المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
[ ٤٢٤ ]
المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف المعلل لغة:
المعلل: اسم مفعول من علَّل.
وقد ذكر ابن فارس (١) أن الفعل (علَّ) يأتي على أصولٌ ثلاثة صحيحة:
الأول: تكرُّرٌ أو تكرير، ومنه: العَلَلُ، وهي الشربة الثانية.
والثاني: عائق يعوق صاحبه، والعلة حدث يشغل صاحبه عن وجهه.
والثالث: ضَعفٌ في الشيء، فالعلة مرض، وصاحبها معتل. (٢)
وعليه فإن من معاني العلة في اللغة: التكرير، والمرض، والعائق يعوق صاحبه. (٣)
قال السخاوي: "أعله الله فهو مُعلّ، ولا يقال: معلل، فإنهم إنما يستعملونه من علله بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام، وما يقع من استعمال أهل الحديث له;
_________________
(١) أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي اللغوي، أبو الحسين القزويني، كان إمامًا في علوم شتى، وخصوصًا اللغة فإنه أتقنها، وألف كتابه (المجمل) في اللغة، وهو على اختصاره جمع شيئًا كثيرًا. مات سنة ٣٩٥ هـ. ينظر: ابن خلكان، الوفيات، ١/ ١١٨، الذهبي، السير، ١٧/ ١٠٣.
(٢) ينظر: ابن فارس، مقاييس اللغة، ٤/ ١٣ - ١٤. وقد أوضح الدكتور همام سعيد العلاقة بين هذه المعاني اللغوية للعلة، وبين المعنى الاصطلاحي فقال -في مقدمة تحقيقه لشرح علل الترمذي-: "ولما كان من معاني (علّ) في أصل اللغة الشربة الثانية، كما ذكر ابن فارس في معنى هذه المادة، فيكون هذا الاستعمال لا غبار عليه، لا في اللغة ولا في الاصطلاح، وتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي أن العلة ناشئة عن إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة. وكما يقال (معلول) بهذا المعنى فإنه يقال (معلّ) لما دخل على الحديث من العلة بمعنى المرض. وأما استعمال (معلل) فلا تمنعه القواعد إذا كان مشتقًا من (علله) بمعنى ألهاه به وشغله، ويكون معنى (الحديث المعلل): هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحا للعمل به." همام عبدالرحيم سعيد، "مقدمة في العلة وميدانها" من تحقيقه لشرح علل الترمذي لابن رجب، ١/ ٢١.
(٣) يُنظر: الفراهيدي، العين، ١/ ٨٨. الرازي، مختار الصحاح، ٢١٦.
[ ٤٢٥ ]
حيث يقولون: علله فلان، فعلى طريق الاستعارة." (١) "فكأن وجه الشبه الشغل، فإن المُحدِّث يشتغل بما فيه من العلل." (٢)
وتعقّب ابن الصلاح تسميّة الحديث المُعلّ بالمعلول، فقال: "ويسميه أهل الحديث (المعلول)، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: (العلة والمعلول) مرذول عند أهل العربية واللغة" (٣).
وتبعه النووي في ذلك فقال: هو لحن (٤)، أي: تسميته بالمعلول، بينما جوّد العراقي تسميته بالمُعلّ، وأشار إلى أن لفظ معلول قد وقع في عبارات النقّاد من المحدثين (٥)، مما حدا بابن حجر إلى ترجيح هذه التسمية على غيرها؛ نقل ذلك عنه البقاعي في النكت، فقال: "قال شيخنا: والأولى عندي أن يقال: معلول؛ لأنها وقعت في عبارات أهل الفن " (٦).
_________________
(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٤.
(٢) القاري، شرح النخبة، ٤٥٩.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٩.
(٤) النووي، التقريب، ٤٣، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٢٩٤.
(٥) ينظر: العراقي، التقييد، ١١٧ - ١١٨.
(٦) وأتبع ذلك بقوله: "وهي لغة، كما في كلام أبي إسحاق، وعلى ما خرجه سيبويه، وقد فر ابن الصلاح من استعمال لغة، هي على زعمه رديئة، فوقع بقوله: (معلل) في أشد من ذلك باستعمال ما ليس من هذا الباب أصلا، بل من باب التعلل، الذي هو التشاغل والتلهي". البقاعي، النكت، ١/ ٤٩٩. وفي بحث قواعد العلل قال مؤلفه: "وأقدم من وجدته استعمل كلمة معلول بمعنى مريض. المراجع: ينظر: الشافعي، الأم، ٤/ ٣٢٥، أبو داود، رسالة أبي داود إلى أهل مكة، ٣٣، الترمذي، العلل الكبير، ٢٠٦ ح (٣٦٥)، الترمذي، السنن، ١/ ١٥٨ ح (٩٧) - ٢/ ٤١٩ ح (١١١٩)، الخليلي، الإرشاد، ٣/ ٩٦١، الزرقي، قواعد العلل وقرائن الترجيح، ٨ - ٩. الصياح، جهود المحدثين في بيان علل الحديث، ١٤.
[ ٤٢٦ ]
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
ورد لفظ العلة - وكذلك وصف الحديث بكونه مُعلًا أو معلولًا- في كتب نقاد الحديث، إلا أن تفسير معنى العلة أو الحديث المعلول، وحدِّه بما يُميِّزه إنما ورد في بعض الكتب التي صُنِّفت في علوم الحديث، وكان "أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث- وهو أقرب إلى الوصف منه إلى التعريف-" (١) ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث.
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
قال الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث"- تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث-: "معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح، والسقيم، والجرح والتعديل ".
ثم أتبعه بقوله: "وإنما يُعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٢)
تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):
أما ابن الأثير فقد ذكر صفة الحديث المعلل في مقابلة الحديث الشاذ (٣)، فقال في مقدمة كتابه جامع الأصول: "وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه،
_________________
(١) محمد عبدالرحمن طوالبة، مفهوم العلة عند المحدثين، ٤٢٨ - ٤٢٩.
(٢) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.
(٣) ما ذكره ابن الأثير استفاده من علوم الحديث للحاكم، كما سبق بيانه في فصل الحديث الشاذ.
[ ٤٢٧ ]
فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذُكِرت، فزال الخلل منه (١). والشاذ: ما لا يعرف له علة." (٢)
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
ذكر ابن الصلاح - في كتابه علوم الحديث تحت (النوع الثامن عشر: معرفة الحديث المعلل) - معنى علل الحديث، فقال: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.
ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فالأغلب اختصر كلامه كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)،
_________________
(١) عبارة (زال الخلل منه) أجدها مُبهَمة، إذ كيف يزول الخلل مع ظهور علته، ولعل المقصود منها: ظهور وجه الخلل بها، فزال خفاؤه. فقد ذهب الحاكم -في بيان الفرق بين الشاذ والمعلول- إلى أن المعلول ما يوقف على علته بعد البحث وجمع الطرق، بينما الشاذ يتفرّد الراوي به ولا متابع له، وينقدح في نفس الناقد بأن له علة لم يقف عليها، حيث قال: "فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثا في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة". الحاكم، علوم الحديث، ١١٩. وقد راجعت مخطوطة لجامع الأصول وجدتها على موقع الألوكة، للتأكد من عدم وجود تصحيف أو سقط في المطبوع، فوجدت العبارة بنصها. ينظر: المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير، جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -، مكتبة الغازي خسروبك، مصوّرة، اللوح ١٩، السطر ٢٧. http://www.alukah.net/library/0/76159/.
(٢) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٧.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠. قال ابن حجر: "قلت: وهذا تحرير لكلام الحاكم في (علوم الحديث) ". ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠.
(٤) ينظر: النووي، التقريب، ٤٣ - ٤٤.
[ ٤٢٨ ]
وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (١)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٢)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٣)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) في شرح التبصرة (٤)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) نقل عبارة ابن الصلاح بتصرّف يسير في المقنع (٥)، واختصرها في التذكرة، فقال: "والمعلل: وهو ما اطلع فيه على علة قادحة في صحته، مع السلامة عنها ظاهرا." (٦)
ولعل من أبرز تعريفات الحديث المعلل بعد ابن الصلاح (٧):
تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) حيث قال في النزهة: "المعلل لغة: ما فيه علة، واصطلاحا: ما فيه علة خفية قادحة" (٨). ثم أوضح مراده بهذه العلة - في موضع آخر- فقال:
"ثم الوهم إن اُطّلِع عليه بالقرائن الدالة على وهم راويه -من وصل مرسل أو منقطع أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة، وتحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجمع الطرق- فهذا هو المعلل." (٩)
فالمعلل - وفق ما ذكر- ناتج عن وهم الرواة. (١٠)
_________________
(١) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٢.
