وَفِيهِ ثَلاَثَةُ فُصُولٍ:
الفصل الأول: في مرتبة السُنّةِ مع الكتاب.
الفصل الثاني: كيف اشتمل القرآن عَلَى السُنَّةِ.
الفصل الثالث: في نَسْخِ السُنَّةِ بالقرآن والقرآنُ بِالسُنَّةِ.
[ ٤٠٩ ]
الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مَرْتَبَةِ السُنَّةِ مَعَ الكِتَابِ:
أنزل الله القراَن على رسوله - ﷺ - هُدًى للمتقين ودستورًا للمسلمين، وَشِفَاءً لصدور الذين أراد الله لهم الشفاء، ونبراسًا لمن أراد الله لهم الفلاح والضياء، وهو مشتمل على أنواع من الأغراض التي بعث الله من أجلها الرسل، ففيه التشريع والآداب والترغيب والترهيب والقصص والتوحيد، وهو مقطوع بصحته إجمالًا وتفصيلًا، فمن شك في آية أو كلمة أو حرف من حروفه لم يكن مسلمًا، وأهم ما يعنى به العالم المتفقه في دين الله أن يتعرف إلى أحكام الله في كتابه وما شَرَّعَهُ الله لعباده من نُظُمٍ وقوانين.
وقد تلقاه المُسْلِمُونَ عن رسول الله - ﷺ - مشافهة في عصر الصحابة نقلًا متواترًا في العصور التالية، وللرسول مُهِمَّةٌ أخرى غير تبليغ كتاب الله إلى الناس، وهي تبيين هذا الكتاب وشرح آياته، وتفصيل الجمل من أحكامه، وبيان ما أنزله الله في كتابه من قواعد عامة أو أحكام مجملة أو غير ذلك.
من هنا كان المُسْلِمُونَ في حاجة إلى معرفة بيان رسول الله، مع حاجتهم إلى معرفة كتاب الله، ولا يمكن أن يفهم القراَن على حقيقته وأن يعلم مُرَادَ الله من كثير من آيات الأحكام فيه إلا بالرجوع إلى رسول الله - ﷺ - الذي أنزل الله عليه الكتاب لِيُبَيِّنَ للناس ما نُزِّلَ إليهم من ربهم.
ومن هنا اتفق المُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، إلا من شَذَّ من بعض الطوائف المنحرفة، على أن سُنَّةَ رسول الله - ﷺ - من قول أو عمل أو تقرير هي من مصادر التشريع الإسلامي الذي لا غنى لكل مُتَشَرِّعٍ عن الرجوع
[ ٤١١ ]
إليها في معرفة الحلال والحرام، وقد ذكرنا في الفصول السابقة ما يدل على هذا في كتاب الله وقول رسوله، غير أن الذي نريد بحثه الآن، هو مكانة السُنَّةِ بالنسبة للكتاب، هل هي معه على استواء واحد أم هي متأخرة عنه في المرتبة؟.
وَمِمَّا لا ريب فيه أن متن القرآن قطعي الثبوت، ثم منه ما هو قطعي الدلالة ومنه ما هو ظنيها، أما السُنَّةُ: فالمتواترة منها قطعية الثبوت، وغير المتواترة ظني الثبوت في تفصيله وإن كان قطعيًا في جملته، ومرتبة ظنيِّ الثبوت في نوعيه قطعي الدلالة وظنيها، يأتي بعد مرتبة قطعي الثبوت بنوعيه، قطعي الدلالة وظنيها، ومن هنا كانت مرتبة السُنَّةِ بعد مرتبة الكتاب.
وأيضًا فإِنَّ السُنَّةَ إما أن تكون بيانًا للكتاب أو زيادة عليه، فإن كانت بيانًا فهي في الاعتبار بالمرتبة الثانية عن المُبَيَّنِ فإن النص الأصلي أساس والتفسير بناء عليه، وإن كانت زيادة، فهي غير معتبرة إلا بعد أن لا توجد في الكتاب وذلك دليل على - تقدم اعتبار الكتاب.
هذا ما يدل عليه النظر العقلي، وقد تأيد ذلك بجملة من الأخبار والآثار، من ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود والترمذي: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قال: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِيِ» (١).
وَمِمَّا كتبه عمر إلى شُرَيْحٍ القاضي: «إِذَا أَتَاكَ أَمْرٌ فَاقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ فَإِنْ أَتَاكِ بِمَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَاقْضِ بِمَا سَنَّ فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلخ» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ «إِذَا وَجَدَتْ شَيْئًا فِي كِتَابِ اللهِ فَاقْضِ بِهِ وَلاَ تَلْتَفِتْ إِلَىَ غَيْرِهِ» وَقَدْ بَيَّنَ المُرَادَ مِنْ هَذَا فِي رِوَايَةِ أُخْرَىَ «انْظُرْ مَا تَبَيَّنَ لَكَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلاَ تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكَ فِي كِتَابِ اللهِ فَاتَّبِعْ فِيهِ سُنَّةَ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه أبو داود والترمذي وقال: «ليس إسناده عندي بمتصل»، وقد عَقَّبَ ابن العربى بقوله: «هو حديث مشهور» (" شرح ابن العربى للترمذي ": ٦/ ٦٩).
[ ٤١٢ ]
وَرُوِيَ عن ابن مسعود: «مَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ [فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ - ﷺ -]» (*). وقدمنا لك أن سُنَّةَ الشيخين إذا عرضت لهما حادثة أن ينظرا في كتاب الله فإن لم يَجِدَا حكمها فيه، نظرا إلى سُنَّةِ رسول الله - ﷺ -، ومثل ذلك كثير في كلام الصحابة والتا بعين والأئمة والمُجْتَهِدِينَ.
وقد يعارض ما ذكرناه بما رُوِيَ عن بعض العلماء من أن السُنَّةَ قاضية على الكتاب، إذ هي تبين مُجْمَلَهُ، وتُقيِّدُ مطلقَه وتخصص عامه، فيرجع إليها ويترك ظاهر الكتاب، وقد يحتمل نص الكتاب أمرين فأكثر، فتعين السُنَّة أحدهما، فيعمل بها ويترك مقتضى الكتاب، ألا ترى أن آية السرقة قاضية بقطع كل سارق، فَخَصَّتْهَا السُنَّةُ بمن سرق نصابًا محرزًا، وهي تفيد قطع اليد، واليد تصدق من الأصابع إلى المرفقين، فخصتها السُنَّةُ بِالكُوعَيْنِ، وكذلك اَيات الزكاة شاملة لكل مال فَخَصَّتْهَا السُنَّةُ بأموال مخصوصة، وقال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١) فَخَصَّصَتْ السُنَّةُ هذا العموم بنكاح المرأة على عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا ومثل ذلك كثير.
وهذا من شأنه أن نقول بتقديم السُنَّةُ على الكتاب، وإلا فبمساواتها له. ويُجاب بأن عمل السُنَّةُ في مثل هذه الحالات تَبْيِينُ مُرَادِ الله في كتابه، فهي في آية السرقة تبين أن المراد بالقطع قطعهما إلى الكوعين لا المرفقين، وأن المراد بالسارق سارق نصاب مُحرز، فهي في هذه الحالة لم تثبت حُكْمًا جديدً وإنما أوضحت وفسرت ما كان مجملًا أو محتملًا، وهذا هو المراد بقول بعضهم أن السُنَّةَ قاضيةٌ على الكتاب، أي: مبيِّنَةٌ له، لا أنها مقدمة عليه.
وقد يعترض أيضًا بأن الأثر عن معاذ فيه مقال كثير، فقد قال الترمذي عنه: «لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ» (٢) وَعَدَّهُ
_________________
(١) [النساء: ٢٤]
(٢) ٦/ ٧٠: " بشرح ابن العربي ". ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [انظر " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري: ٢/ ٨٤٨ حديث رقم ١٥٩٩.الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م. نشر دار ابن الجوزي المملكة العربية السعودية].
[ ٤١٣ ]
الجوزجاني في " الموضوعات " وقال: «هَذَا حَدِيْثٌ بَاطِلٌ جَاءَ بِإِسْنَادٍ لاَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيِعَةِ».
وَيُجَابُ بأن عمل أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من أكابر الصحابة بالنقول الثابتة عنهم، وعمل من بعدهم من علماء السلف كاف عندنا للدلالة على ما نقول.
ولا شك في أنَّ أحاديث الآحاد بما حَفَّ بها من ظنون في طريق ثبوتها يجعلها في المرتبة الثانية بعد القرآن من حيث الثبوت، وأما من حيث الاجتهاد وفهم النصوص فلا بد من الرجوع إلى السُنَّةِ قبل تنفيذ نصوص القرآن، لاحتمال تخصيص السُنَّةِ لها أو تقييدها، أو غير ذلك من وجوه الشرح والبيان التي ثبتت لِلْسُنَّةِ، فهي من هذه الناحية متساوية مع القرآن من حيث مقابلة نصوصها بنصوصه والتوفيق بينهما، والجمع حين يظهر شيء من التعارض، وهذا لا ينازع فيه أحد مِمَّنْ يقول بِحُجِيَّةِ السُنَّةِ.
هَلْ تَسْتَقِلُّ السُنَّةُ بِالتَشْرِيعِ؟:
لا نزاع بين العلماء في أنَّ نصوص السُنَّةِ على ثلاثة أقسام:
أولًا: ما كان مُؤَيِّدًا لأحكام القرآن، موافقًا له من حيث الإجمال والتفصيل وذلك مثل الأحاديث التي تفيد وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم من غير تعرض لشرائطها وأركانها، فإنها موافقة للآيات التي وردت في ذلك، كحديث: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا».
فإنه موافق لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) ولقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) ولقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣)
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ٨٣].
(٢) [سورة البقرة، الآية: ١٨٣].
(٣) [سورة آل عمران، الآية: ٩٧].
[ ٤١٤ ]
ومثل قوله - ﷺ -: «لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلاَّ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسٍهِ»، فإنه موافق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)
ثانيًا - ما كان مُبَيِّنًا لأحكام القرآن من تقييد مُطْلَقٍ، أو تفصيل مُجْمَلٍ، أو تخصيص عام، كالأحاديث التي فَصَّلَتْ أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والبيوع والمعملات التي وردت مجملة في القرآن، وهذا القسم هو أغلب ما في السُنَّةِ، وأكثرها وُرُودًا.
ثالثًا - ما دَلَّ على حكم سكت عنه القراَن، فلم يوجبه ولم ينفه، كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجَمْعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وأحكام الشفعة، ورجم الزاني البكر المحصن وتغريب الزاني البكر، وإرث الجدة وغير ذلك.
ولا نزاع بين العلماء في القسمين الأولين، أي في وُرُودِهِمَا وثبوت أحكامهما وكونهما الغالب على أحاديث السُنَّةِ، إنما اختلفوا في الثالث - أي الذي أثبت أحكامًا لم يثبتها القرآن ولم ينفها - بأي طريق كان ذلك؟ أعن طريق الاستقلال بإثبات أحكام جديدة؟ أم عن طريق دخولها تحت نصوص القرآن ولو بتاويل؟ ذهب صاحب " الموافقات " وآخرون إلى الثاني، وذهب الجمهور إلى الأول، وسننقل لك عبارة الشافعي أولًا، ثم ننتقل بك إلى شرح هذا الخلاف.
قال الشافعي - ﵀ - (٢): «فَلَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مُخَالِفًا فِي أَنَّ سُنَنَ النَّبِيِّ - ﷺمِنْ ثَلاَثَةِ وُجُوهٍ، فَاجْتَمَعُوا مِنْهَا عَلَىَ وَجْهَيْنِ، وَالوَجْهَانِ يَجْتَمِعَانِ وَيَتَفَرَّعَانَ:
أَحَدُهُمَا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ نَصَّ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ رَسُولُ الْلَّهِ مَثَلُ مَا نَصَّ الكِتَابُ.
وَالآخَرُ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ جُمْلَةَ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ عَنْ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ.
_________________
(١) [سورة النساء، الآية: ٢٩].
(٢) " الرسالة ": ص ٩١.
[ ٤١٥ ]
وهذان الوجهان، اللذان لم يختلفوا فيهما.
والوجه الثالث: ما سَنَّ رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب.
١ - فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن يَسُنَّ فيما ليس فيه نص كتاب.
٢ - ومنهم من قال: لم يسن سُنَّةً قط إلا ولها أصل في الكتاب كما كانت سُنَّتُهُ لتبيين عدد الصلاة، وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سَنَّ من البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله تعالى قال: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) فما أَحَلَّ وَحَرَّمَ فإنما بَيَّنَ فيه عن الله كما بَيَّنَ الصلاة.
٣ - ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله فأثبتت سُنَّتَهُ بفرض الله.
٤ - ومنهم من قال: ألقي في روعه كل ما سَنَّ، وسُنَّتَهُ الحكمة التي ألقى في روعه عن الله فكان ما ألقي في روعه سُنَّتَهُ». اهـ.
وواضح أن مراده بالخلاف في القسم الثالث ليس الخلاف في وجوده بل في مخرجه، هل هو على الاستقلال بالتشريع كما قال أصحاب القول الأول والثالث والرابع؟ أم بدخوله ضمن نصوص القرآن كما قال أصحاب القول الثاني؟.
حُجَجِ القَائِلِينَ بِالاسْتِقْلاَلِ:
قالوا أولًا: إنه لا مانع عقلًا من وقوع استقلال السُنَّةِ بالتشريع ما دام رسول الله معصومًا عن الخطأ، ولله أن يأمر رسوله بتبليغ أحكامه على الناس من أي طريق، سواء كان بالكتاب أو بغيره، وما دام جائزًا عقلًا وقد وقع فصلًا باتفاق الجميع فلماذا لا نقول به؟.
_________________
(١) [سورة النساء، الآية: ٢٩].
(٢) [سورة البقرة، الآية: ٢٧٥].
[ ٤١٦ ]
قالوا ثانيًا: إنَّ النصوص الواردة في القرآن الدالة على وجوب اتباع الرسول وطاعته فيما يأمر وينهى لا تفرق بين السُنَّةِ المُبَيِّنَةِ أو المؤكدة أو المستقلة، إِنَّ في بعضها ما يفيد هذا الاستقلال مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١). وَالرَدُّ إلى الله هُوَ الرَدُّ إلى الكتاب، وَالرَدُّ إلى الرسول، هُوَ الرَدُّ إلىَ سُنَّتِهِ بعد وفاته.
وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (٢) وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول بطاعة الله فهو دال على طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه، وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مِمَّا جاء به مِمَّا ليس في القراَن، إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله.
وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣) الآية. فقد اخْتَصَّ الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - بشيء يطاع فيه، وذلك السُنَّةُ التي لم تأت في القرآن.
وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤)
وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)
وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦). والآية نزلت في قضاء رسول الله - ﷺ - للزبير بِالسَقْيِ قبل الأنصاري من شراج الحرة، وليس هذا الحكم في كتاب الله تعالى.
وهكذا كل أدلة القرآن تدل على أن ما جاء به الرسول، وكل ما أمر به ونهى عنه، فهو لاحق في الحكم بما جاء في القراَن فلا بد أن يكون
_________________
(١) [سورة النساء، الآية: ٥٩].
(٢) [سورة المائدة، الآية: ٩٢].
(٣) [سورة النور، الآية: ٦٣].
(٤) [سورة النساء، الآية: ٨٠].
(٥) [سورة الحشر، الآية: ٧].
(٦) [سورة النساء، الآية: ٦٥].
[ ٤١٧ ]
زائدًا عليه (١).
وقالوا ثالثًا: فقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على أن الشريعه تتكون من الأصلين معًا: الكتاب وَالسُنَّةُ، وأن في السُنَّةِ ما ليس في الكتاب، وأنه يجب الأخذ بما في السُنَّةِ من الأحكام كما يؤخذ بما في الكتاب، مثل قوله - ﷺ -: «يُوشِكُ بِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولُ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ، مَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ أَحْلَلْنَاهُ وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلاَ مَنْ بَلَغَهُ عَنِّي حَدِيثٌ فَكَذَّبَ بِهِ، فَقَدْ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِي حَدَّثَهُ» (٢).
وقد ذكرنا من قبل حديث «يُوشِكُ رَجُلُ مِنْكُمْ إلخ» وهذا دليل على أن في السُنَّةِ ما ليس في الكتاب (٣).
وقالوا رابعًا: لقد ثبت من قول عَلِيٍّ - ﵁ -، «مَاعِنْدَنَا إِلاَّ كِتَابَ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ إلخ» وجاء في حديث معاذ «بِمَاذَا تَحْكُمُ؟ قال: بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -»، وهو واضح في أن السُنَّةَ ما ليس في القرآن، وهو نحو قول من قال من العلماء: «تَرَكَ الكِتَابُ مَوْضِعًا لِلْسُنَّةِ، وَتَرَكَتْ السُنَّةُ مَوْضِعًا لِلْقُرْآنِ» (٤).
حُجَجُ المُنْكِرِينَ لِلاسْتِقْلاَلِ:
أما الآخرون فقد استدلوا لرأيهم بما عَبَّرَ عنه الشاطبي فيما يلي:
السُنَّةُ راجعة في معناها إلى الكتاب فهي تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره، وذلك لأنها بيان له، وهو الذي دَلَّ عليه قوله
_________________
(١) " الموافقات " للشاطبي: ٤/ ١٣، ١٤.
(٢) رواه الطبراني في " الأوسط " عن جابر، وأورده ابن عبد البر في " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٨٩.
(٣) " الموافقات " للشاطبي: ٤/ ١٥.
(٤) " الموافقات " للشاطبي: ٤/ ١٦، ١٧.
[ ٤١٨ ]
تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) فلا تجد في السُنَّةِ أمرًا إلا والقرآن قد دَلَّ على معنَاه دلالة إجمالية أو تفصيلية.
وأيضًا فكل ما دَلَّ على أن القرآن هو كلي الشريعة وينبوع لها فهو دليل على ذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) وفسرت عائشة ذلك بِأَنَّ خُلُقَهُ القراَن واقتصرت في خُلُقِهِ على ذلك، فَدَلَّ على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن، لأن الخُلُقَ محصور في هذه الأشياء، ولأن الله جعل القراَن تِبْيَانًا لكل شيء، فيلزم من ذلك أن تكون السُنَّةُ حاصلة فيه في الجملة لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب، ومثله قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤) وهوَ يريد إنزال القرآن.
فَالسُنَّةُ إذن في محصول الأمر بيان لما فيه، وذلك معنى كونها راجعة إليه، وأيضًا فالاستقراء التام دَلَّ على ذلك (٥).
وأجابوا عن حجج الفريق الأول بما خلاصته: إننا نَدَّعِي أَنَّ السُنَّةَ مُبَيِّنَةٌ للكتاب، وما ذكرتموه من الآيات التي توجب طاعة الرسول مع طاعة الله يقصد منها طاعة الرسول في بيانه وشرحه، فمن عمل وفق بيان الرسول - ﷺ -، فقد أطاع الله فيما أراد بكلامه، وأطاع رسوله في مقتضى بيانه، ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى في عمله على مخالفة البيان، إذ عمل خلاف ما أراد بكلامه وعصى رسوله في مقتضى البيان، فلم يلزم من إفراد الطاعنين تباين المطاع فيه بإطلاق، وإذًا فليس في الآيات دليل على أن ما في السُنَّةِ ليس في الكتاب، وما ذكروه من حُكْمِ الرسول للزبير ليس كما زعموا أنه لا وجود له في القرآن، بل هو داخل تحت
_________________
(١) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
(٢) [سورة القلم، الآية: ٤].
(٣) [سورة الأنعام، الآية: ٣٨].
(٤) [سورة المائدة، الآية: ٣].
(٥) " الموافقات " للشاطبي: ٤/ ١٢، ١٣.
[ ٤١٩ ]
حكامه ونصوصه، كما سيأتي في بيان اشتمال القرآن عَلَى السُنَّةِ، ونحن نُسَلِّمُ بوجود الأحكام الزائدة، ولكنها ليست زائدة زيادة شيء ليست في القراَن، بل هي زيادة الشرح على المشروح، وإلا لما كان شرحًا، وهذا ليس بزيادة في الواقع، وأجابوا عن حديث المقدام «يُوشِكُ إلخ». بأن في سنده زيد بن الحباب وقد قال فيه الإمام أحمد: «إِنَّهُ صَدُوقٌ كَثِيرُ الخَطَأِ»، وكذلك ابن حبان، وتكلم في أحاديث له رواها عن سفان الثوري، وقد تركه الشيخان لذلك.
الخِلاَفُ لَفْظِيٌّ:
ويتلخص الموقف بين الفريقين في أنهما متفقان على وجود أحكام جديدة في السُنَّةِ لم ترد في القراَن نصًا ولا صراحة، فالفريق الأول يقول: إن هذا هو الاستقلال في التشريع لأنه إثبات أحكام لم ترد في الكتاب. والفريق الثاني - مع تسليمه بعدم ورودها بنصها في القراَن - يرى أنها داخلة تحت نصوصه بوجه من الوجوه التي ستذكر فيما بعد، وعلى هذا فَهُمْ يقولون: إنه لا يوجد حديث صحيح يثبت حُكْمًا غير وارد في القراَن إلا وهو داخل تحت نَصٍّ أو قاعدة من قواعده، فإن وجد حديث ليس كذلك، كان دليلًا على أنه غير صحيح، ولا يصح أن يعمل به.
وأنت ترى أن الخلاف لفظي، وأن كُلًاّ منهما يعترف بوجود أحكام في السُنَّةِ لم تَثبُتْ في القراَن، ولكن أحدهما لا يُسَمِّي ذلك استقلالًا، والآخر يُسَمِّيهِ، والنتيجة واحدة.
[ ٤٢٠ ]
الطريقة الأولى:
الفَصْلُ الثَّانِي: كَيْفَ اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلَى السُنَّةِ:
إذا كانت السُنَّةُ مُبَيِّنَةً للقرآن، وإذا كان القرآن قد دَلَّ على كل ما في السُنَّةِ إجمالًا وتفصيلًا على رأي الشاطبي، ومن وافقه، أخذًا بقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) وبقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) فعلى أي وجه تم ذلك، مع أننا نرى أحكامًا كثيرة لم ترد في الَقرآن؟.
هنا يختلف العلماء في بيان ذلك على خمسة طرق:
الطَّرِيقَةُ الأُولَى: أن القراَن دَلَّ على وجوب العمل بِالسُنَّةِ، فكل عمل بما جاءت به السُنَّةُ عمل بالقرآن، وهذه الطريقة كما ترى طريقة عامة، ومِمَّنْ أخذ بها عبد الله بن مسعود، فقد رُوِيَ أن امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»، فَقَالَ: «وَمَا لِي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ»، فَقَالَتْ المَرْأَةُ: «لَقَدْ قَرَأْتُ بَيْنَ لَوْحَيْ المُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ»، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَوَجَدْتِيهِ، قَالَ اللهُ - ﷿ -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) [الحشر: ٧]».
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، رَأَى مُحْرِمًا عَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: «ائْتِنِي بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَنْزِعُ [بِهَا] ثِيَابِي، فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية» (٤).
_________________
(١) [سورة النحل، الآية: ٨٩].
(٢) [سورة الأنعام، الآية: ٣٨].
(٣) " الموافقات ": ٤/ ٢٤ و" جامع بيان العلم ": ٢/ ١٨٨.
(٤) " الموافقات ": ٤/ ٢٥ و" جامع بيان العلم ": ٢/ ١٨٩.
[ ٤٢١ ]
الطريقة الثانية:
وَرُوِيَ أَنَّ طَاوُسًا كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «اتْرُكْهُمَا». فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَى عَنْهُمَا أَنْ يُتَّخَذَا سُنَّةً»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلاَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلاَ أَدْرِي أَتُعَذَّبُ عَلَيْهِمَا أَمْ تُؤْجَرُ؟ لأَنَّ اللَّهَ - ﷿ - قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٦] (١).
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: وهي الطريقة المشهورة عند العلماء أن الكتاب مُجْمَلٌ وَالسُنَّةُ مُفَصِّلَةٌ لَهُ، كالأحاديث الواردة في بيان ما أُجْمِلَ ذكره من الأحكام، إما بحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه، أو موانعه أو لواحقه أو ما أشبه ذلك، فبيانها للصلوات على اختلافها في مواقيتها وركوعها وسجودها وسائر أحكامها، وبيان الزكاة في مقاديرها وأوقاتها ونصب الأموال المزكاة، وبيان أحكام الصوم مِمَّا لا نص عليه في القرآن، وكذلك أحكام الحج والذبائح والأنكحة وما يتعلق بها، والبيوع وأحكامها، والجنايات من القصاص وغيره، مِمَّا وقع بيانًا لما أُجْمِلَ في القراَن، وهو الذي يظهر دخوله تحت قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢).
وَرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ!! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، لاَ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ؟» ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ الصَّلاَةَ وَالزَّكَاةَ وَنَحْوِ هَذَا. ثُمَّ قَالَ: «أَتَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْهَمَ هَذَا وَإِنَّ السُنَّةَ تُفَسِّرُ ذَلِكَ» (٣).
وَقِيلَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ: «وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ بِالْقُرْآنِ بَدَلًا، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنَّا» (٤).
_________________
(١) " الموافقات ": ٤/ ٢٥.
(٢) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
(٣) " الموافقات ": ٤/ ٢٦، و" جامع بيان العلم ": ٢/ ١٩١.
(٤) المصدر السابق.
[ ٤٢٢ ]
الطريقة الثالثة:
الطريقة الرابعة:
وَمِنْ هُنَا قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «الْكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُنَّةِ إِلَى الْكِتَابِ».
قَالَ - ابن عبد البر - (١): «يُرِيدُ أَنَّهَا تَقْضِي عَلَيْهِ وَتُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ».
وَسُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَى أَنَّ السُّنَّةَ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، فَقَالَ: «مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إِنَّ السُنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ» (٢).
الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: وهي النظر إلى المعاني الكلية التي يقصدها التشريع القرآني في مختلف نصوصه، وأن ما في السُنَّةِ من أحكام لا يعدو هذه المقاصد والمعاني.
