١٣٨ ]
حتى أسرع كعب، قال: " صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد (١) - ﷺ -».
الرد:
أنكر أبو رية هذا الحديث على أبي هريرة وزعم أنه من الإسرائيليات لكن ما وجه الإنكار فيه؟ إذا كان رواه أبو هريرة، فقد رواه سهل بن سعد وأبو سعيد كما ذكرنا في التخريج.
وإذا كان وجه إنكار هذا الحديث لضخامة الشجرة وكبرها فهل يستغرب وجود مثل هذه الشجرة في ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٢) وإذا كان وجه إنكار هذا الحديث هو كون الراكب يسير في ظلها مائة عام فإني أسأله: أليست الجنة من أمور الغيب؟ أليس رسول الله - ﷺ - قال: «فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (٣) إذًا فما وجه الإنكار والاستغراب؟ ليس إلاَّ الزيغ والإلحاد
هل يريد هؤلاء أَنْ ينفوا كل ما لم تتصوره عقولهم وتفكيرهم؟
فإن أرادوا هذا وجب عليهم أَنْ ينفوا كثيرًا من المخترعات التي نسمع بها ولا نراها أو نراها ولا نعقلها.
ثم أليس في عالم الشهادة ما استطاع العلم أَنْ يكشف من عظمته مما لا يكاد يتصوره العقل، ألا يُحَدِّثُنَا علماء الفلك الآن عن كبر حجم الشمس بالنسبة إلى أرضنا أكثر من مليون مرة؟ والشمس إحدى ملايين السموس التي تكبر شمسنا هذه بملايين المرات؟ ألا يحدثنا هؤلاء العلماء عن شموس
_________________
(١) " أضواء على السُنَّة المحمدية " محمود أبو رية: ص ١٧٧.
(٢) [الحديد: ٢١]. [الآية التي ذكر فيها ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هي الآتية ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]].
(٣) رواه البخاري: ١٣/ ٤٦٥.
[ ١٣٩ ]
في هذا الفضاء الرحب، لم يصل إلى الأرض نورها حتى الآن منذ مليون أو أكثر من السنوات الضوئية
[ ١٤٠ ]
الحديث الثاني:
٢ - عَنْ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» (١).
النقد:
قال الأستاذ أحمد أمين: «وقد وضع علماء الجرح والتعديل قواعد ليس هنا محل ذكرها ولكنهم - والحق يقال - عنوا بنقد الإسناد أكثر مِمَّا عنوا بنقد المتن، فقلَّ أنْ نَظْفَرَ منهم بنقد من ناحية أَنَّ ما نسب إلى النبي - ﷺ - لا يتفق والظروف الي قيلت فيه، أو أَنَّ الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه، أو أَنَّ عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي، أو أَنَّ الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه وهكذا، ولم نظفر منهم في هذا الباب بعشر معشار ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم حتى نرى البخاري نفسه - على جليل قدره ودقيق بحثه - يثبت أحاديث دَلَّتْ الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة، لاقتصاره على نقد الرجال، كحديث: «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ
_________________
(١) رواه البخاري في الطب: ١٠/ ٢٣٨ و٢٤٦ بألفاظ متقاربة، وفي الأطعمة: ٩/ ٥٦٩ بلفظ: «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ»، ومسلم بلفظ: «مَنْ تَصَبَّحَ» عن سعيد. وفي لفظ: «مَنْ أَكَلَ» ٣/ ١٦١٨، وأبو داود في الطب: ٤/ ٢٠٨، والإمام أحمد بن حنبل: ١/ ١٨١.
[ ١٤١ ]
مَنْفُوسَةٌ» (١) وحديث «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» (٢).
الرد:
إنَّ المؤلف نقد هذا الحديث لأنَّ الحوادث الزمنية والمشاهد التجريبية - على حسب زعمه - تخالفه، ولا عبرة عنده أَنَّ الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد وأنه صحيح سندًا ومَتْنًا.
إِنَّ قطع مؤلف " فجر الإسلام " بتكذيب هذا الحديث جرأة مذمومة بالغة منه، لا يمكن أَنْ تقبل في المحيط العلمي بأي حال، كيف وقد دلت شواهد طبية - كما سأذكرها - على أَنَّ التمر مفيد في وقاية الجسم وعلاجه من أمراض العيون والبواسير ونحو ذلك، ولو لم تكن هذه الشواهد موجودة، فإنَّ الحديث الصحيح حُجَّةٌ في نفسه لا يحتاج إلى شواهد خارجية.
إنَّ العلماء من جعل هذا الحديث خاصًا بتمر المدينة عملًا برواية مسلم «إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً - أَوْ إِنَّهَا تِرْيَاقٌ - أَوَّلَ البُكْرَةِ» (٣). وقالوا: ولا مانع أَنْ يخص الله بلدًا بميزة لا تكون في غيرها لبعض إلاَّ دواء في الأدوية التي تكون في بعض تلك البلاد دون ذلك الجنس في غيره، لتأثير يكون في تلك الأرض أو ذلك الهواء ببركة النبي - ﷺ -.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: «ظَاهِر [الأَحَادِيث] خُصُوصِيَّةِ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ بِدَفْعِ السُّمّ وَإِبْطَال السِّحْر، وَالْمُطْلَق مِنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى المُقَيَّدِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْخَوَاصِّ الَّتِي لاَ تُدْرَكُ بِقِيَاسٍ ظَنِّيٍّ» (٤).
_________________
(١) رواه البخاري: ١/ ٢١١، وسيأتي الحديث عنه.
(٢) " فجر الإسلام " لأحمد أمين: ١/ ٢١٧، ٢١٨.
(٣) " صحيح مسلم ": ٣/ ١٦١٩.
(٤) " فتح الباري ": ١٠/ ٢٤٠.
[ ١٤٢ ]
وقال النووي: «وَفِي هَذِهِ [الأَحَادِيثِ] فَضِيلَةُ تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَعَجْوَتِهَا وَفَضِيلَةُ التَّصَبُّحِ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْهُ وَتَخْصِيصُ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهَا» (١).
ومنهم من قال إنَّ هذا عام في كل عجوة لأنَّ: «السَّمُومَ إِنَّمَا تَقْتُلُ لإِفْرَاطِ بُرُودَتِهَا فَإِذَا دَاوَمَ عَلَى التَّصَبُّحِ بِالْعَجْوَةِ تَحَكَّمَتْ فِيهِ الْحَرَارَةُ وَأَعَانَتْهَا الْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ فَقَاوَمَ ذَلِكَ بُرُودَةَ السُّمِّ مَا لَمْ يُسْتَحْكَمْ» (٢).
والذي ارتضاه الأكثرون تخصيصه لعجوة المدينة لما مَرَّ من حديث " مسلم " ولما جاء في حديث سَعْدٍ الآتِي قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا عَلَى فُؤَادِي فَقَالَ: «إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْؤُودٌ، ائْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ أَخَا ثَقِيفٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلْيَجَأْهُنَّ بِنَوَاهُنَّ ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ» (٣).
قال ابن القيم: «والتمر غذاء فاضل حافظ الصحة ولا سيما من اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم » إلى أَنْ قال: «وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم فإنه مُلَيِّنٌ للجسم لذيذ الطعم، صادق الحلاوة، والتمر يدخل في الأغذية والأدوية والفاكهة وهو يوافق أكثر الأبدان ولا ريب أَنَّ للأمكنة اختصاصًا ينفع كثيرًا من الأدوية في ذلك دون غيره فيكون الدواء الذي نبت في هذا المكان نافعًا من الداء» (٤). ولا يوجد فيه ذلك النفع إذا نبت ف يمكان غيره لتأثير
_________________
(١) " شرح مسلم " للنووي: ١٤/ ٣.
(٢) " فتح الباري ": ١٠/ ٢٤٠.
(٣) رواه أبو داود: ٤/ ٢٠٧ وفي إسناده مقال.
(٤) قلتُ: من هذا الباب ما ذكروا أَنَّ هناك بئرًا بطريق المدينة (حائل) يستشفى الناس من مائه، وأَنَّ كثيرًا مِمَّنْ سقوا منه شفوا من أمراضهم بعد شربهم واغتسالهم منه وأَنَّ أفواجًا من الناس الذين ابتلاهم الله بأمراض يتزاحمون عليه بكرة وعشيًا للشرب منه حتى اضطرت الإمارة والشرطة إلى تعيين رجال الأمن حوله للحفاظ على النظام وتفاديًَا من الفوضى. وقامت البلدية ببناء أحواض لتسيير عملية توزيع الماء، فإذا كان هذا واقعًا في مدينة حائل فما ظنك بالمدينة المنورة التي فاضت بدعاء النبي - ﷺ - وتواترت في فضائلها أحاديث كثيرة وقد جمعتها وخَرَّجْتُهَا في " الدرة الثمينة في جمع وتخريج ما ورد من الحديث في فضائل المدينة ". اهـ.
[ ١٤٣ ]
نفس التربية أو الهواء أو هما معًا جميعًا، فإنَّ للأرض خواص وطبائع يقارب اختلافها اختلاف طبائع الإنسان، وكثير من النبات يكون في بعض البلاد غذاء مأكولًا، وفي بعضها سُمًّا قاتلًا.