(٢) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٧٨.
(٣) ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٥٩.
(٤) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٧٤.
(٥) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢١٢.
(٦) ابن الملقن، التذكرة، ١٧ - ١٨.
(٧) ملاحظة: لم أُشر إلى ما جاء في النسخة المطبوعة من كتاب الموقظة في الجمع بين مصطلحي (المضطرب والمعلل)؛ لأن إدراج لفظ المعلل من صنيع المحقق -﵀- وقد أدرجه لوجوده في إحدى النسخ، على الرغم من أن شيخ الذهبي (ابن دقيق العيد) لم يورده في كتابه (الاقتراح). ينظر: الذهبي، الموقظة، ٥١، سليم، شرح الموقظة، ١٢٠، العوني، شرح الموقظة، ١٣٧.
(٨) ابن حجر، النزهة، ٧٠.
(٩) المرجع السابق، ١١٣.
(١٠) "كثير من أجناس العلل راجع إلى تخلّف صفة الضبط في الراوي، وذلك هو الوهم، والأوهام تتنوع بحيث لا يُمكن حصرها أو تسمية كل منها باسم اصطلاحي خاص". الحسني، مدار الإسناد، ١/ ١٩٩.
[ ٤٢٩ ]
وقد صاغ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) تعريف الحديث المعلل بقوله: "فالمعلل أو المعلول: خبر ظاهره السلامة اُطُّلِع فيه بعد التفتيش على قادح." (١)
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
حرّر ابن الصلاح كلام الحاكم في نوع الحديث المعلل - كما ذكر ابن حجر (٢) - ثم عمد إلى تعريف الحديث المعلل بقوله: "هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها"، وذلك بعد أن ذكر تعريف علل الحديث بكونها: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه"، وذكر أن العلل عادةً تتطرق "إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣)
ويمكن الإشارة إلى أن أبرز قيود العلة الواردة في تعريف ابن الصلاح هما قيّدي: الغموض، والقدح في الصحة، وفيما يلي تفصيل ذلك:
قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:
_________________
(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٦.
(٢) قال ابن حجر في النكت على ابن الصلاح: "وهذا تحرير لكلام الحاكم في (علوم الحديث) ". ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠.
(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
[ ٤٣٠ ]
القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة.
والخفي في اللغة من: الاستتار وعدم الظهور، وهو خلاف الظاهر. (١)
والغامض من الكلام: خلاف الواضح. (٢)
وبالنظر إلى ما سبق من تعريفات للعلة، فقد أشار الحاكم إلى قيد الغموض والخفاء في العلة حيث قال: "يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٣)
_________________
(١) ينظر: ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٦٥، المعجم الوسيط، ١/ ٢٤٧.
(٢) ينظر: الرازي، الصحاح، ٣/ ١٠٩٦، المعجم الوسيط، ٢/ ٦٦٢.
(٣) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣. ومن أمثلة غموض العلة وخفائها، ما صرّح به أبوحاتم في تعليله لبعض الأحاديث بقوله: (هذا الحديث له علة قل من يفهمها، أو ومن لا يفهم يستغرب هذا، ونحو ذلك من العبارات الشبيهه ) ومثال ذلك: - المثال الأول: قول ابن أبي حاتم: "وسألت أبي عن حديث رواه إسحاق بن الطباع، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها؟ قال أبي: هذا من تخاليط ابن لهيعة، ومن لا يفهم يستغرب هذا، وهو عندي خطأ؛ وحدثنا أبو الأسود، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله، عن أبيه؛ أنه كان يقول: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها؛ وهذا أشبه. ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٣٦ - ٣٨ (١٢٣٣). - المثال الثاني: قوله: "وسألت أبي عن حديث رواه قيس بن الربيع، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان؛ قال: قلت للنبي - ﷺ -: قرأت في التوراة: بركة الوضوء قبل الطعام، فقال رسول الله - ﷺ -: بركة الطعام: الوضوء قبل الطعام وبعده؟ قال أبي: هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيح؛ كان حديثا، وأبو هاشم الرماني ليس هو. قال: ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي عمرو بن خالد، عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة عن أبي هاشم، وعن حبيب بن أبي ثابت. قال أبي: روى عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي - ﷺ - أحاديث موضوعة؛ خمسة، ستة. قال أبي: ومن لم يفهم - ورأى تلك الأحاديث التي يروي عنه ابن جريج، وحسين المعلم - يظن أن [أبا] خالد هذا هو الدالاني، والدالاني ثقة، وهذا ذاهب الحديث، ومن يفهم لم يخفى عليه. ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٣٨٢ - ٣٨٤ (١٥٠٢). - المثال الثالث: قوله: "وسمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية؛ قال: حدثني أبو وهب الأسدي؛ قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: (لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه). قال أبي: هذا الحديث له علة قل من يفهمها؛ روى هذا الحديث عبيدالله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، وعبيدالله بن عمرو كنيته: أبو وهب، وهو أسدي؛ فكأن بقية بن الوليد كنى عبيدالله بن عمرو، ونسبه إلى بني أسد؛ لكيلا يفطن به، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له، وكان بقية من أفعل الناس لهذا " ابن أبي حاتم، العلل، ٥/ ٢٥٠ - ٢٥٢ (١٩٥٧).
[ ٤٣١ ]
وقد أخرج الحاكم عن عبدالرحمن بن مهدي قوله: "معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يُعلِّل الحديث: من أين قلت هذا؟، لم يكن له حجة" (١).
ورُوي عن ابن مهدي أيضا، قوله: "إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة" (٢).
فمعرفة العلل يغمُض على غير أهل هذا العلم، حيث أخرج الحاكم ما جاء في قصة أبي زُرْعة: أن رجلًا قال له:
"ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته ثم تقصد ابن وارة - يعني محمد بن مسلم بن وارة (٣) - وتسأله عنه ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلام كل منا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أن كلا منّا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة، فاعلم حقيقة هذا العلم، قال: ففعل الرجل، فاتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام." (٤)
"وهذه الحكاية التي ذكرها " الحاكم " تدل على أن الجهابذة النقادَ يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه ومعوجِّه، كما يميز الصيّرفي بين الجيد والرديء. وكم من شخص لذلك لا يهتدي." (٥)
وقال ابن حجر- موضّحًا خفاء هذا العلم على غير أهله-:
"وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصًا واطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ١١٣.وقول ابن مهدي أخرجه ابن أبي حاتم في العلل، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي. ينظر: ابن أبي حاتم، العلل، ١/ ٣٨٨، الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٥.
(٢) ابن أبي حاتم، المرجع السابق، ١/ ٣٨٩.
(٣) محمد بن مسلم بن عثمان بن عبدالله الرازي الحافظ، أبو عبد الله المعروف بابن وارة، ثقة حافظ، مات سنة ٢٧٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٢١ (٥١٥٣)، ابن حجر، التقريب، ٥٠٧ (٦٢٩٧)
(٤) الحاكم، علوم الحديث، ١١٣، ينظر: الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٦.
(٥) البلقيني، المحاسن، ٢٦٣.
[ ٤٣٢ ]
أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك."
وقد تقصر عبارة المعلِّل منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح [إحدى] الروايتين على الأخرى [كما] في نقد الصيرفي سواء، فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم - بتعليله - فالأولى إتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه." (١)
فالمراد بالغموض والخفاء في قيد العلة: غموض هذه العلل وخفائها على غير أهل هذا الفن؛ فهو غموض نسبيّ، وليس غموضًا مطلقًا (٢)؛ إذ لا يخفى ذلك على نقاد الحديث وجهابذته، -كما أوضح ذلك ابن حجر- وأكد عليه الجزائري بقوله:
"وهذه المسألة ليست من المسائل الغامضة، فإن كل من اشتغل بفن من الفنون، وتفرغ له، وسلك مسلك أهله، وصرف عنايته إليه، قد يَحكُم في مسائله بحكم لا يتيسَّر له إقامة الدليل الظاهر عليه، وإن كان له في نفس الأمر دليل ربما كان أقوى من الأدلة الظاهرة، إلا أن العبارة تقصر عنه، ولذلك ترى المشاركين له في تلك الحال يحكمون بمثل حكمه في الغالب.
ومن ثم اتفق الجهابذة من العلماء على أنه يُرجَع في مسائل كل فن إلى أهله المعنيين بأمره.
