المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
[ ٤٦ ]
المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة (١):
الصحيح في اللغة من صحَّ يصِح صحَّة، والصحة: ذهاب السقم ونقيضه وخلافه، وهي البراءة من كل عيب ومرض وريب.
والجمع صِحاح بالكسر، والصَحيح والصَحاح بالفتح بمعنى واحد أي: غير مقطوع. (٢)
فالصحيح في اللغة ضدُّ السقم، ويُراد به الخلو من كل عيب. (٣)
المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
اعتنى بعض علماء الحديث ونقادّه ببيان مفهوم بعض المصطلحات الحديثية المتداولة بينهم، وذلك إما: بتعريفها ووضع حدّ لها، أو بذكر بعض قيودها وشروطها التي تميّزها عن غيرها، وكان مما وجدته في بيان مفهوم الحديث الصحيح (٤) أو شروطه ما يلي:
_________________
(١) من النكات اللطيفة في معنى الحديث الصحيح: ما اختاره الجعبري في معنى الصحيح في اللغة بأنه: الصدق، ولعل ما دعاه لاختيار هذا المعنى كون تعريف الخبر في اللغة: هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، وبالنظر في تعريف الصدق في اللغة فإنه: أصل يدل على قوة في الشيء قولا وغيره. وهي إشارة لطيفة منه إلى الصفات التي تحفّ الحديث الصحيح. المراجع: الجعبريّ، رسوم التحديث في علوم الحديث، ٥٤، ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ٣/ ٣٣٩ مادة (ص د ق)، الجرجاني، التعريفات، ٩٦، مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ١/ ٢١٥.
(٢) يُنظر مادة (ص ح ح): الأزهري، تهذيب اللغة، ٣/ ٢٦٠. ابن فارس، المرجع السابق، ٣/ ٢٨١. الجوهري، الصحاح، ١/ ٣٨١. الرازي، مختار الصحاح، ٣٧٥. ابن منظور، لسان العرب، ٢/ ٥٠٧. الفيروزآبادى، القاموس المحيط، ٢٢٨.
(٣) وهو حقيقة في الأجسام، مجاز في غيرها. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٦١.
(٤) سبق في التمهيد - عند الحديث عن نشأة الإسناد- الإشارة إلى دور الصحابة، ومن جاء بعدهم من السلف الصالح في التثبت عند نقل الأخبار، والتدقيق فيها، والتأكّد من اتصال السند وثقة الرواة وعدالتهم (إذ أهم شروط الصحيح كما سيأتي عند تحرير التعريفات)، فمن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه، باب المسح على الخفين أن عبدالله بن عمر - ﵁ - سأل أباه - ﵁ - عن روايةٍ لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -، فقال له عمر - ﵁ -: إذا حدَّثك سعدٌ عن النبي - ﷺ -، فلا تسأل عنه غيرَه. ١/ ٥١ ح (٢٠٢). وأخرج الحاكم في المستدرك أن عمرًا - ﵁ - سأل عبدالرحمن بن عوف عن حديثٍ، فوجد عنده منه علمًا، فقال له: هَلُمَّ؛ فأنت العدل الرضا.١/ ٤٧١ ح (١٢١٣) وأخرج مسلم -في مقدمة صحيحه- قول التابعي الجليل محمد بن سيرين ١/ ١٤، وأخرج عنه أيضًا قوله: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، ١/ ١٥، فالتدقيق في نقل الأخبار، والسؤال عن الإسناد إنما لمعرفة حال رواته من العدالة والضبط، وهذا يستلزم أن يكون السند متصلًا غير منقطع، وإلا لم تُعرف عدالة الساقط من السند.
[ ٤٧ ]
تعريف الشافعي (ت ٢٠٤ هـ):
قال الشافعي: "إذا حدّث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، فهو ثابت عن رسول الله - ﷺ - " (١)
وقد استطرد -﵀- في ذكر شروط الحديث الصحيح، فقال:
"خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهى به إلى النبي - ﷺ - أو من انتهى به إليه دونه، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا:
منها أن يكون من حدّث به ثقة في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدّي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدّث به على المعنى، لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه: لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظًا إن حدث به من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه. إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، بريًا من أن يكون مدلسا (٢)، يحدث عن من
لقي ما لم يسمع منه، ويحدّث عن النبي - ﷺ - ما يحدث الثقات خلافه عن النبي - ﷺ -،
_________________
(١) ذكره الشافعي في كتابه الأم، ولم ينصّ على كونه تعريفًا للصحيح؛ لكنه يتضمنه، وقد استشهد به ابن جماعة في كتابه المنهل الروي بعد أن عرّف الحديث الصحيح، وكذلك ابن الملقن في كتابه المقنع. المراجع: الشافعي، الأم، ٨/ ٥١٣، ابن جماعة، المنهل الروي، ٣٣، ابن الملقن، المقنع، ٤٣.
(٢) قال أيضًا ﵀ في كتابه الرسالة: "وأقبل في الحديث: (حدثني فلان عن فلان)، إذا لم يكن مدلسا" إلى أن قال: "ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثا حتى يقول فيه: (حدثني) أو (سمعت) ". ا. هـ. والتدليس نوع من أنواع الانقطاع في السند، وهو في الحديث على أنواع منها: تدليس الإسناد، ويُعدُّ من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله: "يحدث عمّن لقي ما لم يسمع منه". المراجع: الشافعي، الرسالة، ٣٧٣ - ٣٨٠، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٣، وسيأتي الحديث عنه بشيء من التفصيل في قيد نفي التدليس من ضمن القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح للصحيح.
[ ٤٨ ]
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولًا إلى النبي - ﷺ - أو إلى من انتهي به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت." (١)
تعريف الحميدي (٢) (ت ٢١٩ هـ):
قال ﵀:
" فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله - ﷺ - ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتًا عن رسول الله - ﷺ -، متصلًا غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثًا متصلًا حدثنيه ثقة معروف عن رجل جَهِلْتُه وعَرَفَه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتًا يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي - ﷺ -، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعت، أو حدثنا، حتى ينتهي ذلك إلى النبي - ﷺ -، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر، لأن ذلك عندي على السماع لإدراك المُحدِّث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي - ﷺ -، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا، إذا كان صادقًا مدركًا لمن روى ذلك عنه، قال: فهذا الظاهر الذي يُعمل به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلًا
وأكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلم نُكلَّف علمه إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه". (٣)
_________________
(١) المرجع السابق، ٣٧٠ - ٣٧٢، قال ﵀: "وإذا ثبت عن رسول الله - ﷺ - الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرا يخالف أمره."المرجع السابق ٣٣٠. وقد استطردت في ذكر شروط الصحيح عند الشافعي اقتداءً بابن رجب الحنبلي الذي ذكرها في شرحه لعلل الترمذي بعد قوله: " أما الصحيح من الحديث: وهو الحديث المحتجُّ به فقد ذكر الشافعي ﵀ شروطه بكلام جامع". قال محقق الكتاب الدكتور نورالدين عتر -مُعلِّقًا على ذلك-: "وهذا أقدم تعريف مدوّن يصلنا للحديث الصحيح. ابن رجب، شرح علل الترمذي، تحقيق: نور الدين عتر، ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
(٢) عبدالله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي، أبو بكر الحميدي، المكي، من شيوخ البخاري، ثقة حافظ فقيه أجلُّ أصحاب ابن عيينة، قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٥٢ (٢٧٢١)، ابن حجر، التقريب، ٣٠٣ (٣٣٢٠).
(٣) أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية، ٢٤. وقد ذكر محقق كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم -الدكتور أحمد فارس السلّوم- في مقدمة تحقيقه أن للحميدي رسالة صغيرة في من يقبل حديثه ويُردّ، وقد أفادني مشكورًا هو والدكتور سعد الحميّد بأنني سأجد بعضًا من نصوصها في مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وفي الكفاية للخطيب البغدادي. والحميدي من تلاميذ الإمام الشافعي، وفي نفس الوقت =
[ ٤٩ ]
تعريف مسلم (ت ٢٦١ هـ):
وصف الإمام مسلم الأحاديث -التي أودعها في صحيحه- بقوله في مقدمة كتابه الصحيح: "الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم". (١)
تعريف ابن خزيمة (٢) (ت ٣١١ هـ):
قال ﵀ في بداية كتاب الوضوء من كتابه الصحيح: "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي - ﷺ - بنقل العدل عن العدل، موصولًا إليه - ﷺ - من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار، التي نذكرها بمشيئة الله تعالى". (٣)
_________________
(١) = من شيوخ البخاري حيث قال ابن حجر في فتح الباري: "جزم كل من ترجمه- أي البخاري- بأن الحميدي من شيوخه في الفقه والحديث"، وقد افتتح كتابه الصحيح بالرواية عنه، حيث ذكر ابن حجر من ضمن تعليله لسبب ذلك: "لكونه أفقه قرشي أخذ عنه"، فلا عجب إذن من اهتمام الحميدي -﵀- بذكر شروط الحديث الصحيح، ونجد محقق كتابه المسند الأستاذ حسين سليم أسد يذكر من ضمن الأسباب التي دفعته لتحقيق الكتاب: "نظافة هذا المسند الذي بلغت أحاديثه (١٣٣٠) حديثًا، منها (٥٨٢) حديثًا اتفق عليه الشيخان، وانفرد البخاري بـ (٩٦) حديثًا منها، بينما انفرد مسلم بـ (١٥٢) حديثًا، وإذا علمنا أن هناك عددًا من الآثار ينبغي تحييدها، ثم حسبنا النسبة المئوية لما فيه من الضعيف لوجدناها أقل من ٧% وهذه النسبة لا تكون إلا في الكتب التي بلغت غاية في النظافة".ا. هـ. المراجع: ابن حجر، فتح الباري، ١/ ١٠، ١/ ١٥، حسين سليم أسد، "آثار الحميدي، من تحقيقه ودراسته لكتاب أبي بكر عبدالله بن الزبير الحميدي، مسند الحميدي، ١/ ٥٨، أحمد فارس السلوم، "الحاكم أول من صنف في جمع علوم الحديث" من تحقيقه لكتاب أبي عبدالله الحاكم، معرفة علوم الحديث، ١١.
(٢) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٥، ولم ينصّ ﵀ على تعريف الصحيح بل ذكر طريقة انتقائه للمرويات، ومواصفات الراوي والمروي، ولكونه جرّد كتابه للأحاديث الصحيحة؛ فيُعدّ ذلك تضمينًا لشروط الصحيح عنده، قال ابن الصلاح في كتابه صيانة صحيح مسلم: "شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر"، ولابن حجر تعقيب على ما ذكره ابن الصلاح بخصوص اشتراط مسلم نفي الشذوذ، نقل هذا التعقيب السيوطي في تدريب الراوي، وسيأتي بيان ذلك عند تحرير التعريفات بإذن الله. المراجع: ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، ٧٢، يُنظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠.
(٣) محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر، كان فقيها مجتهدا، عالما بالحديث. وله مصنفات عديدة تزيد على ١٤٠ من أشهرها كتابه الصحيح. ينظر: الذهبي، السير، ١١/ ٢٢٥. الزركلي، الأعلام، ٦/ ٢٩.
(٤) ابن خزيمة، الصحيح، ١/ ٤٥، أيضًا نجده ﵀ لم ينص على تعريف للصحيح، بل وصف لنا بشكل عام صفات مروياته في كتابه.
[ ٥٠ ]
تعريف ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ):
ذكر ﵀ في مقدمة صحيحه شروطه في الراوي والمروي فقال: "نملي الأخبار بألفاظ الخطاب بأشهرها إسنادًا وأوثَقِها عمادًا من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها" (١)، وأضاف في نهاية مقدمته: " وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها." (٢)
وقال في شروط رواة صحيحه:
"وأما شرطنا في نَقْلَةِ ما أودعناه كتابنا هذا من السنن فإنا لم نحتجَّ فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء:
الأول: العدالة في الدين بالسَّتر الجميل. والثاني: الصدق في الحديث بالشُّهرة فيه. والثالث: العقل بما يُحدِّثُ من الحديث. والرابع: العلم بما يُحيلُ من معاني ما يروي. والخامس: المُتَعَرِّى خبره عن التدليس.
فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبَنَيْنَا الكتاب على روايته وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به." (٣)
وقال في مقدمة كتابه "المجروحين" - مختصرًا لما فصّله سابقًا-:
"وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد (٤) الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني
_________________
(١) صحيح ابن حبان، ينظر: الألباني، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، ١/ ٥١ باختصار.
(٢) المرجع السابق، ١/ ١٢٦.
(٣) المرجع السابق، ١/ ١١٢.
(٤) إشارة منه إلى حجية خبر الآحاد، ورد على من يشترط التعدد في الصحيح.
[ ٥١ ]
الحديث من اللفظ، المتبرّي على (١) (هكذا (التدليس في سماع ما يروى عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ - سماعًا متصلًا." (٢)
تعريف الخطابي (٣) (ت ٣٨٨ هـ):
عرّف الخطابي الصحيح بقوله: "ما اتصل سنده، وعُدِّلت نقَلتُه" (٤).
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" تحت النوع التاسع عشر: معرفة الصحيح والسقيم: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة (٥)، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول إلى وقتنا
_________________
(١) هكذا في المطبوع، ولعل الصواب "من" بدلا من "على"، كما جاء في تعريف الشافعي السابق: "بريًّا من أن يكون مدلسا".
(٢) ابن حبان، المجروحين، ١/ ٨.
(٣) حمد بن محمد بن إبراهيم ابن الخطاب البستيّ، أبو سليمان. كان إمامًا في الفقه والحديث واللغة. من تصانيفه: (غريب الحديث) و(شرح البخاري). ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ٣/ ٢٨٢. السيوطي، طبقات الحفاظ، ٤٠٤. الزركلي، الأعلام، ٢/ ٢٧٣.
(٤) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦.
(٥) مسألة إطلاق لفظ الجهالة على الصحابي: إلى ثلاث حالات هي:
(٦) من جُهل اسمه (فأُطلِق على الإبهام جهالة). ٢ - إطلاق الجهالة لعدم ثبوت الصحبة عند القائل.
(٧) جهالة الاشتهار بالعلم والرواية. ثم لخّص ضمن نتائج بحثه: أنّ من وصف أحد الصحابة بالجهالة من المحدثين، فإنه لم يرد الجهالة الاصطلاحية، وإنما يقصد معنىً خاصًا بالجهالة وهو قلّة الرواية. المراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤١٥، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٦، ابن حجر، فتح الباري، ١٠/ ٥٧٥، ابن حجر، لسان الميزان، ٦/ ١٣، الجديع، تحرير علوم الحديث، ١/ ٣٥٠. عبدالجواد حمام، جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي، ٢/ ٩١١ - ٩٣٧، ٢/ ١١٣٧.
[ ٥٢ ]
هذا كالشهادة على الشهادة." (١)
تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):
نقل الميانشي تعريف الحاكم للصحيح، فقال: "وصفة الصحيح: أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل العلم بالقَبول، وهو بمنزلة الشهادة، حكاه الحاكم أبو عبدالله". (٢)
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
قال ﵀: "أما الحديث الصحيح فهو: الحديث المسند، الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه؛ ولا يكون شاذًا ولا معللًا". (٣)
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ٦٢. هذا ما عرّف به الحديث الصحيح في هذا الكتاب بينما نجده قد ذكر في كتابه الآخر (المدخل إلى الإكليل) أن الحديث الصحيح على أقسام عشرة ذكرها بأمثلتها، وسيأتي الإشارة إلى ذلك أثناء تحرير التعريفات ..
(٢) الميانشي، ما لا يسع جهله، ٢٧.
(٣) ثم بعد أن ذكر التعريف ومحترزاته أردف بقوله: "فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث. وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف، كما في المرسل. ومتى قالوا: هذا (حديث صحيح) فمعناه: أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول". ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١ - ١٤، ويشير تعقيبه إلى الاختلاف الحاصل بين العلماء في تصحيح بعض الأحاديث، وأثر التفرّد في الرواية ولو جمعت شروط الصحيح، وهي مسألة تحتاج إلى تفصيل يتضح بإذن الله في تحرير مصطلح الفرد والشاذ، وبيان من يُحتمل تفرّده من الرواة، ومن لا يُحتمل.
[ ٥٣ ]
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من اختصر تعريفه كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٢)، ومنهم من استدرك وتعقّب كابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٣)، وتلميذه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) حيث أضاف قيد نفي التدليس، فقال في كتابه الموقظة: "فالمجمع على صحته إذًا: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس" (٤).
وأطال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، في تعريف الصحيح - جامعًا أغلب ما اُستدرِك على من سبقه- فقال: "حاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى
ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذًا، ولا مردودًا، ولا معللًا بعلة قادحة، وقد يكون مشهورًا أو غريبًا" (٥)
_________________
(١) قال -﵀-: "هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة". وقوله "بالعدول الضابطين" محتملة لأن يكون مراده مجموع رواة الإسناد من أوله إلى آخره، ويحتمل اشتراطه العدد وليس مرادًا كما قال السيوطي في "التدريب": "توهم أن يرويه جماعة ضابطون عن جماعة ضابطين، وليس مرادا"، المراجع: النووي، التقريب، ٢٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧.
(٢) قال -﵀- مختصرًا لكلام ابن الصلاح: "اعلم أن الحديث الصحيح: هو ما اتصل سنده برواية العدل الضابط عن مثله، وسلم عن شذوذ وعلة". ابن جماعة، المنهل الروي، ٣٣. ثم أشار كغيره إلى سبب الاختلاف في الحكم على بعض الأحاديث بالصحة، والسبب في ذلك اختلافهم في وجود هذه الشروط أو انتفائها، وأعقب ذلك بذكر تعريف الشافعي والخطابي للحديث الصحيح.
(٣) ناقش تعريف ابن الصلاح ثم تعقّبه بقوله: "ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسنًا، لأَنَّ من لا يشترط بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعًا مانعًا."ا. هـ، فقد أشار إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لا يشترط كل هذه القيود، ولعله يقصد بالشروط التي لم يشترطها بعضهم: نفي الشذوذ والعلة، حيث ذكر أن مدار التعريف عند الأصوليين والفقهاء على عدالة الراوي وتيقّظه، وبعضهم يزيد قيد الاتصال. ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٥.
(٤) الذهبي، الموقظة، ٢٤. وسلفه- في إضافة نفي التدليس- الشافعي وابن حبان في شروطهما في رواة الصحيح، وحين ناقش تعريف الحديث الحسن أشار إلى التداخل بينه وبين الصحيح.
(٥) ابن كثير، الاختصار، ٢٨. فأشار تعريفه إلى أن الصحة لا تقتصر على المسند المرفوع، بل يشمل الموقوف والمقطوع، وكذلك ليس شرطًا أن يكون الحديث عزيزًا بل قد يكون مشهورًا أو غريبًا، ووصف العلة بكونها قادحة، وزاد قيدًا بقوله "ولا مردودًا"، ولعله أضافه من باب التأكيد على أن الصحيح من نوع المقبول لا المردود، فإن اُختلف في معنى الشذوذ-كما سيأتي في فصل الحديث الشاذ- فمراده أن الصحيح المتفق عليه يكون من المقبول الذي لم يرد، والله أعلم.
[ ٥٤ ]
وبعد أن أطال ابن كثير في تعريف الصحيح، عاد ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) لاختصاره، حيث نجده في كتابه المقنع صاغ تعريف الصحيح بما عرّفه به النووي في التقريب، فقال: "ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة" (١)، ثم عاد واختصره في كتابه التذكرة (٢)، فقال: "الصحيح: ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه" (٣).
ومن أبرز ما تمت إضافته - لتعريف ابن الصلاح- وصف التمام لضبط الراوي، وأضافه ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في كتابه نخبة الفكر، فقال: "وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته". (٤)
ووافق ابن حجر على إضافة هذا الوصف من جاء بعده من تلامذته وغيرهم (٥).
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
اشتمل تعريف ابن الصلاح للصحيح على عدد من القيود والشروط، فقد اشترط لصحة الحديث أن يكون مُسندًا، وأن يكون الإسناد متصلًا، واشترط في رواته العدالة والضبط،
_________________
(١) ابن الملقن، المقنع، ١/ ٤١.
(٢) ذكر في مقدمة كتابه التذكرة في علوم الحديث: أنها مقتضبة من المقنع، فقال: "فهذه تذكرة في علوم الحديث، يتنبه بها المبتدي، ويتبصر بها المنتهي، اقتضبتها من (المقنع) تأليفي"، وهي رسالة مختصرة في علوم الحديث. ابن الملقن، التذكرة، ١٣.
(٣) ثم أتبعه بقوله: "ومنه المتفق عليه، وهو ما أودعه الشيخان في صحيحهما". المرجع السابق، ١٤.
(٤) ابن حجر، نزهة النظر، ٦٧.
(٥) ينظر: البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٨٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩، السيوطي، التدريب، ١/ ١٧٣.
[ ٥٥ ]
ونفى عنه الشذوذ والعلة، وهناك من زاد شروطًا أخرى: كاشتراط الشهرة في الرواة، واشتراط تعددهم، ونفي التدليس في روايتهم، وسيأتي إيضاح لكل قيد من هذه القيود، وبيان اتفاقهم على اشتراطها أو اختلافهم في ذلك.
وأبدأ أولًا ب قيود الصحيح عند ابن الصلاح، مؤخرةً اشتراط كونه مسندًا رغم تقدّمه في التعريف لتعلّق إيضاح المراد به بوضوح المراد في القيود الأخرى، ثم ألحقت بها القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح.
قيود الصحيح عند ابن الصلاح:
القيد الأول: اتصال السند:
الاتصال في اللغة: من الوصل، واتصل الشيء بالشيء: لم ينقطع (١)، فالاتصال ضد الانقطاع.
وفي الاصطلاح: قال ابن الصلاح تحت النوع الخامس من أنواع علوم الحديث: معرفة المتّصل، "ويقال فيه أيضا: الموصول، ومطلقه يقع على المرفوع (٢) والموقوف (٣). وهو
الذي اتصل إسناده، فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه، حتى ينتهي إلى منتهاه". (٤)
_________________
(١) ينظر مادة (وص ل): الفيروز آبادي، القاموس، ١٠٦٨، الزبيدي، تاج العروس، ٣١/ ٧٩.
(٢) "المرفوع: ما أضيف إلى رسول الله - ﷺ - خاصة." ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٥، ينظر: النووي، التقريب، ٣٢، الذهبي، الموقظة، ٤١، ابن حجر، النزهة، ١٣١.
(٣) الموقوف: "ما يروى عن الصحابة ﵃ من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ولا يتجاوز به إلى رسول الله - ﷺ -." ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٦. ينظر: النووي، التقريب، ٣٣، الذهبي، الموقظة، ٤١، ابن حجر، النزهة، ١٣٩.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٤.
[ ٥٦ ]
وقال ابن حجر: "المتّصل: ما سلِم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه." (١)
والسَّند في اللغة: "أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْنُدُ سُنُودا، واستَنَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا" (٢)، و"السَّنَدُ: ما ارتفع من الارض ، وكلُّ شيء أسنَدت إليه شيئًا فهو مُسنَد" (٣).
وفي الاصطلاح: ذكر نقلة الخَبر، أو الطريق الموصلة إلى المتن، وهو رجاله الذين رووه (٤).
فمعنى اتصال السند: أن يكون كل راوٍ من الرواة قد تحمّل الحديث عن شيخه بوجه من وجوه التحمّل (٥) الصحيح،
ويخرج بهذا القيد ما في سنده نوع انقطاع (٦).
واشتراطهم الاتصال في الحديث الصحيح؛ للجهالة بحال الساقط من السند من حيث توفّر شرط الصحيح فيه أو اختلال ذلك، وبتأمل ما ذكره من سبق ابن الصلاح في بيان حد الصحيح، أو شروطه نجد شبه اتفاق على هذا القيد، وإن لم ينصّ بعضهم عليه.
_________________
(١) ابن حجر، نزهة النظر، ٧٠.
(٢) ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١٠٥.
(٣) الفراهيدي، كتاب العين، ٧/ ٢٢٨.
(٤) ينظر: الجعبري، الرسوم، ١٣٤، ابن حجر، النزهة، ١٣٠، الدهلوي، أصول الحديث، ٤٠.
(٥) تحمّل الحديث: هو تلقِّي الحديث وأخذه عن الشيوخ، ونقله عنهم بأيّ طريقة من طُرق التحمّل المعتبرة عند علماء الحديث. يُنظر: أبو شُهبة، الوسيط، ٩٤، الغوري، موسوعة علوم الحديث، ١/ ٤٣٣.
(٦) كالمرسل، والمنقطع، والمعضل، والمعلّق، هذا عند الإطلاق ; كما يشير إليه قول ابن الصلاح. (فمطلق المتصل) - يقع على المرفوع والموقوف، أما مع التقييد فهو جائز، بل واقع أيضا في كلامهم، يقولون: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري، أو إلى مالك، ونحو ذلك. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٣٦.
[ ٥٧ ]
فلقد نصّ الشافعي على شرط الاتصال صراحةً بقوله: "حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي - ﷺ - أو إلى من انتهي به إليه دونه"، (١) وكذلك الحميدي نصّ على الاتصال بقوله: "متصلًا غير مقطوع (٢) "، بل نجده يتحرّى ذلك في مسنده. (٣)
أما مسلم فلم ينصّ على شرط الاتصال صراحة لكن كلامه في مقدمة صحيحه يتضمنه حين صحح الحديث المعنعن (٤) وحمله على السماع بقوله: "كل رجل ثقة روى عن مثله
_________________
(١) ونجده يُشدد في قبول الحديث المرسل -والذي هو نوع من انقطاع السند- ويضع لذلك شروطًا لكل من الراوي المُرسِل وللرواية المرسلة وذلك في كتابه الرسالة، ينظر: الشافعي، الرسالة، ٤٦١ - ٤٦٤، وتتكرر عباراته وتتنوع -في تقديم الرواية المتصلة على المنقطعة، وعدم احتجاجه بالمنقطع إلا بشروط- في مناقشته للمسائل والأحكام في كتابه الأم، وكذلك إثباته سماع الراوي ممن هو فوقه في الإسناد، أو عدم سماعه. ينظر: الشافعي، الأم، ٢/ ١٢٣، ٤/ ١٨٣، ٥/ ٤٠٨، ٧/ ٣٢٢، ٩/ ١٩٩.
(٢) أخرج الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية عن الحميدي قوله: "فإن قال قائل: "فما الحجة في ترك الحديث المقطوع، والذي يكون في إسناده رجل ساقط وأكثر من ذلك، ولم يزل الناس يحدثون بالمقطوع، وما كان في إسناده رجل ساقط وأكثر " ويتضح من كلام الحميدي أنه يريد بالمقطوع المنقطع. قال ابن الصلاح: "المقطوع: ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم أو أفعالهم، وقد وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الإمام الشافعي، وأبي القاسم الطبراني وغيرهما، والله أعلم". وقد ذكر ذلك السيوطي في كتابه تدريب الراوي حيث قال: "المقطوع، وجمعه المقاطع، والمقاطيع، وهو الموقوف على التابعي قولا له، أو فعلا، واستعمله الشافعي، ثم الطبراني في المنقطع الذي لم يتصل إسناده، وكذا في كلام أبي بكر الحميدي، والدارقطني. إلا أن الشافعي استعمل ذلك قبل استقرار الاصطلاح" والذي استقرّ عليه المتأخرون أن المنقطع غير المقطوع. المراجع ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٣٩٠، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٧، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٤٠، السيوطي، التدريب، ١/ ١٠١.
(٣) فمن أمثلة تحرّيه اتصال السند ما أخرجه في مسنده من طريق شيخه سفيان بن عيينة، وأشار إلى أنه بداية لم يصرّح بسماعه من الزهري، فأوقف الرواية عليه، ثم صرّح بالسماع فرواها عنه مسندة، فقال: "ثنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن عروة، عن عائشة قالت: «طيبت رسول الله - ﷺ - بيدي هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» قال أبو بكر: وهذا مما لم يكن يحدث به سفيان قديما عن الزهري فوقفناه عليه، فقال: قد سمعته من الزهري." الحميدي، المسند، ١/ ٢٦٢ ح (٢١٣). وصرّح في حديث آخر بأن شيخه سفيان لم يسمعه من الزهري فقال: "ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال أبو بكر: ولم يسمعه سفيان من الزهري." المرجع السابق، ١/ ٢٨١ ح (٢٤٧).
(٤) تطرّق ابن حجر- في مقدمة كتابه فتح الباري- إلى ما يتعلّق بخصوص شرط الاتصال عند مسلم في صحيحه، والفرق بينه وبين شرط البخاري فيه، فقال: "ما يتعلق بالاتصال وذلك أن مسلما كان مذهبه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما إلا إن كان المُعنعِن مُدلِّسا، والبخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة ، وهذا مما ترجح به كتابه لأنا وإن سلَّمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال، فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال، والله أعلم". وقال أيضًا في كتابه النكت: "وأما أول من صنف الصحيح المعتبر عند أئمة الحديث. وقد اختلفت مذاهب العلماء في الحديث المعنعن، وممن حقق المسألة وأطال فيها ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، وإنما أشرت إلى مسألة الحديث المعنعن عند مسلم لبيان شرطه للاتصال في صحيحه. المراجع: ابن حجر، هدي الساري، ١٢، ابن حجر، النكت، ١/ ٢٧٩، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٦١. الحاكم، علوم الحديث، ٣٤. ابن رجب، علل الترمذي، ٢/ ٥٩٥ - ٥٩٩.
