النَّوْع الْعَاشِر الْمُنْقَطع
١٣٩ - (قَوْله) عَن الْحَاكِم أَن الْمُنْقَطع مَا سقط قبل الْوُصُول إِلَى التَّابِعِيّ
[ ٢ / ٥ ]
لَيْسَ بجيد فَإِنَّهُ لَو سقط التَّابِعِيّ كَانَ مُنْقَطِعًا أَيْضا فَالْأولى أَن يُقَال قبل الصَّحَابِيّ قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع الْمُرْسل والمنقطع وَاحِد وَمِنْهُم من فرق (أ ٨٣) بَينهمَا وَجعل الْمُنْقَطع مَا يكون بَين الراويين رجل لم يذكر (د / ٥٢)
وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ الْمُنْقَطع نَوْعَانِ أَحدهمَا أَن يكون فِي إِسْنَاده مَجْهُول لَا يعرف بعدالة سَوَاء ذكر اسْمه أَو أسقط وَالثَّانِي أَن يَقُول الرَّاوِي ثَنَا جمَاعَة أَو نَحوه وَلَا حجَّة فيهمَا
[ ٢ / ٦ ]
١٤٠ - (قَوْله) فِي الْمِثَال الثَّانِي عَن رجلَيْنِ عَن شَدَّاد بن أَوْس
اعْلَم أَن هَذَا الْمِثَال وَالَّذِي قبله ذكره الْحَاكِم وَكَلَام المُصَنّف لَا يُعْطي ذَلِك
١٤١ - (قَوْله) فِيهِ عَن رجلَيْنِ
[ ٢ / ٧ ]
كَذَا يَقع فِي بعض نسخ كتاب الْحَاكِم وَالثَّابِت فِي النّسخ الْمُعْتَمدَة عَن رجل وَكَذَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَقَالا عَن رجل من بني حَنْظَلَة قَالَ بَعضهم وَيُشبه أَن يكون هَذَا الرجل هُوَ الْمطلب بن عبد الله
[ ٢ / ٨ ]
الْحَنْظَلِي وَقد أخرج الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه حَدِيث حُذَيْفَة بِإِسْنَاد آخر مُتَّصِل من جِهَة شريك عَن عُثْمَان بن عُمَيْر عَن شَقِيق بن سَلمَة عَن حُذَيْفَة بِهِ وَمن جِهَة أبي إِسْحَاق عَن زيد بن يثيع عَن عَليّ نَحوه لكنه قَالَ إِن توَلّوا أَبَا بكر تَجِدُوهُ زاهدا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَة وَإِن توَلّوا عمر تَجِدُوهُ قَوِيا أَمينا
١٤٢ - (قَوْله) وَمِنْهَا أَن الْمُنْقَطع مثل الْمُرْسل
هَذَا ظَاهر كَلَام ابْن السَّمْعَانِيّ وَقد سمى الشَّافِعِي فِي الرسَالَة الْمُرْسل
[ ٢ / ٩ ]
مُنْقَطِعًا قَالَ ابْن حزم فِي الإحكام الْمُرْسل هُوَ الَّذِي سقط بَين أحد رُوَاته وَبَين النَّبِي ﷺ ناقل وَاحِد فَصَاعِدا وَهُوَ الْمُنْقَطع أَيْضا
١٤٣ - (قَوْله) وَمِنْهَا مَا حَكَاهُ الْخَطِيب إِلَى آخِره
فِيهِ أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن هَذَا قَول الْحَافِظ أبي بكر أَحْمد بن هَارُون البرديجي ذكره فِي
[ ٢ / ١٠ ]
جُزْء لطيف لَهُ
الثَّانِي أَنه قد سبق فِي الْمَقْطُوع الْمَوْقُوف على التَّابِعِيّ أَنه يعبر عَنهُ بِلَفْظِهِ عَن الْمُنْقَطع غير الْمَوْصُول وَهَذَا غير ذَاك لِأَن الْكَلَام فِي إِطْلَاق الْمُنْقَطع على مَا يُطلق عَلَيْهِ الْمَقْطُوع بِزِيَادَة أَو من دون التَّابِعِيّ وَهَذَا هُوَ الْغَرِيب
[ ٢ / ١١ ]
وَفَاتَ المُصَنّف من الْأَقْوَال أَن الْمُرْسل قَول الرَّاوِي حَدثنِي فلَان عَن رجل فَيُرْسل صفته والمنقطع أَن يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ من غير ذكر راو أصلا حَكَاهُ الكيا الطَّبَرِيّ فِي تَعْلِيقه وَقَالَ فالمرسل إِذا ذكر رَاوِيا وَلم يذكر اسْمه وَصفته والمنقطع إِذا لم يذكر رَاوِيا أصلا وَإِن كَانَ على الْحَقِيقَة لَا بُد من إِسْنَاد هَذَا مصطلح الْمُحدثين انْتهى وكتبته من خطّ المُصَنّف فِي فَوَائِد رحلته وَأنْكرهُ عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا لَا نعرفه وَإِنَّمَا هُوَ من كتبه
وَاعْلَم أَن المُصَنّف لم يذكر حكم الْمُنْقَطع كَمَا تعرض للْخلاف فِي الْمُرْسل وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع من منع قبُول الْمَرَاسِيل كَانَ من قبُول هَذَا أمنع وَمن قبلهَا اخْتلفُوا فِيهِ فَقيل يقبل وَقيل لَا وَإِن عَملنَا بالمرسل وَنبهَ الكيا الطَّبَرِيّ فِي تَعْلِيقه على مانقله عَن اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ أَن الْمُنْقَطع قَوْله
[ ٢ / ١٢ ]