وعلى ذلك فلا يستغرب أن يقال إنه يجب في الحديث أن يرجع فيه إلى أئمته المشهورين، الذين تفرغوا له، وصرفوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه وعلله وأحوال رجاله، فإذا ثبت اتفاقهم على شيء ثبوتا بينا، لم يسغ العدول عنه، ومن سلك مسلكهم تبين له مثل ما تبين لهم". (٣)
وقال الخطيب البغدادي -مبيّنًا تفاوت العلة في الغموض والخفاء-:
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١١.
(٢) ينظر: الحسني، المدار، ١/ ١٨٥.
(٣) الجزائري، توجيه النظر، ٢/ ٦٥٢.
[ ٤٣٣ ]
- فمن الأحاديث ما تخفى علته، فلا يُوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيّ الزمن البعيد كقول علي بن المديني: "ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة"
- ومنها ما قد كفى راويه مؤونته، وأبان في أول حاله علَّته.
قيل لشعبة: "من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي - ﷺ - لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه يكذب" (١)
فلا يَحسُن الكلام في علم العلل إلا لأهله، قال ابن رجب: "ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة فإذا عدم المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة، العارفين كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني، وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك، وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة صلح له أن يتكلم فيه." (٢)
والعلة الخفية تتطرق غالبًا للإسناد الذي ظاهره الصحة، كما صرّح بذلك ابن الصلاح، فقال: "ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣)
وأشار إلى ذلك الحاكم بقوله: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له
_________________
(١) ينظر: الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٧ باختصار.
(٢) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٦٤.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
[ ٤٣٤ ]
علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (١)
قال ابن حجر - معقبا على كلام الحاكم-: "فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مُضعَّف معلولا، وإنما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك. وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود." (٢)
وعقَّب أيضًا على قول ابن الصلاح: -"وكثيرا ما يعللون الموصول بالمرسل مثل: أن يجيء الحديث بإسناد موصول، ويجيء أيضا بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول " (٣) - بقوله: "ليس هذا من قبيل المعلول على اصطلاحه- وإن كانت علة في
الجملة- إذ المعلول على اصطلاحه مقيد بالخفاء، والإرسال أو الانقطاع ليست علتها بخفية." (٤)
وما قرره ابن حجر - من أن المعلول في الاصطلاح إنما يُطلق على ما خفيت علّته- قد يُشكِل مع قول ابن الصلاح:
"ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.
(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠، ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٠٢.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٤٥. وأكّد إنكاره على من عرَّف المعلل بالإرسال أو الانقطاع، جاء ذلك تعقيبًا على ما نقله شيخه ابن الملقن في كتابه المقنع بقوله: "وذكر ابن خُشَيش في كتابه (علوم الحديث) أن المعلل: أن يَروي عمن لم يجتمع به، إما بطريق التاريخ - كما تقدم- كمن تتقَّدم وفاته عن ميلاد من يروي عنه، وإما بطريق الجهة، بأن يروي الخُراساني عن المغربي، ولم يُنقل أن الخراساني انتقل من خراسان، ولا أن المغربي انتقل من المغرب" ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢١٣.
[ ٤٣٥ ]
هو مقتضى لفظ العلة في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب (١)،
والغفلة (٢)، وسوء الحفظ (٣).
_________________
(١) من أمثلة تعليل الحديث - في كتب العلل- بكذب بعض رواته، ما يلي: - ما أخرجه الترمذي في العلل من رواية عمرو بن مالك، لحديث: «من كذب علي متعمدا أو رد علي شيئا أمرت به فليتبوأ بيتا في جهنم»، ثم قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمرو بن مالك هذا كذاب، كان استعار كتاب أبي جعفر المسندي فألحق فيه أحاديث (أو قال: حديثا كذبا) .. " فقد أعلّ البخاري هذا الطريق بكذب راويه. ينظر: الترمذي، العلل، ٣٤٠ (٦٣١). - وكذلك تضمّن ما أخرجه ابن أبي حاتم من سؤالاته لأبيه تعليل بعض الطرق بكذب راويها، من ذلك قوله: سألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمار، عن عبدالملك بن محمد الصنعاني؛ قال: حدثنا أبو سلمة العاملي، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - قال لأكثم بن الجون: يا أكثم، اغز مع غير قومك تحسن خلقك، وتكرم على رفقائك؟ قال أبي: أبو سلمة العاملي متروك الحديث، كان يكذب، والحديث باطل." ابن أبي حاتم، العلل، ٦/ ١٤٤ - ١٤٥ (٢٣٩٨). ومن أمثلة ذلك في علل الدارقطني، حيث سئل عن أحاديث رويت، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - في المسح على الخفين، منها: حديث يرويه جرير بن أيوب البجلي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: إذا أدخل أحدكم قدميه طاهرتين فليمسح للمقيم يوما، وللمسافر ثلاثا. فقال: هذا باطل عن أبي هريرة، وقد قال أبو نعيم: كان جرير يضع الحديث. وحديث يروى عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في نحو ذلك. رواه أيوب بن عتبة، وعمر بن أبي خثعم وهما ضعيفان روياه، عن يحيى، وتابعهما معلى ابن عبدالرحمن الواسطي وكان كذابا فرواه عن عبدالحميد بن جعفر، عن يحيى نحو ذلك، وزاد فيه والخمار، ولم يذكر التوقيت. ينظر: الدارقطني، العلل، ٨/ ٢٧٥ (١٥٦٣).
(٢) من أمثلة تعليل الحديث - في كتب العلل- بالغفلة في بعض رواته، ما يلي: ما جاء في علل الحديث لابن أبي حاتم حيث قال: "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو خالد الأحمر، عن يزيد بن سنان، عن أبي المبارك، عن عطاء، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: ما آمن بالقرآن من استحل محارمه؟ قال أبو زرعة: رواه وكيع بن الجراح، عن يزيد بن سنان، عن أبي المبارك، عن صهيب، عن النبي - ﷺ -. قلت: ورواه محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن عطاء، عن مجاهد، عن سعيد ابن المسيب، عن صهيب، عن النبي - ﷺ -. قال أبو زرعة: حديث محمد بن يزيد أشبه عن أبيه؛ لأنه أفهم بحديث أبيه؛ أن كان كتب أبيه عنده، ويزيد بن سنان ليس بقوي الحديث. وقال أبي: هذه كلها منكرة، ليست فيها حديث يمكن أن يقال: إنه صحيح، وكأنه شبه الموضوع، وحديث أبيه أنكرها، ومحل يزيد محل الصدق، والغالب عليه الغفلة، فيحتمل أن يكون سمع من أبي المبارك هذا، وهو شبه مجهول. قال أبي: ومحمد بن يزيد أشد غفلة من أبيه، مع أنه كان رجلا صالحا، لم يكن من أحلاس الحديث." ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٥٧٠ - ٥٧٢ (١٦٤٧). -وجاء أيضًا عن ابن أبي حاتم قوله: "وسألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء، عن عبد الملك بن جابر ابن عتيك؛ قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: قضى أوفاهما؟ قال أبي: رأيت هذا الحديث قديما في أصل هشام بن عمار: عن حاتم، هكذا مرسل، ثم لقنوه بأخرة: عن جابر، فتلقن، وكان مغفلا." ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٦٩٥ (١٧٤٣).
(٣) من أمثلة تعليل الحديث - في كتب العلل- بسوء حفظ بعض رواته، ما يلي: - ما رواه عبدالله ابن الإمام أحمد عن أبيه حيث قال: "سألت أبي عن حديث البراء بن عازب في الرفع، فقال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن يزيد بن أبي زياد قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: سمعت البراء يحدث قوما فيهم كعب بن عجرة قال: رأيت رسول الله - ﷺ - حين فتح الصلاة رفع يديه. قال أبي وكان سفيان بن عيينة يقول: سمعناه من يزيد هكذا حدثني أبي عن محمد بن عبد الله بن نمير قال نظرت في كتاب بن أبي ليلى فإذا هو يرويه عن يزيد بن أبي زياد. قال أبي: وحدثناه وكيع سمعه من بن أبي ليلى عن الحكم وعيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أبي يذكر حديث الحكم وعيسى يقول: إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد كما رآه بن نمير في كتاب بن أبي ليلى. قال أبي: ابن أبي ليلى كان سيِّئ الحفظ ولم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ." أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال، ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩ (٧٠٨). من أمثلة ذلك في علل الدارقطني حيث "سُئل عن حديث ثابت، عن أنس، قالت الأنصار لرسول الله - ﷺ -: ادع لنا بالمغفرة، فقال: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار.» فقال: يرويه يزيد بن أبي زياد واختلف عنه: رواه عبد العزيز بن مسلم، عن يزيد بن أبي زياد، عن ثابت، عن أنس. وخالفه أبو الأحوص؛ فرواه عنه عن يزيد الرقاشي، عن أنس، والاضطراب فيه من يزيد بن أبي زياد، فإنه كان سيِّئ الحفظ." الدارقطني، العلل، ١٢/ ٣٨ (٢٣٨٢). - وسئل أيضا: "عن حديث سعيد بن جبير، عن ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ - «إذا اشتريت ذهبا بفضة فلا تفارق صاحبك وبينك وبينه لبس.» فقال: اختلف في رفعه على سعيد بن جبير؛ فرواه سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، مرفوعا. حدث به عنه أبو خالد الدالاني، وأبو الأحوص، وإسرائيل، والثوري، وعمر بن رزين، وحماد بن سلمة، ومحمد بن جابر. وقال عمر بن عبيد: حدثنا سماك، أو عطاء بن السائب، والصواب: سماك. وخالفه داود بن أبي هند، فرواه عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، موقوفا. وكذلك رواه سعيد بن المسيب، ونافع، عن ابن عمر، موقوفا. ولم يرفعه غير سماك، وسماك سيِّئ الحفظ. الدارقطني، العلل، ١٣/ ١٨٤ (٣٠٧٢).