[ ٥٨ ]
حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام فالرواية ثابتة. والحجة بها لازمة. إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا." (١)
ويرى ﵀ أن التفتيش عن موضع السماع في الأسانيد يكون لمن عُرف عنه التدليس، حيث قال: "وإنما كان تفقُّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس." (٢)، وكلامه ﵀ يُدلِّل على حرص الأئمة على التأكد من سلامة الإسناد من السقط والانقطاع، ويدلل على ذلك أيضًا صنيعه في كتابه التمييز، حيث أعلّ أحاديث لانقطاع في سندها (٣).
_________________
(١) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٢٩.
(٢) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٣٣. ذكر ابن حجر حين قسّم المدلسين إلى طبقات ومراتب أن منهم: "من احتمل الائمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري أو كان لا يدلس الا عن ثقة كابن عيينة". ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٣.
(٣) من أمثلة ذلك: ما ذكره من سبب إعلاله لحديث ابن لهيعة، وهو أنه أخد الحديث من كتاب دون سماع ولا عرض على المحدث، فقال: "الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب، وذكرنا عن عبد الله بن سعيد عن أبي النضر. وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية، أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث أو عرض عليه. فإذا كان أحد هذين -السماع أو العرض- فخليق أن لا يأتي صاحبه التصحيف القبيح وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله." مسلم، كتاب التمييز، ١٨٨. وقد أعلّ كذلك بعض طرق حديث مواقيت الحج المكانية بعدد من العلل، وأعلّ طريق ميمون ابن مهران عن ابن عمر، بعدم سماع ميمون من ابن عمر فقال: "وفي رواية ميمون جعل لأهل المشرق ذات عرق. وسالم، ونافع، وابن دينار، كل واحد منهم أولى بالصحيح عن ابن عمر، من ميمون الذي لم يسمعه من ابن عمر". المرجع السابق، ٢١٥. ينظر كذلك: محمد عوّامة، من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه.
[ ٥٩ ]
وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وعدّ من أسباب إعلاله الحديث وتضعيفه انقطاع سنده وتصريحه بعدم سماع الراوي ممن هو فوقه (١)، بل يستدرك على
نفسه في بعض الأحاديث التي اتضحت له علتها -بانقطاع سندها- بعد إخراجه لها فنبّه عليها. (٢)
وكذلك صرّح ابن حبان بضرورة اتصال السند لصحة الحديث، ولم تخْلُ تعقيباته بعد بعض مروياته في صحيحه من الإشارة إلى ذلك (٣)، وقد حرص أيضًا على بيان
_________________
(١) من أمثلة ذلك في صحيحه: قوله تحت كتاب الإمامة في الصلاة، "باب اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد، إن ثبت الخبر، فإني لا أعرف السائب مولى أم سلمة بعدالة ولا جرح، ولا أقف على سماع حبيب بن أبي ثابت هذا الخبر من ابن عمر، ولا هل سمع قتادة خبره من مورق، عن أبي الأحوص أم لا؛ بل كأني لا أشك أن قتادة لم يسمع من أبي الأحوص؛ لأنه أدخل في بعض أخبار أبي الأحوص بينه وبين أبي الأحوص مورقا، وهذا الخبر نفسه أدخل همام وسعيد بن بشير بينهما مورقا " ثم ذكر عددًا من الأحاديث (١٦٨٣ - ١٦٨٤ - ١٦٨٥ - ١٦٨٦ - ١٦٨٧) ثم أعقبها بقوله: "وإنما قلت: ولا هل سمع قتادة هذا الخبر عن أبي الأحوص لرواية سليمان التيمي هذا الخبر عن قتادة عن أبي الأحوص؛ لأنه أسقط مورقًا من الإسناد، وهمام وسعيد بن بشير أدخلا في الإسناد مورقًا، وإنما شككت أيضا في صحته لأني لا أقف على سماع قتادة هذا الخبر من مورق". ابن خزيمة، الصحيح، ٣/ ٩٢ - ٩٣، وذكر تحت كتاب الصيام، باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا عددًا من الأحاديث ثم أعقبها بقوله: " فكل ما لم أقل إلى آخر هذا الباب: إن هذا صحيح، فليس من شرطنا في هذا الكتاب، والحسن لم يسمع من ثوبان". المرجع السابق، ٣/ ٢٣٦، ح (١٩٨٤). للاستزادة ينظر: محمد عوّامة، من مصطلح ابن خزيمة في إعلاله الحديث في صحيحه.
(٢) ينظر صحيح ابن خزيمة: قوله: "هذا الخبر له علة لم يسمعه الأعمش، عن شقيق لم أكن فهمته في الوقت" ١/ ٢٥ ح (٣٧)، وقوله كذلك: "خبر حماد بن زيد غير متصل الإسناد غلطنا في إخراجه؛ فإن بين هشام بن عروة، وبين محمد بن عمرو بن عطاء، وهب بن كيسان" ١/ ٢٦ ح (٣٨). وقوله: "غلطنا في إخراج الحديث؛ لأن هذا مرسل، موسى بن أبي عثمان لم يسمع من أبي هريرة، أبوه أبو عثمان التبان، روى عن أبي هريرة أخبارا سمعها منه" ٣/ ١١٥ ح (١٧٢٨).
(٣) من أمثلة ذلك في صحيحه: - أن ابن حبان بعد أن أخرج حديثًا لأبي هريرة - ﵁ - من رواية سعيد ابن أبي الحسن عنه، أشار إلى سبب إثباته لسماع هذا التابعي من أبي هريرة؛ بقوله: "سعيد بن أبي الحسن سمع أبا هريرة بالمدينة؛ لأنه بها نشأ. والحسن لم يسمع منه؛ لخروجه عنها في يَفَاعته." صحيح ابن حبان، ٢/ ٢٩٧ ح (٩٦٧). - وأخرج كذلك حديثًا لثوبان من رواية أبي كبشة السلولي، ولم يخرجه من طريق سالم بن أبي الجعد لانقطاعه، فقال: "وخبر سالم بن أبي الجعد عن ثوبان خبر منقطع فلذلك تنكبناه" المرجع السابق، ٢/ ٣٣٧ ح (١٠٣٤). والرواية الأخرى من طريق سالم أخرجها الإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه، والحاكم في المستدرك. ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، ٣٧/ ٦٠ ح (٢٢٣٧٨)، مسند الدارمي كتاب الطهارة، باب ما جاء في الطهور، ١/ ٥١٩ ح (٦٨١)، الحاكم، المستدرك، كتاب الطهارة، ١/ ٢٢١ ح (٤٤٨).
[ ٦٠ ]
مسموعات الراوي من عدمها في كتابيه الثقات (١) والمجروحين (٢).
وصرّح الخطابي بهذا الشرط، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لعلة الانقطاع في سندها. (٣)
أما الحاكم -وقد تابعه الميانشي (٤) - فلم ينصّ عليه في تعريفه للصحيح، لكنه أشار إلى أهمية شرط الاتصال؛ للاحتجاج بالرواية، وذلك حين عرّف المُسنَد (٥) في كتابه معرفة
_________________
(١) من أمثلة ذلك في كتابه الثقات: ذكر ابن حبان في ترجمة: حرام بن سعد أنه يروى قصة ناقة البراء، ولم يسمع من البراء، وقيل إنه يروي عن أبيه عن البراء. ٤/ ١٨٥، وفي ترجمة زياد بن مالك قال: "يروي عن ابن مسعود، ولم يسمع منه" ٤/ ٢٦٠، وفي ترجمة: أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: "يروي عن أبيه، ولم يسمع منه" ٥/ ٥٦١.
(٢) من أمثلة ذلك في كتابه المجروحين: قوله في ترجمة: باذام أبي صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب، يحدث عن ابن عباس، ولم يسمع منه. ١/ ١٨٥، وفي ترجمة: عبد الله بن زياد ابن سمعان مولى أم سلمة، قال: "يروي عن الزهري ونافع وقد روى عن مجاهد ولم يره روى كان ممن يروي عمن لم يره ويحدث بما لم يسمع" ٢/ ٧، وقال عن: مطرف بن مازن الكناني: "قاضي اليمن، كان ممن يحدث بما لم يسمع، ويروي ما لم يكتب عمن لم يره، لا تجوز الرواية عنه إلا عند الخواص للاعتبار فقط." ٣/ ٢٩.
(٣) من أمثلة ذلك: ففي سنن أبي داود كتاب الطهارة، باب من لم يذكر الوضوء عند الحدث: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن عكرمة، أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت «فأمرها النبي - ﷺ - أن تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، » ١/ ٨٢ ح (٣٠٥) قال الخطابي في معالم السنن: "هذا الحديث منقطع، وعكرمة لم يسمع من أم حبيبة بنت جحش." ١/ ٩٤. وأخرج أبو داود في سننه: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا عباد بن العوام، ح وحدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن سفيان ابن حسين، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، قال: هارون عن أبي هريرة، أن امرأة من اليهود أهدت إلى النبي - ﷺ -: شاة مسمومة، " وفي الحديث الآخر قال: "حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية، من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله - ﷺ -، " ٤/ ١٧٣ - ١٧٤ ح (٤٥٠٩ - ٤٥١٠)، قال الخطابي: "أما حديث اليهودية فقد اختلفت الرواية فيه وأما حديث أبي سلمة فليس بمتصل. وحديث جابر أيضًا ليس بذاك المتصل؛ لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئًا." ٤/ ٧. ووضّح الخطابي في حديث آخر سبب تضعيفهم له بقوله: "إنما ضعفوا حديث عمرو ابن شعيب من قبل الحجاج بن أرطاة لأنه معروف بالتدليس." ٣/ ٢٥٩.
(٤) فقد نقل تعريف الحاكم، ولم يعقّب عليه.
(٥) ذُكِر للمُسند تعريفات ثلاثة ذكرها ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث:
(٦) وهو الذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه.
(٧) ما رُفِع إلى النبي - ﷺ - خاصة، سواءٌ كان متصلًا أو منقطعًا.
(٨) ما جمع بين رفعه إلى النبي - ﷺ -، واتصال إسناده. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٢ - ٤٣، وسيأتي مزيد إيضاح للمراد بالمسند في القيد السادس من قيود التعريف.
[ ٦١ ]
علوم الحديث، وحدّه بكونه المرفوع الموصول، وأردف بقوله: "ثم مع هذه الشرائط أيضًا لا نحكم لهذا الحديث بالصحة، فإن الصحيح من الحديث له شرط نذكره في موضعه إن شاء الله." (١)
وقد ذكر -﵀- اختلاف الأئمة في الاحتجاج بغير المتصل، بل عدّ المراسيل (٢)، وأخبار الأئمة الثقات من المدلسين من أقسام الصحيح المختلف فيه، وذلك في كتابه المدخل إلى الإكليل (٣)، هذا فيما يخص روايات الثقات؛ بينما عدّ ضمن طبقات المجروحين، في الطبقة الخامسة: رواة وصلوا أحاديث مرسلة، والطبقة السابعة: رواة أكثروا السماع من شيوخ ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها عنهم فرووها بالسماع، ولم يميزوا بين ما سمعوا وما لم يسمعوا (٤)، وفي تجريح الرواة بما سبق تضمين لاشتراط الاتصال لصحة الإسناد.
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ١٧. حيث قال في النوع الرابع من معرفة علوم الحديث: "معرفة المسانيد من الأحاديث وهذا علم كبير من هذا الأنواع لاختلاف أئمة المسلمين في الاحتجاج بغير المسند
(٢) جمع مرسل، والمرسل في الاصطلاح اُختلف في تعريفه، والمشهور: هو ما رفعه التابعي إلى النبي - ﷺ - سواء كان التابعي صغيرًا أم كبيرًا. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥١، ابن حجر، النزهة، ١٠٠، السيوطي، التدريب، ١/ ٢١٩، عتر، منهج النقد، ٣٧٠، الغوري، الموسوعة، ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٣) الحاكم، المدخل إلى كتاب الإكليل، ٣٧ - ٣٩.
(٤) ينظر: المرجع السابق، ٦١ - ٦٤.
[ ٦٢ ]
أمّا من جاء بعد ابن الصلاح، فقد صرّحت أغلب تعريفاتهم باشتراط الاتصال في السند، بينما تضمّن بعضها ذلك باشتراط السلامة من القدح أو الطعن بشكل عام، فإن كان الانقطاع في السند قادحًا فقد تضمن شرطهم نفيه. (١)
نخلص مما سبق:
أن الأغلب سواء قبل ابن الصلاح أو بعده قد اشترطوا اتصال السند في الحديث الصحيح إما نصاّ أو ضمنًا، مع إشارة الحاكم إلى اختلاف بعضهم في تصحيح بعض المراسيل أو روايات الثقات من المدلسين. (٢)
فاشتراط اتصال السند في حدّ تعريف الحديث الصحيح إنما هو في الصحيح المتّفق عليه كما أشار أكثر من واحد من علماء هذا الفن، ويوضح ذلك ما ذكره ابن حجر حين المفاضلة بين موطأ مالك، وصحيح البخاري، حيث قال:
"ذلك محمول على أصل اشتراط الصحة، فمالك لا يرى الانقطاع في الإسناد قادحا؛ فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات (٣) والبلاغات (٤) في أصل موضوع كتابه، والبخاري يرى أن الانقطاع علة فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع
_________________
(١) كتعريف الجعبري للصحيح، وتعريف ابن الملقّن في التذكرة بينما صرّح في كتابه المقنع باشتراطه، وقد اختصر عبدالحق الدهلوي تعريف ابن حجر للصحيح إلا أنه أغفل ذكر هذا القيد!، ولعله سقط سهوًا. المراجع: ينظر: الجعبري، الرسوم، ٥٤، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٤١، ابن الملقن، التذكرة، ١٤، الدهلوي، أصول الحديث، ٥٨.
(٢) ويلحق بشرط الاتصال ما اشترطه بعضهم من الشروط الزائدة على حدّ الصحيح عند ابن الصلاح، وهو شرط نفي التدليس، وسيأتي معنا تفصيل ذلك بإذن الله.
(٣) اُختلِف في تعريف المنقطع، حيث يشمل عند المتقدمين لكل أنواع السقط في الإسناد سواء من أوله أو وسطه أو آخره. أشار إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته، بينما خصّ المتأخرون تعريف المنقطع بأنه: ما سقط في أثناء سنده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي. المراجع، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧ - ٥٩، ابن حجر، النزهة، ١٠٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٩٥ - ١٩٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٤) "البلاغات: الأسانيد التي ورد فيها: (بلغني عن فلان). مثل بلاغات مالك وغيره." الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث، ٣١.
[ ٦٣ ]
كتابه كالتعليقات (١) والتراجم (٢)، ولا شك أن المنقطع وأن كان عند قوم من قبيل ما يحتج به، فالمتصل أقوى منه إذا اشترك كل من رواتهما في العدالة والحفظ، فبان بذلك شفوف (٣) (هكذا (كتاب البخاري" (٤).
القيد الثاني: العدالة:
العدالة في اللغة:
مصدر من عَدَلَ يَعْدِلُ، فهو عادِلٌ وعَدْل.
_________________
(١) المعلّق في الاصطلاح: ما حُذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٤، ابن حجر، النزهة، ٩٨.
(٢) يقصد بها عناوين الأبواب، فالترجمة: "يراد بها في كتب الحديث عنوان على الأحاديث يدل على موضوعها". قال ابن الصلاح: "ثم إن ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصحيح قليل، يوجد في كتاب البخاري في مواضع من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه الذي يشعر به اسمه الذي سماه به " ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٦، الخيرآبادي، المعجم، ٣٦.
(٣) كذا في المطبوع (طبعة دار المعرفة)، وفي المخطوط " تفوق". شهاب الدين أبو الفضل أحمد ابن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، هدي الساري لفتح الباري مقدمة شرح البخاري، موقع مخطوطات الأزهر الشريف، ٣٢٨٩٣٧، مصورة، اللوح ٥، ص ١٠.
(٤) ابن حجر، هدي الساري، ١٠، وقد أفرد ابن حجر في مقدمته فصلًا كاملًا للرد على الأحاديث التي اُنتقد على الشيخين إخراجها في الصحيح، وكان مما اُنتقد عليهما إخراج أحاديث أُعلِّت بالانقطاع، وكان جوابه على ذلك: "وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما: منها ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود كما صرح به الدارقطني فيما سيحكيه عنه في الحديث الخامس والأربعين؛ لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لا يعل الصحيح وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكا بينا أو صرح بالسماع إن كان مدلسا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرا فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ماله متابع وعاضد أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع وربما علل بعض النقاد أحاديث أدعى فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة؛ بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده، " ابن حجر، المرجع السابق، ٣٤٧ باختصار، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ١٤٧ - ١٤٩.
[ ٦٤ ]
والعدْل من الناس: المرضيُّ من الناس قوله وحكمه، وقيل: المستوي الطريقة. (١)
وفي الاصطلاح: تتقارب أقوال العلماء في بيان معنى العدالة، وصفات العَدْل، ومن ذلك:
قول الشافعي: "لا أعلم أحدًا أُعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا ﵇، ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المُعدَّل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المُجرَّح." (٢)، فأجمل الشافعي القول في العدْل بأنه من غلبت عليه الطاعة، وفصّل ابن الصلاح صفاته فقال:
"أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا وتفصيله أن يكون مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة (٣)." (٤)
أمّا ابن حجر فقد عرّف العدل بقوله: "من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة". (٥)
_________________
(١) يُنظر: الفراهيدي، كتاب العين، ٢/ ٣٨. ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٢٤٦، الفيروزأبادي، القاموس، ١٠٣٠.
(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٧٩.
(٣) فالمروءة كما ذكر السخاوي في الفتح هي: "رعاية مناهج الشرع وآدابه، والاهتداء بالسلف، والاقتداء بهم"، وقيل: "آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات"، وخوارم المروءة: "هي كل ما يحطّ من قدر الإنسان في العُرف الاجتماعي الصحيح، مثل التبوُّل في الطريق، وكثرة السخرية، والاستخفاف؛ لأن من فعل ذلك كان قليل المبالاة، لا نأمن أن يستهتر في نقل الحديث النبوي، وأما الأكل، والشرب في السوق- كما عدّهما البعض خلاف المروءة- فهما يُنظر فيهما إلى العُرف، فشرب المشروبات من الشاي، والبارد، وتناول بعض الأشياء في السوق لا يُعدُّ في عرف اليوم مخالفًا للمروءة." المراجع: السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٧، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٩٧، الغوري، الموسوعة، ٣/ ٢٦٠.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٤ - ١٠٥.
(٥) ابن حجر، نزهة، ٦٩.
[ ٦٥ ]
قال الحازمي (١): "قد أجمع أهل العلم على أنه لا يُقبل إلا خبر العدل، وكل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي - ﷺ - لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، وإمعان النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله - ﷺ -؛ لأن عدالة الصحابي ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النبي - ﷺ - وإخباره عن طهارتهم، وصفات العدالة هي اتباع أوامر الله تعالى والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنّب الفواحش
المسقطة، وتحرّي الحق والتوقّي في اللفظ مما يلثم الدين والمروءة، وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر." (٢)
وبالنظر إلى تعريفات الحديث الصحيح نجدها قد تضمنت اشتراط العدالة في الرواة كشرط للصحيح إمّا بالنصّ على لفظ العدل أو ما يقوم مقامه من صفات كالثقة (٣) والاستقامة، وحرصوا على خلوِّ مروياتهم من الرواة المجروحين في عدالتهم، قال الإمام مسلم في مقدمته: "فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم " (٤)
_________________
(١) محمد بن موسى بن عثمان بن حازم، الحافظ أبو بكر الحازمي الهمداني الشافعي. محدث مؤرخ فقيه، ومن أحفظ الناس للحديث وأسانيده. له: (الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ). مات سنة ٥٨٤. ينظر: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ٢/ ٤٦. كحالة، المؤلفين، ٣/ ٧٤٢ (١٦٢٠١).
(٢) الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، ٥٥.
(٣) استدرك الزركشي وتبعه السيوطي على ابن الصلاح إسهابه في تعريف الصحيح برواية العدل الضابط، فقال الزركشي: "ولو قال بنقل الثقة عن الثقة لاستغنى عما ذكر؛ لأن ذلك معنى الثقة" ونقل السيوطي هذا الاستدراك بقوله: "قيل: كان الأفضل أن يقول بنقل الثقة؛ لأنه من جمع العدالة والضبط، والتعاريف تصان عن الإسهاب". إلا أن للذهبي رأيًا آخر معتبرًا بخصوص لفظ الثقة حيث قال: "وقد اشتَهَر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يُجرَح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يُسمَّى: (مستورًا)، ويُسمىَّ: (محلهُّ الصدق)، ويقال فيه: (شيخ) ". لذا قد يكون الجمع بين لفظ العدالة وبيان درجة ضبطه وإتقانه في حدّ الصحيح أكثر دقة ووضوح لصفات الراوي، وأبعد عن الإشكال من الاقتصار على لفظ الثقة، والله أعلم. المراجع: الزركشي، النكت، ١/ ١٠٠، السيوطي، التدريب، ٦١، الذهبي، الموقظة، ٧٨.
(٤) مسلم، الصحيح، ١/ ٧. يقول ابن حجر في مقدمته لفتح الباري: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم " ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤.
[ ٦٦ ]
وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وضعّف أحاديث وأعلّها أو توقّف في صحتها لجرح في رواتها أو في أحدهم. (١)
ولابن حبان تعريف خاص بالعدل عنده، فقد قال في كتابه الثقات: "العدْل من لم يُعرَف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلَم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده، إذ لم يُكلَّف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلِّفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المُغيّب عنهم." (٢)؛ لذا اُنتقد عليه إخراجه لأحاديث رواة مجروحين، إلا أنه برر ذلك بالشروط التي اشترطها في كتابه الثقات حيث أحال عليه، فقال في مقدمة صحيحه:
_________________
(١) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: نجده يؤكّد على اشتراط عدالة الرواة لصحة الخبر، فقال بعد أن أخرج حديثًا في كتاب الوضوء، باب الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل: "ولم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر أيضا صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه." ١/ ٢١ ح (٣٢). وأخرج حديثاّ في كتاب الصيام، تحت باب إباحة الفطر في اليوم الذي يخرج المرء فيه مسافرا من بلده ثم أعلّه بقوله: "إن ثبت الخبر! " فقال: "حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، حدثنا عبدالله بن يزيد المقرئ، حدثنا سعيد هو ابن أبي أيوب، حدثني يزيد بن أبي حبيب أن كليب بن ذهل الحضرمي حدثه، عن عبيد ابن جبير ثم أعقبه بقوله: "لست أعرف كليب بن ذهل، ولا عبيد بن جبير، ولا أقبل دين من لا أعرفه بعدالة" ٣/ ٢٦٥ ح (٢٠٤٠). وأخرج حديثاّ في كتاب الصيام، باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا، وعقّبه بقوله: "وهذا الإسناد غلط ليس فيه عطاء بن يسار، ولا أبو سعيد وعبد الرحمن بن زيد ليس هو ممن يحتج أهل التثبيت بحديثه لسوء حفظه للأسانيد، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف والموعظة والزهد، ليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الأسانيد" ٣/ ٢٣٣ ح (١٩٧٢). للاستزادة ينظر: محمد عوّامة، من مصطلح ابن خزيمة في إعلاله الحديث في صحيحه.
(٢) ابن حبان، الثقات، ١/ ١٣. وقد تعقّب ابن حجر مذهب ابن حبان بقوله في كتابه لسان الميزان: "وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه، مذهب عجيب، والجمهور على خلافه. وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه فإنه يذكر خلقا ممن ينص عليهم أبو حاتم، وَغيره على أنهم مجهولون، وكأن عند ابن حبان: أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة ولكن جهالة حاله باقية عند غيره." ا. هـ. وقد أشار الدكتور عوامة إلى اختلاف موقف ابن حجر من مذهب ابن حبان في توثيق الرواةويُجمع بين موقفه الأول النظري، وموقفه الثاني التطبيقي، بأن الأول كان أولًا من حيث الزمن، فإن فراغه من تأليف (لسان الميزان) كان سنة ٨٠٥ هـ، ولنقدِّر تاريخ البدء به قبل سنة واحدة، أما نقوله المتقدمة عن (الأمالي المطلقة) فكانت متأخرة، كان أولها آخر سنة ٨٢٨ هـ، وآخرها أواخر سنة ٨٣٠ هـ. والله تعالى أعلم.". وقال الدكتور عبدالجواد حمام ضمن نتائج بحثه الموسوم بـ (جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي): "منهج ابن حبان الذي اختطّه وأدار عليه كتابه (الثقات) فيه توسّع وتساهل في الظاهر من حيث عدّ الأصل في الرواة العدالة حتى يثبت خلافها، لكنه في الوقت نفسه لا يقبل أحاديث هؤلاء إلا بشروط نصَّ عليها، وكثير من المحدِّثين المحقِّقين يوافقونه في تطبيقاتهم وأحكامهم." المراجع: ابن حجر، لسان الميزان، ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩، حمام، جهالة الرواة، ٢/ ١١٣٧، محمد عوّامة، لمحات في بيان مذهب ابن حبان في معرفة الثقات، ٤٩ - ٥٢ باختصار.
[ ٦٧ ]
"وقد احتججنا في كتابنا هذا بجماعة قد قَدَحَ فيهم بعض أئمتنا، فمن أحب الوقوف على تفصيل أسمائهم؛ فلينظر في الكتاب المختصر من (تاريخ الثقات) يجد فيه الأصول التي بنينا ذلك الكتاب عليها، (١) حتى لا يُعرِّجَ على قدح قادح في محدِّث على الإطلاق من غير
كشفٍ عن حقيقته." (٢)
_________________
(١) "فكل من أذكره في هذا الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره؛ إذا تعرى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال: - إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره، - أو يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته. - أو الخبر يكون مرسلا لا يلزمنا به الحجة. - أو يكون منقطعا لا يقوم بمثله الحجة. - أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه، فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة سمعت أو حدثني فلا يجوز الاحتجاج بخبره " ابن حبان، الثقات، ١/ ١١ - ١٢.
(٢) صحيح ابن حبان، ينظر: الألباني، التعليقات على صحيح ابن حبان، ١/ ١٢٦. من أمثلة ذلك في صحيحه: فبعد أن أخرج حديث عبدالله بن مسعود - ﵁ - في التشهّد في الصلاة، أعقبه بقول الحسن بن الحر: "وزادني فيه محمد بن أبان بهذا الإسناد قال: فإذا قلت هذا، فإن شئت فقم." وعقّب ابن حبان بقوله: "محمد بن أبان ضعيف قد تبرأنا من عهدته في كتاب (المجروحين)." ينظر: صحيح ابن حبان، ٣/ ٣٩٦ ح (١٩٦٠). - وقد عنون لحديث بقوله: ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن هذا الخبر معلول، ذكر تحته حديث لجابر بن سمرة - ﵁ - في الترخيص في الصلاة في مَبَات الغنم وأعقبه بقوله: "أبو ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة، اسمه: جعفر، وكنية أبيه: أبو ثور؛ فجعفر بن أبي ثور، هو: أبو ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة، روى عنه: عثمان بن عبد الله بن موهب، وأشعث بن أبي الشعثاء، وسماك ابن حرب؛ فمن لم يُحكِم صناعة الحديث توهم أنهما رجلان مجهولان فتفهموا- رحمكم الله- كيلا تغالطوا فيه." المرجع السابق، ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢ ح (١١٢٣). ونبّه إلى الخلط أو الوهم بين الرواة خاصة إذا كان أحدهم ثقة أو صدوق والآخر ضعيف، وكان سبب الخلط اشتهارهم بالكنية، وروايتهم عن الشيخ نفسه، فقال بعد أن أخرج حديثًا لابن عباس - ﵁ - في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها "أبو حريز؛ اسمه: عبدالله بن الحسين قاضي سجستان. وأبو حريز -مولى الزهري- ضعيف واهٍ؛ اسمه: سليم، وجميعًا يرويان عن الزهري." المرجع السابق، ٦/ ٢٢١ - ٢٢٢ ح (٤١٠٤). وقال في كتابه الثقات: "أبو حريز اسمه عبدالله بن الحسين، أصله من البصرة، كان قاضيا بسجستان، يروي عن: الشعبي وعكرمة. روى عنه: الفضيل بن ميسرة، وليس هذا بأبي حريز مولى الزهري ذاك واه وهذا صدوق." ابن حبان، الثقات، ٧/ ٢٤ - ٢٥.
[ ٦٨ ]
وصرّح الخطابي باشتراط العدالة في رواة الصحيح، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لاختلال شرط العدالة في بعض رواتها. (١)
وقد نصّ ابن الملقن على شرط العدالة في كتابه المقنع، أما في التذكرة فقد كان تعريفه عامًا باشتراط السلامة من الطعن في الإسناد والمتن، ولا شك أن العدالة تدخل ضمنًا في تعريفه؛ إذ هي "الركن الأكبر في الرواية" (٢)، وسبق في كلام الحازمي ذِكر الإجماع على اشتراط العدالة في الراوي؛ ليُقبل خبره.
نخلص مما سبق:
أن اشتراط العدالة أو ما يقوم مقامها في حدّ الصحيح من الشروط المتفق عليها عند أهل العلم. (٣)
_________________
(١) من أمثلة ذلك للخطابي في معالم السنن: - قوله عقب حديث: «إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم ..» - سنن أبي داود كتاب الصلاة ١/ ١٦٧ ح (٦١٧) - "هذا الحديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته" ١/ ١٧٥. - وقال أيضًا عقب حديث آخر: "قد جاء في هذا الحديث إيجاب القضاء إلاّ أن الحديث إسناده ضعيف وزميل مجهول." ٢/ ١٣٥. وقال بعد حديث: «الجار أحق بشفعة جاره » -سنن أبي داود كتاب الإجارة، باب في الشفعة ٣/ ٢٨٦ ح (٣٥١٨) - قال الشيخ "عبد الملك بن أبي سليمان لين الحديث، وقد تكلم الناس في هذا الحديث." ٣/ ١٥٥.
