٩١١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي ﵀ قال (١): وقد فرض الله تعالى على خلقه فيما لم يمضِ فيه كتاب، ولا سنة، ولا يوجد الناسُ اجتمعوا عليه: أن يجتهدوا في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم، فإنه يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١]، وذَكَرَ فرضَ الاجتهاد في القبلة إذا غاب عن المسجد الحرام.
٩١٢ - قال (٢): والاجتهاد والقياس اسمان لمعنى واحد، وجِماعُهما: كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق، فيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه بعينه حكمٌ: اتباعُه، وإذا لم يكن بعينه، طُلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد، والاجتهادُ: القياسُ.
٩١٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي (٣)، أخبرنا
_________________
(١) في "الرسالة" (٥٩، ٦٠).
(٢) في "الرسالة" (١٣٢٣ - ١٣٢٦).
(٣) في "ترتيب المسند" للسندي ٢: ١٧٦ - ١٧٧ (٦٢٢).
[ ١ / ٤٢١ ]
عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهادِ، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر".
قال يزيد: فحدثتُ هذا الحديثَ أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هكذا حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
٩١٤ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل ابن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادِ، فذكره بإسناده نحوه.
رواه مسلم في "الصحيح" عن إسحاق بن إبراهيم.
وأخرجه البخاري عن المقرئ، عن حَيْوة، عن ابن الهادِ (١).
٩١٥ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن صالح ابن هانئ، حدثنا محمد بن أحمد بن أنس، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة، حدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، فذكره بإسناده، نحوه، وقال في آخره: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
قال الشافعي (٢): ويروى عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ
_________________
(١) مسلم ٣: ١٣٤٢ (بعد ١٥)، والبخاري (٧٣٥٢)، وسيأتي ثانية برقم (٩٤٣، ٩٧٣).
(٢) في "الأم" ٧: ٣١٥. وقوله "بما تقضي؟ ": هكذا بثبوت الألف، و"ما" =
[ ١ / ٤٢٢ ]
ابن جبل: "بما تقضي؟ " فذكر الحديث الذي:
٩١٦ - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا الحارث ابن أبي أسامة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا شعبة بن الحجاج، عن أبي عون محمد بن عبيد الله، عن الحارث - يعني: ابن عمرو الثقفي- ابن أخي المغيرة بن شعبة، حدثنا أصحابنا، عن معاذ بن جبل قال: لما بعثني النبي ﷺ إلى اليمن قال لي: "كيف تقضي إنْ عَرَض قضاء؟ " قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله ﷿، قال: "فإنْ لم يكن في كتاب الله ﷿؟ " قال: قلت: أقضي بما قضى به رسول الله ﷺ، قال: "فإنْ لم يكن قضى به الرسول؟ "، قال: قلت: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب صدري وقال: "الحمد لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله ﷺ لما يُرضي رسول الله" ﷺ (١).
_________________
(١) = الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر تحذف ألفها في المشهور، ويجوز بقاؤها، كما قرئ شاذًّا: (عمَّا يتساءلون).