وقال في مكان آخر: «وَنَفَعَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ [هَذَا] التَّمْرِ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ مِنْ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِعَيْنِهَا مِنَ السَّمِّ وَالسِّحْرِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُ إِصَابَتُهُ، مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي لَوْ قَالَهَا أَبُقْرَاطُ وَجَالِينُوسْ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَطِبَّاءِ، لَتَلَقَّاهَا عَنْهُمُ الأَطِبَّاءُ بِالقَبُولِ وَالإِذْعَانِ وَالانْقِيَادِ، مَعَ أَنَّ الْقَائِلَ إِنَّمَا مَعَهُ الْحَدْسُ وَالتَّخْمِينُ وَالظَّنُّ، فَمَنْ كَلاَمُهُ كُلُّهُ يَقِينٌ، وَقَطْعٌ وَبُرْهَانٌ، وَوَحْيٌ أَوْلَى أَنْ تُتَلَقَّى أَقْوَالُهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَتَرْكِ الاعْتِرَاضِ» (١).
«أما السحر فإذا ذهبنا إلى أنه مرض نفسي، وأنه يحتاج إلى علاج نفسي، وَأَنَّ الإيحاء النفسي له أثر كبير في شفاء المرضى بمثل تلك الأمراض، وإذا أخذنا العجوة إلى أنها مُغَذِّيَةٌ مفيدة للجسم، مقوية للبنية، قاتلة للديدان، قاضية على تعفن الفضلات، وأنها من عجوة المدينة، مدينة النبي - ﷺ -، وأن هذا علاج وصفه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وهو الذي لا ينطق عن الهوى. لا أشك في أَنَّ ذلك يحدث أثرًا طيبًا في نفس المسحور، وقد أثبت الطب أثر التخيل والوهم والإيحاء النفسي في كثير من الأمراض شفاء أو إصابة، أفليس ذلك من شأنه ألا نتسرع في تكذيب الحديث ما دام من الممكن تخريجه على وجه معقول؟» (٢).
تجربة علمية تؤيد الحديث:
----------------------------
وإذا كان الحديث حُجَّةً في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي، فإنَّ النفس تطير فرحًا وسرورًا عندما يوافق العلمُ الصحيح الحديثَ الصحيح، كتبت جريدة " الأهرام " تحت عنوان (البلح علاج لأمراض العيون والجلد والأنيميا والنزيف ولين العظام والبواسير ويساعد على الولادة بسرعة).
_________________
(١) " الطب النبوي ": [ص ٧٥، طبعة دار الهلال - بيروت].
(٢) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٢٨٤.
[ ١٤٤ ]
أثبتت الأبحاث العلمية التي أجريت أخيرًا بالمركز القومي للبحوث أَنَّ البلح غذاء كامل، ويفيد في وقاية الجسم وعلاجه من أمراض العيون وضعف البصر وعلاج الأمراض الجلدية كالبلاجرا وأمراض الأنيميا وحالات النزيف ولين العظام والبواسير ويساند المرأة الحامل على الولادة بسهولة.
صَرَّحَ بذلك الدكتور عبد العزيز شرف المشرف على وحدة بحوث الأدوية بالمركز القومي للبحوث وأضاف: «إِنَّ الأبحاث أثبتت كذلك أَنَّ البلح يعادل اللحم في قيمته الغذائية ويتفوق عليه بما يعطيه من سعرات حرارية ومواد معدنية وسكرية وذلك بالإضافة إلى أنه غني بالكالسيوم والفُسْفُورِ والحديد ويحتوي على غالبية الفيتامينات المعروفة» (١).
ويقول الدكتور السباعي أنه جرب بنفسه حين ذهب إلى الحج في عام ١٣٨٤ هـ واستمر على التصبح بسبع تمرات من تمر المدينة مدة خمسة أشهر كاملة، وأنه مصاب بمرض (السكر) ثم حلل البول والدم فلم يظهر أي أثر للسكر في البول ولم يزد السكر في الدم عما كان عليه قبل سفره إلى الحج (٢).
بعد هذه التجارب المؤكدة لا يجوز أَنْ يبقى شك في نفس المسلم. أما الملحدون وأصحاب الأهواء فللكلام معهم أسلوب آخر ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
[ ١٤٥ ]
الحديث الثالث:
٣ - عن ابن عمر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» (١).
النقد:
هذا الحديث من الأحاديث التي زعم مؤلف " فجر الإسلام " أَنَّ الحوادث الزمنية والمشاهد التجريبية تخالفه كما مر آنفًا في الحديث السابق.
الرد:
إِنَّ صاحب " فجر الإسلام " اقتصر على الجزء من الحديث الذي ذكره البخاري (٢) « فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ»، أما البخاري فعادته ما جرى عليه من تقطيع الحديث في أبواب متعددة، والمؤلف إنما حكم عليه بالوضع لمخالفته للحوادث التاريخية والمشاهد - على حسب زعمه - على الجزء من الحديث، فلو جمع الحديث من طرقه المختلفة وأبوابه المتعددة، ربما لم يخرج بهذه النتيجة المؤسفة. فقد روى الحديث
_________________
(١) رواه البخاري في (كتاب العلم): ١/ ٢١١ عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَد». وفي (باب مواقيت الصلاة) « فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ " يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ. ورواه مسلم عن جابر بألفاظ متقاربة. وأبو داود في (الملاحم): ٤/ ٥٠٦ والترمذي في (الفتن): ٦/ ٥٢٥.
(٢) " فتح الباري ": ٢/ ٤٥.
[ ١٤٦ ]
من طرق متعددة فَسَّرَ بعضها بعضًا، فالمراد من الحديث أنه عند انقضاء مائة سَنَةٍ من قول رسول الله - ﷺ - لن يبقى أحد مِمَّنْ كان موجودًا في عهده - ﷺ - حين قال هذا النبأ.
قال ابن قتيبة: «وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا حَدِيثٌ قَدْ أَسْقَطَ الرُّوَاةُ مِنْهُ حَرْفًا (أي كلمة)، إِمَّا لأَنَّهُمْ نَسَوْهُ، أَوْ لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْفَاهُ، فَلَمْ يَسْمَعُوهُ. وَنَرَاهُ - بَلْ لاَ نَشُكُّ - أَنَّهُ قَالَ: " لاَ يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ ". يَعْنِي، مِمَّنْ حَضَرَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَوْ يَعْنِي الصَّحَابَةَ فَأَسْقَطَ الرَّاوِي (مِنْكُم)» (١).
وعلى كل حال فإنَّ الروايات الأخرى توضح هذه الرواية، قال النووي: «هَذِهِ الأَحَادِيثُ [قَدْ] فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَفِيهَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ وَالمُرَادُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى الأَرْضِ لاَ تَعِيشُ بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ سَوَاءٌ قَلَّ أَمْرُهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لاَ؟ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ عَيْشِ أَحَدٍ يُوجَدُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَوْقَ مِائَةِ سَنَةٍ» (٢).
ويرى الدكتور السباعي: أَنَّ بعض الصحابة «لَمْ يَفْطِنْ إِلَىَ تَقْيِيدِ الرَّسُولِ بِمَنْ هُوَ عَلَىَ ظَهْرِهَا - اليَوْمَ - فَظَنُّوهُ عَلَىَ إِطْلاَقِهِ وَأَنَّ الدُّنْيَا تَنْتَهِي بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، فَنَبَّهَهُمْ ابْنِ عُمَرَ إِلَىَ [القَيْدِ] فِي لَفْظِ الرَّسُولِ - ﷺ - وَبَيَّنَ لَهُمْ المُرَادَ مِنْهُ» (٣).
وقد استقصى العلماء من كان آخر الصحابة مَوْتًا فذكر الحافظ في " الفتح " أَنَّ أبا الطُفيل عامل بن واثلة آخر من مات من أصحاب رسول الله - ﷺ - وَأَنَّ وفاته كانت سَنَةَ مائة من الهجرة (٤).
وكل ما في الأمر أَنَّ الرسول بَيَّنَ لأصحابه أنهم لن يعمروا كما عمر من
_________________
(١) انظر " تأويل مختلف الحديث ": ص ٩٩.
(٢) " شرح النووي على مسلم ":١٦/ ٩٠.
(٣) [" السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلام " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٢٧٩، الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان].
(٤) " فتح الباري ": ٢/ ٧٥.
[ ١٤٧ ]
كان قبلهم من الأمم ولذلك عليهم أَنْ يَجِدُّوا في طاعتهم ويعملوا في دنياهم لآخرتهم وليس في هذا ما يخالف الحوادث الزمنية والمشاهدات التجريبية.
قال السباعي: «فَأَنْتَ تَرَىَ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ الذِي كَانَ فِي الوَاقِعِ مُعْجِزَةً مِنْ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ - ﷺ - يَنْقَلِبُ فِي مَنْطِقِ النَّقْدِ الجَدِيدِ الذِي دَعَا إِلَيْهِ صَاحِبُ " فَجْرِ الإِسْلامِ " إِلَى أَنْ يَكُونَ مَكْذُوبًا مُفْتَرَىً!» (١).
«وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبُكَ مِنْ أَنَّ مُؤَلَِّفَ " فَجْرِ الإِسْلامِ " ذَكَرَ فِي آخِرِ فَصْلِهِ أَهَمَّ مَرَاجِعَ بَحْثِهِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا " فَتْحِ البَارِي "، وَ" القَسْطَلاَّنِي عَلَىَ البُخَارِيِ " وَ" شَرَحَ النَوَوِيَّ عَلَىَ مُسْلِمٍ "، وَهَؤُلاَءِ الشُرَّاحِ نَبَّهُوا عَلَىَ مَعْنَى الحَدِيثِ، وَبَيَّنُوا تَقْسِيِْ البُخَارِي لَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَأَشَارُوا عِنْدَ الجُزْءِ المُخْتَصَرِ إِلَىَ مَوْضِعِ الحَدِيثِ الكَامِلِ، فَإِنْ كَانَ الأُسْتَاذُ اطَّلَعَ عَلَىَ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ وَأَقْوَالَ الشُرَّاحِ، فَكَيْفَ حَكَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَذِبِهِ؟ وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا فَكَيْفَ عَدَّ تِلْكَ الْشُّرُوحِ مِنْ مَرَاجِعَ بَحْثِهِ، بَلْ كَيْفَ اسْتَبَاحَ الخَوْضَ فِي هَذَا المَوضُوعِ عَلَىَ غَيْرِ هُدَىً؟» (٢).
_________________
(١) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلام " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٢٨١.
(٢) [المصدر السابق: ص ٢٨٢].
[ ١٤٨ ]
الحديث الرابع:
٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟.
قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ [وَيُزْوَى] بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ» (١).
النقد:
طعن أَبُو رِيَّةَ في هذا الحديث لا لشيء - إلاَّ لأنه رواه أبو هريرة - وكل ما رواه أبو هريرة فهو عنده كذب وغير مقبول وإِنْ كان ما رواه من محاسن الإسلام لأنه يرمي إلى أبي هريرة بعين ساخطة ترى الصحيح سقيمًا والمستقيم مُعْوَجًّا والحق باطلًا.
الرد:
والحديث رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " عن أبي هريرة. ورواه مسلم عن أبي هريرة من طرق عدة لا يتطرق إليها الارتياب، ورواه أيضًا عن أبي سعيد الخُدري مرفوعًا.
_________________
(١) رواه البخاري في (التفسير): ٨/ ٥٩٥ وفي (كتاب التوحيد) بلفظ: «اخْتَصَمَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا»: ١٣/ ٤٣٤ ورواه مسلم في " صحيحه ": ٤/ ٢١٨٦ وهو عن أبي سعيد الخُدري نحوه إلى قوله: «وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا» ولم يذكر ما بعده من الزيادة: ٤/ ٢١٨٧ من " صحيح مسلم ".
[ ١٤٩ ]
وروى آخره عن أنس بن مالك.
فلو كان هو من رواية أبي هريرة وحده لما اقتضى هذا الطعن فيه فما بالك وقد روى عن غيره من الصحابة كما رأيت، وبذلك انهار الأساس الذي بنى عليه كلامه وهو أنه من رواية أبي هريرة وحده وإذا كان أبو هريرة ليس بالعدل الثقة عنده فما رأيه والحديث ثبت عن غيره من الصحابة؟
وإذا كان وجه الإنكار هو أَنَّ الله تعالى يضع رجله، ففي القرآن جاء إثبات اليد والوجه والعين وغير ذلك، وإنْ كان وجه الإنكار أنهما تتخاصمان وتتكلمان فهل هذا مستنكر على الله الذي أنطق كل شيء، وهل يلزم من هذا التخاصم أَنْ يفهمه أَبُو رِيَّةَ وإلاَّ كان باطلًا.
قال النووي: «هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي النَّارِ وَالْجَنَّةِ تَمْيِيزًا تُدْرَكَانِ بِهِ فَتَحَاجَّتَا» (١) ويحتمل أَنْ يكون بلسان الحال، والله على كل شيء قدير.
وإنْ كان سبب الاستغراب والإنكار أَنْ يأتي الله إلى النار، فإنَّ القرآن أثبت المجيء يوم القيامة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢).
إنَّ تحكيم العقل في مسألة الألوهية وصفاتها من سخافة العقل نفسه، ولا تؤدي عند هؤلاء المغتربين بعقولهم إلاَّ إلى الإلحاد والزندقة، وذلك لأَنَّ العقل الإنساني مهما بلغ من الذروة والكمال يبقى قاصرًا عن فهم كثير من الحقائق وخاصة المتعلقة منها بالألوهية وصفاتها والأمور التعبدية.
قال الشافعي: «كما أنَّ الحواس لها حد تنتهي إليه كذلك العقل له حد ينتهي إليه ويقصر دونه» (٣). وإذا كان العقل لا يزال عاجزًا عن معرفة سِرِّ الحياة في الإنسان نفسه، فكيف يستطيع أَنْ يحيط بحقيقة خالق هذا الكون وصفاته؟
_________________
(١) انظر " شرح صحيح مسلم " للنووي: ١٧/ ١٨٠
(٢) [الفجر: ٢٢].
(٣) [انظر ص ٣٢ من هذا الكتاب].
[ ١٥٠ ]
ولله دَرُّ الشاعر القائل:
يَعْتَرِضُ العَقْلُ عَلَى خَاِلٍق * * * مِنْ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ العَقْلُ (*).
وإنما يستشكل هذا الحديث من لم يتذوق لغة العرب وأساليبهم في البيان والحديث سيق مساق التمثيل بجعل الجنة والنار بمنزلة شخصين عاقلين يتحاوران ويتجادلان ثم يفصل بينهما الحكم العدل بما فيه فصل الخطاب، وفي لغة العرب كثير من ذلك.
قال الشاعر:
شَكَا إِلَيَّ [جَمَلِي] (**) طُولَ السُّرَى * * * صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلاَنَا مُبْتَلَى
ولا شكوى ولا كلام، وإنما [مجاز] وتمثيل (١).
ثم لنفض أَنَّ تحكيم العقل في الأحاديث هو الصواب، فنحن نسأل: أي عقل تريدون أَنْ تُحَكِّمُوهُ؟
أعقل الفلاسفة؟ إنهم مختلفون، وما من متأخر منهم إِلاَّ وهو ينقض قول من سبقه.
أعقل الأدباء؟ إنه ليس من شأنهم، فإنَّ عنايتهم [- عفا الله عنهم -] بالنوادر والحكايات.
أعقل علماء الطب، أو الهندسة، أو الرياضيات؟ ما لهم ولهذا؟
أعقل المُحَدِّثِين؟ إنه لم يعجبكم، بل إنكم تتهمونهم بالغباوة والبساطة.
[أعقل الفقهاء؟؟ إنهم مذاهب متعددة، وعقليتهم - في رأيكم - كعقلية المُحَدِّثِين].
أعقل الملحدين؟ إنهم يريدون أَنَّ إيمانكم بوجود الله، جهل منكم وخرافة
أعقل أهل السُنَّة والجماعة؟ هذا لا يُرْضِي الشِيعَةَ، ولا المعتزلة.
[أم عقل الشِيعَة؟ هذا لا يرضي أهلَ السُنَّةَ، ولا الخوارج].
أم عقل المعتزلة؟ إنه لا يرضى جمهور طوائف المسلمين!.
[سيقول أَبُو رِيَّةَ]: «إنني أرتضي عقل المعتزلة، لأنهم أصحاب العقول الصريحة» (٢).
إنه ليست القضية قضية عقل. إنه الإلحاد والزيغ والضلال، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.
_________________
(١) (*) [هو الشاعر أحمد الصافي النجفي، انظر " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٣٩]. (**) [هي جَمَلِي وليس جَمِيلِي كما ورد في الكتاب المطبوع، انظر " دفاع عن السُنَّة " لمحمد أبو شهبة: ص ٥٢.]
(٢) " دفاع عن السُنَّة لأبي شهبة ": ص ١٩٦.
(٣) انظر " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٣٩. [ما أثبته بين [] حسب ما ورد في كتاب السباعي].
[ ١٥١ ]
الحديث الخامس:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:
«إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ (كُلَّهُ)، ثُمَّ لِيَنْزِعَهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً» (١).
النقد:
عَلَّقَ أَبُو رِيَّةَ على الحديث في الحاشية بما سماه (معركة الذباب) بين مجلة " لواء الإسلام " و" مجلة الدكتور " وانتصر يها لـ " مجلة الدكتور "، وأنحى باللائمة والتثريب على المُصَحِّحِينَ لهذا الحديث ونبزهم بالألقاب.
الرد:
الحديث قد صَحَّ سندًا وَمَتْنًا عن هؤلاء الصحابة الثلاثة: أبي هريرة وأبي سعيد وأنس ثبوتًا لا مجال فيه للشك كما ثبت صدق أبي هريرة في روايته عن رسول
_________________
(١) ورد هذا الحديث عن أبي هريرة من طرق:
(٢) عن عبيد بن حنين سمعت أبا هريرة أخرجه البخاري: ٢/ ٣٢٩، ٤/ ٧١، ٧٢. والدارمي: ٢/ ٩٩. وابن ماجه: ٣٥٠٥. والإمام أحمد: ٢/ ٣٩٨ وما بين القوسين زيادة له وهي للبخاري في روايته عنه.