(٢) نص على ذلك الزركشي في كتابه النكت على ابن الصلاح. الزركشي، النكت، ١/ ٩٨.
(٣) ومن المسائل التي تتعلق بالعدالة: - مسألة تفاوت العدالة، . - مسألة تقسيم العدالة إلى ظاهرة وباطنة: وقد ناقش هذه المسألة الدكتور عبدالجواد حمام، فأوضح أن العدالة في أصلها لا تتجزأ، فالراوي إما صادق أو كاذب، لكن علمنا بعدالته وحاله هو الذي يتجزَّأ، فأحدهم لا نعرف عن حاله شيئًا، والآخر نعرف استقامة ظاهره، وهناك آخر ممن زكّاه من اختبر حاله وعرف حقيقته، فمرجع التجزّؤ ليس إلى أصل العدالة وماهيتها، وإنما إلى نسبية المعرفة بالشخص، واختبار حاله. وضابط التفرقة بين العدالة الظاهرة والباطنة، أن العدالة الظاهرة: هي الإسلام، والعلم بعدم المُفسِّق. والعدالة الباطنة: هي ما أخبر به المزكّون والمُعدِّلون من تحقق صفات القبول في الراوي. المراجع: ينظر: الجزائري، توجيه النظر، ١/ ١٠١، الحسنيّ، معرفة مدار الإسناد وبيان مكانته في علم العلل، ٢/ ٩٧ - ١٠٩ باختصار، حمام، جهالة الرواة، ١/ ١٤٨ - ١٤٩.
[ ٦٩ ]
القيد الثالث: الضبط:
الضبط في اللغة: لزوم الشيء وحبْسه وحفظه وعدم مفارقته.
ورجل ضابط: حازم قوي شديد. (١)
ويراد بالضبط: اتصاف الراوي باليقظة وعدم الغفلة، وبالحفظ إن حدّث من حفظه، والإتقان إن حدّث من كتابه، مع الدراية بالمعنى إن روى الحديث بغير لفظه. (٢)
ومن طرق معرفة ضبط الراوي وحفظه ما ذكره الشافعي فقال: "ويعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له." (٣)
قال ابن الصلاح: "يُعرف كون الراوي ضابطًا، بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو
_________________
(١) يُنظر: الفراهيدي، العين، ٧/ ٢٣. ابن سِيده، المحكم، ٨/ ١٧٥. الرازي، مختار الصحاح، ١٨٢.
(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٤ - ١٠٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٥٣، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٣٧٥، وذكر الشيخ طاهر الجزائري تعريف الضابط بقوله: "الضابط من الرواة هو الذي يقل خطؤه في الرواية، وغير الضابط هو الذي يكثر غلطه ووهمه فيها، سواء كان ذلك لضعف استعداده، أو لتقصيره في اجتهاده". الجزائري، التوجيه، ١/ ١٠٥.
(٣) الشافعي، الرسالة، ٣٨٠.
[ ٧٠ ]
موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه، والله أعلم" (١).
والضبط نوعان، ذكرهما الشافعي بقوله: " حافظًا إن حدث به من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه" (٢)، وشرحهما ابن حجر فقال: "والضبط: ضبط صدر: وهو أن يُثبِت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه." (٣)
وبالنظر في تعريفات الأئمة للحديث الصحيح، نجد منهم من نصّ على اشتراط الضبط وهم كل من جاء بعد ابن الصلاح.
وإن كان ابن الملقن لم يُصرّح بهذا الشرط في كتابه التذكرة (٤) لكن ذكره في المُقنع (٥)، ومنهم من ذكر صفات الضابط أو بعضها وهم بعض من جاء قبل ابن الصلاح، فقد ذكر
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٦.
(٢) الشافعي، الرسالة، ٣٧١.
(٣) ابن حجر، نزهة النظر، ٦٩، ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ١٦٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٨، الدهلوي، أصول الحديث، ٦٢. وقال ابن الأثير -في معنى الضبط، ونوعيه-: "الضبط: وهو عبارة عن احتياطٍ في باب العلم، له طرفان. طرف وقوع العلم عند السماع، وطرف الحفظ بعد العلم عند التكلم حتى إذا سمع ولم يعلم، لم يكن شيئًا معتبرًا، كما لو سمع صياحًا لا معنى له، وإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة، لم يكن ضبطًا، وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع، لم يكن ضبطًا. ثم الضبط نوعان: ظاهر، وباطن.، فالظاهر: ضبط معناه من حيث اللغة. والباطن: ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به، وهو الفقه " ابن الأثير، جامع الأصول ١/ ٧٢، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٤.
(٤) اقتصر في تعريفه للصحيح على سلامته من الطعن في السند والمتن، وهذا التعريف مُتضمن لاشتراط الضبط على وجه العموم، أما على وجه الخصوص فيشهد لذلك تعريفه للحديث الحسن بقوله: "ما كان إسناده دون الأول في الحفظ والإتقان" فقد أشار للفرق بين الصحيح والحسن بأن راوي الحسن في درجة أدنى من الصحيح في الحفظ والإتقان، وهو ما يُطلق عليه مصطلح الضبط. ينظر: ابن الملقن، التذكرة، ١٤.
(٥) ابن الملقن، المقنع، ١/ ٤١.
[ ٧١ ]
الشافعي (١) والحميدي (٢) ومسلم من الصفات ما يكون به الراوي ضابطًا لحديثه (٣)، ومنهم من لم ينص عليها كالحاكم، حيث لم ينص على هذا القيد في تعريفه للصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث؛ إلا أنه أشار إلى شرط الاتقان في رواة الصحيح حين ذكر أقسام الصحيح في كتابه المدخل إلى الإكليل (٤).
وممن لم ينص على قيد الضبط -ممن سبق ابن الصلاح- الإمام الخطابي، وقد نقل السخاوي انتقاد العراقي لذلك، وتعقيب ابن حجر عليه فقال: "ولذلك تعقب المصنف الخطابي في اقتصاره على العدالة، وانتصر شيخنا (٥) للخطابي ; حيث كاد أن يجعل الضبط من أوصافها، لكن قال في موضع آخر (مما ظاهره المخالفة (: إن تفسير الثقة بمن
_________________
(١) تضمن تعريف كل من الشافعي والحميدي وصف الراوي بالثقة، وهذا الوصف عند المتقدمين يشمل العدالة والضبط. يُنظر: الزركشي النكت، ١/ ١٠٠. والسيوطي، التدريب، ٦١. وتوسع الشافعي بذكر صفات الراوي من حيث العدالة والضبط، ينظر: الشافعي، الرسالة، ٣٧٠ - ٣٧٢.
(٢) نفى الحميدي قبوله لحديث الواهم، ويضاف إليه ما أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل نقلًا عن الحميدي يذكر فيه معنى غفلة الراوي التي تّردّ بها روايته، وهذا متضمن لمفهوم ضبط الرواة، فقال: " فما الغفلة التي ترد بها حديث الرجل الرضا الذي لا يعرف بكذب؟ قلت: هو أن يكون في كتابه غلط فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو يغيره في كتابه؟ قولهم لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصف تصحيفًا فاحشًا فيقلب المعنى لا يعقل ذلك فيكف عنه، وكذلك من لقن فتلقن التلقين يرد حديثه الذي لقن فيه وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم أن ذلك التلقين حادث في حفظه لا يعرف به قديما فأما من عرف به قديما في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولا يؤمن ان يكون ما حفظ مما لقن." ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٣٣ - ٣٤.
(٣) وصف مسلم الرواة بالإتقان وهو من معاني الضبط.
(٤) نص الحاكم على صفة الاتقان، فقال عن القسم الأول من الصحيح المتفق عليه: "ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخارى أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة". الحاكم، المدخل إلى الإكليل، ٢٩. وأكّد على ثقة الرواة في الأقسام الأربعة الباقية من الصحيح المتفق عليه، والراوي الثقة في الغالب من جمع بين العدالة والضبط.
(٥) يقصد ابن حجر العسقلاني.
[ ٧٢ ]
فيه وصف زائد على العدالة وهو الضبط إنما هو اصطلاح لبعضهم، (ويمكن التئامهما (" (١).
وأيّد السيوطي الانتصار للخطابي فقال: "الذي يظهر لي أن ذلك داخل في عبارته، وأن بين قولنا: العدل وعدّلوه فرقًا؛ لأن المغفل المستحق للترك لا يصح أن يقال في حقه: عدّله أصحاب الحديث، وإن كان عدلًا في دينه، فتأمل.
ثم رأيت شيخ الإسلام ذكر في نكته معنى ذلك فقال: إن اشتراط العدالة يستدعي صدق الراوي وعدم غفلته وعدم تساهله عند التحمل والأداء." (٢)، ويدلل على ذلك أيضًا صنيع الخطابي في معالم السنن وتضعيفه لأحاديث بسبب وهم رواتها أو اضطرابهم في النقل. (٣)
_________________
(١) يظهر من نقل السخاوي لأقوال ابن حجر أن الوصف بالعدالة قد يحتمل الضبط عند بعضهم، وقد لا يحتمله. السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥. ملاحظة: ما بين المعقوفتين من طبعة (دار المنهاج) تحقيق: عبدالكريم الخضير، ومحمد آل فهيد، وغير موجود في طبعة (مكتبة السنة). تحقيق: علي حسين. ١/ ٢٩
(٢) السيوطي، التدريب، ١/ ٦٢.
(٣) من الأمثلة على ذلك: - بعد أن ذكر حديث أبي داود في سننه كتاب البيوع، باب في زرع الأرض بغير إذن أصحابها: "حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا شريك، عَن أبي إسحاق عن عطاء عن رافع بن خديج - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته». ٣/ ٢٦١ ح (٣٤٠٣). أعقبه الخطابي بقوله: "هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الجمال أنه كان ينكر هذا الحديث ويضعفه ويقول لم يروه، عَن أبي إسحاق غير شريك ولا عن عطاء غير أبى إسحاق وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئًا وضعفه البخاري أيضًا، وقال تفرد بذلك شريك، عَن أبي إسحاق وشريك يَهِمُ كثيرًا أو أحيانًا. ٣/ ٩٦ - وذكر حديث أبي داود في كتاب الإجارة، باب في الشفعة: "حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي، قال: حَدَّثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة سمع عمرو بن الشريد سمع أبا رافع - ﵁ - سمع النبي - ﷺ - يقول: «الجار أحق بسقبه». ٣/ ٢٨٦ ح (٣٥١٦) ثم قال: "وقد تكلم أهل الحديث في إسناد هذا الحديث واضطراب الرواة فيه، فقال بعضهم عن عمرو ابن الشريد، عَن أبي رافع، وقال بعضهم عن أبيه، عَن أبي رافع وأرسله بعضهم. وقال فيه قتادة عن عمرو بن شعيب عن الشريد والأحاديث التي جاءت في أن لا شفعة إلاّ للشريك أسانيدها جياد ليس في شيء منها اضطراب" ٣/ ١٥٤. - وذكر حديث أبي داود في كتاب الأيمان والنذور، باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عبدالله بن المبارك عن يونس عن الزهري، عَن أبي سلمة عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين.» ٣/ ٢٣٢ ح (٣٢٩٠) ثم قال معقِّبًا: "لو صح هذا الحديث لكان القول به واجبًا والمصير إليه لازمًا إلاّ أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن أرقم فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة عن عائشة فحمله عن الزهري وأرسله، عَن أبي سلمة ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولا يحيى ابن أبي كثير." ٤/ ٥٤.
[ ٧٣ ]
وقد زاد ابن حجر قيد التمام لصفة الضبط في راوي الصحيح، وتبعه بعض من جاء بعده، ولعل زيادته لهذا القيد ليمايز بين الصحيح والحسن (١)، ولعلها كذلك سبب تعقّبه لابن خزيمة في تعريفه للصحيح حيث قال:
"فلم يلتزم ابن خزيمة وابن حبان في كتابيهما أن يخرجا الصحيح الذي اجتمعت فيه الشروط التي ذكرها المؤلف، لأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أن الحسن قسم من الصحيح لا قسيمه؛ وقد صرح ابن حبان بشرطه، وحاصله أن يكون راوي الحديث عدلًا مشهورًا بالطلب غير مدلس سمع ممن فوقه إلى أن ينتهي؛ فإن كان يروي من حفظه فليكن عالمًا بما يحيل المعاني؛ فلم يشترط على الاتصال والعدالة ما اشترطه المؤلف -يعني ابن الصلاح- في الصحيح من وجود الضبط ومن عدم الشذوذ والعلة " إلى أن قال: "فإذا تقرر ذلك عرفت أن حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علة قادحة؛ وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة أنها جمعت الشروط المذكورة في حد الصحيح فلا؛ والله أعلم." (٢)
_________________
(١) وصف الضبط بالتمام، يشير إلى مسألة تفاوت الضبط بين الرواة، قال الحسني في بحثه مدار الإسناد: ولما كانت الأسباب المؤدية إلى التفاوت في الضبط كثيرة جدًا مع قلة الأسباب المؤدية إلى التفاوت في العدالة قلَّ جدًا ترجيح المحدثين بين الرواة بالعدالة، وأكثر ترجيحاتهم ترجع إلى أمور تتعلق بالضبط، لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية ولابد من اشتراك من يُقبل حديثه من الرواة في أصل العدالة، والتفاضل فيها طفيف مقارنة بالضبط التي تتفاوت مراتبه تفاوتًا بيّنًا المراجع: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٩٧، ابن حجر، النزهة، ٧١ - ٧٢، السيوطي، البحر الذي زخر، ٣/ ١٢٤٧، القاري، شرح شرح نخبة الفكر ٢٥٦، الحسني، مدار الإسناد، ٢/ ١٠٨ - ١٠٩ باختصار، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ١٠٠.
(٢) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٩٠ - ٢٩١.
[ ٧٤ ]
فابن خزيمة لم ينصّ على شرط الضبط؛ لكنه قد يُفهم من قوله "ولا جرح في ناقلي الأخبار" أنه يشترطه، ويدلل على ذلك صنيعه في كتابه الصحيح، وإعلاله أحاديث بسبب الطعن في ضبط رواتها (١)،
وقد يُثار تساؤل حول السبب في انتصار ابن حجر للخطابي وتضمين معنى الضبط في تعريفه للصحيح -رغم عدم تنصيص الخطابي عليه- وفي المقابل تعقّبه لابن خزيمة رغم اشتراطه نفي الجرح عن الرواة؟
ولعل الجواب على ذلك: لأن الخطابي مايز بين الصحيح والحسن، وعرّف كل منهما بتعريف مستقلّ، بينما ابن خزيمة، وتلميذه ابن حبان لم يذكرا ما يفرّقا بين الصحيح والحسن أو كما قال ابن حجر: "لأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أن الحسن قسم من الصحيح لا قسيمه؛ " هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن نفي الجرح عن الرواة لا يعني اتصافهم بأعلى درجات الضبط والإتقان المطلوبة في الصحيح، حيث شرط الصحيح -عند ابن حجر ومن وافقه- يتطلّب مزيد ضبط من الرواة؛ لذا تعقّب ابن خزيمة وابن حبان في ذلك، وهذا لا ينفي اشتراطهم مجمل ضبط الراوي لمروياته. (٢)
_________________
(١) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: تعليله بعض الأحاديث بشكه في ضبط راويه أو سوء حفظه أو وهمه، حيث قال: "في القلب من النعمان بن راشد فإن في حديثه عن الزهري تخليط كثير" وكان هذا سبب تردده في إثبات الخبر، وذلك بعد أن أخرجه من حديث النعمان عن الزهري في باب إعادة الخطبة الثانية بعد صلاة الاستسقاء، ح ١٤٢٢، ٢/ ٣٣٨. وأيضًا جاء عنه في: "باب ذكر شهود من كان خارج المدن الجمعة مع الإمام إذا جمع في المدن إن صح الخبر؛ فإن في القلب من سوء حفظ عبد الله بن عمر العمري ﵀" ٣/ ١٧٧، ح (١٨٦٠)، وقال أيضًا في: " باب الرخصة في الشرب في الطواف إن ثبت الخبر؛ فإن في القلب من هذا الإسناد، وأنا خائف أن يكون عبد السلام أو من دونه وهم في هذه اللفظة أعني قوله: في الطواف" ٤/ ٢٢٦، ح (٢٧٥٠). للاستزادة ينظر: عوّامة، مصطلح ابن خزيمة في إعلال الحديث.
(٢) يدلل على ذلك صنيع ابن حبان في كتابه الثقات، حيث يذكر فيه الرواة الثقات عنده، ويميّز بين بعض مروياتهم التي وقع فيها وهم أو اضطراب ومن ذلك: - قوله عن عكرمة بن عمار العجلي، وإدخاله في طبقة التابعين؛ "لأن له لقيا وسماعًا من الصحابي، ومتى صح ذلك دخل في جملة التابعين، سواء قلت روايته أو كثرت، وأما روايته عن يحيى ابن أبي كثير ففيه اضطراب، كان يحدث من غير كتابة." ٥/ ٢٣٣. - وقوله عن: "جرير بن حازم بن زيد الأزدي العتكي، كان يخطئ؛ لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه، وكان شعبة يقول: ما رأيت بالبصرة أحفظ من رجلين هشام الدستوائي، وجرير بن حازم" ٦/ ١٤٤. - ويظهر كذلك تفاوت الرواة عنده حسب حفظه وإتقانهم في مفاضلته بين حماد بن زيد، وحماد بن سلمة فقال: "ما كان حماد بن زيد يحدث إلا من حفظه، وقد وهم من زعم أن بينهما كما بين الدينار والدرهم لأن حماد بن زيد كان أحفظ وأتقن وأضبط من حماد بن سلمة، كان اللهم إلا أن يكون القائل بهذا أراد فضل ما بينهما في الفضل والدين؛ لأن حماد بن سلمة كان أدين وأفضل وأورع من حماد بن زيد، ولسنا ممن يطلق الكلام على أحد بالجزاف بل نعطى كل شيخ قسطه وكل راو حظه." ٦/ ٢١٧.
[ ٧٥ ]
قال السخاوي: "وعلى كل حال فاشتراطه (أي: الضبط (في الصحيح لا بد منه، والمراد التام كما فهم من الإطلاق المحمول على الكامل، وحينئذ فلا يدخل الحسن لذاته المشترط فيه مسمى الضبط" (١)، أي بشكل عام، فراويا الحديث الصحيح والحديث الحسن لذاته يجتمعان في اشتراط الضبط، وإنما يتميّز راوي الصحيح عن راوي الحسن لذاته بتمامه. (٢)
نخلص مما سبق:
أن التنصيص على شرط الضبط في رواة الصحيح إنما كان ظاهرًا في تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح؛ بل وزاد ابن حجر وصف التمام على الضبط؛ ليكون مُميزًا لدرجات رواة الصحيح عن الحسن- كما سيأتي بيانه في تعريف الحسن- وأما من كان قبل ابن الصلاح، فقد كانت صفة الضبط للراوي متضمنة لدى بعضهم فيما ذكروه من صفات الرواة، أو من صنيعهم بردّ أحاديث وتعليلها للشك في ضبط الراوي أو سوء حفظه كما في صحيح ابن خزيمة.
_________________
(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩.
(٢) قال ابن حجر: "وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته فإن خف الضبط-أي: قَلّ والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح - فهو الحسن لذاته" ينظر: ابن حجر، النزهة، ٦٧ - ٧٨ باختصار، وسيأتي تفصيل المراد بالحديث الحسن في الفصل الخاص به.
[ ٧٦ ]
القيد الرابع: السلامة من الشذوذ (نفي الشذوذ) (١):
الشذوذ في اللغة: يأتي بمعنى: الانفراد والمفارقة. (٢)
وقد اُختلف في تعريف الشاذ في الاصطلاح إلى ثلاث معانٍ رئيسية حسب ما ذكرها ابن الصلاح في مقدمته فنقل عن الشافعي قوله: "ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس" (٣).
ثم نقل تعريف الخليلي (٤) للشاذ بأن "الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (٥).
وأتبعه بقول الحاكم: "أن الشاذ هو الحديث الذي يتفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة" (٦). وعقّب بتوضيح أكثر لمراد الحاكم بمعنى الشذوذ، والفرق بين الشاذ والمعلل فقال: "وذكر أنه يغاير المعلل من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك" (٧).
_________________
(١) سيأتي التفصيل في بيان معنى الحديث الشاذ بشكل أوسع وذلك في الفصل الخاص بالحديث الشاذ.
(٢) ينظر مادة (شذّ): الفراهيدي، العين، ٦/ ٢١٥، ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١٨٠.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه آداب الشافعي ومناقبه، والخطيب البغدادي في كتابه الكفاية. ينظر: ابن أبي حاتم، آداب الشافعي ومناقبه، ٢٣٣، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤١.
(٤) الخليل بن عبدالله بن أحمد القزويني الحافظ، أبو يعلى الخليلي. قاض من أئمة وحفاظ الحديث العارفين بعلله وبرجاله. له كتاب: (الإرشاد في معرفة المحدّثين). مات سنة ٤٤٦ هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ،،٣٤٠. ابن العماد، الشذرات،، ٥/ ١٩٩. الزركلي، الأعلام،،٢/ ٣١٩.
(٥) ينظر: الخليلي، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
(٦) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١١٩.
(٧) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٦ - ٧٧.
[ ٧٧ ]
وبعد أن ذكر ابن الصلاح مذاهب العلماء في الحديث الشاذ- وتعقّب واستدرك-؛ خلص - ﵀- إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: "الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (١)
وقد سبق في تحرير قيد ضبط الرواة في الصحيح تضمّن تعريفات الأئمة لاشتراط الضبط في الراوي سواء: بالتنصيص على ذلك، أو بصنيعهم في تعليل الحديث أو تضعيفه أو نزوله عن رتبة الصحيح؛ لانخرام شرط ضبط راويه؛ وعليه فيخرج من حدّ الصحيح القسم الثاني الذي ذكره ابن الصلاح لنوعيّ الشذوذ وهو: - (الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط) - باشتراط ضبط الرواة أو تمامه (٢)، ويقتصر معنى الشذوذ المنفي في الصحيح على القسم الأول وهو: الفرد المخالف.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) قال الزركشي في النكت: "هلا اكتفى بقوله: (الضابط) عن قوله: (ولا يكون شاذا)، لأن الضبط عبارة عن موافقة الثقات فيما يروونه، فإن خالفهم لم يكن ضابطا، وهذا معنى الشاذ؟ فالجواب عن ذلك: أن مخالفة الثقات على قسمين: غالبة، ونادرة. فمتى خالف الثقات فيما رواه غالبا لم يكن حافظًا، ومتى خالفهم نادرًا ولو في حديث واحد كانت مخالفته شذوذا، فاحتاج المصنف أن يذكر في حد الصحيح السلامة من الشذوذ وكون الراوي ضابطا". وقال نور الدين عتر: "والحقيقة أن نفي الشذوذ يتحقق بالشروط السابقة، لكنهم صرحوا بانتفائه؛ لأن الضبط ملكة عامة بالنسبة لجملة أحاديث الراوي، إلا أنه قد يحتمل أن يقع منه وهم في حديث ما، دون أن يفقد صفة الضبط لسائر حديثه، فهذا يخل بصحة الحديث الذي وهم فيه فقط، لذلك صرحوا بنفي الشذوذ." المراجع: الزركشي، النكت، ١/ ١٠٢، عتر، منهج النقد، ٢٤٣.
[ ٧٨ ]
وهذا ما أكده كلٌ من الزركشي وابن حجر - في تنكيتهما على كتاب ابن الصلاح- حين شرحا قيد نفي الشذوذ في حدّ الحديث الصحيح، فذكرا أن المراد بالشذوذ المنفي في حدّ الصحيح هو: المخالفة (١).
ورجحه السيوطي أيضًا فقال: "قيل: لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال؛ أحدها: مخالفة الثقة لأرجح منه. والثاني: تفرد الثقة مطلقًا. والثالث: تفرد الراوي مطلقًا. ورد الأخيرين؛ فالظاهر أنه أراد هنا الأول." (٢)
وبالنظر في تعريفات الأئمة للحديث الصحيح، وما وضعوه من شروط في الراوي والمروي، نجد أن قيد نفي الشذوذ قد ذكره الشافعي حين نفى عن الراوي للصحيح وصف التدليس وعطف عليه نفي المخالفة بقوله: "بريًا من أن يكون مدلسًا، يحدث عمّن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي - ﷺ - ما يحدث الثقات خلافه عن النبي - ﷺ - " أي: وبريًّا من المخالفة كذلك، وتحديث الثقة بما يخالف رواية الثقات هو ما اختاره الشافعي تعريفًا للشذوذ.
أما الحميدي فقد عدد ما قد يُردّ به حديث الراوي من: الوهم، والكذب، والنسيان، وغير ذلك إلى أن قال: "وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال"، وفي موضع آخر نجده يتحدث عن ضبط الراوي وحفظه لكتابه، وصيانة مروياته عن المخالفة، وذلك لما للمخافة من أثر في ردّ الحديث وطرحه، فقال:
_________________
(١) قال الزركشي في النكت: "من شرط الحكم على الحديث بالصحة ألا يكون شاذًا والشاذ أن يروي الثقة حديثًا مخالفًا لرواية من هو أحفظ منه [وأضبط] "، وقال ابن حجر في النكت: "مراده بالشاذ هنا ما يخالف الراوي فيه من هو أحفظ منه أو أكثر كما فسره الشافعي. لا مطلق تفرد الثقة كما فسره به الخليلي. فافهم ذلك. وللمخالفة شرط يأتي في نوع زيادة الثقة." ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ١٠١ - ١٠٢، ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٢) السيوطي، التدريب، ١/ ٦٤.
[ ٧٩ ]
"من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه ولا ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث، أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره، فلا يطرح حديثه ولا يكون ضارا ذلك له في حديثه؛ إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره إذا اقتصر على كتابه، ولم يقبل التلقين (١)." (٢)
فما ذكره الحميدي يتضمن اشتراطه خلو حديث الراوي من المخالفة في المتن والإسناد لكيلا يُردّ، وإن لم يُسمّ ذلك شذوذًا.
أما مسلم فلم ينص على نفي الشذوذ - في مقدمة صحيحه- في حين أن ابن الصلاح قال: "شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر" (٣)، ولعله استنتج ذلك من صنيع الإمام مسلم في كتابه الصحيح، أو فهمه من مقدمته لكتاب التمييز؛ حيث أوضح الإمام مسلم أن المخالفة من الراوي- وإن كان حافظًا- لغيره من الرواة الحفّاظ؛ تنفي الصحة عن الحديث - وإن لم يسمّه شذوذًا- فقال: "فيُعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظًا." (٤)
_________________
(١) التلقين في اللغة: التفهيم، والمتلقن المتفهم، وهو يقبل على ما يُفهِّمه من غير منازعة، ولا توقف. وفي العرف: إلقاء كلام إلى الغير ابتداء، أو يكون ذلك عند غياب شيء مما يحدث به عنه فيتوقف، يدعي من يلقنه أن ذلك الذي لقنه له هو الذي غاب عنه، والتلقين في الحديث: وهو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه. فقبول كل ما يلقى من ذلك قادح في الراوي. ينظر: المراجع: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٦٦، البقاعي، النكت، ١/ ٥٨٣، ٢/ ١٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٤٠١.
(٢) ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٢٧.
(٣) ابن الصلاح، صيانة مسلم، ٧٢.
(٤) ثم قال: "على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم". مسلم، التمييز، ١٧٢.وكتابه مليء بذكر أمثلة على مخالفة الراوي (ثقة أو صدوق أو ضعيف) لغيره من الحفاظ في سند الحديث ومثنه، ومن أمثلة ذلك: =
[ ٨٠ ]
وقد نقل السيوطي تعقيب ابن حجر - لما ذكره ابن الصلاح، وتخريجه له- بقوله: "ولم يتبين لي أخذه انتفاء الشذوذ من كلام مسلم، فإن كان وقف عليه من كلامه في غير مقدمة صحيحه فذاك، قال: ثم ظهر لي مأخذ ابن الصلاح، وهو أنه يرى أن الشاذ والمنكر اسمان لمسمى واحد. وقد صرح مسلم بأن علامة المنكر أن يروي الراوي عن شيخ كثير الحديث والرواة شيئا ينفرد به عنهم، فيكون الشاذ كذلك فيشترط انتفاؤه." (١)
وكذلك لم ينص ابن خزيمة على اشتراط نفي الشذوذ في حدّ الصحيح، ولكن قد يدخل ذلك ضمنًا في نفيه تجريح الراوي بشكل عام -كما سبق في قيد الضبط- وقد يدخل ضمنًا
_________________
(١) = - ما أخرجه في كتابه التمييز وعنون له بقوله "ومن الاخبار المنقولة على الوهم في الاسناد والمتن جميعا" وذكر تحته خطأ أيمن بن نابل في حديث التشهد، فقال: "حدثنا أبو بكر، ثنا أبو خالد، عن أيمن عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي - ﷺ - «أنه كان يقول بسم الله وبالله والتحيات لله». سمعت مسلما يقول: فقد اتفق الليث وعبدالرحمن بن حميد الرؤاسي عن أبي الزبير عن طاووس. وروى الليث، فقال: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وكل واحد من هذين -عند أهل الحديث- أثبت في الرواية من أيمن. ولم يذكر الليث في روايته حين وصف التشهد: بسم الله وبالله. فلما بان الوهم في حفظ أيمن لإسناد الحديث، بخلاف الليث وعبدالرحمن إياه دخل الوهم أيضا في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه. وقد روي التشهد عن رسول الله - ﷺ - من أوجه عدة صحاح. فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته قوله: بسم الله وبالله. ولا ما زاد في آخره من قوله: أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار. والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم. المرجع السابق، ١٨٨ - ١٨٩ ح (٥٨ - ٥٩). - من الأمثلة كذلك حديث الاستسعاء، حيث عنون له بقوله: "ومن الحديث الذي في متنه وهم" فقال: حدثنا ابن نمير، ثنا أبي، ثنا حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ - «من أعتق نصيبًا له في عبد، ضمن لأصحابه في ماله، ثم ذكر الطرق الأخرى الصحيحة. ينظر: المرجع السابق، ١٩٠ - ١٩١ ح (٦١ - ٦٢).