قَالَ رَسُول الله ﷺ والمرسل قَول الثِّقَة أَخْبرنِي أَو رجل عَن النَّبِي ﷺ قَالَ وتسميته بالمنقطع مجَازًا من جِهَة كَونه مُنْقَطِعًا فِي الظَّاهِر إِذْ لَو كَانَ مُنْقَطِعًا حَقِيقَة لم يكن مَنْقُولًا عَن رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ لَا بُد من تَقْدِير الوسائط حَتَّى تَنْتَهِي الرِّوَايَة إِلَى النَّبِي ﷺ
[ ٢ / ١٣ ]
النَّوْع الْحَادِي عشر المعضل
١٤٤ - (قَوْله) وَهُوَ عبارَة عَمَّا سقط من إِسْنَاده اثْنَان فَصَاعِدا
هَذَا حَكَاهُ الْحَاكِم عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَغَيره من الْأَئِمَّة قَالُوا هُوَ أَن يكون بَين الْمُرْسل إِلَى رَسُول الله ﷺ أَكثر من رجل وَأَنه غير الْمُرْسل فَإِن الْمَرَاسِيل للتابعين دون غَيرهم انْتهى ومرادهم سُقُوطهَا من مَوضِع وَاحِد فَإِن سقطا من موضِعين كَانَ مُنْقَطِعًا من وَجْهَيْن وَلَا يُسمى معضلا اصْطِلَاحا
[ ٢ / ١٤ ]
١٤٥ - (قَوْله) - مستشكلا - قَول الْمُحدثين معضل بِفَتْح الضَّاد من حَيْثُ اللُّغَة
يَعْنِي لِأَن الْمَعْرُوف أعضل الْأَمر فَهُوَ معضل كأشكل فَهُوَ مُشكل وَأَن لقَوْل الْمُحدثين مخلصا وَهُوَ أَنه يُؤْخَذ من قَوْلهم أَمر عضيل أَي مستغلق وَشرح هَذَا أَن قَوْلهم عضيل يدل على أَن مَا فِي ماضيه عضل ثلاثيا فعلى هَذَا يكون لنا عضل قاصرا وأعضل مُتَعَدِّيا وقاصرا وَنَظِيره ظلم اللَّيْل وأظلم اللَّيْل وأظلم الله اللَّيْل قَالَ الشَّاعِر
(هما أظلما حَالي)
وغطش اللَّيْل وأغطش وأغطشه الله هَذَا حَاصِل تَوْجِيه كَلَامه وَقد
[ ٢ / ١٥ ]
اسْتشْكل مَحل إشكاله فَقيل إِن كَانَ إشكاله من جِهَة أَن الْمَاضِي فِي ذَلِك ثلاثي فَقَط فَمَمْنُوع فقد حكى الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح أعضلني فلَان أَي أعياني أمره وَقد أعضل الْأَمر [أَي اشْتَدَّ واستغلق وَإِن كَانَ وَجه الْإِشْكَال أَن الرباعي إِنَّمَا أَتَى فِي الْقَاصِر كأعضل الْأَمر] وَمِنْه أَمر معضل بِكَسْر الضَّاد فَمَمْنُوع لما سبق من نقل الْجَوْهَرِي أعضلني فلَان وَهُوَ رباعي فِي الْمُتَعَدِّي وَلَعَلَّ المُرَاد أَن الْمُتَعَدِّي إِنَّمَا اسْتعْمل فِي نَحْو أعضلني فلَان أَي أعياني أمره وَإِذا قلت أعضلني الحَدِيث أَي أعياني أمره كنت [أَنْت] معضلا بِفَتْح الضَّاد وَهُوَ معضل بِكَسْرِهَا وَهُوَ خلاف المصطلح فَلذَلِك كَانَ مُشكلا
وَيُؤْخَذ من قَوْلهم أَمر عضيل أَي مستغلق قيل وَلَا يمْتَنع بِمَا سبق أَن يَقُول أعضلت الحَدِيث وأعضلت فلَانا إِذا صيرت أمره معضلا فَيصح بذلك حَدِيث معضل - بِفَتْح الضَّاد -
قلت وَالصَّوَاب فِي تَقْرِير كَلَامه مَا سبق نعم قَوْله لَا الْتِفَات إِلَى
[ ٢ / ١٦ ]
معضل بِكَسْر الضَّاد يَقْتَضِي أَنه لحن وَلَيْسَ كَذَلِك فقد حَكَاهُ صَاحب الْمُحكم إِلَّا أَن يُرِيد أَنه لَا يُؤْخَذ مِنْهُ معضل - بِفَتْح الضَّاد - فَقَط وَذَلِكَ يُقرر أَنه بِالْكَسْرِ عَرَبِيّ وَإِنَّمَا لم يُؤْخَذ مِنْهُ معضل - بِفَتْح الضَّاد - لِأَن معضلا بِكَسْرِهَا من رباعي قَاصِر كَمَا فِي أظلم اللَّيْل فَهُوَ مظلم وَالْكَلَام فِي رباعي مُتَعَدٍّ وعضيل يدل عَلَيْهِ لِأَن فعيلا بِمَعْنى مفعل إِنَّمَا اسْتعْمل فِي الْمُتَعَدِّي وَقد فسر عضيل بمستغلق من أَنه رباعي مُتَعَدٍّ وَذَلِكَ بقتضي صِحَة معضل بِفَتْح الضَّاد
وَقَوله مستغلق هُوَ بِفَتْح اللَّام بِمَعْنى استغلقه غَيره كاستخرجه وَالْأَحْسَن أَن يكون من أعضلته إِذا صيرت أمره معضلا
[ ٢ / ١٧ ]
١٤٦ - (قَوْله) (وَذكر أَبُو نصر الْحَافِظ أَن قَول الرَّاوِي إِلَى آخِره
هَذَا الْمِثَال ذكره الْحَاكِم أَيْضا وَقد اسْتشْكل كَونه معضلا لجَوَاز أَن يكون مَالك سَمعه من أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة كسعيد المَقْبُري ونعيم المجمر فَإِنَّهُ
[ ٢ / ١٨ ]
سمع مِنْهُم