[ ٤٣٦ ]
ونحو ذلك من أنواع الجرح (١). وسمى (الترمذي) النسخ علة (٢) من علل الحديث." (٣)
إلا أن ابن حجر أجاب على هذا الإشكال بقوله:
_________________
(١) "من ينظر في كتب الشروح والتخريج والعلل يجد إطلاق لفظ العلة والمعلول والمعل على كثير من الأحاديث التي فيها جرح ظاهر، وقد قمت باستقراء كتاب علل ابن ابي حاتم، وأشرت على الأحاديث التي أعلت بالجرح الظاهر فوجدتها كثيرة العدد يزيد مجموعها عن مائتين وسبع وأربعين حديثا، فقد أعل بالانقطاع سبعة وعشرين حديثا، وبضعف الراوي مائة وثلاثة وأربعين حديثا، وبالجهالة ثمانية وستين حديثا، وبالاختلاط خمسة أحاديث، وبالتدليس أربعة أحاديث." ينظر: الفحل، علل الحديث، ١٥ - ١٦. باختصار.
(٢) تسمية النسخ علة قال الجديع: تسمية (النسخ) علة، وقع بنَدْرَة في كلام بعض الأئمة، كأبي حاتم الرازي والترمذي. وليس هذا من موضوع (علل الحديث)؛ إذا الناسخ والمنسوخ جميعًا صحيحا النسبة إلى النبي - ﷺ -، وموضوع (علم العلل) ما لا يثبت عن النبي - ﷺ - من الحديث لقادح خفي. المراجع: ينظر: الترمذي، السنن، ٦/ ٢٣٠، ابن أبي حاتم، العلل، ١/ ٥٧١ (١١٤) - ٢/ ١٠٧ (٢٤٦)، الزركشي، النكت، ٢/ ٢١٥، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٢٠، العراقي، التبصرة، ١/ ٢٠٩، ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧١، الجديع، التحرير، ٢/ ٦٥٠.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٢ - ٩٣.
[ ٤٣٧ ]
"مراده بذلك أن ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما حققه المُصنّف وبين ما يقع في كلامهم؛ أن اسم العلة إذا أُطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولا اصطلاحا.
إذ المعلول ما علته قادحة خفية، والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو واضحة، ولهذا قال الحاكم: "وإنما يعل الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل". (١)
وقد نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر جواب هذا الإشكال- بشكل أكثر إيجازًا- فقال: "وذلك من قائله إما تجوزا عن الاصطلاح، ونظرًا إلى معناها اللغوي فقط، وإما أن يكون قاله قبل تقرر الاصطلاح." (٢)
وذهب الصنعاني (٣) إلى أن ما استقرّ عليه الاصطلاح "تعريف أغلبي للعلة وإلا فإنه سيأتي أنهم قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة ويعلون بما لا يؤثر في صحة الحديث" (٤)
ولعل ما ذهب إليه السخاوي من إجابة على هذا الإشكال أكثر استيعابًا، حيث قال:
"ولكن ذلك - أي: الإعلال بالأمور الظاهرة- منهم بالنسبة للذي قبله قليل، على أنه يُحتمل أيضا أن التعليل بذلك من الخفي; لخفاء وجود طريق آخر ينجبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلل أشار إلى تفرده." (٥)
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧١.
(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٥٢٢. قال محقق الكتاب مُعقّبا: "إن إطلاق العلة على الأمر الخفي القادح: قيد أغلبي؛ لأنا وجدنا كثيرا من الأقوال عند العلماء الجهابذة الفهماء أطلق لفظ العلة على غير الخفي".
(٣) محمد بن إسماعيل بن صلاح محمد الحسني، الصنعاني. حدث، فقيه، أصولي، مجتهد، متكلم، من أئمة اليمن. من كتبه: (سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر العسقلاني) وغيرهما. مات سنة ١١٨٢ هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، ٦/ ٣٨، كحالة، المؤلفين، ٣/ ١٣٢ (١٢١٨٣).
(٤) الصنعاني، توضيح الأفكار، ٢/ ٢٢.
(٥) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٨٧. "وأيضًا فبعض الأحاديث التي علتها ظاهرة، ترجع إلى رواية الثقات المشاهير، فلعل من أعلَّ بالعلة الظاهرة في مثل هذا الموضع؛ أراد أن يدفع بذلك شبهة الاحتجاج بالثقة مطلقًا؛ ويثبت أن الثقة قد يروي عن كذاب، أو متروك، أو ضعيف، أو مجهول، أو يروي ما لا يتصل سنده، فليس كل ما رواه الثقة فهو صحيح، ومع هذا، فما قاله السخاوي، وكذا الصنعاني في تقييد استعمال العلة في الأمر الخفي بالأغلب أقوى في الجواب. والله أعلم" السليماني، الجواهر، ٣٢٦.
[ ٤٣٨ ]
فذكر هنا جوابين لهذا الإشكال:
الأول: أن نسبة الإعلال بالأمور الظاهرة قليل بالنسبة للإعلال بالأمور الخفية، أي: أن التقييد بقيد الخفاء في العلة قيد أغلبي.
الثاني: أن ما قد يبدو -في بعض الأحيان- تعليلًا بأمور ظاهرة؛ إنما مردّه في الأساس إلى أمور خفية كالتفرّد ونحوه، لا يتنبّه إليه إلا أهل هذا الفن من نقاد الحديث وجهابذته.
والجواب الثاني لعله يؤيّد ما ذهب إليه شيخه ابن حجر بقوله: " لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مُضعَّف معلولا، وإنما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك." (١)
فالعلة في الاصطلاح إذن: "لا تُطلق على الضعف الظاهر في السند من جهة الانقطاع أو ضعف أحد الرواة أو بعضهم، ولكن تُطلق على ما خفي أولًا على الناقد ثم اكتشفه مما يضعف به الحديث." (٢)
"وما تقدم من إعلال المُحَدِّثين بالظاهر كالإرسال أو الوقف وعدم السماع أو ضعف الراوي، أو جهالته .. هو في حقيقة الأمر إعلال بالخفي غالبًا. فالتعليل بالإرسال وإن كان ظاهرًا في الجملة؛ لكن التعليل به وبيان أنه الصواب في الرواية أو أنه خطأ أمر خفي، إذ كيف يرجحون الإرسال ويعرفون أنه الصواب في الرواية وأن الخطأ في المسند نفسه لولا المقارنة والحفظ والفهم والمعرفة.
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠.
(٢) سليم، ما لا يسع جهله، ١٢٢.
[ ٤٣٩ ]
والتعليل بعدم سماع الراوي ممن فوقه أمر خفي كذلك؛ لأنهم يعلون به في خبر يتوهم فيه سماع الراوي ممن فوقه، بل قد يختلفون فيه مما يدل على شدة الخفاء في ذلك، وهم لا يقولون هذا تخمينًا، مع علمهم أن الراوي أدرك من روى عنه لكنه قد لا يكون سمع منه مطلقًا أو لم يسمع منه خبرًا من الأخبار وهذا لا يدركه إلا جهابذة النقاد من أهل المعرفة والحفظ." (١)
ويلاحظ أيضًا:
"أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف، لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس - مطمئن إلى رواية الثقة. وليس كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساسا إليها فالأصل الحكم عليها بالخطأ والصواب طارئ.