(٢) سيكرره المصنف برقم (١٣١٧، ١٣٨٨)، وقد رواه أحمد ٥: ٢٣٠، وأبو داود (٣٥٨٧)، والترمذي (١٣٢٧) وقال: ليس إسناده عندي بمتصل. ورواه الخطيب في "آداب الفقيه والمتفقه" (٥١١ - ٥١٥)، وينظر كلامه وتقويته له. وأشار إليه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٦٨١) وقال: "تكلم داود - الظاهري- في إسناد حديث معاذ، وردَّه ودفعه من أجل أنه عن أصحاب معاذ، ولم يسمَّوْا، قال ابن عبد البر: حديث معاذ صحيح مشهور رواه الأئمة العدول، وهو أصل في الاجتهاد والقياس على الأصول، وبه قال جمهور العلماء وسائر الفقهاء". وممن صححه بقوة: ابن العربي في "عارضة الأحوذي" ٦: ٧٢ - ٧٣، و"أحكام =
[ ١ / ٤٢٣ ]
٩١٧ - أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو محمد دَعْلَج بن أحمد بن دعلج، حدثنا إبراهيم بن صالح الشيرازي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثني عبيد الله ابن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس إذا سئل عن الشيء، فإذا كان في كتاب الله
_________________
(١) = القرآن" له ١: ٥٧٤ - ٥٧٥ عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾، وقال ابن تيمية في "مقدمة في أصول التفسير" ص ٩٠: هذا الحديث في السنن والمسانيد بإسناد جيد، ونقله ابن كثير- كما هو معلوم- في مقدمة "تفسيره" ١: ٣٩ معتمدًا له، وممن صححه أيضًا ابن القيم في "إعلام الموقعين" ١: ٢٠٢ معتمدًا كلام الخطيب المشار إليه، وينظر المقال العاشر من "مقالات الكوثري" ص ٦٠. وقد قال البغوي في "شرح السنة" ١٠: ١١٦ في شرح قول معاذ ﵁: "أجتهد رأيي": "لم يُرد به الرأي الذي يسنح له من قِبَل نفسه، أو يخطر بباله على غير أصل من كتاب أو سنة، بل أراد به ردّ القضية إلى معنى الكتاب والسنة من طريق القياس". والحديث في "مصنف" ابن أبي شيبة (٢٣٤٤٢)، وانظر ما علَّقته عليه، ثم إنه رواه مباشرة: عن أبي معاوية الضرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي عون الثقفي، مرسلًا، وهؤلاء رجال ثقات، فهو مرسل صحيح، والمرسل بذاته حجة عند الأثمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك وأحمد، فكيف إذا عضده ما قبله، أو هو عضد ما قبله. هذا، ومن المعلوم في تاريخ الفقه الإسلامي: اختلاف السلف في جواز - وكراهية- افتراض المسائل قبل وقوعها، واشتهر الإمام أبو حنيفة بذلك، وكان هو وأصحابه يسمُّون: الأرأيتيين، لقولهم: أرأيت لو كان كذا، ثم صار الجميع إلى طريقة أبي حنيفة، وانظر قول المصنف الآتي (١٤٢٢). وأقول: هذا الحديث فيه دليل صريح من النبي ﷺ على جواز افتراض المسائل قبل وقوعها، والله أعلم.
[ ١ / ٤٢٤ ]
﷿، قال به، وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله ﷺ، قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، ولا عن رسول الله، وكان عن أبي بكر وعمر، قال به، وإن لم يكن في كتاب الله، ولا عن رسول الله، ولا عن أبي بكر وعمر ﵄، اجتهد رأيه.
هذا إسناد صحيح، وقد رَوَينا في كتاب أدب القاضي في معناه عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃.
آخر الجزء الثالث، ويتلوه في الرابع إن شاء الله تعالى (١).
أخبرنا أبو الحسين ابن بشران العدل ببغداد، أخبرنا أبو جعفر الرزاز، حدثنا أحمد بن ملاعب، حدثنا يحيى بن يعلى- يعني: المحاربي-، حدثنا زائدة بن قدامة، حدثنا عاصم بن أبي النَّجُود، عن زِرّ بن حبيش، عن عبد الله قال: لما قُبض النبي ﷺ، فذكره.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
* * * * *
_________________
(١) هكذا في الأصل، وفيه سبق قلم، صوابه: آخر الجزء الرابع، ويتلوه في الخامس إن شاء الله تعالى. وقد تقدم قبل رقم (٦٥٧) بداية الجزء الرابع من الأصل الخطي. والله أعلم.
[ ١ / ٤٢٥ ]
الجزء الخامس [؟] من كتاب المدخل إلى علم السنن
تصنيف الشيخ الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الحافظ ﵀.
مما أخبرنا به الشيخ أبو المعالي محمد بن إسماعيل بن محمد بن الحسين الفارسي عنه، سماع علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي نفعه الله بالعلم منه.
[ ١ / ٤٢٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا الشيخ أبو المعالي محمد بن إسماعيل بن محمد بن الحسين الفارسي قراءة عليه بنيسابور، قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي في سنة ست وخمسين وأربع مائة قال:
٩١٨ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران العدل ببغداد، أخبرنا أبو جعفر الرزاز، حدثنا أحمد بن ملاعب، حدثنا يحيى بن يعلى- يعني: المحاربي-، حدثنا زائدة بن قدامة، حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن زِرّ ابن حبيش، عن عبد الله قال: لما قبض النبي ﷺ قالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، فبلغ ذلك عمرَ ﵁، فأتاهم فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "مُروا أبا بكر أن يصليَ بالناس؟ " قالوا: نعم، قال: فأيُّكم تَطِيب نفسه أن يتقدَّم أبا بكر ﵁؟ قال: فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر (١).
