أشهر الأئمة الذين امتحنوا وموقف الإمام منهم
وفيه مطلبان:
المطلب الأول
أشهر الأئمة الذين امتحنوا ولم يجيبوا
١ - أحمد بن عبد الله العجلي الكوفي نزيل طرابلس:
هو: الإمام الحافظ الأوحد الزاهد أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم، العجلي الكوفي، نزيل طرابلس، من أئمة الجرح والتعديل، له كتاب «معرفة الثقات»، ولد بالكوفة سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتوفي سنة إحدى وستين ومائتين ﵀ (١).
موقفه في المحنة:
قال الذهبي: «ومن كلام أحمد بن عبد الله قال: من آمن برجعة علي ﵁ فهو كافر، ومن قال: القرآن مخلوق فهو
_________________
(١) ينظر في ترجمته: تاريخ بغداد (٤/ ٢١٤ - ٢١٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٠)، والسير (١٢/ ٥٠٥)، والوافي بالوفيات (٧/ ٩٧)، والبداية والنهاية (١٤/ ٤٦٥)، وطبقات الحفاظ (٢٤٢).
[ ٤١ ]
كافر، وقيل: إنه فرَّ إلى المغرب لما ظهر الامتحان بخلق القرآن، فاستوطنها وولد له بها» (١).
وقد قيل: إنه ارتحل إلى المغرب في السنة التي ابتدأت فيها المحنة، سنة ثمان عشرة ومائتين، وأنه لقي الإمام أحمد ودخل عليه ببغداد قبل رحلته.
موقف الإمام منه:
لم أقف على كلام للإمام أحمد في أبي الحسن العجلي، ولعل السبب تقدم رحلته إلى بلاد المغرب وبقاؤه هناك حتى توفي ﵀.
٢ - أحمد بن نصر الخزاعي:
هو: الإمام الكبير الشهيد أبو عبد الله أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم، الخزاعي المروزي ثم البغدادي، كان ﵀ أمَّارًا بالمعروف قوالًا بالحق، استشهد سنة إحدى وثلاثين ومائتين، قتله الواثق في قصة المحنة (٢).
_________________
(١) السير (١٢/ ٥٠٦)، وينظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٠).
(٢) ينظر في ترجمته: تاريخ بغداد (٥/ ١٧٣)، وطبقات الحنابلة (١/ ١٨٩ - ٢٠٣)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٨٤ - ٤٨٦)، وتهذيب الكمال (١/ ٥٠٥ - ٥١٤)، والسير (١١/ ١٦٦)، والوافي بالوفيات (٧/ ٢١١)، والبداية والنهاية (١٤/ ٣١٠ - ٣١٩)، وتهذيب التهذيب (١/ ٨٧)، والتقريب (١٢٠).
[ ٤٢ ]
موقفه في المحنة:
قال الذهبي: «قال الصولي: كان هو وسهل بن سلامة حين كان المأمون بخراسان بايعا الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قدم المأمون فبايعه سهل، ولزم ابن نصر بيته، ثم تحرك في آخر أيام الواثق، واجتمع إليه خلق يأمرون بالمعروف.
قال: إلى أن ملكوا بغداد، وتعدى رجلان موسران من أصحابه، فبذلا مالًا، وعزما على الوثوب في سنة إحدى وثلاثين، فنمَّ الخبر إلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم، فأخذ أحمد وصاحبيه وجماعة، ووجد في منزل أحدهما أعلامًا، وضرب خادمًا لأحمد، فأقر بأن هؤلاء كانوا يأتون أحمد ليلًا، ويخبرونه بما عملوا، فحملوا إلى سامراء مقيدين، فجلس الواثق لهم، وقال لأحمد: دع ما أخذت له، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله.
قال: أفمخلوق هو؟ قال: كلام الله.
قال: فترى ربك في القيامة؟ قال: كذا جاءت الرواية.
قال: ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسم، ويحويه مكان ويحصره ناظر؟! أنا كفرت بمن هذه صفته، ما تقولون فيه؟ فقال قاضي الجانب الغربي: هو حلال الدم، ووافقه فقهاء، فأظهر أحمد بن أبي دؤاد أنه كاره لقتله، وقال: شيخ مختل، تغير عقله، يؤخر.
[ ٤٣ ]
قال الواثق: ما أراه إلا مؤديًا لكفره، قائمًا بما يعتقده، ودعا بالصمصامة وقام، وقال: احتسب خطاي إلى هذا الكافر، فضرب عنقه، بعد أن مدوا له رأسه بحبل وهو مقيد، ونصب رأسه بالجانب الشرقي، وتتبع أصحابه فسجنوا ، وعلق في أذن أحمد بن نصر ورقة فيها: هذا رأس أحمد بن نصر، دعاه الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة، فعجله الله إلى ناره. وكتب محمد بن عبد الملك.
ونقل عن الموكل بالرأس أنه سمعه في الليل يقرأ: (يس) وصح أنهم أقعدوا رجلًا بقصبة، فكانت الريح تدير الرأس إلى القبلة، فيديره الرجل.
وقيل: رئي في النوم، فقيل: ما فعل الله بك؟ قال: ما كانت إلا غفوة حتى لقيت الله، فضحك إلي (١).
موقف الإمام منه:
قال المروذي: «سمعت أحمد وذكر أحمد بن نصر، فقال: ﵀، ما كان أسخاه، لقد جاد بنفسه» (٢).
_________________
(١) السير (١١/ ١٦٧ - ١٦٨)، وينظر: تاريخ بغداد (٥/ ١٧٦ - ١٧٩)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٨٤ - ٤٨٦)، وتهذيب الكمال (١/ ٥٠٨ - ٥١٤)، والبداية والنهاية (١٤/ ٣١٠ - ٣١٩).
(٢) تاريخ بغداد (٥/ ١٧٧).
[ ٤٤ ]
٣ - إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس:
هو: الإمام الحافظ الصدوق إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر، أبو عبد الله، الأصبحي المدني، ولد سنة تسع وثلاثين ومائة، وتوفي سنة ست وعشرين، وقيل: سبع وعشرين ومائتين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١).
قال الذهبي: «وكان عالم أهل المدينة ومحدثهم في زمانه، على نقص في حفظه وإتقانه، ولولا أن الشيخين احتجا به لزحزح حديثه عن درجة الصحيح إلى درجة الحسن، هذا الذي عندي فيه الرجل قد وثب إلى ذاك البر، واعتمده صاحبا الصحيحين، ولا ريب أنه صاحب أفراد ومناكير تنغمر في سعة ما روى، فإنه من أوعية العلم، وهو أقوى من عبد الله كاتب الليث» (٢).
وقال ابن حجر: «صدوق، أخطأ في أحاديث من
_________________
(١) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (١/ ٣٦٤)، والجرح والتعديل (٢/ ١٨٠)، والكامل (١/ ٣٢٣)، وترتيب المدارك (١/ ٣٦٩)، وتهذيب الكمال (٣/ ١٢٤ - ١٢٩)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٠٩)، والسير (١٠/ ٣٩١)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، والميزان (١/ ٢٢٢)، والوافي بالوفيات (٩/ ١٤٩)، وتهذيب التهذيب (١/ ٣١٠)، والتقريب (٤٦٤).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٩٢ - ٣٩٣).
[ ٤٥ ]
حفظه» (١).
موقفه في المحنة:
لقد ثبت الله أبا عبد الله الأصبحي في هذه المحنة فلم يجب إلى القول بخلق القرآن.
قال ابن الجوزي: «قال أبو الحسين بن المنادي: وممن لم يجب: أبو نعيم الفضل بن دكين، وعفان، والبويطي، وإسماعيل بن أبي أويس وأبو مصعب المدنيان، ويحيى الحماني» (٢).
موقف الإمام منه:
قال الفضل بن زياد: «سمعت أحمد بن حنبل وقيل له: من بالمدينة اليوم؟ فقال: إسماعيل بن أبي أويس هو عالم كثير العلم. أو نحو هذا».
وقال مرة: «هو ثقة، قام في أمر المحنة مقامًا محمودًا».
وسأله أبو طالب عنه؟ فقال: «لا بأس به» (٣).
_________________
(١) تقريب التهذيب (٤٦٤).
(٢) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٧٩).
(٣) السير (١٠/ ٣٩٢ - ٣٩٤). وينظر: المعرفة ليعقوب (٢/ ١٧٧ - ١٧٨)، والجرح والتعديل (٢/ ١٨٠)، والكامل لابن عدي (١/ ٣٢٣)، وتهذيب الكمال (٣/ ١٢٧).
[ ٤٦ ]
٤ - أصبغ بن الفرج المصري:
هو: الشيخ الإمام الكبير الثقة، مفتي الديار المصرية وعالمها، أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، أبو عبد الله الأموي مولاهم، المصري المالكي.
ولد بعد الخمسين ومائة، وتوفي مستترًا أيام المحنة سنة خمس وعشرين ومائتين، روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (١).
موقفه في المحنة:
قال القاضي عياض: «قال أبو العرب: قال يحيى بن عمر: اختفى أصبغ بن الفرج أيام المعتصم وأخذه الناس بالمحنة في القرآن، فطلبه الأصم (٢) فاختفى في داره، وكان إخوانه يأتونه فيها الواحد بعد الواحد حتى مات».
_________________
(١) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٢/ ٣٦)، والجرح والتعديل (٢/ ٣٢١)، وترتيب المدارك (٢/ ٥٦١)، وتهذيب الكمال (٣/ ٣٠٤)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٥٧)، والسير (١٠/ ٦٥٦)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، وتهذيب التهذيب (١/ ٣٦١)، والتقريب (٥٤٠).
(٢) هو: أبو بكر الأصم محمد بن أبي الليث بن شداد الإيادي الخوارزمي الجهمي قاضي مصر، ولي قضائها سنة ست وعشرين، ولم تحمد سيرته، فكان ظلومًا غشومًا، امتحن العلماء بخلق القرآن، وقد عزل وحبس وعذب، وطيف به على حمار سنة خمس وثلاثين، توفي ببغداد سنة خمسين ومائتين. ينظر: تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات (٢٤١ - ٢٥٠ هـ)، ورفع الإصر (١/ ١٨٠)، والنجوم الزاهرة (١/ ٢٢٨ - ٢٤٥)، وحسن المحاضرة (٢٦١).
[ ٤٧ ]
وقال أبو عمر الكندي: إن المعتصم كتب في أصبغ ليحمل في المحنة، فهرب إلى حلوان، فاستتر بها (١).
قال الذهبي: «ومن مناقب أصبغ: قال ابن قديد: كتب المعتصم في أصبغ ليحمل إليه في المحنة، فهرب واختفى بحلوان، ﵀» (٢).
موقف الإمام منه:
لم أقف على كلام للإمام فيه رحمهما الله تعالى.
٥ - الحارث بن مسكين الأموي:
هو: الإمام العلامة الفقيه الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف، أبو عمرو الأموي المصري، أقضى القضاة بمصر، ولد سنة أربع وخمسين ومائة، وتوفي سنة خمسين ومائتين، روى له: أبو داود، والنسائي (٣).
_________________
(١) ترتيب المدارك (٢/ ٥٦٢)، وينظر: المحن لأبي العرب ص (٤٤٨).
(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، وينظر: السير (١٠/ ٦٥٨)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٥٨).
(٣) ينظر في ترجمته: الجرح والتعديل (٣/ ٩٠)، والثقات (٨/ ١٨٢)، وتاريخ بغداد (٨/ ٢١٦)، ووفيات الأعيان (٢/ ٥٦)، وتهذيب الكمال (٥/ ٢٨١)، وطبقات الشافعية (٢/ ١١٣)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥١٤)، والسير (١٢/ ٥٤)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ)، وتهذيب التهذيب (٢/ ١٥٦)، والتقريب (١٠٥٦).
[ ٤٨ ]
قال الذهبي: «الحافظ الفقيه عالم الديار المصرية وقاضيها ، وكان - مع إمامته في العلم وزهده وعبادته - قوالًا بالحق، من قضاة العدل» (١).
موقفه في المحنة:
قال الخطيب: «وكان فقيهًا على مذهب مالك بن أنس، وكان ثقة في الحديث ثبتًا، حمله المأمون إلى بغداد في أيام المحنة وسجنه؛ لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن، فلم يزل ببغداد محبوسًا إلى أن ولي جعفر المتوكل فأطلقه، وأطلق جميع من كان في السجن، وحدث الحارث ببغداد ، ورجع إلى مصر، وكتب إليه المتوكل بعهده على قضاء مصر، فلم يزل يتولاه من سنة سبع وثلاثين ومائتين إلى أن صرف عنه في سنة خمس وأربعين ومائتين» (٢).