ومع ذلك فإن معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل وذلك لأن الحكم عليه بالضعف أساسًا يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم حكم بضعفه." (٢)
ولكون العلة مقيّدة بالخفاء والغموض، "فيستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." (٣)
_________________
(١) طوالبة، العلة، ٤٥٠.
(٢) الفحل، علل الحديث، ١٨ - ١٩.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
[ ٤٤٠ ]
وأشار الخطيب البغدادي إلى سُبل معرفة العلة بقوله: "والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط." (١)
فمن طرق معرفة العلة: (٢)
١ - الإلهام من الله - ﷾ - الناشئ عن الإخلاص وكثرة الممارسة.
٢ - كثرة الممارسة للحديث ومعرفة الرجال، وأحاديث كل واحد منهم.
٣ - جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، والاعتبار بمكانتهم من الحفظ والإتقان.
٤ - النص على علة الحديث من إمام من أئمة الحديث المعروفين بتمرّسهم في ذلك.
"فما حاز علم العلل هذه الشهرة، وحظي بالتقديم والتبجيل دون سائر علوم الحديث إلا بخفاء العلل التي يبحث فيها ودقتها" (٣)؛ لذا قال الخطيب البغدادي تحت باب (بيان علل المسند): "يستحب أن يُصنّف المُسنَد مُعَللا، فإن معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث." (٤)
هذا فيما يخص قيد الغموض والخفاء في العلة (٥).
_________________
(١) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٥.
(٢) ينظر: الخضير، الضعيف، ٢٣٥ - ٢٣٦ باختصار، عتر، منهج النقد، ٤٥١ - ٤٥٣، أيضًا ينظر: مبحث (علامات لكشف العلة من منهج المتقدمين). الجديع، التحرير، ٢/ ٧٤١.
(٣) أبو سفيان مصطفى باحو، العلة وأجناسها عند المحدثين، ٢١. ينظر: عتر، منهج النقد، ٤٤٧.
(٤) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٤.
(٥) قال ابن حجر - ممثّلًا لعلة خفية بشيء من التفصيل-: "ومن المواضع الخفية في الأحاديث المعللة - ما ذكره ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من باع عبدا وله مال » الحديث. فقال: "قد كنت أستحسن هذا الحديث من ذي الطريق حتى رأيت من حديث بعض الثقات عن عكرمة بن خالد عن الزهري عن ابن عمر - ﵁ - فعاد الحديث إلى الزهري، والزهري إنما رواه عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه - ﵁ - وهو معلول (يعني لأن نافعا رواه عن ابن عمر - ﵁ -) فجعل مسألة بيع العبد عن عمر - ﵁ - ومسألة بيع النخل عن النبي - ﷺ - قلت: وسبب الخفاء في هذا المثال أن عكرمة بن خالد أكبر من الزهري، وهو معروف بالرواية عن ابن عمر - ﵁ -، فلما وجد الحديث من رواية حماد بن سلمة عنه كان ظاهره الصحة، وكان يعتضد بها ما رواه الزهري عن سالم عن أبيه، ويرجح على رواية نافع لكن لما فتشت الطرق تبين أن عكرمة سمعه ممن هو أصغر منه وهو الزهري، والزهري لم يسمعه من ابن عمر - ﵁ - إنما سمعه من سالم فوضح أن رواية حماد بن سلمة مدلسة أو مسوّاة، ورجع هذا الإسناد الذي كان يمكن الاعتضاد به إلى الإسناد الأول الذي حكم عليه بالوهم، وكان سبب حكمهم عليه بالوهم كون سالم أو من دونه سلك الجادة؛ لأن العادة والغالب أن الإسناد إذا انتهى إلى الصحابي - ﵁ - قيل بعده: عن النبي - ﷺ -، فلما جاء هنا بعد الصحابي ذكر صحابي آخر والحديث من قوله -كان الظن غالبا على أن من ضبطه هكذا أتقن ضبطا، والله أعلم." ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٢ - ٧١٤، ينظر: ابن أبي حاتم، العلل، ٣/ ٦٠٣ (١١٢٢)، وقد ورد كلامه عقب حديث «من باع نخلًا قد أُبّرت ».
[ ٤٤١ ]
القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث.
ويُطلق لفظ القادحة في اللغة: على عدد من الآفات، كالدودة التي تأكل السِّن والشجر، وعلى الصَدْع في العود، والسوادُ الذي يظهر في الأسنان.
والقدح في النسب: الطعن والعيب. (١)
والقدح في الحديث: الطعن في صحته، ومن قيود العلة في تعريف ابن الصلاح: كونها قادحة في صحة الحديث، حيث قال: "فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها." (٢)
وعقّب بعد أن ذكر أنواعًا من العلل - التي يتنبّه إليها أهل هذا الفن، ويعلّون الأحاديث بها- بقوله: "وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه" (٣)، فلا يوصف الحديث بكونه
_________________
(١) ينظر: الرازي، الصحاح، ١/ ٣٩٤، ابن منظور، اللسان، ٢/ ٥٥٥.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
[ ٤٤٢ ]
معلولا إلا إذا قدحت فيه العلة الخفية (١)، "وحينئذ فالمعلل أو المعلول: خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح." (٢)
وسبق في فصل الحديث الصحيح ضمن قيوده: اشتراط نفي العلة عن الصحيح، وقد جاء عن الحاكم قوله في النوع التاسع عشر من كتابه معرفة علوم الحديث: "إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث" (٣)، ذكر ذلك بعد أن استعرض أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة؛ لكنها مردودة ومعلولة بعلل بيّنها (٤).
وقد ذكر الحاكم - تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث- عشرة أجناس للعلل على سبيل التمثيل لا الحصر (٥)، حررها البلقيني وذكر أمثلتها، (٦) ونقلها عنه السيوطي في تدريب الراوي (٧)، وهي على النحو الآتي:
١ - أن يكون السند ظاهرُه الصحة، وفيه من لا يُعرف بالسماع ممن روى عنه. (٨)
_________________
(١) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٠١ بتصرّف.
(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٦.
(٣) الحاكم، علوم الحديث، ٥٩ - ٦٠.
(٤) حيث ذكر ثلاثة أحاديث أعلّ متونها: فأعلّ الأول بزيادة لفظة، وأعلّ الثاني بالخطأ في متنه، وأن الإسناد قد رُكّب عليه متن آخر، وأعلّ الثالث بقوله: "هذا حديث تداوله الثقات هكذا، وهو في الأصل معلول واه". ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٥٩ - ٦٠.
(٥) الحاكم، علوم الحديث، ١١٣ - ١١٩.
(٦) ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٦٣.
(٧) ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠٤ - ٣٠٧.
(٨) مثّل له بأحد الطرق المعلولة لحديث كفارة المجلس، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، ». أخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من مجلسه، ٥/ ٣٧١ ح (٣٤٣٣)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه، وأحمد في مسنده ١٦/ ٢١٦ ح (١٠٤١٥). ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١١٣ - ١١٤، البلقيني، المحاسن، ٢٦٣، وقد تعقّب ابن حجر الحاكم فيما نقله من كلام البخاري على الحديث، وأنه أخطأ في نقل عبارته، حيث قال: "ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، إلا أنه معلول" وذكر أن الصواب هو قول البخاري: "لا أعلم في الدنيا بهذا الإسناد غير هذا الحديث" - والله أعلم - وقد أسهب في بيان طرق الحديث وتخريجه. ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٥ - ٧٤٥.
[ ٤٤٣ ]
٢ - أن يكون الحديث مرسلا من وجه رواه الثقات الحفاظ، ويسند من وجه ظاهره الصحة. ولكن له علةً تمنع من صحة السند. (١)
٣ - أن يكون الحديث محفوظا عن صحابي، ويروى عن غيره، لاختلاف بلاد رواته، كرواية المدنيين عن الكوفيين. (٢)
٤ - أن يكون محفوظا عن صحابي، فيروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي (صحبته «٣)، بل ولا يكون معروفا من جهته. (٤)
_________________
(١) مثّل له بحديث: «أرحم أمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأقرأهم أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة». -والحديث أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب الإيمان وفضائل الصحابة، باب فضائل زيد بن ثابت، ١/ ٥٥ ح (١٥٤)، وأحمد في مسنده ٢٠/ ٢٥٢ ح (١٢٩٠٤). قال الحاكم: "لو صح بإسناده لأخرج في الصحيح، إنما روى خالد الحذاء، عن أبي قلابة أن رسول الله - ﷺ - قال: «أرحم أمتي»، مرسلا وأسند ووصل: «إن لكل أمة أمينا، وأبوعبيدة أمين هذه الأمة». هكذا رواه البصريون الحفاظ، عن خالد الحذاء، وعاصم جميعا، وأسقط المرسل من الحديث وخرج المتصل بذكر أبي عبيدة في الصحيحين". الحاكم، المرجع السابق، ١١٤. ينظر: البلقيني، المرجع السابق، ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) مثّل له بحديث أبي موسى الأشعري: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة»، أخرجه أحمد في مسنده ٣٢/ ٤٤٨ ح (١٩٦٧٢) بلفظ: «إني لأتوب إلى الله ﷿ في كل يوم مائة مرة»، قال الحاكم: "وهذا إسناد لا ينظر فيه حديثي إلا علم أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زَلِقوا". الحاكم، المرجع السابق، ينظر: الدراقطني، العلل، ٧/ ٢١٦ ح (١٣٠٠).
