٦٢٥ - حدثنا الحُسين بن إدريس، حدثنا بِشْر بن مُعَاذ العَقَدي، حدثنا أبو مُعَاذ مَوْلى لقُرَيش، حدثنا شَريك، عن جابر، عن الشعبي قال: لا بأس أنْ يُقَوَّمَ اللَّحنُ في الحديث (^١).
٦٢٦ - حدثنا محمد بن أحمد بن مَحْمُويه، حدثنا أبو زُرعة الدِّمَشقي (^٢)، حدثنا الوليد بن عُتبة، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعتُ الأوزاعي يقول: أَعْرِبوا الحديثَ؛ فإنَّ القومَ كانوا عَرَبًا (^٣).
قال أبو زُرعة (^٤): وحدثني هشام (^٥)، حدثنا الوليد قال: سمعتُ الأوزاعي يقول: لا بأس بإصلاح اللَّحن في الحديث (^٦).
٦٢٧ - حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد الأعلى، حدثنا عمر بن شَبَّة قال: قال
_________________
(١) أخرجه القاضي عياض في «الإلماع» (ص: ١٨٤) من طريق المصنف. وأخرجه الخطيب في «الكفاية» (ص: ١٩٥)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٤٥٣) كلاهما من طريق شريك به.
(٢) هو في «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» (ص: ٢٦٥).
(٣) أخرجه القاضي عياض في «الإلماع» (ص: ١٨٥) من طريق المصنف. وأخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٤٥٤) من طريق أبي زرعة الدمشقي به. وأخرجه الخطيب في «الكفاية» (ص: ١٩٥) من طريق الوليد بن مسلم به.
(٤) هو في «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» (ص: ٢٦٥).
(٥) هو ابن عمار.
(٦) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٤٥٧) من طريق أبي زرعة الدمشقي به. وأخرجه الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (١٠٦١) من طريق الوليد بن مسلم بمعناه.
[ ٥٤٠ ]
لي عفَّان: قال لنا همَّام: ما سمعتُم من حديث قتادة فأَعْرِبوه؛ فإنَّ قتادة كان لا يَلحَن (^١).
ثم قال لنا عفَّان: قال لنا حَمَّاد بن سَلَمة: مَن لَحَن في حديثي فليس يُحدِّث عني (^٢).
٦٢٨ - حدثني شيخ من أهل خُراسان مَرَّ بنا حاجًّا، عن الحسن بن علي الحُلْواني قال: ما وجدتُم في كتابي عن عفَّان لحنًا فعرِّبوه؛ فإنَّ عفَّانًا كان لا يَلحن. وقال لنا عفَّان: ما وجدتُم في كتابي، عن حَمَّاد بن سَلَمة لحنًا فعرِّبوه؛ فإنَّ حَمَّادًا كان لا يَلحن. وقال حَمَّاد: ما وجدتُم في كتابي عن قتادة لحنًا فعرِّبوه؛ فإنَّ قتادة كان لا يَلحن (^٣).
٦٢٩ - حدثنا عبد الله بن علي، حدثنا أبو سعيد الأَشَجُّ قال: سمعتُ ابنَ إدريس قال: قَرَأَ عليَّ داود الطَّائي، فلَحَنَ في حرف (^٤)، فأخبرتُ (^٥) به القاسمَ بن مَعْن فنَمَاه إليه، فلقيني فقال: ما دعاك إلى أنْ حَكَيْتَ هذا الحرفَ (^٦).
_________________
(١) أخرجه البغوي في «الجعديات» (٣١١٦)، وأبو طاهر المقرئ في «أخبار النحويين» (ص: ١٥) كلاهما من طريق عمر بن شبة به. وأخرجه الخطيب في «الكفاية» (ص: ١٩٦) من طريق عفان به.
(٢) أخرجه الخطيب في «الكفاية» (ص: ١٩٦) من طريق عمر بن شبة به.