وتفصيل ذلك أن القرآن جاء بتحقيق السعادة للناس في حياتهم الدنيا والأخرى، وجماح السعادة في ثلاثة أشياء:
١ - الضروريات: وهي حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل.
٢ - الحاجيات: وهي كل ما يُؤَدِّي إلى التوسعة ورفع الضيق والحرج كإباحة الفطر في السفر أو المرض.
٣ - التحسينيات: وهي ما يتعلق بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
هذه الأمور الثلاثة ومكملاتها قد جاء بها القرآن الكريم أصولًا يندرج تحتها كل ما في القرآن من أحكام، وقد جاءت بها السُنَّةُ تفريعًا عن الكتاب وتفصيلًا لما ورد فيه منها (٣). فجميع نصوص السُنَّة ترجع بالتحليل إلى هذه الأصول الثلاثة.
الطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ: أن القرآن قد ينص على حُكْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ ويكون هنالك ما فيه شبه بكل واحد منهما، فتأتي السُنَّةُ وتلحقه بأحدهما أو تعطيه
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٩١.
(٢) المصدر السابق في " جامع بيان العلم "، وفي" الموافقات ": ٤/ ٢٦ نقلًا عن ابن عبد البر في "جامع بيان العلم ".
(٣) انظر تفصيل ذلك في " الموافقات ": ٤/ ٢٧ - ٣٢.
[ ٤٢٣ ]
حُكْمًا خَاصًًّا يناسب الشبهين، وقد ينص القرآن على حكم بشيء لِعِلَّةٍ فيه فيلحق به الرسول - ﷺ - ما وجدت فيه العلة، عن طريق القياس.
أَمْثِلَةٌ لِلْحُكْمَيْنِ المُتَقَابِلَيْنِ:
١ - إن الله أحل الطيبات وحرم الخبائث، فبقيت هنالك أشياء لا يدرى. أهي من الطيبات أم من الخبائث، فَبَيَّنَ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أنها ملحقة بإحداهما، فنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية، كَمَا أَلْحَقَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - الضَبَّ وَالحُبَارَى وَالأَرْنَبَ وَأَشْبَاهَهُمَا بِالطَيِّبَاتِ.
٢ - أحل الله صيد البحر فيما أحل من الطيبات، وَحَرَّمَ الميتة فيما حَرَّمَ من الخبائث فدارت ميتة البحر بين الطرفين أشكل حكمها، فقال - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (١) وقال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَان، أَمَّا المَيْتَتَانِ فَالسَمَكُ والجَرَادُ، وَأَمَّا الدَمَانِ فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (٢).
٣ - حَرَّمَ الله الميتة وأباح المذكاة، فدار الجنين الخارج من بطن المذكاة ميتًا بين الطرفين فاحتملهما، فقال - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - في الحديث: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» (٣). تَرْجِيحًا لجانب الجزئية على جانب الاستقلال.
أَمْثِلَةٌ لِمَا أُعْطِيَ حُكْمًا خَاصًّا بَيْنَ شَبَهَيْنِ:
١ - أحل الله النكاح وملك اليمين، وَحَرَّمَ الزِّنَى، وسكت عن النكاح المخالف للشرع، فإنه ليس بنكاح محض ولا سفاح محض، فجاء في السُنَّةِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا» (٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود والنَسَائي والترمذي وابن ماجه.
(٢) أخرجه ابن ماجه والحاكم والبيهقي من رواية ابن عمر.
(٣) رواه أبو داود والحاكم والترمذي وحسَّنَهُ، وابن ماجه وابن حبان والدارقطني.
(٤) رواه أبو داود والترمذي باختلاف يسير في بعض ألفاظه.
[ ٤٢٤ ]
٢ - جعل الله النفس بالنفس، وَأَقَصَّ من الأطراف بعضها من بعض، أما في الخطأ: ففي القتل الدية، وفي الأطراف دية بَيَّنَتْهَا السُنَّةُ، فأشكل بينهما الجنين إذا أسقطته أمُّهُ بضربة من غيرها، فإنه يشبه جزء الإنسان كسائر الأطراف، ويشبه الإنسان التام لخلقته، فَبَيَّنَتْ السُنَّةُ أن ديته الغرة (١) وأن له حكم نفسه لعدم تمحض أحد الطرفين له.
أَمْثِلَةٌ لِلإِلْحَاقِ عَنْ طَرِيقِ القِيَاسِ:
١ - حَرَّمَ اللهُ الربا، وقد كان ربا الجاهلية هو فسخ الدَيْن بِالدَيْنِ، يقول الطالب إما أن تقضي وإما أن تُرْبِي، ولما كانت العلة فيه إنما هو من أجل كونه زيادة من غير عوض، ألحقت به السُنَّةُ كل ما فيه زيادة في بذلك المعنى. ؤقال - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٢).
٢ - حَرَّمَ اللهُ الجمع بين الأختين في النكاح، وجاء في القرآن: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣) فَجَاءَ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - عَنْ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا من باب القياس، لأن المعنى الذي لأجله ذم الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مَوْجُودٌ هُنَا، وهو ما عَبَّرَ عنه في الحديث: «فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ» والتعليل يشعر بوجه القياس.
٣ - حَرَّمَ الله من الرضاعة الأمهات والأخوات، فَأَلْحَقَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بهاتين - عن طريق القياس - سائر القرابات من الرضاعة اللاتي يَحْرُمْنَ من النسب، كَالعَمَّةِ وَالخَالَةِ وبنت الأخ وبنت الأخت وأشباه ذلك،
_________________
(١) الغرة عبد أو أمة والحديث أخرجه الستة.
(٢) هذا حديث مشهور روته جميع كُتُبِ السُنَّةِ بألفاظ متقاربة، وما ذكرناه هنا هو رواية " مسلم " و" أبي داود " و" أحمد " وغيرهم.
(٣) [سورة النساء، الآية: ٢٤].
[ ٤٢٥ ]
الطريقة الخامسة:
فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ» (١).
الطَّرِيقَةُ الخَامِسَةُ: إرجاع كل ما في السُنَّةِ من الأحكام الفصيلية إلى الأحكام التفصيلية الموجودة في القرآن، ومن أمثلته:
١ - طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ زَوْجَهُ وَهِيَ حَاِئضٌ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَلاَمُ - لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (٢) يعني أمره في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣)
٢ - حديث فاطمة بنت قيس (٤) في " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةً إِذْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا البَتَّةَ " - وشأن المبتوتة أن لها سكنى وإن لم يكن لها نفقة - لأنها بذَتْ (٥) على أهلها بلسانها، فكان ذلك تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٦) (*).
٣ - حديث سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ إذ وَلَدَتْ بعد وفاة زوجها بنصف شهر، فأخبرها - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أن قد حَلَّتْ (٧) فبيَّن الحديث أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٨) مخصوص في غير الحامل، وأن قوله تعالى: ﴿وَأُولاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٩) عام في المطلقات وغيرهن.
وهذا النمط في السُنَّةِ كثير، لكن نصوص القرآن لا تفي بهذا المقصود
_________________
(١) أخرجه مسلم والترمذي والنسائي والشافعي بألفاظ متقاربة.
(٢) أخرجه الستة باختلاف في بعض ألفاظه.
(٣) [سورة الطلاق، الآية: ١].
(٤) أخرجه الستة إلا البخاري.
(٥) تقدم تعليل عائشة - ﵂ - بغير ذلك.
(٦) [سورة الطلاق، الآية: ١].
(٧) أخرجه الستة إلا أبا داود.
(٨) [سورة البقرة، الآية: ٢٣٤].
(٩) [سورة الطلاق، الآية: ٤]. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [سورة الطلاق، الآية: ١]، [ذكرت في طبعتي (المكتب الإسلامي) و(دار الوراق] خطأ = النساء: ١٩]. فآية سورة النساء وردت كالآتي: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٩].
[ ٤٢٦ ]
بحيث تتسع لكل أحكام السُنَّةِ مع التزام جانب الدقة، وإمكان تحمل النص ذلك حسب البيان العربي والإثارة العربية، قال الشاطبي: «وَأَوَّلُ شَاهِدٍ فِي هَذَا - أَيْ تَعَذُّرُ ذَلِكَ فِيْ كُلِّ النُّصُوصِ - الصَّلاَةِ وَالحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَاللُّقَطَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِسَامَاتِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ لاَ تُحْصَىَ، فَالمُلْتَزِمَ لِهَذَا لاَ يَفِي بِمَا ادَّعَاهُ إِلاَّ أَنْ يَتَكَلَّفَ فِي ذَلِكَ مَآخِذَ لاَ يَقْبَلُهَا كَلاَمُ العَرَبِ، وَلاَ يُوَافِقُ عَلَى مِثْلِهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ وَلاَ العُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (١).
هذه هي أهم المسالك التي سلكها العلماء للبرهان على احتضان القرآن لِلْسُنَّةِ وانضوائها تحت رايته.
ومنها كما رأيت مسالك عامة لا تدل إلا على أن القرآن دَلَّ على وجوب العمل بها.
ومنها:- ما لا ينفرد وحده بسلك جميع أحكام السُنَّةِ في الطريق الذي اختاره.
ومنها:- ما يتسع لذلك.
والأولى أن تجعل كلها طُرُقًا يتمم بعضها بعضًا، ولا شك أن مجموعها كفيل بإرجاع جميع أحكام السُنَّةِ - حتى التي أتت بأحكام جديدة - إلى نصوص القرآن، وبذلك يتم تفسير قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) على أحسن وجه وأدق بيان.
قِصَصُ السُنَّةِ:
بقي مِنَ السُنَّةِ ما خرج مخرج القِصَصِ والأمثال والمواعظ، وهذه منها
ما يكون تفسيرًا لما ورد في القرآن كالأحاديث الواردة في تفسير قوله
_________________
(١) " الموافقات ": ٤/ ٥٢.
(٢) [سورة الأنعام، الآية: ٣٨].
[ ٤٢٧ ]
تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (١) قال: «دَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ» (٢) وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٣) قال: «قَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ» (٤) وأمثال ذلك.
ومنها ما لا يقع موقع التفسير، وليس فيه تكليف باعتقاد ولا عمل، فلا يلزم أن يكون له أصل في القرآن، ومع هذا فهو جَارٍ مجرى القصص القرآني في الاعتبار من حيث الترغيب والترهيب فيعود إلى القسم الأول، وذلك كقصة الأقرع والأبرص والأعمى، وحديث جُرَيْجٍ العابد، والثلاثة الذين التجأوا إلى الغار وغيرها.
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ٥٨] و[سورة الأعراف، الآية: ١٦١].
(٢) أخرجه " البخاري " و" الترمذي ".
(٣) [سورة البقرة، الآية: ٥٩].
(٤) أخرجه " البخاري " وغيره.
[ ٤٢٨ ]
الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي نَسْخِ السُنَّةِ بِالقُرْآنِ وَالقُرْآنُ بِالسُنَّةِ:
النَّسْخُ فِي القُرْآنِ:
لا خلاف بين العلماء في جواز نسخ الكتاب بالكتاب، إلا ما روي عن أبي مسلم الأصفهاني من إنكاره وجود النسخ في القرآن، ولتحقيق ذلك موضع غير هذا الكتاب.
ولا خلاف بينهم أيضًا في نسخ السُنَّةِ بِالسُنَّةِ، فإن كانت متواترة يشترط في نَسْخِها أن يكون الناسخ متواترًا، وإن كانت آحادًا تنسخ بآحاد أو متواتر، ويمثلون لذلك بأحاديث كثيرة، منها: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلاَ فَزُورُوهَا» (١).
واختلفو افي موضعين اثنين:
الأول: في نسخ السُنَّة بالكتاب.
والثاني: في نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ.
ونحن نوجز القول فيهما، تاركين التفصيل لمن أراد ذلك في موضعه من كتب الأصول.
نَسْخُ السُنَّةِ بِالكِتَابِ:
أ - قال الجمهور: اٍنَّ ذلك جائز، وقد وقع فعلًا، ومثَّلوا لذلك بأمثلة
_________________
(١) رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه بألفاظ متقاربة.
[ ٤٢٩ ]
عدة:
منها نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، فمن المعلوم أن المُسْلِمِينَ والنَّبِيُّ - ﷺ - صَلُّوا - أول هجرتهم إلى المدينة - مدة بضعة عشر شهرًا متجهين إلى بيت المقدس، وليس في ذلك نص من القرآن، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) ومن ذلك ما تم في عقد صلح الحديبية من وجوب إرجاع المُسْلِمِينَ إلى قريش من جاءهم مسلمًا. ثم نسخ ذلك بالنسبة للنساء، فلم يُجِزْ إرجاع المهاجرات
المؤمنات إلى كفار قريش خشية فِتْنَتَهُنَّ عن دينهن وكرامتهن، وقد كان هذا النسخ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ. اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢).
ومن أمثلة هذا شيء كثير.
ب - وقال الشافعي - ﵀ -: «لاَ تُنْسَخُ السُنَّةُ بِالقُرْآنِ».
وَعَلَّلَ له بعضهم: بأن نسخ القرآن بِالسُنَّةِ قد يفسره أعداء الرسول بأن الله لم يرض حكم رسوله فأبدله. وهذا كلام غير وارد ولا يخطر في بال مسلم.
والصحيح ما عَلَّلَ به الشافعي نفسه ذلك حيث قال في " الرسالة ":
«وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ لاَ يَنْسَخُهَا إِلاَّ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ، وَلَوْ أَحْدَثَ اللهُ لِرَسُولِهِ فِيْ أَمْرٍ سَنَّ فِيهِ غَيْرَ مَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ، لَسَنَّ فِيمَا أَحْدَثَ اللهُ إِلَيْهِ حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْنَّاسِ أَنَّ لَهُ سُنَّةً نَاسِخَةً لِلَّتِي قَبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا، وَهَذَا مَذْكُوْرٌ فِي سُنَّتِهِ - ﷺ -» ثم استدل لرأيه هذا فقال:
«وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ثُمَّ نَسِخَ سُنَّتَهُ بِالْقُرْآنِ وَلاَ يُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ السُنَّةُ النَّاسِخَةُ جَازَ أَنْ يُقَالَ فِيمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ مِنَ البُيُوعِ كُلِّهَا: قَدْ
يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَرَّمَهَا قَبْلَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ١٤٤].
(٢) [سورة الممتحنة، الآية: ١٠].
[ ٤٣٠ ]
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) وَفِيمَنْ رُجِمَ مِنْ الزُّنَاةِ: قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجْمُ مَنْسُوخًا، لِقَوْلِ اللهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢).
وَفِيْ الْمَسْحِ عَلَىَ الخُفَّيْنِ: نَسَخَتْ ايَةٌ الْوُضُوءِ الْمَسْحَ، وَجَازَ أَنْ يُقَالَ: لاَ يَدْرَأُ عَنْ سَارِقِ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَسَرِقَتُهُ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، لِقَوْلِ اللهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣) (*) لأَنَّ اسْمَ السَّرِقَةِ يَلْزَمُ مَنْ سَرَقَ قَلِيْلا وَكَثِيرًا، وَمِنْ حِرْزٍ وَمِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَلَجَازَ رَدَّ كُلِّ حّدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِأَنْ يُقَالَ: لَمْ يَقُلْهُ، إِذَا لَمْ يَجِدْهُ مِثْلَ التَّنْزِيلِ، وَجَازَ رَدَّ السُّنَنِ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَتُرِكَتْ كُلُّ سُنَّةٍَ مَعَهَا كِتَابٌ جُمْلَةً تَحْتَمِلُ سُنَّتَهُ أَنْ تُوَافِقَهُ وَهِيَ لاَ تَكُوْنَ أَبَدًا إِلاَّ مُوَافَقَةً لَهُ، إِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ خِلاَفُ اللَّفْظِ فِي التَّنْزِيلِ بِوَجْهٍ، أَوْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِيْ اللَّفْظِ عَنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي اللَّفْظِ فِيْ التَّنْزِيلِ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًاُ أَنْ يُخَالِفَهُ مِنْ وَجْهِهِ وَكِتَابُ اللهِ وَسُنَّةَِ رَسُولِهِ تَدُلُّ عَلَىَ خِلاَفِ هَذَا الْقَوْلِ، وَمُوَافَقَةً مَا قُلْنَاهُ» (٤)
هذا وَمُحَقِّقُو علماء الشافعية مع الجمهور، وقد اعتذروا عن موقف الشافعي بإجابات مختلفة.
نَسْخُ الكِتَابِ بِالسُنَّةِ:
هناك رأيان بين العلماء:
(أ) قال الحَنَفِيَّةُ: يجوز نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ المتواترة والمشهورة، ولا ينسخ بحديث الآحاد:
وَحُجَّتُهُمْ في ذلك أن المتواتر قطعي الثبوت كالقرآن، والمشهور قد اكتسب من القوة نظرًا لاشتهاره في أيدي العلماء، وعمل الفقهاء به ما يلحقه بالمتواتر، وكل منهما وَحْيٌ غير مَتْلُوٍّ، فجاز نسخ الكتاب بهما.
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ٢٧٥].
(٢) [سورة النور، الآية: ٢].
(٣) [سورة المائدة، الآية: ٣٨].
(٤) " الرسالة ": تحقيق المرحوم الشيخ أحمد محمد شاكر: ١٠٨ - ١١٣. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [سورة المائدة، الآية: ٣٨]. [ورد في ترقيم الآية ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ خطأ (٢٨) في طبعة المكتب الإسلامي سابقًا وتكرر في طبعة الوراق أيضًا بينما رقمها الصحيح ٣٨].
[ ٤٣١ ]
وَمَثَّلُوا لذلك بنسخ الكتاب بخبر المسح على الخفين (١) وهو شهور، وبنسخ وجوب الوصية الوارد في الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) بحديث «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». وهو حديث مشهور معمول به لَدى جماهير العلماء حتى ادعى الشافعي في " الأُمِّ " أنه متواتر، فيما نقله عنه ابن حجر في " الفتح ".
(ب) وقال الجمهور: لا يجوز نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ: سواء كانت متواترة أو مشهورة أو آحادًا، وقد استدل الشافعي - ﵀ - لقول الجمهور بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٣) وَالسُنَّةُ ليست مثل القرآن ولا خيرًا منه، وبقولَه: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٤) فدل ذلك على أنه متبع لكل مَا يوحى إليه، ولم يكن مُبَدِّلًا لشيء منه، والنسخ تبديل.
وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥) فاخبر أنه مُبَيِّنٌ لما هو المنزل حتى يعمل الناس بالمنزل بعد ما تبين لهم ببيانه، وفي تجويز نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ رفع هذا الحكم لأن العمل حينئذ يكون بالناسخ، فإذا كان الناسخ مِنَ السُنَّةِ لا يكون العمل به عملًا بِالمُنَزَّلِ.
وأيضًا فمنع نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ أقرب إلى صيانة رسول اللهِ - ﷺ - عن طعن الطاعنين فيه، وبالاتفاق يجب المصير في باب بيان أحكام الشرع إلى طريق يكون أبعد عن الطعن فيه، وذلك أنه إذا جاز منه أن يقول ما هو مخالف لِلْمُنَزَّلِ في الظاهر على وجه النسخ له، فالطاعن يقول: هو أول قائل وأول عامل بخلاف ما يزعم أنه أنزل إليه، فكيف يعتمد قوله فيه؟ وإذا
_________________
(١) ذكره السرخسي في " أصوله ": ٢/ ٦٧ نقلًا عن الكرخي عن أبي يوسف.
(٢) [سورة البقرة، الآية: ١٨٠].
(٣) [سورة البقرة، الآية: ١٠٦].
(٤) [سورة يونس، الآية: ١٥].
(٥) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
[ ٤٣٢ ]
ظهر منه قول ثم قرأ ما هو مخالف لما ظهر منه من القول فالطاعن يقول: قد كذبه ربه فيما قال فكيف نصدقه؟ وإلى هذا أشار الله بقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (١) ثم نفى عنه هذا الطعن بقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٢) ففي هذا بيان أنه ليس في نسخ الكتاب بالكتاب تعريضه للطعن، وفي نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ تعريضه للطعن من الوجه الذي قاله الطاعنون، فيجب سَدُّ هذا الباب لعلمنا أنه مصون عما يوهم الطعن فيه» (٣).
ولا شك في أن رأْيَ الجمهور أقرب إلى الحق، ويظهر أنا لا نجد بالتأكيد سُنّةً نسخت قُرْآنًا، وما ذكره الحَنَفِيَّةُ من المسح على الخفين والوصية للوارث ليسا من هذا القبيل، فالنزاع - في رأيي - من حيث الجواز أو عدمه، لا من حيث الوقوع، فإن ما ادعاه الحَنَفِيَّةُ من وقوع ذلك، لا يسلم لهم أنه كان من طريق السُنّةِ، وبالتأمل في الأدلة التي أوردوها لذلك، يبدو الناظر مجال للأخذ والرد الكثيرين.
وبعد: فبهذا يتم - بحمد الله - ما أردناه من البحث حول السُنّةِ وجمعها وجهود العلماء لتنقيتها من الدخيل والطارئ، وأنزلنا ما لحق بها من شبه في القديم والحديث، وَبَيَنَّا مرتبتها في التشريع وعلاقتها بالقرآن الكريم.
ونحن نختم ذلك بخاتمة موجزة عن موقف الأئمة الأربعة مِنَ السُنَّةِ، وبيان مكانتهم فيها، مع ذكر تراجم موجزة لأصحاب الكتب الستة، وفذلكة صغيرة عن كل كتاب.
_________________
(١) [سورة النحل، الآية: ١٠١].
(٢) [سورة النحل، الآية: ١٠٢].
(٣) " أصول " السرخسي: ٢/ ٦٧، ٦٨ وانظر " الرسالة " للشافعي: ١٠٦ - ١٠٨.
[ ٤٣٣ ]
الخَاتِمَةُ:
فِي الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِ الكُتُبِ السِتَّةِ:
[ ٤٣٥ ]
١ - الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: ٨٠ - ١٥٠ هـ
نَسَبُهُ وَعُمْرُهُ:
هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى، أقدم الأئمة الأربعة مولدًا، وأكثرهم بين المُسْلِمِينَ أَتْبَاعًا، ولد بالكوفة، واختلف في سَنَةِ مولده على ثلاثة أقوال، قيل: سنة ٦٣ هـ، وقيل: سنة ٧٠، وقيل سنة ٨٠، والمشهور هو الثالث، وإن كان بعض الباحثين رَجَّحَ الرواية الثانية لنقول وروايات، ترجح لديه العمل بها (١). وتوفي ببغداد سنة ١٥٠ هـ، وقبره لا يزال هناك معروفًا يُزَارُ في حي مسمى باسمه وهو «الأعظمية» نسبة إلى الإمام الأعظم.
نَشْأَتُهُ وَمَدْرَسَتُهُ:
نشأ بالكوفة، وقد كانت من أكبر الأمصار الإسلامية في ذلك العصر وأحفلها بالعلماء من كل فئة، وأشهرها بأئمة اللغة من نحو وصرف وأدب وغيرها، درس علم الكلام أولًا حتى برع فيه، وبلغ فيه مبلغًا يشار إليه بالأصابع، ثم التحق بحلقة حماد شيخ فقهاء الكوفة، وتتصل حلقة حماد بعبد الله بن مسعود، إذ هو تلقى العلم عن إبراهيم النخعي الذي تلقاه عن علقمة بن قيس الذي تلقاه عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، ثم مازال يداوم على حضور حلقة شيخه حماد حتى توفي (١٢٠)، فاتفق رأي تلامذته على استخلاف أبي حنيفة مكانه، فانتهت إليه رئاسة مدرسة الكوفة
_________________
(١) منهم ابن حبان، واقتصر على ذلك في كتابه " الضعفاء "، وانظر " تأنيب الخطيب " ص ١٩ فما بعدها.
[ ٤٣٧ ]
التي عرفت بمدرسة الرأي، وأصبح إمام فقهاء العراق غير منازع، وسارت بذكره الركبان، واجتمع مع أشهر علماء عصره، بالبصرة ومكة والمدينة، ثم ببغداد بعد أن بناها المنصور، وناقشهم واستفاد منهم واستفادوا منه، وما زالت شهرته تتسع حتى غدت حلقته مجمعًا علميًا يجتمع فيها كبار المُحَدِّثِينَ كعبد الله بن المبارك، وحفص بن غياث، مع كبار الفقهاء كأبي يوسف
ومحمد وزفر والحسن بن زياد، مع كبار الزُهَّادِ وَالعُبَّادِ كالفضيل بن عياض وداود الطائي، وما زال قائمًا بأمانة العلم مع الاجتهاد في العبادة والاستقامة في المعاملة والزهد في الدنيا، والنصيحة لله ولرسوله وللمسلمين حتى لحق بربه راضيًا مرضيًا.
أُصُولُ مَذْهَبِهِ:
أَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنَ الضُّرَيْسِ (*)، يَقُولُ: شَهِدْتُ الثَّوْرِيَّ وَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا تَنْقِمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ؟: قَالَ: وَمَا لَهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «آخُذُ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَمَا لَمْ أَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فِي كِتَابِ اللهِ وَلاَ سُنَّةَ رَسُولِهِ، وَلاَ سُنَّةٍ أَخَذْتُ بِقَوْلِ أَصْحَابِهِ، آخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ، وَأَدَعُ قَوْلَ مَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ، وَلاَ أَخْرُجُ مِنْ قَوْلِهِمْ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ، أَمَا إِذَا انْتَهَى الأَمْرُ أَوْ جَاءَ الأَمْرُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - وَعَدَّدَ رِجَالًا - فَقَوْمٌ اجْتَهَدُوا، وَأَجْتَهِدُ كَمَا اجْتَهَدُوا» (١) (**).
وفي رواية: «فَمَا لَمْ أَجِدْهُ فِيهِ أَخَذْتُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَالآثار الصِّحَاحِ عَنْهُ الَّتِي فَشَتْ فِي أَيْدِي الثِّقَاتِ [عَنِ الثِّقَاتِ]» إلخ.
