المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريفه لغة:
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
[ ٥٥٠ ]
المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة:
الموضوع اسم مفعول، من وَضَع الشيء، يضَعه - بالفتح - (وَضْعًا) و(مَوْضِعًا) و(مَوْضُوعًا).
والوَضْعُ: ضد الرّفْع. ورجل وضيع، وهو ضدّ الشريف. ووُضِع فلَان في تجارته فهو موضوع فيها إِذا خسر فيها، ووضع عنه الدَّين: أسقط عنه.
ووَضَعَت المرأَةُ وَضْعًا وَلَدَت.
ووضَع الشَّيء وَضْعا: اختلقه، والأحاديث الموضوعة: المُخْتَلَقَة. (١)
يقال: وضَع فلان على فلان عارًا إذا ألصقه به، والوضْع أيضًا: الحطُّ والإسقاط. (٢)
فيأتي الوضع في اللغة على معانٍ منها:
الحطُّ والإسقاط، والإلصاق والاختلاق.
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):
ذكر البقاعي - في النكت- أن الموضوع من وَضَع الشيء يضَعه وضعًا: حطّه. إشارة إلى أن رتبته أن يكون دائما مُلقى مطرحا لا يستحق الرفع أصلا (٣)، "فكأنَّ هؤلاء الفسقة وضعوا على رسول الله - ﷺ - أحاديث وهي ساقطةٌ عنه إذ هي كلامُ غيره" (٤).
_________________
(١) ينظر مادة (وض ع): الأزهري، التهذيب، ٣/ ٤٨، ابن سيده، المحكم، ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، الرازي، الصحاح، ٣٤١، الفيروزآبادي، القاموس، ٧٧٢، الزبيدي، التاج، ٢٢/ ٣٣٧ - ٣٤٠، ابن منظور، اللسان، ٨/ ٣٩٧.
(٢) ينظر: ابن دحية، أداء ما وجب، ١٤٨ - ١٤٩.
(٣) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٦.
(٤) ابن دحية، أداء ما وجب، ١٤٨ - ١٤٩. قال ابن حجر: والأول أليق، ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٠.
[ ٥٥١ ]
"فالمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط وفيه انحطاط في رتبته عن غيره، وفيه معنى التوليد وإيجاد ما لم يكن موجودا، وإذا أُطلِق الموضوع ينصرف إلى المُفتَرى" (١).
"ويشبه أن يكون من باب استعمال الأضداد في المعاني المتناقضة؛ إذ ما ينسب إلى النبي - ﷺ - يسمّى مرفوعًا، تعظيمًا لقدره ومراعاة لجهة نسبته إلى المصطفى - ﷺ -.
أما المكذوب: فسُمِّيَ موضوعًا إشارةً إلى عدم استحقاقه وأخذه بنظر الاعتبار، بل منْزلته أن يبقى غير معبوءٍ به." (٢)
وقد أكّد الإمام مسلم في مقدمة صحيحه على وجوب التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وسرد عددًا من الأحاديث المحذّرة والمتوعدة للكاذب على رسول الله - ﷺ -، ومن ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار» (٣).
- وأشار الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) - في مقدمة كتابه معالم السنن- إلى أن الموضوع شرّ درجات الضعيف، فقال: "فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول" (٤).
_________________
(١) أبو شهبة، الوسيط، ٣١٩.
(٢) الهميم والفحل، حاشية تحقيقهما لكتاب معرفة علوم الحديث لابن الصلاح، ٢٠٠.
(٣) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - ١/ ٣٣ ح (١١٠)، ومسلم في مقدمة صحيحه باب في التحذير من الكذب على رسول الله - ﷺ -: ١/ ١٠.
(٤) ١/ ٦
[ ٥٥٢ ]
- وذكر الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) - في المدخل إلى الإكليل- أنواع الجرح والمجروحين على عشرة طبقات، وأشدها الوضع في الحديث، فقال: "أول أنواع الجرح وضع الحديث على رسول الله - ﷺ -، وقد صحت الرواية عنه - ﷺ - أنه قال: «من كذب على متعمدا فليتبؤ مقعده من النار»." (١)
وقال في كتابه المدخل إلى الصحيح: عَلِم - ﷺ - ما يكون بعده من الكذابين الذين يقصدون وضع الأحاديث عليه فأعلمهم - ﷺ - أن موعد الكاذب عليه النار ، وقد شدد - ﷺ - في ذلك وبين أن الكاذب عليه في النار تعمد الكذب أو لم يتعمد (٢).
- وتابع ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) الحاكم فيما ذكره من طبقات المجروحين، فقال في مقدمته لجامع الأصول: "وطبقات المجروحين كثيرة، وقد أوردنا منها في هذا الفرع عشر طبقات، ذكرها الحاكم - رحمه الله تعالى -.
الطبقة الأولى وهي أعظم أنواع الجرح، وأخبث طبقات المجروحين: الكذب على رسول الله - ﷺ - " (٣).
- وأفرد الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه الجامع لأخلاق الراوي بابًا في تحريم رواية الأخبار الكاذبة، ووجوب إسقاط الأحاديث الباطلة، وسرد تحته الأحاديث والآثار المحذِّرة من الكذب على رسول الله - ﷺ -، فقال: "يجب على المحدث أن لا يروي شيئا من
_________________
(١) ٥١.
(٢) ينظر: ٩٠ - ٩١ باختصار.
(٣) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٣٥.
[ ٥٥٣ ]
الأخبار المصنوعة والأحاديث الباطلة الموضوعة فمن فعل ذلك باء بالإثم المبين ودخل في جملة الكذابين كما أخبر الرسول - ﷺ - " (١).
- أما ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، فقد عرّف الموضوع بقوله: "الموضوعات المقطوع بأنها محال وكذب، فتارة تكون موضوعة في نفسها وتارة توضع على الرسول - ﷺ - وهى كلام غيره" (٢).
- بينما عرّف ابن دحية (ت ٦٣٣ هـ)، الموضوع بقوله:
"هو ما وُضع على رسول الله - ﷺ - أي أُلْصِقَ به- ولم يقُلْه، يقال: وضَع فلانْ على فلانِ عارًا إذا ألصقه به.
والوضْع أيضًا الحطُّ والإسقاط فكأنَّ هؤلاء الفسقة وضعوا على رسول الله - ﷺ - أحاديث وهي ساقطةٌ عنه إذ هي كلامُ غيره" (٣)
هذا فيما يخص من سبق ابن الصلاح.
- أما ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):، فقد عرّف الموضوع فقال: "معرفة الموضوع وهو: المختلق المصنوع." (٤)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
_________________
(١) ٢/ ١٦١.
(٢) ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٣٥.
(٣) ابن دحية، أداء ما وجب، ١٤٨ - ١٤٩. قال ابن حجر: والأول أليق، ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٠.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٨.
[ ٥٥٤ ]
أغلب من جاء بعد ابن الصلاح تابعه على تعريفه، كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) (٢) وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في المقنع (٣)، إلا أنه زاد في التذكرة ألقابًا له،
فقال: "وقد يلقب بالمردود، المتروك، والباطل، والمُفْسَد." (٤) بينما اقتصر ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٥)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٦)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في الخلاصة (٧) على شق (المُختَلق).