موقف الإمام منه:
قال أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان: «قال لي عمي أبو علي عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان بن موسى وسألته -يعني: أحمد بن حنبل- عن الحارث بن
_________________
(١) تذكرة الحفاظ (٢/ ٥١٤ - ٥١٥).
(٢) تاريخ بغداد (٨/ ٢١٦)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٨٦)، وتهذيب الكمال (٥/ ٢٨٣)، والسير (١٢/ ٥٥).
[ ٤٩ ]
مسكين قاضي مصر، فقال فيه قولًا جميلًا، وقال: ما بلغني عنه إلا خير» (١).
٦ - عاصم بن علي بن عاصم الواسطي:
هو: عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، أبو الحسين القرشي التيمي مولاهم، توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين، روى له: البخاري، والترمذي، وابن ماجه (٢).
قال الذهبي: «ثقة مكثر، لكن ضعفه ابن معين، وأورد له ابن عدي أحاديث منكرة» (٣).
وقال مرةً بعد تضعيف ابن معين له: «والصواب أنه صدوق؛ كما قال أبو حاتم» (٤).
وقال ابن حجر: «صدوق، ربما وهم» (٥).
_________________
(١) تاريخ بغداد (٨/ ٢١٦ - ٢١٧)، وينظر: تهذيب الكمال (٥/ ٢٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٤)، وتهذيب التهذيب (٢/ ١٥٦).
(٢) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٦/ ٤٩١)، والجرح والتعديل (٦/ ٣٤٨)، والثقات (٨/ ٥٠٦)، وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٤٧)، وتهذيب الكمال (١٣/ ٥٠٨)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٩٧)، والسير (٩/ ٢٦٢)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ). والميزان (٢/ ٣٥٤)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٩)، والتقريب (٣٠٨٤).
(٣) الكاشف (٢٥٠٨).
(٤) السير (٩/ ٢٦٣).
(٥) تقريب التهذيب (٣٠٨٤).
[ ٥٠ ]
موقفه في المحنة:
قال الذهبي: «قلت: كان عاصم ﵀ ممن ذبّ عن الدين في المحنة، فروى الهيثم بن خلف الدوري: أن محمد بن سويد الطحان حدثه قال: كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة، وأحمد بن حنبل يضرب، فجعل عاصم يقول: ألا رجلٌ يقوم معي، فنأتي هذا الرجل فنكلمه، قال: فما يجيبه أحدٌ، ثم قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك يا أبا الحسين، فقال: يا غلام؛ خُفي، فقال ابن أبي الليث: يا أبا الحسين أبلغ إلى بناتي فأوصيهم، فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط، ثم جاء، فقال: إني ذهبت إليهن فبكين، قال: وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط: يا أبانا إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل، فضربه على أن يقول: القرآن مخلوق، فاتق الله ولا تجبه، فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت» (١).
موقف الإمام منه:
قال في رواية أبي داود: «حديثه مقارب، حديث أهل الصدق، ما أقل الخطأ فيه، ولكن أبوه كان يتهم في الشيء،
_________________
(١) السير (٩/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، وينظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٢٤٩)، ومناقب الإمام أحمد ص (٤١٥)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ).
[ ٥١ ]
قام من الإسلام بموضع أرجو أن يثيبه الله به الجنة» (١).
وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: «ما أقل خطأه، قد عرض علي بعض حديثه» (٢).
وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: «قد عرض علي حديثه، وهو أصح حديثًا من أبيه» (٣).
وقال الميموني، عن أحمد: «صحيح الحديث، قليل الغلط، ما كان أصح حديثه، وكان - إن شاء الله - صدوقًا» (٤).
وقال المروذي: «قلت لأحمد: إن ابن معين قال: كل عاصم في الدنيا ضعيف؟ قال: ما أعلم في عاصم بن علي إلا خيرًا، كان حديثه صحيحًا، حديث شعبة والمسعودي ما كان أصحها» (٥).
_________________
(١) سؤالات أبي داود لأحمد رقم (٤٤١)، وينظر: تهذيب الكمال (١٣/ ٥١١)، والسير (٩/ ٢٦٣)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٠ - ٥١)، وبحر الدم ص (٢٢٣) رقم (٤٨٥).
(٢) تهذيب الكمال (١٣/ ٥١١).
(٣) علل أحمد - رواية عبد الله - (١٢٢٨)، وينظر: تهذيب الكمال (١٣/ ٥١١)، والسير (٩/ ٢٦٣)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٠ - ٥١).
(٤) تهذيب الكمال (١٣/ ٥١١)، وينظر: الجرح والتعديل (٦/ ٣٤٨)، وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، والسير (٩/ ٢٦٣)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٠ - ٥١).
(٥) علل أحمد - رواية المروذي - (٢٢٧)، وينظر: تهذيب الكمال (١٣/ ٥١١)، والسير (٩/ ٢٦٣)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٠ - ٥١).
[ ٥٢ ]
٧ - عبد الأعلى بن مُسْهر أبو مُسْهر الدمشقي:
هو: الإمام شيخ الشام الفقيه عبد الأعلى بن مُسْهر بن عبد الأعلى بن مُسْهر، أبو مُسْهر الغساني الدمشقي، ولد سنة أربعين ومائة، وتوفي سنة ثمان عشرة ومائتين، روى له: الجماعة (١).
موقفه في المحنة:
قال الخطيب: «أبو مسهر الغساني كان أُشْخِصَ من دمشق إلى عبد الله بن هارون وهو بالرقة، فسأله عن القرآن؟ فقال: هو كلام الله، وأبى أن يقول: مخلوق، فدعا له بالسيف والنطع ليضرب عنقه، فلما رأى ذلك قال: مخلوق، فتركه من القتل، وقال: أما إنك لو قلت ذلك قبل أن أدعو لك بالسيف لقبلت منك، ورددتك إلى بلادك وأهلك، ولكنك تخرج الآن فتقول: قلت ذلك فرقًا من القتل، أشخصوه إلى بغداد فاحبسوه بها حتى يموت، فأشخص من الرقة إلى بغداد في شهر ربيع
_________________
(١) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٦/ ٧٣)، والجرح والتعديل (٦/ ٢٩)، والثقات (٨/ ٤٠٨)، وتاريخ بغداد (١١/ ٧٢)، ومناقب الإمام أحمد ص (٤٨٦)، وتهذيب الكمال (١٦/ ٣٦٩)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٨١)، والعبر (١/ ٣٧٤)، والسير (١٠/ ٢٢٨)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٩٨)، والتقريب (٣٧٦٢).
[ ٥٣ ]
الآخر من سنة ثمان عشرة ومائتين، فحبس قبل إسحاق إبراهيم، فلم يلبث في الحبس إلا يسيرًا حتى مات فيه، في غرة رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، فأخرج ليدفن فشهده قوم كثير من أهل بغداد» (١).
وقال الذهبي: «قلت: وكان أبو مُسهر ممن امتحنه المأمون وأكرهه على أن يقول: القرآن مخلوق، فأصر وصمم، فوضعه في النطع ليضرب عنقه، فأجاب وقال: القرآن مخلوق. فأقيم من النطع فرجع في الحال، فسجنه المأمون نحوًا من مائة يوم، وجاءه الأجل فمات في سنة ثمان عشرة ومائتين، ﵀» (٢).
موقف الإمام منه:
قال في رواية أبي داود: «رحم الله أبا مسهر ما كان أثبته، وجعل يطريه» (٣).
وقال أبو الحسن الميموني: «وذكر يومًا - يعني: أحمد بن حنبل - أبا مسهر الشامي فقال: كيس، عالم بالشاميين. قلت:
_________________
(١) تاريخ بغداد (١١/ ٧٢ - ٧٣)، وينظر: المحن لأبي العرب ص (٤٤٦ - ٤٤٧)، ومناقب الإمام أحمد ص (٤٨٦ - ٤٨٧)، وتهذيب الكمال (١٦/ ٣٧٦).
(٢) تذكرة الحفاظ (١/ ٣٨١)، وينظر: السير (١٠/ ٢٣٤)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ٢٣١ - ٢٤٠ هـ).
(٣) سؤالات أبي داود لأحمد رقم (٢٨٥)، وينظر: تهذيب الكمال (١٦/ ٣٧٣).
[ ٥٤ ]
وبالنسب؟ قال: نعم، زعموا» (١).
٨ - عفان بن مسلم الصفار:
هو: الإمام الحافظ محدث العراق عفان بن مسلم بن عبد الله، أبو عثمان الصفار البصري، ولد سنة أربع وثلاثين ومائة، وتوفي سنة عشرين ومائتين، روى له: الجماعة (٢).
قال ابن حجر: «ثقة ثبت، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه. وربما وهم، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة. ومات بعدها بيسير» (٣).
موقفه في المحنة:
قال حنبل: «حضرت أبا عبد الله وابن معين عند عفان بعدما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمحنة، وكان أول من امتحن
_________________
(١) تهذيب الكمال (١٦/ ٣٧٣)، وينظر: تاريخ بغداد (١١/ ٧٣)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٧٢)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٩٩)، وبحر الدم ص (٢٥٣) رقم (٥٧٧).
(٢) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٧/ ٧٢)، والجرح والتعديل (٧/ ٣٠)، والثقات (٨/ ٥٢٢)، وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٦٩)، ومناقب الإمام أحمد ص (٤٧٩)، وتهذيب الكمال (٢٠/ ١٦٠)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٩٧)، والسير (١٠/ ٢٤٢)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ٢١١ - ٢٢٠ هـ)، والميزان (٣/ ٨١)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٣٠)، والتقريب (٤٦٥٩).
(٣) التقريب (٤٦٥٩).
[ ٥٥ ]
من الناس عفان، فسأله يحيى من الغد بعدما امتحن، وأبو عبد الله حاضر ونحن معه، فقال: أخبرنا بما قال لك إسحاق؟ قال: يا أبا زكريا لم أسود وجهك ولا وجوه أصحابك، إني لم أجب. فقال له: فكيف كان؟ قال: دعاني وقرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من الجزيرة (١)، فإذا فيه: امتحن عفان وادعه إلى أن يقول: القرآن كذا وكذا، فإن قال ذلك فأقره على أمره، وإن لم يجبك إلى ما كتبت به إليك فاقطع عنه الذي يجرى عليه - وكان المأمون يجري على عفان كل شهر خمس مئة درهم - فلما قرأ علي الكتاب قال لي إسحاق: ما تقول؟ فقرأت عليه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] حتى ختمتها، فقلت: أمخلوق هذا؟ فقال: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه إلى الذي يدعوك إليه يقطع عنك ما يجري عليك. فقلت: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فسكت عني وانصرفت، فسر بذلك أبو عبد الله ويحيى ومن حضر من أصحابنا» (٢).
_________________
(١) موضع بين دجلة والموصل من أرض. ينظر: الروض المعطار ص (١٦٣ - ١٦٤).
(٢) ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل ص (٦٧)، وينظر: المحن لأبي العرب ص (٤٣٣ - ٤٣٤)، وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٧٠ - ٢٧٢)، ومناقب الإمام أحمد ص (٤٧٩ - ٤٨٠)، وتهذيب الكمال (٢٠/ ١٦٥)، والسير (١٠/ ٢٤٤).
[ ٥٦ ]
موقف الإمام منه:
قال أبو بكر المروذي، عن أحمد بن حنبل قال: «إنما رفع الله عفان وأبا نعيم بالصدق حتى نوّه بذكرهما» (١).
وقال الإمام أيضًا: «لزمنا عفان عشر سنين، وعفان أثبت من عبد الرحمن بن مهدي» (٢).
وقال حنبل بن إسحاق: «سألت أبا عبد الله عن عفان؟ فقال: عفان؟ وحبان (٣)، وبهز (٤) هؤلاء المتثبتون، قال: قال عفان: كنت أوقف شعبة على الأخبار. قلت له: فإذا اختلفوا في الحديث يرجع إلى من منهم؟ قال: إلى قول عفان، هو في نفسي أكبر، وبهز أيضًا، إلا أن عفان أضبط للأسامي، ثم حبان» (٥).
وقال حنبل أيضًا: «سمعت أبا عبد الله يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقي من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به كبير أحدٍ، عفان، وأبو نعيم» (٦).
_________________
(١) تهذيب الكمال (٢٣/ ٢٠٧)، وينظر: السير (١٠/ ١٥٠)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، وبحر الدم ص (٢٩٨ - ٢٩٩) رقم (٦٩٦).
(٢) الجرح والتعديل (٧/ ٣٠)، وينظر: تهذيب الكمال (٢٠/ ١٧٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٥٠)، وبحر الدم ص (٢٩٨ - ٢٩٩) رقم (٦٩٦).
(٣) هو: ابن هلال الباهلي أبو حبيب البصري.
(٤) هو: ابن أسد العمي أبو الأسود البصري.