(٣) أخرجه الخطيب في «الكفاية» (ص: ١٩٦) من طريق المصنف.
(٤) بعده في ظ: «واحد»، والمثبت بدونه من س، ك، أ، ي.
(٥) في ظ، ك، حاشية أدون علامة: «وأخبرت»، والمثبت من س، أ مصححًا عليه، ي.
(٦) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٣٥٩) من طريق أبي سعيد الأشج.
[ ٥٤١ ]
٦٣٠ - حدثني الحسن بن علي السَّرَّاج، حدثنا عثمان بن عمر البصري، حدثنا محمد بن سهل الباهِلي، حدثنا حَمَّاد بن زيد قال: كنَّا عند أيوب فحدثنا فلَحن، وعنده الخليل بن أحمد، فنظر إلى وجهه الخليلُ، فقال أيوب: أستغفرُ اللهَ (^١).
٦٣١ - حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عُثمان بن عمر الضَّبِّي، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار، حدثنا يحيى بن سُلَيم الطائفي، عن محمد بن عبد الله (^٢) بن عمرو بن عُثمان قال: إذا سمعتَ الحديثَ فيه اللَّحْنَ والخطأَ، فلا تُحَدِّثْ إلَّا بالصَّواب؛ إنَّهم لم يكونوا يَلْحَنون.
٦٣٢ - أخبرنا عبد الله بن أحمد الغَزَّاء، حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد المَيْموني مِن ولد ميمون بن مِهْران قال: رأيتُ أحمد بن حنبل يُغيِّر اللَّحنَ في كتابه (^٣).
٦٣٣ - حدثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن بُهْلول قال: سألتُ الحسن بن محمد الزَّعفراني عن الرجل يسمعُ الحديثَ ملحونًا أيُعرِبه؟ قال: نعم (^٤).
_________________
(١) أخرج البغوي في «الجعديات» (١٢٥٧)، وأبو طاهر المقرئ في «أخبار النحويين» (ص: ٤٩) من طريق النضر بن شميل عن الخليل بن أحمد قال: لحن أيوب في حرف، فقال: أستغفر الله.
(٢) في حاشية أمنسوبًا لنسخة طبقات السماع: «عبيد الله»، والمثبت من ظ، س، ك، ي، أ مصححًا عليه وكتب أسفل منه: «كذا في الدمياطي». ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان هو الديباج، صدوق، قُتل سنة (١٤٥ هـ). «تقريب التهذيب» (٦٠٣٨).
(٣) أخرجه الخطيب في «الكفاية» (ص: ١٩٧) من طريق المصنف به.
(٤) أخرجه الخطيب في «الكفاية» (ص: ١٩٧)، وفي «الجامع لأخلاق الراوي» (١٠٦٣) من طريق المصنف به.
[ ٥٤٢ ]
٦٣٤ - حدثنا عبد الله بن أحمد بن مَعْدان، حدثنا مَذكور بن سليمان الواسطي قال: سمعتُ عفَّان بن مسلم قال: قدِمنا الكوفة، فأقمنا أربعة أشهر، وما رأينا بالكوفة لَحْنًا مُجَوَّزًا (^١).
٦٣٥ - حدثنا عبد الله بن محمد البَغَوي، حدثنا محمد بن عِمْران الأَخْنَسي، حدثنا أبو بكر، عن عاصم قال: ما رأيتُ أحدًا كان أعربَ (^٢) مِن زِرِّ بن حُبَيْش، كان ابنُ مسعود يسألُه (^٣).