- وزاد العراقي (ت ٨٠٦ هـ) في شرح التبصرة: "وهو المكذوب" (٨)، وتابعه ابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) في (التنقيح) (٩)، والسخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في الغاية (١٠)، والسيوطي (ت ٩١١ هـ) في تدريب الراوي (١١).
- وقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في النكت: "الوضع إثبات الكذب والاختلاق" (١٢).
- بينما عرّفه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) بقوله:
_________________
(١) ينظر: النووي، التقريب، ٤٦.
(٢) ينظر: ابن كثير، الاختصار، ٥٥.
(٣) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٣٢.
(٤) ابن الملقن، التذكرة، ١٨.
(٥) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٥
(٦) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٣.
(٧) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٨٤.
(٨) ينظر: ١/ ٣٠٦.
(٩) ينظر: ١٧٣.
(١٠) ينظر: الغاية، ٢٠٣، فتح المغيث، ١/ ٣١٠.
(١١) ينظر: ١/ ٣٢٣.
(١٢) ٢/ ٢٨٣.
[ ٥٥٥ ]
"ما كان متنه مخالفا للقواعد، وراويه كذابا" (١).
وزاد مرتبة بين الضعيف والموضوع، وهو المطروح، فقال: "المطروح: ما انحط عن رتبة الضعيف." (٢)
والفرق بين ثلاثتهم عنده، أن الضعيف رواته ليسوا بالمتروكين، بينما المطروح رواته متروكون، والموضوع رواته كذابون.
تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ):
أما ابن حجر، فقد أيّد ابن الصلاح في تعريفه الموضوع بأنه المختلق المصنوع، فقال في النكت: "هذا تفسير بحسب الاصطلاح" (٣)، ووافق الذهبي في شقٍ من تعريفه، فقال في نزهة النظر: "الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي- هو الموضوع." (٤)
وفسّر المراد بكذب الراوي في الحديث النبوي بقوله: "بأن يروي عنه - ﷺ - ما لم يقله، متعمدًا لذلك." (٥)
_________________
(١) الذهبي، الموقظة، ٣٦. ثم قال: " كـ: "الأربعين الودعانية"، وكـ: "نسخة علي الرضا" المكذوبة عليه. وهو مراتب، منه: - ما اتفقوا على أنه كذب. ويعرف ذلك بإقرار واضعه، وبتجربة الكذب منه، ونحو ذلك. ومنه: - ما الأكثرون على أنه موضوع. والآخرون يقولون: هو حديث ساقط مطروح، ولا نجسر أن نسميه موضوعا. ومنه: - ما الجمهور على وهنه وسقوطه، والبعض على أنه كذب. ولهم في نقد ذلك طرق متعددة، وإدراك قوي تضيق عنه ".
(٢) المرجع السابق، ٣٤.
(٣) ٢/ ٨٣٨.
(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٧ - ١٠٨، ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، ٦٣.
(٥) ابن حجر، المرجع السابق، ١٠٦.
[ ٥٥٦ ]
المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:
غالب من سبق ابن الصلاح ذكروا الموضوع في مَعرِض التحذير منه، وتمييز الصحيح من السقيم، وأشار الخطابي إلى أن الموضوع شرّ درجات الضعيف، وتبعه ابن الصلاح في ذلك، وتعقّبه بعض من جاء بعده فقال الزركشي: "هذه العبارة سبقه إليها الخطابي، وقد استنكرت منه، فإن الموضوع لا يعد في الأحاديث للقطع بكونه غير حديث، وأفعل التفضيل إنما يضاف لبعضه. وهذا الإشكال يرد أيضا على إفراد المصنف له بنوع، فإنه إذا لم يكن حديثا فكيف يعد من أنواع الحديث " (١).
ثم أجاب عن ذلك بقوله: "ويمكن أن يقال: إنهم أرادوا بالحديث القدر المشترك، وهو ما يُحَدِّثُ به" (٢)، أو إطلاق الحديث عليه بالنسبة إلى زعم واضعه، وإلى ظاهر الأمر قبل البحث، والنظر، وإلا فليس هو في التحقيق حديثا. (٣)
أو "لأجل معرفة الطرق التي يتوصل بها لمعرفته؛ لِيُنفَى عن المقبول ونحوه". (٤)
ومما تُعقِّب به ابن الصلاح ما ذكره في نوع الضعيف من أن شرّ أنواعه ما عُدم فيه جميع صفات الصحيح والحسن، فقال: "ما عدم فيه جميع الصفات هو القسم الآخِرُ الأرذل" (٥)، ثم عاد في نوع الموضوع، وقال: "اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث
_________________
(١) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٥٣.
(٢) المرجع السابق. وبنحو ذلك أجاب ابن حجر. ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٨.
(٣) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١١.
(٤) السخاوي، المرجع السابق ينظر: زكريا الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٨٥.
(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٢.
[ ٥٥٧ ]
الضعيفة" (١)، وصوّب العراقي ما ذكره آخرًا، فقال: "وهذا هو الصواب (٢)، كما ذكره ابن الصلاح هنا. وأما قوله في قسم الضعيف: إن ما عدم فيه جميع صفات الحديث الصحيح والحسن، هو القسم الآخِرُ الأرذل؛ فهو محمول على أنه أراد ما لم يكن موضوعا " (٣).
وأجيب بأنه لا تنافي بين القولين، لأن القسم الأرذل من الضعيف يدخل تحته نوعان: الضعيف مطلقًا، والموضوع. (٤)
قيود الموضوع عند ابن الصلاح:
عرّف ابن الصلاح الموضوع بكونه المختلق المصنوع، "أي: إن واضعه اختلقه وصنعه" (٥)، وعليه فإن من أبرز قيود الموضوع عند ابن الصلاح، قيد الاختلاق والصُنْع.
قيد: الاختلاق والصُنْع:
معنى الاختلاق في اللغة: يقال: خَلَقَ الكلمة، واختلقها، وخَرَقَهَا واخْتَرَقَها: إِذا ابْتَدَعَها كذبًا، واختلقه بمعنى: ابتدعه، وافتراه. (٦)
_________________
(١) المرجع السابق، ٩٨.
(٢) ينظر: العراقي، التقييد، ١٣١.
(٣) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٠٦.
(٤) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٧، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٠، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٨٥.
(٥) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٠٦.
(٦) ينظر مادة (خ ل ق): الأزهري، التهذيب، ٧/ ١٤، ابن سيده، المحكم، ١/ ٥٣٧، الرازي، المختار، ٩٥، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٨٠.
[ ٥٥٨ ]
والصُنْع: مصدر من "صَنَع الشيء صَنْعًا وصُنْعًا، بالفتح والضمِّ، أي عَمِله، فهو مَصْنوع" (١).
والمصنوع من الشِّعر وغيره: المفتعل. (٢)
وكلا اللفظين (المختلق المصنوع) يتضمنان معنى الابتداع والافتراء والتلفيق.