(٣) هكذا وردت في طبعات كتاب محاسن الاصطلاح، ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٦٣، بينما في تدريب الراوي جاء في بعض الطبعات (صحته)، وقد أثبتت طبعة دار ابن الجوزي لفظ (صحبته) بدلا من (صحته) وأشارت إلى أنها اعتمدت على إحدى نسخ المخطوط بينما بقية النسخ (صحته). ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣٩٩ ط دار ابن الجوزي.
(٤) مثل له بحديث: عثمان بن سليمان، عن أبيه «أنه سمع النبي - ﷺ -: يقرأ في المغرب بالطور». الحاكم، المرجع السابق، ١١٥، والحديث إنما اُخرج في الصحيح من حديث جبير ابن مطعم، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد، باب فداء المشركين، ٤/ ٦٩ ح (٣٠٥٠)، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب القراءة في المغرب ١/ ٣٣٨ ح (٤٦٣).
[ ٤٤٤ ]
٥ - أن يكون رُوِي بالعنعة، وسقط منه رجل دلّ عليه طريق أخرى محفوظة. (١)
٦ - أن يُختَلف على رجل بالإسناد وغيره، ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد، فيكون ذلك علة في المسنَد. (٢)
٧ - الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله. (٣)
٨ - أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه، ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة، فإذا رواها عنه بلا واسطة فعلَّتها أنه لم يسمعها منه. (٤)
_________________
(١) مثل له بحديث: يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن رجال من الأنصار «أنهم كانوا مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة فرمي بنجم المرجع السابق، ١١٦، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة، ٤/ ١٧٥٠ ح (٢٢٢٩).
(٢) مثل له بحديث: عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، ما لك أفصحنا، ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: «كانت لغة إسماعيل قد دَرَسَتْ ففي الإسناد انقطاع. ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ١١٦، البلقيني، المحاسن، ٢٦٦، والحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ٤/ ٤. علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الشافعي، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق: عمرو ابن غرامة العمروي، (بيروت: دار الفكر، ١٤١٥ هـ = ١٩٩٩٥ م).
(٣) مثل له بحديث: الحجاج بن فرافصة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: «المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم». وعلته: ما أسند عن محمد ابن كثير، ثنا سفيانُ الثوري، عن الحجاج بن فرافصة، عن رجلٍ، عن أبي سلمة - قال سفيان: أراه ذكر أبا هريرة - قال رسول الله - ﷺ -. فذكره. والحديث من رواية أبي هريرة أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب، باب في حسن العشرة، ٤/ ٢٥١ ح (٤٧٩٠)، والترمذي في سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء في البخيل، ٣/ ٤٠٩ ح (١٩٦٤)، وأحمد في مسنده ١٥/ ٥٩ ح (٩١١٨). ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ١١٧، البلقيني، المرجع السابق، ٢٦٧.
(٤) مثل له بحديث: يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ -: كان إذا أفطر عند أهل بيت، قال: «أفطر عندكم الصائمون، » - أخرجه الدارمي في سننه كتاب الصوم، باب دعاء الصائم لمن يفطر عنده ٢/ ١١١١ ح (١٨١٣)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، باب ما يدعو به الصائم لمن أفطر عنده، ٤/ ٤٠٣ ح (٨١٣٥). وقال: "وهذا مرسل، لم يسمعه يحيى عن أنس إنما سمعه عن رجل من أهل البصرة يقال له عمرو بن زنيب ويقال ابن زبيب، عن أنس.". قال الحاكم: "قد ثبت عندنا من غير وجه رواية يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، إلا أنه لم يسمع منه هذا الحديث". "ثم أسنَد عن يحيى قال: حُدِّثتُ عن أنَس أن النَبي - ﷺ - كان إذا أفطر عند أهل بيتٍ قال: " أفطر عندكم الصائمون » ". ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ١١٧، البلقيني، المرجع السابق، ٢٦٧.
[ ٤٤٥ ]
٩ - أن يكون طريقه معروفة، يروي أحد رجالها حديثا من غير تلك الطريقة، فيقع من رواه من تلك الطريقة (بناءً «١) على الجادة في الوهم. (٢)
١٠ - أن يُروى الحديث مرفوعا من وجه، وموقوفا من وجه. (٣)
ثم أتبعها الحاكم بقوله: "فقد ذكرنا علل الحديث على عشرة أجناس وبقيت أجناس لم نذكرها وإنما جعلتها مثالا لأحاديث كثيرة معلولة يهتدي إليها المتبحر في هذا العلم، فإن معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم." (٤)
وبالنظر إلى أجناس العلل - التي مثّل لها الحاكم - فإنها تقع في الإسناد، ولا يعني ذلك أنها لا تقع في المتن، فقد أخبر ابن الصلاح بأن وقوعها في الإسناد هو الغالب، وأنها تتفاوت في القدح، فقال: "قد تقع العلة في إسناد الحديث، وهو الأكثر، وقد تقع في متنه. ثم
_________________
(١) التصحيح من طبعة محاسن الاصطلاح (دار ابن حزم)، ٢٠٨، بينما في طبعة المعارف كلمة (ثنا)، وهي اختصار حدثنا. ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٦٧.
(٢) مثل له بحديث: المنذر بن عبدالله الحزامي، عن عبدالعزيز بن أبي سلمة، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاة، قال: «سبحانك، اللهم تبارك اسمك، ». قال الحاكم: "لهذا الحديث علة صحيحة، والمنذر بن عبدالله أخذ طريق المجرَّة فيه"، عقّب البلقيني: "وإنما هو من حديث عبدالعزيز بن أبي سلمة: حدثنا عبدُالله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيدالله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن النبي - ﷺ - ". ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ١١٨، البلقيني، المرجع السابق ٢٦٧. وحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافر، باب الدعاء في صلاة الليل، ١/ ٥٣٤ ح (٧٧١) بغير هذا اللفظ.
(٣) مثل له بحديث: عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، قال: «من ضحك في صلاته يعيد الصلاة، ». قال الحاكم: لهذا الحديث علة صحيحة، ثم أسند عن الأعمش، عن أبي سفيان، قال: سئل جابر، عن الرجل يضحك في الصلاة، قال: «يعيد الصلاة، ولا يعيد الوضوء». ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ١١٨ - ١١٩. وأخرج الدارقطني كلا الحديثين المرفوع والموقوف وبيّن عللها في سننه كتاب الطهارة، باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها، ١/ ٣١٥ - ٣١٦ ح (٦٤٧ - ٦٥٠).
(٤) المرجع السابق.
[ ٤٤٦ ]
ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعا، كما في التعليل بالإرسال والوقف. وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن " (١)
وقد قسّم ابن حجر الأحاديث حسب موقع العلة منها، وأثرها في القدح وعدمه إلى ستة أقسام:
١ - أن تقع العلة في الإسناد ولا تقدح مطلقا.
مثاله: ما يرويه مدلّس بالعنعنة، فذلك عِلَّةٌ تُوجِبُ التوقف عن قبوله، فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة. (٢)
٢ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه دون المتن.
مثاله: إبدال راوٍ ثقة براوٍ ثقة. (٣)
٣ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن معا.
مثاله: كإبدال راو ضعيف براو ثقة. (٤)
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٩.
(٢) وأضاف ابن حجر: "وكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته، فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينهما على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحف الإسناد تبين أن تلك العلة غير قادحة." ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٤٧.
(٣) "ما رواه الثقة يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «البيعان بالخيار » ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩١. والحديث من رواية عبدالله بن دينار بمعناه، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب البيوع، باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع ٣/ ٦٤ ح (٢١١٣)، ومسلم في صحيحه كتاب البيوع، باب ثبوت خيار المجلس ٣/ ١١٦٤ ح (١٥٣١).