(٢) السيوطي، التدريب، ٦٨.
[ ٨١ ]
كذلك في شرط انتفاء العلة - كما سيأتي في قيد نفي العلة- بل إن صنيعه في صحيحه وتعليله لأحاديث بسبب مخالفة الراوي أو تفرّده غير المحتمل يشهد لذلك. (١)
أما تلميذه ابن حبّان فله نقول كثيرة في كتابيه (الثقات) و(المجروحين) يُبيّن فيها أثر مخالفة الراوي للثقات في ردّ ذلك الحديث الذي وقعت فيه المخالفة (٢)، وأثر كثرة مخالفة
_________________
(١) من أمثلة ذلك: في صحيح ابن خزيمة وتعليله لبعض الأحاديث بسب مخالفة الراوي أو تفرّده غير المحتمل: - ما أخرجه في صحيحه كتاب الصلاة، باب كراهة تسمية صلاة العشاء عتمة، فقال: " نا عمار ابن خالد الواسطي، نا محمد وهو ابن يزيد وهو الواسطي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبدالله ابن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: «وقت الظهر إلى العصر، ووقت العصر إلى اصفرار الشمس ١/ ١٨٢ ح (٣٥٤). ومحمد بن يزيد الواسطي، قال عنه ابن حجر: "ثقة ثبت عابد"، إلا أنه روى لفظة عن شعبة مخالفة لما رواه أصحاب شعبة عنه. ينظر: ابن حجر، التقريب، ٥١٤ (٦٤٠٣). - وأخرج كذلك في صحيحه كتاب الصلاة باب إجازة الصلاة في الثوب الذي يخالطه الحرير فقال: "نا عمر بن حفص الشيباني، حدثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبدالله، عن عقبة بن عامر، عن عمر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - «صلى في فروج من حرير، ثم لم يلبث أن نزعه» وحدثنا به بندار، وأبو موسى قالا: (ثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبدالله اليزني، - إتحاف المهرة (١٣٨٨٦) (عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله - ﷺ -، ولم يذكرا عمر هذا هو الصحيح، وذكر عمر في هذا الخبر وهم، وإنما الصحيح عن عقبة بن عامر: رأيت النبي - ﷺ -. ١/ ٣٧٩ ح (٧٧٣ - ٧٧٤). - وأخرج أيضًا في صحيحه كتاب الصيام، باب ذكر الدليل على أن قيام شهر رمضان سنة النبي - ﷺ - خلاف زعم الروافض الذين يزعمون أن قيام شهر رمضان بدعة لا سنة، فقال: "حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، حدثنا نوح بن قيس الخزاعي (صوابه: الحُدّاني كما في إتحاف المهرة (١٣٥١٦) وهو على الصواب في طبعة ماهر الفحل (٢٢٠١)، وكذا في الطبعة الثانية عند العظمي (، حدثنا نصر بن علي، عن النضر بن شيبان، عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن قال: قلت لأبي سلمة: ألا تحدثنا حديثا سمعته من أبيك، سمعه أبوك من رسول الله - ﷺ -؟ فقال: بلى، أقبل رمضان، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن رمضان شهر افترض الله صيامه، .٣/ ٣٣٥ ح (٢٢٠١). والنضر بن شيبان الحدّاني ممن لا يُحتمل تفرّده، قال عنه ابن حجر: "لين الحديث". ينظر: ابن حجر، التقريب، ٥٦٢ (٧١٣٦). للاستزادة من الأمثلة ينظر: بلعمري، الحديث الشاذ عند المحدثين ٣٥ - ٣٩. عوّامة، مصطلح ابن خزيمة في إعلال الحديث،
(٢) من أمثلة ذلك: أنه قال - في كتابه الثقات- في ترجمة: معقل بن عبيدالله الجزري، =
[ ٨٢ ]
الراوي للثقات في ترك الاحتجاج بخبره، ومتى يُحتمل تفرّد الراوي؟ ومتى لا يُحتمل منه ذلك؟ . (١)
أما الشذوذ عند الحاكم فهو في الغالب إذا أطلقه على الحديث أُريد به التفرّد الذي يُستغرب ويُستنكَر لغموضٍ في علته، وكان شذوذًا مردودًا، وإن قُرن وصف الشذوذ بالصحة أُريد
_________________
(١) = "وكان يخطئ، لم يفحش خطؤه فيستحق الترك، وإنما كان ذلك منه على حسب ما لا ينفك منه البشر، بل يحتج بخبر من يخطئ ما لم يفحش ذلك منه، فإذا فحش حتى غلب على صوابه ترك حينئذ. ومتى ما علم الخطأ بعينه وأنه خالف فيه الثقات ترك ذلك الحديث بعينه واحتج بما سواه هذا حكم المحدثين الذين كانوا يخطؤن ولم يفحش ذلك منهم" ابن حبان، الثقات، ٧/ ٤٩١ - ٤٩٢ باختصار. - وقال - في كتابه المجروحين-: "والذي عندي في سويد بن عبدالعزيز تنكب ما خالف الثقات من حديثه والاعتبار بما روى مما لم يخالف الأثبات والاحتجاج بما وافق الثقات وهو ممن أستخير الله ﷿ فيه لأنه يقرب من الثقات." ١/ ٣٥١. وقال كذلك في ترجمة عبدالله بن عبدالله بن أويس بن أبي عامر الأصبحي: "كان ممن يخطئ كثيرًا لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولا هو ممن سلك سَنَن الثقات فيسلك مسلكهم. والذي أرى في أمره تنكب ما خالف الثقات من أخباره والاحتجاج بما وافق الأثبات منها. وكان يحيى ابن معين يوثقه مرة ويضعفه أخرى." ابن حبان، المجروحين، ٢/ ٢٤.
(٢) من أمثلة ذلك: ما فصّله في ترجمة يحيى بن عبد الله بن الضحاك البَابلُتِّيُّ في كتابه المجروحين، حيث قال: "فهو عندي فيما انفرد به ساقط الاحتجاج وفيما لم يخالف الثقات معتبر به، وفيما وافق الثقات محتج به، ولا يَتوهمن مُتوهِّم أن ما لم يخالف الأثبات هو ما وافق الثقات؛ لأن ما لم يُخالف الأثبات هو ما رَوَى من الروايات التي لها أصول من حديث رسول الله - ﷺ -، وإن أتى بزيادة اسم في الإسناد أو إسقاط مثله مما هو محتمل في الإسناد. وأما ما وافق الثقات فهو ما يروي عن شيخ سَمِع منه جماعة من الثقات، وأتى بالشيء على حسب ما أَتوْا به عن شيخه، وما انفرد من الروايات هو زيادة ألفاظ يرويها عن الثقات، أو إتيان أصل بطريق صحيح، فهذا غير مقبول منه، لما ذكرنا من سوء حفظه وكثرة خطئه، وأنه ليس بالمحل الذي تُقبل مفاريده، وإنما تقبل المفاريد إذا كان رواتها عدولٌ عاقلون، يعقلون ما يحدثون عالمون بما يحيلون من معاني الأخبار وألفاظها، فأما الثقة الصدوق إذا لم يكن يعلم ما يحيل من معاني الأخبار، وحدث من حفظه ثم انفرد بألفاظ عن الثقات لم يستحق قبولها منه؛ لأنه ليس يعقل ذلك، ولعله أحاله متوهما أنه جائز، فمن أجل ما ذكرنا لم تقبل الزيادة في الأخبار إلا عمن سمينا من العدول على الشرط الذي وضعنا." ملاحظة: علمًا أنني اعتمدت في نقل هذا النص على طبعة دار الصميعي، وذلك لأن المعنى لم يستقم عندي وشككت بوجود سقط وتحريف في النصّ في طبعة حلب ٣/ ١٢٧ - ١٢٨، وبالفعل وجدته كذلك، فاستدركته من الطبعة الأخرى. ينظر: ابن حبان، كتاب المجروحين من المحدثين، تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي، ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (١٢٢٠).
[ ٨٣ ]
به المعنى اللغوي للشذوذ، وهو: التفرّد والانفراد، يدل على ذلك الأحاديث التي وصفها بالشذوذ في كتبه. (١)
أما بالنسبة لمخالفة الراوي لغيره من الثقات، فإنه وإن لم يُسمّه شذوذًا، فإنه قد صرّح بأن المخالفة من الراوي سبب لردّ حديثه، حيث قال في كتابه معرفة علوم الحديث في النوع الثامن عشر بيان معرفة الجرح والتعديل:
"وأصل عدالة المحدث أن يكون مسلمًا لا يدعو إلى بدعة، ولا يعلن من أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته، فإن كان مع ذلك حافظا لحديثه، فهي أرفع درجات المحدثين، وإن كان صاحب كتاب فلا ينبغي أن يحدث إلا من أصوله، وأقل ما يلزمه أن يحسن قراءة كتابه على ما ذكرته في أول هذا الكتاب من علامات الصدق على الأصول، وإن كان المحدث غريبًا لا يقدر على إخراج أصوله فلا يكتب عنه إلا ما يحفظه إذا لم يخالف الثقات في حديثه، فإن حدث من حفظه بالمناكير التي لا يتابع عليها لم يؤخذ عنه" (٢)
_________________
(١) قال ابن حجر في النكت- مُعلّقًا على الحديث الثالث الذي ذكره الحاكم كمثال على الشذوذ-: "وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه من هذا الوجه، والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذًا، ولا مشاحة في التسمية"، وجمع الباحث بلعمري في كتابه (الحديث الشاذ)، ثلاثة عشر مثالًا للأحاديث التي أطلق عليه الحاكم وصف الشذوذ -من كتب الحاكم كالمستدرك والمعرفة والمدخل، وبعض الأمثلة نُقلت عنه- وخَلُص الباحث بعد دراسته للأمثلة إلى أن الحاكم حين أطلق وصف الشذوذ على بعض الأحاديث أراد بذلك غالبًا: المعنى الاصطلاحي من إطلاق الشذوذ على التفرّد غير المحتمل من الراوي إما لضعف الراوي أو كونه ممن يُحتمل تفرّده لكنه يخالف فيما يرويه، بينما أطلق في بعض الأمثلة لفظ الشذوذ مقرونًا بالصحة، وأراد به المعنى اللغوي للشذوذ أي: كونه حديثًا فردًا. ينظر المراجع: ابن حجر، النكت، ٢/ ٢٧٠ - ٦٧١، بلعمري، الحديث الشاذ، ١٩٠ - ٢٠٥ باختصار. ينظر كذلك: اللحياني، الحديث الشاذ عند المحدثين، ١٦ - ١٧.
(٢) الحاكم، علوم الحديث، ٥٣.
[ ٨٤ ]
وقال السخاوي فيما يخص اشتراط نفي الشذوذ والعلة من حدّ الصحيح: "وهذان: الرابع والخامس من الشروط، وهما سلبيان بمعنى اشتراط نفيهما، ولا يخدش في ذلك عدم ذكر الخطابي لهما; إذ لم يخالف أحد فيه." (١)
ويشير كلامه إلى أن عدم ذكر الخطابي لهما في تعريفه للصحيح لا يدل على عدم اشتراط نفيهما لصحة الحديث؛ بل إن تعليله أحاديث في كتابه معالم السنن للتفرّد غير المحتمل من الراوي أو مخالفته يدل على اعتباره لذلك (٢).
أما من جاء بعد ابن الصلاح، فقد تابعه معظمهم في ذكر هذا القيد في حدّ الصحيح، ونصّوا عليه سوى من أجمل تعريفه، واقتصر على اشتراط السلامة من القدح أو الطعن في السند والمتن بشكل عام- وقد يدخل نفي الشذوذ في ذلك ضمنًا- كابن الملقّن (٣) في التذكرة، بينما نصّ على ذلك في كتابه المقنع.
نخلص مما سبق:
أن ابن الصلاح أشار إلى أن أبرز تعريفات الحديث الشاذ عند العلماء تدور حول معانٍ ثلاثة:
_________________
(١) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠.
(٢) من ذلك: في سنن أبي داود كتاب البيوع، باب في الشفعة، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، أخبرنا عبدالملك، عن عطاء، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا». ٣/ ٢٨٦ ح (٣٥١٨). قال الخطابي في معالم السنن: "عبدالملك بن أبي سليمان: لين الحديث، وقد تكلم الناس في هذا الحديث. وقال الشافعي: نخاف أن لا يكون محفوظًا وأبو سلمة حافظ، وكذلك أبو الزبير ولا يعارض حديثهما بحديث عبدالملك. وحكي عن شعبة أنه أنكر هذا الحديث وقال إن روى عبدالملك حديثا آخر مثل هذا تركت حديثه. وجعله بعضهم رأيًا لعطاء أدرجه عبدالملك في الحديث، وقال أبو عيسى الترمذي: قلت لمحمد بن إسماعيل في هذا، فقال: تفرد به عبدالملك، وروي عن جابر خلاف هذا." ٣/ ١٥٥.
(٣) والجعبري في رسوم التحديث حيث اختصر ذلك بالسلامة من القادح في الحديث الصحيح بشكل عام، فقال معرفا للصحيح: "ما نقله العدل الضابط عن مثله من أوله إلى آخره، سالما من قادح". ينظر: الجعبري، الرسوم، ٥٤.
[ ٨٥ ]
١ - مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
٢ - تفرد الثقة بما لا أصل له ولا متابع.
٣ - تفرد الشيخ (وهو ما دون مرتبة الثقة) بما لا متابع له.
وبالرغم مما قد يظهر من اختلاف في تعريف الأئمة للشذوذ والحديث الشاذ؛ إلا أنهم شبه مجمعين على أن مخالفة الراوي للثقات - وإن لم يُطلق عليها بعضهم وصف الشذوذ- فهي مؤثرة وقادحة في صحة الحديث؛ لذا فإن أغلب من سبق ابن الصلاح اشترط لثبوت الرواية: ضبط الراوي، وعدالته، وعدم وقوع الوهم منه، وعدم مخالفته للثقات، وغير ذلك من الشروط والصفات التي تدل على ضبط الراوي وإتقانه، وإن لم ينصّوا على نفي الشذوذ بلفظه.
بينما غالب تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح تضمنت نفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وأشاروا إلى أن المراد بالشذوذ هنا هو المخالفة؛ حيث رجّح ابن القيم (١) تعريف الشافعي للشاذ فقال: "إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثا منفردًا به- لم يرو الثقات خلافه-: فإن ذلك لا يُسمّى شاذًا، وإن اصْطُلِح على تسميته شاذًا بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مُسوّغًا له." (٢) يُشير بذلك: إلى أن إطلاق وصف الشذوذ على تفرّد بعض الثقات برواية
ما لا يُتابع عليه لا يؤثر على صحة الرواية، إنما يؤثر عليها فيما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئًا، فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عددًا، أو أكثر ملازمة منه. قال السخاوي: "والمحدثون
_________________
(١) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزّرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي، شمس الدّين أبو عبدالله، المجتهد المطلق، المفسّر النّحويّ الأصولي، المتكلم، الشهير بابن قيم الجوزية. ألّف تصانيف كثيرة منها: (إعلام الموقعين) و(زاد المعاد) و(مدارج السالكين) وغيرها. مات سنة ٧٥١. ينظر: ابن العماد، الشذرات، ٨/ ٢٨٧. الزركلي، الأعلام، ٦/ ٥٦.
(٢) ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان، ١/ ٥٢٢.
[ ٨٦ ]
يسمونه شاذًا; لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه، عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذ فرَدُّ قول الجماعة بقول الواحد بعيد" (١)، فمخالفة الثقة لغيره من الثقات في الغالب تكون قرينة الغلط والوهم إلا إن دلت القرائن على قبولها (٢)،
_________________
(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠.
(٢) حالات يقبل فيها العلماء رواية الثقة، وإن خالف من هو أوثق منه: (لكنها ليست مطّردة دائمًا)
(٣) أن يكون الراوي من أثبت الناس في الشيخ المختلف عليه، فتُقبل روايته - في الجملة- وإن خالف أكثر منه عددًا أو وصفًا.
(٤) أن يكون المخالِف من الأئمة المشاهير.
(٥) أن يأتي راوٍ آخر-غير الثقة المخالِف، وغير الجماعة الذين خالفوه- فيروي الحديث على الوجهين.
(٦) أن يكون الشيخ المختلف عليه مُكثرًا واسع الرواية، فيمكن أن يُحمل الحديث على ما رواه الفرد والجماعة.
(٧) أن يكون لهذا المخالِف رواية أخرى يوافق فيها رواية الجماعة الذين خالفهم، فيدل على أنه عنده ما عندهم، بل عنده زيادة علم ليست عندهم.
(٨) أن يكون المخالِف من الصحابة، فإن زيادة الصحابة على غيره من الصحابة مقبولة باتفاق المحدثين.
(٩) أن يكون المخالِف صاحب كتاب، وحدّث من كتابه، ومن خالفه ليس كذلك.
(١٠) إذا احتفّ حديث المخالِف بقرائن خارجية تدل على أن الحديث محفوظ، كأن يروي مع الحديث قصة.
(١١) إذا روى الجماعة عن مدلِّس بالعنعنة، ورواه عنه واحد فصرّح في رواية المدلس بالسماع من واسطة عن شيخه في رواية الجماعة أو الأوثق، قُبلت رواية الواحد.
(١٢) إذا كان الإسناد يدور على راوٍ، وقد عُرف بأن هذا الراوي إذا شك في الحديث نقص منه، وروى عنه جماعة أو الأحفظ الحديث ناقصًا، ورواه واحد عنه تامًا، فقد يُحمل الحديث على الوجهين. ينظر: السليماني، الجواهر السليمانية، ٣٠٤ - ٣٠٦ باختصار. مع تأكيد المؤلف إلى أن: كون معظم هذه الحالات غير مطردة بل تخضع لنظر نقاد الحديث حسب القرائن المحتفة بالرواية، وينظر كذلك: رد الشيخ مقبل الوادعي -﵀- بخصوص قرائن الترجيح -ضمن إجابته على سبب اختلاف مذاهب العلماء في زيادة الثقة - فقال: "وهكذا إذا وجدت زيادة ثقة ولم تجد للعلماء المتقدمين فيها كلامًا لا تصحيحًا ولا تضعيفًا ترجع إلى تعريف الإمام الشافعي في الشاذ، أن الشاذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وتقارن بين الصفات وبين العدد، فربّ شخص يعدل خمسة، فلا تقارن بين العدد فقط. مثل يحيى بن سعيد القطان، أو سفيان بن سعيد الثوري لو خالفه اثنان أو ثلاثة ممكن أن تجعل الحديث مرويًّا على الوجهين، وقد قال الدارقطني في "التتبع" بعد أن ذكر جماعةً خالفوا يحيى بن سعيد القطان يرويه عن عبيدالله عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وجماعة يروونه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة. فيحيى بن سعيد تفرد بزيادة عن أبيه. ثم بعد أن ذكر الدارقطني الجمع الكثير الذين يخالفون يحيى ابن سعيد قال: ولعل الحديث روي على الوجهين، فقد هاب الدارقطني أن يقول: إن يحيى بن سعيد شاذ. إذا تساوت الصفتان يحمل على أن الحديث روي على الوجهين وأنصح أن يرجع إلى ما ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه "علل الحديث للترمذي" و"توضيح الأفكار" للصنعاني وما كتبته في "الإلزامات والتتبع". الوادعي، المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح، ١٥٠ - ١٥١.
[ ٨٧ ]
بينما الحال في تفرّد الثقة على العكس ففي الغالب مقبول ما لم تدل قرينة على خطئه أو وهمه.
و"بعض الناس يفسرون الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة" (١) وإطلاق الشذوذ على الحديث الصحيح أو الجمع بين وصفيّ الصحة والشذوذ يُحمَل على المعنى اللغوي كما ذكر ابن القيم (٢)، وهو الانفراد أو التفرّد.
ونقل الزركشي عمن سبقه ما يفيد بانقسام الشذوذ إلى محتجٍ به وغير محتجّ، فقال:
"كلام الشافعي محمول على حكم الشاذ الذي لا يحتج به، وهو الذي انفرد به ثقة عن غيره مخالف لما رواه الناس ثم قال: "وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلا فضعيف." (٣)
وأشار السخاوي إلى موقف شيخه ابن حجر من إطلاق الصحة على الشذوذ، فقال: "على أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح وأصح،
فيُعمَل بالراجح ولا يُعمَل بالمرجوح; لأجل معارضته له، لا لكونه لم تصح طريقه. ولا
_________________
(١) الدهلوي، أصول الحديث، ٧٧
(٢) ابن القيم، المرجع السابق.
(٣) الزركشي، المرجع السابق، ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.
[ ٨٨ ]
يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف، وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به" ثم أردف ذلك بقوله: "وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا". (١)
ولا ريب أن التفصيل في معنى الشذوذ وأثره، والأمثلة عليه يحتاج مزيدًا من البسط والتحرير، سيأتي شيء من ذلك في الفصل الخاص بالحديث الشاذ بإذن الله.
القيد الخامس: السلامة من العلّة (نفي العلة):
العلة في اللغة: تتراوح معانيها بين المرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه، أو حدث يشغله عن وجهه. (٢)
ومعنى العلة في الحديث اصطلاحًا: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.
ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣)
أكّد على ذلك الحاكم بقوله: "وإنما يُعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له
_________________
(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١ - ٣٢، ينظر كذلك: البقاعي، النكت، ١/ ٨٢، السيوطي، التدريب، ١/ ٦٤ - ٦٥، وزاد في التدريب نقل أمثلة على ذلك فقال: "ولم يرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة. وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة. وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق، وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها، مع تخريج الأمرين، ورجح أيضا كون الثمن أوقية مع تخريجه ما يخالف ذلك، ومن ذلك أن مسلما أخرج فيه حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامة أصحاب الزهري كمعمر ويونس وعمرو بن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب، وغيرهم عن الزهري، فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح، ورجح جمع من الحفاظ روايتهم على رواية مالك، ومع ذلك فلم يتأخر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم. وأمثلة ذلك كثيرة." السيوطي، المرجع السابق، ١/ ٦٤ - ٦٥.
(٢) يُنظر: الفراهيدي، العين، ١/ ٨٨. ابن فارس، المقاييس، ٤/ ١٣ - ١٤، الرازي، المختار، ٢١٦.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٩٥.
[ ٨٩ ]
علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولًا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (١)
قال الخطيب البغدادي: "والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط." (٢)
وبالنظر إلى تعريفات الأئمة للصحيح نجد أن: الشافعي والحميدي لم ينصّا على نفي العلة صراحة بل ذكرا من ضمن شروط الراوي والمروي ما يتضمن نفي ما قد يُعلُّ الرواية ويمرضها، ومن ذلك اشتراط عقل الراوي بما يُحدّث، وعلمه بما يحيل المعنى، واشتراط الحفظ والفهم والموافقة لغيره من الثقات وعدم مخالفتهم، ونفي التدليس وما إلى ذلك مما اشترطه الشافعي.
أما الحميدي فقد ذكر أنه متى ظهر له وهم الراوي أو كذبه أو نسيانه، وما إلى ذلك من علل خفيّة، فإنها تكون سببًا في ردّ الحديث، وعدم قبوله، حيث قال: "والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلًا وأكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلم نكلف علمه إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه." (٣)، وصنيعه في مسنده- والذي يظهر دقّته في
النقل وبيان بعض الأوهام اليسيرة التي وقع فيها شيخه ابن عيينة، والتنبيه عليها- دليل على حرصه في تنقية الحديث مما قد يضعفه ويوهنه (٤).
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.
(٢) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٥.
(٣) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٢٤.
(٤) من أمثلة ذلك في مسند الحميدي: - فقد أخرج الحميدي لشيخه سفيان بن عيينة حديثًا لأم المؤمنين عائشة ﵂ من طريقين، مرة عن هشام بن عروة، والأخرى عن الزهري، وصرّح بعدم سماع شيخه لهذا الحديث من الزهري. "فقال: ثنا سفيان قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أن رسول الله - ﷺ - كان يتعوذ من غلبة الدين» ١/ ٢٨١ ح (٢٤٦). وأخرج له أيضًا حديثًا من روايته عن أبي الزبير، وصرّح بأنه لم يسمعه منه، فقال: "ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نزلت في آية الميراث. قال أبو بكر: ولم يسمعه سفيان عن أبي الزبير" ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ ح (١٢٦٥). - وأشار إلى وهم شيخه بزيادة راوٍ فقال: "ثنا سفيان، قال: ثنا إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير - قال الحميدي: كان سفيان يغلط فيه - «أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في العيد بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وكان يقرأ فيهما إذا وافق ذلك يوم الجمعة» ٢/ ١٦٦ ح (٩٤٩)، وقد أوضح المراد بغلط سفيان قول الترمذي في كتابه العلل: "سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر فيضطرب في روايته. قال مرة حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير وهو وهم، والصحيح حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير". الترمذي، العل الكبير، ٩٢ ح (١٥٢).
[ ٩٠ ]
أما مسلم فقد اشترط السلامة من العيوب بشكل عام، وأضاف في مقدمة كتابه قوله: "وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحًا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى." (١)
_________________
(١) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٤. هذا عدا أنه ألّف كتاب التمييز، والذي يذكر فيه أحاديث أخطأ فيها الثقات، مما يدلل على إمامته في علم العلل، واهتمامه ببيان علل الأحاديث، وقد أشاد بذلك ابن حجر في فتح الباري في أكثر من موضع منها: قوله "وأخرج مسلم حديث ابن علية (١/ ٣٦٨ ح (٢٧٦) (فاقتصر على المتفق على رفعه وحذف الباقي وذلك من حسن تصرفه والله أعلم" ابن حجر، الفتح، ١/ ٤٧٥. وأشار في موضع آخر، أثناء شرحه لحديث جرّ الثوب خيلاء، بأن مسلمًا أخرج الحديث من رواية ابن عمر، وأن الترمذي زاد فيه قول أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال يرخين شبرا " فعقّب ابن حجر بقوله: "وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم فوهم، فإنها ليست عنده، وكأن مسلما أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع". المرجع السابق، ١٠/ ٢٥٩. وللأستاذ محمد عوّامة بحثان يُظهِر فيهما شيئًا من منهج الإمام مسلم في إعلاله للأحاديث: الأول بعنوان: من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه، والثاني بعنوان: حذف طرف من الحديث الواحد اختصارًا له أو إعلالًا، وذكر في الأول أن للإمام مسلم منهجًا فيما إذا أخرج بعض الأحاديث على وجه فيه بعض الشيء، فله طريقتان في ذلك: الأولى وتكون في الأسانيد: وهي طريقة الأصول أو الاحتجاج ثم المتابعات أو الشواهد، فيذكر الأصل والحجة أولًا ثم قد يُتبعه بمتابع أو شاهد، أو بهما معًا وفي بعض رجاله كلام. والطريقة الثانية (وتكون في المتون): قد يذكر أول الباب حديثاّ في لفظه بعض الشيء، ثم يُتبعه باللفظ السليم، وينبّه إلى الفرق بين اللفظين أو محل الوهم. فمن أمثلة الطريقة الأولى: ما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أنه قال لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟» قال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى، » ثم رواه عقبه من طريق جعفر بن سليمان، بنحو حديث حماد، وقال: "وليس في حديثه ذكر =
[ ٩١ ]
وابن خزيمة لم يذكر نفي العلة في شرطه للصحيح إلا أنه مارس تعليل بعض الأحاديث أثناء سرده لأحاديث صحيحه. (١)
وأما ابن حبان فقد ذكر في مقدمة صحيحه أنه ترك من الأحاديث التي ظاهرها الصحة لعلل خفية، حيث قال: "وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها." (٢)
_________________
(١) = سعد بن معاذ". ورواه أيضًا من طريق سليمان بن المغيرة، وقال: "لم يذكر سعد بن معاذ، في الحديث" ١/ ١١٠ ح (١١٩). قال ابن كثير في تفسيره موضحًا علة رواية حماد بن سلمة: "فهذه الطرق الثلاث معللة لرواية حماد بن سلمة، فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ. والصحيح: أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودا؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم." - ومن أمثلة الطريقة الثانية: ما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصوم، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن غيلان بن جرير أن رسول الله - ﷺ - «سُئِل عن صوم يوم الاثنين؟ ٢/ ٨١٩ - ٨٢٠ ح (١١٦٢). فهنا أخّر الرواية السليمة، وقدّم المعللّة، ووضّحها. ينظر: المراجع: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ٧/ ٣٦٧. عوّامة، من منهج مسلم في عرض الحديث المعلل، ٢٢ - ٢٤، ٤٣، محمد عوامة، حذف طرف من الحديث الواحد اختصارًا له أو إعلالًا.