قال السخاوي في تعريف الموضوع: "واصطلاحًا: (الكذب) على رسول الله - ﷺ - (المُختلَق) بفتح اللام، الذي لا ينسب إليه بوجه، (المصنوع) من واضعه، وجيء في
تعريفه بهذه الألفاظ الثلاثة المتقاربة للتأكيد في التنفير منه". (٣)
وقد أوضح ابن الصلاح أنواعًا من الوضع والاختلاق في الحديث، فقال: "ثم إن الواضع ربما صنع كلامًا من عند نفسه فرواه، وربما أخذ كلامًا لبعض الحكماء (٤) أو غيرهم،
_________________
(١) الزبيدي، تاج العروس، ٢١/ ٣٦٣.
(٢) المعجم الوسيط، ١/ ٥٢٦.
(٣) السخاوي، فتح المغيث، رجع سابق، ١/ ٣١٠.
(٤) مثال ذلك: حديث: «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء» هذا من كلام الأطباء، إما الحارث بن كلدة، أو غيره ولا أصل له عن النبي - ﷺ -. ينظر: الزركشي، اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة، ١٤٥، السخاوي، المقاصد الحسنة، ٦١١ ح (١٠٣٥)، السيوطي، الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، ١٧٨ ح (٣٧٢)، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٢٦، وحديث: «حب الدنيا رأس كل خطيئة». ينظر: أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء ٦/ ٣٨٨، الزركشي، المرجع السابق، ١٢٢، العراقي، المرجع السابق، الأبناسي، الشذا الفياح، ١/ ٢٢٩.
[ ٥٥٩ ]
فوضعه على رسول الله - ﷺ - " (١)، وقد سبقه ابن الجوزي بذكر هذين النوعين بقوله: "فتارة تكون موضوعة في نفسها، وتارة توضع على الرسول - ﷺ - وهى كلام غيره" (٢).
وكلا النوعين يتضمّنان معنى الاختلاق والافتراء، إلا أن التقييد بالاختلاق قد يقصر الوضع على ما وقع عمدًا (٣)، دون ما وقع سهوًا من الراوي وخطأً، ولعل ذلك ما دعا ابن الصلاح إلى ذكر نوع ثالث من أنواع الموضوع أطلق عليه (شبه الوضع) (٤)، فقال: "وربما غلط غالط، فوقع في شبه الوضع من غير تعمد، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» " (٥)، وقد سبق ذكر هذا المثال في فصل الحديث المدرج، إذ عدّه العراقي وتبعه ابن حجر من أقسام المدرج. (٦)
وهو من الأمثلة المتداخلة بين نوعي الإدراج والوضع، حيث صدّر العراقي هذا المثال بقوله: "ومن أقسام الموضوع: ما لم يقصد وضعه، وإنما وهم فيه بعض الرواة." (٧) ثم أردفه بذكر أقوال نقّاد الحديث فيه، والتي تراوحت بين الوصف بالإدراج، والوضع والبطلان، فقال: "وقول المصنف - يقصد ابن الصلاح- في هذا الحديث أنه شبه الوضع
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٠.
(٢) ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٣٥.
(٣) "قوله (المختلق) أخرج ما لم يكن عن عمد، فلا يسمّى موضوعًا على ذلك. والصواب: أن الموضوع: هو المكذوب على رسول الله - ﷺ - سواء تعمد ذلك راويه، أو أخطأ في ذلك، فإن الرجل المغفل قد يشتبه عليه الأمر، ويذكر أحاديث عن رسول الله - ﷺ - ليست من كلامه، إلا أنه شُبِّه عليه، هذا من حيث وصف الحديث بأنه موضوع، أما الراوي فلا يلزم من ذلك أن يُوصف بأنه وضّاع، إلا إذا كان متعمدًا لذلك؛ فوضّاع ولا كرامة". السليماني، الجواهر، ٣٧٤.
(٤) وقد سبقت الإشارة إليه في فصل الحديث المدرج.
(٥) المرجع السابق.
(٦) ينظر: العراقي، التقييد، ١٣٣، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٦، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٥.
(٧) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٦.
[ ٥٦٠ ]
حسن؛ إذ لم يضعه ثابت بن موسى، وإن كان ابن معين قد قال فيه أنه كذاب. نعم بقية الطريق التي سرقها من سرقها موضوعة؛ ولذلك جزم أبو حاتم الرازي بأنه موضوع فيما حكاه ابنه أبو محمد في العلل، (١) والله أعلم." (٢)
فعند ابن الصلاح الموضوع ما تعمّد راويه الكذب على رسول الله - ﷺ -، وشبه الموضوع ما لم يقصد راويه وضعه، وإنما وقع منه ذلك وهمًا وخطأً، ولعل تعريف ابن دحية يشملهما، حيث قال: "هو ما وُضع على رسول الله - ﷺ - أي أُلْصِقَ به- ولم يقُلْه" (٣)، والإلصاق: يشمل ما وضع عمدًا، أو خطأً.
وتعريف الوضع بالإلصاق أليق كما ذكر ابن حجر في نكته على ابن الصلاح. (٤)
ونجده أيضًا زاد نوعًا من أنواع الموضوع في النزهة، فقال: "أو يأخذ - أي الواضع- حديثا ضعيف الإسناد فيركب له إسنادا صحيحا لِيَرُوْجَ" (٥).
"فهذا الحديث موضوع [الإسناد] لا المتن." (٦)، وسمّاه السخاوي بالوضع السندي. (٧)
وبالنظر إلى تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح، نجد أنها اتفقت على كون الموضوع من المختلق المصنوع، فمعظمها صرّح بلفظ الاختلاق في نص التعريف، بينما لم يصرح
_________________
(١) ابن أبي حاتم، العلل، ٢/ ٣٦ ح (١٩٦).
(٢) العراقي، التقييد، ١٣٣.
(٣) ابن دحية، أداء ما وجب، ١٤٨ - ١٤٩.
(٤) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٠.
(٥) ابن حجر، النزهة، ١١٠.
(٦) القاري، شرح النخبة، ٤٤٥.
(٧) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٢٧.
[ ٥٦١ ]
الذهبي بذلك، ولكن جاء الوصف بالاختلاق في معرض كلامه عن طرق معرفة الحديث الموضوع، فقال: "فيحكمون بأن هذا مختلق، ما قاله رسول الله - ﷺ - " (١).
وقد "سلك أئمة الحديث وأعلام السنة لمعرفة الحديث الموضوع طريقتين:
إحداهما نظرية، حيث وضعوا القواعد الدالة على وضع الحديث وأقاموا الأمارات الصادقة على ذلك بما لا يدع مجالا للشك.
ثانيهما: عملية، وذلك ببيانهم لأشخاص الوضاعين وتعريف الناس بهم، وبيان الموضوعات التي وضعوها والأكاذيب التي اختلقوها، وصنفوا تآليف كثيرة لبيان الأحاديث الموضوعة وبذلوا في ذلك غاية جهودهم، وهي الكتب المعروفة اليوم بكتب الموضوعات (٢)." (٣)
طرق معرفة الموضوع:
قال ابن الصلاح: "وإنما يعرف كون الحديث موضوعًا بإقرار واضعه، أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها." (٤)
ويمكن تقسيم العلامات التي وضعها علماء الحديث للكشف عن الحديث الموضوع إلى قسمين، قسم يختص بالراوي أي: بالسند، وآخر يتعلق بالمروي، أي: بالمتن.