أما اجتهاده فيما لم يكن فيه نص من كتاب ولا سُنَّةٍ ولا قول صحابة، فقد كان مرجعه إلى القياس، ومن أنواع القياس عنده الاستحسان الذي فسر بأنه قياس خفي في مقابلة قياس جَلِيٍّ.
الضَجَّةُ الكُبْرَى حَوْلَهُ:
تلك هي أصول مذهبه العامة في الفقه والاجتهاد، وهي كما ترى أصول تتفق مع أصول الأئمة، وخاصة الأئمة الثلاثة الآخرين، وكان من
_________________
(١) " مفتاح الجنة " للسيوطي: ص ٣٤. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [ورد في كلا الطبعتين (طبعة المكتب الإسلامي وطبعة دار الوراق، ص: ٤٣٨) يحيى بن خريس وهو خطأ وإنما هو يَحْيَى بْنُ الضُّرَيْسِ]. (**) [انظر أيضا " المدخل إلى السنن الكبرى " للبيهقي، تحقيق الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي: ١/ ٢٠٣، حديث رقم ٢٤٥، نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت].
[ ٤٣٨ ]
حق أبي حنيفة أن يمر اسمه في التاريخ عبقًا عاطرًا مُجْمَعًا على جلالته وعظيم خدماته للإسلام، بما وَطَّدَ من أركان الفقه وما أخرج للدنيا من علماء أَجِلاَّءَ، ولكنا نرى هذا الإمام قد أثيرت في عصره ضجة كبرى حوله، كما استمرت هذه الضجة بعد وفاته، وانقسم الناس في أمره بين معترف بفضله، مُذْعِنٍ لعلمه، مُقِرٍّ بإمامته وهؤلاء هم جمهور المُسْلِمِينَ وبين حاقد عليه يَنَفِّرُ الناس عنه وعن فقهه، ويسيئ الظن به وبأصحابه، فما هو سر ذلك يا ترى؟ ومن هم هؤلاء الطاعنون؟
أَسْبَابُ هَذِهِ الضَجَّةِ:
١ - إن أبا حنيفة كان أول من توسع في استنباط الفقه من أئمة عصره، وفي تفريع الفروع على الأصول، وافتراض الحوادث التي لم تقع، وقد كان العلماء من قبله يكرهون ذلك، ويرون فيه ضياعًا للوقت ومشغلة للناس فيما لا فائدة فيه، وَقَدْ كَانَ زَيْدٌ بْنُ ثَابِتٍ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لا يَقُوْلُ: «هَلْ وَقَعَتْ؟» فَإِنْ قَالُوا: لاَ، قَالَ: «ذَرُوهَا حَتَّى تَقَعَ» أما أبو حنيفة فكان يرى غير ذلك إذ وظيفة المجتهد تمهيد الفقه للناس والحوادث وإن لم تكن واقعة زمن المجتهد لكنها ستقع، وإليك ما يعبر عن وجهة نظره كما ذكر الخطيب (١).
«عندما نزل قتادة الكوفة قام إليه أبو حنيفة، فقال له: " يَا أَبَا الخَطَّابِ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ غَابَ عَنْ أَهْلِهِ أَعْوَامًا، فَظَنَّتْ امْرَأَتَهُ أَنْ زَوْجَهَا مَاتَ، فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ رَجَعَ زَوْجُهَا الأَوَّلُ، مَا تَقُولُ فِيْ صَدَاقِهَا؟ " وَكَانَ أَبُوْحَنِيفَةَ قَدْ قَالَ لأَصْحَابِهِ الذِينَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ: " لَئِنْ حَدَّثَ بِحَدِيْثٍ لَيَكْذِبَنَّ، وَلَئِنْ قَالَ بِرَأْيِ نَفْسِهِ لِيُخْطِئَنَّ ". فَقَالَ قَتَادَةُ: " وَيْحَكَ أَوْقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ؟ " قَالَ:" لاَ ". قَالَ: " فَلَمْ تَسْأَلْنِيْ عَمَّا لَمْ يَقَعْ؟ " قَالَ أَبُوْ حَنِيْفَةُ: " لِنَسْتَعِدَّ لِلْبَلاَءِ قَبْلَ نُزُوْلِهِ، فَإِذَا مَا وَقَعَ، عَرَفْنَا الدُّخُولَ فِيهِ وَالخُرُوجَ مِنْهُ "».
وقد عُرِفَتْ مدرسة أبي حنيفة بمدرسة (الأَرَأَيْتِيِّينَ) أي: الذين
_________________
(١) " تاريخ بغداد ": ١٢/ ٣٤٨.
[ ٤٣٩ ]
يفترضون الوقائع بقولهم: (أَرَأَيْتَ لَوْ حَصَلَ كَذَا؟ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ كَذَا؟) فقد سأل مالكًا - ﵀ - بعض تلاميذه يومًا عن حكم مسألة فأجابه، فقال تلميذه: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ كَذَا»؟ فغضب مالك وقال: «هَلْ أَنْتَ مِنَ الأَرَأَيْتِيِّينَ، هَلْ أَنْتَ قَادِمٌ مِنَ العِرَاقِ؟».
أخرج ابن عبد البر عن مالك قال: «أَدْرَكْتُ أَهْلَ هَذِهِ الْبِلاَدِ وَإِنَّهُمْ لَيَكْرَهُونَ هَذَا الإِكْثَارَ الَّذِي فِي النَّاسِ الْيَوْمَ»، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: «يُرِيدُ الْمَسَائِلَ».
وَقَالَ مَالِكٌ: «إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُفْتُونَ بِمَا سَمِعُوا وَعَلِمُوا، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْكَلاَمُ الَّذِي فِي النَّاسِ الْيَوْمَ».
وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ شِهَابٍ: «أَكَانَ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟» قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَدَعْهُ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ أَتَى اللَّهُ ﷿ لَهُ بِفَرَجٍ» (١).
وَأَخْرَجَ بِسَنَدِهِ إِلَى الشَّعْبِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ فِي العِرَاقِ: «وَاللَّهِ لَقَدْ بَغَّضَ هَؤُلاَءِ الْقَوْمُ إِلَيَّ الْمَسْجِدَ حَتَّى لَهُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ كُنَاسَةِ دَارِي» قُلْتُ: " مَنْ هُمْ يَا أَبَا عَمْرٍو؟ " قَالَ: «الأَرَأَيْتُونَ» (*) (كَذَا بِالأَصْلِ وَلَعَلَّ صَوَابَهَا الأَرَأَيْتِيُّونَ)، قَالَ: «وَمِنْهُمُ الْحَكَمُ (**) وَحَمَّادٌ وَأَصْحَابُهُمْ». اهـ. وحماد شيخ أبي حنيفة.
وأخرج عن الشعبي أيضًا قوله: «مَا [كَلِمَةٌ] أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ: " أَرَأَيْتَ "» (٢). وبهذا التوسع الذي سار عليه أبو حنيفة في التفريع والاستنباط حتى بلغت المسائل التي عرفت في فقهه حدًا كبيرًا جِدًّا أوصلها صاحب " العناية في شرح الهداية " إلى ألف ألف ومائتي ألف وسبعين ألفًا ونيفًا (٣)، وهو عدد ضخم، ولو قيل: إنه على سبيل المبالغة فالقدر الثابت على أقل تقدير هو
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٤٣.
(٢) المصدر السابق: ٢/ ١٤٦.
(٣) " النكت الطريفة " للكوثري: ص ٥. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [ورد كذلك (الآرَائِيُّونَ) [انظر " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري: ٢/ ١٠٧٤ حديث رقم ٢٠٨٩.الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م. نشر دار ابن الجوزي. المملكة العربية السعودية]. (**) [هو الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، - بالمثناة ثم بالموحدة مصغرًا - أبو محمد الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس من الخامسة، مات سَنَةَ ١١٣ أو بعدها، وله نيف وستون /ع. " تقريب التهذيب " لابن حجر، تحقيق الشيخ محمد عوامة: ص ١٧٥ ترجمة رقم ١٤٥٣. طبعة دار الرشيد سوريا - حلب، طبعة ثالثة منقحة: ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م، و" تهذيب التهذيب ": ١/ ٤٦٦ بعناية إبراهيم الزيبق وعادل مرشد، مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م، نشر مؤسسة الرسالة].
[ ٤٤٠ ]
أكثر مِمَّا أثر عن أي إمام آخر. وقد عَبَّرَ بعض الناقمين على أبي حنيفة عن سخطه لكثرة تفريعه بقوله: «هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا لَمْ يَكُنْ وَأَجْهَلُهُمْ بِمَا قَدْ كَانَ» (١) (*)
٢٢ - كان أبو حنيفة يَتَشَدَّدُ في قبول الأخبار، ويشترط لذلك شروطًا صعبة، نظرًا لانتشار الوضع في الحديث، وكان العراق في عصره مصدر الحركات الفكرية والثورية في العالم الإسلامي، ومن ثم كان مصدرًا خصبًا للوضع، ومرتعًا سهلًا للوَضَّاعِينَ، مِمَّا دعا أبا حنيفة إلى التثبت والاحتياط، فلم يقبل إلا الأحاديث المشهورة الفاشية في أيدي الثقات، وهو في ذلك يذهب إلى أوسع مِمَّا ذهب المُحَدِّثُونَ في الاحتياط وَالتَشَدُّدِ، مِمَّا دعاه إلى تضعيف أحاديث هي عندهم صحيحة مقبولة.
٣ - وكان من جهة أخرى يذهب إلى الاحتجاج بالمرسل إذا كان الذي أرسله ثقة، خلافًا لما ذهب إليه جمهور المُحَدِّثِينَ، مِمَّا جعله يستدل بأحاديث هي عندهم ضعيفة لا يُعْمَلُ بِهَا.
٤ - ونتيجة لتضييق أبي حنيفة من دائرة العمل بالحديث في الحدود التي رسمها واطمأن إليها، اضطر إلى القياس وإعمال الرأي، وقد آتاه اللهُ فيه موهبة عجيبة فذة لا مثيل لها، ولا ريب أن استعماله القياس إلى مدى واسع، بَاعَدَ الشُقَّةَ بينه وبين أهل الحديث، كما باعد بينه وبين بعض الفقهاء الذين لايستعملون القياس إلا في نطاق ضيق.
٥ - كان أبو حنيفة دقيق المسلك في الاستنباط دقة عجيبة بعيدة المدى قادرًا على تقليب وجوه الرأي في كل مسألة لدرجة تذهل وتدهش.
أخرج ابن أبي العوام بسنده إلى محمد بن الحسن قال: «كَانَ أَبُوْ
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٥٤. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [هكذا وردت في " جامع بيان العلم وفضله ": «هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا لَمْ يَكُنْ وَأَجْهَلُهُمْ بِمَا قَدْ كَانَ»، ٢/ ١٠٧٣ حديث ٢٠٨٧، والناقم هنا رَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ]، بينما وردت في المطبوع في طبعتي المكتب الإسلامي وطبعة دار الوراق: «هُوَ أَجْهَلُ النَّاسِ بِمَا كَانَ وَأَعْلَمُهُمْ بِمَا لَمْ يَكُنْ».
[ ٤٤١ ]
حَنِيفَةَ قَدْ حُمِلَ إِلَىَ بَغْدَادَ فَاجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ وَفِيهِمْ أَبُوْ يُوَسُفَ وَزُفَرَ وَأَسَدٌ بْنِ عَمْرِوٍ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاء المُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحَمَلُوا مَسْأَلَةَ أَيَّدُوهَا بِالحُجَاجَ، وَّتَنَوَّقُوْا فِيْ تَقْدِيمِهَا، وَقَالُوا: نَسْأَلُ أَبَا حَنِيفَةَ أَوَّلَ مَا يَقْدِمُ، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو حَنِيفَةَ كَانَ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا تِلْكَ الْمَسْالَةِ، فَأَجَابَهُمْ بِغَيْرِ مَا عِنْدَهُمْ، فَصَاحُوا بِهِ مِنْ نَوَاحِي الحَلَقَةُ، يَا أَبَا حَنِيفَةَ بَلْدَتْكَ الْغُرْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: «رِفْقًا رِفْقًا مَاذَا تَقُولُونَ؟» قَالُوا: «لَيْسَ هَكَذَا القَوْلُ». قَالَ: «أبِحُجَّةٍ أَمْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؟» قَالُوا: «بِحُجَّةٍ» قَالَ: «هَاتُوا»، فَنَاظَرَهُمْ فَغَلَبَهُمْ بِالْحِجَاجِ حَتَّى رَدَّهُمُ إِلَى قَوْلِهِ، وَأَذْعَنُوا أَنَّ الخَطَأَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: «أَعَرَفْتُمْ الآنَ؟» قَالُوا: «نَعَمْ» قَالَ: «فَمَا تَقُولُونَ فِيْمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ الْصَّوَابُ .. وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ؟» فَقَالُوا: «لاَ يَكُونُ ذَاكَ. قَدْ صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ». فَنَاظَرَهُمْ حَتَّى رَدَّهُمُ عَن القَوْلِ. فَقَالُوا: «يَا أَبَا حَنِيفَةَ ظَلَمْتَنَا وَالصَّوَابُ كَانَ مَعَنَا»، قَالَ: «فَمَا تَقُولُونَ فِيْمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ، وَالأَوَّلُ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ قَوْلٌ ثَالِثٌ؟» فَقَالُوا: «هَذَا لاَ يَكُونُ»، قَالَ: «فَاسْتَمِعُوا»، وَاخْتَرَعَ قَوْلًا ثَالِثًا، وَنَاظَرَهُمُ عَلَيْهِ حَتَّى رَدَّهُمُ إِلَيْهِ فَأَذْعَنُوا، وَقَالُوا: «يَا أَبَا حَنِيْفَةَ عَلِّمْنَا»، قَالَ: «الصَّوَابُ هُوَ القَوْلُ الأَوَّلُ الذي أَجَبْتُكُمْ بِهِ لِعِلَّةِ كَذَا وَكَذَا. وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ لاَ تَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الثَلاَثَةِ الأَنْحَاءِ وَلِكُلٍّ مِنْهَا وَجْهٌ فِي الفِقْهِ وَمَذْهَبٌ، وَهَذَا الصَّوَابُ فَخُذُوهُ وَارْفُضُوا مَا سِوَاهُ». اهـ.
.
إن من أوتي هذه القدرة العجيبة على تنقيب وجوه الرأي في مسألة واحدة، والقدرة على الدفاع عن كل رأي فيها، هو بلا شك من أدق الناس نظرًا وأعمقهم استنباطًا للنصوص، وأقواهم حُجَّةً وبيانًا، حتى لا يكون مغاليًا فيه مثل الإمام مالك الذي قال عنه: «هَذَا رَجُلٌ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السَّارِيَةِ مِنْ ذَهَبٍ لاسْتَطَاعَ».
فلا بدع إذا كان في استنباطه ما يخالف رأي غيره من العلماء ورأي الجمهور من أهل الحديث الذين كانوا يقفون غالبًا عند ظواهر النصوص، ويكرهون تعليلها وَرَدِّ بعضها إلى بعض، خصوصًا وقد كان في غمار المُحَدِّثِينَ عَوَاٌّم يَقُولُ عَنْهُمْ يَحْيَى بْنَ يَمَانٍ: «يَكْتُبُ أَحَدُهُمُ الْحَدِيثَ وَلاَ
[ ٤٤٢ ]
[يَتَفَهَّمُ] وَلاَ يَتَدَبَّرُ فَإِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ جَلَسَ كَأَنَّهُ مُكَاتَبٌ» (١) أجل لقد كان منهم أُمِيُّونَ في تفكيرهم وثقافتهم، كثيرًا ما أوقعتهم أُمِيَّتُهُمْ في تصحيفات وفتاوى مضحكة، فقد صلى أحدهم الوتر بعد الاستنجاء من غير إحداث وضوء، واستدل على هذا العمل بقوله - عَلَيْهِ السَلاَمُ -: «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» فهم منه صلاة الوتر، مع أن المراد منه إيتار الجمار عند الاستنقاء، وظل أحدهم لا يحلق رأسه قبل صلاة الجمعة أربعين سَنَةً على ما فهم من حديث نهي رسول الله - ﷺ - عن الحِلَقِ قبل الصلاة يوم الجمعة، مع أنه الحِلَق بفتح اللام، والمراد منه النهي عن عَقْدِ الحَلَقَاتِ المُؤَدِّي إِلَى مُضَايَقَةِ النَّاسِ يوم الجمعة في المسجد، وفهم آخر من حديث «نَهَى أَنْ يَسْقِيَ الرَّجُلُ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» المنع من سقي بساتين الجيران، مع أن المراد وَطْءَ الحبالى من السبايا، وسئل أحدهم في مجلس تحديثه عن دجاجة وقعت في بئر فقال للسائل: ألا غطيتها
حتى لا يقع فيها شيء، كما سئل بعضهم عن مسألة من الفرائض فكتب في الفتوى: تقسم على فرائض الله ﷾.
لا شك أن مثل هؤلاء - وهم من عَوَامِّ المُحَدِّثِينَ - لا يستسيغون بل لا يفهمون دقة أبي حنيفة في الاستنباط، وغوصه العميق في استخراج الأحكام من النصوص، وَمِنْ ثَمَّ فَهُمْ أسرع الناس إلى إساءة الظن به. وَالصَدِّ عنه، وإشاعة قالة السوء عن تدينه، ورميه بالاستخفاف بالأحاديث.
٦ - لقد كان لأبي حنيفة أقران، وفي عصره علماء، ومن طبيعة التنافس في بني الإنسان أن تضيق صدورهم بمن يمتاز عليهم بفهم، أو يزيد عنهم في شُهْرَةٍ أو يوضع له القبول عند الناس أكثر منهم، تلك طبيعة قَلَّ أن يخلو منها إنسان حتى العلماء إلا من رفع الله نفسه عن الصَغَارِ. وملأ قلبه بالحكمة وأورثه هُدَى النَبِيِّينَ وطمأنينة الصِدِّيقِينَ.
وقد عقد ابن عبد البر في " جامع بيان العلم "، فَصْلًا خَاصًّا لتنافس العلماء وما ينتجه ذلك من أقوال بعضهم. ذكر في أوله قَوْلَ ابْنَ عَبَّاسٍ:
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٢١.
[ ٤٤٣ ]
«اسْتَمِعُوا عِلْمَ الْعُلَمَاءِ وَلاَ تُصَدِّقُوا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمْ أَشَدُّ تَغَايُرًا مِنَ التِّيُوسِ فِي [زُرُوبِهَا]» (١). وتعرض لمُطَرِّفِ مِمَّا رَمَى بِهِ العُلَمَاءُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، من مثل قول مالك في محمد بن إسحاق، وقول يحيى بن معين في الشافعي، وقول حَمَّادٍ في أهل مكة، وقول الزُّهْرِيِّ كذلك في أهل مكة.
ولقد بلغ أبو حنيفة من نباهة الشأن وعلو المرتبة وذيوع الصيت ما جعل بعض أقرانه يتحدثون عنه في المجالس بما لا يصح، وينقلون إلى الخليفة عنه ما لم يقع، حتى لقد قال أبوحنيفة في أحد هؤلاء، وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة في عصره: «إِنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى لَيَسْتَحِلُّ مِنِّي مَا لاَ أَسْتَحِلُّهُ مِنْ حَيَوَانٍ» (٢).
٧ - لقد كان من أثر العوامل السابقة مجتمعة، أن تناقل الناس أشياء عن أبي حنيفة، منها ما لا ظل له من الحق، ومنها ما لم يفهمه الناس على حقيقته من طرائق أبي حنيفة في الاجتهاد، ولقد وصل ذلك إلى أسماع العلماء البعيدين عن أبي حنيفة كما بلغتهم بعض فتاويه التي خالفهم فيها وهم لا يعرفون وجهًا لمخالفته إياهم مع اعتقادهم بأن ما بين أيديهم من الآثار يخالف ما أثر عنه، فتنطلق ألسنتهم أحيانًا بما ينم عن سوء رأيهم فيه، ولكن سرعان ما يرجعون إلى الحق فيه حين يجتمعون به ويطلعون على وجهة نظره، ويرون من دينه ودقة فهمه ما يحملهم على الثناء عليه، انظر إلى ما ذكره صاحب " الخيرات الحسان ": مِنْ أَنَّ الأَوْزَاعِيَّ كَانَ يُسِيءُ الظَنَّ بِأَبِي حَنِيْفَةَ حِينَ بَدَأَ يَشْتَهِرُ أَمْرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ اجْتَمَعَ بِهِ بَعْدُ، حَتَّى قَالَ مَرَّةً لِعَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ: «مِنْ هَذَا المُبْتَدِعُ الذِي خَرَجَ بِالكُوفَةِ، وَيُكَنَّى أَبَا حَنِيفَةَ؟» فَلَمْ يُجِبْهُ ابْنُ المُبَارَكِ، بَلْ أَخَذَ يُذْكُرُ مَسَائِلَ عَوِيصَةً وَطُرُقَ فَهْمِهَا وَالفَتْوَى فِيهَا، فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «مِنْ صَاحِبُ هَذِهِ الفَتَاوَى؟» فَقَالَ: «شَيْخٌ
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٥١.
(٢) " مناقب أبي حنيفة " للموفق المكي.
[ ٤٤٤ ]
لَقِيتُهُ بِالعِرَاقِ»، فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «هَذَا نَبِيلٌ مِنَ المَشَايِخِ، اذْهَبْ فَاسْتَكْثِرْ مِنْهُ»، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ» ثُمَّ اجْتَمَعَ الأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيْفَةَ بِمَكَّةَ، فَتَذَاكَرَا المَسْائِلَ التِي ذَكَرَهَا ابْنُ المُبَارَكِ فَكَشَفَهَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا قَالَ الأَوْزَاعِيُّ لابْنِ المُبَارَكِ: «غُبِطْتُ الرَّجُلُ بِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَُْفَوَرِ عَقْلِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى، لَقَدْ كُنْتُ فِيْ غَلَطٍ ظَاهِرٍ، الْزَمْ الرَّجُلَ، فَإِنَّهُ بِخِلاَفِ مَا بَلَغَنِيَ عَنْهُ» (١) (*).
مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي أَبِي حَنِيفَةَ:
ويسوقفنا القول عن هذه الناحية إلى التعرض لما أثر عن كبار العلماء في عصر أبي حنيفة من أقوال متناقضة في أبي حنيفة. فقد رُوِيَ عن مالك، والثوري، والأوزاعي، وسفيان بن عُيينة، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم أقوال مختلفة في الحكم على أبي حنيفة، وتجد ذلك واضحًا فيما ساقه الخطيب في " تاريخه " من روايات في الثناء والذم على السواء، من أئمة بأعيانهم، ونحن وإن كنا نذهب إلى ما ذهب إليه المَلِكُ المُعَظَّمْ عِيسَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ الأَيُّوبِي (٢) وغيره من كَذِبِ الروايات المنسوبة إلى الأئمة في الطعن بأبي حنيفة. إلا أننا لا نستغرب أن يكون قد صح عنهم شيء من هذا للسبب الذي ذكرناه آنِفًا وضربنا له مِثَالًا من موقف الأوزاعي قبل أن يجتمع بأبي حنيفة، وموقفه بعد الاجتماع به، فهذا عندي هو المَحْمَلُ الصحيح، لما قد يصح من أخبار في ذَمِّ أبي حنيفة من بعض علماء عصره، وأنا لا أشك في أن آخر الأمرين منهم كان تحسين الظن به والثناء عليه، والإشادة بفضله، بعد أن كثرت رحلاته إلى المدينة ومكة والبصرة وبغداد، حتى ذكروا أنه حَجَّ خمسًا وخمسين حَجَّةً، ولا شك أنه كان في جميعها يجتمع بالعلماء ويدارسهم وَيُبْدِي لهم ما عنده ويأخذ ما عندهم، ولهذا أثره بلا شك في فهمهم لطريقة الإمام في الاجتهاد واطلاعهم على حقيقة عذره فيما ترك من
_________________
(١) " الخيرات الحسان ": ص ٣٣.
(٢) في كتابه " السهم المصيب في كبد الخطيب ". ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [" الخيرات الحسان " لابن حجر الهيتمي، طبع على نفقه مولوي محمد عبد الله جيتكر وشركائه في بومبي - الهند، سَنَةَ ١٣٢٤ هـ. وطبع بمطبعة السعادة بجوار محافظة مصر، لصاحبها محمد إسماعيل].
[ ٤٤٥ ]
أخبار وأحاديث، فليس غريبًا بعد ذلك أن تتواتر شهاداتهم له بالفقه واعترافاتهم باستقامته على المَحَجَّةِ التى سار عليها أهل العلم من قبله.
ومن ذلك ما أخرجه القاضي عياض في " المدارك " من أن أبا حنيفة ومالكًا اجتمعا ذات يوم في المدينة، ثم خرج مالك وهو يتصبب عرقًا، فقال له الليث بن سعد: «أَرَاكَ تَعْرَقُ؟» قال مالك: «عَرَقْتُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِنَّهُ لَفَقِيهٌ يَا مِصْرِيُّ». وقد صح عن مالك أنه كان يطالع كتب أبي حنيفة - أي كتب أصحابه عنه - حتى جمع عنده من مسائله نحو ستين ألف مسألة، كما نقل ذلك عنه ابن أبي العوام السعدي، وأبو عبد الله بن علي الصيمري، وَالمُوَّفَّقْ الخَوَارِزْمِيُّ وغيرهم (١).
وقد اعترف أصحاب مالك وكبار المؤلفين في مذهبه بثناء مالك على أبي حنيفة وأجابوا عما نقل عنه من ذَمِّهِ وقدحه أجوبة مختلفة، فالإمام أبو جعفر الداودي صلحب " النامي على الموطأ " يعتذر بأن مالكًا قال ذلك في حالة غضب، وقد يقول العالم حين يضيق صدره ما يستغفر اللهَ منه بعد ذلك.
أما الحافظ ابن عبد البر، فيرى بأن روايات الطعن واردة عن طريق أصحاب الحديث من تلاميذ مالك، أما أصحاب الفقه منهم فلا يثبتون منها شيئًا.