٩١٩ - وهذا كالإجماع من جهة عمر وغيره من المهاجرين والأنصار، بمشهد أبي بكر على استعمال القياس، حيث قاس عمر الإمامة في سائر الأمور بالإمامة في الصلاة، ثم قَبِلوه منه، وسلَّموا الإمامة لأبي بكر ﵁.
_________________
(١) رواه أحمد ١: ٢١، والنسائي (٨٥٣)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٧٢٤٢).
[ ١ / ٤٢٧ ]
٩٢٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن أبي طالب، أخبرنا يزيد بن هارون، حدثنا عاصم الأحول، عن الشعبي قال: سئل أبو بكر عن الكلالة؟ فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإنْ يكُ صوابًا فمن الله، وإنْ يكُ خطأً فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الولدَ والوالد، فلما استُخلف عمر ﵁ قال: إني لأستحيي الله أن أردَّ شيئًا قاله أبو بكر.
٩٢١ - ورَوَينا في كتاب أدب القاضي (١): عن مسروق، عن عمر: أنه أمر كاتبه اكتب: هذا ما رأى عمر، وإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمن عمر.
٩٢٢ - ورَوَينا في كتاب الإجارة (٢) وغيرها: في المرأة التي بعث إليها عمر، فأسقطتْ، فقال له قائل: أنت مؤدِّب، فقال له علي ﵁: إن كان اجتهد فقد أخطأ، فإن لم يجتهد فقد غشّ، عليك الدية.
٩٢٣ - وروينا في كتاب الفرائض (٣): عن زيد بن ثابت: أن عمر بن الخطاب ﵁ استأذن عليه يومًا، فأذن له، فقال: إني جئتك لتنظر في أمر الجدّ، فقال زيد: لا والله، ما تقول فيه؟ فقال عمر ﵁: ليس هو بوحي حتى تَزيد فيه وتَنقص، إنما هو شيء تَراه، فإن رأيتُه وافقني تبعتُه، وإلا لم يكن عليك فيه شيء، وذكر الحديث في رأيه وتمثيله.
_________________
(١) من "السنن الكبرى" ١: ١١٦.
(٢) "السنن الكبرى" ٦: ١٢٣.
(٣) ٦: ٢٤٧ من "السنن الكبرى".
[ ١ / ٤٢٨ ]
٩٢٤ - ورَوَينا في قصة بِروع بنت واشق (١)، عن عبد الله بن مسعود: أقول فيها
برأي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمني.
٩٢٥ - أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الأصبهاني، أخبرنا أبو نصر أحمد بن عمرو العراقي، حدثنا سفيان بن محمد الجوهري، حدثنا علي ابن الحسن الدرابْجِرْدي، حدثنا عبد الله بن الوليد، حدثنا سفيان، عن ابن أَبْجَر، عن الشعبي، عن مسروق أنه قال: سألت أبيَّ بن كعب عن شيء؟ فقال: يا بن أخي، أكان هذا؟ قلت: لا، قال: فأجِمَّنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا رأينا (٢).
٩٢٦ - أخبرنا أبو بكر ابن الحارث الأصبهاني، أخبرنا أبو محمد ابن حيان، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبان بن شهاب، حدثنا سعيد بن داود، حدثنا مالك بن أنس قال: قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أنزل الله كتابه على نبيه ﷺ، وترك فيه موضعًا لسنة نبيِّه، وسنَّ رسول الله ﷺ سننًا، وترك فيها موضعًا للرأي.
* * * * *
_________________
(١) ٧: ٢٤٤ من كتابه "السنن الكبرى"، والحديث رواه النسائي (٥٥١٨)، وابن حبان (٤١٠١)، والحاكم (٢٧٣٧).
(٢) ينظر ما كتبته آخر تخريج حديث معاذ في الاجتهاد (٩١٦).
[ ١ / ٤٢٩ ]