_________________
(١) الذهبي، الموقظة، ٣٧.
(٢) قال السخاوي: "يوجد الموضوع كثيرًا في الكتب المصنفة في الضعفاء، وكذا في العلل، " السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٢. ومن الكتب التي أفردت الموضوع بالتصنيف: كتاب الموضوعات لابن الجوزي، واللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي، وكتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠). ينظر: أبو شهبة، الوسيط، ٣٦٠ - ٣٦٣.
(٣) إدريس عزوزي، ضوابط معرفة الحديث الموضوع عند المحدثين، ٩٨.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٩.
[ ٥٦٢ ]
أولًا: ما يتعلق بالسند:
١ - إقرار واضع الحديث بوضعه. (١)
ومثاله: كحديث نوح بن أبي مريم (٢) في فضائل القرآن (٣).
وحديث أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف راويه بالوضع. (٤)
_________________
(١) تعقّب ابن دقيق العيد ما ذكره ابن الصلاح، فقال: "وقد ذكر فيه إقرار الراوي بالوضع، وهذا كافٍ في ردِّه، لكنه ليس بقاطعٍ في كونه موضوعا، لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه."، وقد استدرك الذهبي على شيخه فقال في الموقظة: "قلت: هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو افتتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد، لوقعنا في الوسوسة والسفسطة! ". وأجاب ابن حجر عن استدراك الذهبي فقال في النزهة: "وفهم منه بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلا، وليس ذلك مراده، وإنما نفي القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك" أما العراقي فقد عدّ ما ذكره ابن دقيق العيد بدايةً: استشكالًا، ولم يتعقبه، وكأنه يقرّه، فقال في التقييد: "وقد استشكل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد الحكم على الحديث بالوضع بإقرار من ادعى أنه وضعه؛ لأن فيه عملا بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع". وقال ابن حجر في النكت: "كلام ابن دقيق العيد ظاهر في أنه لا يستشكل الحكم؛ لأن الأحكام لا يشترط فيها القطعيات ولم يقل أحد أنه يقطع بكون الحديث موضوعا بمجرد الإقرار، إلا أن إقرار الواضع بأنه وضع يقتضي موجب الحكم العمل بقوله، وإنما نفى ابن دقيق العيد القطع بكون الحديث موضوعا بمجرد إقرار الراوي بأنه وضعه فقط"، ونقل البقاعي عن شيخه ابن حجر مراجعته لشيخه العراقي في ذلك، فقال في النكت: "قال شيخنا: وقد كان الشيخ عبر في النظم أولا (بالحكم)، فلما قرأنا ذلك عليه غير (الحكم) (بالقطع)، فكأنه غير النظم ولم يغير الشرح. قلت: وكان ينبغي أيضا تغيير قوله في النظم (استشكل)، فإنه لم يستشكل بل أوضح موضع الحكم، فلو قال بدلها: (استرذلا) لزال المحذور." وقال الأنصاري: "ففي الحقيقة ليس ذلك استشكالا، بل بيان للمراد والواقع؛ إذ لا يشترط في الحكم القطع، بل يكفي غلبة الظن، والله أعلم." المراجع: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٥، الذهبي، الموقظة، ٣٧، العراقي، التقييد، ١٣١، ابن حجر، النزهة، ١٠٩، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٤٠ - ٨٤١، البقاعي، النكت، ١/ ٥٧٨ - ٥٧٩، ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٥٦، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٩٧، الأثيوبي، شرح الألفية، ١/ ٢٨٨.
(٢) نوح ابن أبي مريم، أبو عصمة المروزي، قاضي مرو، مشهور بكنيته، قال عنه الذهبي: فقيه واسع العلم، تركوه، قال ابن حجر: كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع، مات سنة: ١٧٣ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٢٧ (٥٨٩٤)، ابن حجر، التقريب، ٥٦٧ (٧٢٠٥).
(٣) "قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا! فقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة." أخرجه الحاكم في المدخل إلى الإكليل، ٥٤، وابن الجوزي في الموضوعات، ١/ ٤١. ومثال آخر ذكره السيوطي في التدريب، فقال: "وقال البخاري في (التاريخ الأوسط): حدثني يحيى الأشكري، عن علي بن جرير، قال: سمعت عمر بن صبح، يقول: أنا وضعت خطبة النبي - ﷺ -." البخاري، التاريخ الأوسط (مطبوع خطأ باسم التاريخ الصغير)، ٢/ ٢١٠، ابن الجوزي، الموضوعات، ٣/ ٢٥٤، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٢٣.
(٤) أخرجه الخطيب في الكفاية، ٤٠١، وابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.
[ ٥٦٣ ]
٢ - ما يتنزّل منزلة الإقرار بالوضع، أو بمعنى إقراره (١):
قال ابن حجر في النكت (٢): "والأَولى أن يُمثِّل لذلك بما رواه البيهقي في المدخل بسنده الصحيح أنهم اختلفوا بحضور أحمد بن عبدالله الجويباري (٣) في سماع الحسن من أبي هريرة - ﵁ -، فروى لهم حديثا بسنده إلى النبي - ﷺ - قال: «سمع الحسن من أبي هريرة - ﵁ -» (٤).
_________________
(١) قال العراقي في التقييد: كأن يحدث بحديث عن شيخ، ويسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع; لأن ذلك الحديث لا يعرف إلا عن ذلك الشيخ، ولا يعرف إلا برواية هذا الذي حدث به." العراقي، التقييد، ١٣٢. وتعقبّ ذلك ابن حجر في النكت فقال: "ثم إن شيخنا - ﵁ - مثل لقول ابن الصلاح: "أو ما يتنزل منزلة إقراره" بما إذا حدث محدث عن شيخ، ثم ذكر أن مولده في تأريخ يعلم تأخره، عن وفاة ذلك الشيخ ولم يتعقبه بما تعقبه به الأول والاحتمال يجري فيه كما يجري في الأول سواء، فيجوز أن يكذب في تاريخ مولده بل يجوز أن يغلط في التأريخ ويكون في نفس الأمر صادقا". ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٤٢.
(٢) ابن حجر، المرجع السابق.
(٣) أحمد بن عبدالله بن خالد، أبو علي الجويباري، ويقال الجوباري. قال ابن عدي: كان يضع الحديث لابن كرام على ما يريده، فكان ابن كرام يخرجها في كتبه عنه، وقال ابن حبان: "دجال من الدجاجلة كذاب يروى عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث ويضع عليهم ما لم يحدثوا". ينظر: ابن حبان، المجروحين، ١/ ١٤٢، الذهبي، الميزان، ١/ ١٠٦ (٤٢١)، ابن حجر، اللسان، ١/ ١٩٣ (٦١١).
(٤) روى البيهقي الحديث نقلًا عن شيخه الحاكم، ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ١٠٨. نحو هذا المثال، ما ذكره السخاوي، فقال: "أن عبد العزيز بن الحارث التميمي جد رزق الله بن عبدالوهاب الحنبلي سئل عن فتح مكة، فقال: عنوة، فطولب بالحجة، فقال: ثنا ابن الصواف، ثنا عبدالله ابن أحمد، ثنا أبي، ثنا عبدالرزاق عن معمر، عن الزهري عن أنس، «أن الصحابة اختلفوا في فتح مكة; أكان صلحا أو عنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: كان عنوة»، هذا مع أنه اعترف أنه صنعه في الحال، ليندفع به الخصم".السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٠٨، ينظر: الذهبي، الميزان، ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥ (٥٠٩٢).