(٢) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: - فقد أخرج في صحيحه كتاب الوضوء، باب ذكر الدليل على أن وطء الأنجاس لا يوجب الوضوء. قال: ثنا عبد الجبار بن العلاء، وعبدالله بن محمد الزهري، وسعيد بن عبدالرحمن المخزومي قالوا: حدثنا سفيان قال عبدالجبار: قال الأعمش: وقال الآخران: عن الأعمش، عن شقيق، عن عبدالله قال: «كنا نصلي مع النبي - ﷺ - فلا نتوضأ من موطئ ..». ١/ ٢٥ ح (٣٧). - وبعد أن أخرج حديث أبي هريرة في كتاب المناسك، باب ذكر الدليل على أن النبي - ﷺ - قد كان أعلمهم وهو بمنى أن ينزل بالأبطح، أعقبه بقوله: "سؤال النبي - ﷺ - أين ينزل غدا في حجته إنما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فأما آخر القصة: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، ٤/ ٣٢٢ ح (٢٩٨٤).
(٣) صحيح ابن حبان، ١/ ١٢٦. ومن أمثلة حرصه على بيان العلل أو نفيها في صحيحه ما يلي: فبعد أن أخرج حديثًا في تحريم الذهب والحرير على الذكور أشار إلى طريق معلولة فقال: "خبر سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى - في هذا الباب - معلول لا يصح." ٨/ ٦٩ - ٧٠ ح (٥٤١٠). وهذه الطريق ذكر الدارقطني في كتابه العلل السبب في إعلالها، فقال: "لأن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئا". الدارقطني، العلل الواردة في الأحاديث النبوية، ٧/ ٢٤١ ح (١٣٢٠). =
[ ٩٢ ]
وأما الخطابي فلم ينصّ في تعريف الصحيح على اشتراط نفي العلة؛ لكنه بعد أن عرّف الصحيح ثم الحسن ذكر أن سنن أبي داود تجمع هذين النوعين، ثم تطرّق إلى الضعيف، وما فيه علّة تضعفه فأشار إلى خلو الكتاب منه، وإن كان فيه شيء فإن أبا داود "لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته." (١)، وهو يشير إلى استبعاد كل ما فيه علة عن حد الصحيح والحسن (٢).
أما الحاكم فلم ينصّ على نفي العلة في وصفه للصحيح، لكنّه قال تحت هذا النوع: "إن الصحيح لا يُعرف بروايته فقط، وإنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا
_________________
(١) = ونجد ابن حبان في صحيحه في أكثر من موضع يدفع ما قد يُتوهم من علّة في بعض الأحاديث التي أخرجها، ويذكر السبب، ومن ذلك: قوله تحت باب ذكر الأمر بالوضوء من أكل لحم الجزور،: "ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن هذا الخبر معلول: أخبرنا عبدالله بن محمد الأزدي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا النضر بن شميل قال: حدثنا شعبة عن سماك قال: سمعت أبا ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر بن سمرة عن رسول الله - ﷺ -: أنه سئل عن الصلاة في مبات الغنم فرخص فيها وسئل عن الصلاة في مبات الإبل فنهى عنها وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم. ٢/ ٣١٩ ح (١١٢٣). وقال في موضع آخر: "ذكر خبر قد يوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن خبر أبي حميد الذي ذكرناه معلول " وبعد أن ذكر الحديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي - ﷺ - عقّب بقوله: "سمع هذا الخبر محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي وسمعه من عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه فالطريقان جميعا محفوظان." ٣/ ٣٤٠ - ٣٤٢ ح (١٨٦٣).
(٢) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦.
(٣) من أمثلة ذلك في كتابه معالم السنن: تأييده لتعليل الإمام أحمد لحديث رافع بن خديج في النهي عن المزارعة، للاضطراب في الرواية، فقال: "وضعف أحمد بن حنبل حديث رافع، وقال هو كثير الألوان يريد اضطراب هذا الحديث واختلاف الروايات عنه فمرة يقول سمعت رسول الله - ﷺ -، ومرة يقول حدثني عمومتي عنه " وأوضح أن من أخذ بظاهر الرواية لم يطّلع على علتها، فقال: "فإنما صار هؤلاء إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ولم يقفوا على علته كما وقف عليه أحمد." ٣/ ٩٥. وضعّف حديثًا لتكلّم الأئمة في رواته، ولمعارضته لأحاديث أقوى منه، فقال أثناء شرحه لحديث عبدالله ابن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم » "هذا الحديث ضعيف وقد تكلم الناس في بعض نقلته وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهره"١/ ١٧٥.
[ ٩٣ ]
النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة؛ ليظهر ما يخفى من علة الحديث" (١)، وجاء كلامه بعد أن ذكر أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة لكنها معلولة بعلل بيّنها (٢)، وهو بهذا يشير إلى العلل الخفية التي تؤثر في صحة الحديث، وأن مذاكرة نقاد الحديث وأهل معرفة علله تعين على تمييز الصحيح من السقيم، فقال - تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث هذا النوع منه معرفة علل الحديث-: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث،
يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٣)
قال ابن الصلاح: "ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." (٤)
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ٥٩ - ٦٠.
(٢) فقد ذكر ثلاثة أحاديث بأسانيد تخلو من رواة مجروحين إلا أنه أعلّ متونها، فأعلّ الحديث الأول بزيادة لفظة، فأخرج حديث: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى » ثم قال: "هذا حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت، وذكر النهار فيه وهم، والكلام عليه يطول" المرجع السابق، ٥٨. وأعلّ الآخر بالخطأ في متنه، وأن الإسناد قد رُكّب عليه متن آخر، فأخرج حديث: «ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط، » وقال: "هذا إسناد تداوله الأئمة والثقات، وهو باطل من حديث مالك، وإنما أريد بهذا الإسناد: «ما ضرب رسول الله - ﷺ - بيده امرأة قط، »، ولقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه من هو فلم أقف عليه، اللهم إلا أن أكبر الظن على ابن حيان البصري على أنه صدوق مقبول. المرجع السابق، ٥٩. وأعلّ الثالث كذلك فقال: "هذا حديث تداوله الثقات هكذا، وهو في الأصل معلول واه"، ثم ذكر أنه ذكرها للمثال فقط ويُقاس عليها ما شابهها من الأسانيد الصحيحة التي رُكّب عليها متون رويت بأسانيد أخرى.
(٣) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
[ ٩٤ ]
وقد ذكر الحاكم للعلة أجناسًا عشرة على سبيل التمثيل لا الحصر (١)، ولعله هو أول من أشار إلى اختلاف العلماء - من فقهاء ومحدثين- في هذا القيد -قيد اشتراط نفي العلة في الحديث الصحيح- أو بشكل أدق في ماهية العلة المؤثرة في صحة الحديث، حيث ذكر في المدخل إلى الإكليل في القسم الثالث من الصحيح المختلف فيه: "خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه " ثم أعقب بقوله: "فهذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القول عندهم فيها: قول من زاد في الإسناد أو المتن إذا كان ثقة.
فأمّا أئمة الحديث فإن القول فيها عندهم: قول الجمهور الذي أرسلوه لما يخُشى من الوهم على هذا الواحد." (٢) ويُعدّ ما ذكره في هذا القسم مما اُختلف فيه فيعدّه بعض النقاد من أنواع العلل، حيث تُعلّ الرواية المسندة بالمرسلة.
بينما نجد الخليلي يسمّي ذلك علة لكنها لا تتنافى عنده مع الصحة، فيطلق عليه: الصحيح المعلول (٣)، حيث يقول: العلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى، لا يمكن حصرها. فمنها أن
_________________
(١) ينظر أمثلة على أجناس العلل: الحاكم، علوم الحديث، ١١٣ - ١١٩.
(٢) الحاكم، الإكليل، ٤٧. قال النووي: "وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلًا وبعضهم مرسلًا، أو بعضهم موقوفًا وبعضهم مرفوعًا، أو وصله هو أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه في وقت، فالصحيح الذى قاله المحققون من الحديث وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر وأحفظ؛ لأنه زيادة ثقة وهى مقبولة. وقيل: الحكم لمن أرسله أو وقفه قال الخطيب: وهو أكثر قول المحدثين، وقيل: الحكم للأكثر، وقيل: للأحفظ". بينما عزا ابن حجر ترجيح المحدثين إلى القرائن التي تحفُّ بكل رواية على حده، فقال عن منهج الشيخين في كتابه الفتح: "والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد؛ بل هو دائر مع القرينة فمهما ترجح بها اعتمداه. وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله". وقال في النكت - فيما يخص منهج المحدثين بشكل عام-: "والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال.". ينظر: المراجع: النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، ابن حجر، الفتح، ١٠/ ٢٠٣، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٧
(٣) سيأتي تفصيل مراد الخليلي بالصحيح المعلول في الفصل الثامن (الحديث المعلل).
[ ٩٥ ]
يروي الثقات حديثًا مرسلًا، وينفرد به ثقة مسندًا. فالمسند صحيح، وحجة، ولا تضره علة الإرسال" (١).
من أجل ذلك عقّب ابن دقيق العيد على تعريف ابن الصلاح بقوله: "ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسنًا، لأَنَّ من لا يشترط
بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعًا مانعًا." (٢)
أما من جاء بعد ابن الصلاح فقد نصّوا على نفي العلة ضمن حدّ الحديث الصحيح سوى من أجمل تعريفه، واقتصر على اشتراط السلامة من القدح أو الطعن كابن الملقن في التذكرة بينما نصّ على ذلك في المقنع كما سبق وأشرنا إلى ذلك في نفي الشذوذ.
نخلص مما سبق:
أن العلة بشكل عام هي كل ما يمرض الحديث ويُضعفه سواء كانت ظاهرة أم خفية، وبما أن نفي العلة جاء ضمن قيود الحديث الصحيح، والذي اُشترِط في حدّه شروط تخص الراوي والمروي من اشتراط العدالة والضبط واتصال السند ونحوه، فينصرف المعنى
_________________
(١) فمن أقسام الصحيح عند الخليلي في كتابه الإرشاد: صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح مختلف فيه. وذكر مثالا للصحيح المتفق عليه بما يرويه (رواة ثقات عدول)، ومثّل للصحيح المعلول بعلة لا تضرّه، وذكر أمثلة في حال خالف الثقة الثقات، وعدّها من العلل غير القادحة. وذكر على ذلك مثالا من صحيح البخاري حديث: «أن النبي - ﷺ - يقبل الهدية ويثيب عليها» - أخرجه في صحيحه كتاب الهبة، باب المكافأة في الهبة ٣/ ١٥٧ ح (٢٥٨٥) وقال: "لم يذكر وكيع، ومحاضر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة"- قال محقق كتاب التتبع للدارقطني -في خاتمة تحقيقه ضمن ثمرات البحث- يبيّن: "دقة نظر علمائنا ﵏، بحيث إننا نقرأ في (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم) أوقات كثيرة فما نتفطن لتلك العلل التي ربما أشار إليها صاحبا الصحيح، ومن الأمثلة على ذلك حديث: «أن النبي - ﷺ - يقبل الهدية ..» انتقده الدارقطني، وقد نبّه البخاري أن له علة، ولعلها غير قادحة عنده" وصحيح مختلف فيه (ومراده ما اختلف الأئمة في تصحيحه؛ لاختلافهم في شروط الصحيح). ينظر: المراجع: الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٥٧ - ١٦٣، الدارقطني، الإلزامات والتتبع، ٥٧٦.
(٢) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٥
[ ٩٦ ]
المراد بالعلة هنا - على الأرجح- إلى ما قد يكون سببًا خفيًا قادحًا في الصحة، "فالمحدثون إذا تكلموا عن العلة باعتبار أن خلو الحديث منها يعد قيدا لابد منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي القادح. وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها: السبب الذي يعل الحديث به: سواء كان خفيا أم ظاهرا قادحا أم غير قادح." (١)
ولا ريب أن صنيع الأئمة ونقّاد الحديث في مجمله يدل على اشتراطهم خلو الحديث الصحيح مما يُعلّه أو يقدح في صحته، وإن لم ينصّ بعضهم على هذا الشرط إلا أن صنيعه يثبت ذلك، وإنما وقع الاختلاف بينهم في بعض العلل من حيث كونها قادحة في
الصحة أو غير قادحة، ولعل ذلك هو الذي دعا بعضهم للجمع بين وصف الصحيح والعلة فأطلق (الصحيح المعلول).
وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لا يشترط كل هذه القيود، (٢) فاقترح أن يقال - لكي يكون الحدّ جامعًا مانعًا-: "الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره " (٣).
_________________
(١) فحل، أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء، ١٧.
(٢) لعله يقصد بالشروط التي لم يشترطها بعضهم: نفي الشذوذ والعلة؛ حيث ذكر أن مدار التعريف عند الأصوليين والفقهاء على عدالة الراوي وتيقّظه، وبعضهم يزيد قيد الاتصال.
(٣) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٥
[ ٩٧ ]
وعلى كل حال: "فوجود العلة في الحديث تعني أنه وقع فيه خلل في الاتصال، أو في عدالة الرواة أو ضبطهم، فعاد الأمر إلى (ما اتصل سنده بنقل الثقة) " (١).
القيد السادس: اشتراط كونه مُسندًا (٢):
المُسنَد بفتح النون في اللغة: مأخوذ من السَّند، وهو "أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْنُدُ سُنُودا، واستَنَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا". (٣)
و"السَّنَدُ: ما ارتَفَعَ من الارض ، وكلُّ شيء أسنَدت إليه شيئًا فهو مسند" (٤).
وللمسند ثلاثة تعريفات:
١ - تعريف الحاكم: "ما اتصل سنده إلى النبي - ﷺ - ".
٢ - تعريف ابن عبدالبر: "كل حديث مرفوع للنبي - ﷺ - متصلًا كان أو غير متصل".
٣ - تعريف الخطيب: "ما اتصل سنده على أي وجه كان".
نقلها ابن الصلاح (٥)، ولم يرجّح بينها هذه التعريفات، وحين عرّف الحديث الصحيح ذكر لفظ المُسند في حدّه، فقال: "الحديث الصحيح: فهو الحديث المسند الذي يتّصل إسناده"، ورجّح ابن حجر أنه يقصد بالمُسند الحديث المرفوع، فقال: "اُعترض عليه بأنه لو قال: المسند المتصل لاستغنى عن تكرار لفظ الإسناد.
_________________
(١) هذه العبارة من إضافات فضيلة المناقش أ. د. سعد بن عبدالله الحُميّد.
(٢) رأيت تأخير هذا القيد- رغم ابتداء تعريف ابن الصلاح به-؛ لكونه غير متفق عليه كقيد مستقل إنما يندرج في أحد معانيه تحت اتصال السند، وقدّمت القيود الأخرى عليه؛ لبروزها في إيضاح حدّ الصحيح.
(٣) ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١٠٥.
(٤) الفراهيدي، العين، ٧/ ٢٢٨.
(٥) أعقبها بقوله: "فهذه أقوال ثلاثة مختلفة، والله أعلم." ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٢ - ٤٣.
[ ٩٨ ]
والجواب عن ذلك: أنه إنما أراد وصف الحديث المرفوع؛ لأنه الأصل الذي يتكلم عليه، والمختار في وصف المسند على ما سنذكره أنه الحديث الذي يرفعه الصحابي مع ظهور الاتصال في باقي الإسناد، فعلى هذا لا بد من التعرض لاتصال الإسناد في شرط الصحيح، والله أعلم" (١).
وبتأمل تعريف الصحيح عند من سبق ابن الصلاح نجد أن الشافعي لم يشترط في الصحيح أن يكون من قبيل المرفوع فقال: "حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي - ﷺ - أو إلى من انتهي به إليه دونه".
أما الحميدي فقد كان جوابه وفق ما وُجِّه إليه من سؤال، فإنه سُئِل عن الحديث المرفوع، فأكّد على اتصال السند إلى النبي - ﷺ -، ونصه: "فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله - ﷺ - ويلزمنا الحجة به؟ " إلى أن قال: " حتى ينتهي ذلك إلى النبي - ﷺ - "، فقد أجاب وفق منطوق السؤال، ولا يُفهم من ذلك حصره لشروط الصحيح في الحديث
المرفوع فقط، وقد ضمّ مسنده نسبة قليلة جدًا من الأحاديث الموقوفة، وكان ينبّه إلى أن شيخه ابن عيينة لم يرفعها. (٢)
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٤.
(٢) كان الحميدي حريصًا في تمييز الطرق التي أوقفها شيخه عن المرفوعة رغم قلتها، وكان يسأل شيخه عن بعضها، ومن أمثلة ذلك في مسنده: - بعد أن أخرج قول علي بن أبي طالب - ﵁ - في خطبة العيد: «لا يأكلن أحدكم من لحم نسكه فوق ثلاث». ١/ ١٥٢ ح (٨). - وأخرج عن أبي أيوب - ﵁ - قال: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر». ١/ ٣٧٠ - ٣٧١ ح (٣٨٤). - وأخرج حديث أسامة بن زيد - ﵁ - مرفوعا «الربا في النسيئة» .. ١/ ٤٦٩ ح (٥٥٥). وتدل الأمثلة على حرصه في تبيين وتمييز الموقوف من المرفوع في مسنده.
[ ٩٩ ]
وأما ابن خزيمة فقد وصف أحاديث كتابه الصحيح، بقوله: "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي - ﷺ - بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه - ﷺ - "، مما يدل على أن شروط الصحة في كتابه إنما تنطبق على الأحاديث المسندة والمرفوعة إلى النبي - ﷺ -، وكان ينبّه في حال صحّ الإسناد عنده موقوفًا ولم يصح مرفوعا. (١)
وعلى نهج شيخه سار ابن حبان، فقد أشار إلى اعتماده للروايات المسندة المرفوعة في صحيحه بقوله في مقدمته: "كون الخبر عن مثل من وصفنا نعته بهذه الخصال الخمس؛
فيرويه عن مثله سماعا، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ - " (٢)، بل جعل وصف المسند المرفوع من صفات الخبر المحتجّ به، فقال: "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ - سماعًا متصلًا." (٣)، فالمسند المرفوع مقدّم عنده على المرسل والموقوف (٤).
_________________
(١) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: - فقد أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «الهرة لا تقطع الصلاة، إنها من متاع البيت» ٢/ ٢٠ ح (٨٢٨ - ٨٢٩). - وأخرج حديثًا لعبد الله بن مسعود - ﵁ -، كان إذا رأى النساء قال: أخروهن حيث جعلهن الله ، وذلك تحت "باب ذكر بعض أحداث نساء بني إسرائيل الذي من أجله منعن المساجد" ثم قال: "الخبر موقوف غير مسند" ٣/ ٩٩ ح (١٧٠٠). - وعقّب بعد أن أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: «تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: ٣/ ٢٩٩ ح (٢١٢٠).
(٢) ابن حبان، الصحيح، ١/ ١١٣.
(٣) ينظر: ابن حبان، المجروحين، ١/ ٨.
(٤) من أمثلة ذلك في صحيحه: فبعد أن أخرج ابن حبان حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت ٧/ ٤٢٠ ح (٥١٦٢). فالرفع مقدم على الوقف، وإن كان كلاهما صحيحا؛ بل أن ذلك لا يمنع من أن يصحح غير المسند المرفوع، فبعد أن أخرج ابن حبان في صحيحه حديث أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا نكاح إلا بولي». ٦/ ٢٠٢ ح (٤٠٧١).
[ ١٠٠ ]
وأيضًا نجد الحاكم يصف الحديث الصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث بأنه ما رفعه الصحابي إلى النبي - ﷺ -، فقال: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة "، ومفهوم تعريفه اشتراطه للرفع في صفة الحديث الصحيح، إلا أنه قد ذكر في كتابه المدخل إلى الإكليل ضمن أقسام الحديث الصحيح المختلف فيه المراسيل، وقد اقتصر في تعريفه للمُسند على ما جمع بين صفتي الرفع والوصل (١)، ولعل الجمع بين أقواله بأن حدّ الصحيح المتفق عليه أن يكون مُسندًا، وما فقد
_________________
(١) تعريف المسند عند الحاكم: المسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه (لسنٍ يحتمله (، وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله - ﷺ -. الحاكم، علوم الحديث، ١٧، ولقد اُختلف في عبارة (لسنٍ يحتمله (هكذا وجدتها في طبعتي المعرفة للحاكم ط (دار الكتب العلمية)، وط (دار ابن حزم)، وكذلك في كتاب النكت لابن حجر، ط (الجامعة الإسلامية) ١/ ٥٠٨، ووجه ابن حجر تعريف الحاكم بقوله: "فلم يشترط حقيقة الاتصال، بل اكتفى بظهور ذلك كما قلته تفقها". وفي طبعتي فتح المغيث ط (مكتبة السنة) ١/ ١٣٥، وط (دار المنهاج) ١/ ١٨٤ (ليس يحتمله (حيث قال السخاوي: "فالظاهر أن قوله: (ليس يحتمله) يخرج عنعنة المدلس، خصوصا وقد صرح الحاكم بعدُ باشتراط عدم التدليس في رواته." ورجحها الدكتور ماهر الفحل في تحقيقه لنكت ابن حجر ط (الميمان) ٣١٠. بينما علّق محقق المعرفة ط (دار ابن حزم)، د. أحمد السلوم على تعريف الحاكم للمسند بما يأتي: يؤخذ من كلام الحاكم ما يلي:
(٢) المسندلا يقع إلا على ما أضافه الصحابي إلى النبي - ﷺ -، فيخرج بذلك المرسل وما شابهه.
(٣) الحاكم يقصر المسند على المتصل المرفوع.
(٤) رجّح رواية (لسنٍ يحتمله)، وعليه فالمعنى أن المسند ما يرويه المحدّث عن شيخه، وسماع المحدّث من شيخه ظاهر لا يدفعه شيء؛ إذ سنهما محتملة لذلك. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ط ابن حزم ١٣٧ - ١٤١ الحاشية باختصار.
[ ١٠١ ]
أحد شرطي المُسند من الرفع أو الوصل فمُختلف في صحته، والله أعلم. (١)
أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم يذكروا هذا القيد في حدّ الصحيح، بل هناك من اتّبع الشافعي في تصريحه بأن الحديث متى ما استوفى شروط الصحة فهو صحيح سواء رُفع إلى النبي - ﷺ - أو إلى من دونه، كابن كثير حيث قال: "فحاصل حد الصحيح: أنه المتصل
سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، " (٢)
وقد ضمّت كثير من مصادر كتب السنة الأحاديث والآثار الموقوفة والمقطوعة (٣)، مثل موطأ مالك، ومصنف عبدالرزاق (٤) وابن أبي شيبة (٥)، بل نجد أن ابن حجر ألّف كتابًا
_________________
(١) وفي مسألة الاحتجاج بالأحاديث الموقوفة والمقطوعة، وما شابهها قال الخطيب في كتابه الكفاية في علم الرواية - فيما يخص الأحاديث المُسندة-: "فأما الأحاديث المسندات إلى النبي - ﷺ - فهي أصل الشريعة ومنها تستفاد الأحكام وما اتصل منها سنده وثبتت عدالة رجاله فلا خلاف بين العلماء أن قبوله واجب والعمل به لازم والراد له آثم". وقال في الموقوفات على الصحابة: "جعلها كثير من الفقهاء بمنزلة المرفوعات إلى النبي - ﷺ - في لزوم العمل بها، وتقديمها على القياس وإلحاقها بالسنن وأما الأحاديث المرسلات عن النبي - ﷺ - فهي أيضا عند خلق من العلماء بمنزلة المسندات المتصلة في تقبلها والعمل بمتضمنها، ومن لم يرها كذلك من نقاد الآثار وحفاظ الأخبار، فإنه يكتبها للاعتبار بها ولن يجعلها علة لغيرها وأما المقاطيع: فهي الموقوفات على التابعين فيلزم كتبها والنظر فيها؛ لتتخير من أقوالهم ولا تشذ عن مذاهبهم". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٢/ ١٨٩ - ١٩١. وكلامه ﵀ يدل على وجود الخلاف بين العلماء في الاحتجاج بغير المُسند من الحديث.
(٢) ابن كثير، الاختصار، ٢٨.
(٣) ذكر السيوطي في كتابه تدريب الراوي تحت نوع المقطوع فائدة فقال: "جمع أبو حفص ابن بدر الموصلي كتابا سماه: " معرفة الوقوف على الموقوف " أورد فيه ما أورده أصحاب الموضوعات في مؤلفاتهم فيها، وهو صحيح عن غير النبي - ﷺ - إما عن صحابي أو تابعي فمن بعده. وقال إن إيراده في الموضوعات غلط، فبين الموضوع والموقوف فرق. ومن مظان الموقوف والمقطوع مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وتفاسير: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وغيرهم." السيوطي، التدريب، ١/ ١٠١.
(٤) عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني. من حفاظ الحديث الثقات. من مصنفاته: (الجامع الكبير) و(المصنَّف). مات سنة ٢٢٠ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ٨/ ٢٢٢، الصفدي، الوافي بالوفيات، ١٨/ ٢٤٤ (٦٩٦٨)، الزركلي، الأعلام، ٣/ ٣٥٣.
(٥) عبدالله بن محمّد بن أبي شيبة العبسيّ الكوفيّ، أبو بكر. حافظ للحديث، وله مصنفات منها: (المسند) و(المصنف في الأحاديث والآثار) و(الإيمان). مات سنة ٢٣٥ هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ١٩٢. الزركلي، الأعلام، ٤/ ١١٧.
[ ١٠٢ ]
سماه "الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم" وقال في مقدمته: "هذه أحاديث موقوفة ومقطوعة تتبعتها من صحيح مسلم، وقد وقع أكثرها في ضمن أحاديث مرفوعة " (١)
ثم ذكر سبب تأليفه لهذا الجزء بقوله:
"وكان الحامل على جمع هذه الأحاديث أنه يقع في بعض مجالس الحديث قول أبي عمرو بن الصلاح في " علوم الحديث " أنه ليس في صحيح مسلم بعد الخطبة والمقدمة إلا الحديث المرفوع الصرف غير ممزوج بالموقوفات، واستدرك من تأخر عن عصر ابن الصلاح عليه أنه وقع في مسلم شيء من الموقوفات على بعض التابعين، وهو:
قول يحيى بن أبي كثير (٢): (لا يستطاع العلم براحة الجسد) (٣)." (٤)
وقد ذكر أنه تتبع أمثال هذا القول، وجمعه في هذا الكتاب. (٥)
نخلص مما سبق:
أن الراجح في معنى المسند هو المرفوع المتّصل، وأن المسند المرفوع مقدم في الاحتجاج على المرسل والموقوف؛ لذا غلب في مصنفات المتقدمين اهتمامهم بجمع
_________________
(١) ابن حجر، الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم، ٢٥.
(٢) يحيى بن أبي كثير، الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، قال الذهبي: الإمام، أحد الأعلام، كان من العباد العلماء الأثبات. وقال ابن حجر: "ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل"، وجعله ضمن الطبقة الثانية من طبقات المدلسين ممن احتمل الأئمة تدليسهم لإمامتهم، مات سنة ١٢٩ وقيل: ١٣٢ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤ (٦٢٣٥)، ابن حجر، التقريب، ٥٩٦ (٧٦٣٢)، ابن حجر، طبقات المدلسين، ٣٦ (٦٣).
(٣) في صحيح مسلم "براحة الجسم"، وقد أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس، ١/ ٤٢٨ ح (٦١٢).
(٤) ابن حجر، الوقوف على الموقوف، ٢٧.
(٥) الوقف قد يكون الوجه الأصوب للرواية، ويكون مُعللًا للرفع، كما أشار لذلك الأستاذ محمد عوّامة في كتابه (من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه) فذكر أنه في حال وقع الاختلاف في رفع الحديث ووقفه-وهو اختلاف في أمر إسنادي- فطريقة الإمام مسلم أنه يُقدّم الإسناد الصحيح، ويؤخر المعلل، وذكر أمثلة على ذلك. ينظر: عوّامة، منهج مسلم في الحديث المعلل، ٦٤ - ٦٥.
[ ١٠٣ ]
الأحاديث المرفوعة وتمييزها عن الموقوفة والمقطوعة، ولعل ذلك سبب ذكر بعضهم -كابن خزيمة وابن حبان- قيد المسند ضمن شروط مروياته في كتابه الذي خصه بجمع الصحيح وتمييزه عن غيره؛ إلا أن لفظ الصحيح غير قاصر على الأحاديث المسندة المرفوعة؛ وإنما يشمل الآثار الموقوفة والمقطوعة إذا جمعت شروط الصحة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلت من شذوذ وعلة؛ لذا فإن من جاء بعد ابن الصلاح لم يذكر شرط المُسند ضمن شروط الصحيح بل صرّح ابن كثير فقال: "حاصل حد
الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، " (١)، والله أعلم.
الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:
جاء في تعريفات بعضهم للصحيح شروط وقيود لم يصرّح بها ابن الصلاح ضمن تعريفه، من ذلك: نفي التدليس، واشتراط شهرة الرواة في الطلب، واشتراط العدد.
قيد نفي التدليس:
من القيود الزائدة على شرط الصحيح عند ابن الصلاح، وقد ذكره الشافعي ضمن شروط راوي الحديث المحتجّ به بقوله: "بريًّا من أن يكون مدلسا، يُحدِث عن من لَقِي ما لم يَسمع منه"، وكذلك الحال بابن حبان حيث ذكر شروط من يحتجّ بخبره فقال: " المتعرَّى خبره عن التدليس"، والذهبي -على الرغم من كون كتابه الموقظة مختصر من كتاب شيخه ابن دقيق العيد- إلا أنه حين اختصر تعريفه للصحيح زاد عليه قيد "عدم التدليس".
_________________
(١) ابن كثير، الاختصار، ٢٨.
[ ١٠٤ ]
والتدليس في اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة. (١)
وهو في الحديث على أنواع منها: تدليس الإسناد، ويُعدُّ من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله: " يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه" (٢) وعرّفه ابن
الصلاح بقوله: "وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر." (٣)، وقد تعقّبه ابن حجر حيث قال: "وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي" (٤)، وصوّب التفريق بين المصطلحين، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله: "والفرق بين المُدَّلس والمرسل الخفي دقيق، وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُرِف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُعرَف أنه لقيه، فهو المُرَسل الخفي.
ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُقِيّ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما." (٥)
وعليه فالتدليس نوع من علل الإسناد التي قد تؤثر في اتصاله، وسبق معنا أن اشتراط الاتصال في السند شرط من شروط الحديث الصحيح المتفق عليه، وقد اشترطته أغلب
_________________
(١) ينظر: الجوهري، الصحاح، ٣/ ٩٣٠. الفيروزآبادي، القاموس، ٥٤٦. قال ابن حجر: "واشتقاقه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء". وقال في النكت: "وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه." ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٣، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٤.
(٢) وفي كتب مصطلح الحديث يعدّدون أنواعًا أخرى للتدليس كتدليس التسوية، وتدليس الشيوخ، وتدليس الصيغ، إلا أنني اقتصرت على ما يخص تدليس الإسناد الذي وضّح معناه الشافعي.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٣.
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٤.
(٥) ابن حجر، النزهة، ١٠٤. وهناك كتاب اُلّف لبيان أوجه الموافقة والمخالفة بين هذين المصطلحين، ينظر: خالد القريوتي، الإرسال والتدليس مع بيان أوجه الموافقة والمخالفة.
[ ١٠٥ ]
تعريفات الصحيح إمّا صراحة أو ضمنًا، ويكون اشتراط نفي التدليس من باب التأكيد على أهمية الاتصال، والتأكد من خلو السند من الانقطاع الظاهر أو الخفي.
فهذا القيد مُتضمَن في قيود الصحيح السابق ذكرها من حيث اشتراط الاتصال، واشتراط نفي العلل القادحة، فقد أشار مسلم في مقدمة صحيحه - وذلك في معرض حديثه عن الاحتجاج بالإسناد المعنعن- بأن نقاد الحديث من السلف لم يفتشوا عن موضع السماع في الأسانيد إلا إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهِر به، فقال: "وإنما كان
تَفقُّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عُرِف بالتدليس في الحديث، وشُهِر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس (١)." (٢)
وكذلك كان ابن خزيمة يتوقّف في تصحيح بعض الأحاديث، ويُعِلُّها بتدليس بعض رواتها.
أمّا ابن حبّان فقد تشدّد في قبول رواية المدلّسين- ولو كانوا ثقات- إلا إذا صرّحوا بالسماع، ولم يستثن سوى سفيان بن عيينة (٣)؛ لأنه عُرِف أنه لم يُدلِّس إلا عن ثقة. (٤)
_________________
(١) حقّق ابن رجب الحنبلي مسألة الحديث المعنعن وشروط قبوله، وذكر فيها مذاهب العلماء واختلافهم، وذلك في كتابه شرح علل الترمذي. يُنظر: ابن رجب، علل الترمذي، ٢/ ٥٨٥ - ٥٩٩.
(٢) مسلم، الصحيح، ١/ ٣٢ - ٣٣.
(٣) سفيان بن عيينة بن أبى عمران أبو محمد الهلالي، مولاهم، الكوفي ثم المكي، قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، ثقة ثبت حافظ إمام، وقال ابن حجر: "ثقة حافظ فقيه إمام حجة؛ إلا أنه تغير حفظه بأخرة وكان ربما دلس لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار"، مات سنة ١٩٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٤٩ (٢٠٠٢)، ابن حجر، التقريب، ٢٤٥ (٢٤٥١).
(٤) حيث قال في مقدمة صحيحه: "وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا - مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المُتَّقين وأهل الورع في الدين - لأنا متى قبلنا خبر مدلس لم يُبيِّنِ السماع فيه - وإن كان ثقة - لَزِمَنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها لأنه لا يدري لعل هذا المدلس دَلَّسَ هذا الخبر عن ضعيف يَهِي الخبر بذكره إذا عُرِفَ اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلَّس - قط - إلا عن ثقة فإذا كان كذلك قُبِلَتْ روايته وإن لم يبين السماع. وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده فإنه كان يُدلِّسُ ولا يُدلِّسُ إلا عن ثقة متقن ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثلِ نفسه". يُنظر: ابن حبان، الصحيح، ١/ ١٢١.
[ ١٠٦ ]
وقد أجاب عمّا جاء في صحيحه من رواية المدلسين دون تصريح منهم بالسماع بقوله: "فإذا صحَّ - عندي - خبر من رواية مُدلِّسِ أنه بَيَّنَ السماع فيه، لا أبالي أن أذكُرَه من غير بيان السماع في خبره بعد صِحَّتِه عندي من طريق آخر." (١)
وأما الحاكم فقد ذكر في كتابه "المدخل إلى الإكليل" تحت القسم الثاني من الصحيح المختلف في صحته: "روايات المدلسين إذا لم يذكروا إسماعهم في الرواية" أن جماعة من أئمة أهل الكوفة صححوها، وردّها جماعة من أئمة أهل المدينة، ثمّ مثّل للمراد
بالتدليس إلى أن قال: "وأخبار المدلسين كثيرة، وضبط الأئمة عنهم ما لم يُدلِّسوا، والتمييز بين ما دلسوا وما لم يُدلِّسوا ظاهر في الأخبار." (٢)
والمدلسون من حيث قبول روايتهم أو ردّها على أجناس ومراتب:
فقد ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" أجناسًا ستة للمدلسين (٣)، وفرّق كذلك الخطيب البغدادي بين أنواع المدلسين وذكر مذاهب العلماء في خبر المُدلِس بين القَبول والرد، وبين الإكثار من التدليس والإقلال منه، وبين التدليس عن ثقة أو عن غير ثقة، وعن التصريح المُدلِس بالسماع وعدمه، وقد صحّح مذهب من يشترط التصريح بالسماع. (٤)
_________________
(١) المرجع السابق، ١/ ١٢٢.
(٢) الحاكم، الإكليل، ٣٩ - ٤٠.
(٣) يُنظر: الحاكم، علوم الحديث، ٣٣٨ - ٣٥٨. تحت النوع السادس والعشرين: معرفة المدلسين.
(٤) يُنظر، الخطيب البغدادي، الكفاية، ٣٦١ - ٣٦٢.
[ ١٠٧ ]
ثم جاء العلائي (١) وجمع أسماء ثمانية وستين ممن وُصفوا بالتدليس، مرتّبين على حروف المعجم، وصنّفهم إلى خمس طبقات ومراتب - مستفيدًا ممن سبقه في ذلك- وبيّن اختلاف الحكم على رواياتهم باختلاف طبقاتهم (٢)، وقد قام الحافظ ابن حجر بتلخيص ذلك، وجعلهم على خمس مراتب:
- الأولى: لمن لم يوصف بذلك إلا نادرًا. (٣)
- والثانية: لمن احتمل الأئمةُ تدليسَهُ، فأخرجوا له في الصحيح لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لكونه لا يدلس إلا عن ثقة. (٤)
- والثالثة: من أكثر من التدليس، فاختلف الأئمة في حديثهم بين:
الاحتجاج بما صرحوا فيه بالسماع، أو رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم مطلقًا. (٥).
- والرابعة: اتفقوا على عدم الاحتجاج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء، والمجاهيل (٦).
- والخامسة: ردوا حديث من ضُعِّف بأمر آخر سوى التدليس، ولو صرحوا بالسماع (٧). (٨)
_________________
(١) خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقيّ، أبو سعيد، صلاح الدين. كان إماما محدثا حافظا متقنا جليلا فقيها أصوليا نحويا. من مصنفاته: (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) و(الوشي المعلم) و(الأربعين في أعمال المتقين). مات سنة ٧٦١ هـ. ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ١٠/ ٣٦. السيوطي، طبقات الحفاظ، ٥٣٣. الزركلي، الأعلام، ٢/ ٣٢١.
(٢) يُنظر: العلائي، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ١١٣ - ١١٤.
(٣) كيحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة.
(٤) كسفيان الثوري، وابن عيينة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير.
(٥) كالحسن وقتادة، وأبي الزبير المكي.
(٦) كبقية بن الوليد، وابن إسحاق، وجابر الجعفي.
(٧) كأبي جناب الكلبي وأبي سعد البقال، إلا أن يُوثّق من كان ضعفه يسيرًا كابن لهيعة.
(٨) ينظر: العلائي، المراسيل، ١١٣ - ١١٤، ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٣ - ١٤.
[ ١٠٨ ]
فحكم رواية المُدلِّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع. (١)
وأمّا ما جاء في الصحيحين من روايات المدلسين فهي على النحو الآتي:
-إمّا أن يكونوا من أهل المرتبتين الأولى والثانية، فهؤلاء احتمل الأئمة تدليسهم.
- وأمّا أن يكونوا ممن اشترط الأئمة تصريحهم بالسماع لقبول مروياتهم، فما جاء في الصحيحين من رواية هؤلاء أُجيب عنه بأنه: "محمول على ثبوت السماع عندهم فيه من جهة أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات تحسينا للظن بمصنفيها." (٢)
قال الحافظ ابن حجر في كتابه النكت: "فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى". (٣)، وزاد السيوطي
_________________
(١) ذكر ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي مذاهب العلماء في قبول رواية المُدلِّس أو ردها. ينظر: ابن رجب، علل الترمذي، ٢/ ٥٨٢ - ٥٨٥، القريوتي، الإرسال والتدليس، ٤٧ - ٤٨.
(٢) قاله السخاوي في فتح المغيث، وعقّب بقوله: " يعني ولو لم نقف نحن على ذلك لا في المستخرجات التي هي مظنة لكثير منه ولا في غيرها." ثم أردفه بقوله: "وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في "القدح المعلى": " أكثر العلماء أن المعنعنات التي في الصحيحين مُنزَّلة مَنزِلة السماع"، يعني: إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها." السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣. ينظر كذلك: النووي، التقريب، ٣٩، ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٥٨، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦٢ - ٢٦٤.
(٣) ابن حجر، النكت، ١/ ٣١٥. وقال في مقدمته لفتح الباري: "وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري، لما عُلم من شرطه، ومع ذلك فحكم من ذُكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تُسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة، فإن وُجد التصريح فيها بالسماع اندفع الاعتراض، وإلا فلا." ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٥. وقد قام الدكتور عواد الخلف في رسالته للدكتوراه بجمع جميع روايات المدلسين في صحيح البخاري ٥١٩. وقد بيّن هذه الضوابط والاعتبارات في مقدمة بحثه، وذكر فيها ثلاثًا وثلاثين ضابطًا في قبول عنعنة المدلس فيما يخص روايات صحيح البخاري. يُنظر: عوّاد الخلف، روايات المدلسين في صحيح البخاري جمعها- تخريجها- الكلام عليها، ٢٦ - ٣٣.
[ ١٠٩ ]
قوله: "وإنما اختار صاحب الصحيح طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع؛ لكونها على شرطه دون تلك." (١)
نخلص مما سبق:
أن زيادة قيد نفي التدليس في حدّ الصحيح زيادة من باب التأكيد على اتصال السند، وعدم انقطاعه، سواءً كان الانقطاع جليًّا فيخرج باشتراط اتصال السند، أو كان خفيًّا فيخرج باشتراط نفي العلّة، فقد تضمّن كل من: شرطيّ اتصال السند ونفي العلة - للحديث الصحيح- هذا القيد؛ لذا لم ينشط لذكره كل من جاء بعد ابن الصلاح سوى الذهبي ﵏ جميعًا.
قيد الشهرة في الطلب:
من القيود التي زيدت في شرط الصحيح، قال الحافظ ابن حجر: "زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، " (٢)
ومعنى الشهرة في اللغة: الوضوح والبيان والانتشار والذيوع. (٣)
وفي الاصطلاح: شهرة الراوي تعني خروجه عن حد الجهالة. (٤)
_________________
(١) السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦٤.
(٢) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٨.
(٣) ينظر: الرازي، مختار الصحاح، ١٧٠، ابن منظور، اللسان، ٤/ ٤٣٢. الفيروزآبادي، القاموس، ٤٢١، المعجم الوسيط، ١/ ٤٩٨.
(٤) قال البقاعي في النكت: "والمشهور بحال من الأحوال لا بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تصيره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين، ثم نقول: إن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم: (وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية) وإلا فهو مجهول الحال، ". قال ابن حجر: "والمراد بجهالة الراوي: بأن لا يعرف فيه تعديل ولا تجريح معين." وقال الخطيب البغدادي في الكفاية: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد". وقد جعل ابن الصلاح المجهول على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول العدالة الظاهرة والباطنة، ومجهول العدالة في الباطن دون الظاهر، وهو المستور. وجعلهم ابن حجر على قسمين: مجهول العين: وهو من لم يروِ عنه غير واحد ولم يُوثّق. ومجهول الحال وهو المستور: من روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يُوثّق. وتزول جهالة عين الراوي برواية اثنان فصاعدًا عنه، قال الخطيب البغدادي: "وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه".ا. هـ. أي أنه يصبح من طبقة "مجهول الحال" وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولا الباطنة، أو "المستور" وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم". ينظر: المراجع: البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٦٢٦، ابن حجر، النزهة، ١٠٧، ١٢٦، الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨ - ٨٩، ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١ - ١١٢، عتر، منهج النقد، ٩٠.
[ ١١٠ ]
والشهرة بشكل عام شيوع أمر الراوي وانتشاره بين نقاد الحديث، فإن كان هذا الشيوع ثناءً ومدحًا كان إثباتًا لعدالته، وإن كان ذمًا وقدحًا كان نفيًا لها. (١)
قال ابن الصلاح: "فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا." (٢)
والمراد بالشهرة بالطلب -في هذا القيد-: أن يكون للراوي "مزيد اعتناء بالرواية؛ لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى" (٣)، أي شهرة بالطلب مقيّدة بالضبط والإتقان،
_________________
(١) من الرواة من اُشتهِر بالعدالة والحفظ بل وبالإمامة فيهما، وشاع أمره بين نقاد الحديث، كمالك وأحمد بن حنبل وغيرهم، ومنهم على النقيض من ذلك من شاع أمره بالكذب والوضع في الحديث كنوح ابن أبي مريم، وأبان بن جعفر النجيرمي، وأحمد بن الصلت الحماني، وغيرهم.
(٢) ثم قال: "وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي - ﵁ -، وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه. وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ، ومثل ذلك بمالك، وشعبة، والسفيانين، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، ووكيع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين". ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٥، يُنظر أيضًا: النووي، التقريب، ٤٨، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٥٣. نكتة في الفرق بين التزكية والتعديل: حمام، جهالة الرواة، ١/ ٤٠٤.
(٣) السيوطي، تدريب، ١/ ٦٨.
[ ١١١ ]
تجمع بين عدالة الراوي وضبطه وإتقانه والشهرة فيهما، وهي شهرة تزيد على ما ذهب إليه ابن عبدالبر (١) في تعديله للرواة ممن عُرف بحمل العلم ومجالسة العلماء، ولم يُجرّح (٢)، فمن اشترط في رواة الصحيح شهرتهم بالطلب إنما قيّدها بالضبط
والإتقان، بينما من عدّلهم ابن عبدالبر لشهرتهم بالطلب، تُوقِّف في أمر ضبطهم إلى أن يتبيّن حالهم بعد اختبار مروياتهم.
ويشير إلى قيد الإتقان مع الشهرة الخطيب البغدادي حين ذكر تفاوت الرواة في العلم، وحثّه طالب الحديث أن يتخيّر من شيوخه من اتصف بالشهرة في طلب الحديث المُشار إليه بالإتقان، فقال: "درجات الرواة لا تتساوى في العلم، فيقدم السماع ممن علا إسناده على ما ذكرنا، فإن تكافأت أسانيد جماعة من الشيوخ في العلو، وأراد الطالب أن يقتصر على السماع من بعضهم، فينبغي أن يتخيّر المشهور منهم بطلب الحديث، المشار إليه
_________________
(١) يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر النمري القرطبي، أبو عمر. من كبار حفاظ الحديث، ومؤرخ وفقيه، وأديب. من مصنفاته: (التمهيد شرح الموطأ) و(الاستذكار) و(الاستيعاب في معرفة الأصحاب) وغيرها. مات سنة ٤٦٣ هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ٤٣١. الزركلي، الأعلام، ٨/ ٢٤٠. كحالة، المؤلفين، ٤/ ١٧٠ (١٨٤٥٥).
(٢) قال ابن عبدالبر: "كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى تتبين جرحته في حاله، أو في كثرة غلطه؛ لقوله - ﷺ -: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الشهادات، باب: الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث ١٠/ ٣٥٣ ح (٢٠٩١١) ". قال السخاوي: "ونحوه قول ابن الموَّاق من المتأخرين: أهل العلم محمولون على العدالة، حتى يظهر منهم خلاف ذلك. وقال ابن الجزري: إن ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب وإن رده بعضهم، وسبقه المزي فقال: هو في زماننا مرضي، بل ربما يتعين. ونحوه قول ابن سيد الناس: لست أراه إلا مرضيا، وكذا قال الذهبي: إنه حق، قال: ولا يدخل في ذلك المستور ; فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا، ولا اتفق لهم علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ، وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح". أضاف فضيلة المناقش استدراكًا: "لكن ابن عبدالبر يُعلّ الأحاديث بالجهالة". المراجع: ابن عبدالبر، التمهيد، ١/ ٢٨، البيهقي، السنن الكبرى، ١٠/ ٣٥٣، السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٢٠.
[ ١١٢ ]
بالإتقان له والمعرفة به" (١). فأشار إلى أن العلو في مراتب الشيوخ وطلبة العلم يجمع بين الشهرة بالطلب والإتقان والمعرفة.
وكذلك حين ذكر الحاكم أقسام الحديث الصحيح، فإنه وصف رواة القسم الأول - المخرّج في الصحيحين- فيما هم دون الصحابي بالشهرة بالثقة والإتقان، بينما اكتفى في الصحابي بالشهرة بالرواية، فقال:
"القسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور (٢) بالرواية عن رسول الله - ﷺ -
وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح" (٣)
هذه الشهرة التي ذكرها الحاكم، فسّرها ابن حجر مُعلِّقًا وموضحًا فقال:
" زاد الحاكم في علوم الحديث (٤) في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، وهذه الشهرة قدر زائد على مطلق الشهرة التي تخرجه من الجهالة. واستدل الحاكم
_________________
(١) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ١/ ١٢٦.
(٢) جاء في تعريفه للصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث "أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وسبق تفصيل مسألة إطلاق لفظ الجهالة على الصحابي- في حاشية تعريفه في بداية هذا الفصل. " وبيان أن المراد بنفي الجهالة هنا هي المتعلّقة بشهرة الرواة لا بعدالتهم. وقد توسع الدكتور عبدالجواد حمام في عرض هذه المسألة في كتابه جهالة الرواة، وأرجع ما يقع من بعض الأئمة في وصف بعض الصحابة بالجهالة إلى ثلاث حالات هي:
(٣) من جُهل اسمه (فأُطلِق على الإبهام جهالة). ٢ - إطلاق الجهالة لعدم ثبوت الصحبة عند القائل.
(٤) جهالة الاشتهار بالعلم والرواية. ثم لخّص ضمن نتائج بحثه: أنّ من وصف أحد الصحابة بالجهالة من المحدثين، فإنه لم يرد الجهالة الاصطلاحية، وإنما يقصد معنىً خاصًا بالجهالة وهو قلّة الرواية. ينظر: حمام، جهالة الرواة، ٢/ ٩١١ - ٩٣٧، ٢/ ١١٣٧.
(٥) الحاكم، المدخل إلى الإكليل، ٣٣.
(٦) ملاحظة: لفظ الشهرة لم يأت في كتاب "معرفة علوم الحديث" - كما في المطبوع- إنما جاء في كتاب "المدخل إلى الإكليل" في الدرجة العليا من الصحيح فقط.
[ ١١٣ ]
على مشروطية الشهرة بالطلب بما أسنده (١) عن عبدالله بن عون (٢) قال: (لا يؤخذ العلم إلا ممن شُهِد له عندنا بالطلب) (٣). والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك.
إلا أنهما حيث يحصل للحديث طرق كثيرة يستغنون بذلك عن اعتبار ذلك - والله أعلم" (٤).
وكلام ابن حجر يدل على أن الشيخين اعتبرا هذا الشرط - وهو: الشهرة بالطلب مع الثقة والإتقان- في روايات دون أخرى، فحيث كثرت طرق الحديث الموافقة لرواية الراوي دل على ضبطه وعنايته بالراوية، فيكون في غنىً عن هذا الشرط (٥).
_________________
(١) اطّلعت على طبعتين لتحقيق كتاب النكت للحافظ ابن حجر، وقد أشار كلا المحققين إلى أنهما لم يجدا هذا النص في طبعات كتاب علوم الحديث للحاكم. ينظر: ابن حجر، النكت، ط (الجامعة الإسلامية)، تحقيق: ربيع المدخلي، ١/ ٢٣٨، وط (الميمان) بتحقيق: ماهر الفحل، ٨٨.
(٢) أبو عون عبدالله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم البصري، الإمام الحافظ، شيخ أهل البصرة، قال الذهبي في التذكرة: لابن عون جلالة عجيبة ووقع في النفوس؛ لأنه كان إماما في العلم رأسا في التأله -أي: التعبد- والعبادة حافظا لأنفاسه. كبير الشأن. وقال ابن حجر: ثقة ثبت فاضل. مات سنة ١٥١ هـ. ينظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، ١/ ١١٨، ابن حجر، التقريب، ٣١٧.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. قال أبو زرعة: فسمعت أبا مسهر يقول: "إلا جليس العالم فإن ذلك طلبه". قال الخطيب: أراد أبو مسهر بهذا القول أن من عرفت مجالسته للعلماء وأخذه عنهم، أغنى ظهور ذلك من أمره أن يسأل عن حاله، والله أعلم. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٢٨، الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٧.
(٤) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٥) وليس كل رواة الصحيحين قد اشتهروا بالطلب، بل تتفاوت درجاتهم في الضبط والإتقان. يقول ابن حجر في مقدمته لفتح الباري: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان، مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم ". ونقل الترمذي في كتابه العلل الكبير قول البخاري: "كل رجل لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه، لا أروي عنه ولا أكتب حديثه". ومعنى كلامه: أنه يروي عن الرجل الذي في حديثه الصحيح والسقيم، لكنه ينتقي منه الصحيح ويَدَع السقيم، هذا حال الإمام مسلم كذلك. المراجع: ينظر: الترمذي، العلل، ٣٩٤، ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤، عوّامة، منهج مسلم في الحديث المعلل، ٦٦ - ٦٧. وقد سرد ابن حجر في هذه مقدمة فتح الباري أسماء من طُعن فيه من رواة الصحيح، وأجاب عن ذلك، وميّز من أخرج له البخاري في الأصول ممن أخرج له في المتابعات، ومن أمثلة من أخرج لهم في المتابعات: "أحمد بن بشير الكوفي أبو بكر مولى عمرو بن حريث المخزومي، قال النسائي: ليس بذلك القوي، وقال عثمان الدارمي متروك وقواه بن معين وأبو زرعة وغيرهما أخرج له البخاري حديثا واحدا تابعه عليه مروان بن معاوية وأبو أسامة وهو في كتاب الطب، فأما تضعيف النسائي له فمشعر بأنه غير حافظ " ٣٨٤ - ٣٨٥. - أحمد بن عاصم البلخي معروف بالزهد والعبادة له ترجمة في حلية الأولياء وقد ذكره ابن حبان في الثقات فقال روى عنه أهل بلده وقال أبو حاتم الرازي مجهول قلت روى عنه البخاري حديثا واحدا في كتاب الرقاق" ٣٨٦. - أحمد بن يزيد بن إبراهيم الحراني أبو الحسن المعروف بالورتنيس قال أبو حاتم ضعيف الحديث أدركته ولم أكتب عنه قلت روى له البخاري حديثا واحدا في علامات النبوة متابعة" ٣٨٧، وغيرهم. ينظر: ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤ - ٤٥٦.
[ ١١٤ ]
إذ كثرة الطرق الموافقة لرواية الراوي تدل على ضبطه تلك الرواية، وقد أوضح السيوطي- نقلًا عن شيخه ابن حجر- سبب اشتراط الشهرة بالطلب في الراوي (١)، وهو التأكد من ضبط الراوي لما رواه، فقال: "يستغنى بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام.
قال شيخ الإسلام: ويمكن أن يقال: اشتراط الضبط يغني عن ذلك، إذ المقصود بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى." (٢)
فإذا كان الراوي موصوفًا بجودة حفظه وضبطه، فهذا دليل عنايته بالرواية، وشهرته في طلبها، وإنّ اتصاف راوي الصحيح بالضبط أو بتمامه يُغني عن وصفه بالشهرة في الطلب.
وبتأمل تعريف الحاكم للصحيح في كتاب "معرفة علوم الحديث"، فإنه عرّف الصحيح بوجه عام، ولم يقيّد ذلك بما أخرجه الشيخان، واقتصر في تعريفه على اشتراط زوال وصف الجهالة من الصحابي راوي الحديث؛ وذلك بأن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول-أي: وفق شروطهم للصحيح أو المقبول بوجه عام- ولم يَرِد التنصيص بذكر نوع الشهرة - والتي هي قدر زائد عن مطلق الشهرة المخرجة عن الجهالة- في هذا التعريف، فقد اقتصر بقوله "صحابي زائل عنه اسم الجهالة" واكتفى
_________________
(١) ذكر ابن حجر في كتابه النكت أن من ضمن الشروط - التي تعارف عليها المحدثون- لإطلاق لقب الحافظ على الراوي، شهرته بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٢٦٨.
(٢) السيوطي، التدريب، ١/ ٦٨.
[ ١١٥ ]
بوصف الرواة عنه بالعدالة؛ بينما ابن حجر فسّرها بقوله: "زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، وهذه الشهرة قدر زائد على مطلق الشهرة التي تخرجه من الجهالة" (١)، ولعله فهم ذلك من مجموع كلام الحاكم في كتبه؛ لأن وصف الشهرة بالإتقان لم يأت في كتاب المعرفة (٢)؛ إنما ذكره الحاكم في كتابه "المدخل
إلى الإكليل" - وهو سابق في التأليف عن المعرفة (٣) - حيث قسّم الصحيح إلى أقسام، وجعله على درجات أوّلها وأعلاها ما أخرجه الشيخان، وقد ذكر من أوصافهم الشهرة بالرواية فيما يخص الصحابي، والشهرة بالإتقان والثقة لمن هم دونه، بينما لم يأت ذكر الشهرة في الأقسام الأربعة التي تليها من المتفق على صحته، ولعل وصف الشهرة إنما كان للتأكيد على إتقان وتمام ضبط رواة الصحيحين مقارنة بغيرهم، والله أعلم.
وبتأمل ما سبق نستنتج أن للشهرة درجات:
فقد عقد الخطيب بابًا -في كتابه الكفاية - في أن المحدث المشهور بالإمامة والعدالة والثقة والأمانة لا يحتاج إلى تزكية المُعِّدل، ومثّل لهم بعدد من الأئمة والحفاظ كالإمام مالك وأحمد بن حنبل وغيرهم فهؤلاء كما قال: "لا يُسأَل عن عدالتهم، وإنما يُسأَل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين" (٤)، وهذه منزلة عالية من الشهرة في ميزان نقّاد الحديث، وتليها منازل أخرى كالشهرة بالطلب، والشهرة
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٢) لفظ الشهرة لم يأت في كتاب "معرفة علوم الحديث" - كما في المطبوع- إنما جاء في كتاب "المدخل إلى الإكليل" في الدرجة العليا من الصحيح فقط.
(٣) أشار إلى ذلك محقق طبعة دار ابن حزم، ويُضاف إلى ذلك أن الحاكم أحال في أكثر من موضع في كتابه معرفة علوم الحديث على ما ذكره في كتاب الإكليل. ينظر: أحمد بن فارس السلوم، مقدمة تحقيقه لكتاب المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل، ٧، ٣٢.
(٤) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٧.
[ ١١٦ ]
بالصدق، وهناك من يوصف بمطلق الشهرة دون تقييد لنوع هذه الشهرة حيث "يطلق بعض النقاد على الراوي وصف (مشهور) (١)، وهي مفردة دالة بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت معه حديث الراوي، وإنما تنفع في تقوية أمره بقدرٍ ما، إذا سَلِم الراوي من قادح" (٢).
فوصف الراوي بأنه (مشهور): تقتضي عدم جهالة عينه، ولعل هذا الوصف هو مراد ابن حجر من قوله "مطلق الشهرة".
و"ينبغي أن يُفرَّق بينها وبين كلمة أخرى هي: مشهور الحديث، فشهرة الحديث غير شهرة الرجل، فقد يكون حديثه مشهورا بين الرواة - أو الناس -من غير طريقه، أما هو فمجهول، ولا يضره أن يكون حديثه غير مشهور إذا كان هو مشهورًا بين علماء الحديث" (٣).
ويُفهم من ذلك أن وصف الشهرة مُجرّدًا ينفي عن الراوي جهالة العين، فإن قُيّد هذا الوصف بالعدالة أو الصدق أو الطلب أفاد عدالة الراوي - بدرجات مختلفة حسب مرتبة
_________________
(١) أي بمفردها مجرّدة عن التعديل أو التجريح.