على أنه قد نفى أبو الوليد الباجي في " شرحه على الموطأ " نسبة هذه الأقوال إلى الإمام مالك وقال: «لما يتكلم مالك في الفقهاء أصلًا وإنما تكلم في بعض الرُواة من جهة الضبط» واستدل لذلك بما بلغ من إجلال مالك لعبد الله بن المبارك، وقد كان من أخص أصحاب أبي حنيفة (*).
أما الإمام الشافعي، فلا نشك في كذب ما نُقِلَ عنه في ذَمِّ أبي حنيفة، لأنه لم يدركه، وقد أدرك أصحابه وخاصة محمد بن الحسن، واطلع على فقهه منه واعترف بأنه غادر بغداد، وقد حمل من علمه وَقْرَ
_________________
(١) " تأنيب الخطيب " للكوثري: ص ٣. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [انظر " المنتقى " لأبي الوليد الباجي: ٧/ ٣٠٠، الطبعة الأولى سَنَةَ ١٣٣٢ هـ الناشر: مطبعة السعادة - بجوار محافظة مصر. (ثم صورتها دار الكتاب الإسلامي، القاهرة - الطبعة: الثانية، بدون تاريخ)].
[ ٤٤٦ ]
بَعِيرٍ، فلا يعقل أن يذكر أبا حنيفة بسوء، وهو الذي قال قولته المشهورة عنه: «النَّاسُ عِيَالٌ فِي الفِقْهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ».
وأما الإمام أحمد فهو أيضًا لم يدرك أبا حنيفة، وإنما أدرك أبا يوسف، وحضر حلقته في أول طلبه للعلم حتى روي عنه قوله: «كَتَبْتُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ثَلاَثَ قَمَاطِرَ فِي ثَلاَثِ سَنَوَاتٍ» (١) ونظر في كتب محمد بن الحسن حتى إنه سئل من أين لك هذه الأجوبة الدقيقة؟ فقال: «مِنْ كُتُبِ مُحَمَّدٍ بْنِ الحَسَنِ» (٢).
نعم أنا لا أستغرب أن يُؤْثَرَ عنه شيء في مسلك أبي حنيفة الفقهي لا في شخصه، فقد كان الرجلان متنازعي المشرب في مدى الأخذ بِالسُنَّةِ، رغم اتفاقهما في مبدأ الأخذ بها، لقد كان أحمد يقول: «ضَعِيفُ الحَدِيثِ عِنْدِي خَيْرٌ مِنْ رَأْىِ الرِّجَالِ» (*) بينما كان أبو حنيفة يَتَشَدَّدُ في صحة الحديث ولا يقبل إلا ما فَشَا في أيدي الثقات. ومثل هذا الاختلاف لايعتبر طَعْنًا، وَلِكُلٍّ وِجْهَةً هُوَ مُوَلِّيهَا.
نَتَائِجُ هَذِهِ الضَجَّةِ:
تلك الحقائق التي ذكرنا لك من أسباب الضَجَّةِ الكُبْرَى حول أبي حنيفة في عصره، أحاطت مركز أبي حنيفة بالعواصف من كل جهة، ونسبت إليه آراء ما قالها، وعقائد لم يعتقدها، فهو مرجىء عند بعض الناس، وقَدَرِيٌّ عند بعضهم الآخر، وقائل بالتناسخ عند فريق، وَمُنْكِرٌ للحديث عند جماعة اَخرين، وقائل في دين الله بالرأي والهوى عند كثير من الناس.
ولقد ذهبت كل هذه الاتهامات بعد وفاة أبي حنيفة وانتشار فقهه وتلامذته في الأقطار مع الريح، فلم يبق منها شيء. ولكن الذي بقي ولا
_________________
(١) حسن التقاضي في سيرة أبي يوسف القاضي: ص ٢٨.
(٢) تأنيب الخطيب: ص ١٨٠. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [انظر الصفحة ٤٨١ من هذا الكتاب].
[ ٤٤٧ ]
يزال حتى اليوم باقيًا مِمَّا ألصقه خصوم أبي حنيفة أمران كان للعصبية المذهبية من جهة، والجهل بطرق الأئمة في الاجتهاد من جهة أخرى، أَثَّرَ في اتهام أبي حنيفة بهما، وبقاء هذا الاتهام حتى اليوم، حتى اتخذ أعداء السُنَّةِ من أحدهما وسيلة للتشكيك بها كما رَأَيْتَ من صنيع صاحب " فجر الإسلام ".
أما التهمتان فهما: قلة بضاعة أبي حنيفة من الحديث، وتقديمه الرأي والقياس على الحديث الصحيح، وسنبحث في أمر هاتين التُّهْمَتَيْنِ ومستندهما من التاريخ ونعرضهما على الحقائق الثابتة في تاريخ أبي حنيفة، والمأثور من فقهه واجتهاده.
هَلْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ قَلِيلَ البِضَاعَةِ فِي الحَدِيثِ؟:
يروي لنا الخطيب البغدادي نقولًا متعددة يرمي فيها أصحابُها أبا حنيفة بقلة البضاعة في الحديث وضعفه فيه، من ذلك ما نقله عن ابن المبارك: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَتِيمًا فِي الحَدِيثِ»، وعن [أَبِي] (*) قطن: «كَانَ زَمَنًا فِي الحَدِيثِ»، وعن يحيى بن سعيد القطان: «لَمْ يَكُنْ بِصَاحِبِ حَدِيثٍ»، وعن ابن معين: «اِيشْ كَانْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الحَدِيثِ حَتَّى تَسْأَلَ عَنْهُ؟»، وعن أحمد بن حنبل: «أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَأْيٌ وَلاَ حَدِيثٌ»، وعن أبي بكر بن أبي داود: «جَمِيعُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الحَدِيثِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ حَدِثًا أَخْطَأَ فِي نِصْفِهَا»، وعن عبد الرزاق: «مَا كَتَبْتُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلاَّ لأُكْثِرَ بِهِ رِجَالِي، وَكَانَ يَرْوِي عَنْهُ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ حَدِيثًا» وعن ابن المديني «أَنَّهُ رَوَى خَمْسِينَ حَدِيثًا أَخْطَأَ فِيهَا» (١).
ونحن لا نريد أن ننقد هذه الروايات من جهة سندها، فقد فَنَّدَهَا المُحَقِّقُون َوَبَيَّنُوا تحامل الخطيب في سردها وإيرادها (٢)، ولكنا نريد أن ننقد
_________________
(١) هذه الأقوال مبثوثة في الجزء الثالث عشر من «تاريخ بغداد». ص ٤٤٤، فما بعدها.
(٢) انظر " تأنيب الخطيب على ما ساق في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب " للشيخ محمد زاهد الكوثري، فقد ناقش هذه الروايات بتكذيب نسبة هذه الأقوال إلى أصحابها. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [عمرو بن الهيثم بن قطن بن كعب الزبيدي القطعي، أبو قطن، البَصْرِيِّ]. • قال السُّلَمِيُّ: سئل الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي قطن الذى روى عن شعبة ومالك، فقال: هو عمرو بن الهيثم بن قطن بن كعب القطعي، روى عن مالك وشعبة، وحدث شعبة، عن جده قطن بن كعب بحديث واحد، وكنية قطن، أبو الهيثم، وأكثر عنه النضر بن شميل. نقلًا عن " موسوعة أقوال أبي الحسن الدارقطني في رجال الحديث وعلله "، تأليف: مجموعة من المؤلفين (الدكتور محمد مهدي المسلمي - أشرف منصور عبد الرحمن - عصام عبد الهادي محمود - أحمد عبد الرزاق عيد - أيمن إبراهيم الزاملي - محمود محمد خليل)، ٢/ ٤٩٨، ترجمة رقم ٢٦٤١. الطبعة الأولى، ٢٠٠١ م، نشر عالم الكتب للنشر والتوزيع - بيروت، لبنان].
[ ٤٤٨ ]
الفكرة التي ما زال يُرَدِّدُهَا خُصُومُ أَبِي حَنِيفَةَ وَخُصُومُ السُنَّةِ معًا، والتي رَدَّدَهَا بعض المُؤَرِّخِينَ عن طيب قلب، كما فعل ابن خلدون في " مقدمته " إذ ذكر - بصيغة التمريض والضعف - أن مروياته بلغت - على ما يقال - سبعة عشر حَدِيثًا.
ولا شك أن من الخطورة بمكان، أن نرى إمامًا من كبار أئمة المُسْلِمِينَ، صاحب مذهب من أوسع المذاهب الفقهية فروعًا واستنباطًا، يدين بمذهبه عشرات الملايين من المُسْلِمِينَ في مشارق الأرض ومغاربها، ثم لا تزيد ثروته في الحديث عن بضعة عشر حَدِيثًا أو مائة وخمسين .. فهل هذا صحيح؟ ..
١ - إن أبا حنيفة - ﵀ - إمام مجتهد بإجماع الموافقين والمخالفين، ومن شرائط الاجتهاد أن يحيط المجتهد بأحاديث الأحكام، وهي آلاف، وعلى أقل تقدير بضع مئات كما ذهب إليه بعض الحنابلة، فكيف جاز لأبي حنيفة أن يجتهد وهو لم يستكمل أهم شرط من شروط الاجتهاد؟ .. وكيف اعتبر الأئمة اجتهاده وعنوا بفقهه، ونقلوه في الآفاق واشتغلوا به تقريرًا أو نقدًا، وهو قائم على غير أساس؟.
٢ - إن من يطالع مذهب الإمام يجده قد وافق الأحاديث الصحيحة في مئات من المسائل، وقد جمع شارح " القاموس " السَيِّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِي - ﵀ - كتابًا جمع فيه الأحاديث من مسانيد الإمام أبي حنيفة والتي وافقه في روايتها أصحاب الكتب الستة سماه: " عقد الجواهر المنيفة في أدلة أبي حنيفة ". فكيف وافق اجتهاد الإمام مئات الأحاديث الصحيحة، وليس عنده إلا بضعة عشر حَدِيثًا، أو خمسون، أو مائة وخمسون أخطأ في نصفها؟.
٣ - لقد أفرد ابن أبي شيبة في " مصنفه الكبير " بابًا لما خالف فيه أبو حنيفة ما صح من الأحاديث فبلغت مائة وخمسة وعشرين مسألة، فلو سلم لابن أبي شيبة جميع ما أخذه على أبي حنيفة كانت بقية المسائل التي أثرت عنه موافقة للحديث في كل مسألة ورد فيها حديث، وإذا كانت مسائل أبي حنيفة على أقل تقدير ثلاثًا وثمانين ألف مسألة - وهنالك روايات تبلغ العدد
[ ٤٤٩ ]
إلى ألف ألف ومائتي ألف - فهل هذا العدد الضخم الباقي من المسائل التي يعترف ابن أبي شيبة أن أبا حنيفة لم يخالف فيها السُنَّةَ، جاءت فيها سُنَّةٌ أم لا؟ فإن جاءت فيها أو في بعضها سُنَّةٌ لزم ذلك أن يكون ما عند أبي حنيفة من الحديث مئات وآلاف، وإن لم يجيء في شيء منها سُنَّةٌ، لزم أن يكون ما ورد مِنَ السُنَّةِ لا يزيد على مائة وخمسة وعشرين حَدِيثًا فقط ولا يقول هذا أحد من أئمة المُسْلِمِينَ وأهل العلم بالحديث.
٤ - إن أبا حنيفة مِمَّنْ تُذْكَرُ آراؤهم في مصطلح الحديث، فكيف يكون قليل البضاعة فيه، ثم يعتبر عند علماء ذلك الفن من الأئمة الذين تُدَوَّنُ آراؤهم في قواعد الحديث ورجاله، ويعتمد مذهبه بينهم وَيُعَوَّلُ عليه رَدًّا أو قبولا؟.
٥ - لقد كتب أبو حنيفة عن أربعة آلاف شيخ، حتى عَدَّهُ الذهبي في " تذكرته " التي هي ثبت الحفاظ، وَحَدَّثَ عَنْهُ يحيى بن نصر فقال: «دَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي بَيْتٍ مَمْلُوءٍ كُتُبًا، فَقُلْتُ لَهُ: " مَا هَذَا؟ "، فَقَالَ: " هَذِهِ الأَحَادِيثُ مَا حَدَّثَ مِنْهَا إِلاَّ اليَسِيرَ الذِي يُنْتَفَعُ بِهِ "».
٦ - إن أبا حنيفة وإن لم يجلس للتحديث كعادة المُحَدِّثِينَ، وإن لم يُصَنِّفْ في الأخبار والآثار كما ألف مالك، إلا أن تلاميذه جمعوا أحاديثه في كتب ومسانيد بلغت بضعة عشر مسندًا.
وأشهر هذه المصنفات والمسانيد كتاب " الآثار " لأبي يوسف وكتاب " الآثار المرفوعة " لمحمد، وكتاب " الآثار المرفوعة والموقوفة " له، و" مسند الحسن بن زياد اللُؤْلُؤِي "، و" مسند حمَّاد بن الإمام أبي حنيفة " ومِمَّنْ صنَّف في مسانيده: الوهبي، والحارثي البخاري، وابن المظفر، ومحمد بن جعفر العَدْل، وأبو نعيم الأصبهاني، والقاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وابن أبي العوام السعدي، وابن خسرو البلخي.
ثم جمع أكثر هذه المسانيد قاضي القضاة أبو المؤيد محمد بن محمود الخوارزمي، المُتَوَفَّى سَنَةَ (٦٦٥ هـ) في كتاب ضخم سماه "جامع المسانيد "، رتبه على أبواب الفقه، مع حذف المُعَادِ وعدم تكرير الإسناد،
[ ٤٥٠ ]
قال في خطبته: «وَقَدْ سَمِعْتُ فِي الشَّامِ عَنْ بَعْضِ الجَاهِلِيَنَ بِمِقْدَارِهِ - أَيُّ بِمِقْدَارٍ أَبِي حَنِيفَةَ - مَا يُنْقِصُهُ وَيَسْتَصْغِرُهُ، وَيَنْسِبَهُ لِقِلَّةِ الحَدِيثِ، وَيْسْتَدِلُّ عَلَىَ ذَلِكَ بِـ " مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ "، وَ" مُوَطَّأِ مَالِكٍ " وَزَعَمَ أَنْ لَيْسَ لأَبِي حَنِيفَةَ مُسْنَدٌ، وَكَانَ لاَ يَرْوِي إِلاَّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، فَلَحِقَتْنِي حَمِيَّةٌ دِينِيَّةٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ مَسَانِيدِهِ التِي جَمَعَهَا لَهُ فُحُولِ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ.» الخ وهو كتاب مطبوع يقع في ٨٠٠ صفحة. وَمِمَّنْ روى هذه المسانيد قراءة وسماعًا وكتابةً، مُحَدِّثُ الديار الشامية الحافظ شمس الدين بن طولون في " الفهرست الأوسط " وَمُحَدِّثُ البلاد المصرية الحافظ محمد بن يوسف الصالحاني، وقد قال في كتابه: " عقود الجمان ": «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ كِبَارِ حُفَّاظِ الحَدِيثِ وَأَعْيَانِهِمْ، وَلَوْلاَ كَثْرَةُ اعْتِنَائِهِ بِالحَدِيثِ مَا تَهَيَّأَ لَهُ اسْتِنْبَاطِ مَسَائِلِ الفِقْهِ. وَذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي " طَبَقَاتِ الحُفَّاظِ " وَلَقَدْ أَصَابَ وَأَجَادَ»، ثم قال في الباب الثالث والعشرين من "عقود الجمان ": «إِنَّمَا قَلَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مُتَّسِعَ الحِفْظِ، لاشْتِغَالِهِ بِالاسْتِنْبَاطِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَرْوِ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إِلاَّ القَلِيْلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَىَ مَا سَمِعَاهُ لِلْسَّبَبِ نَفْسِهِ، كَمَا قَلَّتْ رِوَايَةِ أَمْثَالَ أَبِيْ بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْ كِبَارِ الْصَّحَابَةِ - ﵃ - بِالنِّسْبَةِ إِلَىَ كَثْرَةِ اطِّلاَعِهِمْ، وَقَدْ كَثُرَتْ رِوَايَةَ مَنْ دُونَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ» ثم ساق أخبارًا تدل على كثرة ما عند أبي حنيفة من الحديث، ثم أطال النفس في سرد أسانيده في رواية مسانيد أبي حنيفة السبعة عشر لجامعيها - وذكر أسماءهم - تدليلًا على كثرة حديثه، وكذلك الشمس الحافظ ابن طولون إذ ساق أسانيد تلك المسانيد السبعة عشر أيضًا في " الفهرست الأوسط "، بل كان الخطيب حينما رحل إلى دمشق استصحب معه " مسند أبي حنيفة للدارقطني "، و" مسنده لابن شاهين "، و" مسنده للخطيب " نفسه، وهذه غير تلك المسانيد السبعة عشر.
وذكر البدر العيني في " تاريخه الكبير ": أن " مسند أبي حنيفة لابن عقدة " يحتوي وحده على ما يزيد على ألف حديث، وهو أيضًا غير تلك المسانيد.
وقد قال السيوطي في " التعقيبات ": «ابْنُ عُقْدَةَ مِنْ كِبَارِ الحُفَّاظِ، وَثِقَةُ النَّاسِ وَمَا ضَعَّفَهُ إِلاَّ مُتَعَصِّبٌ».
[ ٤٥١ ]
وَلِزُفَرْ أيضًا كتاب " الآثار " يكثر فيه عن أبي حنيفة، ونسختا زفر في الحديث مِمَّا ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث " (١).
هذا هو القول في بضاعة أبي حنيفة في الحديث، وكما سقطت فرية قلة بضاعته كما رأيت، تسقط الفرية الأخرى التي تدعي أنه لم يصح عنده إلا بضعة عشر حَدِيثًا، فهذا القول عدا أنه لا وُرُودَ له في كتاب معتبر ولم نره إلا لابن خلدون (٢) وعبارته مبهمة إذ يذكر أن ذلك عدد مروياته. وهذا المعنى غير صحيح وعدا هذا فإن ما صح عن أبي حنيفة من المسانيد التي ذكرت أحاديثه وما روي عنه في فقهه من الحديث الذي عمل به يبلغ المئات كما ذكرنا مِمَّا يكذب هذا القول ويجعله فرية مكشوفة.
ونحب أن ننوه هنا بخطأ وقع فيه بعض الكُتَّابِ (٣)، وهو أنهم يعتذرون لأبي حنيفة عن قلة الحديث بأنه كان في الكوفة وأحاديثها قليلة، وهي ليست دار حديث، وهذا خطأ أوقعهم فيه عدم التَنَبُّهِ لمكانة الكوفة العلمية في عصر أبي حنيفة، وعدم التَنَبُّهِ لرحلات أبي حنيفة العلمية إلى أشهر المدن الإسلامية.
أما الكوفة فقد كانت منذ بنائها سَنَةَ ١٧ هـ مَحَطَّ [رِحَالِ] (*) كبار الصحابة، وقد بعث عمر إلى أهل الكوفة عبد الله بن مسعود المعروف بِابْنِ أُمِّ عَبْدٍ - ﵁ - وهو سادس سِتَّةٍ في الإسلام - ليعلمهم القرآن ويفقههم في الدين قائلًا لهم: «وَإِنِّي آثَرْتُكُمْ عَلَى نَفْسِي بِعَبْدِ اللهِ» وما ذاك إلا لكبر منزلة ابن مسعود في العلم بحيث لا يستغني عنه الخليفة في عاصمته، وقد قال - عَلَيْهِ السَلاَمُ -: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ
_________________
(١) " تأنيب الخطيب ": ص ١٥٦.
(٢) لعل منشأ قول ابن خلدون من أن محمدًا روى " المُوَطَّأ " عن مالك وزاد فيه ثلاثة عشر حَدِيثًا من روايته عن أبي حنيفة، وأربعة أحاديث من روايته عن أبي يوسف. فظن من لا علم له أن هذا كل م صح عن أبي حنيفة من أحاديث، ومع ذلك فلا بد من إدامة البحث حتى نتأكد من المصدر الذي استقى منه ابن خلدون عبارته.
(٣) ومنهم الدهلوي في كتابه "حُجَّة الله البالغة ". ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [محط (رِحَالِ) بينما كُتِبَتْ خطأ (رِجَالِ) في هذه الطبعة وهو تكرار لنفس الخطأ في الطباعة في طبعة المكتب الإسلامي: ص ٤١٥، ولم يقع تداركه].
[ ٤٥٢ ]
أُمِّ عَبْدٍ» وقال عنه عمر - ﵁ -: «كَنَيفٌ مَلِيءٌ عِلْمًا» والأخبار الواردة في سَعَةِ علمه، وجليل مناقبه في غاية الكثرة، ومثل هذا الصحابي الجليل تَوَلَّى تفقيه أهل الكوفة بجد وعناية منذ بعثه عمر إلى أواخر خلافة عثمان، وتخرج عليه عدد عظيم جِدًّا من القُرَّاءِ والفقهاء في الكوفة، حتى إن عَلِيَّ بن أبي طالب أعجب غاية الإعجاب بكثرة فقهائها، فقال لابن مسعود، «مَلأْتَ هَذِهِ القَرْيَةَ عِلْمًا وَفِقْهًا» بل بلغ تلاميذه وتلاميذ تلاميذه أربعة آلاف هم سُرُجُ تلك القرية.
وبعد انتقال عَلِيٍّ وَقُرَّاءَ الصحابة إلى الكوفة ازداد الاهتمام بتفقيه أهلها إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المُسْلِمِينَ في كثرة فقهائها وَمُحدِّثِيهَا والقائمين بعلوم القراَن وعلوم اللغة العربية فيها من حيث سكن أفصح القبائل العربية حولها، وكثرة من نزل بها من كبار الصحابة، فكبار أصحاب عَلِيٌّ وابن مسعود لو دُوِّنَتْ تراجمهم في كتاب خاص لأتى كتابًا ضخمًا، وأبلغ العِجْلِي عدد الصحابة الذين سكنوا الكوفة فقط إلى ألف وخمسمائة صحابي فضلًا عن باقي بلدان العراق.
قال مسروق بن الأجدع التابعي الكبير: «وَجَدْتُ عِلْمَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - يَنْتَهِي إِلَى سِتَّةٍ: إِلَى عَلِيٍّ وَعَبْدَ اللهِ، وَعُمَرَ، و[زيد بن ثابت] (*)، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ، ثُمَّ وَجَدْتُ عِلْمَ هَؤُلاَءِ السِتَّةِ انْتَهَى إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبْدَ اللهِ - أَيْ ابْنَ مَسْعُودٍ -» (١).
أما رحلات أبي حنيفة: فقد دخل البصرة عشرات المرات، وزار المدينة عشرات المرات، وأقام بمكة ست سنوات منذ ١٣٠ هـ إلى ١٣٦ كما قدمنا، وفي هذين البلدين المباركين اجتمع أبو حنيفة بأكثر علمائها وبعض مشاهير العلماء في غيرهما كالأوزاعي، وفيهما أخذ علم ابن عباس من تلاميذه في مكة، وَعِلْمَ عُمَرٍ من تلاميذه في المدينة، ولقد أخذ عن بعض أئمة آل البيت كَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ زَيْنَ العَابِدِينَ، ومحمد الباقر، وأبي محمد بن
_________________
(١) " حسن التقاضي ". ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [وردت في هذه الطبعة خَطَأً (يزيد) وإنما هو (زيد بن ثابت)، وهو نفس الخطأ السابق الوارد في طبعة المكتب الإسلامي: ص ٤١٦.
[ ٤٥٣ ]
عبد الله بن الحسن (١).
وقد أخرج الخطيب في " تاريخه " قال: «دَخَلَ أَبُو حَنِيفَةَ يَوْمًا عَلَى المَنْصُورِ وَعِنْدَهُ عِيسَىْ بْنُ مُوسَى، فَقَالَ لِلْمَنْصُورِ: "هَذَا عَالِمُ الْدُنْيَا اليَوْمَ "، فَقَالَ لَهُ: " يَا نُعْمَانُ عَمَّنْ أَخَذْتَ الْعِلْمَ؟ " قَالَ: " عَنْ أَصْحَابِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ "، وَمَا كَانَ فِي وَقْتِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَعْلَمُ مِنْهُ - أَيْ وَقَدْ أَخَذَ عِلْمَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ الْمَنْصُورُ. " لَقَدْ اسْتَوْثَقْتَ لِنَفْسِكَ "» (٢).
فإمام كأبي حنيفة جمع علم أشهر الصحابة واستوعبه في صدره لا يصح أن يعتذر عنه بأنه كان في بلد قليل الحديث كالكوفة، وهي ما هي في غناها بالعلماء، وامتلائها بالصحابة. وقد أقام فيها اثنان من أكابر الصحابة، عَبْدُ اللهِ وَعَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
هَلْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقَدِّمُ الرَّأْيَ عَلَى الحَدِيثِ؟:
قدمنا لك من أصول مذهبه ما يدل بأجلى بيان على أنه لا يقدم على حديث رسول الله - ﷺ -، إذا صَحَّ وكان مِمَّا فشا في أيدي الثقات، رأيًا ولا قياسًا ولا استحسانًا، وأخرج ابن أبي العوام بسنده إلى أبي يوسف قال: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ المَسْالَةُ قَالَ: " مَا عِنْدَكُمْ فِيهَا مِنَ الآثَارِ؟ " فَإِذَا رَوَيْنَا الآثَارَ، وَذَكَرْنَا وَذَكَرَ هُوَ مَا عِنْدَهُ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَتْ الآثَارُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَكْثَرُ، أَخَذَ بِالأَكْثَرِ، فَإِذَا تَقَارَبَتْ وَتَكَافَّأَتْ نَظَرَ فَاخْتَارَ» (٣) وَأَخْرَجَ الْمُوَفِّقُ الْخَوَارَزْمِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَىَ أَبِي مُقَاتِلٍ حَفْصٌ بْنِ سَلَمٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي كِتَابٍ " العَالِمُ وَالمُتَعَلِّمُ " عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: «كُلِّ شَيْءٍ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَمِعْنَاهُ أَوْ لَمْ نَسْمَعْهُ - فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ قَدْ آمَنَّا بِهِ وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ نَبِيُّ اللهِ».