[ ٥٦٤ ]
٣ - قرينة حال الراوي: كمن يروي عمن لم يدركه (١)، بأن يُحدِّث بحديث عن شيخ، ويُسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يُعلَم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يُعرف ذلك الحديث إلا عنده (٢).
ثانيًا: ما يتعلق بالمروي، أي: بالمتن:
- وتتمثل في: قرينة حال المروي (٣): مثل الأحاديث الطويلة التي يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها، ومعانيها، أو تخالف العقل ولا تقبل تأويلا بحال (٤)، "فإن معرفة الوضع من قرينة حال المروي أكبر من قرينة حال الراوي" (٥)
ولعل هذا ما دعا الذهبي لتعريف الموضوع بأنه: "ما كان متنه مخالفا للقواعد، وراويه كذابا" (٦)، فهذه إشارة منه إلى ما تمثله القرائن الخاصة بالمروي في الحكم بالوضع.
ونجد ابن حجر كذلك بعد أن عرّف الموضوع بأنه: "الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي" أردفه بقوله: "والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب، لا بالقطع؛ إذ
_________________
(١) ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨، وفي المطبوع (كمن لم يرو) بنفي الرواية، ولعله خطأ مطبعي، فالمعنى لا يستقيم مع المثال.
(٢) مثال ذلك: "قال الخطيب هذا مما يستدل به على كذب الراوي كما جاء عن عمر بن موسى قال ثنا شيخكم الصالح وأكثر من ذلك فقيل له من هو قال خالد بن معدان فقيل له: في أي سنة لقيته؟، قال: سنة ثمان ومائة في غزاة أرمينية. فقيل له: اتق الله يا شيخ، ولا تكذب. مات خالد سنة أربع ومائة ولم يغز أرمينية قط". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ١١٩.
(٣) قال ابن حجر: هذا الثاني هو الغالب، وأما الأول -أي قرينة حال الراوي- فنادر. ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٤٣.
(٤) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٣٥.
(٥) ابن حجر، المرجع السابق.
(٦) الذهبي، الموقظة، ٣٦.
[ ٥٦٥ ]
قد يصدق الكذوب، لكن، لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تامًا، وذهنه ثاقبًا، وفهمه قويًا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة." (١)
ومن القرائن في المروي، ركاكة ألفاظه ومعانيه، والمراد بالرِّكّة أي: "الضعف عن قوة فصاحته - ﷺ - في اللفظ والمعنى معًا، مثل ما يُروى في وفاة النبي - ﷺ -. (٢)
وكذا في أحدهما، لكنه في اللفظ وحده مقيد بما إذا صرَّح بأنه لفظ الشَّارع، ولم يحصل التصرُّف بالمعنى في نقله؛ لا سيما إن كان لا وجه له في الإعراب." (٣)
قال ابن دقيق العيد: "وأهل الحديث كثيرًا ما يحكمون بذلك باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث.
وحاصلُه يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول - ﷺ - هبة (٤) نفسانية أو ملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي - ﷺ -، وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه. كما سئل بعضهم: كيف تعرف أن الشيخ كذاب؟ فقال: إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه كذاب". (٥)
وسُئِل ابن القيم: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُنظَر في سنده؟
فقال: "هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يَعلمُ ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن
والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله - ﷺ - وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١٠٧ - ١٠٨.
(٢) أي: بعضًا مما يُروى في ذلك، وأخرج ابن الجوزي شيئًا منها في كتابه الموضوعات، ينظر: ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٢٩٥ - ٣٠١.
(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٣١، ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٤٤، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٢٥،
(٤) وفي طبعة دار العلوم أخرى: (هيئة نفسانية)، ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، تحقيق: الدوري، ٣١٢.
(٥) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٥.
[ ٥٦٦ ]
ويدعو إليه ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول - ﷺ - كواحد من أصحابه." (١)
ثم ذكر - ﵀- أمورًا كلّية يُعرف بها كون الحديث موضوعًا، منها (٢):
١ - اشتماله على مجازفات لا يقول مثلها رسول الله - ﷺ -.
٢ - تكذيب الحس له.
٣ - سماجة الحديث، وكونه مما يُسخر منه.
٤ - مناقضته لما جاءت به السنة مناقضة بيِّنة.
٥ - ركاكة ألفاظه، وكونه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلا عن كلام رسول الله - ﷺ - الذي هو وحي يُوحى.
أسباب الوضع في الحديث: (٣)
تعددت الأسباب التي أدّت إلى الوضع في الحديث بحسب غرض أصحابها، ومرادهم من ذلك، ومن تلك الأسباب:
١ - الجهل بالدين مع الرغبة في الخير واحتساب الأجر:
فمن أكثر أصناف الوضّاع ضررًا: طائفة تبيح الكذب في الحديث لمصلحة الدين، وربما احتسب بعضهم الأجر في ذلك، وتعلقوا بشبه باطلة (٤)، وهو صنيع كثير من الزهّاد
والعُبّاد ممن يتدينون بذلك؛ لترغيب الناس في أفعال الخير بزعمهم، وضررهم عظيم؛
_________________
(١) ابن قيم الجوزية، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ٤٣ - ٤٤.
(٢) ينظر: المرجع السابق، ٤٣ - ٨١، العثمان، المحرر، ٤٥٥.
(٣) ينظر: السباعي، السنة ومكانتها، ٧٨ - ٨٩، عمر حسن فلاته، الوضع في الحديث، ٢١٨ - ٢٨٤، الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٤٣ - ١٠٤٧.
(٤) ينظر تفصيل الشبه، والجواب عليها: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٥٢.
[ ٥٦٧ ]
لأنهم يحتسبون بذلك، ويرونه قربة، والناس يثقون بهم، ويركنون إليهم لما نسبوا له من الزهد، والصلاح، فينقلونها عنهم.
قال ابن الصلاح:
"وأعظمهم ضررًا قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتسابًا فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونا إليهم." (١)
"ولما أنكر العلماء عليهم ذلك وذكروهم بقوله - ﷺ -: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» قالوا: نحن نكذب له - ﷺ - لا عليه، وهذا كله من الجهل بالدين وغلبة الهوى والغفلة، ومن أمثلة ما وضعوه في هذا السبيل. حديث فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف بوضعه نوح بن أبي مريم، واعتذر لذلك بأنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق." (٢)
٢ - الزندقة والإلحاد في الدين:
والزنادقة: هم المبطنون للكفر المظهرون للإسلام، أو الذين لا يتدينون بدين. (٣)
فضربٌ من الزنادقة يضعون الأحاديث، وذلك؛ استخفافًا بالدين، واضلالًا للناس. (٤)
٣ - نصرة المذاهب والأهواء: (سواء كان مذهبًا سياسيًا أو عقديًا، أو فقهيًا)
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٩.