قال القاضي: أمَّا تغيير اللَّحن فوجوبه ظاهر؛ لأنَّ مِن اللَّحن ما يُزيل المعنى ويُغيِّره عن طريق حُكْمِه، وكثيرٌ من رواة الحديث لا يَضبطون الإعرابَ ولا يُحسِنونه، وربَّما حرَّفوا الكلامَ عن وجهه، ووضعوا الخِطاب في غير موضعه، وليس يلزم مَن أخذَ عن هذه الطائفة أنْ يحكيَ ألفاظَهم إذا عرف وجهَ الصواب، إذا كان المرادُ من الحديث معلومًا ظاهرًا، ولفظُ العرب به معروفًا فاشيًا، ألَا ترى أنَّ المحدِّث إذا قال: «لا يؤمُّ المُسافرَ المُقيمُ» فنصب «المسافرَ»، ورفع «المُقيمَ»، وكذلك: «لا يؤمُّ المُقيَّدَ المُطلَقُ» فنصب «المُقيَّدَ» ورفع «المُطلَقَ» كان قد أحال.
_________________
(١) سيأتي بأطول من هذا (رقم: ٧١٦).
(٢) في س، أ، ي، ك: «أعرف»، والمثبت من ظ، وهو الموافق لمصادر التخريج الآتية.
(٣) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٩٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٩/ ٢٨) من طريق أبي بكر بن عياش به. وأخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ١٨٣) من قول أبي بكر بن عياش نفسه. وفي هذه المصادر: «كان ابن مسعود يسأله عن العربية».
[ ٥٤٣ ]
وكنَّا عند عبد الله بن أحمد بن موسى عَبْدان (^١) يومًا وهو يحدِّثنا، وأبو العبَّاس ابن (^٢) سُرَيج حاضر، فقال عَبْدان: «مَن دُعِيَ فلم يَجب فقد عصى اللهَ ورسولَه» ففتح الياء من قوله: «يُجب» (^٣). فقال له ابن سُرَيج: إنْ رأيتَ أنْ تقولَ: «يُجب» يعني: بضم الياء. فأبى عَبْدانُ أنْ يقول، وعجب مِن صواب ابن سُرَيج، كما عجب ابنُ سُرَيج مِن خطئه (^٤).
فهذا ونحوه يُزيل المعنى، فلا يُعتَدُّ بألفاظ هذه الطائفة، ولا يُلْتفتُ إلى كراهيتهم للإعراب وذمِّهم لأهله.
٦٣٦ - وإنِّي (^٥) سمعتُ سَهْل بن موسى يقول: سمعتُ بُنْدارًا يقول: مَن أَعْرَبَ لم يَنْبُلْ (^٦).
وسمعتُ مَن يحكي نحوًا مِن هذا عن ابن أبي شَيْبة.
_________________
(١) هو أبو محمد الجواليقي القاضي المعروف بعبدان من أهل الأهواز، كان أحد الحفاظ الأثبات، مات سنة (٣٠٦ هـ). «تاريخ بغداد» (١١/ ١٦).
(٢) «بن» سقط من المطبوعة، وهو ثابت في جميع النسخ، وأبو العباس بن سريج هو أحمد بن عمر بن سريج أبو العباس القاضي، إمام أصحاب الشافعي في وقته، شرح المذهب ولخصه، وعمل المسائل في الفروع، وصنف الكتب في الرد على المخالفين من أهل الرأي وأصحاب الظاهر، مات سنة (٣٠٦ هـ). «تاريخ بغداد» (٥/ ٤٧١).
(٣) الضبط بضم الياء من س، ك، ي، وضبطه في ظ بالفتح، وضبطه في أ بالفتح والضم معًا.
(٤) أخرجه الخطيب في «الكفاية» (ص: ١٨٨) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٧/ ٥٨) - من طريق المصنف.
(٥) صحح على الواو في أ.
(٦) أخرجه الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (١٠٥٩) من طريق المصنف به.
[ ٥٤٤ ]
ويذكرون أنَّ ابن وَارَةَ استأذن على أبي كُرَيْب فقال: نحن طُلَّاب النَّهار، سُهَّار اللَّيل، صَيَارِفة العلم. فقال أبو كُرَيْب: واللهِ لا حدَّثْتُك (^١) وأنا أعرفُك.