_________________
(١) انظر: " مناقب أبي حنيفة " للمكي.
(٢) " تاريخ بغداد ": ١٤/ ٣٣٤.
(٣) " تأنيب الخطيب ": ص ٨٦.
[ ٤٥٤ ]
وروى ابن عبد البر في " الانتقاء " عن أبي حنيفة قوله: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يُخَالِفُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِهِ أَكْرَمَنَا اللهُ وَبِهِ اسْتَنْقَذَنَا».
وأخرج البيهقي في " المدخل " عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: «سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: " إِذَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَإِذَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَخْتَارُ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَإِذَا جَاءَ عَنِ التَّابِعِينَ زَاحَمْنَاهُمْ "» (١).
وأخرج ابن عبد البر عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْحَسَنِ: «الْعِلْمُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ النَّاطِقِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمَا كَانَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَأْثُورَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَمَا كَانَ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَكَذَلِكَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ [جَمِيعِهِ]، فَإِذَا وَقَعَ الاخْتِيَارُ فِيهِ عَلَى قَوْلٍ فَهُوَ عِلْمٌ [يُقَاسُ] عَلَيْهِ مَا أَشْبَهَهُ، وَمَا اسْتَحَسَنَهُ [عَامَّةُ فُقَهَاءِ] المُسْلِمِينَ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَكَانَ نَظَيرًا لَهُ. [قَالَ]: «وَلاَ يَخْرُجُ الْعِلْمُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الأَرْبَعَةِ» (٢).
وذكر الشعراني في " الميزان " عن أبي حنيفة - ﵀ - «كَذَبَ وَاللهِ وَافْتَرَى عَلَيْنَا مِنَ يَقُولُ: إِنَّنَا نُقَدِّمُ القِيَاسَ عَلَى النَصِّ، وَهَلْ يَحْتَاجُ بَعْدَ النَصِّ إِلَىَ قِيَاسِ؟» وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ أَيْضًا «نَحْنُ لاَ نَقِيسُ إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ الشَّدِيدَةِ، وَذَلِكَ أَنَّنَا نَنْظُرُ فِي دَلِيلِ المَسْأَلَةِ مَنَ الكِتَابِ وَالَسُنَّةِ أَوْ أَقْضِيَةِ الصَّحَابَةِ فَإِنْ لَمْ نَجِدْ دَلِيلًا قِسْنَا حِينَئِذٍ مَسْكُوتًا عَنْهُ عَلَىَ مَنْطُوقٍ بِهِ» وَذُكِرَ عَنْهُ أَيْضًا: «أَنَّنَا نَأْخُذُ أَوَّلًا بِكِتَابِ اللهِ ثُمَّ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ بِأَقْضِيَةِ الصَّحَابَةِ وَنَعْمَلُ بِمَا يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ، فَإِنْ اخْتَلَفُوَا قِسْنَا حُكْمًا عَلَىَ حُكْمٍ بِجَامِعِ العِلَّةِ بَيْنَ المَسْأَلَتَيْنِ حَتَّى يَتَّضِحَ المَعْنَى» وَنُقِلَ عَنْهُ أَيْضًا «مَاجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ بِأَبِي وَأُمِّي وَلَيْسَ لَنَا مُخَالَفَتُهُ، وَمَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ تَخَيَّرْنَا، وَمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَهُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالُ» (٣).
_________________
(١) " مفتاح الجنة ": ص ٣١ ولعل هذا لأنه تابعي صح أنه رأى أربعة من الصحابة أوأكثر.
(٢) " جامع بيان العلم ": ٢/ ٣٦ وقد ذكرها السرخسي في " أصوله " وجعل الرابع: وما رآه المُسْلِمُونَ حسنًا وما أشبهه: ١/ ٣١٨.
(٣) هذه النصوص عن الشعراني في " ميزانه ": ١/ ٥١ وما بعدها.
[ ٤٥٥ ]
وقد ذكر الإمام محمد - ﵀ - في " المبسوط " فصلًا للأخذ بخبر الآحاد، واستدل لذلك بطائفة من أخبار الرسول وعمل الصحابة، وهي التي ساقها الشافعي في " الرسالة ".
هذه شذرة من النصوص الكثيرة التي تدل على أن أبا حنيفة - ﵀ - ما كان يقدم على الحديث الصحيح رأيًا أيًا كان، بل نجد مثل ابن حزم ينقل عن فقهاء العراق إجماعهم على أن الحديث الضعيف يُرَجَّحُ على القياس.
وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": «وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ضَعِيفَ الحَدِيثِ عِنْدَهُ أَوْلَى مِنْ القِيَاسِ وَالرَّأْيِ، وَعَلَى ذَلِكَ بَنَى مَذْهَبَهُ، كَمَا قَدَّمَ " حَدِيثَ الْقَهْقَهَةِ " مَعَ ضَعْفِهِ عَلَى الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ، وَقَدَّمَ " حَدِيثَ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ " فِي السَّفَرِ مَعَ ضَعْفِهِ عَلَى الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ، وَمَنَعَ قَطْعَ السَّارِقِ بِسَرِقَةٍ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَالْحَدِيثُ فِيهِ ضَعِيفٌ، وَجَعَلَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَالحَدِيثُ فِيهِ ضَعِيفٌ، وَشَرَطَ فِي إقَامَةِ الجُمُعَةِ المِصْرَ وَالحَدِيثُ فِيهِ كَذَلِكَ، وَتَرَكَ الْقِيَاسَ المَحْضَ فِي مَسَائِلِ الآبَارِ لآثَارٍ فِيهَا غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ؛ فَتَقْدِيمُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ قَوْلُهُ، وَقَوْلُ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ المُرَادُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي اصْطِلاَحِ السَّلَفِ هُوَ الضَّعِيفُ فِي اصْطِلاَحِ الْمُتَأَخِّرِينَ، بَلْ مَا يُسَمِّيهِ المُتَأَخِّرُونَ حَسَنًا قَدْ يُسَمِّيهِ الْمُتَقَدِّمُونَ ضَعِيفًا». اهـ.
قلت: ولا يلزم من أن تكون الأحاديث التي ذهب إليها أبو حنيفة ضعيفة عند المُحَدِّثِينَ ولو بالمعنى الذي أرادء السلف، أن تكون كذلك عند أبي حنيفة، بل لا بد أن تكون صحيحة عنده بناء على أصوله العامة، والأنظار في مثل هذا قد تختلف، وما يُصَحِّحُهُ إمام، قد لا يكون كذلك عند إمام آخر.
وأيًا ما كان فإن اعتراف مثل ابن حزم وابن القيم، وهما من أكبر من يَرُدُّ على الحَنَفِيَّةِ، بأن مذهب أبي حنيفة تقديم الخبر الضعيف على القياس مفيد فيما نحن بصدده، وأيضًا فقد قدمنا لك أن مذهب أبي حنيفة قبول
[ ٤٥٦ ]
المراسيل وتقديمها على القياس عنده، بينما الشافعي لا يقبله إلا بشروط، وَالمُحَدِّثُونَ جميعًا يرفضونه، ولا شك أن مذهب أبي حنيفة في المراسيل هو مذهب من لا يلجأ إلى القياس إلا إذا أعيته الحيلة فلم يجد أثرًا صحيحًا يعتمد عليه، فمن أين - إذًا - جاءت الفرية عليه بأنه كان يُقَدِّمُ الرأي على الحديث؟.
ينقل لنا الخطيب البغدادي في "ت اريخه " عن عدد من الرُوَاةِ أنهم واجهوا أبا حنيفة بأحاديث فلم يقبلها، ويروي لنا عن يوسف بن أسباط أن أبا حنيفة رَدَّ على رسول الله - ﷺ - أربعمائة حديث أو أكثر، ومع ذلك فلم يذكر من هذه الأربعمائة إلا أربعة أحاديث .. ويروي لنا عن وكيع قوله: «وَجَدْنَا أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ مِائَتَيْ حَدِيثٍ». وعن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: «أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اسْتَقْبَلَ الآثَارَ وَالسُنَنَ، فَرَدَّهَا بِرَأْيِهِ».
ومهما يكن من صحة نسبة هذه الأقوال إلى أصحابها، ومنهم من عرف بصحبة الإمام وأخذه عنه، مِمَّا يكذب نسبة تلك الأقوال إليه، فإن الذي لا شك فيه أن بعض المُحَدِّثِينَ في عصره أخذوا عليه تركه لبعض الآثار التي صَحَّتْ عندهم.
وقد أخذ ابن أبي شيبة على أبي حنيفة مخالفته للحديث في مائة وخمس وعشرين مسألة، أي مائة وخمسة وعشرين حَدِيثًا، فكيف جاز ذلك لأبي حنيفة؟ مع ما نقل الشافعي من إجماع أهل العلم أنه لا يجوز لمسلم مخالفة حديث صَحَّ عن رسول الله - ﷺ -، ومع قول أبي حنيفة نفسه: «مَاجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ».
والجواب من وجوه:
١ - إن الأنظار قد تختلف في تصحيح حديث أو تضعيفه من حيث الرُوَاةِ، فمن يراه أبو حنيفة - مثلًا - عدلًا ثقة قد يجد فيه غيره مغمزًا، ولا شك أن أبا حنيفة أدرى بشيوخه الذين أخذ عنهم، وهو متقدم في الزمن عمن نقد شيوخه من بعده، وكثيرًا ما لا يكون بينه وبين الصحابي إلا
[ ٤٥٧ ]
راويان فقط وفي هذه الحالة يسهل عليه أن ينقد هذين الراويين لقرب عهده بهم ولوجود من يعرفهم فيسأل أبو حنيفة عنهم، أما غير شيوخه من رُوَاةِ الحجاز والشام مثلًا فقد يتوقف كثيرًا في أمرهم، وقد يرى فيهم غير ما يراه تلاميذهم، ومن ثم ترك العمل لبعض الأحاديث التي صحت عند غيره، كما ترك العمل ببعض الحديث الذي صح عنده.
٢ - إن المجتهد قد يرى في الحديث - الذي صح عنده وعند غيره - ما يخرجه عن ظاهره إلى وجه آخر لدليل قام عنده، أو ما يدعوه لترك العمل به لِعِلَّةٍ خَفِيَّةٍ أو معارضة لدليل أقوى منه عند المجتهد، أو لاعتقاده وَهْمَ الرَّاوِي أو نسخ الحديث، أو تخصيص عمومه أو تقييد مطلقه، فيترك حينئذ العمل به، فيراه المُحدِّثُ أو غيره تركًا للعمل بالحديث، وقد عد الليث بن سعد في " كتابه اٍلى مالك " سبعين حَدِيثًا صحيحًا ترك مالك العمل بها (١)، وهي مِمَّا أخرجها مالك في " المُوَطَّأ ".
وَقَلَّ أن تجد إمامًا إلا وقد ترك أحاديث صحت عنده لأدلة أخرى قامت في نفسه، فهذه المواقف لا يعرفها المُحدِّثُ ولا يقف على سِرِّهَا، ومن هنا كان الفرق بينه وبين الفقيه ما قال أبو حنيفة - ﵀ -: «مثل من يطلب الحديث ولا يتفقه، مثل الصيدلاني، يجمع الأدوية ولا يدري لأي داء هي، حتى يجيئ الطبيب، هكذا طالب الحديث لا يعرف وجه حديثه حتى يجيئ الفقيه» (٢).
وَاعْتَبِرْ هَذَا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - صَاحِبُ الإِمَامِ - قَالَ: سَأَلَنِي الأَعْمَشُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَأَنَا وَهُوَ لاَ غَيْرَ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ لِي: «مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا يَا يَعْقُوبُ؟» فَقُلْتُ: «بِالحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثْتَنِي أَنْتَ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ»، فَقَالَ لِي: «يَا يَعْقُوبُ إِنِّي لأَحْفَظُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمِعَ أَبَوَاكَ مَا عَرَفْتُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الآنَ».
وَأَخْرَجَ بِسَنَدِهِ إِلَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ١/ ١٤٨.
(٢) الموفق المكي في " المناقب ": ٢/ ٩١.
[ ٤٥٨ ]
فِي مَجْلِسِ الأَعْمَشِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلَمْ يُجِبْهُ فِيهَا، وَنَظَرَ فَإِذَا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: «يَا نُعْمَانُ، قُلْ فِيهَا» قَالَ: «الْقَوْلُ فِيهَا كَذَا»، قَالَ: «مِنْ أَيْنَ؟» قَالَ: «مِنْ حَدِيثِ كَذَا، أَنْتَ حَدَّثْتَنَاهُ»، قَالَ: فَقَالَ الأَعْمَشُ، «نَحْنُ الصَّيَادِلَةُ وَأَنْتُمُ الأَطِبَّاءُ» (١).
٣ - نحن لا ننكر أن أبا حنيفة قد يكون خَفِيَ عليه شيء مِنَ السُنَّةِ لم تصل إليه، فإن الصحابة تفرقوا في الأمصار، وفي كل مِصْرٍ حديث قد لا يكون في المِصْرِ الآخر، ولم يدع أحد في زمن الصحابة والتَّابِعِينَ ولا من بعدهم أنه أحاط بِالسُنَّةِ كلها، فهذا الشعبي تكلم شاب عنده يومًا فقال له الشعبي: «مَا سَمِعْنَاهُ بِهَذَا، فَقَالَ الشَابُّ: " كُلَّ العِلْمِ سَمِعْتَ؟ " قَالَ: " لاَ ". قَالَ: " فَشَطْرُهُ؟ " قَالَ: " لاَ ". قَالَ: " فَاجْعَلْ هَذَا فِي الشَطْرِ الثَّانِي الذِي لَمْ تَسْمَعْهُ "» (٢).
بل لقد خفي على عدد من جِلَّةِ الصحابة كثير من الأحاديث مع قربهم من رسول الله، فقد خفي عن عمر حَدِيثَ الجزية على المجوس، وحديث الرباء، حتى أخبره بهما عبد الرحمن بن عوف، وخفي عنه حديث الاستئذان حتى أخبره به أبو موسى، وخفي عنه وعن ابن مسعود حديث التيمم، وكان علمه عند عمار وغيره، وخفي على عائشة وابن عمر وأبي هريرة حديث المسح، وعلمه عَلِيٌّ وحذيفة، وخفي على عمر وزيد بن ثات حكم الإذن للحائض في أن تَنْفُرَ قبل أن تطوف، وعلمه ابن عباس وأم سليم، وخفي على ابن عباس تحريم المتعة حتى أخبره به الصحابة، وخفي على طلحة وابن عباس وابن عمر، حديث الصرف، وعلمه عمر وأبو سعيد وغيرهما، ومثل هذا كثير وقع من الصحابة (٣)، فلم يعبهم بذلك أحد، ولا رماهم بأنهم جهلة بحديث رسول الله - ﷺ -، وكثيرًا ما حكموا بخلاف ما روي لهم قبل أن يبلغهم ذلك، فأبو حنيفة أحق أن يعذر في مثل هذا الموطن.
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٣١.
(٢) " تدريب الراوي ": ١٠٨.
(٣) انظر ابن حزم في " الإحكام ": ٢/ ١٢٧.
[ ٤٥٩ ]
٤ - إن لأبي حنيفة شروطًا دقيقة في قبول الأخبار حمله عليها فُشُوُّ الكذب في الحديث في عهده، فأراد أن يحتاط لدين الله - ﷿ -، فَتَشَدَّدَ في قبول الأخبار، ومن شروطه في ذلك:
[١] ألا يعارض خبر الآحاد الأصول المجتمعة عنده بعد اسقراء موارد الشرع، فإذا خالف تَرَكَهُ، عملًا بأقوى الدليلين، وعد الخبر شاذًا.
[٢] ألا يعارض عمومات الكتاب وظواهره، فإذا عارضها أخذ بظاهر الكتاب وترك الخبر، عملًا بأقوى الدليلين، أما إذا كان بيانًا لمجمل، أو نصًا لحكم جديد، فيأخذ به.
٣ - ألا يخالف السُنَّة المشهورة، سواء أكانت قولية أو فعلية، عملًا بأقوى الدليلين.
٤ - ألا يعارض خبرًا مثله، فإذا تعارض رجح أحدهما بوجوه من الترجيح، كأن يكون أحد الصَحَابِيَيْنِ أفقه من الآخر، أو أحدهما فقيهًا والآخر غير فقيه، أو أحدهما شابًا والآخر هَرِمًا، ابتعادًا عن مظان الغلط.
٥ - ألا يعمل الراوي بخلاف حديثه، كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، فإنه مخالف لفتياه.
٦ - ألا يكون الخبر منفردًا بزيادة، سواء كانت في المتن أو السند، إذ يعمل بالناقص منهما، احتياطًا في دين الله.
٧ - ألا يكون فيما تعم به البلوى، إذ لا بد حينئذ من الشهرة أو التواتر.
٨ - ألا يترك أحد المختلفين في الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه أحدهم، إذ لو كان ثابتًا لاحتج به أحدهم.
٩ - ألا يسبق طعن أحد من السلف فيه.
١٠ - الأخذ بالأخف فيما ورد في الحدود والعقوبات عند اختلاف الروايات.
[ ٤٦٠ ]
١١ - أن يستمر حفظ الراوي لمرويه منذ التحمل إلى وقت الأداء من غير تخلل نسيان.
١٢ - ألا يخالف العمل المتوارث بين الصحابة والتَّابِعِينَ دُونَ تخصيص ببلد.
١٣ - ألا يعول الراوي على خَطِّهِ ما لم يذكر مرويه.
ذلك هو أهم ما اشترطه أبو حنيفة لصحة خبر الآحاد والعمل به (١)، ولاشك أن المُحَدِّثِينَ لا يوافقونه على أكثر هذه الشروط إن لم نقل كلها، وغيره من الأئمة يخالفونه في بعضها، ولسنا هنا بصدد الدفاع عن رأيه، أو الانتصار له، إنما الذي يهمنا أن نعرف عذر أبي حنيفة فيما تركه من أخبار الآحاد.
إذا تبين لك هذا، عرفت أن ما يتهم به أبو حنيفة من تركه السُنَّةَ وأخذه بالرأي، إن كان ذلك عن اجتهاد، فلا حرج عليه، وقد فعله أئمة قبله وأئمة بعده، وإن كان عن هوى وعناد، فحاشا لله أن يفعل ذلك أبو حنيفة، وهو الذي ثبتت إمامته وورعه ووقوفه عند حدود الله ورسوله.
أَمْثِلَةٌ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ:
وإليك بعد هذا، أمثلة من اجتهاده الذي خالف فيه بعض الأحاديث، وبيان وجهة نظره.
١ - اجتمع أبو حنيفة بالأوزاعي في دار الخياطين وتباحثا في العلم، قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «لِمَاذَا لاَ تَرْفَعُونَ أَيْدِيكُمْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ؟»، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «لأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -»، قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «كَيْفَ وَقَدْ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - " كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ "؟»، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «حَدَّثَنِي حَمَّادٌ عَنْ
_________________
(١) انظر " أصول " السرخسي: ١/ ٣٦٤ و" كشف الأسرار " للبزدوي، و" التقرير وشروحه " و" مسلَّم الثبوت " و" شرحه " في بحث خبر الآحاد.
[ ٤٦١ ]
إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - " كَانَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلاَّ عِنْدَ اقْتِتَاحِ الصَلاَةِ، وَلاَ يَعُودُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ "»، فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «أُحَدِّثُكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَتَقُولُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ»، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «كَانَ حَمَّادٌ أَفْقَهَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ أَفْقَهَ مِنْ سَالِمٍ، وَعَلْقَمَةُ لَيْسَ بِدُونِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِنْ كَانَ لابْنِ عُمَرَ صُحْبَةٌ، فَالأَسْوَدُ لَهُ فَضْلٌ كَبِيرٌ»، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «إِبْرَاهِيمُ أَفْقَهُ مِنْ سَالِمٍ، وَلَوْلاَ فَضْلُ الصُحْبَةِ لَقُلْتُ: إِنَّ عَلْقَمَةَ أَفْقَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللهِ هُوَ عَبْدُ اللهِ»، فَسَكَتَ الأَوْزَاعِيُّ (١).
٢ - واجتمع سفيان بن عيينة بأبي حنيفة فسأله: «هَلْ صَحِيحٌ أَنَّكَ تُفْتِي بِأَنَّ المُتَبَايِعَيْنِ لَيْسَ لَهُمَا الخِيَارُ إِذَا انْتَقَلاَ مِنْ حَدِيثِ البَيْعِ إِلَى حَدِيثٍ آخَرَ غَيْرَهُ وَلَوْ ظَلاَّ مُجْتَمِعَيْنِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ؟» قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ سُفْيَانُ: «كَيْفَ وَقَدْ صَحَّ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ: " «البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» "؟» قَالَ أَبُوْ حَنِيفَةَ: «أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَا فِي سِجْنٍ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَا فِي سَفَرٍ؟ كَيْفَ يَفْتَرِقَانِ؟». اهـ.
فأنت ترى أن أبا حنيفة لَمْ يَرُدَّ الحديث، ولكنه فهم من التفرق، تفرق الأقوال لا الأجسام، مُرَاعَاةً للمقصود من العقود، وللحكمة من هذه الرخصة تشمل كثيرين، كالمسافرين في سفينة واحدة أو في سفر واحد، أو الموجودين في سجن واحد، فهؤلاء قد يظلون معًا أيامًا وشهورًا، فهل نقول: إنهما ما داما مجتمعين في مكان واحد فالبيع لم يتم، ولكل واحد منهما الخيار في فسخه متى شاء؟ وحمل التفرق الوارد على الأقوال جائز ووارد في القرآن وَالسُنَّةُِ، مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) ومثل قوله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - «افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ » إلخ. فالذي لا يلاحظ دقة نظر الإمام في هذا الاستنباط
_________________
(١) " حُجَّةُ اللهِ البَالِغَةُ ": ١/ ٣٣١ و" محاسن المساعي في سيرة الأوزاعي ": ص ٦٧، و" فتح القدير " لابن الهُمام: ١/ ٢١٩، و" عقود الجواهر المنيفة ": ١/ ٦١.
(٢) [سورة آل عمران، الآية: ١٠٣].
[ ٤٦٢ ]
ويسمع بأن أْبا حنيفة يُفْتِي بأن المتبايعين متى أوجبا العقد لا خيار لهما ولو كانا في مجلس واحد، يحكم لأول وهلة بأن أبا حنيفة خالف الحديث، وليس الأمر كذلك.
٣ - وإليك مثلًا مِمَّا أورده ابن أبي شيبة على أبي حنيفة «أخرج ابن أبي شيبة بسنده إلى محمد بن النعمان بن بشير، أن أباه النعمان نَحَلَهُ غُلاَمًا، وَأَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - ليشهده، فقال: " أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا؟ " قَالَ:" لاَ "، قَالَ: " فَارْدُدْهُ ". ثم أورد لهذا الحديث طريقين آخرين بألفاظ مختلفة، وَقَالَ في آخرها: وذكر أن أبا حنيفة قَالَ: " لاَ بَأْسَ بِهِ "».
وجوابه كما في " النكت الطريفة " لِلْعَلاَّمَةِ الكَوْثَرِي: «اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثٍ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي النُّحْلِ بِحَيْثُ وَسَّعَتْ عَلَى أَئِمَّةِ الفِقْهِ نِطَاقَ الاجْتِهَادِ، فَرَأَىَ جُمْهُورُهُمْ أَنَّ الأَمْرَ بِالتَّسْوِيَةِ لِلْنَّدْبِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، فَأَجَازُوا أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ بَنِيهِ دُونَ بَعْضٍ بِالنُّحْلَةِ وَالعَطِيَّةِ عَلَىَ كَرَاهِيَةٍ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَالتَّسْوِيَةُ أَحَبُّ إِلَى جَمِيعِهِمْ، وَيَرَى بَعْضُهُمْ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ فِي العَطِيَّةِ لِظَاهِرِ بَعْضِ أَلْفَاظِ الرِّوَايَةِ، مِنْهُمْ ابْنُ الْمُبَارَكَ وَأَحْمَدُ وَالظَّاهِرِيَّةُ، وَكَانَ إِسْحَاقُ مَعَهُمْ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ.
وَالإِجْمَاعُ عَلَىَ جَوَازِ هِبَةِ المَرْءِ لِمَالِهِ لِلْغَرِيبِ مِمَّا يُؤَيِّدُ رَأْيَ الجُمْهُوْرِ، وَلاَ نَصَّ حَيْثُ يَكُونُ احْتِمَالٌ، فَلاَ يَكُونُ مَعْنَى لِمَا يُقَالُ: لاَ قِيَاسَ فِي مَوْرِدِ الاجْتِهَادِ هُنَا. وَقَدْ أَوْرَدَ البَيْهَقِيُّ نَحْوَ عَشَرَةِ وُجُوهٍ فِي تَأْيِيدِ أَنَّ الأَمْرَ بِالتَّسْوِيَةِ هُنَا لِلْنَّدْبِ وَإِنْ نَاقَشَهُ فِيهَا بَعْضُهُمْ.
وَسَبَبُ اخْتِلاَفِ الفُقَهَاءِ فِي حَمْلِ تِلْكَ الأَحَادِيثَ عَلَىَ الوُجُوبِ أَوْ عَلَىَ النَّدْبِ هُوَ اخْتِلاَفُ أَلْفَاظِهَا، فَقَوْلُهُ فِي هَذَا «فَأَرْجِعْهُ»، وَقَوْلُهُ فِي الآخَرِ «أُشْهِدُ عَلَى هَذَا غَيْرِي» وَفِي آخَرَ «أَيَسُرُّكِ أَنْ يَكُونُوا فِي البِرِّ سَوَاءٌ» تَدُلُّ عَلَىَ النَّدْبِ، وَهُنَاكَ أَلْفَاظٌ تُؤْذِنُ بِالوُجُوبِ مِثْلَ «لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ»، إِلاَّ
[ ٤٦٣ ]
إِذَا حُمِلَ الجَوْرُ عَلَىَ مُجَرَّدِ المَيْلِ لِقَرَائِنَ قَائِمَةً، حَتَّى قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: «وَالجَمْعُ بَيْنَ أَحَادِيثِ البَابِ أَوْلَى مِنْ طَرْحِ بَعْضِهَا، وَمِنْ تَوْهِينِ الحَدِيثِ بِالاضْطِرَابِ فِي أَلْفَاظِهِ، وَوَجْهُ الجَمْعِ أَنْ تُحْمَلَ كُلُّهَا عَلَىَ النَّدْبِ» ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ حَمْلِهَا كُلِّهَا عَلَىَ النَّدْبِ فِي " شَرْحِهِ عَلَىَ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ".