(٥) تاريخ بغداد (١٢/ ٢٧٣)، وينظر: تهذيب الكمال (٢٠/ ١٦٧)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣).
(٦) ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل بن إسحاق ص (٦٨).
[ ٥٧ ]
وقال أبو طالب: «سمعت أبا عبد الله قال: كان عفان يسمع بالغداة، ويعرض بالعشي» (١).
وقال الحسن بن محمد الزعفراني: «قلت لأحمد بن حنبل: من تابع عفانًا على حديث كذا وكذا؟ قال: وعفان يحتاج أن يتابعه أحدٌ، أو كما قال» (٢).
وقال مهنا: «سألت أحمد عن عفان وأبي نعيم؟ فقال: ذهبا محمودين» (٣).
٩ - الفضل بن دكين أبو نعيم:
هو: الحافظ الكبير، شيخ الإسلام، الحجة الثبت الفضل بن دكين بن حماد بن زهير بن درهم، أبو نعيم التيمي الطلحي القرشي مولاهم، الكوفي الملائي، الأحول، ولد سنة ثلاثين ومائة، وتوفي سنة ثماني عشرة، وقيل: تسع عشرة ومائتين، روى له: الجماعة، من كبار شيوخ أحمد، والبخاري (٤).
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٢/ ٢٧٤)، وينظر: تهذيب الكمال (٢٠/ ١٦٩)، والسير (١٠/ ٢٤٧).
(٢) تاريخ بغداد (١٢/ ٢٧٤)، وينظر: تهذيب الكمال (٢٠/ ١٦٩)، والسير (١٠/ ٢٤٧).
(٣) تهذيب الكمال (٢٣/ ٢٠٧).
(٤) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٧/ ١١٨)، والجرح والتعديل (٧/ ٦١)، والثقات (٧/ ٣١٩)، وتاريخ بغداد (١٢/ ٣٤٦)، ومناقب الإمام أحمد ص (٢٨١ - ٢٨٢)، وتهذيب الكمال (٢٣/ ١٩٧)، والتذكرة (١/ ٣٧٢)، والسير (١٠/ ١٤٢)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ٢١١ - ٢٢٠ هـ)، والعبر (١/ ٣٧٧)، وميزان الاعتدال (٣/ ٣٥٠)، وتهذيب التهذيب (٨/ ٢٧٠)، والتقريب (٥٤٣٦).
[ ٥٨ ]
موقفه في المحنة:
قال أحمد بن الحسن الترمذي، عن أبي نعيم قال: «القرآن كلام الله ليس بمخلوق» (١).
وقال الطبراني: «سمعت طليحة بنت أبي نعيم تقول: سمعت أبي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق. فهو كافر» (٢).
قال أبو العباس السراج، عن الكديمي قال: «لما دخل أبو نعيم على الوالي ليمتحنه، وثم يونس وأبو غسان وغيرهما، فأول من امتحن فلان فأجاب، ثم عطف على أبي نعيم، فقال: قد أجاب هذا، فما تقول؟ فقال: والله ما زلت أتهم جده بالزندقة، ولقد أخبرني يونس بن بكير أنه سمع جده يقول: لا بأس أن يرمي الجمرة بالقوارير. أدركت الكوفة وبها أكثر من سبع مئة شيخ، الأعمش فمن دونه يقولون: القرآن كلام الله، وعنقي أهون من زري هذا، فقام إليه أحمد بن يونس، فقبل رأسه - وكان بينهما شحناء - وقال: جزاك الله من شيخ
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٢/ ٣٤٩)، وينظر: تهذيب الكمال (٢٣/ ٢١٥).
(٢) تهذيب الكمال (٢٣/ ٢١٥)، وينظر: السير (١٠/ ١٤٩).
[ ٥٩ ]
خيرًا» (١).
موقف الإمام منه:
سبق شيءٌ في ذلك في ترجمة عفان، ومن ذلك أيضًا:
قال في رواية الميموني: «ثقة، وكان يقظًا عارفًا بالحديث، ثم قام في أمر الفتنة بما لم يقم غيره، عافاه الله» (٢).
وقال مهنا: «سألت أحمد عن عفان وأبي نعيم؟ فقال: هما العقدة» (٣).
١٠ - محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري الفقيه:
هو: الإمام شيخ الإسلام الفقيه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث، أبو عبد الله المصري، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتوفي سنة ثمان وستين ومائتين، روى له: النسائي (٤).
_________________
(١) تهذيب الكمال (٢٣/ ٢١٤)، وينظر: المحن لأبي العرب ص (٤٤٤ - ٤٤٥)، وتاريخ بغداد (١٢/ ٣٤٩)، والمناقب ص (٤٨١ - ٢٨٢)، والسير (١٠/ ١٤٩)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ٢١١ - ٢٢٠ هـ).
(٢) تهذيب الكمال (٢٣/ ٢٠٨)، وينظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٥٥)، وتهذيب التهذيب (٨/ ٢٧٢ - ٢٧٥)، وبحر الدم ص (٣٤٠ - ٣٤٣) رقم (٨٢٢).
(٣) تهذيب الكمال (٢٣/ ٢٠٨).
(٤) ينظر في ترجمته: الجرح والتعديل (٧/ ٣٠٠)، والثقات (٩/ ١٣٢)، ووفيات الأعيان (٤/ ١٩٣)، وتهذيب الكمال (٢٥/ ٤٩٧)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٤٦)، والسير (١٢/ ٤٩٧)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٦١ - ٢٧٠ هـ)، والعبر (١/ ٣٤٥)، والميزان (٣/ ٦١١)، وطبقات الشافعية (٢/ ٦٧)، وتهذيب التهذيب (٩/ ٢٦٠)، والتقريب (٦٠٦٦).
[ ٦٠ ]
قال الذهبي: «وكان عالم الديار المصرية في عصره مع المزني ، وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما رأيت في فقهاء الإسلام أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال: كان أعلم من رأيتُ على أديم الأرض بمذهب مالك وأحفظهم له» (١).
موقفه في المحنة:
قال أبو إسحاق الشيرازي: «حُمِلَ محمد في محنة القرآن إلى ابن أبي دؤاد، ولم يجب إلى ما طلب منه، ورد إلى مصر، وانتهت إليه الرئاسة بمصر. يعني: في العلم، وذكر غيره أن ابن عبد الحكم ضُرِبَ، فهرب واختفى» (٢).
موقف الإمام منه:
لم أقف على كلام للإمام ﵀ فيه.
_________________
(١) السير (١٢/ ٤٩٨).
(٢) طبقات الفقهاء ص (٩٩)، وينظر: السير (١٢/ ٥٠٠)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٦١ - ٢٧٠ هـ).
[ ٦١ ]
١١ - محمد بن نوح العجلي:
هو: محمد بن نوح بن ميمون بن عبد الحميد بن أبي الرجال العجلي المعروف والده بالمضروب، توفي سنة ثماني عشرة ومائتين (١).
قال الخطيب: «كان أحد المشهورين بالسنة، وحدث شيئًا يسيرًا» (٢).
وقال الصفدي: «كان محمد عالمًا، زاهدًا، ورعًا، مشهورًا بالسنة والدين والثقة، امتحن بالقول بخلق القرآن فثبت على السنة» (٣).
موقفه في المحنة:
قال الخطيب: «وكان المأمون كتب وهو بالرقة إلى إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة ببغداد بحمل أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح إليه بسبب المحنة، فأخرجا من بغداد على بعير متزاملين، ثم إن محمد بن نوح أدركه المرض في طريقه.
قال أبو عبد الله: انظر بما ختم له، فلم يزل ابن نوح كذلك، ومرض حتى صار إلى بعض الطريق فمات، فصليت
_________________
(١) ينظر في ترجمته: تاريخ بغداد (٣/ ٣٢٢)، والمنتظم (٣/ ٣١٣)، والوافي بالوفيات (٢/ ١٣٨)، والنجوم الزاهرة (١/ ٢٢١).
(٢) تاريخ بغداد (٣/ ٣٢٢).
(٣) الوافي بالوفيات (٢/ ١٣٨).
[ ٦٢ ]
عليه ودفنته، أظنه قال: بعانة. قلت: وكانت وفاته في سنة ثماني عشرة ومائتين» (١).
موقف الإمام منه:
قال البرقاني: «بلغني أن محمد بن نوح هذا جار أحمد بن حنبل، وأن أحمد بن حنبل قال لمن سأله عنه: اكتب عنه؛ فإنه ثقة» (٢).
وقال أبو بكر المروذي: «حدثنا محمد بن نوح، وسألت عنه أحمد بن حنبل، فقال: ثقة» (٣).
وقال حنبل بن إسحاق بن حنبل: «سمعت أبا عبد الله يقول: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه وقلة علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير. قال لي ذات يوم وأنا معه خلوين: يا أبا عبد الله! الله الله إنك لست مثلي أنت رجل يقتدى بك، وقد مد هذا الخلق أعناقهم
_________________
(١) تاريخ بغداد (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣)، وينظر: ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل ص (٣٨ - ٣٩)، والمنتظم (٣/ ٣١٣)، ومحنة الإمام أحمد لعبدالغني المقدسي ص (٤٥، ٥٠ - ٥١، ٥٤)، والوافي بالوفيات (٢/ ١٣٨).
(٢) تاريخ بغداد (٣/ ٣٢٢).
(٣) تاريخ بغداد (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣)، وينظر: ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل ص (٣٨ - ٣٩)، والمنتظم (٣/ ٣١٣)، ومحنة الإمام أحمد لعبد الغني المقدسي ص (٤٥)، والوافي بالوفيات (٢/ ١٣٨).
[ ٦٣ ]
إليك لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، أو نحو هذا من الكلام. قال أبو عبد الله: فعجبت من تقويته لي وموعظته إياي» (١).
١٢ - محمود بن غيلان العدوي مولاهم المروزي:
هو: الإمام الحافظ الحجة محمود بن غيلان، أبو أحمد العدوي مولاهم المروزي، توفي سنة تسع وثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (٢).
موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه:
قال محمود: «قلت لأبي عبد الله: ما تقول فيمن أجاب في المحنة؟ فقال: أما أنا فما أحب أن آخذ عن أحد منهم فقلت له: فإن يحيى بن يحيى قال: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، لا يكلم، ولا يجالس، ولا يناكح. فقال أحمد:
_________________
(١) ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل ص (٣٨ - ٣٩)، وينظر: تاريخ بغداد (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣).
(٢) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٧/ ٤٠٤)، والجرح والتعديل (٨/ ٢٩١)، والثقات (٩/ ٢٠٢)، وطبقات الحنابلة (٢/ ٤٢٠)، وتاريخ بغداد (١٣/ ٨٩)، وتهذيب الكمال (٢٧/ ٣٠٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٧٥)، والسير (١٢/ ٢٢٣)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٣١)، والميزان (٣/ ٦١١)، وتهذيب التهذيب (١٠/ ٦٤)، والتقريب (٦٥٥٩).
[ ٦٤ ]
ثبت الله قوله» (١).
وقال أبو بكر المروذي، عن أحمد بن حنبل: «أعرفه بالحديث، صاحب سنة، قد حبس بسبب القرآن» (٢).
١٣ - نعيم بن حماد الخزاعي، أبو عبد الله المروزي:
هو: الإمام العلامة الحافظ نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث بن همام بن سلمة بن مالك، أبو عبد الله الخزاعي المروزي، الفرضي الأعور، صاحب التصانيف، روى له: البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٣).
قال ابن حجر: «صدوق، يخطئ كثيرًا، فقيه، عارف بالفرائض، مات سنة ثمان وعشرين على الصحيح، وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه، وقال: باقي حديثه
_________________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٤٢١).
(٢) العلل عن أحمد - رواية المروذي - رقم (٢٨٩)، وينظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٨٩)، وتهذيب الكمال (٢٧/ ٣٠٨)، والسير (١٢/ ٢٢٣)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، وتهذيب التهذيب (١٠/ ٦٥)، وبحر الدم ص (٣٩٧) رقم (٩٦٥).
(٣) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٨/ ١٠٠)، والجرح والتعديل (٨/ ٤٦٢)، والثقات (٩/ ٢١٩)، وتاريخ بغداد (١٣/ ٣٠٦)، وتهذيب الكمال (٢٩/ ٤٦٦)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٨)، والسير (١٠/ ٥٩٥)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٠٥)، والميزان (٤/ ٢٦٧)، وتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٥٨)، والتقريب (٧٢١٥).
[ ٦٥ ]
مستقيم» (١).