وَأجِيب بِأَنَّهُ قد وَصله مَالك خَارج الْمُوَطَّأ فَبين أَن بَينه وَبَينه اثْنَان ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي غرائب مَالك وَالْحَاكِم والخطيب فِي كِفَايَته فأسنده الْحَاكِم من (د ٥٣) طَرِيق إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مَالك
[ ٢ / ١٩ ]
عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ للمملوك طَعَامه وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلف من الْعَمَل إِلَّا مَا يُطيق قَالَ وَرَوَاهُ النُّعْمَان بن عبد السَّلَام وَغَيره عَن مَالك وَذكر الْحَاكِم للمعضل أَمْثِلَة قَالَ وَرُبمَا أعضل راو الحَدِيث فِي وَقت ثمَّ وَصله أَو أرْسلهُ فِي وَقت فَيَنْبَغِي للْعَالم بِهَذِهِ الصّفة أَن يُمَيّز بَين المعضل الَّذِي لَا يُوصل وَبَين مَا أعضله الرَّاوِي فِي وَقت ثمَّ وَصله فِي وَقت
فَائِدَة
يُؤْخَذ من تَرْتِيب المُصَنّف حَيْثُ ذكر بعد الْمُرْسل الْمُنْقَطع والمعضل تفاوتهما فِي الرُّتْبَة وَبِه صرح الجوزقاني فِي أول الموضوعات فَقَالَ المعضل عندنَا أَسْوَأ
[ ٢ / ٢٠ ]
حَالا من الْمُنْقَطع والمنقطع عندنَا أَسْوَأ حَالا من الْمُرْسل والمرسل عندنَا لَا تقوم بِهِ حجَّة
١٤٧ - (قَوْله) الْإِسْنَاد المعنعن إِلَى آخِره
حَاصله حِكَايَة قَوْلَيْنِ فِيهِ
[ ٢ / ٢١ ]
أَحدهمَا أَنه من قبيل الْمُرْسل والمنقطع وَعبارَة الْمَازرِيّ فِي حكايته فِي شرح الْبُرْهَان وَمن النَّاس من لم ير هَذَا تَصْرِيحًا بالمسند (أ ٨٥) وَتوقف فِيهِ مَخَافَة أَن يكون مُرْسلا
وَالثَّانِي أَنه مُتَّصِل بِشَرْطَيْنِ وجود المعاصرة مَعَ الْبَرَاءَة من التَّدْلِيس
١٤٨ - (قَوْله) وَكَاد أَبُو عمر بن عبد الْبر يَدعِي إِجْمَاع أَئِمَّة الحَدِيث
لَا حَاجَة لقَوْله كَاد فقد ادَّعَاهُ فِي أول كِتَابه التَّمْهِيد وَعبارَته أجمع أهل الْعلم على قبُول الْإِسْنَاد المعنعن بِثَلَاثَة شُرُوط عَدَالَة الْمُحدثين ولقاء بَعضهم بَعْضًا وَأَن يَكُونُوا بُرَآء من التَّدْلِيس
[ ٢ / ٢٢ ]
وَلم يذكر ابْن الصّلاح الشَّرْط الأول ظنا أَنه يُؤْخَذ من الثَّالِث
وَمَا نَقله عَن الداني وجدته فِي جُزْء لَهُ فِي عُلُوم الحَدِيث فَقَالَ وَمَا كَانَ من الْأَحَادِيث المعنعنة الَّتِي يَقُول فِيهَا ناقلوها عَن عَن فَهِيَ أَيْضا مُسندَة بِإِجْمَاع أهل النَّقْل إِذا عرف أَن النَّاقِل أدْرك الْمَنْقُول عَنهُ إدراكا بَينا وَلم يكن
[ ٢ / ٢٣ ]
مِمَّن عرف بالتدليس وَإِن لم يكن سَمَاعا كأحاديث أهل الْمَدِينَة والحجاز وَالْبَصْرَة وَالشَّام ومصر لأَنهم لَا يدلسون
قلت وَأَبُو عَمْرو الداني إِنَّمَا أَخذ ذَلِك من كَلَام الْحَاكِم فَإِنَّهُ قَالَ فِي علومه الْأَحَادِيث المعنعنة مُتَّصِلَة بِإِجْمَاع أهل النَّقْل إِذا لم يكن فِيهَا تَدْلِيس لكنه لم يتَعَرَّض للقاء وَلَا معاصرة وَمِمَّنْ حكى الْإِجْمَاع مَعَ اللقي وَالسَّمَاع مِنْهُ الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة قَالَ بِشَرْط أَن يكون مِمَّن يُدَلس وَلَا يُجِيز الْإِسْقَاط للعلو لَكِن فِي نقل هَذَا الْإِجْمَاع نظر فقد رَأَيْت فِي كتاب فهم السّنَن للْإِمَام الْحَارِث بن اسد
[ ٢ / ٢٤ ]
المحاسبي اخْتلف النَّاس فِيمَا تثبت بِهِ السّنة فَقَالَ قوم تثبت بِخَبَر الْوَاحِد إِذا جَاءَ مُتَّصِلا بِرِجَال معروفين بِالصّدقِ وَالْحِفْظ واللقاء بَعضهم لبَعض إِذا قَالَ سَمِعت أَو حَدثنِي كل وَاحِد مِنْهُم فَمن فَوْقه إِلَى النَّبِي ﷺ فَأَما إِذا كَانُوا ثقاتا قد لَقِي بَعضهم بَعْضًا وَلم يقل كل وَاحِد مِنْهُم سَمِعت أَو حَدثنِي أَو قَالُوهُ جَمِيعًا إِلَّا وَاحِدًا فَلَا يثبت بِهِ أبدا سنة لأَنا قد وجدنَا الْحفاظ يروون عَن غَيرهم مَا لم يسمعوه مِنْهُم إِذا أخْبرهُم عَنْهُم غَيرهم فَلَا يجوز إِلَّا أَن يَقُول كل وَاحِد مِنْهُم سَمِعت أَو حَدثنِي أَو أَخْبرنِي وَقَالَ آخَرُونَ يثبت إِذا عرفُوا بِالْحِفْظِ واللقاء وَعدم التَّدْلِيس وَقَالَ آخَرُونَ يثبت إِذا عرفُوا بِالْحِفْظِ واللقاء وَعدم التَّدْلِيس وَقَالَ آخَرُونَ يقبل وَإِن كَانَ فيهم من يُدَلس إِذا كَانَ لَا يُدَلس إِلَّا عَن ثِقَة فَإِن كَانَ يُدَلس عَن غير ثِقَة لم يقبل هَذَا كَلَامه