(٣) عن سعيد بن أبي سيعد رواه أبو داود من طريق أحمد وهو في " المسند ": ٣/ ٣٢٩ و٢٤٦.
(٤) عن ثمامة بن عبد الله بن أنس أخرجه أحمد: ٣/ ٣٦٣، ٣٥٥، ٣٨٨ وسنده صحيح على شرط مسلم.
(٥) عن محمد بن سيرين عنه عند أحمد: ٢/ ٣٥٥، ٣٨٨ وسنده صحيح وللحديث شواهد: رواه أبو سعيد بلفظ ««إِنَّ أَحَدَ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ سُمٌّ، وَالآخَرَ شِفَاءٌ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ [فَامْقُلُوهُ]، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» رواه أحمد: ٣/ ٦٧، وابن ماجه: ٣٥٠٩ والنسائي: ٢/ ١٩٣ وابن حبان في " الثقات ": ٢/ ١٠٢، عن أنس رواه الطبراني في " الأوسط " كما في " مجمع الزوائد ": ٥/ ٣٨.
[ ١٥٢ ]
الله - ﷺ - رغم أنف الطاعنين، بل إنَّ الطاعنين فيه هو الطاعن في هذا الحديث فقد رموا صحابيًا بالبهت وَرَدُّوا حديث رسول الله - ﷺ - لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة، والحال أنه رواه جماعة من الصحابة وليت شعري هل علم هؤلاء بعدم تفرد أبي هريرة بالحديث، وهو حُجَّةٌ لو انفرد. فكيف وقد تابعه صحابيان جليلان؟.
ثم قالوا - منكرين -: كيف يكون الذباب الذي هو مياءة الجراثيم فيه دواء؟
وكيف يجمع الداء والدواء في شيء واحد؟ وهل الذباب يعقل فيقدم أحد الجناحين على الآخر؟
سبحان الله! هل العقل يمنع أَنْ يجمع الله الداء والدواء في شيء واحد بل هو معروف مشاهد، فالنحلة تلقي السم من أسفلها وتخرج عسلًا فيه شفاء للناس من فيها، والحية القاتل سمها يدخل لحمها في الترياق الذي يعالج به السم، والله الذي هدى النملة إلى أًنْ تبني بيتها على أحسن نظام هندسي، وهَدَى النملة إلى أَنْ تَدَّخِرَ قُوتَهَا لأوان حاجتها لقادر على أنْ يلهم الذبابة أنْ تقدم جناحًا وتوخر آخر
ثم إنَّ كثيرًا من الناس يتوهم أنَّ هذا الحديث يخالف ما يقرره الطب وهو أنَّ الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب علقت به تلك الجراثيم، والحقيقة أنَّ هذا الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك بلى يؤيدهم إذ يخبران في أحد جناحيه داء ولكنه يزيد عليهم فيقول: «وَفِي الآخَرِ شِفَاءٌ».
فهذا مما لم يحيطوا بعلمه فوجب عليهم الإيمان به إِنْ كانوا مسلمين وإلاَّ فالتوقف إنْ كانوا من غيرهم، إِنْ كانوا عقلاء علماء؟ وذلك لأن العلم الصحيح يشهد أَنَّ عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه.
[ ١٥٣ ]
هذا على افتراض أَنَّ الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة حيث اختلفت آراء العلماء فيه، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث وأنَّ النبي - ﷺ - (لاَ يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) لا يهمنا كثيرًا ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب، لأنَّ الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي.
الطب الحديث يؤيد هذا الحديث:
-------------------------------
ومع ذلك فإنَّ النفس تزيد إيمانًا وفرحًا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح، فلهذا ألا يخلو من فائدة لو نقلت خلاصة المحاضرة التي ألقاها أحد الأطباء في جمعية الهداية في مصر حول هذا الحديث، قال: «يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضا آخر، فتتكون في جسمه مادة سامة يسميها علماء الطب " مبعد البكتيريا " وهي تقتل كثيرا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية، أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتيريا هذا، وأن هناك خاصية في أحد الجناحين هي أنه يحول مبعد البكتيريا إلى ناحيته وعلى هذا إذا سقط الذباب في طعام أو شراب وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه فإن أقرب مبعد لتلك الجراثيم وأول واق منها هو مبعد البكتيريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريبا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغمس الذباب كله، وطرفه كاف لقتل الجراثيم التي كانت عالقة وكاف في إبطال عملها».
ونقل الشيخ سعيد حوى تحقيقًا لطبيبين مصريين - محمود كمال ومحمد عبد المنعم - في إثبات ما في الحديث وفحوى التحقيق:
«إنَّ بعض العلماء - وقد أورد أسماءهم وتواريخهم - قد استطاعوا عزل
[ ١٥٤ ]
مواد مضادة للحيوية من مزرعة للفطريات الموجودة على نفس جسم الذبابة فوجدوها ذات مفعول قوي على الجراثيم السالبة لصيغة غرام كالزحار والتيفونيم وذات مفعول قوي على الجارثيم المسببة للحميات». وهكذا يضع العلماء بأبحاثهم تفسيرًا للحديث النبوي المؤكد لضرورة غمس الذبابة كلها في السائل والغذاء ليخرج من بطنها الدواء الذي يكافح ما تحمله من داء.
ويستنتج من ذلك أَنَّ العلم الحديث قد حقق بعد قرون طويلة ما أخبر به النبي - ﷺ -.
[ ١٥٥ ]
الحديث السادس:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ - «أَنَّ مُوسَى لَطَمَ عَيْنَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَأَعْوَرَهُ» (١).
النقد:
قال بعض أهل الإلحاد: «فَإِنْ كَانَ يَجُوزُ عَلَى مَلَكِ الْمَوْتِ الْعَوَرُ، جَازَ عَلَيْهِ الْعَمَى.
وَلَعَلَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَدْ لَطَمَ الأُخْرَى فَأَعْمَاهُ؛ لأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ أَشَدَّ لِلْمَوْتِ كَرَاهِيَةً مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَكَانَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ صَارِفًا هَذِهِ الْكَأْسَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَاصْرِفْهَا عَنِّي "» (٢).
أما أبو رية فقد قال عن الحديث: «إنَّ رائحة الإسرائيلية لتفوح من هذا الحديث».
_________________
(١) رواه البخاري: ٧/ ٢٥٢ في (كتاب الأنبياء) والإمام مسلم: ٤/ ١٨٤٣ بلفظ: «جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ قَالَ فَلَطَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي، قَالَ: فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ: الحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ، فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ، رَبِّ أَمِتْنِي مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " وَاللهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ "».
(٢) انظر " تأويل مختلف الحديث ": ص ٢٧٦ و" مشكل الحديث وبيانه " لابن فورك: ص ٣٣٣.
[ ١٥٦ ]
الرد:
هذا الحديث صحيح سندًا ومَتْنًا كما رأيت، اتفق عليه الشيخان.
إنَّ الله تعالى قد جعل الملائكة من الاستطاعة، أَنْ تتمثل في صور مختلفة وقد أتى رسول الله - ﷺ - جبريل - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (١).
فإن قال قائل: كيف ساغ لنبي أَنْ يلطم عين ملك الموت؟
قال القسطلاني: «أرسل الله ملك الموت إلى موسى - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ - في صورة آدمي اختبارًا وابتلاءً، فلما جاءه ملك الموت بهذه الصورة ظنه آدميًا حقيقة تسور عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا، فلما تسور عليه صكه - لطمه - على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاء فيها دون الصورة المَلَكِيَّةِ» (٢).
فإن قال قائل: كيف ساغ لنبي أنْ يلطم عين ملك الموت وإنْ كان على صورة أخرى؟
قيل لقد قال بعض أصحابنا فيه: إنما ينتقل فيه هذه الأمثلة تخيلات وأنَّ اللطمة أذهبت العين التي هي تخيل وليست بحقيقة.
ومنهم من قال: إنَّ معنى قوله: لطم موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - عين ملك الموت (هو) توسع في الكلام وهو نحو ما يحكى عن عَلِيٍّ - ﵁ - أنه قال:
[وقال: الإمام أبو بكر بن فورك (٣)]: «وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إَِّن مَعْنَى قَوْلِهِ لَطَمَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - عَيْنَ مَلَكَ المَوْتِ تَوَسَّعَ فِي الكَلاَم وَهُوَ نَحْوَ مَا يُحْكَى عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنه قَالَ: " أَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَة " يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلْزَامَ مُوسَى مَلَكَ المَوْتِ الحُجَّةَ حِينَ رَادَهُ فِي قَبْضِ رُوحِهِ حسب مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر».
وخلاصة ما أجيب على اعترضات هذا الحديث
_________________
(١) [مريم: ١٧]
(٢) " مشكل الحديث " لابن فورك: ص ٣٣٤.
(٣) [انظر " مشكل الحديث " لابن فورك، المحقق: موسى محمد علي، ص ٣١٤، الطبعة: الثانية، ١٩٨٥ م، نشر عالم الكتب - بيروت].