وَنَحْنُ نَرَى أَنْفُسَنَا فِيْ غُنْيَةِ عَنْ التَّوَسُّعِ هُنَا بِأَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا، لأَنَّ المَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو حَنِيْفَةَ، بَلْ مَعَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ الفِقْهِ. وَتَفْضِيلُ أَبِيْ بَكْرٍ لِعَائِشَةَ وَعُمَرَ لِعَاصِمٍ فِي العَطِيَّةِ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَكَذَا فَعَلَ غَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَإِقْدَامُهُمْ عَلَىَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلَى الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ بِالتَّسْوِيَةِ لِلْنَّدْبِ» (١).
هذا مثل مِمَّا أورده ابن أبي شيبة على أبي حنيفة من تركه العمل بالأحاديث في مائة وخمس وعشرين مسألة، ومن الجواب تعلم أن الإمام لم يترك العمل بها تقديمًا للرأي عليها، وإنما فعل ذلك عن اجتهاد منه، ومثله يعذر، كما يعذر كل إمام فيما يؤدي إليه رأيه من اجتهاد.
كما ينبغي أن نعلم أن ما ذكره ابن أبي شيبة من المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة الحديث لم ينفرد وحده بما أدى إليه اجتهاده، بل أكثرها قد وافقه فيها إمام أو أكثر من أئمة الجمهور.
حَلَقَةُ أَبِي حَنِيفَةَ العِلْمِيَّةَ:
ومن علم طريقة أبي حنيفة مع تلاميذه في الاجتهاد، وما كانت تضمه حلقته من فحول العلماء أيقن أن مثله لا يصح أن يوجه إليه تلك المطاعن.
أخرج ابن أبي العوام، قال: حدثني الطحاوي قال: «كَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ أَبِي ثَوْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نُوحٌ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ لِي المُغِيرَةُ بْنِ حَمْزَةَ: كَانَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ الَذِينَ دَوَّنُوا مَعَهُ الكُتُبَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا كُبَرَاءَ الكُبَرَاءِ». اهـ.
وبسنده إلى أسد بن الفرات أنه كان في العشرة المُتَقَدِّمِينَ من
_________________
(١) " النكت الطريفة ": ص ٢١ - ٢٢.
[ ٤٦٤ ]
الأربعين: أبو يوسف. وزفر بن الهذيل، وداود الطائي، وأسد بن عمرو، ويوسف بن خالد السمتي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو الذي كان يكتبها لهم ثلاثين سَنَةً.
وَبِسَنَدِهِ إِلَى أَسَدٍ أَيَضًا قَالَ: «كَانُوا يَخْتَلِفُونَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي جَوَابِ المَسْأَلَةِ، فَيَأْتِي هَذَا بِجَوَابٍ وَهَذَا بِجَوَابٍ، ثُمَّ يَرْفَعُونَهُ إِلَيْهِ وَيَسْأَلُونَهُ عَنْهَا فَيَأْتِي الجَوَابُ مِنْ كَثَبٍ، أَيْ: مِنْ قُرْبٍ، وَكَانُوا يُقِيمُوْنَ فِي المَسْأَلَةِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَكْتُبُونَهَا فِي الدِّيوَانِ».
وعن إسحاق بن إبراهيم، قال: كان أصحاب أبي حنيفة يخوضون معه في المسألة فإذا لم يحضر عافية بن يزيد قال أبو حنيفة: «لاَ تَرْفَعُوا المَسْأَلَةَ حَتَّىَ يَحْضُرَ عَافِيَةٌ»، فإذا حضر ووافقهم قال أبو حنيفة: «أَثْبِتُوهَا». وإن لم يوافقهم قال أبو حنيفة: «لاَ تُثْبِتُوهَا». اهـ.
وَقَالَ يَحْيَىَ بْنُ مَعِينٍ فِي " مَعْرِفَةِ التَّارِيْخِ وَالعِلَلِ " عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ: سُمِعْتُ زُفَرَ يَقُولُ: كُنَّا نَخْتَلِفُ إِلَى أَبِي حَنِيْفَةَ وَمَعَنَا أَبُو يُوَسُفَ وَمُحَمَّدٌ بْنِ الحَسَنِ، فَكُنَّا نَكْتُبُ عَنْهُ، قَالَ زُفَرُ: فَقَالَ يَوْمَا أَبُوْ حَنِيْفَةَ لأَبِيْ يُوَسُفَ: «وَيْحَكَ يَا يَعْقُوْبُ لاَ تَكْتُبُ كُلَّ مَا تَسْمَعُ مِنِّي، فَإِنِّيَ قَدْ أَرَىَ الرَّأْيَ اليَوْمَ وَأَتْرُكُهُ غَدًا وَأَرَىَ الرَّأْيَ غَدًا وَأَتْرُكُهُ فِي غَدِهِ». اهـ.
ومن هنا نعلم صدق ما يقول الموفق المكي من أن أبا حنيفة وضع مذهبه شورى ولم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجْتِهَادًا منه في الدين ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين (١).
وَمِنْ هُنَا أَيْضًا تَعْلَمُ طَرَافَةَ مَا أَخْرَجَهُ الخَطِيْبُ (٢) عَنْ ابْنِ كَرَامَةَ، قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ وَكِيعٍ يَوْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: " أَخْطَأَ أَبُوْ حَنِيْفَةَ "، فَقَالَ وَكِيْعُ: " كَيْفَ يَقْدِرُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يُخْطِيءَ، وَمَعَهُ مِثْلُ أَبِي يُوَسُفَ وَزُفَرَ فِي قِيَاسِهِمَا، وَمِثْلُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَحَفْصَ بْنَ غَيَاثٍ وَحِبَّانَ وَمَنْدَلَ فِيْ حَفِظَهِمْ لِلْحَدِيثِ،
_________________
(١) " حسن التقاضي ": ص ١٢.
(٢) " تاريخ بغداد ": ١٤/ ٤٧.
[ ٤٦٥ ]
وَالْقَاسِمَ بْنَ مَعْنٍ فِي مَعْرِفَتِهِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَدَاوُدَ الطَّائِيَِّ وَفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ فِيْ زَهْدِهِمَا وَوَرَعِهِمَا؟ وَمَنْ كَانَ هَؤُلاَءِ جُلَسَاؤُهُ لَمْ يَكَدْ يُخْطِىءُ لأَنَّهُ إِنْ أَخْطَأَ رَدُّوهُ». اهـ.
ونحن لسنا مع وكيع في أن أبا حنيفة لا يخطيء، ولكننا نرى معه أن إمامًا كأبي حنيفة اجتمع له من الأصحاب والبيئة وقرب العهد بالصحابة والفهم الثاقب والاجتهاد البالغ في دين الله لا يصح بحال أَنْ تُشَنَّ عليه تلك الحملة الظالمة التي بدأت في عصره من تنافس الأقران وجهل الرُوَاةِ وَتَزَيُّدِ المُتَخَرِّصِينَ، ثم ما زالت تمتد حتى بلغت أوْجَهَا بعد انتهاء فتنة خلق القرآن، حين حمل كثير من أهل الحديث على أبي حنيفة وأصحابه فَجرَّحَهُ بعضهم وَجَرَّحُوا كثيرًا من أصحابه لا لشيء إلا انتقامًا من المعتزلة الذين أذاقوا أهل الحديث صُنُوفًا من العذاب والاضطهاد، وقد كان جمهور المعتزلة يأخذ بمذهب أبي حنيفة في الفروع، فهذا هو سِرُّ تلك الحملة المتأخرة، وذلك هو سِرُّ تلك الحملة المتقدمة، يقول الخطيب البغدادي: «مَا تَكَلَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلاَ أَبُو يُوَسُفَ وَلاَ زُفَرَ وَلاَ مُحَمَّدٌ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي القُرْآنِ بِشْرُ المَرِيسِيُّ وَابْنُ أَبِي دُؤَادٍ، فَهَؤُلاَءِ شَانُوا أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ» (١).
كَلِمَةُ إِنْصَافٍ:
ويعجبني في هذا المقام قول الحافظ ابن عبد البر - ﵀ - في " جامع بيان العلم " (٢): «وَأَفْرَطَ أَصْحَابُ الحَدِيثِ فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - وَتَجَاوَزُوا الحَدَّ فِي ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ المُوجِبُ لِذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِدْخَالُهُ الرَّأْيَ وَالْقِيَاسَ عَلَى الآثَارِ وَاعْتُبَارُهُمَا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِذَا صَحَّ الأَثَرُ مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ بَطَلَ الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ، وَكَانَ رَدُّهُ لِمَا [رَدَّ] (*) مِنَ الأَحَادِيثِ بِتَأْوِيلٍ مُحْتَمَلٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مِمَّنْ قَالَ بِالرَّأْيِ، وَجُلُّ مَا يُوجَدُ لَهُ مِنْ
_________________
(١) " تاريخ بغداد ": ١٣/ ٣٣٧.
(٢) ٢/ ١٤٨. ----------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [في المطبوع جاءت كالتالي [وَرَدَ] وفي كتاب " جامع بيان العلم " لابن عبد البر: [رَدَّ] كما أَثْبَتُّهَا، انظر " جامع بيان العلم وفضله "، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، ٢/ ١٠٨٠، ٢١٠٤. الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية].
[ ٤٦٦ ]
ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ اتِّبَاعًا لِأَهْلِ بَلَدِهِ كَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَّا أَنَّهُ أَغْرَقَ وَأَفْرَطَ فِي تَنْزِيلِ النَّوَازِلِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَالْجَوَابِ فِيهَا بِرَأْيِهِمْ وَاسْتِحْسَانِهِمْ، فَيَأْتِي مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ خِلَافٌ كَثِيرٌ لِلسَّلَفِ وَشُنَعٌ هِيَ عِنْدَ مُخَالِفِيهِمْ بِدَعٌ (هذا رأي ابن عبد البر) وما أعلم أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية أو مذهب في سُنَّةٍ، رد من أجل ذلك المذهب سُنَّةً أخرى بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا وهو يوجد لغيره قليل». (هذا رأي ابن عبد البر) وبعد أن ذكر ما أحصاه الليث بن سعد على مالك من مخالفته لِلْسُنَّةِ، قال: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ يُثْبِتُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ يَرُدُّهُ دُونَ ادِّعَاءِ نَسْخِ ذَلِكَ بِأَثَرٍ مِثْلِهِ، أَوْ بِإِجْمَاعٍ أَوْ بِعَمَلٍ يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ الانْقِيَادُ إِلَيْهِ أَوْ طَعْنٍ فِي سَنَدِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَّخَذَ إِمَامًا وَلَزِمَهُ اسْمُ الْفِسْقِ، وَلَقَدْ عَافَاهُمُ اللَّهُ - ﷿ - مِنْ ذَلِكَ، وَنَقَمُوا أَيْضًا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الإِرْجَاءَ». (أقول: والتحقيق أن إرجاءه هو محض السُنَّةِ) ومن أهل العلم مِمَّنْ ينسب إلى الإرجاء كثير، لم يعن أحد بنقل قبيح ما قيل فيه، كما عنوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان أيضًا - مع هذا - يُحْسَدُ ويُنسب إليه ما ليس فيه ويُختلق عليه ما لا يليق، وقد أثنى عليه جماعة من العلماء وفضلوه » ثم قال - بعد أن ذكر ثناء جماعة من العلماء عليه -: «وَكَانَ يُقَالُ: يُسْتَدَلُّ عَلَى نَبَاهَةِ الرَّجُلِ مِنَ الْمَاضِينَ بِتَبَايُنِ النَّاسِ فِيهِ قَالُوا: أَلاَ تَرَى إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵇ -، أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ فِيهِ [فَتَيَانِ] مُحِبٌّ [مُفْرِطٌ] وَمُبْغِضٌ [مُفَرِّطٌ]، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ " أَنَّهُ يَهْلِكُ فِيهِ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُطْرٍ وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ "، وَهَذِهِ صِفَةُ أَهْلِ النَّبَاهَةِ وَمَنْ بَلَغَ فِي الدِّينِ وَالْفَضْلِ الْغَايَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ».
[ ٤٦٧ ]
٢ - الإِمَامُ مَالِكٍ:
(٩٣ - ١٧٩ هـ)
حَيَاتُهُ وَمَكَانَتُهُ العِلْمِيَّةُ:
هو أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة وَمُحَدِّثُهَا الأشهر، ولد بالمدينة سنة ٩٣ هـ. وذكر ابن الديبع الشيباني في مقدمة " تيسير الوصول " أن ولادته كانت سَنَةَ ٩٥، ونشأ بها وتوفي فيها عام ١٧٩ هـ عن ستة وثمانين سَنَةٍ، تلقى العلم عن ربيعة الرأي وأخذ عن كبار الفقهاء من التَّابِعِينَ، وسمع كثيرًا من الزُّهْرِي، حتى ليعتبر من أشهر تلاميذه، كما سمع من نافع مولى ابن عمر واشتهر بالرواية عنه حتى أصبحت روايته تسمى في عُرْفِ بعض المُحَدِّثِينَ بالسلسلة الذهبية، وهي (مالك عن نافع عن ابن عمر)، وما زال دائبًا في طلب العلم وتحصيله حتى أصبحت له الإمامة في الحجاز، وأطلق عليه عالم المدينة وإمام دار الهجرة، وانتشر صِيتُهُ في الآفاق، فهرع إليه أهل العلم من مختلف بقاع الأرض، وكان يعقد للحديث مجلسًا في مسجد النَّبِيِّ - ﷺ - في وقار وأدب وحشمة، متطيبًا لابسًا أحسن ثيابه، لا يرفع صوته فيه إجلالًا للرسول.
أُصُولُ مَذْهَبِهِ:
عرف مالك - ﵀ - بالفقه والحديث معًا، وقد عرف باحتجاجه بالمرسل كأبي حنيفة، وقد أخرج من المراسيل عددًا في " موطئه "، وكانت أصول مذهبه هي الأصول المعتبرة لدى الأئمة: الكتاب وَالسُنَّةُ والإجماع والقياس، وزاد عليها شيئين: عمل أهل المدينة والمصالح المرسلة، أما هذه الأخيرة فقال: «قال بها أكثر الأئمة»، وأما عمل أهل المدينة فقد اعتبره حُجَّةً
[ ٤٦٨ ]
دالة على ما كان عليه النَّبِيّ - ﷺ - من فعل أو حال، ولا يعتبر عملهم حُجَّةً إلا إذا كانوا مجمعين عليه متوارثين العمل به جيلًا بعد جيل حتى عهد الرسول الكريم، وهو يرى أنهم لا يلتزمون أمرًا ويعملون به جميعًا إلا إذا كان أمرًا مشروعًا عمل به الصحابة في عهد الرسول وأقرهم عليه ثم توارثه من بعدهم ودرجوا عليه.
وعمل أهل المدينة عنده أقوى من حديث الاَحاد، فإذا تعارض خبر الواحد مع عمل أهل المدينة رجح الثاني، ومن هنا استدرك عليه الليث بن سعد سبعين سُنَّةً ترك الأخذ بها وهي في " موطئه "، ولم يوافقه بقية الأئمة والعلماء من بعده على هذا. وَمِمَّنْ ناقشه في ذلك الإمام الشافعي - ﵀ -، وتتالى العلماء من بعده يناقشونه في ذلك، ومن أشهر من رَدَّ عليه حُجِيَّةَ عمل أهل المدينة ابن حزم، فقد ناقشه في كتابه " الإحكام في أصول الأحكام " نقاشًا قويًا، وكذلك رَدَّ عليه في بحوث متفرقة من كتابه " المُحَلَّى " وهو شديد الوطأة في نقاشه العلمي مع كل من يخالفهم (١).
وقد انتشر مذهب مالك في كثير من أقطار العالم الإسلامي وخاصة في المغرب (*) ومصر.
" المُوَطَّأُ ": - مَكَانَتُهُ - رِوَايَاتُهُ وَأَحَادِيثُهُ - شُرُوحُهُ:
ولعل أشهر ما عرف به الإمام مالك - ﵀ -، كتابه " المُوَطَّأ " الذي ألفه بإشارة من المنصور حين حج وطلب إليه أن يُدَوِّنُ كتابًا جامعًا في العلم يتجنَّبُ فيه شدائد ابن عمر وَرُخَصَ ابن عباس، وأن يُوَطِّئَهُ للناس، فألف كتابه هذا، وسمَّاه " المُوَطَّأ " وذكر السيوطي لهذه التسمية سببًا آخر، وهو ما روي أن مالكًا قال: «عَرَضْتُ كِتَابِي هَذَا عَلَى سَبْعِينَ فَقِيهًا مِنْ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ فَكُلُّهُمْ وَاطَأَنِي عَلَيْهِ فَسَمَّيْتُهُ " المُوَطَّأ "» ثم جاء المهدي حَاجًّا فسمعه منه وأمر له بخمسة آلاف دينار ولتلاميذه بألف، ثم رحل إليه الرشيد في
_________________
(١) انظر " الإحكام ": ٢/ ٩٧ - ١٢٠. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [يقصد الدكتور السباعي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - ما يسمى اليوم بالمغرب العربي، والعبارة (المغرب) إذا أطلقت في السابق فتشمل كل من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وموريتانيا].
[ ٤٦٩ ]
إحدى حججه، مع أولاده وسمعه منه، ورغب أن يعلقه في الكعبة ويحمل الناس على العمل بما جاء به فأجابه - ﵀ -: «لاَ تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَإِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - اخْتَلَفُوا فِي الفُرُوعِ وَتَفَرَّقُوا فِي البُلْدَانِ، وَكُلٌّ مُصِيبٌ» فَعَدَلَ الرَّشِيدُ عَنْ ذَلِكَ، رواه أبو نعيم في " الحِلْيَةِ ".
وقد وضع الله له القبول في قلوب الناس، فأقبلوا عليه دراسة وسماعًا، ومن أشهر الأئمة الذين سمعوه من مالك: الأوزاعي، والشافعي، ومحمد، ورواية محمد له هي إحدى روايات " المُوَطَّأ " المشهورة والمعتبرة كما سيأتي.
وقد عني مالك - ﵀ - بتأليفه وتدوين الأحاديث الصحيحة فيه حتى قالوا: إنه مكث فيه أربعين سَنَةً يُهَذِّبُهُ وَيُنَقِّحُهُ، ويستدل لذلك بما رواه السيوطي في مقدمة " شرحه للموطأ " عن الأوزاعي، أنه قال: «عَرَضْنَا عَلَى مَالِكٍ " المُوَطَّأَ " فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَالَ: كِتَابٌ أَلَّفْتُهُ فِي أَرْبَعِينَ سَنَةٍ، أَخَذْتُمُوهُ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَا أَقَلَّ مَا تَفْقَهُونَ فِيهِ».
وقد جرى في " المُوَطَّأ " على أن يُبَوِّبَهُ على أبواب العلم المختلفة، ويذكر في كل باب ما جاء فيه من الحديث عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - ثم ما ورد من الآثار عن الصحابة والتَّابِعِينَ، وكانوا في جمهرتهم من أهل المدينة، لأن مالكًا - ﵀ - لم يغادرها، وأحيانًا يفسر كلمات الحديث بعد سرده، وَيُبَيِّنُ المراد من بعض عباراته، وكان ينص على عمل أهل المدينة في الأبواب التي جاء فيها من حديث الآحاد ما يعارض ذلك العمل.
أما درجة " المُوَطَّأ " في السُنَّة فقد اختلفت آراء العلماء.
فقال قوم: بأنه مُقَدَّمٌ على " الصَحِيحَيْنِ " لمكانة الإمام مالك - ﵀ -، ولما عرف عنه من التثبت والتمحيص، وحسبك أنه أَلَّفَهُ في أربعين سَنَةٍ، وَمِمَّنْ ذهب إلى هذا الرأي ودافع عنه، ابن العربي، وهو رأي جمهور المالكية.
ومنهم من جعله مع " الصَحِيحَيْنِ " في مرتبة واحدة، وإليه يشير كلام
[ ٤٧٠ ]
الدهلوي في " حُجَّةُ اللهِ البَالِغَةُ " حيث تحدث في طبقات كُتُبِ السُنَّةِ، وجعل في الطبقة الأولى منها، " المُوَطَّأ " و" الصَحِيحَيْنِ ".
ومنهم من رأى مرتبته دُونَ مرتبة " الصَحِيحَيْنِ "، وهو رأي جمهور المُحَدِّثِينَ، وَيُعبِّرُ عن سِرِّ ذلك ابن حجر حيث يقول: «إِنَّ كِتَابَ مَالِكٍ صَحِيحٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ مِنَ الاحْتِجَاجِ بِالمُرْسَلِ وَالمُنْقَطِعِ وَغَيْرِهِمَا» وقد عرفت عدم اعتداد المُحَدِّثِينَ بالمرسل والمنقطع وما عدا المتصل، فلا جرم إن كانت مرتبة " المُوَطَّأ " - عندهم - دُونَ مرتبة " الصَحِيحَيْنِ ".
وقد أجاب أصحاب القولين عن وجود المرسل والمنقطع في " المُوَطَّأ " بأنها متصلة السند من طرق أخرى، فلا جرم أنها صحيحة من هذا الوجه.
ومِمَّنْ عَنِيَ بِوَصْلِ مَا فِيْ " الْمُوَطَّأِ " مِنْ مُرْسَلٍ وَمُنْقَطَعٍ وَمُعْضَلٍ، الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَمِمَّا قَالَهُ: «وَجَمِيِعِ مَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ " بَلَغَنِيَ "، وَمِنْ قَوْلِهِ " عَنْ الثِّقَةِ " عِنْدَهُ مِمَّا لَمْ يُسْنِدْهُ، وَاحِدٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا كُلُّهَا مُسْنَدَةٌ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ، إِلاَّ أَرْبَعَةَ، لاَ تَعْرِفُ وَهِيَ:
١ - «إِنِّي لاَ أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّىَ».
٢ - «إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لاَ يَبْلُغُوا مِنْ العَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ».
٣ - قول معاذ: «آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -[حِينَ جَعَلتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ (١)]؛ أَنْ قَالَ: " حَسِّنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ "».
٤ - «إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً (أَيْ سَحَابَةٌ) ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَة» أَيْ: (كَثِيرَةَ المَاءِ).
_________________
(١) هو موضع الركاب من رحل البعير.
[ ٤٧١ ]
وقد دافع العلماء عن هذه الأحاديث الأربعة بأن معاني هذه الأحاديث صحيحة واستشهدوا لها بما في كُتُبِ السُنَّةِ، ولكن الشيخ الشنقيطي في كتابه " إضاءة الحالك " نقل عن ابن الصلاح أنه وصل هذه الأحاديث الأربعة، والذي استظهره السيوطي «إِطْلاَقُ أَنَّ " المُوَطَّأَ " صَحِيحٌ لاَ يَسْتَثْنِي مِنْهُ شَيْءٌ لأَنَّ مَا فِيهِ مِنَ المَرَاسِيلِ مَعَ كَوْنِهِ حُجَّةً عِنْدَهُ بِلاَ شَرْطٍ، وَعِنْدَ مَنْ يُوَافِقُهُ مِنْ الأَئِمَّةِ فِي الاحْتِجَاجِ بِالمُرْسَلِ، فَهُوَ أَيْضًا حُجَّةَ عِنْدَنَا لأَنَّ الْمُرْسَلَ - عِنْدَنَا - حُجَّةَ إِذَا اعْتُضِدَ، وَمَا مِنْ مُرْسَلٍ فِيْ " المُوَطَّأَ " إِلاَّ وَلَهُ عَاضِدٌ أَوْ عَواضِدَ» (١).
هذا وقد زعم ابن حزم أَنَّ في " المُوَطَّأ " أحاديث ضعيفة، وَهَّاهَا العلماء، وقد تَعَقَّبَهُ اللَّكْنَوِي: «بِأَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إِلَى حَدِّ السُّقُوطِ وَالوَضْعِ، وَلَعَلَّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ تَوْهِينِ العُلَمَاءِ لِبَعْضِ تِلْكَ الأَحَادِيثِ نَاشِئٌ مِنْ حُكْمِهُمُ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ إِلَى الطُّرُقِ التِي وَصَلَتْهُمْ، أَمَّا بِالنَّظَرِ لِطَّرِيقِ مَالِكٍ فَهِيَ عِنْدَهُ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ رَأْيُِهُ فِيْ شُيُوخِهِ وَمَنْ رَوَىَ عَنْهُمْ إِذْ هُوَ أَدْرَى؟ بِهِمْ وَأَعْرَفُ».
وقد بلغت روايات " المُوَطَّأ " المتداولة نحوًا من ثلاثين نسخة من أشهرها: "موطأ يحيى بن يحيى الليثي " و"موطأ ابن بُكَيْرٍ " و"موطأ أبي مُصعب " و"موطأ ابن وَهْبٍ " و"موطأ الإمام محمد بن الحسن " وهذه النسخ تختلف فيما بينها تقديمًا وتأخيرًا وزيادة ونقصًا لاختلاف الزمن الذي رويت فيه عن مالك، مع ما كان عليه - ﵀ - من إدامة النظر في " موطئه " فلا يبعد أن يزيد فيه أحيانًا، وأن ينقص منه أحيانًا حسبما يتراءى له من النظر.