[ ٢ / ٢٥ ]
قَالَ الْمَازرِيّ فِي شرح الْبُرْهَان وَإِنَّمَا دعاهم إِلَى العنعنة طلب الإختصار لِأَن قَول سَحْنُون حَدثنِي ابْن الْقَاسِم عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أخصر من قَوْله حَدثنِي ابْن الْقَاسِم حَدثنِي مَالك حَدثنِي نَافِع نعم إِنَّمَا يحكم بالإتصال بِالشّرطِ السَّابِق إِذا لم يروه ذَلِك الرَّاوِي من جِهَة أُخْرَى مُصَرحًا بالواسطة فَإِن رَوَاهُ كَذَلِك فَالثَّانِي فِيهِ خلاف تعَارض الْوَصْل والإنقطاع وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك أَبُو الْحسن بن الْقطَّان فِي الْوَهم وَالْإِيهَام
[ ٢ / ٢٦ ]
فَقَالَ يحكم على الحَدِيث بالإنقطاع من إِحْدَى أَربع جِهَات
الأولى قَول إِمَام من أَئِمَّة الْمُحدثين هَذَا مُنْقَطع لِأَن فلَانا لم يسمع من فلَان يقبل ذَلِك مِنْهُ مَا لم يثبت خِلَافه
الثَّانِيَة أَن تُوجد رِوَايَة الْمُحدث لحديثه بِعَيْنِه بِزِيَادَة وَاسِطَة بَينهمَا فَيقْضى على الأول بالإنقطاع
الثَّالِثَة أَن يعلم من تَارِيخ الرَّاوِي والمروي عَنهُ أَنه لم يسمع مِنْهُ
الرَّابِعَة أَن يكون الإنقطاع مُصَرحًا بِهِ من الْمُحدث مثل أَن يَقُول حدثت
[ ٢ / ٢٧ ]
عَن فلَان أَو بَلغنِي - إِمَّا مُطلقًا وَإِمَّا فِي حَدِيث حَدِيث
قَالَ ابْن الْمواق فِي بغية النقاد وَإِنَّمَا يكون الَّذِي ذكره فِي الثَّانِيَة مُنْقَطِعًا بِشُرُوط
أَحدهمَا أَن يكون الرَّاوِي قد عنعن وَلم يُصَرح بِالسَّمَاعِ وَلَا بِمَا يَقْتَضِيهِ من حَدثنَا وَشبهه
الثَّانِي أَن يكون رَاوِي الزِّيَادَة ثِقَة فَإِن رِوَايَة غير الثِّقَة مناقضة غير قادحة قَالَ النَّسَائِيّ لَا يحكم بالضعفاء على الثِّقَات
الثَّالِث أَلا يُخَالف رَاوِي الزِّيَادَة الْحفاظ وَلَا يَأْتِي بشذوذ وَمَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ (أ ٨٦) وَإِن كَانَ ثِقَة فَإِنَّهُ إِذا خَالف الْحفاظ أَو شَذَّ لم تعْتَبر رِوَايَته وَكَانَ القَوْل
[ ٢ / ٢٨ ]
قَول الْجُمْهُور قَالَ وَهَذَا الشَّرْط لم يعتبره ابْن الْقطَّان وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِن الْجُمْهُور ردوا رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج حَدِيث أم كرز فِي الْعَقِيقَة
[ ٢ / ٢٩ ]
وحكموا بوهمه لما قَالَت الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن جريج فَزَاد فِي إِسْنَاده رَاوِيا بَين سِبَاع بن ثَابت وَأم كرز مِمَّن نقل ذَلِك
[ ٢ / ٣٠ ]
أَحْمد بن حَنْبَل وَأَبُو بكر النَّيْسَابُورِي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهم
١٤٩ - (قَوْله) فَظن بِهِ
قَالَ المُصَنّف هُوَ أَمر من الظَّن
١٥٠ - (قَوْله) اخْتلفُوا فِي قَوْله أَن فلَانا
حَاصله حِكَايَة قَوْلَيْنِ
أَحدهمَا أَنَّهُمَا سَوَاء وَيُؤَيِّدهُ أَن لُغَة بني تَمِيم إِبْدَال الْعين من الْهمزَة
وَالثَّانِي أَنَّهُمَا ليسَا سَوَاء وَنسبَة لِأَحْمَد بن حَنْبَل وَالَّذِي حَكَاهُ الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي دَاوُد قَالَ سَمِعت أَحْمد قيل لَهُ إِن رجلا قَالَ
[ ٢ / ٣١ ]
عُرْوَة أَن عَائِشَة قَالَت يَا رَسُول الله وَعَن عُرْوَة عَن عَائِشَة سَوَاء قَالَ كَيفَ هَذَا سَوَاء لَيْسَ هَذَا بِسَوَاء وَإِنَّمَا فرق أَحْمد بَين اللَّفْظَيْنِ فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن عُرْوَة فِي اللَّفْظ الأول لم يسند ذَلِك إِلَى عَائِشَة وَلَا أدْرك [الْقِصَّة فَكَانَت] مُرْسلَة وَأما اللَّفْظ الثَّانِي فأسند ذَلِك إِلَيْهَا بالعنعنة فَكَانَت مُتَّصِلَة نعم قَالَ أَبُو الْحسن الْحصار فِي تقريب المدارك وَفِي إِن وَأَن اخْتِلَاف
[ ٢ / ٣٢ ]
وَالْأولَى أَن يلحقا بالمقطوع إِذْ لم يتفقوا على عدهما فِي الْمسند وَلَوْلَا إِجْمَاعهم فِي عَن لَكَانَ فِيهِ نظر