٦٣٧ - وحدثني ابن البَرِّي، حدثنا سَلَمة بن شَبِيب قال: سمعتُ الحُمَيدي، وسعيد بن منصور، يقولان: قدم جَرِير بن عبد الحميد فجعل يقول: حدثنا المغيرة -وقال (^٢) سَلَمة: حدثنا عبد الرزاق- أخبرنا ابن جُرَيْج قال: كنَّا نريد أنْ نردَّ نافعًا عن اللَّحن فلا يرجع (^٣).
٦٣٨ - حدثنا موسى بن زكريا، حدثنا الصَّلْت بن مسعود، حدثنا هُشَيم، عن بعض المَشْيخة، أنَّ رجلًا أتى منزل إبراهيم (^٤)، فقال: أهاهنا أبا عِمران؟ فسكت إبراهيم، فقال: أهاهنا أبي عِمران؟ فقال إبراهيم: قلِ الثالثةَ وادخل (^٥).
ومِن اللَّحن ما يُستَقبح، ولا يُزيل المعنى، كقول بعض المحدِّثين: «لَبَّيك بحجةً وعُمرةً معًا» ينصِبُهما (^٦).
ومنه ما جاءت به ألفاظُهم على غير هيئة كلام العرب، كقولهم: «نُهِيَ عن
_________________
(١) «لا حدثتك» في أ: «لأحدِّثنَّك»، وبدون نقط في ظ، ك، والمثبت من س، ي، حاشية أمنسوبًا لأصل الدمياطي.
(٢) في س مصححًا عليه، ي: «قال»، والمثبت من ظ، ك، أ مصححًا عليه، حاشية س منسوبًا لنسخة.
(٣) أخرج الخطيب في «الكفاية» (ص: ١٨٧)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٤٧٧) عن إسماعيل بن أمية قال: كنا نريد نافعًا على أن لا يلحن فيأبى إلا الذي سمع.
(٤) هو النخعي.
(٥) أخرج الختلي في «الديباج» (٣٢) - ومن طريقه الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (٢٤٤) - من طريق هشيم، عن مغيرة قال: جاء رجل إلى إبراهيم النخعي. فذكره.
(٦) في س، ي: «بنصبهما»، وفي أ بالوجهين وكتب فوقه: «معًا»، والمثبت من ظ، ك.
[ ٥٤٥ ]
الإقران» و«أَحْرمه العَطاءَ» وأشباه ذلك، ومنه ما جاء على وجه الحكاية، مثل قولهم: سُئل النبيُّ - ﷺ -، عن ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، فقال: «الصَّائِمُونَ» (^١). كأنَّ تقديرَه سُئل عن قول الله - ﷿ -: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، يحكي اللفظَ في التنزيل.
٦٣٩ - حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن مَخْلَد (^٢) التَّيْمي، حدثنا عاصم بن هلال البارِقي، حدثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تَعَلَّمُوا الزَّهْرَاوَانِ؛ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ» (^٣).
٦٤٠ - وحدثناه أبو خَلِيفة على هذا اللفظ أيضًا قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن علي بن المُبَارك، عن يحيى بن أبي كَثِير، عن زيد بن سَلَّام، عن جدِّه، عن أبي أُمَامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا لِأَصْحَابِهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالزَّهْرَاوَانِ: الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٢/ ١٠) من حديث عبيد بن عمير عن النبي - ﷺ - مرسلًا.
(٢) الضبط بفتح الميم وسكون الخاء وفتح اللام من س، ي، وضبطه في أ بضم الميم وتشديد اللام.
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ٣١٣ رقم ١١٨٤٤) عن والد المصنف. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٤٠٥) من طريق عمرو بن مخلد به. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٣١٣): «رواه الطبراني، وفيه عاصم بن هلال البارقي، وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وعبد الرحمن بن خلاد، وعمرو بن مخلد الليثي، لم أعرفهما» اهـ. وقد وقع في هذين المصدرين: «الزهراوين» على الصواب.