[ ١٥٧ ]
١ - أنه لا يمتنع أنْ يكون موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قد أذن الله له في تلك اللطمة ويكون ذلك امتحانًا للملطوم.
٢ - أنَّ ذلك على المجاز، وأنَّ المراد أنَّ موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ناظره فغلبه بالحُجَّة، وهذا بعيد عن ظاهر الحديث.
٣ - أنَّ موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - لم يعلم أنه ملك الموت وظن أنه رجل قصده يريد نفسه مدافعة عنها، فأدت المدافعة إلى فَقْءِ عينه، لا أنه قصدها بِالفَقْءِ (١).
وقد رَجَّحَ ابن قتيبة القول بالمجاز، مهما كان الأمر فلا سبيل هناك إلى الطعن في الحديث (٢).
_________________
(١) انظر " مشكل الحديث ": ص ٣٣٣ - ٣٣٥.
(٢) " تأويل مختلف الحديث ": ص ٢٧٨.
[ ١٥٨ ]
الحديث السابع:
٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (١).
النقد:
هذا الحديث من الأحاديث التي تعرضت لنقد الدكتور أبي شادي في كتابه " ثورة الإسلام ": ص ٤٥، يقول: «وما هي إلاَّ أمثلة قليلة من كثير من صحف ينسب إلى صاحب أعظم شريعة عقلية شريعة عقلية قضت على الخرافات والأباطيل في عصرها ووضعت الأسس لتقدم البشرية المتواصل».
الرد:
هذا الكلام الذي يسرده المؤلف جزافًا يدل على جهله المركب بأصول الإسلام وتشريعه وأحكامه، والغريب أنه يعترف بأنَّ محمدًا - ﷺ - صاحب أعظم شريعة عقلية قضت على الخرافات والأباطيل، وما وجه
_________________
(١) رواه البخاري في (كتاب الجنائز): ٣/ ١٥١ وفي لفظ له «فِي قَبْرِهِ» وفي (المغازي). وأخرجه مسلم في (الجنائز): ٢/ ٦٣٨، ٦٣٩ بلفظين (بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) و(بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ). وأبو داود في (الجنائز): ٣/ ٤٩٤. وأخرجه الترمذي: ٤/ ٨٢ وابن ماجه: ١/ ٥٠٨ والإمام أحمد في " المسند ": (١/ ٢٦، ٣٦، ٤١، ٤٢، ٥٠، ٥١، ٥٤)، (٢/ ٦١)، (٤/ ٢٤٥، ٢٥٢، ٢٥٥، ٤٣٧)، (٦/ ٣٨١) ورواه الحاكم: ١/ ٣٨١، ٣٨٢.
[ ١٥٩ ]
الإنكار؟ إنَّ الخطب أعظم من هذا أنَّ المؤلف لا يؤمن بحياة أخرى للميت بعد موته في قبره، لهذا لم يستسغه عقله وأنه كيف يعذب الميت بفعل غيره وقد انقطع عمله؟
إنَّ المؤلف كثيرًا ما يتغنى بالعقل، وأنَّ الإسلام هو دين العقل وأنَّ محمدًا - ﷺ - هو صاحب أعظم شريعة عقلية، يقول في ص ١٦٩: «إنَّ الإسلام الكريم يحترم العقل كما يحترم البحث » فإذا كان الإسلام دين العقل فهل العقل يرفض وجود الحياة الأخرى؟
إنَّ وجه الإنكار عنده أنه كيف يعذب الميت بعمل غيره وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (١).
والعمومات الأخرى؟
وللجواب على هذا قال الحافظ: «وَالْجَوَاب أَنَّهُ لاَ مَانِع فِي سُلُوك طَرِيق الْجَمْع مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ الْعُمُومَاتِ وَتَقْيِيد بَعْض الْمُطْلَقَات، فَالْحَدِيث وَإِنْ كَانَ دَالاَّ عَلَى تَعْذِيب كُلّ مَيِّت بِكُلِّ بُكَاء لَكِنْ دَلَّتْ أَدِلَّة أُخْرَى عَلَى تَخْصِيص ذَلِكَ بِبَعْضِ الْبُكَاء كَمَا سَيَأْتِي تَوْجِيهه وَتَقْيِيد ذَلِكَ بِمَنْ كَانَتْ تِلْكَ سُنَّتُهُ أَوْ أَهْمَلَ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ الَّذِي يُعَذَّب بِبَعْضِ بُكَاء أَهْله مَنْ كَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ بِأَنْ تَكُون تِلْكَ طَرِيقَته» (٢).
وقال [المباركفوري] (*): وذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَأْوِيلِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ لِمُخَالَفَتِهَا لِلْعُمُومَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَإِثْبَاتِهَا لِتَعْذِيبِ مَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّأْوِيلِ فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ إِلَى تَأْوِيلِهَا [بِمَنْ] أَوْصَى بِأَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ لأَنَّهُ بِسَبَبِهِ وَمَنْسُوبٌ إِلَيْهِ قَالُوا: وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ كَمَا قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ.
إِذَا مُتُّ فَابْكِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ * * * وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا أُمَّ مَعْبَدِ
_________________
(١) [النجم: ٣٩].
(٢) " فتح الباري ": ٣/ ١٥٣ وذكر عدة تأويلات. (*) [هي قولة المباركفوري لا النووي، انظر " تحفة الأحوذي ": ٤/ ٧٢ طبعة دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان].
[ ١٦٠ ]
قال ابن المبارك: «أَرْجُو إِنْ كَانَ يَنْهَاهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ» (١).
هذا هو مذهب الجمهور وأنه لا بُدَّ من تأويل للجمع بين الحديث والعمومات الأخرى، وهذا مذهب صحيح أخذ به الجماهير وبه يمكن الأخذ بجميع الأدلة، ولكن إذا كابر أحد هذا المذهب قائلا إنه لا يقبل التأويل فإننا نقول له: «إن الميت يؤذيه من عمل أهله أشياء محظورة اقترفوها، كما يسوؤه ويحزنه أنْ ينوح عليه أحد من أهله، والإساءة والحزن عذاب» وهذا غير محتاج إلى تأويل. اهـ. والله أعلم.
[ ١٦١ ]
الحديث الثامن:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ» (١).
النقد:
يقول صاحب " ضُحَى الإسلام " (٢) «ولكنهم لم يتوسَّعُوا كثيرًا في النقد الداخلي، فلم يعرضوا لمتن الحديث هل ينطبق على الواقع أو لا؟ مثال ذلك ما رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ».
_________________
(١) رواه البخاري في (كتاب الطب): ١٠/ ١٦٣، والترمذي: ٦/ ٢٣٤ في (الطب) أيضًا، وابن ماجه: ٢/ ١١٤٢، والإمام مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ [نُفَيْلٍ]: «لِلْعَيْنِ»: ٣/ ١٦١٩ - ١٦٢١، والإمام أحمد في " المسند ": (١/ ١٧٨ - ١٨٨)، (٢/ ٣٠١، ٣٠٥، ٣٢٥، ٣٥٦، ٣٥٧، ٤٢١، ٤٨٨، ٤٩٠، ٥١١)، (٣/ ٤٨) و(٥/ ٣٤٦، ٣٥١). ومعنى الحديث، قال الحافظ: «وَالْكَمْأَة نَبَاتٌ لاَ وَرَقَ لَهَا وَلاَ سَاقَ، تُوجَدُ فِي الأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُزْرَعَ. قِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لاسْتِتَارِهَا، يُقَال كَمَأَ الشَّهَادَة إِذَا كَتَمَهَا. وَمَادَّة الْكَمْأَة مِنْ جَوْهَر أَرْضِيٍّ بُخَارِيٍّ يَحْتَقِنُ نَحْوَ سَطْحِ الأَرْض بِبَرْدِ الشِّتَاءِ وَيُنَمِّيهِ مَطَرُ الرَّبِيعِ فَيَتَوَلَّدُ وَيَنْدَفِعُ [مُتَجَسِّدًا ]». قوله: «مِنْ الْمَنِّ» ذكر فيه ثلاثة أقوال: (أحسنها عند) «وَالْمَنّ مَصْدَر بِمَعْنَى الْمَفْعُول أَيْ مَمْنُون بِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِيهِ شَائِبَة كَسْبٍ كَانَ مَنًّا مَحْضًا، وَإِنْ كَانَتْ جَمِيع نِعَم اللَّهِ تَعَالَى عَلَى [عَبِيدِهِ] مَنًّا مِنْهُ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ خُصَّ هَذَا بِاسْمِ الْمَنِّ لِكَوْنِهِ لاَ صُنْعَ فِيهِ لأَحَدٍ » انظر " فتح الباري ": ١٠/ ١٦٣، ١٦٤.
(٢) " ضُحى الإسلام " لأحمد أمين: ٢/ ١٣١.
[ ١٦٢ ]
فهل اتَّجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة؟ وهل فيها مادة تشفي العين أو العجوة وهل فيها ترياق؟ نعم إنهم رَوَوْا أنَّ أبا هريرة قال: «أَخَذْتُ ثَلاَثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ، [فَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ] فِي قَارُورَةٍ وَكَحَّلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي عَمْشَاءَ، فَبَرَأَتْ».