وَحكى ابْن حزم فِي كتاب الإحكام عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَن قَالَ فلَان يحْتَمل فِي الرَّقَائِق (د ٥٤) وَلَا يحْتَمل فِي الْأَحْكَام قَالَ وَهُوَ بَاطِل
١٥١ - (قَوْله) عَن أبي بكر البرديجي
قَالَ المُصَنّف برديج على مِثَال فعليل بِفَتْح أَوله بليدَة بَينهَا وَبَين بردعة نَحْو أَرْبَعَة عشر فرسخا إِلَيْهَا ينْسب هَذَا الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن هَارُون البرديجي وَمن ينحو بهَا نَحْو أوزان كَلَام الْعَرَب كسر أَولهَا نظرا إِلَى أَنه لَيْسَ فِي كَلَامهم فعليل - بِفَتْح الْفَاء -
قلت فِي الْعباب للصاغاني برديج - بِكَسْر الْبَاء - بليدَة بأقصى
[ ٢ / ٣٣ ]
أذربيجان والعامة يفتحون باءها
١٥٢ - (قَوْله) فِيمَا حَكَاهُ عَن يَعْقُوب بن شيبَة فِي مُسْنده أَن أَن على الإنقطاع
قد نوزع [ابْن الصّلاح] فِيهِ بِأَن يَعْقُوب لم يرد هَذَا وَلم يَجعله مُرْسلا من حَيْثُ إِنَّه لم يسند حِكَايَة الْقِصَّة إِلَى عمار والإ فَلَو قَالَ أَن عمارا قَالَ مَرَرْت بِالنَّبِيِّ ﷺ لما جعله مُرْسلا فَلَمَّا أَتَى بِهِ بِلَفْظ أَن عمارا مر بِالنَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة هُوَ الحاكي لقصة لم يُدْرِكهَا لِأَنَّهُ لم يدْرك مُرُور عمار بِالنَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ لذَلِك مُرْسلا وَهَذَا يلْتَفت على معرفَة مَسْأَلَة وَهِي أَن
[ ٢ / ٣٤ ]
الرَّاوِي إِذا روى حَدِيثا فِيهِ قصَّة أَو وَاقعَة فَإِن كَانَ أدْرك مَا رَوَاهُ بِأَن حكى قصَّة وَقعت بَين النَّبِي ﷺ وَبَين بعض الصَّحَابَة والراوي لذَلِك صَحَابِيّ أدْرك تِلْكَ الْوَاقِعَة فَهِيَ مَحْكُوم لَهَا بالاتصال وَإِن لم [نعلم] أَنه شَاهدهَا وَإِن لم يدْرك تِلْكَ الْوَاقِعَة فَهُوَ مُرْسل صَحَابِيّ وَإِن كَانَ الرَّاوِي تابعيا فَهُوَ مُنْقَطع وَإِن روى التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ قصَّة أدْرك وُقُوعهَا كَانَ مُتَّصِلا وَإِن لم يدْرك وُقُوعهَا وأسندها إِلَى الصَّحَابِيّ كَانَت مُتَّصِلَة وَإِن لم يُدْرِكهَا وَلَا أسْند حكايتها إِلَى الصَّحَابِيّ فَهِيَ مُنْقَطِعَة كَرِوَايَة ابْن الْحَنَفِيَّة الثَّابِتَة عَن عمار وَلَا بُد من اعْتِبَار السَّلامَة من التَّدْلِيس فِي التَّابِعين وَمن بعدهمْ وَقد حكى أَبُو عبد الله بن الْمواق فِي كِتَابه بغية النقاد اتِّفَاق أهل التَّحْقِيق من أهل الحَدِيث على ذَلِك
[ ٢ / ٣٥ ]
فِي الْكَلَام على حَدِيث عرْفجَة
١٥٣ - (قَوْله) ثمَّ إِن الْخَطِيب مثل هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى آخِره
[ ٢ / ٣٦ ]
قد يُقَال بل للتمثيل وَجه صَحِيح وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ من مُسْند ابْن عمر اقْتضى أَن عمر لم يسند فِي الْمسند بِلَفْظَة أَن وَكَذَلِكَ لم يدْخل عمار فِي الْمسند فِي رِوَايَة أَن فَجعله ابْن شيبَة مُرْسلا بِخِلَاف عمار والراوي لَهما وَاحِد وَهُوَ ابْن الْحَنَفِيَّة
١٥٤ - (قَوْله) الثَّالِث قد ذكرنَا مَا حَكَاهُ ابْن عبد الْبر إِلَى آخِره فِيهِ أُمُور
[ ٢ / ٣٧ ]
أَحدهَا أَن (أ ٨٧) ابْن عبد الْبر لم يُطلق ذَلِك بل شَرط فِيهِ الشُّرُوط الثَّلَاثَة فِيمَا سبق نعم أطلقهُ ابْن حزم فَقَالَ فِي كتاب الإحكام وَإِذا علم أَن الْعدْل قد أدْرك من روى عَنهُ من الْعُدُول فَهُوَ على اللِّقَاء وَالسَّمَاع سَوَاء قَالَ أخبرنَا أَو حَدثنَا أَو عَن فلَان أَو قَالَ فلَان كل ذَلِك مَحْمُول على السماع مِنْهُ انْتهى وَهَذَا قد يشكل على تَعْلِيله حَدِيث المعازف الْآتِي