(٤) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (١١٦) عن أبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي به. وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٨/ ١١٨ رقم ٧٥٤٢) من طريق مسلم بن إبراهيم به. وأخرجه مسلم (٨٠٤) من طريق زيد بن سلام به. وقد وقع في هذه المصادر: «بالزهراوين» على الصواب.
[ ٥٤٦ ]
وأما إصابة المعنى بتغيير اللَّفظ؛ فأهل العلم مِن نَقَلة الأخبار يختلفون فيه، فمنهم مَن يرى اتِّباع اللفظ، ومنهم مَن يتجوَّز في ذلك إذا أصاب المعنى، وكذلك سبيل التقديم والتأخير، والزيادة والنُّقصان، فإنَّ منهم مَن يعتمد المعنى ولا يعتدُّ باللَّفظ، ومنهم مَن يُشدِّد في ذلك ولا يُفارق اللَّفظَ.
وقد دلَّ قولُ الشافعي (^١) في صفة المحدِّث مع رعاية اتِّباع اللَّفظ على أنَّه يسوغ للمحدِّث أنْ يأتيَ بالمعنى دون اللفظ، إذا كان عالمًا بلغات العرب ووجوه خطابها، بصيرًا بالمعاني والفقه، عالمًا بما يُحيل المعنى وما لا يُحيله، فإنَّه إذا كان بهذه الصفة جاز له نقلُ اللفظ، فإنَّه يَحتَرِز بالفهم عن تغيير المعاني وإزالة أحكامها، ومَن لم يكن بهذه الصفة كان أداء اللفظ له لازمًا، والعدول عن هيئة ما يسمعه عليه محظورًا، وإلى هذا رأيتُ الفقهاء من أهل العلم يذهبون.
ومِن الحُجَّة لمَن ذهب إلى هذا المذهب: أنَّ اللهَ تعالى قد قَصَّ مِن أنباء ما قد سبق قَصصًا، كرَّر ذِكْرَ بعضِها في مواضعَ بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، ونقلها مِن ألسنتهم إلى اللسان العربي، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير، والحذف والإلغاء، والزيادة والنُّقصان وغير ذلك، وقد حُكِيَت (^٢) هذه الحُجَّةُ (^٣) بعينها عن الحسن.
_________________
(١) «الرسالة» (ص: ٣٧٠).
(٢) الضبط على صيغة البناء للمجهول من س، ك، وضبطه في ي على صيغة البناء للمعلوم، وضبطه في أ بالوجهين وكتب فوقه: «معًا».
(٣) في حاشية أمنسوبًا لنسخة: «الحكاية»، والمثبت من ظ، س، ك، أ، ي.
[ ٥٤٧ ]
٦٤١ - حدثني بذلك أحمد بن الرَّبيع بن عُدَيْس شيخٌ لنا، حدثني محمد بن مسلم بن (^١) مَسْعدة وهو من أهل رامَهُرْمز قال: قلتُ لمحمد بن منصور قاضي الأهواز في شيء جرى بيني وبينه: ثلاثة يُشدِّدون في الحروف، وثلاثة يُرخِّصون فيها، فممَّن رخَّص فيها الحسن، وكان الحسن يقول: يحكي اللهُ تعالى عن القرون السالفة بغير لغاتها، أفكَذِبٌ هو؟ وكان محمد بن منصور مُتَّكئًا، فاستوى جالسًا، ثم أخذ بمجامع كفِّه، وقال: ما أحسنَ هذا! أحسنَ الحَسَنُ (^٢) جدًّا (^٣).
وقال قَتَادة، عن زُرَارة بن أَوْفى: لَقِيتُ عِدَّةً مِن أصحابِ النبيِّ - ﷺ -، فاختلفوا عليَّ في اللَّفظ، واجتمعوا في المعنى.
ومِن الحُجَّة لِمَن ذهب إلى اتِّباع اللَّفظ: قولُه - ﷺ -: «نَضَرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا كَمَا سَمِعَهَا». أو قال: «فَوَعَاهَا ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» (^٤).