(٢) السباعي، السنة ومكانتها، ٨٧. من أمثلة ذلك أيضًا: أخرج ابن الجوزي إلى محمد بن عيسى الطباع قوله: "سمعت ابن مهدى يقول لميسرة بن عبد ربه من أين جئت بهذه الأحاديث: (من قرأ كذا فله كذا) قال: وضعتها أرغب الناس فيها." ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٤٠.
(٣) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٦.
(٤) "كمحمد بن سعيد المصلوب، والحارث الكذاب الذي ادعى النبوة، والمغيرة بن سعيد الكوفي وغيرهم." ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٥١. ومثاله: قول الحاكم: "فمما رواه محمد بن سعيد المصلوب، عن حميد، عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: «أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله». فوضع هذا الاستثناء لما كان يدعوا إليه من الإلحاد والزندقة " الحاكم، الإكليل، ٥١ - ٥٢.
[ ٥٦٨ ]
"فقد نزع الجهال والفسقة من أتباع المذاهب الفقهية والكلامية إلى تأييد مذهبهم بأحاديث مكذوبة." (١)، وضربٌ منهم يلجؤون إلى إقامة دليل على ما أفتوا به بآرائهم، فيضعون الأحاديث في ذلك. (٢)
"ومنهم من يضع للمذهب الفقهي، كمن وضع في فضل أبي حنيفة وذم الشافعي، ومنه الحكايات الكثيرة المتضمنة للمبالغات في الفضائل، والتي تنسب إلى الأئمة الفقهاء؛ وذلك بغرض تنفيق مذاهبهم عن طريق نسبة تلك الفضائل لهم." (٣)
٤ - تحقيق أغراض ومصالح دنيوية:
حيث ذكر ابن حجر من أصناف الوضاعين: "أصحاب الأغراض الدنيوية: كالقصاص، والسؤّال في الطرقات، وأصحاب الأمراء " (٤)، وهؤلاء "أمرهم أظهر؛ لأنهم في الغالب ليسوا من أهل الحديث." (٥)
_________________
(١) السباعي، السنة ومكانتها، ٨٧. من أمثلة هؤلاء: عمرو بن عبدالغفار الفقيمي ابن عدي، الضعفاء، ٦/ ٢٥٣ (١٣١١). قال ابن حجر: "ومن خفي ذلك ما حكاه ابن عدي أن محمد بن شجاع الثلجي كان يضع الأحاديث التي ظاهرها التجسيم وينسبها إلى أهل الحديث بقصد الشناعة عليهم لما بينه وبينهم من العداوة المذهبية.". ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٥٢، ينظر: ابن عدي، المرجع السابق، ٧/ ٥٥٠ (١٧٧٦).
(٢) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٠٩. من أمثلة ذلك: "قيل لمحمد بن عكاشة الكرماني: إن قوما عندنا يرفعون أيديهم في الركوع وبعد رفع الرأس من الركوع فقال حدثنا المسيب بن واضح قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رفع يده في الركوع فلا صلاة له» ". الحاكم، الإكليل، ٥٧.
(٣) الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٤٥. من أمثلة ذلك: "قيل لمأمون بن أحمد الهروي: ألا ترى إلى الشافعي وإلى من نبغ له بخراسان! ! فقال حدثنا أحمد ابن عبيدالله قال حدثنا عبيدالله بن معدان الأزدي عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ - «يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتى». الحاكم، المرجع السابق، ٥٦
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٥٦.
(٥) المرجع السابق، ٢/ ٨٥٨.
[ ٥٦٩ ]
فمنهم قوم من السؤّال يقفون في الأسواق والمساجد والمحافل فيضعون الأحاديث على رسول الله - ﷺ - بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد. (١)
وضرب يتقربون لبعض الخلفاء والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم وأهوائهم. (٢)
ومنهم من يضع الحديث لمصلحة شخصية أو قصد الانتقام من شخص أو فئة مُعيّنة. (٣)
وضرب يتكسبون بوضع الحديث، ويرتزقون به في قصصهم، وهم قوم شقّ عليهم الحفظ
أو رأوا أن الحفظ معروف، فأتوا بما يغرب رغبة في استمالة السامعين، وصرف وجوه الناس إليه. (٤)
٥ - حب الظهور
ذكر ابن حجر من أصناف الوضّاع: "من حمله الشره ومحبة الظهور على الوضع ممن رق دينه من المحدثين فيجعل بعضهم للحديث الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا كمن يدعي سماع من لم يسمع. وهذا داخل في قسم المقلوب." (٥)
_________________
(١) الحاكم، الإكليل، ٥٧.
(٢) مثال ذلك: غياث بن إبراهيم، حيث وضع للمهدي في حديث: «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر». فزاد فيه: أو جناح. وكان المهدي إذ ذاك يلعب بالحمام فتركها بعد ذلك وأمر بذبحها، وقال أنا حملته على ذلك. والقصة أخرجها الحاكم في المدخل إلى الإكليل، ٥٥.
(٣) مثال ذلك: ما ذكره ابن الجوزي في الموضوعات: "ومنهم من كان يضعه في ذم من يريد أن يذمه كما روينه عن سعد بن طريف أنه رأى ابنه يبكى، فقال: مالك، فقال: ضربني المعلم، فقال: أنا والله لأخزينهم، حدثني عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - قال: «معلمو صبيانكم شراركم» ". ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٤٢.
(٤) مثال ذلك: ما ذكره ابن عدي في الضعفاء عن: جعفر بن أحمد بن علي الغافقي المصري المعروف بابن أبي العلاء، وكان قد أدركه، وكتب عنه، لكنه اتهمه بوضع الحديث وذلك أنه كان مغرمًا بأبواب اعتنى بوضع الحديث فيها عن المصريين وغيرهم، وضع في فضل النخلة والتمر، وفي الفراعنة، والسرقة، وأكل الطين، أحاديث بألفاظ ركيكة واضحة في الوضع. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٢/ ٤٠٠ (٣٤٨)، الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٤٧.
(٥) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٥٢.
[ ٥٧٠ ]
٦ - الغفلة والتلقين:
وهم صنف من المحدثين: "امتحنوا بأولاد لهم أو ورّاقين (١)، فوضعوا لهم أحاديث ودسوها عليهم، فحدثوا بها من غير أن يشعروا". (٢)
٧ - الخطأ والوهم:
وقد يقع الوضع في الحديث خطأً أو وهمًا، كمن يغلط فيضيف إلى النبي - ﷺ - كلام بعض الصحابة ﵃ أو غيرهم، من غير تعمّد لذلك. (٣)
قال ابن حجر: "وأخفى الأصناف القسم الأخير الذين لم يتعمدوا مع وصفهم بالصدق، فإن الضرر بهم شديد لدقة استخراج ذلك إلا من الأئمة النقاد - والله الموفق -" (٤).
حكم الموضوع، وروايته: (٥)
قال ابن الصلاح: "اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقرونًا ببيان وضعه." (٦)
_________________
(١) الورّاق: "مُورق الْكتب الَّذِي يورق وَيكْتب". المعجم الوسيط، ٢/ ١٠٢٦.