(٢) الجديع، التحرير، ١/ ٢٥٠. يُنظر أيضًا: الحمش، الإمام الترمذي ومنهجه في كتابه الجامع دراسة نقدية تطبيقية ٢/ ٧٦٥. من أمثلة ذلك: من كتاب بيان الوهم والإيهام للقطان: فقد نقل ابن القطان قول ابن معين في أحد الرواة فقال: "حرب بن عبيد الله بن عمير، سئل عنه ابن معين، فقال: مشهور." ثم عقّب على ذلك بقوله: "وهذا غير كاف في تثبيت روايته، فكم من مشهور لا تقبل روايته".٣/ ٤٩٤. - وقال عن أخر: "عبدالرحمن بن أبي شميلة وهو أيضا لا تعرف حاله. وإن كان قال فيه ابن معين وأبو حاتم: مشهور، فإنما يعنيان برواية حماد ابن زيد عنه، وكم من مشهور لا تقبل روايته." ٣/ ٦٠٥ - ٦٠٦. المرجع: ابن القطان، بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام.
(٣) قاله محمد عوامة في دراساته على الكاشف، ثم استدل على ذلك بما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة حفص بن حسان حيث قال: أن النسائي قال فيه: (مشهور الحديث)، وهي عبارة لا تشعر بشهرة حال هذا الرجل، لا سيما ولم يرو عنه إلا جعفر بن سليمان، ففيه جهالة ". ثم عقّب الدكتور محمد عوامة بقوله: "فأفادنا هذا القول التفرقة بين هاتين الكلمتين، وأن (مشهور) فقط تدل على رفع جهالة عين الرجل. والله أعلم". وجاء أيضًا في التقريب قول ابن حجر: "عمرو ابن حَريش الزُبيدي، له حديث مشهور، وهو مجهول الحال". ينظر: المراجع: ابن حجر، تهذيب التهذيب، ١/ ٤٥٠، ابن حجر، التقريب، ٤٢٠ (٥٠١٠). محمد عوامة، دراسات الكاشف للإمام الذهبي، ١/ ٧٥.
[ ١١٧ ]
الوصف عند علماء الجرح والتعديل-؛ لأن من الرواة من يشتهر بين نقاد الحديث بالكذب أو التهمة به، فوصف الراوي مجردًا بكونه مشهورًا أو معروفًا خروج له عن حيّز الجهالة إلى معرفة عينه، أمّا المعرفة بحاله فتختلف من راوٍ لآخر، حسب الحال التي اُشتهر أو عُرف بها، "فإن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه
جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم: "وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية" وإلا فهو مجهول الحال." (١)
نخلص مما سبق:
أن الشهرة بشكل عام خروج الراوي عن حدّ الجهالة، سواء باشتهار شخصه فيخرج عن جهالة العين، أو باشتهار حاله فيخرج عن جهالة الحال.
والشهرة درجات:
أعلاها: شهرة الراوي بالإمامة والحفظ شهرة تغنيه عن تزكية المعدِّلين (٢).
ثم تليها شهرة بطلب الحديث وإتقانه والعناية به والتي تدل على عدالته وتمام ضبطه، ثم شهرة بالصدق دون بلوغ الغاية في الضبط والإتقان (٣)، ثم شهرة بحمل العلم والعناية به -وهو مذهب ابن عبدالبر والذي عدّه تعديلًا للراوي (٤) - ويليها مُطلق الشهرة دون قيد أو وصف، وهي التي ترفع عن الراوي جهالة عينه ولا تدل على تعديله.
_________________
(١) البقاعي، النكت، ١/ ٦٢٦.
(٢) إذ الشهرة والاستفاضة أحد طرق إثبات العدالة.
(٣) سيأتي بيانها في مبحث الشهرة بالصدق ضمن قيود الحديث الحسن.
(٤) "قد انتقده ابن الصلاح فقال: "وفيما قاله اتساع غير مرضي"، وكأن ابن الصلاح لحظ في ذلك إلى الشبه بالمستور. لكن صوَّب هذا القول المحققون من أهل الحديث كالجزري، والمزي، والذهبي، والسخاوي، وصوروه بما لا يشابه مجهول الحال". فهو أرفع حالًا من المستور ومجهول الحال، فحاله في العلم والعناية به معروفة. قال الذهبي: "ولا يدخل في ذلك المستور، فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا ولا اتفق لهم على علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ وأنه يكون مقبول الحديث، إلى أن يلوح فيه جرح" ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٢٠، عتر، منهج النقد، ١٠٣. أضاف فضيلة المناقش استدراكًا: "لكن ابن عبدالبر يُعلّ الأحاديث بالجهالة".
[ ١١٨ ]
وما ذكره الحاكم في الصحيح من كون رواته مشهورين بالطلب يغني عنه -كما ذكر ابن حجر- اشتراط تمام الضبط في الراوي؛ لأن ضبطه دليل عنايته بالرواية مُضافًا إليه تأكيده انتفاء الجهالة من رواة الصحيح، وخروجهم عن حدّ الجهالة بنوعيها حيث قال:
"فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفا بالعدالة، فمن زعم أن أحدا منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته؛ لما مع المثبت من زيادة العلم ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدًا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا." (١)
وتجدر الإشارة إلى أن وصف الحاكم لرواة الصحيح بالشهرة بالرواية أو بالطلب-المقيّدة بالثقة والإتقان (٢) - إنما كان خاصًا بما أخرجه كل من البخاري ومسلم في صحيحهما، إذ عدّه القسم الأول من الصحيح المتفق على صحته، وجعله في الدرجة الأولى منه، ولم يشترط ذلك في الأقسام الأخرى من الصحيح المتفق عليه والذي أخرجه غيرهما، وبذلك يكون ما نُسِب إليه من اشتراط الشهرة بالطلب كشرط للصحيح مقيّدًا بما أخرجه الشيخان
_________________
(١) ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٥٥ - ٥٦.
(٢) ملاحظة: إنما وصف الصحابي بالشهرة بالرواية عن رسول الله - ﷺ -، وزاد على الشهرة وصف الثقة والإتقان فيمن هو دون الصحابي؛ ولعل ذلك إشارة منه - ﵀- لعدالة الصحابة وعدم الحاجة إلى البحث عن عدالتهم، والله أعلم.
[ ١١٩ ]
في كتابيهما، وليس شرطًا عامًا لكل حديث صحيح (١)، إذ يُكتفى بالشروط السابقة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلو الحديث من الشذوذ والعلة، والله أعلم.
قيد اشتراط العدد:
وهو من القيود الزائدة على شرط الصحيح عند ابن الصلاح، والمراد باشتراط العدد في الحديث الصحيح أو المقبول بوجه عام "أن يرويه عدلان عن عدلين حتى يتصل السند مثنى مثنى برسول الله - ﷺ - " (٢).
وممن نُسب إليه اشتراط هذا الشرط -في الحديث الصحيح - من أئمة الحديث (٣): الإمام الحاكم -﵀- مستدلين بما جاء في تعريفه للصحيح في كتابه "معرفة علوم
_________________
(١) معلوم أن البخاري ومسلم رحمهما الله لم يستوعبا في كتابيهما كل الصحيح، بل جاء عن البخاري قوله: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول" الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢/ ٣٢٢. وقال مسلم في صحيحه: " قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه" مسلم، الصحيح، ١/ ٣٠٤ ح (٦٣).
(٢) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٨. أشار إلى ذلك المعنى العراقي في كتابه التقييد، بنقله جزءًا من رسالة البيهقي إلى أبي محمد الجويني -رحمهما الله- حيث قال: "رأيت في الفصول التي أملاها الشيخ حرسه الله تعالى حكاية عن بعض أصحاب الحديث أنه يشترط في قبول الأخبار أن يروى عدلان عن عدلين حتى يتصل مثنى مثنى برسول الله - ﷺ -. ولم يذكر قائله إلى آخر كلامه. وكأن البيهقي رآه في كلام أبى محمد الجوينى فنبهه على أنه لا يعرف عن أهل الحديث والله أعلم." العراقي، التقييد، ٢١.
(٣) مسألة اشتراط العدد.١٣/ ٢٣٣. ومن أقوال أهل الحديث في حجية خبر الآحاد: قول ابن حبان في مقدمة صحيحه: "فأما الأخبار فإنها - كلها - أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبي - ﷺ - خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ -. فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الأخبار - كلها - أخبار الآحاد، وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد." وقال ابن عبدالبرَّ في التمهيد: "أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لاتعد خلافًا ". وفى ذلك يقول الإمام الحازمي -في كتابه شروط الأئمة-: "ولا أعلم أحدًا من فرق الإسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد سوى متأخري المعتزلة؛ فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة، واعتبروا في الرواية ما اعتبروا في الشهادة، وما مغزى هؤلاء إلا تعطيل الأحكام كما قال أبو حاتم ابن حبان". إن مسألة اشتراط وجود أكثر من راوٍ في كل طبقة من طبقات الإسناد لقبول الحديث، وتفنيد الأقوال فيها، وبيان حجية خبر الآحاد من المسائل المبسوطة بأدلتها في كتب علوم الحديث وكتب أصول الفقه، المراجع: ابن حبان، الصحيح، ١/ ١١٨، ابن عبد البر، التمهيد، ١/ ٢، الحازمي، شروط الأئمة، ٦١. وللاستزادة ينظر: الشافعي، الرسالة، ٤٠١، محمد بن علي الطيب أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، ٢/ ١٣٨، أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، ٢٣، الرازي، المحصول في علم أصول الفقه، ٤/ ٤١٧، ابن حجر، النكت، ١/ ٢٤١ - ٢٤٧، البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٨٧، ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٢، السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ٦٩ - ٧٥، السيوطي، البحر الذي زخر، ١/ ٣٦٣ - ٣٧٦، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ١٨١ - ١٨٦، الجديع، تحرير علوم الحديث، ١/ ٥٢.
[ ١٢٠ ]
الحديث" حيث قال: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان (١)، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول
_________________
(١) قال أحمد السلوم في تعليقه على هامش كتابه-في بيان شرط الشيخين-: "مما اُنتقِد على الإمام البخاري في أسلوب تعامله مع الصحابة - ﵃ -، إطلاقه لفظ الضعف على بعضهم كـ (هند بن أبي هالة، وهو هند ابن خديجة - ﵃ -، فقد أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، فأنكر عليه ذلك أبو حاتم وقال: "روى عنه قوم مجهولون فما ذنب هند ابن أبي هالة أدخله البخاري في كتاب الضعفاء. قال أبو محمد بن أبي حاتم: فسمعت أبي يقول: يحول من هناك." واعتذر الحافظ المعلمي عن صنيع البخاري فقال-في تعليقه في حاشية كتاب ابن أبي حاتم-: "ذاك اصطلاح للبخاري إذا لم يكن للصحابي إلا حديث واحد- لم يصح عنه. المراجع: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٩/ ١١٦، ٩/ ٢٢، ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، ٤/ ١٦١ - ١٦٣، ابن حجر، اللسان، ٦/ ١٣، أحمد بن فارس السلوم، تتمة في بيان شرط الشيخين البخاري ومسلم في صحيحيهما-مطبوع مع تحقيقه لكتاب المدخل إلى الإكليل، ١٨٠. بتصرف. ولعل الحاكم -﵀- قلّد البخاري في اصطلاحه هذا؛ لذا اشترط في الصحيح بوجه عام: أن يكون الصحابي قد زال عنه وصف الجهالة برواية عدلين عنه، ويكون الطريق إليه صحيحًا قد استوفى شروط القبول عند أهل الحديث، ونجد كذلك الإمام الحافظ أبا عبدالله محمد بن إسحاق بن منده (ت ٣٩٥ هـ)، -وهو من معاصري الحاكم- يُصرّح بنسبة الصحابي إلى الجهالة ما لم يروِ عنه إلا تابعي واحد حيث قال: "من حُكْم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد -وإن كان مشهورًا مثل الشعبي وسعيد بن المسيب- ينسب إلى الجهالة. فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا، واحتج به، وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما الصحيحين". ابن طاهر المقدسي، شروط الأئمة الستة، ٢٢، ولعل مراده بقوله (ُاحتُجّ به) أي: جُعل في مرتبة الاحتجاج به أي في أصول الصحيحين لا في الشواهد والمتابعات؛ لذا أعقبه بقوله (وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما)، فمرادهم بالجهالة هنا: قلة الرواة عن الراوي، وعدم اشتهاره، وليس المقصود جهالة عدالته، فعدالة الصحابة معلومة كما سبق، والله أعلم.
[ ١٢١ ]
إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة" (١)، أو بما ذكره من أقسام الصحيح في "المدخل إلى الإكليل" حيث قال:
"والصحيح من الحديث منقسم على عشرة أقسام. خمسة متفق عليها، وخمسة منها مختلف فيها. فالقسم الأول من المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله: الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله - ﷺ - وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورًا بالعدالة في روايته. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح.
القسم الثاني من الصحيح المتفق عليها: الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل رواه الثقات الحفاظ إلى الصحابي وليس لهذا الصحابي إلا راو واحد ".
وبعد أن ذكر أمثلة على هذا القسم قال: "والشواهد لما ذكرناه كثيرة ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح".
القسم الثالث من الصحيح المتفق عليها: أخبار جماعة من التابعين عن الصحابة، والتابعون ثقات إلا أنه ليس لكل واحد منهم إلا الراوي الواحد "
ثم قال: "وليس في الصحيح من هذه الروايات شيء وكلها صحيحة، بنقل العدل عن العدل متداولة بين الفريقين محتج بها".
القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأفراد الغرائب التي يرويها الثقات العدول تفرد به ثقة من الثقات وليس لها طرق مخرجة في الكتب "
ثم قال: "وشواهد هذا القسم كثيرة كلها صحيحة الإسناد غير مخرجة في الكتابيين.
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ٦٢.
[ ١٢٢ ]
القسم الخامس من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم يتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم إلا عنهم "
وقال أيضا: "فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة محتج بها وإن لم يخرج في الصحيحين منها حديث -أي: الأقسام الأربعة دون الأول- لما بيناه في كل قسم منها". (١)
وقد تفاوتت مذاهب العلماء في توجيه كلام الحاكم في كتابيه السابقين- المعرفة والإكليل- إلى مذهبين رئيسيين، الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراط العدد في رواة الصحيح، والثاني: فهم اشتراط شهرة رواة الحديث الصحيح، هذا بشكل مجمل، أما تفصيل ذلك فهو على النحو الآتي:
المذهب الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للعدد (أي: تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند بما لا يقل عن راويين)
وانقسموا إلى قسمين:
القسم الأول: من فهم اشتراط العدد، وأيّده كالميانشي (ت ٥٨١ هـ)، فقد عرّف الصحيح بنفس عبارات الحاكم وعزاه إليه- ثم عقَّب بقوله: "فأما الذي شرطه الشيخان في صحيحهما، فهو أنهما لا يدخلان في كتابيهما إلا ما صح عندهما، وذلك ما رواه عن النبي - ﷺ - اثنان من الصحابة فصاعدًا، وما نقله عن كل واحدٍ من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر، وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة" (٢).
قال الزركشي -مستغربًا ما ذهب إليه المانشي-: "وأغرب مما قاله الحاكم قول أبي حفص الميانشي: إن شرطهما في صحيحيهما ألا يدخلا فيه إلا ما صح عندهما، وذلك ما رواه
_________________
(١) ينظر: الحاكم، الإكليل، ٣٣ - ٤١.باختصار. وقد تعقّب ابن حجر ما ذكره الحاكم من أقسام الحديث الصحيح- فقال: "وكل من هذه الأقسام التي ذكرها في هذا المدخل مدخول"، وردّ عليه بذكر أمثلة من الصحيحين تنقض ما ذكره الحاكم من العموم في هذه الأقسام. ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٣٦٧ - ٣٧٠.
(٢) الميانشي، ما لا يسع المحدث، ٢٧
[ ١٢٣ ]
عن رسول الله - ﷺ - اثنان فصاعدا وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر." (١)
وكذلك تعجّب السيوطي مما ذهب إليه الميانشي، فقال: "وما أدري من أين له ذلك؟ !، وقد كنت أقول: لعله سرى إليه من فهمه كلام الحاكم على غير وجهه، حتى رأيت كتابه، فرأيته ساق أولا كلام الحاكم معزوّا إليه وجعله شرط مطلق الصحيح، ثم قال: فأما الذي شرط الشيخان وذكر ما تقدّم بنصه." (٢)
وبالنظر فيما ذكره الميانشي من شرط الشيخين، نرى أنه زاد على تعريف الحاكم، وأضاف - ما لم يذكره في تعريفه- من تعدد طبقة الصحابة والتصريح بكونهم اثنان فصاعدًا، وضاعف العدد فيمن بعدهم، وقد تعقّبه ابن حجر - فيما ذكره- بقوله: "فهذا الذي قاله مستغنٍ بحكايته عن الرد عليه، فإنهما لم يشترطا ذلك ولا واحد منهما. وكم في الصحيحين من حديث لم يروه إلا صحابي واحد، وكم فيهما من حديث لم يروه إلا تابعي واحد. وقد صرح مسلم في صحيحه ببعض ذلك" (٣).
القسم الثاني: من فهم اشتراط العدد، واعترض عليه وخطّأه كالحازمي (ت ٥٨٤ هـ).
فقد قال الحازمي في كتابه "شروط الأئمة الخمسة": "وذكرت أن بعض الناس يزعم أن شرط الشيخين أن لا يخرجا إلا حديثًا سمعاه من شيخين عدلين، وكل واحد منهما رواه أيضًا عن عدلين كذلك إلى أن يتصل الحديث على هذا القانون برسول الله - ﷺ -. ولم يخرجا
_________________
(١) الزركشي، النكت، ١/ ٢٦٦.
(٢) السيوطي، البحر، ١/ ٦٩٦ - ٦٩٧.
(٣) ذكر سبب تعقبّه لكلام الميانشي فقال: "وإنما حكيت كلام الميانجي (أو الميانشي كلاهما ورد في كتب التراجم) هنا لأتعقبه لئلا يغتر به". ابن حجر، النكت، ٢٤١.
[ ١٢٤ ]
حديثًا لم يُعرف إلا من جهة واحدة أو لم يروه إلا راوٍ واحد وإن كان ثقة وهذا قول قد قيل ودعوى قد تقدمت حتى ذكره بعض أئمة الحديث في مدخل الكتابين".
ثم نقل أقسام الحديث الصحيح التي ذكرها الحاكم في المدخل إلى الإكليل، وعلّق بقوله: "ولم يُصب فيها". (١)
وذكر تحت الباب الذي عنونه بقوله: - في إبطال قول من زعم أن شرط البخاري إخراج الحديث عن عدلين وهلم جرا إلى أن يتصل الخبر بالنبي - ﷺ - عددًا من الأمثلة على الأحاديث الأفراد المخرّجة في الصحيحين أو أحدهما، ثم قال: "ومن أمعن النظر في هذه الأمثلة المذكورة بان له فساد وضع الأقسام التي ذكرها الحاكم". (٢)
قال ابن حجر مُعقِّبا وشارحًا: "قد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه ادعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين.
والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك، وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم، يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه" (٣).
_________________
(١) ينظر: الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، ٣٣ - ٣٨ باختصار.
(٢) ينظر: المرجع السابق، ٤٣ - ٤٩.
(٣) أشار إلى ما قد يكون سببًا في فهم كلام الحاكم على أنه يشترط العدد في رواة الصحيح فقال: "إن قوله -أي الحاكم- في آخر الكلام: "ثم يتداوله أهل الحديث كالشهادة على الشهادة". إن أراد به تشبيه الرواية بالشهادة من كل وجه فيقوى اعتراض الحازمي، وإن أراد به تشبيهها بها في الاتصال والمشافهة، فقد ينتقض عليه بالإجازة، والحاكم قائل بصحتها. وأظنه إنما أراد بهذا التشبيه أصل الاتصال والإجازة عند المحدثين لها حكم الاتصال - والله أعلم- ولا شك أن الاعتراض عليه بما في علوم الحديث أشد من الاعتراض عليه بما في المدخل؛ لأنه جعل في المدخل هذا شرطا لأحاديث الصحيحين. وفي العلوم جعله شرطا للصحيح في الجملة."ابن حجر، النكت، ١/ ٢٤٠. ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ١٣٥.
[ ١٢٥ ]
"فالحازمي ظن أن الحاكم يذهب إلى أن شرط الشيخين هو إخراج الحديث المروي عن عدلين إلى نهاية السند، والحقيقة أنه لم يرد ذلك، ويبعد من الحاكم أن يذهب ذلك المذهب، ولو أراد ما فهمه المعترضون لقال: الحديث الذي يرويه صحابيان إلخ" (١)
فلم يأت في كلام الحاكم التصريح بأن يكون الحديث من رواية اثنين من الصحابة، بل نجده قد ذكر في كتابه المعرفة - ضمن أنواع علوم الحديث- تحت النوع الرابع والعشرين معرفة الغريب من الحديث فنوع منه غرائب الصحيح، ومثّل له من الصحيحين، ووصفها بالأحاديث الصحيحة الغريبة. (٢)
وهذا يدلل على أنه لم يُرِد اشتراط العدد في الحديث الصحيح.
- أما أصحاب المذهب الثاني: وهم من فهم كلام الحاكم على أنه اشتراط لشهرة رواة الصحيح في كل طبقات السند بما في ذلك طبقة الصحابة (أي: شهرة تخرج الراوي عن حد الجهالة برواية راويين عنه على الأقل)، وهم على أقسام:
_________________
(١) عتر، الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، ٦٠ - ٦١ باختصار.
(٢) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٩٤. من الأمثلة التي ذكرها: فقد أخرج الحاكم حديث جابر بن عبد الله قال: «كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيهرواه البخاري في الجامع الصحيح- كتاب المغازي، باب غزة الخندق ٥/ ١٠٨ ح (٤١٠١) - عن خلاد بن يحيى المكي، عن عبدالواحد بن أيمن، فهذا حديث صحيح وقد تفرد به عبدالواحد بن أيمن، عن أبيه، وهو من غرائب الصحيح". المرجع السابق، ٩٤. - وأخرج حديث عبدالله بن عمرو قال: لما حاصر النبي - ﷺ - أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا، فقال: «إنا قافلون إن شاء الله غدا » رواه مسلم في المسند الصحيح -كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الطائف ٣/ ١٤٠٢ ح (١٧٧٨) - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وغيره، عن سفيان، وهو غريب صحيح، فإني لا أعلم أحدا حدث به عن عبدالله بن عمرو غير أبي العباس السائب بن فروخ الشاعر، ولا عنه غير عمرو بن دينار، ولا عنه غير سفيان بن عيينة فهو غريب صحيح." المرجع السابق، ٩٥.
[ ١٢٦ ]
القسم الأول: من فهم ذلك ووافقه عليه كتلميذه البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، وأبو علي الجياني (١) -الغساني- (ت ٤٩٨ هـ).
فأما البيهقي فقد أكّد أن هذا هو مذهب كثير من حفاظ الحديث (٢)، وهو ما يدل عليه صنيع الإمامين البخاري ومسلم، فقال:
"والذي عندنا من مذهب كثير من الحفاظ، وعليه يدل مذهب الإمامين: أبي عبد الله البخاري، وأبي الحسين النيسابوري:
- أنهما إنما يشترطان أن يكون للصحابي الذي يروي الحديث راويان فأكثر؛ ليخرج بذلك عن حد الجهالة، وهكذا من دونه.
- ثم إن انفرد أحد الراويين عنه بحديث، وانفرد الآخر بحديث آخر، أو بحكاية، أو جرى له [ذكر] في حديث آخر، قبل.
- وإنما التوقف في رواية صحابي أو تابعي لا يكون له إلا راوٍ واحدٌ" (٣)
_________________
(١) الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني الأندلسي، أبو علي. محدث الأندلس. من مصنفاته: (تقييد المهمل وتمييز المشكل) و(الألقاب) و(التنبيه على الأوهام الواقعة في المسندين الصحيحين) وغيرها. ينظر: الذهبي، السير، ١٤/ ١٧٢. ابن العماد، الشذرات، ٥/ ٤٢٠. الزركلي، الأعلام، ٢/ ٢٥٥.
(٢) ذلك بعد أن أشار إلى القول الأول، وإبهام قائله، فقال: "ورأيت في الفصول التي أملاها في الأصول -من هذه الأجزاء- حكايةً عن بعض أصحاب الحديث: أنه اشترط في قبول الأخبار: (أن يروي عدلان، عن عدلين، [عن عدلين]، حتى يتصل مثنىً مثنىً برسول الله - ﷺ -) ولم يذكر قائله! ". : البيهقي، رسالة الإمام أبي بكر البيهقي إلى الإمام أبي محمد الجويني، ٨٣.
(٣) ذكر أمثلة لبعض الرواة من الصحابة والتابعين ممن ليس له إلا راوٍ واحد: - كصفوان بن عسال، لم يرو عنه من الثقات إلا: زر بن حبيش. - وكعروة بن مضرس، وهو صحابي، لم يرو عنه من الثقات إلا: عامر الشعبي. - وكالصُبّي بن معبد، وهو تابعي، لم يرو عنه من الثقات إلا: أبو وائل شقيق بن سلمة. ينظر: البيهقي، المرجع السابق، ٨٤ - ٨٥. ومن أمثلة ذلك في كتابه السنن الكبرى، حيث أخرج في كتاب الزكاة، باب ما ورد فيمن كتمه، حديثًا عن بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «في كل أربعين من الإبل السائمة ابنة لبون » هذا حديث قد أخرجه أبو داود في كتاب السنن -كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، ٢/ ١٠١ ح (١٥٧٥) -، فأما البخاري ومسلم رحمهما الله فإنهما لم يخرجاه جريا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين، ومعاوية بن حيدة القشيري لم يثبت عندهما رواية ثقة عنه غير ابنه فلم يخرجا حديثه في الصحيح والله أعلم." البيهقي، السنن الكبرى، ٤/ ١٧٦ ح (٧٣٢٨).
[ ١٢٧ ]
وممن تأوّل كلام الحاكم كذلك- وبيّن أن مراده: إثبات شهرة الراوي وخروجه عن حدّ الجهالة (١) -: أبو علي الجيانى -الغساني- حيث قال: "وليس مراده أن يكون كل خبرٍ
روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه وتابعيه ومن بعده، فإن ذلك يعزُّ وجوده، وإنما المراد أَن هذا الصحابي، وهذا التابعي قد روى عنه رجلان خرَج بهما عن حدّ الجهالة برواية الواحد" (٢).
قال السيوطي: "واعتنى جماعة (٣) بالحاكم فقالوا: "إن الحازمي ظن أن مراد الحاكم: أن كل حديث في الكتابين يشترط أن يرويه اثنان وليس ذلك مراده، إنما مراده أن كل راو فيهما يُشترط أن يكون له راويان؛ ليخرج بذلك عن حد الجهالة، لا أن يتفقا على رواية ذلك الحديث بعينه" (٤).
وقد تعقّب أبو عبدالله بن المواق (٥) هذا الرأي فقال:
_________________
(١) قال الجديع - بعد أن نقل تعريف الحاكم للصحيح-: "وهذه الصفة التي ذكر الحاكم ظن بعض الناس أنه عنى أن كل حديث صحيح يجب أن يرويه اثنان عن الصحابي، وليس الأمر كذلك، إنما قوله: "وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان" عائد على ما ترتفع به الجهالة، فهو يقول: رفع الجهالة لا يكون إلا برواية اثنين عن الصحابي فمن دونه من رواة الحديث.". قال الخطيب البغدادي: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد" المراجع: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨، الجديع، التحرير، ١/ ٣٣٦
(٢) نقل كلامه القاضي عياض في مقدمته لشرح صحيح مسلم. عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، إكمالُ المُعْلِم بفوائد مسلم، ١/ ٨٣.
(٣) منهم: ابن حجر حيث تعقّب الحازمي بقوله: "قد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه ادعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين. والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم، يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه". ابن حجر، النكت، ١/ ٢٤٠
(٤) السيوطي، البحر الذي زخر، ٢/ ٦٩٠ - ٦٩١.
(٥) محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبدالله المواق: فقيه مالكي. له: (التاج والإكليل في شرح مختصر خليل) و(سنن المهتدين في مقامات الدين). مات سنة ٨٩٧ هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، ٧/ ١٥٤. كحالة، المؤلفين، ٢/ ٣٠٢.
[ ١٢٨ ]
"ما حمل الغساني عليه كلام الحاكم -وتبعه عليه عياض وغيره- ليس بالبيِّن، ولا أعلم أحدا روى عنهما أنهما صرحا بذلك، ولا وجود له في كتابيهما ولا خارجا عنهما، فإن كان قائل ذلك عرفه من مذهبهما بالتصفح لتصرفهما في كتابيهما فلم يصب؛ لأن الأمرين معًا في كتابيهما، وإن كان أخذه من كون ذلك أكثريًا في كتابيهما، فلا دليل فيه على كونهما اشترطاه، ولعل وجود ذلك أكثريا إنما هو لأن من روى عنه أكثر من واحد، أكثر ممن لم يرو عنه إلا واحد من الرواة مطلقا، لا بالنسبة إلى من خرج له
منهم في الصحيحين، وليس من الإنصاف إلزامهما هذا الشرط من غير أن يثبت عنهما ذلك مع وجود إخلالهما به؛ لأنهما إذا صح عنهما اشتراط ذلك كان في إخلالهما به درك عليهما." (١)
فقد اعترض ابن المواق على إلزام الشيخين بهذا الشرط، ونسبته لهما دون أن يصرحا بذلك، ولو كان هذا النوع هو الغالب في كتابيهما، ويشير ابن المواق بذلك إلى النسبة الغالبة في أحاديث الصحيحين - بل في الحديث عمومًا - من كون أغلب رواة الحديث قد روى عنهم أكثر من واحد.
القسم الثاني: من فهم اشتراط الحاكم لشهرة الرواة، وانتقد تعميمه ذلك على جميع ما أُخرِج في الصحيحين كابن منده (ت ٤٧٠ هـ)، وابن طاهر المقدسي-ابن القيسراني (٢) - (ت ٥٠٧ هـ).