موقفه في المحنة:
قال محمد بن سعد: «طلب الحديث طلبًا كثيرًا بالعراق والحجاز، ثم نزل مصر فلم يزل بها حتى أشخص منها في خلافة أبي إسحاق بن هارون، فسئل عن القرآن، فأبى أن يجيب فيه بشيء مما أرادوه عليه، فحبس بسامراء، فلم يزل محبوسًا بها حتى مات في السجن في سنة ثمان وعشرين» (٢).
وقال أبو القاسم البغوي، وإبراهيم بن عرفة نفطويه، وابن عدي: «مات سنة تسع وعشرين. زاد نفطويه: وكان مقيدًا محبوسًا؛ لا متناعه من القول بخلق القرآن، فجر بأقياده، فألقي في حفرة، ولم يكفن، ولم يصل عليه، فعل به ذلك صاحب ابن أبي دؤاد، يعني: المعتصم» (٣).
وقال أبو بكر الطرسوسي: «أخذ نعيم بن حماد في أيام المحنة سنة ثلاث أو أربع وعشرين ومائتين، وألقوه في السجن، ومات في سنة تسع وعشرين ومائتين، وأوصى أن يدفن في قيوده، وقال: إني مخاصم» (٤).
_________________
(١) التقريب (٧٢١٥).
(٢) الطبقات (٧/ ٥١٩).
(٣) تهذيب الكمال (٢٩/ ٤٨٠)، وينظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٣١٣ - ٣١٤)، وتاريخ دمشق (١٦٢/ ١٧١)، ومحنة الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٨٣).
(٤) تاريخ بغداد (١٣/ ٣١٣)، وينظر: تهذيب الكمال (٢٩/ ٤٧٩ - ٤٨٠)، والسير (١٠/ ٦١٠ - ٦١٢)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ).
[ ٦٦ ]
موقف الإمام منه:
قال أبو بكر المروذي: «سمعت أبا عبد الله يقول: جاءنا نعيم بن حماد، ونحن على باب هشيم نتذاكر المقطعات فقال: جمعتم حديث رسول الله - ﷺ -؟ قال: فعنينا بها منذ يومئذ» (١).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل - وذكر حديثًا لشعبة، عن أبي عصمة - قال أبو عبد الرحمن: سألت أبي: من أبو عصمة هذا؟ قال: رجل روى عنه شعبة، وليس هو أبو عصمة صاحب نعيم بن حماد، وكان أبو عصمة صاحب نعيم خراسانيًا، وكان نعيم كاتبًا لأبي عصمة، وكان أبو عصمة شديد الرد على الجهمية وأهل الأهواء، ومنه تعلم نعيم بن حماد. قال أبي: وكنا نسميه: نعيمًا الفارض، كان من أعلم الناس بالفرائض (٢).
وقال يوسف بن عبد الله الخوارزمي: «سألت أحمد بن حنبل عن نعيم بن حماد، فقال: لقد كان من الثقات» (٣).
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٣/ ٣٠٦)، وينظر: تاريخ دمشق (٦٢/ ١٦٤)، وتهذيب الكمال (٢٩/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، والسير (١٠/ ٥٩٦ - ٥٩٧).
(٢) تاريخ بغداد (١٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، وينظر: تاريخ دمشق (٦٢/ ١٦٤).
(٣) الكامل لابن عدي (٧/ ١٦)، وينظر: تاريخ دمشق (٦٢/ ١٦٧)، وتهذيب الكمال (٢٩/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، والسير (١٠/ ٥٩٦ - ٥٩٧)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ).
[ ٦٧ ]
١٤ - يوسف بن يحيى القرشي مولاهم البويطي:
هو: الإمام العلامة الفقيه يوسف بن يحيى القرشي مولاهم، أبو يعقوب البويطي المصري، صاحب الشافعي، توفي ببغداد سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائتين في المحنة، روى له: الترمذي (١).
قال الذهبي: «وكان إمامًا في العلم، قدوة في العمل، زاهدًا، ربانيًا، متهجدًا، دائم الذكر والعكوف على الفقه، بلغنا أن الشافعي قال: ليس في أصحابي أحدٌ أعلم من البويطي» (٢).
وقال ابن حجر: «ثقة فقيه، من أهل السنة» (٣).
موقفه في المحنة:
قال الربيع بن سليمان: «كان البويطي أبدًا يحرك شفتيه بذكر الله، وما أبصرت أحدًا أنزع بحجة من كتاب الله من البويطي، ولقد رأيته على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبينه وبين الغل سلسلة فيها لبنة وزنها أربعون رطلًا، وهو
_________________
(١) ينظر في ترجمته: الجرح والتعديل (٩/ ٢٣٥)، والثقات (٩/ ٢١٩)، وتاريخ بغداد (١٤/ ٢٩٩)، وفيات الأعيان (٧/ ٦١)، وتهذيب الكمال (٣٢/ ٤٧٢)، والسير (١٢/ ٥٨)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، والعبر (١/ ٤١١)، وطبقات الشافعية للسبكي (٢/ ١٦٢)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٤٢٧)، والتقريب (٧٩٤٩).
(٢) السير (١٢/ ٥٩).
(٣) التقريب (٧٩٤٩).
[ ٦٨ ]
يقول: إنما خلق الله الخلق بـ: «كن»، فإذا كانت مخلوقة، فكأن مخلوقًا خلق بمخلوق، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه - يعني: الواثق - ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم» (١).
وقال أبو سعيد بن يونس: «كان من أصحاب الشافعي، وكان متقشفًا، حمل من مصر أيام المحنة والفتنة بالقرآن إلى العراق، فأرادوه على الفتنة فامتنع، فسجن ببغداد وقيد، وأقام مسجونًا إلى أن توفي في السجن والقيد ببغداد سنة اثنتين وثلاثين» (٢).
وقال أبو إسحاق الشيرازي: «قال الساجي في كتابه: كان أبو يعقوب البويطي إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السجان: أين تريد؟ فيقول: أجيب داعي الله، فيقول: ارجع عافاك الله، فيقول أبو يعقوب: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني» (٣).
موقف الإمام منه:
لم أقف على كلام للإمام فيه، رحمهما الله تعالى.
_________________
(١) طبقات الشافعية للسبكي (٢/ ١٦٤)، وينظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٣٠٢)، ووفيات الأعيان (٧/ ٦٢)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٩)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ).
(٢) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٠٢)، وينظر: تهذيب الكمال (٣٢/ ٤٧٥).
(٣) طبقات الفقهاء ص (٩٨). وينظر: المحن لأبي العرب ص (٤٤٨)، ووفيات الأعيان (٧/ ٦٢)، وطبقات الشافعية للسبكي (٢/ ١٦٤).
[ ٦٩ ]
المطلب الثاني
أشهر الأئمة الذين امتحنوا وأجابوا أو توقفوا في ذلك
١ - إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الأسدي الحزامي:
هو: الإمام الحافظ الثقة إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد، أبو إسحاق القرشي الأسدي الحزامي المدني، توفي سنة ست وثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١).
موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه:
قال أبو بكر الأثرم: «سمعتُ أبا عبد الله يقول: أي شيء يبلغني عن الحزامي؟!، لقد جاءني بعد قدومي من العسكر، فلما رأيته أخذتني - أخبرك - الحمية، فقلت: ما جاء بك إلي؟ - قالها أبو عبد الله بانتهار - قال: فخرج، فلقي أبا يوسف - يعني: عم أبي عبد الله - فجعل
_________________
(١) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (١/ ٣٣١)، والجرح والتعديل (٢/ ١٣٩)، والثقات (٨/ ٧٣)، وتاريخ بغداد (٦/ ١٧٩)، وتهذيب الكمال (٢/ ٢٠٧)، والسير (١٠/ ٦٨٩)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٢٢)، والميزان (١/ ٦٧)، وتهذيب التهذيب (١/ ١٦٦)، والتقريب (٢٥٥).
[ ٧٠ ]
يعتذر» (١).
وقال عبدان بن أحمد الهمذاني: «سمعت أبا حاتم يقول: إبراهيم بن المنذر أعرف بالحديث من إبراهيم بن حمزة الزبيري، إلا أنه خلط في القرآن، جاء إلى أحمد بن حنبل فاستأذن، فلم يأذن له أحمد، وجلس حتى خرج، فسلم على أحمد، فلم يرد ﵇» (٢).
وقال زكريا بن يحيى الساجي: «بلغني أن أحمد بن حنبل كان يتكلم فيه ويذمه، وقصد إليه ببغداد ليسلم عليه فلم يأذن له، وكان قدم إلى ابن أبي دؤاد، قاصدًا من المدينة، عنده مناكير» (٣).
وقال ابن حجر: «تكلم فيه أحمد من أجل كونه دخل إلى ابن أبي دؤاد» (٤).
_________________
(١) السير (١٠/ ٦٩٠).
(٢) تاريخ بغداد (٦/ ١٨٠ - ١٨١)، وينظر: مناقب الإمام أحمد ص (٤٧٤)، ومحنة الإمام للمقدسي ص (١٦٢)، وتهذيب الكمال (٢/ ٢١٠)، والسير (١٠/ ٦٩٠)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، وتهذيب التهذيب (١/ ١٦٧).
(٣) تاريخ بغداد (٦/ ١٨٠ - ١٨١)، وينظر: تهذيب الكمال (٢/ ٢١٠)، وتهذيب التهذيب (١/ ١٦٧).
(٤) هدي الساري ص (٣٨٨)، وينظر: التقريب (٢٥٥).
[ ٧١ ]
٢ - إسحاق بن أبي إسرائيل المروزي:
هو: الإمام الحافظ الثقة إسحاق بن أبي إسرائيل، واسمه إبراهيم بن كامْجَر، أبو يعقوب المروزي، نزيل بغداد، ولد سنة خمسين ومائة، وتوفي سنة خمس، وقيل: ست وأربعين ومائتين، روى له: البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي (١).
قال ابن حجر: «صدوق، تُكلم فيه لوقفه في القرآن» (٢).
موقفه في المحنة:
قال أبو العباس السراج: «سمعته يقول: هؤلاء الصبيان، يقولون: كلام الله غير مخلوق، ألا قالوا: كلام الله. وسكتوا؟ ويشير إلى دار الإمام أحمد» (٣).
وقال ابن الجوزي: «كان حافظًا، ثقة، مأمونًا، إلا أنه كان يقول: القرآن كلام الله ويقف، ولا يقول: مخلوق ولا غير
_________________
(١) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (١/ ٣٨٠)، والثقات (٨/ ١١٦)، وتاريخ بغداد (٦/ ٣٥٦)، وتهذيب الكمال (٢/ ٣٩٨)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٨٤)، والسير (١١/ ٤٧٦)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٤٤)، والميزان (١/ ١٨٢)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٢٣)، والتقريب (٣٤٠).
(٢) التقريب (٣٤٠).
(٣) تاريخ بغداد (٦/ ٣٦٠)، وينظر: تهذيب الكمال (٢/ ٤٠٣)، والسير (١١/ ٤٧٧)، والميزان (١/ ١٨٢).
[ ٧٢ ]
مخلوق، وكان يقول: لا أقول هذا على الشك، ولكن أسكت كما سكت القوم قبلي، فذموه بسكوته» (١).
موقف الإمام منه:
قال شاهين بن السميدع العبدي: «سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - يقول: إسحاق بن أبي إسرائيل واقفي مشؤوم، إلا أنه صاحب حديث كيس» (٢).
قال إسحاق بن داود: «قال أحمد بن حنبل: تجهم ابن أبي إسرائيل بعد تسعين سنة. فقال محمد بن يحيى المكي: ذكرت لأبي عبد الله إسحاق بن أبي إسرائيل، فقال: ذاك أحمق» (٣).
وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: «سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل - ذكر ابن أبي إسرائيل - فقال: بعد طلبه للحديث وكثرة سماعه شك، فصار ضلالًا شكاكًا» (٤).
_________________
(١) المنتظم (٣/ ٤٠٥)، وينظر: مناقب الإمام أحمد ص (٤٧٠)، والسير (١١/ ٤٧٨).
(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، وينظر: تهذيب الكمال (٢/ ٤٠٣)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٤٧٧)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٨٥)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٢٤).
(٣) تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ).
(٤) تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ).
[ ٧٣ ]
وقد تكلم فيه غيره من الأئمة؛ من أجل وقفه، تكلم فيه: ابن معين، وصالح جزرة، وأبو حاتم، والساجي.
قال أبو حاتم: «وقف في القرآن فوقفنا عن حديثه، ولقد تركه الناس حتى كنت أمر بمسجده وهو وحيد لا يقربه أحد، بعد أن كان الناس إليه عَنَقًا واحدًا» (١).
وقال الساجي: «كان صدوقًا، تركوه لموضع الوقف» (٢).
علق الذهبي على ذلك: «قل من ترك الأخذ عنه» (٣).