(٢) من أمثلة ذلك: "كعبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي، وكحماد بن سلمة ; ابتلي بربيبه ابن أبي العوجاء، فكان يدس في كتبه، وكمعمر كان له ابن أخ رافضي، فدس في كتبه حديثا، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس، قال: «نظر النبي - ﷺ - إلى علي، فقال: أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، ومن أحبك فقد أحبني، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي». فحدث به عبدالرزاق، عن معمر، وهو باطل موضوع، كما قاله ابن معين." السيوطي، التدريب، ١/ ٣٣٧، ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٠٩.
(٣) كما في قصة ثابت بن قيس في حديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»، المذكورة في شبه الوضع، وفي أقسام المدرج.
(٤) ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٨٥٨.
(٥) ينظر كذلك: الذهبي، الموقظة، ٦٧، العراقي، شرح التبصرة، ٣٠٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٢٣.
(٦) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٨ - ٩٩.
[ ٥٧١ ]
ونقل ابن حجر الاتفاق على ذلك، فقال في النزهة (١): "واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقرونًا ببيانه؛ لقوله - ﷺ -: «من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين (٢») (٣) "، و"كفى بهذه الجملة وعيدًا شديدًا في حق من روى الحديث فيَظن أنه كذب، فضلا عن أن يتحقق ذلك ولا يُبينه؛ لأنه - ﷺ - جعل المُحدِّث بذلك مشاركًا لكاذبه في وضعه." (٤)
قال السيوطي: "أطبق على ذلك علماء الحديث فجزموا بأنه لا تَحِلُّ رواية الموضوع في أي معنىً كان؛ إلا مقرونًا ببيان وضعه" (٥)، أي: "نقلًا متصلًا ببيان كونه موضوعا." (٦)
- وذكر السخاوي المراد ببيان الوضع بقوله: "كأن يقول: هذا كذب أو باطل، أو نحوهما من الصريح في ذلك، وفي الاقتصار على التعريف بكونه موضوعا نظر، فرب من لا يعرف موضوعه " (٧)، وذكر حكاية عن بعض العجم أنه أنكر على العراقي قوله في حديث سُئل عنه: إنه كذب، محتجًا بأنه في كتاب من كتب الحديث، ثم جاء به من
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١١٢.
(٢) "يُرى - مضبوطة بضم الياء - بمعنى يظن. وفي "الكاذبين" روايتان: إحداهما: بفتح الباء على إرادة التثنية. والأخرى: بكسرها على صيغة الجمع." ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٩، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١١.
(٣) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، ١/ ٨، والترمذي في سننه كتاب العلم، باب ما جاء فيمن روى حديثا وهو يرى أنه كذب، ٤/ ٣٣٣ ح (٢٦٦٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) ابن حجر، المرجع السابق.
(٥) السيوطي، تحذير الخواص من أكاذيب القُصَّاص، ٧٣ - ٧٤.
(٦) القاري، شرح النخبة، ٤٥٣.
(٧) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١١ - ٣١٢.
[ ٥٧٢ ]
الموضوعات لابن الجوزي، فتعجبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع (١)، إلا أن ما ذكره - ﵀- من التباس لفظ الموضوع، والمراد به في الحكم على الحديث عند بعضهم، قد يكون بعيدًا ونادرًا (٢).
- وذكر ابن حجر من طرق بيان المتقدمين للحديث الموضوع، الاكتفاء بإسناده دون التصريح بكونه موضوعًا، فقال: "والاكتفاء بالحوالة على النظر في الإسناد طريقة معروفة لكثير من المحدثين، وعليها يُحمل ما صدر من كثير منهم من إيراد الأحاديث الساقطة معرضين عن بيانها صريحا، وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة، وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان- والله أعلم -" (٣).
- وأشار تلميذه السخاوي﵀- إلى الفرق بين المتقدمين في روايتهم للحديث الموضوع بإسناده، ومن جاء بعدهم، فإن كان ذلك سائغًا في عصر الرواية، فهو غير سائغ لمن بعدهم، فقال: "لا يبرأ من العُهدةِ في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك; لعدم الأمن من المحذور به (٤)، وإن صنعه أكثر المحدثين في الأعصار الماضية في سنة مائتين، وهلم جرا، " (٥).
_________________
(١) ينظر: المرجع السابق، ١/ ٣١٠، الأثيوبي، شرح ألفية السيوطي، ١/ ٢٨٧.
(٢) ينظر: فلاته، الوضع في الحديث، ٣٢٦.
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٦٣.
(٤) مثال ذلك: تخطئة ابن الصلاح لما قام به بعض المفسرين من إخراج حديث موضوع في فضائل سور القرآن في تفاسيرهم، فقال: "وهكذا حال الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب، عن النبي - ﷺ - في فضل القرآن سورة فسورة. بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لبين عليه، ولقد أخطأ الواحدي المفسر، ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم، والله أعلم." وإن اعتذر العراقي لمن أخرجه من المفسرين بإسناده إلا أنه لم ينفِ عنه خطأه في ذلك، فقال في شرح التبصرة: "وكل من أودع حديث أبي - المذكور - تفسيره، كالواحدي، والثعلبي والزمخشري مخطئ في ذلك؛ لكن من أبرز إسناده منهم، كالثعلبي، والواحدي فهو أبسط لعذره، إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيانه، كما تقدم. وأما من لم يبرز سنده، وأورده بصيغة الجزم فخطؤه أفحش، كالزمخشري". المراجع: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٠، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٢ - ٣١٣، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣٤١.
(٥) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٢، الأثيوبي، شرح ألفية السيوطي، ١/ ٢٨٧.
[ ٥٧٣ ]
"وما ذهب إليه رحمه الله تعالى متجه؛ لأن المتقدمين من المحدثين كانوا يعدّون ذكر الإسناد نوعًا من البيان بخلاف المتأخرين؛ لاندثار علم الجرح والتعديل ومعرفة الرجال، ولكون الغاية من الإسناد عندهم هو التبرك وإبقاء الخصوصية لهذه الأمة" (١)
- ومن جملة البيان كذلك، ما ذكره الخطيب البغدادي بقوله: "ومن روى حديثا موضوعًا على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به، والتعجب منه، والتنفير عنه، ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جُرْح الشاهد في الحاجة إلى كشفه، والإبانة عنه" (٢).
- وفي قول العراقي في شرح التبصرة: "لم يجيزوا لمن علم أنه موضوع أن يذكره برواية، أو احتجاج، أو ترغيب إلا مع بيان أنه موضوع" (٣)، نوع إشكال لإدراجه لفظ الاحتجاج في معرض ذكره لحكم الموضوع! .
وقد وجّه ابن حجر قول شيخه بأن عبارة: " (أو احتجاج) ليس مستثنى منه بقوله: (إلا مع بيان)، وإن كان من الجمل المتعاطفة بأو، فإنه خرج بقرينة؛ لأنه لا يمكن أن يحتج به ويبين أنه موضوع، إذ لا فائدة في ذلك؛ فكأنه قيل: لا يجوز لمن علم أن الحديث موضوع
_________________
(١) فلاته، الوضع في الحديث، ٣٢٦.
(٢) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ٢/ ٩٩.
(٣) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٠٧.