ولكن هذا لا يكفي لصحة الحديث فتجربة جزئية نفع فيها شيء مرة لا تكفي منطقيًا لإثبات الشيء في ثبت الأدوية إنما الطريقة التي تجرب بها مرارًا وخير من ذلك أنْ تُحَلَّلَ لتعرف عناصرها، فإذا لم يكن التحليل في ذلك العصر ممكنًا فلتكن التجربة مع الاستقراء، فكان مثل هذا طريقًا لمعرفة صحة الحديث أو وضعه.
الرد:
إنَّ الحديث صحيح ثابت في " الصحيحين " وغيرهما وسنده من ناحية النقد متين ليس في رُواته متهم. ثم إنَّ أبا هريرة جَرَّبَ هذا الحديث فوجده صحيحًا وجَرَّبَهُ غيره كثيرون فوجدوه صحيحًا.
شهادة تاريخية في تأييد الحديث:
--------------------------------
قال النووي: «وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا وَغَيْرِي فِي زَمَنِنَا مَنْ كَانَ عَمِيَ وَذَهَبَ بَصَرُهُ حَقِيقَةً فَكَحَّلَ عَيْنَهُ بِمَاءِ الْكَمْأَةِ مُجَرَّدًا فَشُفِيَ وَعَادَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ وَهُوَ الشَّيْخُ الْعَدْلُ الأَيْمَنُ الْكَمَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ صَاحِبُ صَلاَحٍ، وَرِوَايَةٍ لِلْحَدِيثِ وَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ لِمَاءِ الْكَمْأَةِ اعْتِقَادًا فِي الحَدِيثِ وَتَبَرُّكًا بِهِ» (١).
وذكر ابن القيم في " الهدي النبوي " (٢) اعترف مشاهير الأطباء
[ ١٦٣ ]
وقال ابن البيطار المالقي في [" مفرداته "]: «ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن بماء الإثمد واكتحل به فإنه يقوي الجفن، ويزيد الروح الباصرة حِدَّةً وَقُوَّةً» (١).
«فها أنت ترى أن العلماء لم يقصروا في التجربة [وأَنَّ الأطباء لم يقصروا في البحث]، ومع ذلك فلم يرض مؤلف " [فجر] الإسلام " إلا أن ياتي كل مسلم إلى كمية من الكماة، ثم يعصرها ويقطر عينيه بمائها، [فإن أصابهم العمى جميعًا كان الحديث مكذوبا وإلا كان صحيحًا] .. ونحن نسأله؟ إن أبا هريرة والنووي والأطباء قديمًا جَرَّبُوا الكمأة فوجدوها نافعة للعين، فهل قام هو بمثل هذه التجربة فأصابه مكروه؟ وهل استقرأ هو جميع جزئيات الكمأة على اختلاف أنواعها فوجدها تخالف الحديث؟ (٢). إنه ليس شيء من ذلك إلاَّ المكابرة والزيغ والانحراف؟ ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
_________________
(١) " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٢٨٦.
(٢) [بهذه الصيغة ورد النص نقلًا عن " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٢٨٦. الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان].ُ
[ ١٦٤ ]
الحديث التاسع:
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ انتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» فَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَزِيدُ فِي الرِّوَايَةِ «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا» (١).
النقد:
قال صاحب " ضُحَى الإسلام " بعد ذلك: «وهذا نقد من ابن عمر لطيف في الباعث النفسي، يريد أن ابن عمر يتهم أبا هريرة بزيادة (أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ) في لفظ الحديث لأنه كان صاحب زرع فزادها تبريرًا لاتخاذه الكلب لزرعه» (٢).
الرد: إنْ كان المؤلف يريد الطعن في أبي هريرة، فإنَّ أبا هريرة لم ينفرد بهذه الزيادة، بل إنَّ بعض الصحابة قد وافق أبا هريرة على روايته تلك الزيادة وأَنَّ غيره سمعها من النبي - ﷺ - كما ذكرنا في شواهد الحديث.
_________________
(١) رواه البخاري: ٥/ ٦ و٩/ ٦٠٨ بألفاظ مختلفة. ومسلم: ٣/ ١٢٠٠ والنسائي: ٧/ ١٨٩ وابن ماجه: ٣/ ١٠٦٩ حديث رقم ٣٢٠٤ من غير زيادة ابن عمر وله شاهد عن أبي هريرة عن البخاري: ٥/ ٥ وشاهد عند مسلم: ٣/ ١٢٠٢.
(٢) " ضُحَى الإسلام ": ١/ ١٣١، ١٣٢.
[ ١٦٥ ]
أما الطعنة التي استنتجها المؤلف من قول ابن عمر والذي عَبَّرَ عنها بقوله: «وهذا نقد من ابن عمر لطيف » فقد تعرض الشُرَّاحُ لها وَبَيَّنُوا مُرَادَ ابن عمر من مقالته.
قال الحافظ: «وَيُقَال إِنَّ اِبْن عُمَر أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِشَارَة إِلَى تَثْبِيت رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَأَنَّ سَبَب حِفْظه لِهَذِهِ الزِّيَادَة دُونه أَنَّهُ كَانَ صَاحِب زَرْع دُونه، وَمَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِشَيْءٍ اِحْتَاجَ إِلَى تَعَرُّف أَحْكَامه» (١).
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: «فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ إبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَكَذَلِكَ لِلزَّرْعِ لأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ»، زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في أصول الحديث إذا كان هذا في غير الصحابة فما ظنك بالصحابة وهم عُدُولٌ عُدُولٌ عُدُولٌ.
قال النووي عند قول ابن عمر: «[قَالَ الْعُلَمَاءُ]: لَيْسَ هَذَا تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلاَ شَكًّا فِيهَا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ وَحَرْثٍ اعْتَنَى بِذَلِكَ وَحَفِظَهُ وَأَتْقَنَه وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الزِّيَادَةَ [وهى اتخاذه للزرع] من رواية بن الْمُغَفَّلِ وَمِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ومن رواية بن الْحَكَمِ [وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ البجلى] عن ابن عمر وَلَوِ انْفَرَدَ بِهَا لَكَانَتْ مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً مُكَرَّمَةً» (٢) كيف وقد وافقه غيره.
ومن هنا تعرف الحقيقة الصحيحة، وأَنَّ ابن عمر لم يُكَذِّبْ أبا هريرة، وكيف يُكَذِّبُهُ وقد سبق أنه اعترف أَنَّ أبا هريرة كان أحفظهم لحديث رسول اللهُ - ﷺ -.
_________________
(١) " فتح الباري " لابن حجر العسقلاني: ٥/ ٦.
(٢) انظر " شرح مسلم للنووي ": ٦/ ٥٥٥ و" تحفة الأحوذي ": ٥/ ٦٦.
[ ١٦٦ ]
ومن هنا تعرف عدم أمانة مؤلف " فجر الإسلام " التي أبت عليه أَنْ يُبَيِّنَ الباعث الحقيقي لهذه الزيادة والعجيب أنه يرشدنا إلى النووي، وهل في كلام النووي - المَارِّ آنِفًا - رائحة التكذيب من ابن عمر لأبي هريرة؟ إنه ليس في شيء من ذلك إلاَّ الخيانة العلمية واتباع أهواء المستشرقين الحاقدين على الإسلام وأهله، نسأل الله السلامة.
[ ١٦٧ ]
الحديث العاشر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ (*) مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
فَقَالَ الْحَسَن: «وَمَا ذَنْبهمَا؟» قَالَ: «أُحَدِّثك عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ وَتَقُول وَمَا ذَنْبهمَا»، فَسَكَتَ.
قَالُوا: قَدْ صَدَقَ الْحَسَنُ «مَا ذَنْبُهُمَا» (٢).
النقد:
قال أبو رية: «[وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى] أَنَّ هَذَا الحَبْرَ الدَّاهِيَةَ قَدْ طَوَىَ أَبَا هُرَيْرَةَ تَحْتَ جَنَاحِهِ حَتَّىَ جَعَلَهُ يُرَدِّدُ كَلاَمَ هَذَا الكَاهِنِ بِالنَّصِّ وَيَجْعَلَهُ حَدِيثًا مَرْفُوعًا مَا نُوْرِدُ لَكَ شَيْئا مِنْهُ » ثم ذكر هذا الحديث.
الرد:
إِنَّ أبا رِيَّةَ كعادته يحاول إيقاع الطعن على أبي هريرة - ﵁ -، لكن لو سألناه ما وجه الإنكار في هذا الحديث؟.
إِنْ كان هو المتن الذي رواه البخاري (*) فمعناه في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (٤).
_________________
(١) قال المؤلف (وراه البخاري): ٦/ ٢١٤ في بدء الخلق. وفي " فتح الباري " أَنَّ البزار والاسماعيلي والخطابي أخرجوه من طريق يونس بن محمد عن عبد العزيز بن المختار وزادوا بعد كلمة (مُكَوَّرَانِ) «فِي النَّارِ». (*) [غريب من المؤلف كيف أورد هذه الرواية على أن البخاري خَرَّج هذا الحديث بهذه الصيغة: إِذْ لم ترد لفظة (ثَوْرَانِ) في " صحيح البخاري " وإنما وردت الرواية كالتالي: «الشَّمْسُ وَالقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، راجع " فتح الباري شرح صحيح البخاري " لابن حجر، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: ٦/ ٢٩٧ حديث رقم ٣٢٠٠].