٣ - إسماعيل بن إبراهيم بن معمر القطيعي:
هو: الإمام الحافظ الكبير الثبت إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي الهروي، أبو معمر البغدادي القطيعي، ولد بعد الخمسين ومائة، وتوفي سنة ست وثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (٤).
_________________
(١) الجرح والتعديل (٢/ ٢١٠)، وينظر: وتهذيب الكمال (٢/ ٣٩٨)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٢٣).
(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٣٦٠)، وينظر: تهذيب الكمال (٢/ ٣٩٨)، والسير (١١/ ٤٧٦)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٢٣).
(٣) الميزان (١/ ١٨٢).
(٤) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد (٧/ ٣٥٩)، والتاريخ الكبير (١/ ٣٤٢)، والجرح والتعديل (٢/ ١٥٧)، وتاريخ بغداد (٦/ ٢٦٦)، وتهذيب الكمال (٣/ ١٩)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٧١)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٦٩)، والعبر (١/ ٤٣٢)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، وميزان الاعتدال (١/ ٢٢٠)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٧٣)، والتقريب (٤١٩).
[ ٧٤ ]
قال ابن سعد: «ثقة ثبت، صاحب سنة وفضل» (١).
موقفه في المحنة:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «سمعت أبا معمر الهذلي يقول: من زعم أن الله لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يرضى، ولا يغضب، فهو كافر، إن رأيتموه واقفًا على بئر فألقوه فيها، بهذا أدين الله ﷿» (٢).
وقال عبيد بن شريك البزار: «كان أبو معمر القطيعي من شدة إدلاله بالسنة يقول: لو تكلمت بغلتي لقالت: إنها سنية. قال: فأخذ في محنة القرآن، فأجاب، فلما خرج قال: كفرنا وخرجنا» (٣).
موقف الإمام منه:
قال أبو زرعة: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا أبي معمر، ولا يحيى بن معين، ولا عن
_________________
(١) الطبقات (٧/ ٣٥٩).
(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٢٧٠)، وينظر: تهذيب الكمال (٣/ ٢٠ - ٢١)، والسير (١١/ ٧٠).
(٣) تاريخ بغداد (٦/ ٢٧٠)، وينظر: تهذيب الكمال (٣/ ٢٠ - ٢١)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٧١)، والسير (١١/ ٧٠)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٧٣).
[ ٧٥ ]
أحد ممن امتحن فأجاب» (١).
قال حجاج بن الشاعر: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو حدثت عن أحد أجاب في المحنة لحدثت عن اثنين: أبو معمر، وأبو كريب، أما أبو معمر فلم يزل بعدما أجاب يذم نفسه على إجابته، ويحسن أمر من لم يجب ويغبطهم، وأما أبو كريب فأجري عليه ديناران وهو محتاج، فتركهما لما علم أنه أجري لذلك» (٢).
٤ - الحسن بن حماد المعروف بسجادة:
هو: الإمام القدوة المحدث الأثري الحسن بن حماد بن كسيب الحضرمي، أبو علي البغدادي، توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين، روى له: أبو داود، والنسائي وابن ماجه (٣).
_________________
(١) تاريخ بغداد (٦/ ٢٧١)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٧٣)، وتهذيب الكمال (٣/ ٢٠ - ٢١)، والسير (١١/ ٧٠)، والميزان (٢/ ٦٥٨)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٧٣)، وبحر الدم ص (٣٨١) رقم (٩٢١).
(٢) تاريخ دمشق (٥٥/ ٥٧)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٧٣)، وتهذيب الكمال (٢٦/ ٢٤٦)، والسير (١/ ٣٩٥).
(٣) ينظر في ترجمته: الجرح والتعديل (٣/ ٩)، والثقات (٨/ ١٧٥ - ١٧٦)، وتاريخ بغداد (٧/ ٢٩٥)، وتهذيب الكمال (٦/ ١٢٩)، والسير (١١/ ٣٩٢)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٣٥)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٧٢)، والتقريب (١٢٤٠).
[ ٧٦ ]
موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه:
يوضح هذا ويبينه ما قصّه حنبل بن إسحاق عن المحنة فقال ﵀ فيما نقله عن أبيه: «ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بإحضار أبي عبد الله أحمد ابن حنبل، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة، ومحمد بن نوح بن ميمون، وأن يمتحنهم ، فلما كان من الغد حضر أبو عبد الله والمسمون معه، فأدخلوا إلى إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد الله والقوم أن يجيبوا جميعًا ، ثم امتحن القواريري، فأبى أن يجيبه وامتنع، فأمر بحبسه وتقييده، وسجادة أيضًا كذلك، فلما كان بعد بيوم أو يومين جاء بهما فأجاباه فخلى عنهما، وكان أبو عبد الله بعد ذلك يعذر القواريري وسجادة، يقول: قد أعذار وحُبسا وقُيدا، وقال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، ثم قال: القيد كره، والحبس كره، والضرب كره، فأما إذا لم ينل بمكروه فلا عذر له» (١).
قال عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان: «سألت أحمد بن حنبل عن سجادة؟ فقال: صاحب سنة، ما بلغني عنه إلا خير» (٢).
_________________
(١) ذكر المحنة لحنبل ص (٣٥ - ٣٧) باختصار، وينظر: محنة الإمام أحمد لعبد الغني المقدسي ص (٤١ - ٤٣).
(٢) تاريخ بغداد (٧/ ٢٩٥)، وينظر: تهذيب الكمال (٦/ ١٣١)، والسير (١١/ ٣٩٣)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٣٧)، وبحر الدم ص (١١٠) رقم (١٩١).
[ ٧٧ ]
٥ - زهير بن حرب أبو خيثمة:
هو: الحافظ الحجة، أحد أعلام الحديث، أبو خيثمة، زهير بن حرب بن شداد الحرشي النسائي البغدادي، ولد سنة ستين ومائة، وتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين، روى له: الستة عدا الترمذي (١).
موقفه في المحنة:
قال عبد الغني المقدسي: «قال أبو علي حنبل: وكان أول من حُمِلَ للمحنة هؤلاء السبعة، جاء كتاب المأمون في أمرهم أن يحملوا إليه ولم يمتحنوا هاهنا، وإنما أخرجهم إليه فأجابوه بالرقة، وكانوا: يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وإسماعيل الجوري، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم المستملي عبد الرحمن بن يونس، وابن أبي مسعود، فحضرتهم حين أخرجوا إلى الرقة في الخان بباب الأنبار فأخرجوا جميعًا،
_________________
(١) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٣/ ٤٢٩)، والجرح والتعديل (٣/ ٥٩١)، والثقات (٨/ ٢٥٦)، وتاريخ بغداد (٨/ ٤٨٢)، وتهذيب الكمال (٩/ ٤٠٢)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٣٧)، والسير (١١/ ٤٨٩)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، والعبر (١/ ٤١٦)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٤٢)، والتقريب (٢٠٥٣).
[ ٧٨ ]
فأجابوا وأطلقوا» (١).
موقف الإمام منه:
لم أقف على كلام للإمام يطعن به على أبي خيثمة، لكن الإمام هجره كغيره ممن أجاب.
قال ابن الجوزي: «وكذلك فعل بأبي خيثمة، فإنه جاء فطرق عليه الباب فلما خرج فرآه أغلق الباب، وخرج مغضبًا يتكلم هو ونفسه بكلمات سمعها أبو خيثمة، فلم يعد إليه» (٢).
٦ - سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي (٣):
قال الذهبي: «وثقه بعضهم» (٤).
موقفه في المحنة:
قال الإمام أحمد: «امتحن أول شيء قبل أن يخوفوا، وقبل أن يكون ترهيب فأجابهم» (٥).
_________________
(١) محنة الإمام أحمد لعبدالغني المقدسي ص (٤٠ - ٤١)، وينظر: ذكر المحنة لحنبل ص (٣٤ - ٣٥)، ومناقب الإمام لابن الجوزي ص (٤٧٠).
(٢) مناقب الإمام لابن الجوزي ص (٤٧٤).
(٣) ينظر: تاريخ بغداد (٩/ ١٢٦)، وتاريخ الإسلام (٥/ ٥٧٢)، وذيل ميزان الاعتدال ص (٢٦٥)، ولسان الميزان (٤/ ٣٣).
(٤) تاريخ الإسلام (٥/ ٥٧٢).
(٥) تاريخ بغداد (٩/ ١٢٧).
[ ٧٩ ]
موقف الإمام منه:
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أخبرني اليوم إنسان بشيء عجب، زعم أن فلانًا أمر بالكتاب عن سعد بن العوفي، وقال: هو أوثق الناس في الحديث.
فاستعظم ذاك أبو عبد الله جدًا، وقال: لا إله إلا الله، سبحان الله! ذاك جهمي، امتحن أول شيء قبل أن يخوفوا وقبل أن يكون ترهيب فأجابهم.
قلت لأبي عبد الله: فهذا جهمي إذًا؟ فقال: فأي شيء ثم. قال أبو عبد الله: لو لم يكن هذا أيضًا لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك (١).
٧ - سعيد بن سليمان الواسطي، المعروف بسعدويه:
هو: الحافظ الثبت الإمام سعيد بن سليمان، أبو عثمان الضبي الواسطي البزاز، الملقب بسعدويه، سكن بغداد، ونشر بها العلم، ولد سنة بضع وعشرين ومائة، وتوفي سنة خمس وعشرين ومائتين، روى له: الجماعة (٢).
_________________
(١) ينظر: تاريخ بغداد (٩/ ١٢٧)، وتاريخ الإسلام (٥/ ٥٧٢)، وذيل ميزان الاعتدال ص (٢٦٥)، ولسان الميزان (٤/ ٣٣).
(٢) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٣/ ٤٨١)، والجرح والتعديل (٤/ ٢٦)، والثقات (٨/ ٢٦٧)، وتاريخ بغداد (٩/ ٨٤)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٤٨٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٩٨)، والسير (١٠/ ٤٨١)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، والعبر (١/ ٣٩٤)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٣)، والتقريب (٢٣٤٢).
[ ٨٠ ]
موقفه في المحنة:
قال أبو بكر الخطيب: «كان سعدويه من أهل السنة، وأجاب في المحنة» (١).
ولكنه ﵀ ممن اعترف وندم.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: «قيل لسعدويه بعدما انصرف من المحنة: ما فعلتم؟ قال: كفرنا ورجعنا» (٢).
وقال محمد بن سهل بن عسكر: «لما دُعي سعدويه إلى المحنة رأيته خرج من دار الأمير، قال: يا غلام، قدم الحمار فإن مولاك كفر!» (٣).
موقف الإمام منه:
قال العقيلي: «حدثني الخضر بن داود قال: حدثنا أحمد بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن سعيد بن سليمان: ترى الكتابة عنه؟ فقال: أعفني عن المسألة عن هؤلاء، وذلك في حياة سعيد، وذلك بعد المحنة» (٤).
_________________
(١) تاريخ بغداد (٩/ ٨٦).
(٢) معرفة الثقات رقم (٥٩٦)، وينظر: تاريخ بغداد (٩/ ٨٦)، ومناقب الإمام أحمد ص (٤٧٠)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٤٨٧)، والسير (١٠/ ٤٨٢)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ).
(٣) تاريخ بغداد (٩/ ٨٦)، وينظر: مناقب الإمام أحمد ص (٤٧٠)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٤٨٧)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٩٩).
(٤) الضعفاء للعقيلي (٢/ ١٠٩).
[ ٨١ ]
قال عبد الله بن أحمد: «سمعت أبي ذكر سعيد بن سليمان، قال: كان صاحب تصحيف ما شئت» (١).
وقال أبو زرعة: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن علي بن الجعد، ولا سعيد بن سليمان، ورأيته في كتابه مضروبًا عليهما» (٢).
قال الذهبي: «وأما أحمد بن حنبل فكان يغض منه، ولا يرى الكتابة عنه؛ لكونه أجاب في المحنة تقية، ويقول: صاحب تصحيف ما شئت» (٣).
٨ - عباس بن عبد العظيم العنبري:
هو: الحافظ الحجة الإمام العباس بن عبد العظيم بن إسماعيل بن توبة، أبو الفضل العنبري البصري، توفي سنة ست وأربعين ومائتين، روى له: مسلم، والأربعة (٤).
_________________
(١) العلل - رواية عبد الله - (٩٤٤)، وينظر: تاريخ بغداد (٩/ ٨٦)، (١١/ ٣٦٥)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٤٨٦)، والسير (١٠/ ٤٨٢)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٣).
(٢) تاريخ بغداد (٩/ ٨٦) (١١/ ٣٦٥)، وينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٦٢)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٤٨٦)، والسير (١٠/ ٤٨٢).
(٣) السير (١٠/ ٤٨٢)، وينظر: تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ).