_________________
(١) قال ابن حجر: "وهذا كلام مقبول وبحث قوي." السيوطي، التدريب، ١/ ١٣٥ - ١٣٦. السيوطي، البحر، ٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥.
(٢) محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الشيباني المقدسي الحافظ القيسراني، شمس الدين أبو الفضل. من حفاظ الحديث. له كتب كثيرة، منها: (أطراف الكتب الستة) و(أطراف الغرائب والأفراد) و(معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات، ٦/ ٣٠. الزركلي، الأعلام، ٦/ ١٧١، كحالة، المؤلفين، ٣/ ٣٦٤ (١٣٧٧٠).
[ ١٢٩ ]
حيث أوضحوا أنها قاعدة غير مطّردة، وذكروا ما ينقض ذلك مما يخالف القاعدة التي ذكرها الحاكم، فقال ابن طاهر المقدسي في كتابه "شروط الأئمة الستة" - في نقد كلام الحاكم فيما قدَّرهُ شرطًا للبخاري ومسلم-:
"الجواب أن البخاري ومسلمًا لم يشترطا هذا الشرط، ولا نُقِل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن. ولعمري إنه شرط حسن لو كان موجودًا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة
في الكتابين جميعًا " (١)، ثم ذكر أمثلة من الصحيحين لعدد من الصحابة لم يرو عنهم إلا راوٍ واحد (٢)، وأتبع ذلك بقوله: "هذا في أشياء كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر لتعلم أن القاعدة التي أسسها منتقضة لا أصل لها .. " (٣)
ويحوي رد ابن طاهر -على الحاكم- جانبين:
الأول: أن ما ذكره الحاكم من شرط البخاري ومسلم لم ينصّا عليه في كتابيهما.
والثاني: أن ما ذكره من شرط مُنتَقَض بما يخالفه من صنيعهما في كتابيهما، فالإمامين البخاري ومسلم لم يلتزما ما اشترطه الحاكم في كتابيهما.
وقد أشار ابن طاهر بأن سبيل معرفة شرط كل إمام من أئمة الحديث - كالبخاري ومسلم- في كتابه إن لم يصرّح به؛ إنما يكون بسبر كتبهم، ثم ذكر ما توصّل إليه من شرطهما
_________________
(١) ابن طاهر المقدسي، شروط الأئمة، ٢٢.
(٢) ذكر الذهبي أن مجموع الرواة من الصحابة الذين أخرج لهم البخاري، ولم يرو عنهم سوى واحد هم عشر رواة، هم: "مرداس الأسلمي؛ عنه قيس بن أبي حازم، حزن المخزومي؛ تفرد عنه ابنه أبو سعيد المسيب بن حزن، زاهر بن الأسود؛ عنه ابنه مجزأة، عبدالله بن هشام بن زهرة القرشي؛ عنه حفيده زهرة بن معبد، عمرو بن تغلب؛ عنه الحسن البصري، عبدالله بن ثعلبة بن صعير؛ روى عنه الزهري قوله، سنين أبو جميلة السلمي؛ عنه الزهري، أبو سعيد بن المعلى؛ تفرد عنه حفص بن عاصم، سويد ابن النعمان الأنصاري شجري؛ تفرد بالحديث عنه بشير بن يسار، خولة بنت ثامر؛ عنها النعمان بن أبي عياش، فجملتهم عشرة". الذهبي، السير، ١٢/ ٤٧٠.
(٣) ابن طاهر المقدسي، المرجع السابق، ٢٣.
[ ١٣٠ ]
فقال: "اعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسن وإن لم يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه" (١).
ثم أيّد ما ذكره بما نقله عن ابن منده، فقال: "وأما الإمام الحافظ المتقن أبو عبدالله محمد ابن إسحاق بن منده، فأشار إلى نحو ما ذكرناه، وخلاف ما رسمه الحاكم - قال-: "من
حُكْم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد -وإن كان مشهورًا مثل الشعبي (٢) وسعيد بن المسيب (٣) - ينسب إلى الجهالة (٤). فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا، واحتج به، وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما الصحيحين، إلا أحرفا تبين أمرها " ثم عقّب ابن طاهر بقوله: "فاستثنى ابن منده أحرفًا وهو هذا النوع الذي أشرت إليه، فقد صح لديك بيان ما قدمته إليك، والله أعلم بالصواب." (٥)
وبالنظر فيما ذكره ابن طاهر، وما استدل به من قول ابن منده، نجده موافقًا لما ذكره الحاكم من جهة أن ثلاثتهم -ابن منده والحاكم وابن طاهر - ﵏- اشترطوا شهرة
_________________
(١) المرجع السابق، ١٧ - ١٨.
(٢) عامر بن شراحيل الشعبي. مات سنة: ١٠٣ أو ١٠٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٢٢ (٢٥٣١)، ابن حجر، التقريب، ٢٨٧ (٣٠٩٢).
(٣) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبى وهب القرشي المخزومي، أبو محمد المدني، قال عنه الذهبي: "الإمام، أحد الأعلام، وسيد التابعين، ثقة حجة فقيه، رفيع الذكر، رأس في العلم والعمل"، وقال ابن حجر: "أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل وقال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علما منه"، مات سنة ٩٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٤٤ (١٩٦٠)، ابن حجر، التقريب، ٢٤١ (٢٣٩٦).
(٤) المقصود بالجهالة هنا عدم الشهرة بالرواية لا جهالة العدالة، فالصحابة كلهم عدول، وسبق بيان هذه المسألة في حاشية تعريف الحاكم في بداية الفصل، أضاف فضيلة المناقش استدراكًا: "بل المقصود عدم ثبوت صحبته".
(٥) ابن طاهر المقدسي، المرجع السابق، ٢٢.
[ ١٣١ ]
الصحابي راوي الحديث المُخرّج له في الصحيحين- والفارق بينهم أنّ ابن طاهر وابن منده استثنيا من هذا الشرط من أُخرِج حديثه من الصحابة ولم يرو عنه إلا واحد، وهم قلة في الصحيحين، بينما الحاكم أطلق قوله - في التعريف بالصحيح- دون استثناء، ولكنه ذكر هذا الاستثناء في تعقيبه على حديث في المستدرك (١)، وهو ما نبه إليه السخاوي بقوله: "وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضا
لكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا، فقال: "الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف، احتججنا به، وصححنا حديثه; إذ هو صحيح على شرطهما جميعا." (٢)
وبهذا الاستثناء يكون الحاكم قد وافقهم فيما ذكروه من القاعدة الأغلبية.
- وهناك من انتصر للحاكم على كلا المذهبين، وأشار إلى احتمالهما جميعًا كابن الأثير (٣) (ت ٦٠٦ هـ)، وبيّن أن مراد الحاكم يحتمل الأمرين (سواء اشتراط العدد أو إثبات الشهرة للرواة)، ولا إنكار عليه، فقال في "مقدمته لجامع الأصول" - بعد أن سرد مقولة الحاكم في شرط الصحيح عند الشيخين-:
"وقد قال غيره: إن هذا الشرط غير مطَّرد في كتابَي البخاري ومسلم، فإنهما قد أخرجا فيهما أحاديث على غير هذا الشرط.
_________________
(١) الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (٦١) ١/ ٧٤.
(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٦٨.
(٣) مبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجرزي ثم الموصلي المعروف بابن الأثير مجد الدين أبو السعادات، كان فقيها، محدّثا، أديبا، نحويا، عالما بصنعة الحساب والإنشاء، وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعة منها: (جامع الأصول في أحاديث الرسول) و(النهاية في غريب الحديث) وغيرها. مات سنة ٦٠٦ هـ. ينظر: الذهبي، السير،١٦/ ٤٥. ابن العماد، الشذرات، ٧/ ٤٢. الأدنه وي، طبقات المفسرين، ٢١٢.
[ ١٣٢ ]
والظن بالحاكم غير هذا، فإنه كان عالمًا بهذا الفن، خبيرًا بغوامضه، عارفًا بأسراره، وما قال هذا القول وحكم على الكتابين بهذا الحكم إلا بعد التفتيش والاختبار والتيقن لما حكم به عليهما.
ثم غاية ما يدعيه هذا القائل، أنه تتبع الأحاديث التي في الكتابين، فوجد فيهما أحاديث لم ترد على الشرط الذي ذكره الحاكم، وهذا منتهى ما يمكنه أن ينقض به، وليس ذلك ناقضًا، ولا يصلح أن يكون دافعًا لقول الحاكم، فإن الحاكم مثبت، وهذا ناف، والمثبت يقدم على النافي، وكيف يجوز له أن يقضي بانتفاء هذا الحكم بكونه لم يجده، ولعل
غيره قد وجده ولم يبلغه وبلغ سواه؟ وحسن الظن بالعلماء أحسن، والتوصل في تصديق أقوالهم أولى، على أن قول الحاكم له تأويلان:
أحدهما: أن يكون الحديث قد رواه عن الصحابي المشهور بالرواية راويان، ورواه عن ذينك الراويين أربعة، عن كل راو راويان، وكذلك إلى البخاري ومسلم.
التأويل الثاني: أن يكون للصحابي راويان ويروي الحديث عنه أحدهما، ثم يكون لهذا الراوي راويان، ويروي الحديث عنه أحدهما، وكذلك لكل واحد ممن يروي ذلك الحديث راويان، فيكون الغرض من هذا الشرط تزكية الرواة، واشتهار ذلك الحديث بصدوره عن قوم مشهورين بالحديث." (١)
_________________
(١) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٦٢ - ١٦٣. تعقّب الحافظ ابن حجر ما ذكره الحاكم - من أقسام الصحيح في كتاب المدخل إلى الإكليل- وذكر ما يُنتقض به عليه في كل قسم فقال في النكت: "ولولا أن جماعة من المصنفين كالمجد بن الأثير في مقدمة جامع الأصول تلقوا كلامه فيها بالقبول، لقلة اهتمامهم بمعرفة هذا الشأن واسترواحهم إلى تقليد المتقدم دون البحث والنظر؛ لأعرضت عن تعقب كلامه في هذا؛ فإن حكايته خاصة تغني اللبيب الحاذق عن التعقب." ابن حجر، النكت، ١/ ٣٦٧. وجاء عن ابن حجر أيضًا استغرابه مما اُشتهر عن شرط الشيخين فقال في الفتح: "قال الكرماني: قالوا لم يرو عن المسيب بن حزن -وهو وأبوه صحابيان- إلا ابنه سعيد بن المسيب، وهذا خلاف المشهور من شرط البخاري أنه لم يرو عن واحد ليس له إلا راو واحد. قلت- أي ابن حجر-: وهذا المشهور راجع إلى غرابته، وذلك أنه لم يدّعه إلا الحاكم ومن تلقى كلامه، وأما المحققون فلم يلتزموا ذلك، وحجتهم أن ذلك لم ينقل عن البخاري صريحا، وقد وجد عمله على خلافه في عدة مواضع منها: "هذا فلان يعتد به" وقد قررت ذلك في "النكت على علوم الحديث". وعلى تقدير تسليم الشرط المذكور، فالجواب عن هذا الموضع أن الشرط المذكور إنما هو في غير الصحابة، وأما الصحابة فكلهم عدول فلا يقال في واحد منهم بعد أن ثبتت صحبته مجهول، وإن وقع ذلك في كلام بعضهم فهو مرجوح، ويحتاج من ادعى الشرط في بقية المواضع إلى الأجوبة". ابن حجر، فتح الباري، ١٠/ ٥٧٥.
[ ١٣٣ ]
- وهناك من رجّح المذهب الثاني وبيّن أنه غير مطّرد في جميع ما اُخرج في الصحيحين كابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، وتلميذه السخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، فقد توسطوا، وجمعوا بين تأويل الشرط بالشهرة، وبيان عدم اطّراده في جميع ما أُخرِج في الصحيحين.
بينما رجّح السيوطي (ت ٩١١ هـ) هذا المذهب، وأشار إلى أنه مطّرد فقال: "ولا ينتقض أيضًا ببعض الصحابة المشار إليهم لما سأبينه في محله، فصحّ كلام الحاكم والبيهقي، ولله الحمد" (١).
قال ابن حجر: "والشرط الذي ذكره الحاكم وإن كان مُنتقِضًا في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم، فإنه مُعتَبر في حق من بعدهم فليس في الكتاب حديث أصل (٢) من رواية من ليس له إلا راو واحد قط" (٣)، وفي كلام ابن حجر إشارة إلى أن هذا الشرط إنما اُنتقض في روايات بعض الصحابة ممن لا راوي عنه إلا واحد، أما من أخرج لهم البخاري في صحيحه ممن هم دون الصحابي - وكانت روايته في أصول الكتاب دون الشواهد والمتابعات- فهذا الشرط متحقق فيهم.
_________________
(١) السيوطي، البحر، ١/ ٦٩٦.
(٢) حين يكون الحديث عن شرط الشيخين "ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار تقسيمهما لأحاديث الكتابين، لأن مما لا خلاف فيه أن أحاديث الكتابين على قسمين: الأول: ما أخرجاه أصولًا للأبواب. الثاني: ما كان من قبيل المتابعات والشواهد، فالأمر في هذا أخف، وقد يحصل فيه تساهل، لا يخرجه من دائرة الصحيح، على اختلاف مراتبه وأنواعه. ونحن إذ نتكلم على تحديد شرطهما، فالمراد القسم الأول من الأحاديث." السلوم، تتمة في بيان شرط الشيخين، ١٧٧.
(٣) ابن حجر، هدي الساري، ٩. وإن كان السيوطي لا يرى في عدم اطراد الشرط اختلاله أو انتقاضه بل يصدق عليه حكم الأغلبية حيث قال: "ولا ينتقض أيضًا ببعض الصحابة المشار إليهم لما سأبينه في محله، فصحّ كلام الحاكم، والبيهقي، ولله الحمد" السيوطي، البحر الذي زخر، ٢/ ٦٩٦. "وكذا الحال في مسلم، فإن من طُعن فيه لأجل تفرد راوٍ واحد عنه، ماله في الأصول شيء. وقد يُخرج هو والبخاري في المتابعات أحرفًا يسيرة لبعض هؤلاء. وإنما شرطا ذلك في الراوي؛ لأن تفرد رجل واحد بالرواية عنه موجب لعدم شهرته بالطلب، ومعرفته بالعلم، وهذا أمر يحجم الاطمئنان إليه، والاعتماد عليه." السلوم، شرط الشيخين، ١٨١.
[ ١٣٤ ]
وساق السخاوي من كلام الحاكم ما يدل على استثناء الصحابة من هذا الشرط فقال: "قد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضا لكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا، فقال: الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف، احتججنا به، وصححنا حديثه ; إذ هو صحيح على شرطهما جميعا" (١).
وقد لخَّص أحد الباحثين في رسالته (٢) - والتي كانت عن الإمام الحاكم وكتابه المستدرك- ما توصّل إليه في بحث هذه الجزئية فقال:
"خلاصة الأمر: أن الحاكم يعلم أن الشيخين أخرجا لبعض الصحابة الذين ليس لهم إلا راو واحد، وفي الوقت نفسه هو يذهب إلى أن الأصل الذي بنى الشيخان عليه كتابيهما الإخراج عن الصحابي الذي له أكثر من راو من التابعين - ثم أردف بقوله- والذي عندي في تفسير موقف الحاكم هذا بشعبتيه أمران، لكل شعبة منهما أمر:
- فأما أنه يعلم تخريج الشيخين لبعض الصحابة الذين ليس لهم إلا راو واحد فحق؛ في علمه وفي واقع الأمر (٣)، غير أنه يمكن أن يضاف إلى ذلك علمه- فيما أرى- أن هؤلاء الذين أخرج لهم الشيخان هم من الصحابة المعروفين، وإن لم يرو عنهم إلا تابعي واحد.
_________________
(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٦٨. ينظر: الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (٦١) ١/ ٧٤.
(٢) ينظر: عادل حسن علي، الإمام الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك، ٢٢٨ - ٢٢٩ باختصار.
(٣) مثال ذلك قول الحاكم بعد أن أخرج أحد الأحاديث في مستدركه: "هذا حديث صحيح قد اتفقا على الاحتجاج برواته، عن آخرهم إلى الصحابة، وعبد الرحمن بن قتادة من بني سلمة من الصحابة، وقد احتجا جميعا بزهير بن عمرو، عن رسول الله - ﷺ -، وليس له راو غير أبي عثمان النهدي، وكذلك احتج البخاري بحديث أبي سعيد بن المعلى، وليس له راو غير حفص بن عاصم" الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (٨٤) ١/ ٨٥. وقال بعد أخرج حديثًا آخر: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا جميعا على إخراج جماعة من الصحابة ليس لكل واحد منهم إلا راو واحد" الحاكم، المرجع السابق، كتاب الإيمان ح (١٢٦) ١/ ١٠٢.
[ ١٣٥ ]
والدليل على هذا من كلام الحاكم نفسه، فقد قال: "الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف احتججنا به، وصححنا حديثه إذ هو صحيح على شرطهما جميعا" (١)
- وأما أن القاعدة عند الشيخين كما يراها الحاكم: التخريج للصحابة الذين روى عن الواحد منهم أكثر من تابعي فكذلك، غاية الأمر أن تُحمَل على القاعدة المطردة أو الحكم الأغلبي، وما ورد في الصحيحين على خلافها فهو محمول على الاستثناء الذي لا ينفي
القاعدة، ولا يلغي الحكم الأغلبي، وقد صرح بمثل هذا أحد الأئمة المعاصرين للحاكم، وهو أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده، فقال: "من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد- وإن كان مشهورًا مثل الشعبي وسعيد بن المسيب- ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا واحتج به، وعلى هذا بنى محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج كتابيهما، إلا أحرفًا تبين أمرها." (٢)
ثم أضاف الدكتور من ضمن ردوده في هذه المسألة قوله: "ولا يشغب على هذا قول الحاكم عن حديث الصحابة الذين ليس للواحد منهم إلا الراوي الواحد من التابعين: "ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح" (٣)؛ ذلك أن تفسير هذه الجملة من كلام الحاكم هو أن المقصود بها استيعاب هذا النوع (٤) من الحديث في الصحيحين، أو
_________________
(١) الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (٦١) ١/ ٧٤.
(٢) المقدسي، شروط الأئمة، ٢٣.
(٣) الحاكم، المدخل إلى الإكليل، ٣٨
(٤) حيث نجد الحاكم قد صرّح في المستدرك باحتجاج البخاري ومسلم ببعض هذا النوع، ومن ذلك: قوله: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه وهي في جملة ما قلنا: إنهما أعرضا، عن الصحابي الذي لا يروي عنه غير الواحد، وقد احتجا جميعا ببعض هذا النوع." الحاكم، المستدرك، كتاب الطهارة، ح (٥٢٢) ١/ ٢٤٧.
[ ١٣٦ ]
جعله في مكانة واحدة من حيث الاختيار منه عند الرواية، مع غيره من روايات الصحابة؛ ولا شك أن هذا وذلك غير الواقع في الصحيحين." (١)
نخلص مما سبق (٢):
أن علماء الحديث اختلفوا في تأويل مراد الحاكم من شرط الشيخين، وهل مراده اشتراط العدد في كل طبقة من طبقات الإسناد، أو أن يكون الراوي مشهورًا زال عنه وصف الجهالة برواية راويين عنه فأكثر.
والمعنى الثاني أيّده الأكثر، ومنهم من كان معاصرًا له كتلميذه البيهقي، بل إن أغلب من ذهب إلى تأويل مراده باشتراط الشهرة كانوا أقرب لعصره ممن اشترط العدد، ونلحظ أن من اشترط العدد قد زادوا على نص الحاكم ما لم يصرّح به من تعدد رواة الحديث من الصحابة، ولعله قد اُلبِس عليهم في ذلك.
إلا أن ما ذهب إليه الحاكم - عموما- لم يسلم من توجيه الانتقاد إليه في نسبة ذلك إلى الشيخين رغم إخراجهم لأحاديث رواة ليس لهم إلا راوٍ واحد، ووجه بعضهم ذلك بكونه شرطًا أغلبيًا، وذكروا أن ما أُخرِج في أصول الكتابين اُلتُزِم فيه بالشرط، وإنما الاعتراض بالنقد يتوجّه للرواة الذين أُخرج لهم في الشواهد والمتابعات، وهؤلاء ليسوا ضمن شرط الشيخين في الاحتجاج بهم.
ومن يتأمل تعريف الحاكم للصحيح في كتابه "معرفة علوم الحديث" فإنه جاء عامًا ولم يُقيد بما أخرجه الشيخان في صحيحهما، واقتصر فيه على اشتراط زوال الجهالة عن
_________________
(١) ينظر: علي، الإمام الحاكم، ٢٢٨ - ٢٢٩ باختصار.
(٢) إن اختلاف العلماء في فهم كلام الحاكم وتوجيهه والاستدلال بصنيعه، يجعل من الصعب أو العسير الحكم على مراده دون جمع لأقواله، ومعرفة المتقدم منها من المتأخر، وما نُقِّح من كتبه وما عاجلته المنية قبل أن يتيسّر له تنقيحه وتبيضه، هذا عدا استقراء كتبه ومنهجه بشكل عام ومستفيض؛ لاستخراج القاعدة الأغلبية التي يسير عليها، وفي هذا المبحث يطول الأمر ويصعُب استقصاء ذلك، فهو بحاجة إلى بحث مطوّل بل أبحاث؛ لذا ما ذُكر هنا من خلاصة هذا المبحث إنما هو مجرد اجتهاد في جمع الأقوال، وتأمل استنتاجات من سبق مع أدلتهم، والخروج بنتيجة وفق هذه المعطيات، والله أعلم بالصواب.
[ ١٣٧ ]
الصحابي راوي الحديث، ويقصد بالجهالة هنا: قلة الرواة عنه وعدم اشتهاره بالرواية لا جهالة العدالة أو الحال، فالصحابة كلهم عدول.
وقد فسّر زوالها: بأن يروي عنه تابعيان عدلان، بينما جاء التصريح بوصف الشهرة للرواة في كتابه "المدخل إلى الإكليل"- وهو سابق في التأليف عن المعرفة- (١) وفيه قسّم الصحيح إلى أقسام خص القسم الأول منهما بالصحيح عند الشيخين، وفيه وصف
الصحابي بالشهرة بالرواية، ووصف من بعده بالشهرة بالإتقان -وقد سبق تفصيل ذلك في قيد الشهرة بالطلب.
والراجح "أن الحاكم موافق لجمهور أهل السنة من المحدثين الذين لم يشترطوا تعدد الرواية، بل قبلوا أحاديث الآحاد والأفراد (٢)، إذا توفرت شروط صحتها وقبولها خلافًا لبعض أهل البدع الذين اشترطوا التعدد، ولم يقبلوا رواية الواحد" (٣)، والله أعلم.
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:
- لقد تفاوتت القيود التي اشتمل عليها تعريف ابن الصلاح للحديث الصحيح من حيث اتفاقهم عليها أو اختلافهم.
_________________
(١) أضاف فضيلة المناقش: "إذا كان المدخل إلى الإكليل سابقًا للمعرفة، فالأولى القول برجوع الحاكم عن هذا القول، أو أنه قصد الأغلبية".
(٢) من أمثلة ذلك: قول الحاكم في المستدرك بعد إخراجه لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة». الحاكم، المستدرك، ١/ ٩١ ح (١٠٠).
(٣) عبدالجواد حمام، التفرّد في رواية الحديث ومنهج المحدثين في قبوله أو رده، ٣٧٣.
[ ١٣٨ ]
- وقد اتفقوا على اشتراط العدالة في رواة الصحيح، وإن كان هناك تفاوت غير مؤثر في بيان معنى العدل إلا أن العدالة - وما يتعلّق بديانة الراوي وتقواه- هي الركن الأساس في الرواية.
- وكذلك ما يخص قيد ضبط الراوي وإتقانه لما يروي، فهو من القيود والشروط الأساسية للحديث الصحيح، وإن لم يتم التصريح والتنصيص عليه في بعض التعريفات التي سبقت
ابن الصلاح؛ إلا أن ما يذكرونه من شروط لرواية الراوي تتضمن ذلك، أما من جاء بعد ابن الصلاح، فقد صرّحوا به ونصّوا عليه، وزاد ابن حجر وصف التمام للضبط؛ لتمييز مراتب الحديث الصحيح عن الحسن.
- أما شرط اتصال السند، فقد اشترطته أغلب التعريفات خاصة فيما يتعلّق بالحديث المتفق على صحته، بينما أشار الحاكم إلى اختلاف العلماء في تصحيح بعض المراسيل، أو روايات الثقات من المدلسين.
- ومن الشروط التي نص عليها ابن الصلاح في حدّ الحديث الصحيح: نفي الشذوذ، وقد تعددت تعريفات الحديث الشاذ - قبل ابن الصلاح- إلى ثلاثة معاني، ثم صاغها ابن الصلاح في قسمين هما: الفرد المخالف، والفرد غير المُحتمل.
وبالرغم من الاختلاف في المقصود من الشذوذ إلا أن أغلبهم أشار إلى تأثير المخالفة من الراوي لغيره على صحة الحديث - وإن لم يُسَمِّ ذلك شذوذا.
ولقد صرّح الزركشي وابن حجر على أن المراد بنفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح هي المخالفة.
- أما بخصوص نفي العلة، وإن لم ينصّ بعضهم عليه في حد الصحيح -خاصة من قبل ابن الصلاح- إلا أنهم متفقون على نفي كل ما يُعارض صحة الحديث على وجه العموم، وإنما اختلفوا في بعض العلل من حيث كونها قادحة في الصحة أو غير قادحة، فكل ما
[ ١٣٩ ]
يقدح ويؤثر على صحة الحديث من سبب ظاهر أو خفي فهو خارج عن حد الصحيح، ولكون الشروط والقيود السابقة أخرجت الأسباب الظاهرة التي تقدح في الصحة، رُجّح بأن المراد بنفي العلة في الحديث الصحيح ينصرف إلى العلل والأسباب الخفية القادحة في الصحة.
- أما بخصوص اشتراط كون الحديث مُسندًا كشرط من شروط الصحيح، واختلافهم في معنى المسند على معانٍ منها: اتصال إسناده، وهو بهذا المعنى يكون تكرارًا لاشتراط اتصال السند، والحدود تُصان عن التكرار.
ومن معاني المسند: المرفوع، وفي اشتراط ذلك في حدّ الصحيح قصر للصحة على الأحاديث المسندة المرفوعة، بينما الصحة وصف يتطرّق لكل ما يجمع شروط الصحة السابقة من الآثار والأقوال الموقوفة والمقطوعة.
- وقد زيدت بعض الشروط والقيود التي لم تُذكر في حد الصحيح عند ابن الصلاح، ومن ذلك:
- اشتراط نفي التدليس، الذي هو نوع من الانقطاع الخفي في السند، ويمكن اندراج نفي التدليس ضمن شرطي اتصال السند ونفي العلة، فباتصال السند يخرج كل سند منقطع ظاهر الانقطاع، وبنفي العلة يخرج الانقطاع الخفي.
- وهناك شرط شهرة الرواة بالطلب، والذي نُسِب للإمام الحاكم اشتراطه في رواة الصحيح، والمراد بهذه الشهرة: عناية الراوي بالحديث وإتقانه له، ويُغني عنها كما ذكر ابن حجر: وصف الراوي بتمام الضبط والإتقان، وضبط الراوي لمروياته دليل إتقانه وعنايته بالرواية.
- وكذلك نُسِب للحاكم اشتراط تعدد الرواة في إسناد الحديث الصحيح، وقد تفاوتت مواقف العلماء من فهم مراد الحاكم وتوجيهه إلى مذهبين رئيسيين:
[ ١٤٠ ]
المذهب الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للعدد (أي: تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند بما لا يقل عن راويين) فمنهم من فهم ذلك وأيّده كالميانشي (ت ٥٨١ هـ)، ومنهم من اعترض عليه وخطّأه كالحازمي (ت ٥٨٤ هـ).
والمذهب الثاني: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للشهرة (أي: شهرة الراوي وخروجه عن حد الجهالة برواية راويين عنه على الأقل) فمنهم من فهم ذلك ووافقه عليه كتلميذه البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، وأبو علي الجياني -الغساني- (ت ٤٩٨ هـ).
ومنهم من فهم ذلك وانتقد تعميمه على جميع ما أُخرِج في الصحيحين كابن منده (ت ٤٧٠ هـ)، وابن طاهر المقدسي-ابن القيسراني- (ت ٥٠٧ هـ).
وهناك من انتصر للحاكم على كلا المذهبين، وأشار إلى احتمالهما جميعًا كابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ)، وهناك من رجّح المذهب الثاني كالسيوطي (ت ٩١١ هـ)، بينما هناك من رجّح الثاني وبيّن أنه غير مطّرد في جميع ما اُخرج في الصحيحين كابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، وتلميذه السخاوي (ت ٩٠٢ هـ).
بينما يدل صنيع الحاكم في المستدرك على موافقة جمهور أهل السنة من المحدثين، الذين لم يشترطوا تعدد الرواة، بل قبلوا أحاديث الآحاد والأفراد.
فهذا الشرط، وإن انطبق على بعض الأحاديث الصحيحة؛ لكنه لا يَعُمُّ كل الصحيح، بل من الصحاح آحاد وأفراد.
هذا، ويمكن اختصار تعريف الصحيح بكونه (ما اتصل سنده بنقل الثقة) (١).
وبهذا نختم فصل الحديث الصحيح، وننتقل إلى الفصل الثاني من فصول هذا البحث، وتحرير النوع الثاني الذي ذكره ابن الصلاح، وهو الحديث الحسن.
_________________
(١) من إضافات فضيلة المناقش أ. د. سعد بن عبدالله الحُميّد.
[ ١٤١ ]