(٢) [انظر " تأويل مختلف الحديث ": ص ١٦٥، الطبعة الثانية - مزيدة ومنقحة ١٤١٩هـ - ١٩٩٩م، تحقيق مُحَمَّد محيي الدَّين الأَصْفَر، نشر المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق].
(٣) [القيامة: ٨، ٩].
(٤) [التكوير: ١]
[ ١٦٨ ]
وزيادة غير " البخاري " «فِي النَّارِ» يشهد لها قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (١).
وفي " صحيح البخاري " (٢) ثُمَّ [قَالَ]: «يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ».
وفيه: «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ» (٣).
وهذا يوافق قوله تعالى في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (٤).
فإنْ قيل وما ذنبهما حتى يُعَذَّبَانِ؟ فإنه مثل رجل سمع بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٥).
فقال: ما ذنب الحجارة؟ (٦).
قلت: أجاب عن ذلك الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ: «لَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُمَا بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُ تَبْكِيتٌ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُهُمَا فِي الدُّنْيَا لِيَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهُمَا كَانَتْ [بَاطِلًا]».
ولا شك في أَنَّ جمع العابد والمعبود في النار غاية التوبيخ والسخرية والإيلام (٧).
قَالَ الإِسْمَاعِيلِي: «لاَ يَلْزَم مِنْ جَعْلهمَا فِي النَّار تَعْذِيبهمَا، فَإِنَّ لِلَّهِ فِي النَّار مَلاَئِكَة وَحِجَارَة وَغَيْرهَا لِتَكُونَ لأَهْلِ النَّار عَذَابًا وَآلَة مِنْ آلاَت الْعَذَاب وَمَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ، فَلاَ تَكُون هِيَ مُعَذَّبَة» (٨).
_________________
(١) [الأنبياء: ٩٨].
(٢) ١٣/ ٤١٩.
(٣) [هذه رواية " صحيح البخاري " أما التي أوردها المؤلف فهي بلفظ مسلم: «كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ» " صحيح مسلم "، ١/ ١٦٣، حديث رقم ١٨٢، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت].
(٤) [هود: ٩٨].
(٥) [البقرة: ٢٤].
(٦) " تأويل مختلف الحديث ": ص ١٠٢.
(٧) [عزا المؤلف هذه القولة لـ " فتح الباري " وإنما هي للشيخ محمد محمد أبو شهبة حين نقل عنه من كتابه. انظر " دفاع عن السُنَّة ": ص ١٤٥، ولا وجود لها في " فتح الباري "].
(٨) " فتح الباري ": ٦/ ٢١٤.ىىىى
[ ١٦٩ ]
فَإِنْ قيل: «وكيف يؤتى بالشمس والقمر ويكوران ويلقيان في النار والنار تضيق بالقمر فضلا عن الشمس، وهذا أمر يعلمه أهل الفلك وغيرهم؟
قلنا: إِنَّ ذلك سيكون يوم القيامة، وأحوال يوم القيامة لا تقاس على أحوال الدنيا، فستبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وسيتغير نظام العالم الذي هو عليه اليوم، وشواهد ذلك من القرآن [أكثر من أن تحصى] (١)».
هذا لا يشكك فيه موحد، وأما المحلدون فللحديث معهم طريق آخر وأسلوب مغاير.
وبهذا ترى أنَّ الحديث صحيح ومزاعم أبي رية ذهبت هباءً منثورًا ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٢).
_________________
(١) [انظر " دفاع عن السُنَّة " للشيخ محمد محمد أبو شهبة: ص ١٤٥].
(٢) [الأنبياء: ١٨]
[ ١٧٠ ]
الحديث الحادي عشر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. فَقَالَ السَّلاَمُ: عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلْ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ» (١).
النقد:
قال أَبُو رِيَّةَ: (٢) «هذا الكلام قد جاء في " الإصحاح الأول " من " التوراة " - العهد القديم - ونصه هناك (وخلق الله الإنسان على صورته، لا صورة الله خلقه)».
يريد أَنَّ أبا هريرة أخذه من كعب ثم رفعه إلى النبي - ﷺ -.
الرد:
الحديث صحيح سَنَدًا وَمَتْنًا اتفق على صحته الإمامان الجليلان البخاري ومسلم، ولا ضير على أبي هريرة أَنْ يكون ما رواه من الحديث موافقًا لما
_________________
(١) رواه البخاري في (الاستئذان): ١١/ ٣، وفي (بدء الخلق) ورواه الإمام مسلم: ٤/ ٢١٨٣ والإمام أحمد: ٢/ ٢٤٤، ٢٥١، ٣١٥، ٣٢٣، ٤٣٤، ٤٦٣، ٥١٩.
(٢) " أضواء على السُنَّة المحمدية " محمود أبو رية: ص ١٧٤.
[ ١٧١ ]
في " التوراة " فالكل من عند الله ووحيه، و" القرآن " والسُنَّة الصحيحة هما المهيمنان والشاهدان على الكتب السابقة ولم يدخله تحريف ولا تبديل. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١).
وقد تأول المتأولون الحديث على وجوه كثيرة أظهرها:
١ - إنَّ هذا الخبر خرج على سبب وذلك أَنَّ النبي - ﷺ - مَرَّ برجل يضرب عبده في وجهه لَطْمًا ويقول: «قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ»، فَقَالَ - ﷺ -: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ».
وإنما قال - ﷺ - ذلك لأنه سمعه يقول: «قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ». وذلك سَبٌّ للأنبياء والمرسلين والمؤمنين إذ خلق وجه الإنسان على صورة آدم، وآدم نبي من الأنبياء، وهذا معنى سَبِّ الأنبياء والمرسلين.
٢ - إِنَّ الكناية في قوله: «صُورَتِهِ» ترجع إلى آدم، وذلك ينقسم إلى وجوه:
[١]- أن يكون معناه وفائدته تعريفنا نعمة الله على أبينا آدم - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أَنَّ فضله بِأَنْ خلقه بيده وأسكنه جنته .. ثم عصاه وخالفه فلم يعاقبه على ذلك بسائر ما عاقب به المخالفين له في نحوه. فَعَرَّفَنَا - ﷺ - بذلك أَنَّ أباكم آدم - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كان في الجنة على الصورة التي كان عليها في الدنيا لم يغير الله خلقته وتكون فائدة ذلك تعريفنا الفرق بينه وبين سائر من أخرجه من الجنة معه وإبانته منهم في الرتبة والدرجة.
[٢]- إذا قلنا إنَّ الهاء يرجع إلى آدم فسبيله أَنَّ النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أفادنا
_________________
(١) [المائدة: ٤٨].
[ ١٧٢ ]
إبطال قول أهل الذمة أنه لم يكن إنسان إلاَّ من نطفة ولا نطفة إلاَّ من إنسان، وفائدته: أنه خلقه من صلصال كالفخار ثم خلق فيه الروح ولم يكن قط في صُلْبٍ وَلاَ رَحِمٍ ولا كان علقة ولا مضغة بل خلق ابتداءً بشرًا سَوِيًّا (١).
[٣]- إنَّ الهاء إلى آدم - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - والفائدة أَنَّ الله خلق آدم على الصورة التي كان عليها من غير أنْ كان ذلك حادثًا أو شيئًا منه عن توليد عضو أو تأثير طبع أو فلك أو ليل أو نهار، أبطالًا لقول الطبائعيين.
[٤]- إنَّ الهاء راجعة إلى الله (من طريق الإضافة إلى الله على وجه التخصيص والتشريف) مثل ناقة الله وبيت الله.
وقد رَدَّ ابن فورك على ابن قتيبة على قوله في هذا الحديث: «إِنَّ اللهَ - ﷿ - صُورَةٌ لاَ كَالصُّوَرِ كَمَا أَنَّهُ شَيْءٌ لاَ كَالأَشْيَاءِ». وقال: «هَذّا فَاسِدٌ، لاَ يَلِيقُ بِاللهِ - ﷿ - لاقْتِضَائِهِ أَنْ يَكُونَ مُؤَلَّفًا مُرَكَّبًا ذُو حَدٍّ وَنِهَايَةٍ وَبَعْضٍ وَغَايَةٍ» (٢).
وَقَالَ ابن الجوزي: «هَذّا تَخْلِيطٌ وَتَهَافُتٌ لأَنَّ مَعْنَى كَلاَمِهِ أَنَّ صُورَةَ آدَمَ كَصُورَةِ الحَقِّ تَعَالَى» (٣).
وقال أيضًا: «إِعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الأَحَادِيث دَقَائِقَ وَآفَاتٍ لاَ يَعْرِفُهَا إِلاَّ العُلَمَاءُ وَالفُقَهَاءُ»
وخلاصة ما قال: للناس في هذا مذهبان:
١ - السكوت عن تفسيره.
٢ - الكلام في معناه.
واختلف أرباب الكلام على ثلاثة أقوال في الهاء:
[١]- أنها تعود إلى بعض بني آدم كما مَرَّ في السبب.
_________________
(١) " مشكل الحديث ": ص ٢٤٧.