(٤) "فإن أبدل راو ضعيف براو ثقة، وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن- أيضا- إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة. ومثال ذلك: ما وقع لأبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي أحد الثقات، عن عبدالرحمن ابن يزيد بن جابر وهو من ثقات- الشاميين قدم الكوفة فكتب عنه أهلها ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك الكوفة عبدالرحمن بن يزيد بن تميم - وهو من ضعفاء الشاميين- فسمع منه أبو أسامة وسأله عن اسمه فقال: عبدالرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنه ابن جابر، فصار يحدث عنه وينسبه من قِبل نفسه، فيقول: حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة، عن ابن جابر وهما ثقتان فلم يفطن لذلك إلا أهل النقد، فميزوا ذلك ونصوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد." ابن حجر، النكت، . ٢/ ٧٤٧ - ٧٤٨.
[ ٤٤٧ ]
٤ - أن تقع العلة في المتن دون الإسناد، ولا تقدح فيهما.
مثاله: "ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن ردَّ الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها." (١)
٥ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه دون الإسناد. (٢)
٦ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه وفي الإسناد معا.
مثاله: "ما يرويه راو بالمعنى الذي ظنه يكون خطأ والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي فيعلل الاسناد" (٣)
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) "ما انفرد مسلم بإخراجه- في صحيحه كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يُجهر بالبسملة ١/ ٢٩٩ ح (٣٩٩) - في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم). فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: «فكانوا يستفتحون القراءة بـ الحمد لله رب العالمين»، من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح- أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير، ١/ ١٤٩ ح (٧٤٣) - ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له. ففهم من قوله: كانوا يستفتحون بالحمد أنهم كانوا لا يُبسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ؛ لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسمية. وانضم إلى ذلك أمور، منها: أنه ثبت عن أنس: أنه سُئِل عن الافتتاح بالتسمية، فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئا عن رسول الله - ﷺ -، والله أعلم." ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٢. وعلّل ابن الملقن إسناد هذا الحديث بعلتين، فقال: "وفيه علتان: الأولى: أن في إسناده كتابة، لا يُعلم من كتبها، ولا من حملها، وقتادة ولد أكمه. الثانية: أنه اشتمل على عنعنة مدلس، وهو الوليد، ولا ينفعه تصريحه بالتحديث، فإنه اشتهر بتدليس التسوية، وهو أن لا يدلس شيخ نفسه، ولكن شيخ شيخه. فهذا المثال الذي ذكره ابن الصلاح ﵀ للمتن يصلح أن يكون مثالا للعلة في الإسناد أيضا كما قررته، وهو مهم عزيز." ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢١٨. وفصّل ابن حجر في الردّ على العلة الثانية، والتي تخص تدليس الوليد. ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٥٣ - ٧٥٦.
(٣) ابن حجر، المرجع السابق. ٢/ ٧٤٨.
[ ٤٤٨ ]
وما بيّنه ابن حجر من هذه الأقسام يدل على تفاوت العلل في القدح وعدمه، وقد قال - في شرحه على الصحيح- أن "مراتب العلل متفاوتة، وأن ما ظاهره القدح منها إذا انجبر زال عنه القدح." (١)
فعبّر عن تقسيم العلل إلى قادحة وغير قادحة بـ: (مراتب العلل). (٢)
"فإذا وجدت في الحديث علة قادحة ثم أزيلت وسلم الحديث من العلة، يقال: فيه علة غير قادحة.
وذلك كعنعنة المدلس الذي تضرُّ عنعنته ثم جاء من طريق تنتهي إلى ذلك المدلس وفيها تصريحه بالسماع، والإرسال والوصل، ثم ترجح الوصل، والوقف والرفع ثم ترجح الرفع، وهكذا بقية العلل القادحة التي تطرأ على الحديث، وتعرف بجمع الطرق كما قال علي بن المديني ﵀: الباب إذا لم تُجمع طرقه، لم يتبين خطؤه." (٣)
قال ابن الصلاح: " ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما
_________________
(١) وذلك بعد أن ذكر استدراك الدارقطني على البخاري إخراجه لحديث "أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء به أحدهما» والحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، ٨/ ٢٦ ح (٦١٠٣). قال ابن حجر: "والحق أن مثل هذا لا يتعقب به البخاري؛ لأنه لم تخف عليه العلة بل عرفها وأبرزها وأشار إلى أنها لا تقدح، وكان ذلك لأن أصل الحديث معروف ومتنه مشهور مروي من عدة طرق، فيستفاد منه أن مراتب العلل متفاوتة، وأن ما ظاهره القدح منها إذا انجبر زال عنه القدح، والله أعلم". ابن حجر، الفتح، ١٠/ ٥١٥.
(٢) ينظر: الزرقي، العلل، ٢٥. حيث ذكر تقسيم العلل حسب أثرها إلى قسمين هما: "أ- علة قادحة، كالإرسال في السَّند، وتغيير المعنى في المتن. ب- علة غير قادحة، كتعيين الصَّحابي.".
(٣) مقبل بن هادي الوادعي، أحاديث معلة ظاهرها الصحة، ٢٠.
[ ٤٤٩ ]
هو صحيح معلول " (١)، ومراده بهذا البعض (أبو يعلى الخليلي) كما صرّح بذلك الزركشي في النكت (٢)، والعراقي في كتابه التقييد (٣).
قال الخليلي - في كتابه الإرشاد-: "فأما الحديث الصحيح المعلول: فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى، لا يمكن حصرها. فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلا، وينفرد به ثقة مسندا. فالمسند صحيح، وحجة، ولا تضره علة الإرسال." (٤)
ومثّل لذلك بقول الإمام مالك: "بلغنا عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «للمملوك طعامه وشرابه، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق» (٥).
فالخليلي أخرج الرواية من طريق مُعضل ثم أتبعها بذكر الروايات الموصولة، وقال: "فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحا، يعتمد عليه، وهذا من الصحيح المبين، بحجة ظهرت. وكان مالك ﵀ يرسل أحاديث، لا يبين إسنادها، وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله، ربما أجابه إلى الإسناد." (٦)
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٣، ينظر: النووي، التقريب، ٤٤.
(٢) "وهو أبو يعلى الخليلي قاله في كتاب الإرشاد في حديث للمملوك طعامه وشرابه". الزركشي، النكت، ٢/ ٢١٦.
(٣) فقال: "أبهم المصنف قائل ذلك وهو الحافظ أبو يعلى الخليلي، فقال في كتاب الإرشاد إن الأحاديث على أقسام كثيرة صحيح متفق عليه وصحيح معلول وصحيح مختلف فيه إلى آخر كلامه." العراقي، التقييد، ١٢٤.
(٤) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٦١ - ١٦٣.
(٥) أورده مالك في الموطأ بلاغًا عن أبي هريرة، كتاب الاستئذان، باب الأمر بالرفق بالمملوك، ٢/ ٩٨٠ ح (٤٠)، بلفظ: «للمملوك طعامه، وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق». والحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه، من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج، عن العجلان عن أبي هريرة، ٣/ ١٢٨٤ ح (١٦٦٢).
(٦) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٦٤ - ١٦٥.
[ ٤٥٠ ]
وقد ذكر البقاعي في النكت أن مراد الخليلي بقوله: (صحيح معلول) أي: كأن يظهر أن فيه علة، فيتبين بعد ذلك بالفحص أنه ليس له علة، فيسميه معلولا باعتبار ما كان عليه، وصحيحا باعتبار ما آل به النظر إليه ، وهذا عكس المعلول سواء، فإن المعلول ما كان ظاهره السلامة، فاطلع فيه بعد الفحص على عوار. (١)
"فمراد الخليلي بالصحيح المعلول إذًا هو: المتن الصحيح الذي جاء بسند فيه علة نحو الإرسال، أو الإنقطاع، أو الإعضال، ثم جاءت طريق من نفس المخرج تُبيِّن أن الحديث موصول صحيح من طريق الثقات." (٢)
أي: "بعض الأحاديث التي يكون ظاهرها العلة ثم وُجِد ما يصححها." (٣)
ومن الأمثلة على العلل غير القادحة:
ما ابتدأ الدارقطني به كتابه (التَّتبع) حيث قال: "ابتداء ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما بينت عللها والصواب منها." (٤)
فالدارقطني يصف الأحاديث التي استدركها على الشيخين بكونها معلولة، مع أنها علل غير قادحة، حيث "عُرِف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما". (٥)
_________________
(١) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣ باختصار، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠٣.
(٢) طوالبة، العلة، ٤٣٠.
(٣) الحسني، المدار، ١/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٤) الدارقطني، التتبع مع الإلزامات، ١٢٠.