ومنه ما رُوي عنه - ﷺ - أنَّه أمر رجلًا أنْ يقول عند مضجعه في دعاء علَّمه: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ». فقال الرجل (^٥): وبرسولِك الذي أرسلتَ. فقال النبي - ﷺ -: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» (^٦).
_________________
(١) في ي: «عن»، والمثبت من ظ، س، ك، أ.
(٢) الضبط المثبت بفتح الحاء والسين وضم النون من أ مصححًا عليه، ي، وضبطه في س بضم الحاء والنون وسكون السين، وصوبه في الحاشية كالمثبت ولكنه لم يتضح جيدًا في التصوير.
(٣) ينظر ما سيأتي (رقم: ٦٤٨، ٦٤٩).
(٤) ينظر ما تقدم في أول الكتاب (رقم: ٢، وما بعده).
(٥) في حاشية أ: «حاشية: هذا الرجل هو البراء بن عازب. طرة الدمياطي».
(٦) أخرجه البخاري (٢٤٧، ٦٣١١)، ومسلم (٢٧١٠) من حديث البراء بن عازب.
[ ٥٤٨ ]
قالوا: أفلا ترى أنَّه لم يُسوِّغ لمَن علَّمه الدعاءَ مخالفةَ اللَّفظ، وقال: «فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا»؟
فقيل لهم: أمَّا قوله: «فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» فالمراد منه حُكمُها لا لفظُها؛ لأنَّ اللفظَ غيرُ مُعْتبَر به، ويدلُّك على أنَّ المرادَ من الخطاب حُكمُه، قوله: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».
وأمَّا ردُّه - ﵇ - (^١) الرجلَ مِن قوله: «برسولك» إلى قوله: «وَبِنَبِيِّكَ» فإنَّ النبيَّ أمدحُ، ولكلِّ نعت من هذين النعتين موضع، ألَا ترى أنَّ اسمَ الرسول يقع على الكافَّة، واسم النبي لا يستحقُّه إلَّا الأنبياء - ﵈ -، وإنَّما فُضِّل المرسلون من الأنبياء؛ لأنَّهم جمعوا النبوةَ والرسالةَ جميعًا، فلمَّا قال: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» جاء بالنعت الأمدحِ قيَّده (^٢) بالرسالة بقوله: «الَّذِي أَرْسَلْتَ».
وبيان آخر: أنَّ النبي - ﷺ - كان هو المعلِّم للرجل الدعاءَ، وإنَّما القول في اتِّباع اللفظ إذا كان المتكلِّم حاكيًا لكلام غيره، فقد ثبت أنَّ النبي - ﷺ - نقل الرجل من قوله: «وبرسولك» إلى قوله: «وَبِنَبِيِّكَ»؛ ليجمعَ بين النبوة والرسالة، ومستقبحٌ في الكلام أنْ تقول: «هذا رسول عبد الله (^٣) الذي أرسله، وهذا قتيل زيد الذي قتله»؛ لأنَّك تجتزئ بقولك: «رسول فلان وقتيل فلان» عن إعادة اسم المرسِل
_________________
(١) قوله: «- ﵇ -» وقع في ك: «على»، والمثبت من ظ، س، أ، ي.
(٢) زاد في المطبوعة قبله واوًا، والمثبت من جميع النسخ.
(٣) قوله: «هذا رسول عبد الله» وقع في س، ك، أ، ي: «هذا رسول الله»، والمثبت من ظ، وسيأتي كذلك بعد قليل.
[ ٥٤٩ ]
والقاتِل، إذا كنتَ لا تُفيد (^١) به إلَّا المعنى الأول، وإنَّما يحسُن أنْ تقول: «هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى عمرو، وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أو في وقعة كذا»، والله وليُّ التوفيق.
* * *
_________________
(١) في ك: «تقيد»، وبدون نقط في ظ، والمثبت من س، أ، ي.
[ ٥٥٠ ]