(٢) انظر " مشكل الحديث وبيانه " لابن فورك: ص ٦٩.
(٣) " دفع شبه التشبيه " لابن الجوزي.
[ ١٧٣ ]
[٢]- أنها كناية عن اسمين ظاهرين فلا يصلح أَنْ تصرف إلى الله لقيام الدليل أنه تعالى ليس بذي صورة فعادت إلى بني آدم.
ومعنى الحديث: أَنَّ الله خلق آدم التي خلقه عليها تامًا لم ينقله من نطفة إلى علقة كبنية.
[٣]- أنها تعود إلى الله تعالى وفي ذلك قولان.
١ - أَنْ تكون صورة ملك لأنها فعله وخلقه فتكون إضافتها إليه من وجهين:
(أ) التشريف بالإضافة كقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ (١).
(ب) ابتدعها لأعلى مثال سبق.
٢ - أنْ تكون الصورة بمعنى الصفة. تقول هذه الصورة هذا الأمر: أي صفته، ويكون خلق آدم على صفته من الحياة والعلم والقدرة، ميزة بذلك على جميع الحيوانات (٢).
_________________
(١) [الحج: ٢٦].
(٢) انظر " دفع شُبه التشبيه " لابن الجوزي.
[ ١٧٤ ]
الحديث الثاني عشر:
١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١).
النقد:
قال أبو رية (٢): «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ».
وذكر ما قاله الحافظ من ورود الحديث في بعض رواياته بدون «مُتَعَمِّدًا» وفي بعضها بذكرها ثم قال: «ولكن من حقق النظر وأبعد النجعة في مطارح البحث يجد أَنَّ الروايات الصحيحة التي جاءت عن كبار الصحابة، ومنهم من الخلفاء الراشدين لم تكن فيها كلمة " مُتَعَمِّدًا " وكل ذمي يستبعد أَنْ يكون
_________________
(١) رواه البخاري في (الأدب): ١٠/ ٥٨٧، كما رواه في (كتاب الجنائز) و(العلم) و(الأنبياء). ومسلم في (الزهد): ١/ ٩، ١٠ عن أنس وأبي هريرة والمغيرة، كلهم قالوا: «مُتَعَمِّدًا». وأبو داود في (العلم): ٤/ ٦٣. والترمذي في (العلم): ٧/ ٤١٩، ٤٢١، ٤٣٢، وفي (التفسير): ٨/ ٢٧٨ عن ابن عباس وابن ماجه في (المقدمة): ١/ ١٣، ١٤ عن ابن مسعود وأنس وجابر والزبير وأبي سعيد كلهم ذكروا «مُتَعَمِّدًا»، وعن أبي هريرة وأبي قتادة بدون ذكره ورواه الدارمي: ١/ ٦٦، ٦٧ عن جابر وابن عباس وعبد الله بن يعلى وأبي قتادة بلفظ «مُتَعَمِّدًا» وعن الزبير عن غيره. وكذلك: ١/ ١١١. الإمام أحمد في " مسنده ": (٢/ ٤٧، ٨٣، ١٢٣، ١٥٠، ١٥٩، ١٧١، ٢٠٢، ٢١٤، ٤١٠، ٤١٣، ٤٦٩، ٥١٩) و(٣/ ١٣، ٣٩، ٤٤، ٤٦، ٥٦، ٩٨، ١١٣، ١١٦، ١٦٦، ١٧٦، ٢٠٣، ٢٠٩، ٢٢٣، ٢٧٨، ٢٨٠، ٣٠٣، ٤٢٢) و(٤/ ٤٧، ١٠٠، ١٥٦، ٢٠١، ٢٦٧) و(٥/ ٢٤٥، ٢٩٢، ٤٣٢).
(٢) " أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص ٣٨.
[ ١٧٥ ]
النبي قد نطق بها ولعل هذه الكلمة قد تسللت إلى هذا الحديث من طريق الإدراج المعروف عند العرب ليسوغ بها الذين يضعون الحديث على رسول الله حِسبة. من غير عمد، أو يتكئ عليها الرواة فيما يَرْوُونَهُ عن غيرهم على سبيل الخطأ أو الوهم أو بسوء الفهم لكي لا يكون عليهم حرج في ذلك لأنَّ المخطئ غير مأثوم ».
الرد:
قلتُ: روى هذا الحديث من طرق كثيرة عن جماعة غفيرة من الصحابة في " الصحيحين " وغيرهما وقد أوصلها بعض المحدثين إلى المائة ما بين صحيح وحسن وضعيف، والحق أَنَّ الحديث رُوِيَ بهذا اللفظ «مُتَعَمِّدًا» من طرق تصل به إلى درجة المتواتر كما حَقَّق الحافظ ذلك في " الفتح " (١). ثم إنه لم يَصِحَّ عن أحد من الخلفاء إلاَّ عن عَلِيٍّ في " الصحيحين " وعثمان في " الصحيحين " لا عن ثلاثة من الخلفاء كما زعم.
وقد جاء كلمة «مُتَعَمِّدًا» في أغلب رويات " الصحيحين " وغيرهما من الكتب المعتمدة وطرق ذكرتها أكثر من طرق تركتها وأقوى، كما ذكرنا في التخريج.
والقاعدة عند نُقَّادِ الحديث (إذا تعارضت الروايات رُجِّحَ الأكثر والأقوى) وهنا ترجح روايات ذكر اللفظ ويحمل المطلق على المقيد.
ومن دواعي ترجيح الزيادة أنها جاءت عن الزبير بن العوام في " مستخرج الإسماعيلي " وفي " سنن ابن ماجه "، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
أما زعمه «أَنَّ هذه الكلمة وضعت ليسوغ بها » فغير مقبول.
_________________
(١) " فتح الباري ": ١/ ١٦٤.
[ ١٧٦ ]
كيف يجتمع الوضع حسبة مع عدم التعمد؟ إنَّ معنى الحسبة أَنْ يقصد الواضع وجه الله وثوابه، وهل يرجى وجه الله وثوابه بالكذب على رسول الله - ﷺ - إلاَّ على مذهب الجهلة الصوفية والكرَّامية القائلين: إنا نكذب لرسول الله لا على رسول الله! وهو باطل.
أما قوله: «أدرجت ليتكئ عليها الرُواة إلخ»، فمردود لأنَّ رفع إثم الخطأ والنسيان ليس بهذه الكلمة وإنما بأدلة أخرى.
إنَّ السر في ذكرها أنَّ الحديث لما ترتب وعيدًا شديدًا على الكذب، والمخطئ والناس والساهي لا إثم عليهم كان من الدقة والحيطة في التعبير التقييد بالعمد وذلك لرفع توهم الإثم على المخطئ والناسي.
وأما نقله عن الحافظ أنه لا يرى تواتر هذا الحديث حيث قال (١): «وَلأَجْلِ كَثْرَة طُرُقه أَطْلَقَ عَلَيْهِ جَمَاعَة أَنَّهُ مُتَوَاتِر، وَنَازَعَ بَعْض مَشَايِخنَا فِي ذَلِكَ قَالَ: لأَنَّ شَرْط التَّوَاتُر اِسْتِوَاء طَرَفَيْهِ وَمَا بَيْنهمَا فِي الْكَثْرَة، وَلَيْسَتْ مَوْجُودَة فِي كُلّ طَرِيق مِنْهَا» اقتصر على هذا القدر متبعًا طريقة ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ وترك ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) وقد ترك ما ذكره الحافظ بعد هذا ما نصه: «وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِإِطْلَاقِ كَوْنه مُتَوَاتِرًا رِوَايَة الْمَجْمُوع عَنْ الْمَجْمُوع مِنْ اِبْتِدَائِهِ إِلَى اِنْتِهَائِهِ فِي كُلّ عَصْر، وَهَذَا كَافٍ فِي إِفَادَة الْعِلْم. وَأَيْضًا فَطَرِيق أَنَس وَحْدهَا قَدْ رَوَاهَا عَنْهُ الْعَدَد الْكَثِير وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ فَلَوْ قِيلَ فِي كُلّ مِنْهَا إِنَّهُ مُتَوَاتِر عَنْ صَحَابِيّه لَكَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّ الْعَدَد الْمُعَيَّن لَا يُشْتَرَط فِي الْمُتَوَاتِر، بَلْ مَا أَفَادَ الْعِلْم كَفَى
وأما ما ذكره في الحاشية (٣): أَنَّ أدعياء السُنَّة وعبيد الأسانيد في عصرنا
_________________
(١) " أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص ٤٢.
(٢) [النساء: ٤٣].
(٣) " أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص ٣٩.
[ ١٧٧ ]
لا يزالون يكابرون في إثبات الزيادة فهو من قلة حيائه وسخفه وجرأته المذمومة وجهله المركب، فهل هو أعلم بالحديث من البخاري ومسلم والدارقطني وأحمد بن حنبل وابن حجر والعيني؟ وصدق النبي الحكيم - ﷺ -: «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت».
كانت هذه طائفة من الأحاديث التي تعرضت لنقد المستشرقين وتلامذتهم وقد فَنَّدْنَا شُبُهَاتِهِمْ حولها وهذا غيض من فيض ولا يمكن الاستقصاء لجميع مزاعمهم في هذا المختصر.
وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٧٨ ]