(٥) ابن حجر، هدي الساري، ٣٤٧. ينظر: الحسني، المدار، ١/ ١٩٣. وقد خصص ابن حجر الفصل الثامن من مقدمته في الرد على ما اُنتقد من الأحاديث في صحيح البخاري، فعنون له بقوله: "الفصل الثامن في سياق الأحاديث التي انتقدها عليه حافظ عصره أبو الحسن الدارقطني وغيره من النقاد"، وذكر ما تضمن هذا الاستدراك من علل غير قادحة في صحة الحديث. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ٣٤٦.
[ ٤٥١ ]
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
- تأتي العلة في اللغة على عدة معانٍ منها: التكرار، والمرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه. أو حدث يشغله عن وجهه.
- ولعل أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث: هو ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث. (١)
- حرر ابن الصلاح- في تعريفه للحديث المعلل- كلام الحاكم، وكان أبرزُ قيود التعريف قيدين: الأول: غموض العلة وخفائها، والثاني: قدحها في الصحة.
- القيد الأول: غموض العلة وخفائها، وقد تضمنت تعريفات العلة - بعد ابن الصلاح- هذا الوصف.
والمراد بالغموض والخفاء: الاستتار وعدم الوضوح؛ إلا أنه غموض نسبي وليس مطلقًا، إذ لا تخفى هذه العلل عن نقاد الحديث وجهابذته، والذين يُرجع إليهم في معرفة وتمييز ذلك، ولا يحسُن الكلام في علم العلل إلا لأهله.
- ويتفاوت هذا الغموض من حديث لآخر، حيث ذكر الخطيب البغدادي أن من الأحاديث ما تخفى علته، فلا يُوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيّ الزمن البعيد كقول علي ابن المديني: "ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة"
- ومنها ما قد كفى راويه مؤونته، وأبان في أول حاله علَّته.
_________________
(١) ينظر: طوالبة، مفهوم العلة، ٤٢٨ - ٤٢٩.
[ ٤٥٢ ]
قيل لشعبة: "من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي - ﷺ - لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه يكذب" (١)
- والعلة الخفية تتطرق غالبًا للإسناد الذي ظاهره الصحة، كما جاء في كلام الحاكم وابن الصلاح، ومن تبعهم، وذكر ابن حجر أن المعلول في الاصطلاح إنما يُطلق على ما خفيت علّته.
- وأُجيب عن الإشكال الوارد من إطلاقهم - أحيانًا- وصف المعلل أو المعلول على الحديث ظاهر العلة بجوابين:
الأول: أن نسبة الإعلال بالأمور الظاهرة قليل بالنسبة للإعلال بالأمور الخفية، أي: أن التقييد بقيد الخفاء في العلة قيد أغلبي.
الثاني: أن ما قد يبدو -في بعض الأحيان- تعليلًا بأمور ظاهرة؛ إنما مردّه في الأساس إلى أمور خفية كالتفرّد ونحوه، لا يتنبّه إليه إلا أهل هذا الفن من نقاد الحديث وجهابذته.
- وأشار الخطيب البغدادي إلى سُبل معرفة العلة بقوله: "والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط." (٢)
- ويلاحظ أيضًا:
"أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف، لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس - مطمئن إلى رواية الثقة. وليس كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساسا إليها فالأصل الحكم عليها بالخطأ والصواب طارئ.
_________________
(١) ينظر: الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٧ باختصار.
(٢) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٥.
[ ٤٥٣ ]
ومع ذلك فإن معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل وذلك لأن الحكم عليه بالضعف أساسًا يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم حكم بضعفه." (١)
- أما القيد الثاني: أن تكون العلة قادحة في الحديث، أي: تطعن في صحته.
وقد تضمنت تعريفات العلة - بعد ابن الصلاح- هذا الوصف، بحيث استقرّ اصطلاحهم على أن الحديث لا يوصف بكونه معلولأً إلا إذا قدحت فيه العلة الخفية. (٢)
- وقد أخبر ابن الصلاح أن العلة تقع في الإسناد، وفي المتن؛ إلا أن وقوعها في الإسناد أغلب وأكثر، وأشار كذلك إلى تفاوتها في القدح.
وقسّم ابن حجر الأحاديث حسب موقع العلة منها، وأثرها في القدح وعدمه إلى ستة أقسام.
١ - أن تقع العلة في الإسناد ولا تقدح مطلقا.
٢ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه دون المتن.
٣ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن معا.
٤ - أن تقع العلة في المتن دون الإسناد، ولا تقدح فيهما.
٥ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه دون الإسناد.
٦ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه وفي الإسناد معا.
- وأشار ابن حجر كذلك إلى أن هذا القدح يتفاوت في تأثيره:
بين ما ظاهره القدح فإذا جاء ما يجبره - بورود الحديث من طرق أخرى صحيحة- زال عنه القدح، وبين القدح الشديد الذي لا ينجبر، وعبّر عن ذلك بـ (مراتب العلل).
_________________
(١) الفحل، علل الحديث، ١٨ - ١٩.
(٢) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٠١
[ ٤٥٤ ]
قال الوادعي - في مقدمة كتابه (أحاديث معلة) -: "فإذا وجدت في الحديث علة قادحة ثم أزيلت وسلم الحديث من العلة، يقال: فيه علة غير قادحة.
وذلك كعنعنة المدلس الذي تضرُّ عنعنته ثم جاء من طريق تنتهي إلى ذلك المدلس وفيها تصريحه بالسماع، والإرسال والوصل، ثم ترجح الوصل، والوقف والرفع ثم ترجح الرفع، وهكذا بقية العلل القادحة التي تطرأ على الحديث، وتعرف بجمع الطرق" (١)
- ولعل هذا ينطبق على مراد الخليلي في جمعه بين وصفيّ الصحة والعلة، بقوله: (صحيح معلول): أي أحاديث يكون ظاهرها العلة ثم يتبيّن وجود ما يصححها، وهذا عكس المعلول في الاصطلاح، فإن المعلول: ما كان ظاهره السلامة، فاطلع فيه بعد الفحص على عوار. (٢)
- "فالحاصل مما ذكرنا: إن الاصطلاح الشائع والمشهور بين أهل الحديث تخصيص لفظ العلة لما كان خفيًا وغامضًا قادحًا.
وأما إطلاقهم اسم العلة على كل قادح، فليس من باب المعنى الاصطلاحي، بل من استعمال العلة بمعناها اللغوي العام." (٣)
وهناك تنبيه مهم أشار إليه أحد الباحثين المعاصرين بقوله: "أن المحدثين إذا تكلموا عن العلة باعتبار أن خلو الحديث منها يعد قيدًا لابُدّ منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي
_________________
(١) الوادعي، أحاديث معلة، ٢٠.
(٢) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠٣.
(٣) باحو، العلة، ٢٣.
[ ٤٥٥ ]
القادح. وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها: السبب الذي يعل الحديث به: سواء كان خفيا أم ظاهرا قادحا أم غير قادح." (١)
- فالعلة إذن ذات مدلول واسع عند الأئمة المتقدمين، فكل قادح في صحة الحديث سواء كان ظاهرًا أم خفيًا يُعتبر مما يُعِلُّ الحديث ويضعفه، أما المتأخرين: فبتحرير ابن الصلاح لكلام الحاكم في الحديث المعلل، فإن غالب تعريفات العلة في - كتب علوم الحديث- دارت حول تقييدها بقيديّ: الخفاء والقدح في الصحة.
وعليه فقد استقرّ اصطلاح المتأخرين على تضييق مدلول العلة؛ لتكون خاصة بالسبب الخفي الذي يقدح في بعض الروايات التي ظاهرها الصحة، والله أعلم. (٢)
وبهذا نختم فصل الحديث المعلل، ونتبعه بالحديث المضطرب؛ لكون الاضطراب في رواية الحديث نوع من أنواع علل الحديث، فمن المناسب أن يتبعه في ترتيب فصول هذا البحث.
_________________
(١) الفحل، علل الحديث، ١٧.
(٢) "فالتعليل في بعض الأخبار كان بالأمر الظاهر وليس بالخفي كالإرسال أو الوقف، أو الانقطاع، أو عدم سماع الراوي، أو ضعف الراوي، أو جهالته، أو الزيادة في الإسناد، والحقيقة أن الأمر ليس كذلك فالتعليل يكون بالعلل الخفية - الوهم أو الخطأ - الواقعة في الرواية، وهو أمر لا يدركه إلا نقاد الحفاظ." طوالبة، مفهوم العلة، ٤٥٠
[ ٤٥٦ ]