(٤) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٤/ ٦)، والجرح والتعديل (٦/ ٢١٦)، والثقات (٨/ ٥١١)، وتاريخ بغداد (١٢/ ١٣٧)، وطبقات الحنابلة (٢/ ١٥٣)، وتهذيب الكمال (١٤/ ٢٢٢)، والسير (١٢/ ٣٠٢)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٤٢)، وتهذيب التهذيب (٥/ ١٢١)، والتقريب (٣١٩٣).
[ ٨٢ ]
موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه:
قال حنبل: «امتحن عباس بن عبد العظيم العنبري، وعلي بن المديني بالبصرة، فأما عباس فأقيم فضُرِبَ بالسوط فأجاب، وأُقعد علي بن المديني فلم يمتحن حتى ضرب عباس وهو ينظر، فلما رأى ما نزل بعباس العنبري، وأن عباسًا قد أجاب، أجاب علي عند ذلك، ولم ينل بمكروه ولا ضرب، وحذر لما رأى ما نزل بعباس من الضرب، فعذر أبو عبد الله عباسًا، ولم يعذر عليًا لذلك».
وقال في موضع آخر: «كان أبو عبد الله عباسًا العنبري، لما ضُرِبَ ونيل بالضرب والقيد، ويذكر علي بن المديني فيغتم له ولما صار إليه، ويقول: أخرج إليهم كتاب يحيى، فعرفوا من الحديث ما لم يكونوا يعرفون - يعني: من أخبار الحديث - وما فيها من الوهم، فكان يغتم لذلك» (١).
وقال عبد الله: «قيل له - يعني: أباه -: عباس العنبري؟ قال: ابن خلّاد من الشيوخ. قال أبو عبد الرحمن: حاد عنه من أجل المحنة؛ لأنه كان ضُرِبَ في المحنة» (٢).
_________________
(١) ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل لابن عمه حنبل بن إسحاق ص (٣٨، ٦٩).
(٢) العلل - رواية عبد الله - رقم (٥١٧٤).
[ ٨٣ ]
أي أن الإمام أحمد ترك الكلام فيه من أجل ما ابتلي به في المحنة.
٩ - عبد الملك بن عبد العزيز القشيري أبو نصر التمار:
هو: الإمام الثقة الزاهد القدوة عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الملك بن ذكوان بن يزيد، أبو نصر التمار القشيري مولاهم، النسوي الدقيقي، نزيل بغداد، ولد سنة سبع وثلاثين ومائة، وتوفي سنة ثمان وعشرين ومائتين، روى له: مسلم، والنسائي (١).
موقفه في المحنة:
قال ابن الجوزي: «كان عالمًا، ثقة، زاهدًا، يعد في الأبدال، وكان ممن أجاب في المحنة، وكان أحمد ينهى عن الكتابة عنه، ولم يخرج للصلاة عليه، كل ذلك ليعظم أمر القرآن عند الناس» (٢).
وقال الذهبي: «وكان ممن امتحن في خلق القرآن، فأجاب وخاف» (٣).
_________________
(١) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٥/ ٤٢٣)، والجرح والتعديل (٥/ ٣٥٨)، والثقات (٨/ ٣٩٠)، وتاريخ بغداد (١٠/ ٤٢٠)، والمنتظم (٣/ ٣٤٧)، وتهذيب الكمال (١٨/ ٣٥٤)، والسير (١٠/ ٥٧١)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٠٢)، والميزان (٢/ ٦٥٨)، والوافي بالوفيات (٦/ ٢٥٢)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٤٠٦)، والتقريب (٤٢٢٢).
(٢) المنتظم (٣/ ٣٤٧).
(٣) الميزان (٢/ ٦٥٨)، وينظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٤٢١)، ومحنة الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٧٣)، والوافي بالوفيات (٦/ ٢٥٢).
[ ٨٤ ]
موقف الإمام منه:
قال أبو زرعة الرازي: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصار التمار، ولا ابن معين، ولا ممن امتحن فأجاب» (١).
وقال أبو الحسن الميموني: «صح عندي أنه - يعني: أحمد - لم يحضر أبا نصر التمار حين مات، فحسبت أن ذلك لما كان أجاب في المحنة» (٢).
١٠ - عبيد الله بن عمر القواريري:
هو: الإمام الحافظ، محدث الإسلام عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، أبو سعيد الجشمي مولاهم، البصري، نزيل بغداد، ولد سنة اثنتين وخمسين ومائة تقريبًا، وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٣).
_________________
(١) تاريخ بغداد (٩/ ٨٦) (١١/ ٣٦٥)، وينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٦٢)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٤٨٦)، والسير (١٠/ ٤٨٢).
(٢) العلل - رواية الميموني - رقم (٤١٦)، وينظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٤٢١)، ومحنة الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٧٣)، وتهذيب الكمال (١٨/ ٣٥٤)، والسير (١٠/ ٥٧١)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، والميزان (٢/ ٦٥٨)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٤٠٦)، وبحر الدم ص (٢٧٨ - ٢٧٩) رقم (٦٤٢).
(٣) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٥/ ٣٩٥)، والجرح والتعديل (٥/ ٣٢٧)، والثقات (٨/ ٤٠٥)، وتاريخ بغداد (١٠/ ٣٢٠)، والمنتظم (٦/ ٢٦، ٤٤)، وتهذيب الكمال (١٩/ ١٣٠)، والسير (١١/ ٤٤٢)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٢٢)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٤٠)، والتقريب (٤٣٥٤).
[ ٨٥ ]
موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه:
قد تقدم في ترجمة سجَّادة قصته وقصة القواريري وموقف الإمام منهما، فيما قاله ابن عمه حنبل بن إسحاق ﵀ عن أبيه: «ثم ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بإحضار أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجَّادة، ومحمد بن نوح بن ميمون، وأن يمتحنهم ، فلما كان من الغد حضر أبو عبد الله والمسمون معه، فأدخلوا إلى إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد الله والقوم أن يجيبوا جميعًا ، ثم امتحن القواريري فأبى أني يجيبه وامتنع، فأمر بحبسه وتقييده، وسجَّادة أيضًا كذلك، فلما كان بعدُ بيوم أو يومين جاء بهما فأجاباه فخلّى عنهما، وكان أبو عبد الله بعد ذلك يعذر القواريري وسجادة، يقول: قد أعذرا وحبسا وقيدا، وقال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ثم قال: القيد كره، والحبس كره، والضرب كره، فأما إذا لم ينل بمكروه فلا عذر له» (١).
_________________
(١) تاريخ بغداد (٧/ ٢٩٥)، وينظر: تهذيب الكمال (٦/ ١٣١)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٣٩٣)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٣٧)، وبحر الدم ص (١١٠) رقم (١٩١).
[ ٨٦ ]
١١ - علي بن الجعد الجوهري:
هو: الإمام الحافظ الحجة مسند بغداد علي بن الجعد بن عبيد، أبو الحسن البغدادي، ولد سنة أربع وثلاثين ومائة، وتوفي سنة ثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، وأبو داود (١).
موقفه في المحنة:
قد عيب على علي بن الجعد ﵀ كلام له في بعض الصحابة، أوجب نسبته إلى شيء من التشيع، وأيضًا إجابته في المحنة وموقفه ممن قال بخلق القرآن؛ ومن أجل هذا تكلم فيه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وفيما يلي ذكرٌ لما نسب إليه من هذه الهفوات.
قال أبو يحيى الناقد: «سمعت أبا غسان الدوري يقول: كنت عند علي بن الجعد، فذكروا حديث ابن عمر: «كنا نفاضل على عهد النبي - ﷺ - فنقول: خير هذه الأمة بعد النبي - ﷺ - أبو بكر، وعمر، وعثمان، فيبلغ النبي - ﷺ - فلا ينكره» (٢). فقال
_________________
(١) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٦/ ٢٦٥)، والجرح والتعديل (٦/ ١٧٨)، والثقات (٨/ ٤٦٦)، وتاريخ بغداد (١١/ ٣٦٠)، والمنتظم (٦/ ٦، ٢٨، ٦٢ - ٦٣)، وتهذيب الكمال (٢٠/ ٣٤١)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٩٩)، والسير (١٠/ ٤٥٩)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٠٦)، والميزان (٣/ ١١٦)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٨٩)، والتقريب (٤٧٣٢).
(٢) أخرجه: ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٨٠٤)، والخلال في السنة (١/ ٣٩٨)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٠٣) ح (٨٧٠٢)، وأصله في البخاري - فتح - (٧/ ١٦) ح (٣٦٥٥).
[ ٨٧ ]
علي: انظروا إلى هذا الصبي هو لم يحسن أن يطلق امرأته يقول: كنا نفاضل.
وكنت عنده فذكروا حديث: «إن ابني هذا سيَّد» (١) قال: ما جعله الله سيدًا. قال أحمد بن إبراهيم الدورقي: قلت لعلي بن الجعد: بلغني أنك قلت: ابن عمر ذاك الصبي، قال: لم أقل، ولكن معاوية ما أكره أن يعذبه الله» (٢) (٣).
وقال هارون بن سفيان المستملي: «كنت عند علي بن الجعد، فذكر عثمان، فقال: أخذ من بيت المال مئة ألف درهم بغير حق، فقلت: لا والله، ما أخذها إلا بحق» (٤).
وقال الآجري: «قلت لأبي داود: أيما أعلى عندك علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟ فقال: عمرو أعلى عندنا، علي بن الجعد وُسِمَ بميسم سوءٍ، قال: ما ضرني أن يعذب الله
_________________
(١) أخرجه: البخاري - فتح - (٧/ ٩٤) ح (٣٧٤٦).
(٢) تهذيب الكمال (٢٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، وينظر: الضعفاء للعقيلي (٣/ ٢٢٥)، والسير (١٠/ ٤٦٣ - ٤٦٤).
(٣) وهذه الألفاظ من ابن الجعد لو ثبتت عنه فيها شناعة، وقد قال الذهبي في السير (١٠/ ٤٦٤): «أبو غسان لا أعرف حاله، فإن كان قد صدق، فلعل ابن الجعد قد تاب من هذه الورطة، بل جعله سيدًا علي رغم أنف كل جاهل».
(٤) تهذيب الكمال (٢٠/ ٣٤٧)، وينظر: السير (١٠/ ٤٦٥)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٨٩).
[ ٨٨ ]
معاوية، وقال: ابن عمر ذاك الصبي» (١).
وقال زياد بن أيوب: «سأل رجلٌ أحمد بن حنبل عن علي بن الجعد؟ فقال الهيثم: ومثله يسأل عنه! فقال أحمد: أمسك أبا عبد الله، فذكره رجل بشيء، فقال أحمد: ويقع في أصحاب رسول الله؟ فقال زياد بن أيوب: كنت عند علي بن الجعد، فسألوه عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله، ومن قال: مخلوق، لم أعنفه، فقال أحمد: بلغني عنه أشد من هذا» (٢).
موقف الإمام منه:
قال أبو جعفر العقيلي: «قلت لعبد الله بن أحمد: لِمَ لَمْ تكتب عن علي بن الجعد؟ قال: نهاني أبي أن أذهب إليه، وكان يبلغه عنه أنه يتناول الصحابة» (٣).
وقال أبو زرعة: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن علي بن الجعد، ولا سعيد بن سليمان، ورأيته في كتابه مضروبًا عليهما» (٤).
_________________
(١) سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود رقم (٦٨٤)، وينظر: تاريخ بغداد (١١/ ٣٦٤)، وتهذيب الكمال (٢٠/ ٣٤٧)، والسير (١٠/ ٤٦٥).
(٢) الضعفاء للعقيلي (٣/ ٢٢٥)، وينظر: تاريخ بغداد (١١/ ٣٦٥)، وطبقات الحنابلة (١/ ٤٢١ - ٤٢٢)، وتهذيب الكمال (٢٠/ ٣٤٨)، والسير (١٠/ ٤٦٥).
(٣) الضعفاء (٣/ ٢٢٥).
(٤) تاريخ بغداد (٩/ ٨٦) (١١/ ٣٦٥)، وينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٦٢)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٤٨٦)، والسير (١٠/ ٤٨٢).
[ ٨٩ ]
وقال ابن عدي: «وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه ضعفه، وقال: نهيت ابني عبد الله أن يكتب عنه، وعبد الله لم يكتب عن أحد إلا عمن أمره أبوه بالكتابة عنه، وكتب عبد الله عن شيخ يقال له: يحيى بن عبدويه من أهل بغداد، وكان يحدث عن شعبة، ويحيى بن عبدويه ليس بالمعروف، ولم يكتب عن علي بن الجعد مع شهرته؛ لأن أباه نهاه عن الكتابة عنه» (١).