ولهذا اختلفت الأقوال في عدد أحاديث " المُوَطَّأ " نظرًا لاختلاف النسخ المتداولة، فأبو بكر الأَبْهُرِي يقول: «جُمْلَةُ مَا فِي " المُوَطَّأِ " مَنَ الآثَارِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، أَلْفٌ وَسَبْعُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، المُسْنَدُ
_________________
(١) " شرح الموطأ ": ص ٨.
[ ٤٧٢ ]
مِنْهَا سِتُّمِائَةِ حَدِيثٍ، وَالمُرْسَلُ مِائَتَانِ وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَالمَوْقُوفُ سِتُّمِائَةِ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ، وَمِنْ قَوْلِ التَّابِعِينَ مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ».
أما " موطأ محمد بن الحسن " وهو من أشهر نسخ " المُوَطَّأ " وله شهرة عظيمة في الحرمين والهند، فقد بلغ ما فيه من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة على الصحابة ومن بعدهم - مسندة، ومرسلة، ومنقطعة - ثمانين ومائة وألفًا، منها عن مالك خمسة وألف، ومنها عن أبي حنيفة، ثلاثة عشر، وعن أبي يوسف، أربعة والباقي عن غيرهما.
وما زال علماء الحديث يتداولون " المُوَطَّأ " شرحًا وتخريجًا، ومِمَّنْ شرحه الحافظ ابن عبد البر (٤٦٣) فقد ألف فيه شرحين:
الأول: " التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد " رَتَّبَ فيه شيوخ مالك على حروف المعجم، وقد قال فيه ابن حزم: «لاَ أَعْلَمُ فِي الكَلاَمِ عَلَىَ فَقْهِ الحَدِيثِ مِثْلَهُ فَكَيْفَ بِأَحْسَنِ مِنْهُ؟!».
والثاني كتاب " الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار ". وَمِمَّنْ شرحه أيضًا الحافظ أبو بكر محمد بن العربي (- ٥٤٣ هـ) والجلال السيوطي (- ٩١١ هـ) والزُّرقاني، المالكي (- ١١٢٢ هـ) وَالدَّهْلَوِي (- ١١٨٠ هـ) والشيخ علي القاري المكي (- ١٠١٤ هـ) واللَّكْنَوِي (- ١٣٠٤ هـ) في كتابه " التعليق المُمَجَّدْ على موطأ الإمام محمد ".
وقد اختصر " المُوَطَّأ " كثيرون، منهم أبو سليمان الخطابي (- ٣٨٨ هـ) وابن عبد البر (- ٤٦٣ هـ) وابن رشيق القيرواني (- ٤٦٣ هـ).
كما ألفت في شرح غريبه وفي شواهده ورجاله واختلافاته مؤلفات كثيرة تدل على عناية علماء الأُمَّةِ بهذا الكتاب الجليل.
هَلْ " المُوَطَّأُ "، كِتَابُ فِقْهٍ أَمْ كِتَابُ حَدِيثٍ؟:
لم يختلف العلماء منذ أَلَّفَ مالك " مُوَطَّأَهُ " حتى عصرنا على أن " المُوَطَّأ " أقدم مؤلف في الحديث وصل إلينا من مؤلفات السلف في القرن الثاني
[ ٤٧٣ ]
وكانت عنايتهم به بالغة كما رأيت، وإذا ذكروا كتب الحديث، ذكروها معها، واختلفوا في مرتبته بينها كما رأيت.
حتى إذا كان هذا العصر الذي استطال المستشرقون على تاريخنا وعلمائنا وصحابة رسولنا - ﷺ - كما رأيت من صنيعهم في بحث السُنّة، رأينا من يقول لنا من المسلمين: إن «موطأ» مالك هو كتاب فقه وليس كتاب حديث، ذلك هو الدكتور «علي حسن عبد القادر» في كتابه «نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي».
شُبْهَةُ القَوْلِ بِأَنَّهُ كِتَابُ فِقْهٍ:
يَدَّعِي الدكتور في كتابه المذكور (١) أن " المُوَطَّأ " - إذا استثنينا " المجموع لزيد " - يُعَدُّ أول كتاب فقهي وصل إلينا في الإسلام، وأنه لا يمكن أن يعتبر أول كتاب كبير في الحديث، رغم ما له ولمؤلفه الإمام مالك من مكانة في الإسلام، لأنه لم يعتبر في الأصل كتابًا في الحديث، ولم يتخذ مكانًا بجانب " الكتب الستة " - باستثناء
أهل المغرب - ولكن تقوى المتأخرين (كذا كذا) هي التي جعلتهم يدخلونه أحيانًا في الكتب الصحاح، ثم أكد أنه ليس كتاب حديث بالمعنى الصحيح، إذ ليس غرضه الإتيان بالأحاديث الصحيحة فحسب، بل غرضه النظر في الفقه والقانون والعادة والعمل حسب الإجماع المدني المعترف به، ولهذا يذكر فيه فتاوى لأئمة معتبرين في مسألة موجودة ليستنتج رأيه الموافق لها، ولو كان مُحَدِّثًا لأخبرنا في ذلك بحديث لا فتوى. ثم يقول بعد بحث طويل: «وَمِنْ هُنَا نَرَى أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَكُنْ جَامِعًا لِلْحَدِيثِ بَلْ كَانَ - زِيَادَةً عَلَىَ ذَلِكَ - شَارِحًا لِلأَحَادِيثِ مِنْ وِجْهَةِ النَّظَرِ العَمَلِيَّةِ» ثم يقول - بعد أن ذكر أخذ مالك الرأي أحيانًا -: «فَمِنْ هَذَا نَرَى أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَكُنْ مُحَدِّثًا، وَأَنَّ الحَدِيثَ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ المُعْتَمَدُ الوَحِيدُ لَدَيْهِ، بِدَلِيلِ اتِّخَاذِهِ العَمَلَ المَدَنِيَّ حُجَّةً، عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَدِّثًا حَقِيقِيًّا فَقَدْ أَعْطَى لِلْمُحَدِّثِينَ فَائِدَةً كَبِيرَةً،
_________________
(١) ص ٢٤٤ - ٢٥٢.
[ ٤٧٤ ]
وَأَمَدَّ النَّقْدَ التَّارِيخِيَّ بِأَدَاةٍ ثَمِينَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ الإِسْنَادُ عِنْدَهُ أَمْرًا ضَرُورِيًّا بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي " المُوَطَّأِ " مِنَ المَرَاسِيلِ». اهـ.
ويتلخص مِمَّا ذكرناه مختصرًا، وذكره مطولًا في كتابه، أمران:
الأول: أَنَّ مالكًا لم يكن مُحَدِّثًا.
والثاني: أَنَّ " المُوَطَّأَ " ليس كتاب حديث بل كتاب فقه.
جَوَابُ الشُّبْهَةِ:
١ - أما أن مالكًا لم يكن مُحَدِّثًا فهذا تَجَنٍّ، على الحق ومخالفة لما يعرفه العلماء جميعًا، فقد كان مالك من كبار المُحَدِّثِينَ في عصره، وكانت مجالسه للتحديث معروفة مشهورة، وكانوا يقصدونه من مختلف البقاع لأخذ حديثه، ولا ينازع في هذا إلا مكابر.
ولقد كان - مع حديثه وإمامته في الحديث - فقيهًا من أئمة الفقهاء، فلم يكن مِمَّنْ يجلس للتحديث فقط دُونَ أن يتكلم في فقه الحديث، أو تكون له آراء في المسائل الاجتهادية، أي أنه لم يكن كيحيى بن معين والأعمش مثلًا، وكذلك كان فقهاء التَّابِعِينَ يجمعون - غالبًا - بين الحديث والفقه، فالاستدلال بأنه كان يستعمل رأيه فيما ليس فيه نص على أنه لم يكن مُحَدِّثًا بل كان فقيهًا، تجاهل لميول المُحَدِّثِين منذ عصر الصحابة، فابن مسعود وهو من أكبر رُواة الحديث كان يجتهد فيما ليس فيه نص، في حين كان ابن عمر - وهو من كبار المُحَدِّثِين أيضًا - وَقًَّافًا عند النصوص، فليس كل من يجتهد، ويستنبط، يخرج من دائرة الحديث، كما أنه ليس كُلُّ مُحَدِّثٍ لا يستعمل رأيه فيما بين يديه من النصوص، وخذ لذلك مثلًا في التَّابِعِينَ، الثوري، أو الأوزاعي، فقد كانا أئمة الحديث، فى الوقت الذى كانا فيه من أئمة الفقه، ولا مانع يمنع من الجمع بين الناحيتين لمن آتاه الله فهمًا وحفظًا.
أما أنه أخرج في "موطئه " المراسيل فذلك لأن مذهبه صحة الاحتجاج
[ ٤٧٥ ]
بالمرسل والمنقطع، لا لأنه لم يكن مَعْنِيًّا بالأسانيد كما يُعْنَى المُحَدِّثُونَ، كيف وقد روي عنه «رُبَّمَا جَلَسَ إِلَيْنَا الشَّيْخُ فَيُحَدِّثُ جُلَّ نَهَارِهِ مَا نَأْخُذُ عَنْهُ حَدِيثًا وَاحِدًا»، وهو القائل: «لاَ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ، الخ» وقد نقلناه لك من قبل.
ويزيدك ثقة بما نقول أن أقران مالك اعترفوا له بالإمامة في الحديث والتثبت فيه، يقول سفيان بن عينة: «كان مالك لا يبلغ من الحديث إلا صحيحًا، ولا يُحَدِّث إلا عن ثقات الناس» وقال يحيى بن سعيد القطان: «كان مالك إمامًا في الحديث»، ويقول ابن قدامة: «كان مالك أحفظ أهل زمانه».
ْ٢ - وأما أن " المُوَطَّأ " ليس كتاب حديث، فينقضه عناية العلماء به على اختلاف مذاهبهم، فهذا هو محمد بن الحسن يرويه بعناية وهو من أصحاب أبي حنيفة، وهذا هو الأوزاعي، يرويه عن مالك، وهو إمام مذهب معروف وها هو الشافعي يأخذه عن مالك أيضًا، وها هم علماء من الحَنَفِيَّة والشافعية يشرحونه أو يختصرونه. نعم لقد كان للمالكية عناية به أكثر من غيرهم، لأنه كتاب إمامهم وصاحب مذهبهم.
ولو كان " المُوَطَّأ " كتاب فقه لما لقي هذا الإجماع على العناية به من مختلف المذاهب، أما أن أبوابه جاءت طبقًا لمقاصد الفقه وبحوثه، فهذا لا يخرجه عن أن يكون كتاب حديث كما فعل البخاري، وهو - بالاتفاق - قد صنف كتابه الصحيح ليكون كتاب حديث، ومع ذلك فقد بَوَّبَهُ على أبواب الفقه، وفعل مثل ما فعل مالك من ذكر اَراء الصحابة والتَّابِعِينَ في " صحيحه "، وقل مثل ذلك في " الترمذي " الذي حرص على أن يذكر في كل باب ما فيه من الخلاف بين العلماء وتفاصيل أقوالهم، وكذلك فعل أبو داود.
ولا يلزم من ذكر رأي الصحابي أو التابعي في كتاب حديث أن يخرج الكتاب عن زمرة كتب الحديث، خصوصًا عند من يرى إطلاق الحديث على كل ما أُثِرَ عن الرسول أو الصحابة أو التَّابِعِينَ.
[ ٤٧٦ ]
وأما عدم عده مع الكتب الستة فلما أكثر مالك فيه من المراسيل، وهو وإن كان يرى العمل بها، ولكن غيره من المُحَدِّثِينَ لا يرون ذلك. فهذا هو الذي منع عَدَّهُ في "الكتب الستة " على أن الأنظار والآراء في ذلك متفاوتة كما سبق، وأمامنا " مسند الإمام أحمد " فإنه - باتفاق الناس جميعًا - كتاب حديث ومع ذلك فلم يعده كثبر من العلماء من " الكتب الستة " لاعتبارات خاصة.
واما أن تقوى المتأخرين هي التي جعلتهم يعدونه من كتب الصحاح، فهذه أساليب المُسْتَشْرِقِينَ وعباراتهم، وإلا فما معنى تقوى المتأخرين هنا؟ ألم يكن للمتقدمين تقوى تحملهم على ذلك؟ وما دخل التقوى هنا؟ وكيف يصح هذا القول والشافعي هو الذي قال: «مَا أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ كِتَابًا فِي العِلْمِ أَكْثَرَ صَوَابًا مِنْ كِتَابِ مَالِكٍ»، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك قبل أن يظهر كِتَابَا البخاري ومسلم (١).أليس في هذا تقدير المُتَقَدِّمِينَ من علمائنا لـ " مُوَطَّأِ " مالك ونظرهم إليه على أنه كتاب حديث لا كتاب فقه؟ وإلا لما كان هنالك حاجة لأن يعتذر عن الشافعي بما اعتذر به ابن الصلاح، ولكان الجواب الطبيعي أن يقال: إن كتاب مالك كتاب فقه، وكان كتابا البخاري ومسلم كِتَابَيْ حديث ..
_________________
(١) " مقدمة علوم الحديث ": ص ٩.
[ ٤٧٧ ]
٣ - الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ:
١٥٠ - ٢٠٤ هـ:
حَيَاتُهُ وَمَكَانَتُهُ العِلْمِيَّةُ:
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن شافع ينتهي نسبه إلى قُصَيٍّ ويلتقي نسبه مع النَّبِيِّ - ﷺ - في عبد مناف، ولد - ﵀ - بِغَزَّةَ من أعمال الشام سنة ١٥٠ هـ، وحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين وبها نشأ وقرأ القرآن الكريم، وأقام في هُذَيْلٍ نحوًا من عشر سنين تعلم منهم اللغة والشعر حتى كان من أوثق الناس بأشعار الهذليين، وقد روي أن الأصمعي صَحَّحَ عليه أشعارهم، وأخذ الفقه عن مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة ثم رحل إلى المدينة وتتلمذ على مالك فقرأ عليه " المُوَطَّأ " كله، ورأى فيه مالك من الذكاء وقوة الذاكرة والنباهة المبكرة ما جعله يكرمه ويصله، ثم تولى الشافعي العمل في إحدى ولايات اليمن، وهناك وُشِيَ به إلى الرشيد فَأُحْضِرَ إلى بغداد مُتَّهَمًا بِالتَشَيُّعِ والدعوة لآل البيت، وكان ذلك سَنَةَ ١٨٤ هـ فتدخل محمد بن الحسن عند الرشيد حتى اقتنع ببراءته، وهناك تم له الاتصال بالإمام محمد وأخذ عنه كُتُبَ أصحابه، حتى قال: «خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ وَقَدْ حَمَلْتُ مِنْ عِلْمِ مُحَمَّدٍ بْنِ الحَسَنِ وَقْرَ بَعِيرٍ» ثم عاد إلى مكة، وما زال ينتقل بين العراق والحجاز حتى أقام في مصر سَنَةَ ١٩٩ هـ، وبها دَوَّنَ مذهبه الجديد إلى أن توفي عام ٢٠٤ هـ، بعد أن ملأ الدنيا علمًا وَاجْتِهَادًا، وبعد أن جمع حوله أفذاذ طلاب العلم في مصر والعراق، وبعد أن ملأ القلوب بحبه وإجلاله والاعتراف بإمامته لما كان يتمتع به - ﵀ - من علم غزير ومنطق فحل وذكاء عجيب وذهن نافذ
[ ٤٧٨ ]
لى لب الحقائق، وإحاطة واسعة بكتاب الله وَسُنَّةِ رسوله، وعلوم اللغة وادابها.
دَوْرُهُ فِي الدِّفَاعِ عَنْ السُنَّةِ:
وللشافعي - عدا مكانته الفقهية - مكانة ممتازة عند أهل الحديث، فهو الذي وضع قواعد الرواية، ودافع عَنْ السُنَّةِ دفاعًا مجيدًا، وأعلن رأيه الذي يخالف فيه مالكًا وأبا حنيفة: هو أن الحديث متى صَحَّ بالسند المتصل إلى النَّبِيّ - ﷺ - يجب العمل به من غير تقييده بموافقة عمل أهل المدينة كما اشترط مالك، أو بالشروط المتعددة التي اشترطها أبو حنيفة، وبذلك كان في جانب أهل الحديث مِمَّا جعلهم يطلقون عليه لقب «نَاصِرَ السُنَّةِ» وفي الحق أن " رسالته " وبحوثه في " الأم " من أثمن ما ألفه العلماء دفاعًا عن حُجِيَّةِ السُنَّةِ ومكانتها في التشريع بأسلوب قوي جزل، وأدلة دامغة قاهرة، ولا ينكر كل من كتب في مصطلح الحديث وفي مباحث السُنَّةِ والكتاب من علماء الأصول، أنه مدين للشافعي فيما كتب، ومن هنا كان صحيحًا ما يقوله محمد بن الحسن: «إِنْ تَكَلَّمَ أَصْحَابُ الحَدِيثِ يَوْمًا فَبِلِسَانِ الشَّافِعِيِّ» وما قاله الزعفراني: «كَانَ أَصْحَابُ الحَدِيثِ رُقُودًا فَأَيْقَظَهُمْ الشَّافِعِيُّ». ومن هنا أجله علماء الحديث وذكروه بكل خير، فقال فيه أحمد بن حنبل: «مَا أَحَدٌ مَسَّ بِيَدِهِ مَحْبَرِةً وَلاَ قَلَمًا إِلاَّ وَلِلْشَّافِعِيِّ فِي رَقَبَتِهِ مِنَّةٌ». ويقول: «مَا عَلِمْنَا المُجْمَلِ مِنْ المُفَسَّرَ وَلاَ نَاسِخَ حَدِيثِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ مَنْسُوخِهِ حَتَّى جَالَسْنَا الشَّافِعِيَّ». وقال عبد الرحمن بن مهدي: «لَمَّا نَظَرْتُ " الرِّسَالَةَ " لِلْشَّافِعِيِّ أَذْهَلَتْنِي لأَنَّنِي رَأَيْتُ كَلاَمَ رَجُلٍ عَاقِلٍ فَصِيحٍ نَاصِحٍ، فَإِنِّيَ لأَكْثَرَ الدُّعَاءَ لَهُ». وقال الكرابيسي: «مَا كُنَّا نَدْرِي مَا الكِتَابُ وَالْسُّنَّةُ حَتَّى سَمِعْنَاهُ مِنْ الشَّافِعِيِّ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ الشَّافِعِيَّ وَلاَ رَأَىَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَفْصَحَ مِنْهُ وَأَعْرِفَ».
أُصُولُ مَذْهَبِهِ:
كانت أصول مذهبه كأصول الأئمة الآخرين: العمل بالكتاب وَالسُنَّةِ والقياس والإجماع، إلا أن عمله بِالسُنَّةِ كان أوسع دائرة من مالك وأب
[ ٤٧٩ ]
حنيفة من ناحية الأخذ بخبر الآحاد، وكان أضيق دائرة من ناحية رفض العمل بالمرسل إلا إذا كان مرسل كبار التَّابِعِينَ كسعيد بن السيب. ومن أصوله «الاستصحاب» وقد أخذ به الحَنَفِيَّةُ في الدفع لا في الإثبات.
ولم ينقل عن الشافعي من الحديث كتاب مستقل إلا " مسند الشافعي "، رواية أبي العباس الأصم، و" سُنن الشافعي " رواية الطحاوي، ويظهر أنه من استخراج تلاميذه لا من تأليفه كما هو الحال في " مسانيد أبي حنيفة "، وذلك لأنه لم يجلس للتحديث كما هي عادة المُحَدِّثِينَ، ولا عُنِيَ بجمع الروايات والطرق كما عُنُوا بذلك، وإنما هو إمام مجتهد يبحث في السُنًَّةِ عن كل ما يمكن أن يكون أصلًا من أصول التشريع، فهو يطلب الحديث ليكون نواة لاجتهاده وفقهه، لا ليملأ به الكراريس والصحف، وهذا هو الفرق بين المُحَدِّثِينَ المنقطعين للتحديث، وبين الأئمة المَعْنِيِّينَ بالفقه والتشريع.
[ ٤٨٠ ]
٤ - الإِمَامُ أَحْمَدُ:
١٦٤ - ٢٤١ هـ:
حَيَاتُهُ وَمَكَانَتُهُ العِلْمِيَّةُ:
هو أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، ولد في بغداد سَنَةَ ١٦٤ هـ وبها نشأ وترعرع، حضر في أول طلبه مجلس أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة ثم انتقل إلي طلب الحديث، وما زال يَجِدُّ في طلبه ويلقى الشيوخ ويكتب عنهم، حتى بلغ الذروة في حفظ السُنَّةِ والإحاطة بها، وحتى أصبح إمام السُنَّةِ في عصره غير منازع، أخذ عن الشافعي الفقه أولًا، ثم أخذ الشافعي عنه الحديث، ومن تلاميذه البخاري ومسلم، وكان من الورع والزهد والأمانة وَالتَشَدُّدِ في الحق على جانب عظيم، تعرض لمحنة خَلْقِ القُرْآنِ وصبر عليها منذ عهد المأمون حتى المتوكل، وكان لموقفه العظيم أثر خالد في تثبيت قلوب الجمهور على الحق، وقد زاد ثباته على المحنة في نظر المُسْلِمِينَ، مكانته في قلوبهم واعترافهم بإمامته وشهادات العلماء في حقه كثيرة متوافرة، وحسبك قول الشافعي - ﵀ -: «خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ وَمَا خَلَّفْتُ فِيهَا رَجُلًا أَفْضَلَ وَلاَ أَعْلَمَ وَلاَ أَوْرَعَ وَلاَ أَتْقَى مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ». وتوفي - ﵀ - ببغداد سَنَةَ ٢٤١ ومشى في جنازته خلق لا يحصون.
أُصُولُ مَذْهَبِهِ:
أما أصول مذهبه فهي أصول الأئمة: الكتاب وَالسُنَّةُِ والإجماع والقياس، وكان كثير الأخذ بِالسُنَّةِ حتى قَدَّمْنَا عنه قوله: «ضَعِيفُ الحَدِيثِ عِنْدِي خَيْرٌ [أَوْلَى] (١) مِنْ رَأْىِ الرِّجَالِ» وكان كثير الاتِّبَاعِ لآراء الصحابة، حتى إذا
_________________
(١) [قارن بما في صفحة ٤٤٧ من هذا الكتاب: «ضَعِيفُ الحَدِيثِ عِنْدِي خَيْرٌ مِنْ رَأْىِ الرِّجَالِ»].
[ ٤٨١ ]
كان للصحابة رأيان في المسألة أو ثلاثة كان له فيها رأيان أو ثلاثة، ومن هنا لم يَعُدَّهُ بعض العلماء من الأئمة الفقهاء كما فعل ابن عبد البر في " الانتقاء " وابن جرير الطبري في " اختلاف الفقهاء "، ولقي بسبب ذلك عَنَتًا شَدِيدًا من الحنابلة في زمنه. ولكن الحق أنه إمام مجتهد فقيه لا شك في ذلك، وإن كانت صبغة الحديث عليه أغلب.
" المُسْنَدُ ": مَرْتَبَتُهُ - أَحَادِيثُهُ:
وقد كان من أخلد آثار الإمام وأجزلها فائدة وأعظمها بركة عَلَى السُنَّةِ كتابه " المسند " الذي أورد فيه نحو أربعين ألف حديث، منها عشرة آلاف مكررة، من مجموع سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفًا كان يحفظها، وطريقته في تأليفه أنه يجمع أحاديث كل صحابي في باب واحد، فما روي عن أبي بكر - ﵁ - مثلًا يجمعه في باب واحد، رغم اختلاف موضوعات الأحاديث.
وقد اختلف العلماء في درجة السند.
فقال قوم - منهم أبو موسى المديني - إنه كله حُجَّةٌ، وما فيه إلا صحيح، أخذًا من قول الإمام في " مسنده ": «مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَارْجِعُوَا إِلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ».
وقال قوم: «إِنَّ فِيهِ الصَّحِيحَ وَالضَّعِيِفَ وَالمَوْضُوعَ» ومِمَّنْ ذهب إلى ذلك ابن الجوزي فقد ذكر في " موضوعاته " تسعة وعشرين حَدِيثًا من " مسند " الإمام، وحكم عليها بالوضع، وزاد عليها الحافظ العراقي تسعة أحاديث حكم عليها بالوضع أيضًا، وَرَدَّ على من قال: إن أحمد شرط الصحيح في " مسنده "، وبين أن المراد من قول الإمام السابق: «إِنَّ مَا لَيْسَ فِيهِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، لاَ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ حُجَّةٌ».
ووقف قوم موقفًا وسطًا بأن فيه الصحيح والضعيف الذي يقرب من الحسن وَمِمَّنْ ذهب إلى ذلك، الذَّهَبِيُّ، وابن حجر، وابن تيمية، والسيوطي. وتعقبوا ابن الجوزي والعراقي فيما زعماه من وجود أحاديث
[ ٤٨٢ ]
موضوعة فذكروا لها شواهد، ودافعوا عنها دفاعًا فيه قسط كبير من التَمَحُّلِ، حتى لم يسع ابن حجر إلا بأن يعترف أخيرًا بأن في " المسند " ثلاثة أو أربعة أحاديث لا أصل لها، واعتذر عنه بأنه مِمَّا أوصى الإمام بضربه من " مسنده " قبل أن يَتَوَفَّى، فترك سهوًا أو ضرب وكتب، من تحت الضرب.
وإذا عرفت أن الإمام أحمد - ﵀ - يتساهل في أحاديث الفضائل، وهو في الجرح والتعديل من المعتدلين، وأن ولده عبد الله وراويه أبا بكر القطيعي زَادَا في " المسند " زيادات منكرة، علمت مأتى " مسند " الإمام، وعلمت أن الرأي ما قال به ابن الجوزي والعراقي، وهما من أمهر النقدة في الحديث الذين لا يقتصرون في نقد الحديث في السند، بل يتعديانه إلى المتن، وأن دفاع ابن حجر والسيوطي ليس إلا عصبية دينية دفاعًا عن إمام السُنَّةِ - ﵁ -، ولا يضير هذا الإمام في شيء، فقد قال ابن تيمية في " منهاج السُنَّة " (*): «شرط أحمد في " المسند " ألا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف ثم زاد عبد الله بن أحمد زيادات منكرة على " المسند " ضمت إليه، كذلك زاد أبو بكر القطيعي، وفي تلك الزيادات كثير من الأحاديث الموضوعة فظن من لا علم عنده، أن ذلك من رواية أحمد في " مسنده ".