الثَّانِي مَا حَكَاهُ عَن أبي بكر الصَّيْرَفِي رَأَيْته مُصَرحًا بِهِ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالدلائل والأعلام فِي أصُول الْأَحْكَام فَقَالَ وكل من علم لَهُ سَماع من إِنْسَان فَحدث عَنهُ فَهُوَ على السماع حَتَّى يعلم أَنه لم يسمع مِنْهُ مَا حَكَاهُ وكل من علم لَهُ لِقَاء إِنْسَان فَحدث عَنهُ فَحكمه هَذَا الحكم لِأَن السماع واللقاء قد حصلا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتَبَيَّن أَنه لم يسمع مَعَ اللِّقَاء قَالَ وَمن أمكن سَمَاعه وَعدم سَمَاعه فَهُوَ على الْعَدَم حَتَّى يتَحَقَّق سَمَاعه وَكَذَلِكَ الحكم فِي اللِّقَاء انْتهى
وَقَول ابْن الصّلاح إِنَّمَا قَالَ هَذَا فِيمَن لم يظْهر تدليسه يَعْنِي لِأَنَّهُ قَالَ
[ ٢ / ٣٨ ]
قبل هَذَا الْكَلَام وَمن ظهر تدليسه عَن غير الثِّقَات لم يقبل خَبره حَتَّى يَقُول حَدثنِي وَسمعت وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مَتى قَالَ الْمُحدث حَدثنَا فلَان عَن فلَان قبل خَبره لِأَن الظَّاهِر أَنه حكى عَنهُ وَإِنَّمَا توقفنا فِي المدلس لعيب ظهر لنا مِنْهُ فَإِن لم يظْهر فَهُوَ على سَلَامَته وَلَو توقفنا فِي هَذَا لتوقفنا فِي حَدثنَا لِإِمْكَان أَن يكون حدث قبيلته وَأَصْحَابه كَقَوْل الْحسن خَطَبنَا فلَان بِالْبَصْرَةِ وَلم يكن حَاضرا لِأَنَّهُ احْتِمَال لاغ فَكَذَلِك من علم سَمَاعه إِذا كَانَ غير مُدَلّس وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ أَبُو بكر أَو عمر قَالَ رَسُول الله ﷺ فَهُوَ مَحْمُول على السماع وَالْقَائِل بِخِلَاف ذَلِك مُغفل انْتهى
١٥٥ - (قَوْله) وَأنكر مُسلم بن الْحجَّاج فِي خطْبَة صَحِيحه على بعض أهل عصره إِلَى آخِره
قيل يُرِيد بِهِ البُخَارِيّ نعم البُخَارِيّ لَا يشْتَرط ذَلِك فِي أصل الصِّحَّة وَلَكِن الْتَزمهُ فِي جَامعه فَلَعَلَّهُ يُرِيد ابْن الْمَدِينِيّ فَإِنَّهُ يشْتَرط ذَلِك فِي أصل الصِّحَّة على مَا قيل
وَهل البُخَارِيّ يشْتَرط ثُبُوت السماع فِي كل حَدِيث أَو إِذا ثَبت السماع فِي حَدِيث وَاحِد حمل الْبَاقِي عَلَيْهِ حَتَّى يدل دَلِيل على خِلَافه فِيهِ نظر وَالْأَقْرَب
[ ٢ / ٣٩ ]
الثَّانِي وَقد بَلغنِي عَن الْحَافِظ أبي الْحجَّاج الْمزي نفس مَذْهَب البُخَارِيّ وَيشْهد لَهُ أَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ أثبتا سَماع الْحسن من سَمُرَة مُطلقًا لِأَنَّهُ صَحَّ عَنهُ سَمَاعه لحَدِيث الْعَقِيقَة قَالَ التِّرْمِذِيّ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن
[ ٢ / ٤٠ ]
عَليّ بن عبد الله عَن قُرَيْش بن أنس عَن حبيب بن الشَّهِيد قَالَ لي مُحَمَّد بن سِيرِين سُئِلَ الْحسن مِمَّن سمع حَدِيث الْعَقِيقَة فَسَأَلته قَالَ سمعته من سَمُرَة بن جُنْدُب قَالَ مُحَمَّد قَالَ عَليّ وَسَمَاع الْحسن من سَمُرَة صَحِيح وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث
وَاعْلَم أَن هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي رده مُسلم هُوَ مُقْتَضى كَلَام الشَّافِعِي فِي الرسَالَة إِذْ قَالَ فِي بَاب خبر الْوَاحِد حِكَايَة عَن سَائل سَأَلَهُ فَقَالَ فَمَا بالك قبلت مِمَّن لَا
[ ٢ / ٤١ ]
تعرفه بالتدليس أَن يَقُول عَن وَقد يُمكن فِيهِ أَن يكون لم يسمعهُ فَقلت لَهُ الْمُسلمُونَ الْعُدُول عدُول أصحاء الْأَمر فِي أنفسهم [وحالهم فِي أنفسهم] غير حَالهم فِي غَيرهم أَلا ترى أَنِّي إِذا عرفتهم بِالْعَدْلِ فِي أنفسهم قبلت شَهَادَتهم وَإِذا شهدُوا على شَهَادَة غَيرهم لم أقبل [شَهَادَة غَيرهم] حَتَّى أعرف حَاله وَلم تكن معرفتي عدلهم معرفتي عدل من شهدُوا على شَهَادَته وَقَوْلهمْ عَن خبر أنفسهم وتسميتهم على الصِّحَّة حَتَّى نستدل من فعلهم بِمَا يُخَالف ذَلِك فنحترس مِنْهُم فِي الْموضع الَّذِي خَالف فعلهم فِيهِ مَا يجب عَلَيْهِم