وقال ابن الجوزي: «وكان أحمد قد نهى ابنه عبد الله أن يسمع من علي بن الجعد، وذلك أنه بلغه عنه أنه يتناول بعض الصحابة، وأنه قال: من قال: إن القرآن مخلوق. لم أعنفه» (٢).
وقال ابن حجر: «تكلم فيه أحمد من أجل التشيع، ومن أجل وقوفه في القرآن» (٣).
١٢ - علي بن المديني:
هو: الشيخ الإمام الحجة، أمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد السعدي مولاهم البصري، المعروف بابن المديني، مولى عروة بن عطية السعدي، ولد سنة إحدى وستين ومائة، وتوفي
_________________
(١) الكامل لابن عدي (٥/ ٢١٣).
(٢) المنتظم (٣/ ٣٥٤).
(٣) هدي الساري ص (٤٣٠)، وينظر: تهذيب الكمال (٢٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٨٩)، وبحر الدم ص (٣٠١ - ٣٠٢) رقم (٧٠٥).
[ ٩٠ ]
سنة أربع وثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، وأبو داود والترمذي، والنسائي (١).
قال المزي: «الإمام المبرز في هذا الشأن، صاحب التصانيف الواسعة، والمعرفة الباهرة» (٢).
وقال ابن حجر: «ثقة ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، حتى قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني. وقال فيه شيخه ابن عيينة: كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني. وقال النسائي: كأن الله خلقه للحديث. عابوا عليه إجابته في المحنة، لكنه تنصل وتاب، واعتذر بأنه كان قد خاف على نفسه» (٣).
موقفه في المحنة:
الإمام ابن المديني قد تكلم فيه بعدد من الأسباب والوجوه، وبعضها لا يثبت عنه، ولا يصح نسبتها إليه، وسوف أورد الجميع على جهة الاختصار.
_________________
(١) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٦/ ٢٨٤)، والجرح والتعديل (٦/ ١٩٣)، والثقات (٨/ ٤٦٩)، وتاريخ بغداد (١١/ ٤٥٨)، والمنتظم (٦/ ٦، ٢٨، ٦٢ - ٦٣)، وتهذيب الكمال (٢١/ ٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٨)، والسير (١١/ ٤١)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، والعبر (١/ ٤١٨)، والميزان (٣/ ١٣٨)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٤٩)، والتقريب (٤٧٩٤).
(٢) تهذيب الكمال (٢١/ ٥).
(٣) التقريب (٤٧٩٤).
[ ٩١ ]
كلامه في حديث رؤية الرب تعالى يوم القيامة.
قال الحسين بن فهم: «حدثني أبي قال: قال ابن أبي دؤاد للمعتصم: يا أمير المؤمنين، هذا يزعم - يعني: أحمد بن حنبل - أن الله يُرَى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود، والله لا يُحد، فقال: ما عندك؟ قال: يا أمير المؤمنين عندي ما قاله رسول الله - ﷺ -. قال: وما هو؟ قال: حدثني غندر، حدثنا شعبة، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير قال: «كنا مع النبي - ﷺ - في ليلة أربع عشرة، فنظر إلى البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر، لا تضامون في رؤيته» (١). فقال لابن أبي دؤاد: ما تقول؟ قال: انظر في إسناد هذا الحديث، ثم انصرف.
فوجّه إلى علي بن المديني - وعليٌّ ببغداد مملق - ما يقدر على درهم فأحضره، فما كلمه بشيء حتى وصله بعشرة آلاف درهم، وقال: هذه وصلك بها أمير المؤمنين، وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه، وكان له رزق سنتين، ثم قال له: يا أبا الحسن حديث جرير بن عبد الله في الرؤية ما هو؟ قال: صحيح. قال: فهل عندك عنه شيءٌ؟ قال: يعفيني القاضي من هذا. قال: هذه حاجة الدهر. ثم أمر له بثياب وطيب ومركب بسرجه ولجامه، ولم يزل حتى قال له: في هذا
_________________
(١) أخرجه: البخاري - فتح - (١٣/ ٤١٩) ح (٥٢٩)، ومسلم (١/ ٤٣٩) ح (٦٣٣) عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁.
[ ٩٢ ]
الإسناد من لا يعول عليه، ولا على ما يرويه، وهو قيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابيًا بوّالًا على عقبيه، فقبل ابن أبي دؤاد عليه واعتنقه، فلما كان الغد وحضروا قال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، يحتج في الرؤية بحديث جرير، وإنما رواه عنه قيس، وهو أعرابي بوّال على عقبيه؟ قال: فقال أحمد بعد ذلك: فحين أطلع لي هذا، علمت أنه من عمل علي بن المديني، فكان هذا وأشباهه من أوكد الأمور في ضربه».
وقد تكلم في ثبوت ذلك عن ابن المديني ﵀:
فقال الخطيب: «أما ما حكي عن عليّ في هذا الخبر من أنه لا يعول على ما يرويه قيس، فهو باطل، قد نزه الله عليًا عن قول ذلك، لأن أهل الأثر - وفيهم عليّ - مجمعون على الاحتجاج برواية قيس وتصحيحها، إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة، وليس في التابعين من أدرك العشرة وروى عنهم غير قيس مع روايته عن خلق من الصحابة ، فإن كان هذا محفوظًا عن ابن فهم، فأحسب أن ابن أبي دؤاد تكلم في قيس بما ذكر في الحديث، وعزا ذلك إلى ابن المديني، والله أعلم ، ولم يحك أحد ممن ساق المحنة أن أحمد نوظر في حديث الرؤية» (١).
_________________
(١) تاريخ بغداد (١١/ ٤٦٩)، وينظر: مناقب الإمام أحمد ص (٤٧٦ - ٤٧٧)، وتهذيب الكمال (٢١/ ٢٢ - ٢٤)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢ - ٥٤)، وتاريخ الإسلام (٤/ ٣١٧).
[ ٩٣ ]
أنه روى لابن أبي دؤاد حديثًا أخطأ فيه الوليد بن مسلم فيه تأييد للبدعة.
قال الخطيب البغدادي: «أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه، أخبرنا عيسى بن حامد القاضي، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الصيدلاني، حدثنا أبو بكر المروذي قال: قلتُ لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إن علي بن المديني يحدث عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس، عن عمر: «كلوه إلى خالقه»؟ فقال أبو عبد الله: كذب، حدثنا الوليد بن مسلم مرتين ما هو هكذا، إنما هو: «كلوه إلى عالمه». قلت لأبي عبد الله: إن عباسًا العنبري قال لما حدث به بالعسكر: قلت لعلي بن المديني: إنهم قد أنكروه عليك! فقال: حدثتكم به بالبصرة، وذكر أن الوليد أخطأ فيه، فغضب أبو عبد الله وقال: فنعم، قد علم - يعني: علي بن المديني - أن الوليد أخطأ فيه فلم أراد أن يحدثهم به؟! يعطيهم الخطأ! وكذبه أبو عبد الله» (١).
ثقة علاقته وجميل معاملته لأحمد البدعة ابن أبي دؤاد.
قال زكريا الساجي: «قدم ابن المديني البصرة، فصار إليه بندار، فجعل علي يقول: قال أبو عبد الله، قال أبو عبد الله،
_________________
(١) تاريخ بغداد (١١/ ٤٦٩)، وينظر: مناقب الإمام أحمد ص (٤٧٦)، وتهذيب الكمال (٢١/ ٢٥ - ٢٧)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥٤ - ٥٥).
[ ٩٤ ]
فقال بندار على رؤوس الملأ: من أبو عبد الله، أأحمد بن حنبل؟ قال: لا، أحمد بن أبي دؤاد. فقال بندار: عند الله احتسب خطاي، شبه علي هذا، وغضب وقام» (١).
وقال أبو بكر الشافعي: «كان عند إبراهيم الحربي قمطر من حديث ابن المديني، وما كان يحدث به. فقيل له: لم لا تحدث عنه؟ قال: لقيته يومًا، وبيده نعله، وثيابه في فمه، فقلت: إلى أين؟ فقال: ألحق الصلاة خلف أبي عبد الله، فظننت أنه يعني أحمد بن حنبل، فقلت: من أبو عبد الله؟ قال: ابن أبي دؤاد، فقلت: والله لا حدثت عنك بحرف» (٢).
وقال سليمان بن إسحاق الجلّاب وآخر: «قيل لإبراهيم الحربي: أكان ابن المديني يُتَّهم؟ قال: لا، إنما كان إذا حدث بحديث زاد في خبره كلمة؛ ليرضي بها ابن أبي دؤاد. فقيل له: أكان يتكلم في أحمد بن حنبل؟ قال: لا، إنما كان إذا رأى في كتاب حديثًا عن أحمد، قال: اضرب على ذا، ليرضي به ابن أبي دؤاد، وكان قد سمع من أحمد، وكان في كتابه: سمعت أحمد، وقال أحمد، وحدثنا أحمد، وكان ابن أبي دؤاد إذا رأى في كتابه حديثًا عن الأصمعي قال: اضرب على ذا،
_________________
(١) تاريخ بغداد (١١/ ٤٦٥)، وينظر: تهذيب الكمال (٢١/ ٢٨ - ٢٩)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥٦ - ٥٧).
(٢) تاريخ بغداد (١١/ ٤٧٠)، وينظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٦).
[ ٩٥ ]
ليرضي نفسه بذلك» (١).
إجابته في المحنة:
قد ثبت أن ابن المديني أجاب في المحنة، ولكنه ندم وتاب من ذلك، وأبدى عذره في إجابته.
قال حنبل: «امتحن عباس بن عبد العظيم العنبري وعلي بن المديني بالبصرة، فأما عباس فأقيم فضرب بالسوط فأجاب، وأقعد علي بن المديني فلم يمتحن حتى ضرب عباس وهو ينظر، فلما رأى ما نزل بعباس العنبري، وأن عباسًا قد أجاب، أجاب علي عند ذلك، ولم ينل بمكروه ولا ضرب، وحذر لما رأى ما نزل بعباس من الضرب، فعذر أبو عبد الله عباسًا، ولم يعذر عليًا لذلك» (٢).
وقال ابن عمار الموصلي في تاريخه: «قال لي علي بن المديني: ما يمنعك أن تكفر الجهمية، وكنت أنا أولًا لا أكفرهم؟ فلما أجاب علي إلى المحنة، كتبت إليه أذكره ما قال لي وأذكره الله، فأخبرني رجل عنه أنه بكى حين قرأ كتابي، ثم رأيته بعد فقال لي: ما في قلبي مما قلت وأجبت إلى شيء، ولكني خفت أن أقتل، وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطًا واحدًا لمت، أو نحو هذا.
_________________
(١) تاريخ بغداد (١١/ ٤٧٠ - ٤٧١)، وينظر: تهذيب الكمال (٢١/ ٢٨ - ٢٩)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥٧)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٣١٠).
(٢) ذكر المحنة لحنبل ص (٣٦ - ٣٧).
[ ٩٦ ]
قال ابن عمار: ودفع عني عليّ امتحان ابن أبي دؤاد إياي شفع في، ودفع عن غير واحد من أهل الموصل من أجلي، فما أجاب ديانةً إلا خوفًا» (١).
وقال ابن عدي: «سمعت مسدد بن أبي يوسف القلوسي، سمعت أبي يقول: قلت لابن المديني: مثلك يجيب إلى ما أجبت إليه؟! فقال: يا أبا يوسف، ما أهون عليك السيف» (٢).
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: «سمعت عليًا على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن الله لا يرى فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر».
وفي رواية عنه أنه قال: «سمعت علي بن المديني يقول قبل أن يموت بشهرين: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق. فهو كافر» (٣).
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: «كان أبو زرعة ترك الرواية عن علي من أجل ما بدا منه في المحنة، وكان والدي
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٧)، وينظر: تاريخ بغداد (١١/ ٤٧١)، وتهذيب الكمال (٢١/ ٣٠).
(٢) تهذيب الكمال (٢١/ ٣١)، وينظر: تاريخ بغداد (١١/ ٤٧١)، والسير (١١/ ٥٨)، والميزان (٣/ ١٤١).
(٣) تاريخ بغداد (١١/ ٤٧٢)، وينظر: تهذيب الكمال (٢١/ ٣٢)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥٩).
[ ٩٧ ]
يروي عنه لنزوعه عما كان منه. قال أبي: كان علي علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل» (١).
موقف الإمام منه:
لقد كان موقف الإمام واضحًا من ابن المديني - رحمهما الله تعالى - حيث كان يغتم عند ذكره، وترك الحديث عنه بعد المحنة، ونهى ابنه عن التحديث عنه، ولم ينفرد بهذا، فكما سبق أن أبا زرعة ترك الرواية عن ابن المديني.