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [قول ابن تيمية كما يلي: «وَشَرْطُهُ فِي الْمُسْنَدِ أَنْ لاَ يَرْوِيَ عَنِ الْمَعْرُوفِينَ بِالكَذِبِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ ضَعِيفٌ، ثُمَّ زَادَ ابْنُ أَحْمَدَ زِيَادَاتٍ، وَزَادَ أَبُو بَكْرٍ القَطِيعِيُّ زِيَادَاتٍ. وَفِي زِيَادَاتِ القَطِيعِيِّ زِيَادَاتٌ كَثِيرَةٌ [كَذِبٌ] مَوْضُوعَةٌ، فَظَنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ تِلْكَ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَأَنَّهُ رَوَاهَا فِي " الْمُسْنَدِ ". وَهَذَا خَطَأٌ قَبِيحٌ ; فَإِنَّ الشُّيُوخَ الْمَذْكُورِينَ شُيُوخُ الْقَطِيعِيِّ، وَكُلُّهُمْ مُتَأَخِّرٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُمْ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْ أَحْمَدَ، لاَ مِمَّنْ يَرْوِي أَحْمَدُ عَنْهُ». انظر " منهاج السنة النَّبَوِيَّةِ، تحقيق محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، ٧/ ٩٧ نشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية].
[ ٤٨٣ ]
٥ - الإِمَامُ البُخَارِيُّ:
١٩٤ - ٢٥٦ هـ:
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجُعَفِيِّ مولاهم، إمام المُحَدِّثِينَ وشيخ حفاظ زمانه على الإطلاق، ولد ببخارى يوم الجمعة ١٣ شوال ١٩٤ هـ وبدأ بحفظ الحديث وهو لا يبلغ العشر سنين، ثم دأب عليه ورحل في طلبه حتى طاف أشهر الأمصار الإسلامية التي عرفت بالحديث وكما قال هو نفسه: «دَخَلْتُ الشَّامَ وَمِصْرَ وَالجَزِيْرَةَ مَرَّتَيْنِ، وَإِلَى البَصْرَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَأَقَمْتُ بِالحِجَازِ سِتَّةَ أَعْوَامٍ، وَلاَ أُحْصِي كَمْ دَخَلْتُ إِلَى الكُوفَةِ وَبَغْدَادَ مَعَ المُحَدِّثِينَ» وكان لا يسمع بشيخ في الحديث إلا رحل إليه واختبره وسأل عنه وأخذ منه، وكان - آية في الحفظ وقوة الذاكرة والبصر بِعِلَلِ الأسانيد ومتونها، وقصته في بغداد حين امتحنه علماؤها مشهورة تدل على مبلغ حفظه وإمامته في هذا الفن، وقد كافأه الله على صبره وَجَلَدِهِ وَتَحَمُّلِهِ المَشَاقَّ في سبيل السُنَّةِ بإقبال الناس عليه وإشادتهم بذكره وفضله، قال محمود بن الناظر بن سهل الشافعي: «دَخَلْتُ البَصْرَةَ وَالشَّامَ، وَالحِجَازَ وَالكُوفَةَ. وَرَأَيْتُ عُلَمَاءَهَا، كُلَّمَا جَرَى ذِكْرُ مُحَمَّدٍ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيَّ فَضَّلُوهُ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ»، وكان قد سمع مَرَّةً شيخه إسحاق بن رَاهُوَيْهْ يقول لتلاميذه: «لَوْ جَمَعْتُمْ كِتَابًا مُخْتَصَرًا لِصَحِيحِ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟» قال البخاري: «فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قَلْبِي فَأَخَذْتُ فِي جَمْعِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ» وقد أمضى في جمعه وتمحيصه وتأليفه سِتَةَ عَشَرَ عَامًا، وما وضع فيه حَدِيثًا إلا بعد أن يغتسل ويصلي ركعتين، ثم يستخير الله تعالى في وضعه، ولم يخرج فيه إلا ما صح عن رسول الله - ﷺ - بالسند
[ ٤٨٤ ]
المتصل الذي توفر في رجاله العدالة والضبط وَاللُّقْيَا، ولم يكن اكتفى بإمكان معاصرة التلميذ للشيخ، بل لا بد من ثبوت سماعه منه ولقياه له، وبهذا كان أول كتاب في السُنَّةِ على هذه الشروط الدقيقة، تَجَرَّدَ من الأحاديث الضعيفة والحسنة، واقتصر على الأحاديث الصحيحة فقط، وقد بَوَّبَهُ البخاري على أبواب العلم والفقه، إلا أنه دقيق النظر جِدًّا بعيد الغور في الاستنباط، فجاءت تراجم أبوابه وموافقة الأحاديث للترجمة غامضة في بعض الأحيان، فقد تطلب حَدِيثًا في باب فلا تجده، بل تجده في باب آخر لا يخطر في بالك، وقد ذكر فيه عرضًا المَوْقُوفَ وَالمُعَلَّقَ وفتاوى الصحابة والتَّابِعِينَ وآراء العلماء، كما جرى على تقطيع الحديث إلى أقسام يذكر في كل باب القسم الذي يناسبه، تبلغ أحاديثه على ما ذكر ابن حجر في " مقدمة فتح الباري " (٧٣٩٧) بِالمُكَرَّرِ سوى المعلقات والمتابعات والموقوفات وبغير المُكَرَّرِ من المتون الموصولة (٢٦٠٢)، ولما أتم تأليفه وتمحيصه عرضه على أحمد وابن معين وابن المديني وغيرهم من أئمة الحديث فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث، وقال العقيلي: «القَوْلُ فِيهَا قَوْلُ البُخَارِيِّ». ولما أخرجه للناس وأخذ يُحَدِّثُ به، طار في الآفاق أمره، فهرع إليه الناس من كل فَجٍّ يَتَلَقَّوْنَهُ عنه حتى بلغ من أخذه نحو من مائة ألف، وانتشرت نُسَخُهُ في الأمصار، وعكف عليه الناس حِفْظًا ودراسةً وشرحًا وتلخيصًا، وكان فرح أهل العلم به عظيمًا. قال الذهبي: «وَأَمَّا " جَامِعُ البُخَارِيِّ الصَّحِيحُ "، فَأَجَلُّ كُتُبِ الإِسْلاَمِ وَأَفْضَلُهَا بَعْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. فَلَوْ رَحَلَ الشَّخْصُ لِسَمَاعِهِ مِنْ أَلْفِ فَرْسَخٍ لَمَا ضَاعَتْ رِحْلَتُهُ».
وقد انتقده الحفاظ في عشرة أحاديث ومائة، منها ما وافقه " مسلم " على تخريجه وهو (٣٢) حَدِيثًا، ومنها ما انفرد بتخريجه وهو (٧٨) حَدِيثًا، قال عنها الحافظ ابن حجر في "المقدمة ": «وَلَيْسَتْ عِلَلُهَا كُلُّهَا قَادِحَةٌ، بَلْ أَكْثَرُهَا الجَوَابُ عَنْهُ ظَاهِرٌ، وَالقَدَحُ فِيهِ مُنْدَفِعٌ، وَبَعْضُهَا الجَوَابُ عَنْهُ مُحْتَمَلٌ وَاليَسِيرُ مِنْهُ فِي الجَوَابِ عَنْهُ تَعَسُّفٌ» ومن راجع هذه الأحاديث التي انتقدت وطالع النقد الذي وُجِّهَ إليها، وجد أن هذا النقد لا يمس جوهر الصحيح،
[ ٤٨٥ ]
وإنما هو نقد شكلي ناشىء عن شدة حَذَرِ العلماء ويقظتهم كاعتراضهم على حديث بأنه مرسل مع أن صورته صورة المرسل، أما في الواقع فهو موصول معروف الوصل عند المُحَدِّثِينَ. ومثل حديث يرويه بعض الرُوَاةِ مُرْسَلًا وهو من رواية أقرانه متصل، ولكن البخاري يذكر الروايتين معًا لدفع مَا تُوهِمُ الرواية الأولى وإشعارًا بأن هذه العلة غير قادحة.
هذه أمثلة من النقد الذي وجه إلى أحاديث "الصحيح "، وقد بسط القول فيها ابن حجر في " مقدمته ".
أما رجال الصحيح، فقد ضَعَّفَ الحُفَّاظُ منهم نحو الثمانين، ولكن أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم واطلع على أحاديثهم فهو - بهم وبأحوالهم - أعرف ولهم أخبر، ومما يدلك على أن هذا النقد - سواء كان للرجال أو للأحاديث - لم يؤثر في قيمته العلمية إجماع العلماء على تلقيه بالقبول، واتفاق جمهورهم أنه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، وقد اختلفوا فيما بينهم هل يفيد القطع بصحة ما فيه من الحديث؟ فجزم ابن الصلاح بحصول القطع، وخالفه النووي فقال: «إِنَّهُ لاَ يُفِيدُ إِلاَّ الظَّنَّ، وَلَوْ بَلَغَ أَعْلَىَ دَرَجَةٍ فِي الْصِحَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ»، توفي البخاري - ﵀ - سَنَةَ ٢٥٦ هـ (١).
هذا ولم يعن علماء الإسلام بكتاب - بعد القرآن - كما عنوا بـ " صحيح البخاري " حتى بلغ الذين كتبوا حوله ما بين شرح واختصار وترجمة رجال، عددًا كبيرًا جِدًّا (*)، وحسبك أن تعلم أن عدد شروحه فحسب بلغت اثنين وثمانين شرحًا كما ذكر ذلك صاحب " كشف الظنون "، ومن أشهر هذه الشروح الأربعة: شرح الإمام بدر الدين الزركشي (- ٧٩٤ هـ) واسمه " التنقيح "، وشيخ الإسلام ابن حجر (- ٨٥٢ هـ) في " فتح الباري "، وهو أجل هذه الشروح وأوفاها وأكثرها شهرة وفائدة. والعلامة العيني الحنفي (- ٨٥٥ هـ) في " عمدة القاري "، والجلال السيوطي (- ٩١١ هـ) في " التوشيح "
_________________
(١) مقتبسة من " مقدمة فتح الباري " وغيرها. ----------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [انظر: " إتحاف القارئ بمعرفة جهود وأعمال العُلماء على صحيح البخاري "، تأليف عصام عرار الحسيني، الطبعة الأولى: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع - دمشق].
[ ٤٨٦ ]
٦ - الإِمَامُ مُسْلِمٌ:
٢٠٤ - ٢٦١ هـ:
هو مسلم بن الحَجَّاجِ القُشَيْرِيُّ النَيْسَابُورِي أحد أئمة الحديث ومشاهيره، ولد سنة ٢٠٤ هـ بنيسابور، وطلب العلم منذ الصغر ثم رحل إلى أقطار الإسلام فزار العراق والحجاز والشام ومصر، وأخذ عن شيوخها من مشايخ البخاري وغيره، وكان شديد الحب للبخاري، شديد التقدير له، وقد اقندى به في وضع " صحيحه "، إلا أنه حصل بينهما جفاء في آخر أيامهما، وتوفي بنيسابور سَنَةَ ٢٦١ هـ.
وضع كتاب الصحيح المشهور بـ " صحيح مسلم "، وهو من أَجَلِّ الكتب وأصحها مع " صحيح البخاري "، وقد ذهب أكثر العلماء إلى ترجيح " البخاري " عليه لأمور:
١ - اشتراط البخاري اللقاء في الراوي دُونَ الاكتفاء بالمعاصرة، بينما مسلم يكتفي بذلك.
٢ - دقة فقه البخاري واحتواء " صحيحه " على استنباطات فقهية لا توجد في " صحيح مسلم ".
٣ - تَحَرِّي البخاري في أمر الرجال، حتى إن الذين تكلم فيهم الحفاظ - على ما في كلامهم من مجال للنقاش - بلغوا ثمانين، وقد بلغ الذين تكلموا فيهم من رجال " مسلم " مائة وستين، ومع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم، وأغلبهم من شيوخه الذين يعرف دخائلهم أكثر من غيره.
[ ٤٨٧ ]
٤ - قلة الأحاديث التي انتقدت على " البخاري " من جهة الشذوذ والإعلال بالنسبة لما انتقد على " مسلم "، فقد بلغت عند " البخاري " - وحده - ثمانية وسبعين، وقد بلغت عند " مسلم " - وحده - مائة وثلاثين.
من جل هذا، ذهب أكثر العلماء إلى ترجيح " صحيح البخاري " مع اتفاقهم جميعًا على أن " البخاري " أَجَلُّ من " مسلم " في علم الحديث وأعلى كعبًا، وقد اعترف له مسلم بذلك، وقد روى مسلم عن البخاري، ولم يرو البخاري عن مسلم شيئًا.
نعم يمتاز " صحيح مسلم " على " البخاري " بأمور فنية ترجع إلى التأليف، فمسلم لم يُقَطِّعْ الحديث ولم يُكَرِّرِ الإسناد، وإنما جمع ما ورد في الحديث كله في باب واحد، جمع فيه طرقه التي ارتضاها، وأورد أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، مِمَّا جعله أسهل تناولًا على الطالب من " صحيح البخاري " كما أنه جعل لكتابه مقدمة نَفِيسَةً بَيَّنَ فيها ما دعاه لجمع " الصحيح " ومنهجه فيه، وما أجمل ما قيل فيهما:
قَالُوا: لِمُسْلِمٍ فَضْلٌ * * * قُلْتُ: البُخَارِيُّ أَعْلَى
قَالُوا: المُكَرَّرِ فِيهِ * * * قُلْتُ: المُكَرَّرِ أَحْلَى
بلغت أحاديثه دُونَ المُكَرَّرِ أربعة آلاف، وَبِالمُكَرَّرِ ٧٢٧٥. وقد شرحه كثير من الأئمة الحفاظ وذكر منها صاحب " كشف الظنون " خمسة عشر شرحًا من أشهرها " شرح الإمام الحافظ أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي " (- ٦٧٦ هـ)، وقد اختصره أيضًا عدد من العلماء ومن أشهر مختصراته " تلخيص كتاب مسلم وشرحه " لأحمد بن عمر القرطبي (- ٦٥٦ هـ) و" مختصر " الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري (- ٦٥٦ هـ) (١).
_________________
(١) " تهذيب الأسماء واللغات " للنووي: ٢/ ٨٩ و" مفتاح السُنَّةِ ": ص ٤٦.
[ ٤٨٨ ]
٧ - الإِمَامُ النَّسَائِيُّ وَ" سُنَنُهُ ":
٢١٥ - ٣٠٣ هـ:
هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شُعَيْبٍ الخُرَاسَانِيَّ الحافظ، إمام عصره في الحديث وقدوتهم في الجرح والتعديل، ولد سنة ٢١٥ بنساء بلدة مشهورة في خراسان، سمع من أئمة الحديث بخراسان، والحجاز والعراق ومصر والشام والجزيرة، وكان شديد التحفظ والورع، بارعا في علوم الحديث حافظًا متقنًا حتى نقل الذهبي أنه كان أحفظ من الإمام مسلم، وَتُوُفِّيَ - ﵀ - بالرملة سَنَةَ ٣٠٣ هـ.
أَلَّفَ النَّسَائِيُّ "سُنَنَهُ الكُبْرَى "، أولًا مشتملة على الصحيح والمعلول، ثم اختصرها في " السُنَنِ الصُّغْرَى " وسماها " المُجْتَبَى " وهي تلي في الدرجة " الصَحِيحَيْنِ "، لأنها أقل السنن ضعفًا وقد شرح " سُنَنَهُ " الجلال السيوطي في كتاب مختصر سَمَّاهُ " زَهْرُ الرُّبَى عَلَى المُجْتَبَى "، وكذلك أبو الحسن محمد بن عبد الهادي السِنْدِي الحَنَفِي (- ١١٣٨ هـ) اقتصر فيه على ما يحتاج إليه القَارِىءُ وَالمُدَرِّسُ من ضبط اللفظ وإيضاح الغريب (١)
_________________
(١) " تهذيب الأسماء واللغات ": ٢/ ٨٩ و" مفتاح السُنَّة ": ص ٧٩.
[ ٤٨٩ ]
٨ - الإِمَامُ أَبُو دَاوُدُ وَ" سُنَنُهُ ":
٢٠٢ - ٢٧٥ هـ
هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأسدي السجستاني، ولد سَنَةَ ٢٠٢، ورحل في طلب العلم إلى العراق والشام ومصر وخراسان، وكتب عن شيوخها كما أخذ عن مشايخ البخاري ومسلم كالإمام أحمد وابن أبي شيبة وقتيبة بن سعيد وغيرهم وأخذ عنه النسائي وغيره، أثنى عليه العلماء بالحفظ والعلم والفهم مع الورع والدين، قال فيه الحاكم أبو عبد الله: «كَانَ أَبُو دَاوُدُ إِمَامَ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي عَصْرِهِ بِلاَ مُدَافَعَةٍ» توفي بالبصرة سَنَةَ ٢٧٥ - ﵀ -، انتقى " سُنَنَهُ " من خمسمائة ألف حديث، فبلغت أربعة آلاف وثمانمائة حديث، وقصرها على أحاديث الأحكام وبذلك كان أول من أَلَّفَ في الأحكام من أصحاب السُنن والصحاح، وَ" سُنَنُهُ " جامعة للاحاديث التي استدل بها فقهاء الأمصار وَبَنَوْا عليها الأحكام، ولذلك قال الإمام أبو سليمان الخَطَّابِي في " معالم السُنن " (١): «اعْلَمُوا رَحِمَكُمْ اللهُ أَنَّ كِتَابَ " السُّنَنِ " لأَبِي دَاوُدَ كِتَابٌ شَرِيفٌ لَمْ يُصَنَّفْ فِي عِلْمِ الدِّينِ كِتَابٌ مِثْلُهُ، وَقَدْ رُزِقَ القَبُولَ مِنْ كَافَةِ النَّاسِ فَصَارَ حُكْمًا بَيْنَ فِرَقِ العُلَمَاءِ وَطَبَقَاتِ الفُقَهَاءِ عَلَى اخْتِلاَفِ مَذَاهِبِهِمْ، فَلِكُلٍّ فِيهِ وِرْدٌ، وَمِنْهُ شِرْبٌ، وَعَلَيْهِ مُعَوَّلُ أَهْلِ العِرَاقِ وَأَهْلِ مِصْرَ وَبِلاَدِ المَغْرِبِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَقْطَارِ الأَرْضِ فَأَمَّا أَهْلُ خُرَاسَانَ فَقَدْ أُولِعَ أَكْثَرُهُمْ بِكِتَابِ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمٍ بْنِ الحَجَّاجِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِي جَمْعِ الصَّحِيحِ عَلَى شَرْطِهِمَا فِي السَّبْكِ وَالانْتِقَادِ، إِلاَّ أَنَّ كِتَابَ
_________________
(١) ص ١٨.
[ ٤٩٠ ]
أَبِي دَاوُدَ أَحْسَنُ وَصْفًا وَأَكْثَرُ فِقْهًا، وَكِتَابُ أَبِي عِيسَى (التِّرْمِذِيُّ) أَيْضًا كِتَابٌ حَسَنٌ».
وَطَرِيقَتُهُ فِيْ تَأْلِيفِ " سُنَنِهِ " مَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلاَحِ فِي " مُقَدِّمَتِهِ " (١) «ذَكَرْتُ فِيهِ الصَّحِيحَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَقَارَبَهُ، وَمَا كَانَ فِي كِتَابِيِ مِنْ حَدِيْثٍ
فيه وهن شديد فقد بيَّنتُه، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض (٢)» وقال عنه ابن منده: «إنه يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال».
هذا وقد شرح «سُننه» كثير من أهل العلم، منهم الخطابي (٣٨٨ هـ) وقطب الدين اليمني الشافعي (- ٧٥٢ هـ) وشهاب الدين الرملي (- ٨٤٤ هـ) واختصرها الحافظ المنذري (- ٦٥٦ هـ) وهذَّبَ «المختصر» ابن القيم (- ٧٥١ هـ) وقد شرحه شرف الحق العظيم آبادري وسماه «عون المعبود» ومن المعاصرين محمود خطاب السبكي في شرح مستفيض.
_________________
(١) ص ١٨.
(٢) طبعت أخيرًا في القاهرة «رسالة أبي داود إلى أهل مكة وغيرها» يذكر فيها طريقة تأليفه «السُنن» واختياره الأحاديث، وهذا القول وارد فيها، [وقد طبعها فضيلة الأخ الدكتور محمد بن لطفي الصباغ للمرة الرابعة سنة ١٤١٧ هـ وفيها زيادات كثيرة في التحقيق].
[ ٤٩١ ]
٩ - الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ وَ" جَامِعُهُ ":
٢٠٩ - ٢٧٠ هـ
هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السُّلَمِي الترمذي، ولد بترمذ سَنَةَ ٢٠٩ هـ، وذكر ابْنُ الدَّيْبَعِ الشَّيْبَانِي في مقدمة " تيسير الوصول " أن ولادته كانت سَنَةَ ٢٠٠ هـ، أخذ الحديث عن كثيرين، منهم: قُتيبة بن سعيد، وإسحاق بن موسى، وسفيان بن وكيع، ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهم.
رحل إلى الآفاق، وأخذ عن الخُرَسَانِيِّينَ والعراقيين والحجازيين، حتى غدا إمامًا في الحديث جمع إلى الدين والورع الحفظ والثقة، قال أبو يعلى الخليلي: «ثِقَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَكْفِي فِي تَوْثِيقِهِ أَنَّ إِمَامَ الْمُحَدِّثِينَ مُحَمَّدُ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَعْتَمِدُهُ وَيَأْخُذُ عَنْهُ»، تُوُفِّيَ - ﵀ - بِتِرْمِذْ سَنَةَ ٢٧٩ هـ (١).
أَلَّفَ الترمذي " جامعه " على أبواب الفقه وغيره، واشتمل على الصحيح، والحسن والضعيف. مع بيان درجة كل حديث في موضعه، وبيان وجه ضعفه، وَبَيَّنَ مذاهب الصحابة وعلماء الأمصار في كل المسائل التي عقد لها أبوابًا، ومن ميزاته أنه أفرد في آخره فَصْلًا لِلْعِلَلِ جمع فيه قواعد هامة.
وقد شرحه كثير من العلماء منهم: أبو بكر بن العربي (- ٥٤٣ هـ)، ومنهم: الجلال السيوطي، وابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) وعبد الرحمن المباركفوري الهندي (١٣٥٣ هـ) وسمَّاهُ " تُحفة الأحوذي ".
_________________
(١) " تهذيب الأسماء واللغات " للنووي، و" ميزان الاعتدال " للذهبي: ٣/ ١١٧.
[ ٤٩٢ ]
١٠ - الإِمَامُ ابْنُ مَاجَهْ وَ" سُنَنُهُ ":
٢٠٧ - ٢٧٣ هـ.
هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الحافظ، ولد سَنَةَ ٢٠٧ هـ وطلب علم الحديث ورحل في طلبه حتى سمع أصحاب مالك والليث بن سعد، روى عنه خلائق كثيرة، يقول عنه أبو يعلى الخليلي القزويني: «وَكَانَ عَالِمًا بِهَذَا الشَّأْنِ صَاحِبُ تَصَانِيفَ مِنْهَا " التَّارِيخُ " وَ" السُّنَنُ " وَارْتَحَلَ إِلَىَ العِرَاقَيْنِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ»، وقال ابن كثير: «صَاحِبُ " السُّنَنِ " المَشْهُورَةِ وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَتَبَحُّرِهِ وَاطِّلاَعِهِ وَاتِّبَاعِهِ لِلْسُنَّةِ فِي الأُصُولِ وَالفُرُوعِ»، ويشتمل على اثنين وثلاثين كتابًا، وألف وخمسمائة باب، وعلى أربعة آلاف حديث، كلها جياد سوى اليسيرة، توفي - ﵀ - سَنَةَ ٢٧٣ هـ. (١).
دَرَجَةُ " سُنَنِهِ ":
كان كثير من القدماء والمتأخرين يعدون أصول كتب الحديث خمسة: البخاري ومسلم والنسائي وأبي داود والترمذي، ولكن بعض المتاخرين أضاف إليهم ابن ماجه لأنهم رأوا كتابه عظيم الفائدة في الفقه، وأول من فعل ذلك الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (- ٥٠٧ هـ.)، إلا أن بعضهم خالف في ذلك ورأى أن يجعل السادس " كتاب الدارمي "، لأن ابن ماجه أخرج أحاديث عن رجال مُتَّهَمِينَ بالكذب وسرقة الأحاديث، وقال أخرون: يجب أن يكون السادس هو " المُوَطَّأَ " لصحته وجلالته، وَ" سنن ابن ماجه " دُونَ السُنن الثلاثة في الدرجة، قال السيوطي في " شرح المجتبى ":
_________________
(١) " البداية والنهاية " لابن كثير: ١١/ ٥٢.
[ ٤٩٣ ]
«تَفَرَّدَ فِيهِ بِإِخْرَاجِ أَحَادِيثَ عَنْ رِجَالٍ مُتَّهَمِينَ بِالكَذِبِ وَسَرِقَةِ الأَحَادِيثِ، وَبَعْضُ تِلْكَ الأَحَادِيثِ لاَ تُعْرَفُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِمْ مِثْلَ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ كَاتِبُ مَالِكٍ، وَالعَلاءِ بْنِ زَيْدٍ وَدَاوُدَ بْنِ الْمُحَبَّرِ وَعَبْدُ الوَهَّابِ بْنِ الضَحَّاكِ وَغَيْرِهِمْ».
شرح " سُنَنَهُ " كثيرون، منهم محمد بن موسى الدميري (٨٠٨ هـ) والسيوطي في " مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه ".
هذا ما أعان الله على تأليفه وتدوينه، فله الحمد في الأولى والآخرة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.
[ ٤٩٤ ]