[ ٥٧٤ ]
أن يحتج به مطلقًا، ولا يجوز له أن يرويه، أو يرغب به في شيء، إلا أن يبين أنه موضوع." (١)
وأردف البقاعي ما ذكره شيخه ابن حجر بتوجيهٍ آخر، فقال: "ويمكن أن يُوجَّه بأن يكون لفظ الموضوع حسنًا، ومعناه صحيحًا، فيحتج به على شيء ويبين أنه موضوع، إعلامًا بإن المراد ليس الاحتجاج بنسبة هذا اللفظ إلى النبي - ﷺ -، بل نسبة المعنى بعد ذكر ما يعضده من الشريعة، والله أعلم." (٢)
ولعل ما ذكره البقاعي من توجيه قريب مما ذكره شيخه ابن حجر - في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة- وذلك بعد أن ساق حديثًا فيه قصة عجيبة، ضمن ترجمة لهيب ابن مالك (٣)، نقل فيها قول ابن عبدالبر: "إسناد هذا الحديث ضعيف، ولو كان فيه حكم لم أذكره، لأن رواته مجهولون، وعمارة بن زيد (٤) متهم بوضع الحديث، ولكنه في معنى حسن من أعلام النبوة، والأصول في مثله لا تدفعه، بل تصححه وتشهد له" (٥).
فعقّب ابن حجر بقوله: "يستفاد من هذا أنه تجوز رواية الحديث الموضوع، إذا كان بهذين الشرطين:
_________________
(١) البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٨.
(٢) المرجع السابق.
(٣) قيل: اسمه لُهيب بالتصغير- بن مالك اللهبي، وقيل: لهب، روى خبرًا عجيبًا في الكهانة، وأعلام النبوة. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٦٤١ - ٦٤٢ (٢٢٤٠)، ابن حجر، الإصابة، ٩/ ٣٩٩ (٧٥٩٧).
(٤) عمارة بن زيد، وأبوه هو عبد الرحمن بن زيد روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الأزدي: كان يضع الحديث. ينظر: الذهبي، الميزان، ٣/ ١٧٧ (٦٠٢٥)، ابن حجر، اللسان، ٤/ ٢٧٨ (٧٩٠).
(٥) ابن عبدالبر، المرجع السابق.
[ ٥٧٥ ]
ألا يكون فيه حكم، وأن تشهد له الأصول، وهو خلاف ما نقلوه من الاتفاق على عدم جواز ذلك إلا مقرونًا ببيانه، ويمكن أن يقال: ذكر هذا الشرط من جملة البيان." (١)
فيكون ذكر ابن عبدالبر لهذه القصة ليس تصحيحًا لإسنادها، وإنما لكون معناها مما تعضده وتشهد له الأصول، ونبّه إلى أنها لا تشتمل على حكم، ولو كان فيها ذلك؛ لتجنب ذكرها لضعف إسنادها، ووجود راوٍ متهم بالكذب فيه.
وأما قول ابن حجر: "ويمكن أن يقال: ذكر هذا الشرط من جملة البيان"، فإن العلماء اتفقوا على تحريم رواية الحديث الموضوع إلا مع بيان ذلك، والبيان يكون بأمور منها:
١ - ذكر الحديث مقرونًا بالحكم عليه بالوضع أو الكذب والبطلان.
٢ - أن يُذكر الأسناد، وذلك سائغ في كتب الأئمة المتقدمين في عصر الرواية؛ لأنهم أهل دراية بالجرح والتعديل، لكنه غير سائغ لمن بعدهم.
٣ - أن يُذكر على سبيل التعجّب منه، والتنفير عنه، وبيان حال واضعه.
والأولى تجنب رواية الموضوع، ففيما صح عن النبي - ﷺ - غنى وكفاية؛ لأخذ الأحكام والعمل والاعتقاد وفضائل الأعمال.
المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.
- يأتي الوضع في اللغة على معانٍ منها: الحطُّ والإسقاط، والإلصاق والاختلاق.
_________________
(١) ابن حجر، المرجع السابق.
[ ٥٧٦ ]
- المناسبة بين المعنى اللُّغوي والاصطلاحي ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط وانحطاط رتبته عن غيره، وفيه معنى الاختلاق وإيجاد ما لم يكن موجودا.
- يُجاب عن إشكال: إدراج الموضوع ضمن أنواع الحديث رغم أنه ليس بحديث، بما يلي:
أ) أنهم أرادوا بالحديث القدر المشترك، وهو ما يُحَدِّثُ به.
ب) أو إطلاقهم الحديث عليه بالنسبة إلى زعم واضعه، وإلى ظاهر الأمر قبل البحث، والنظر، وإلا فليس هو في التحقيق حديثا.
ج) أو لأجل معرفة الطرق التي يتوصل بها لمعرفته لِيُنفَى عن المقبول ونحوه.
- أبرز من عرّف الموضوع قبل ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ)، هما: ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، وابن دحية (ت ٦٣٣ هـ).
- عرّف ابن الصلاح الموضوع بقوله: (هو: المختلق المصنوع)، وأغلب من جاء بعده تابعه في تعريفه، وزاد بعضهم لفظ (المكذوب)، بينما اقتصر آخرون على تعريفه بالمختلق.
- أطلق ابن الصلاح على ما أخطأ فيه الراوي، ولم يتعمّد فيه الوضع (شبه الوضع)، ومثّل له بمثال عدّه كُلٌ من: العراقي وابن حجر من أقسام المدرج.
- وهناك ما يُسمّى بالوضع الإسنادي، وهو: أن يأخذ الواضع حديثًا ضعيف الإسناد فيُركِّب له إسنادا صحيحا لِيَرُوْجَ.
- ذكر الذهبي أن الحديث الموضوع على مراتب، هي:
"- ما اتفقوا على أنه كذب ، ومنه: ما الأكثرون على أنه موضوع، والآخرون يقولون: هو حديث ساقط مطروح، ولا نجسر أن نسميه موضوعا.
[ ٥٧٧ ]
ومنه: ما الجمهور على وهنه وسقوطه، والبعض على أنه كذب. (١)
"والحكمة من وراء اختلافهم في تعداد هذه الدرجات، مع أنها جميعًا في الدرك الأسفل من الحديث الهابط، فالجواب: أن هذا يدل على مدى إنصافهم في إعطاء كل ذي حق حقه، ولو كان الكل ساقطًا، فذلك من العدل الذي أُمِر به المسلمون، والعلماء أولى به من غيرهم، ففاوتوا بين الدرجات، وإن كانت في السيئات، والله أعلم بالصواب". (٢)
- أعظم أصناف الواضعين ضررًا هم أولئك الذين يتدينون بوضع الحديث، ترغيبًا للناس في فعل الخير كما يزعمون، وأخفى أنواع الوضع ما يقع من غير تعمّد من راوٍ موصوف بالصدق.
- اتفق العلماء على تحريم رواية الموضوع إلا مع بيان وضعه.
وبنهاية هذا الفصل، نصل إلى خاتمة البحث، وبيان أهم نتائجه، والحمد لله أولًا وآخرًا.
_________________
(١) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٣٦.
(٢) عمر سليمان الأشقر، الوضع في الحديث النبوي، ٢٣ - ٢٤.
[ ٥٧٨ ]