وقد بين عبد الله بن أحمد أن الأحاديث التي في المسند عن ابن المديني إنما كانت قبل المحنة، فقال: «وحدثناه أبي عن عليّ قبل أن يمتحن بالقرآن»، بل في بعضها بين الإمام أنه سمعه منه قبل المحنة (٢).
وقال عبد الله: «لم يحدث أبي بعد المحنة عنه بشيءٍ» (٣).
قال حنبل: «كان أبو عبد الله يعذر عباسًا العنبري، لما ضرب ونيل بالضرب والقيد، ويذكر علي بن المديني فيغتم له ولما صار إليه، ويقول: أخرج إليهم كتاب يحيى، فعرفوا من الحديث ما لم يكونوا يعرفون؛ يعني: من أخبار الحديث وما
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٩)، وينظر: الميزان (٣/ ١٣٨).
(٢) ينظر: المسند (٣٩/ ٤٤١، ٤٦٤).
(٣) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٨٢).
[ ٩٨ ]
فيها من الوهم، فكان يغتم لذلك» (١).
وقال العقيلي: «وقرأت على عبد الله بن أحمد كتاب العلل عن أبيه، فرأيت فيه حكايات كثيرة عن أبيه، عن علي بن عبد الله، ثم قد ضرب على اسمه، وكتب فوقه: حدثنا رجلٌ، ثم ضرب على الحديث كله، فسألت عبد الله؟ فقال: كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه، وكان يقول: حدثنا رجل، ثم ترك حديثه بعد ذاك» (٢).
قال المروذي: «سمعت رجلًا من أهل العسكر يقول لأبي عبد الله: ابن المديني يقرئك السلام، فسكت. فقلت لأبي عبد الله: قال لي عباس العنبري: قال علي بن المديني وذكر رجلًا فتكلم فيه، فقلت له: إنهم لا يقبلون منك، إنما يقبلون من أحمد بن حنبل. قال: قَوِي أحمد على السوط وأنا لا أقوى» (٣).
١٣ - محمد بن سعد كاتب الواقدي:
هو: الحافظ العلامة الحجة محمد بن سعد بن منيع، أبو عبد الله البغدادي، كاتب الواقدي، ومصنف الطبقات الكبرى، ولد بعد الستين ومائة، وتوفي سنة ثلاثين ومائتين،
_________________
(١) ذكر المحنة لحنبل ص (٦٩).
(٢) الضعفاء (٣/ ٢٣٩)، وينظر: الميزان (٣/ ١٣٨).
(٣) تاريخ بغداد (١١/ ٤٦٩)، وينظر: تهذيب الكمال (٢١/ ٢٧)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥٥)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٠٩).
[ ٩٩ ]
روى له: أبو داود (١).
موقفه في المحنة:
قال الذهبي: «وكتب المأمون إليه - نائبه إسحاق بن إبراهيم الخزاعي - أيضًا في إشخاص سبعة أنفس وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي. فأشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه، فردهم من الرقة إلى بغداد» (٢).
موقف الإمام منه:
لم أجد موقفًا خاصًا للإمام تجاه ابن سعد، وإنما المنقول موقفه العام من السبعة الذين أجابوا، وأنه قد اغتم لذلك؛ لأن هذا مبدأ الأمر، فلو أنهم صبروا لانقطعت الفتنة.
_________________
(١) ينظر في ترجمته: الجرح والتعديل (٧/ ٢٦٢)، وتاريخ بغداد (٥/ ٣٢١)، وتهذيب الكمال (٢٥/ ٢٥٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٥)، والسير (١٠/ ٦٦٤)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٠٧)، والميزان (٣/ ٥٦٠)، والوافي بالوفيات (٣/ ٨٨)، وتهذيب التهذيب (٩/ ١٨٢)، والتقريب (٥٩٤٠).
(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، وينظر: ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل بن إسحاق ص (٣٤ - ٣٥)، والمحن لأبي العرب ص (٤٣٩)، ومناقب الإمام أحمد ص (٤٧٠)، ومحنة الإمام للمقدسي ص (٤٠ - ٤١).
[ ١٠٠ ]
قال حنبل: «سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل - وذكر الذين حملوا إلى الرقة، إلى المأمون، وأجابوا - فذكرهم أبو عبد الله بعد ذلك فقال: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا لله لكان الأمر قد انقطع، وحذرهم الرجل - يعني: المأمون - ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم. وكان أبو عبد الله إذا ذكرهم اغتم لذلك، ويقول: هم أول من ثلم هذه الثلمة وأفسد هذا الأمر» (١).
١٤ - محمد بن العلاء أبو كريب:
هو: الحافظ الثقة الإمام، شيخ المحدثين محمد بن العلاء بن كريب، أبو كريب الهمداني الكوفي، ولد سنة إحدى وستين ومائة، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائتين، روى له: الجماعة (٢).
موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه:
قال حجاج بن الشاعر: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو حدثت عمن أجاب في المحنة، لحدثت عن اثنين: أبو معمر
_________________
(١) ذكر محنة الإمام أحمد ص (٣٤)، وينظر: محنة الإمام أحمد للمقدسي (٤٠).
(٢) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (١/ ٢٠٥)، والجرح والتعديل (٨/ ٥٢)، والثقات (٩/ ١٠٥)، وتهذيب الكمال (٢٦/ ٢٤٣)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٩٧)، والسير (١١/ ٣٩٤)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٥٣)، والوافي بالوفيات (٤/ ٩٩)، وتهذيب التهذيب (٩/ ٣٨٥)، والتقريب (٦٢٤٤).
[ ١٠١ ]
وأبو كريب؛ أما أبو معمر فلم يزل بعدما أجاب يذم نفسه على إجابته وامتحانه، ويحسن أمر من لم يجب، وأما أبو كريب فأجري عليه ديناران وهو محتاج، فتركهما لما علم أنه أجري عليه لذلك» (١).
١٥ - هشام بن عمار:
هو: الإمام الحافظ، العلامة المقرئ، عالم أهل الشام، هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان، أبو الوليد السلمي، ويقال: الظفري، خطيب دمشق، ولد سنة ثلاث وخمسين ومائة، وتوفي سنة خمس وأربعين ومائتين، روى له: البخاري، والأربعة (٢).
موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه:
قال الذهبي: «قال المروذي: ذكر أحمد هشامًا فقال: طياش خفيف. قال المروذي: ورد كتاب من دمشق: سل لنا أبا عبد الله، فإن هشام بن عمار قال: لفظ جبريل ومحمد ﵇
_________________
(١) تاريخ دمشق (٥٥/ ٥٧)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٧٣)، وتهذيب الكمال (٢٦/ ٢٤٦)، والسير (١١/ ٣٩٥).
(٢) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٨/ ١٩٩)، والجرح والتعديل (٩/ ٦٦)، والثقات (٩/ ٢٣٣)، وتهذيب الكمال (٣٠/ ٢٤٢)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٥١)، والسير (١١/ ٤٢٠)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ)، والعبر (١/ ٤٤٥)، والميزان (٤/ ٣٠٢)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٥١)، والتقريب (٧٣٥٣).
[ ١٠٢ ]
بالقرآن مخلوق، فسألت أبا عبد الله؟ فقال: أعرفه طياشًا، قاتله الله لم يتجرئ الكرابيسي أن يذكر جبريل ولا محمدًا - ﷺ -، هذا قد تجهم، وفي الكتاب أنه قال في خطبته: الحمد لله الذي تجلى لخلقه بخلقه، فسألت أبا عبد الله؟ فقال: هذا جهمي، الله تجلى للجبال، يقول هو: تجلى لخلقه بخلقه، إن صلوا خلفه فليعيدوا الصلاة» (١).
وفي سياق آخر: قال أبو بكر المروذي في كتاب القصص: «ورد علينا كتاب من دمشق: سل لنا أبا عبد الله، فإن هشامًا قال: لفظ جبريل ﵇ ومحمد - ﷺ - بالقرآن مخلوق، فسألت أبا عبد الله؟ فقال: أعرفه طياشًا، لم يجترئ الكرابيسي أن يذكر جبريل ولا محمدًا، هذا قد تجهم، في كلام غير هذا» (٢) (٣).
_________________
(١) الميزان (٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٢) السير (١١/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، وينظر: العلل - رواية المروذي - رقم (٢٤٧)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ)، والميزان (٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، وبحر الدم ص (٤٣٩ - ٤٤٠) رقم (١٠٩٦).
(٣) وقد اعتذر الذهبي لهشام بقوله: «لقول هشام اعتبار ومساغ، ولكن لا ينبغي إطلاق هذه العبارة المجملة، وقد سقت أخبار أبي الوليد ﵀ في تاريخي الكبير، وفي طبقات القراء، أتيت فيها بفوائد، وله جلالة في الإسلام، وما زال العلماء الأقران يتكلم بعضهم في بعض بحسب اجتهادهم، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ -» الميزان (٤/ ٣٠٤) وفي هذا الاعتذار تأمل.
[ ١٠٣ ]
١٦ - يحيى ين معين:
هو: الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام الغطفاني ثم المُرَّي مولاهم، البغدادي، ولد سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (١).
موقفه في المحنة:
قال الذهبي: «وكتب المأمون إليه - نائبه إسحاق بن إبراهيم الخزاعي - أيضًا في إشخاص سبعة أنفس وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خثيمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، فأُشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه، فردهم من الرقة إلى بغداد» (٢).
_________________
(١) ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير (٨/ ٣٠٧)، والجرح والتعديل (١/ ٣١٤) (٩/ ١٩٢)، والثقات (٩/ ٢٦٢)، وتاريخ بغداد (١٤/ ١٧٧)، والمنتظم (٣/ ٣٦٧)، ووفيات الأعيان (٦/ ١٣٩)، وتهذيب الكمال (٣١/ ٥٤٣)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٩)، والسير (١١/ ٧١)، وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، والعبر (١/ ٤١٥)، والميزان (٤/ ٤١٠)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٢٨٠)، والتقريب (٧٧٠١).
(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ)، وينظر: ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل بن إسحاق ص (٣٤ - ٣٥)، والمحن لأبي العرب ص (٤٣٩)، ومناقب الإمام أحمد ص (٤٧٠)، ومحنة الإمام للمقدسي ص (٤٠ - ٤١).
[ ١٠٤ ]
وقال الذهبي: «وكان يحيى من أئمة السنة، فخاف من سطوة الدولة، وأجاب تقية» (١).
موقف الإمام منه:
قال أبو زرعة الرازي: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصار التمار، ولا ابن معين، ولا عمن امتحن فأجاب» (٢).
ونقل ابن أبي يعلى بسنده إلى أبي بكر المروذي أنه قال: «جاء يحيى بن معين فدخل على أحمد بن حنبل وهو مريض، فسلم عليه، فلم يرد ﵇، وكان أحمد قد حلف بالعهد أن لا يكلم أحدًا ممن أجاب حتى يلقى الله ﷿، فما زال يعتذر ويقول: حديث عمار، وقال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر، فقال يحيى: لا يقبل عذرًا، فخرجت بعده وهو
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٨٧).
(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٢٧١)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٤٧٣)، وتهذيب الكمال (٣/ ٢٠ - ٢١)، والسير (١١/ ٧٠)، والميزان (٢/ ٦٥٨)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٧٣)، وبحر الدم ص (٣٨١) رقم (٩٢١).
[ ١٠٥ ]
جالسٌ على الباب، فقال: أيش قال أحمد بعدي؟ قلت: قال: يحتج بحديث عمار، وحديث عمار: «مررت بهم وهم يسبونك فنهيتهم فضربوني» (١)، وأنتم قيل لكم: نريد أن نضربكم. فسمعت يحيى بن معين يقول: مر يا أحمد، غفر الله لك، فما رأيت والله تحت أديم سماء الله أفقه في دين الله منك» (٢).
وقال ابن الجوزي: «وعاده يحيى بن معين في مرضه فولّاه ظهره، وأمسك عن كلامه حتى قام عنه وهو يتأفف ويقول: بعد الصحبة الطويلة لا أُكَلَّم!» (٣).
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، والمشهور في قصة عمار ﵁ ما أخرجه: الحاكم (٢/ ٣٨٩)، والبيهقي (٨/ ٢٠٨) من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه، قال: «أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سب النبي - ﷺ - وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله - ﷺ -، قال له ﵊: «ما وراءك؟» قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: «فكيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنًا بالإيمان، قال: «فإن عادوا فعد». وروي بأسانيد مرسلة متعددة، بمجموعها تتقوى كما قال ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٣١٢).
(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤)، وينظر: مناقب الإمام أحمد ص (٤٧٤ - ٤٧٥).
(٣) مناقب الإمام أحمد ص (٤٧٤ - ٤٧٥)، وينظر: المحن ص (٤٣٩)، ومحنة الإمام لعبد الغني المقدسي ص (١٤٧ - ١٤٨).
[ ١٠٦ ]