وَلم نَعْرِف بالتدليس ببلدنا مِمَّن مضى وَلَا من أدركنا من أَصْحَابنَا إِلَّا حَدِيثا فَإِن مِنْهُم من قبله عَمَّن لَو تَركه عَلَيْهِ كَانَ خيرا لَهُ وَكَانَ قَول الرجل سَمِعت فلَانا يَقُول [سَمِعت فلَانا] وَقَوله حَدثنِي فلَان عَن فلَان سَوَاء عِنْدهم لَا يحدث أحد مِنْهُم عَمَّن لَقِي إِلَّا مَا سمع مِنْهُ فَمن عَرفْنَاهُ بِهَذِهِ الطَّرِيق قبلنَا مِنْهُ حَدثنِي فلَان عَن فلَان وَمن عَرفْنَاهُ دلّس مرّة فقد أبان لنا عَوْرَته فِي رِوَايَته (أ ٨٩) وَلَيْسَت تِلْكَ الْعَوْرَة بكذب فَيرد بهَا حَدِيثه وَلَا النَّصِيحَة فِي الصدْق (د ٥٥) [فنقبل مِنْهُ مَا قبلنَا من أهل النَّصِيحَة فِي الصدْق] فَقُلْنَا لَا نقبل من مُدَلّس حَدِيثا حَتَّى يَقُول فِيهِ حَدثنِي أَو سَمِعت انْتهى
[ ٢ / ٤٢ ]
وَمِمَّنْ اخْتَار هَذَا الْمَذْهَب من الْمُتَأَخِّرين ابْن الْوَكِيل فِي كِتَابه الْإِنْصَاف فَقَالَ الَّذِي أرَاهُ أَنه لَا يحمل على السماع وَإِن ثَبت اللِّقَاء لجَوَاز أَن يكون بلغه من عدل عِنْده لَو ذكره لنا لعرفنا فسقه أَو رَآهُ فِي كِتَابه فَيكون وجادة وَبِهَذَا رد ابْن حزم حَدِيث البُخَارِيّ فِي المعازف لقَوْله فِيهِ قَالَ هِشَام بن عمار مَعَ أَنه شيخ البُخَارِيّ انْتهى
[ ٢ / ٤٣ ]
١٥٦ - (قَوْله) الرَّابِع التَّعْلِيق الَّذِي يذكرهُ الْحميدِي فِي أَحَادِيث من صَحِيح [البُخَارِيّ] قطع إسنادها صورته صُورَة الإنقطاع وَلَيْسَ حكمه حكمه
اعْترض عَلَيْهِ بِأَنا نمْنَع أَن يكون ذَلِك من شَرط البُخَارِيّ فَإِنَّهُ سمى كِتَابه الْمسند فَمَا لم يسْندهُ لم يلْتَزم تَصْحِيحه
وَالْجَوَاب أَن هَذَا من ابْن الصّلاح مَبْنِيّ على قَاعِدَته السَّابِقَة فِي تعاليق البُخَارِيّ المجزوم بهَا أَنَّهَا فِي حكم الْمُتَّصِلَة وَقد سبق بِمَا فِيهِ وَلَا يُنَافِيهِ تَسْمِيَته بالمسند بل إِدْخَاله لَهَا بِصِيغَة الْجَزْم فِي الصَّحِيح يدل على أَنَّهَا مُسندَة وَلَكِن حذفه اختصارا
[ ٢ / ٤٤ ]
١٥٧ - (قَوْله) على مَا نبهنا عَلَيْهِ فِي الْفَائِدَة السَّادِسَة
الَّذِي ذكره هُنَاكَ تَفْصِيل لَا يُوَافق مَا أطلقهُ هُنَا فَلْيتَأَمَّل
١٥٨ - (قَوْله) من جِهَة أَن البُخَارِيّ أوردهُ قَائِلا فِيهِ قَالَ هِشَام بن عمار فَزعم ابْن حزم أَنه مُنْقَطع فِيمَا بَين البُخَارِيّ وَهِشَام إِلَى أَن قَالَ والْحَدِيث صَحِيح مَعْرُوف الِاتِّصَال بِشَرْط الصَّحِيح
يَعْنِي فقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي كتاب الْمُسْتَخْرج على البُخَارِيّ فَقَالَ حَدثنَا الْحسن وَهُوَ ابْن سُفْيَان النسوي الإِمَام [قَالَ] ثَنَا هِشَام بن عمار فَذكره
[ ٢ / ٤٥ ]
وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد بن عبد الصَّمد حَدثنَا هِشَام بن عمار فَذكره ثمَّ إِن هِشَام بن عمار أحد شُيُوخ البُخَارِيّ حدث عَنهُ بِأَحَادِيث وعدوله هُنَا عَن التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ إِنَّمَا هُوَ ليفرق بَين مَا أَخذه عَن مشايخه فِي مجْلِس المذاكرة وَبَين مَا يَأْخُذهُ فِي مجْلِس التحديث وَقد قَالَ ابْن حزم فِي كِتَابه الإحكام فِي أصُول الْفِقْه إِن قَالَ مَحْمُولَة على السماع إِذا علم
[ ٢ / ٤٦ ]
إِدْرَاك الرَّاوِي للقائل فَكيف يَجعله هُنَا مُنْقَطِعًا وَاعْلَم أَن اعْتِرَاض ابْن حزم بذلك ساعده عَلَيْهِ صَاحبه الْحميدِي فِي الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ فَإِن البُخَارِيّ قَالَ وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم حَدثنَا عَوْف عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - قَالَ وكلني رَسُول الله ﷺ بِحِفْظ زَكَاة رَمَضَان فَأَتَانِي آتٍ فَجعل يحثو من الطَّعَام وَذكر الحَدِيث فَقَالَ الْحميدِي أخرجه البُخَارِيّ
[ ٢ / ٤٧ ]
تَعْلِيقا بل قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ أخرجه البُخَارِيّ مَقْطُوعًا
وَهَذَا كُله مَرْدُود فَإِن عُثْمَان بن الْهَيْثَم أحد شُيُوخ البُخَارِيّ الَّذِي حدث عَنْهُم فِي صَحِيحه وَسمع مِنْهُم وَقَول البُخَارِيّ فِي مثله قَالَ فلَان مَحْمُول على سَمَاعه مِنْهُ واتصاله فَإِن الله تَعَالَى برأه من التَّدْلِيس وَلَيْسَ ذَلِك بتعليق إِنَّمَا الْمُعَلق مَا أسقط البُخَارِيّ مِنْهُ شَيْخه أَو أَكثر بِأَن يَقُول فِي مثل هَذَا الحَدِيث وَقَالَ عَوْف أَو قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين
[ ٢ / ٤٨ ]
وَسُئِلَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد عَن هَذَا فصوب مقَالَة الْحميدِي قَالَ لَكِن الحَدِيث صَحِيح بجزم البُخَارِيّ أَن [عُثْمَان بن] الْهَيْثَم قَالَ قلت وَقد وَصله النَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكَبِير فَقَالَ أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب ثَنَا عُثْمَان بن الهيئم
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الْمُسْتَخْرج حَدثنَا عبيد الله بن مُحَمَّد بن النَّضر اللؤْلُؤِي ثَنَا الْحسن بن السكن ثَنَا عُثْمَان بن الْهَيْثَم وَحدثنَا الْحسن بن سُوَيْد ثَنَا
[ ٢ / ٤٩ ]
عبد الْعَزِيز بن سَلام سَمِعت عثمانا فَذكره
وَقَالَ أَبُو نعيم ثَنَا أَبُو مُحَمَّد بن الْحسن ثَنَا ابْن حَرْب وَحدثنَا ابْن إِسْحَاق ثَنَا مُحَمَّد بن (أ ٨٩) يحيى وجعفر بن أَحْمد بن سِنَان قَالَا حَدثنَا هِلَال بن بشر أَنا عُثْمَان بن الْهَيْثَم
وَالْحَاصِل أَن قَول البُخَارِيّ عَمَّن لقِيه من شُيُوخه وَقَالَ فلَان لَيْسَ حكمه حكم التَّعْلِيق بل هُوَ من قبيل الْمُتَّصِل كَمَا سبق فِي الْإِسْنَاد المعنعن والشروط السَّابِقَة مَوْجُودَة هُنَا وَهَذَا الْمَذْكُور هُنَا هُوَ الصَّوَاب وَقد خَالف المُصَنّف هَذَا فِي مِثَال مثل بِهِ فِي السَّادِسَة من الْفَوَائِد فِي النَّوْع الأول فِي قَوْله قَالَ القعْنبِي كَذَا حَيْثُ مثل بِهِ لما سقط من أول إِسْنَاده وَاحِد وَقد بَينا هُنَاكَ أَن القعْنبِي شيخ
[ ٢ / ٥٠ ]
البُخَارِيّ حدث عَنهُ فِي صَحِيحه فَيكون قَوْله قَالَ القعْنبِي مَحْمُولا على الِاتِّصَال كالحديث المعنعن وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي كل مَا يَقُول البُخَارِيّ فِيهِ قَالَ عَن مشايخه
وَقَول المُصَنّف وَالْبُخَارِيّ قد يفعل مثل ذَلِك لكَون الحَدِيث إِلَى آخِره
هَذَا أَخذه من كَلَام الْإِسْمَاعِيلِيّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمدْخل كثيرا مَا يَقُول البُخَارِيّ قَالَ فلَان وَقَالَ فلَان فَيحْتَمل أَن يكون إعراضه عَن التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ لوجوه أَحدهَا أَلا يكون قد سَمعه مِمَّن يَثِق بِهِ عَالِيا وَهُوَ مَعْرُوف من جِهَة الثِّقَات عَن ذَلِك الْمَرْوِيّ عَنهُ فَيَقُول قَالَ فلَان مُقْتَصرا على صِحَّته وشهرته من غير جِهَته
[ ٢ / ٥١ ]
وَالثَّانِي أَن يكون قد ذكره فِي مَوضِع آخر بِالتَّحْدِيثِ فَاكْتفى عَن إِعَادَته ثَانِيًا
وَالثَّالِث أَن يكون من سمع مِنْهُ ذَلِك لَيْسَ من شَرط كِتَابه فنبه على الْخَبَر الْمَقْصُود بِتَسْمِيَة من قَالَه لَا على وَجه التحديث بِهِ عَنهُ قَالَ وَأما مَا كَانَ من ذَلِك فَهُوَ صَحِيح سَائِغ غير مَدْفُوع
ويضاف لما ذكره رَابِع وَهُوَ أَن يقْصد بذلك الْفرق بَين مَا يَأْخُذهُ عَن مشايخه فِي حَالَة التحديث وَحَالَة المذاكرة وَإِنَّمَا فرق بَينهمَا احْتِيَاطًا
١٥٩ - (قَوْله) وَأما مَا أوردهُ كَذَلِك عَن شُيُوخه فَهُوَ من قبيل مَا ذَكرْنَاهُ
[ ٢ / ٥٢ ]
قَرِيبا
يَعْنِي أَنه لَيْسَ لَهُ حكم التَّعْلِيق بل حكمه حكم الْإِسْنَاد المعنعن لِسَلَامَةِ البُخَارِيّ من التَّدْلِيس وَسبق أَن المُصَنّف خَالف هَذَا [فِي] النَّوْع [الأول]
١٦٠ - (قَوْله) وَبَلغنِي عَن بعض الْمُتَأَخِّرين من أهل الْمغرب أَنه جعله قسما من التَّعْلِيق ثَانِيًا وأضاف [إِلَيْهِ] مثل قَول البُخَارِيّ وَقَالَ لي فلَان وروانا فلَان فوسم ذَلِك بِالتَّعْلِيقِ الْمُتَّصِل من حَيْثُ الظَّاهِر الْمُنْفَصِل من حَيْثُ الْمَعْنى وَقَالَ وَمَتى رَأَيْت البُخَارِيّ يَقُول وَقَالَ لي وَقَالَ لنا فَاعْلَم أَنه إِسْنَاد لم يذكرهُ للاحتجاج بِهِ وَإِنَّمَا ذكره للاستشهاد قَالَ ابْن الصّلاح وَهُوَ مُخَالف لقَوْل من هُوَ أعرف مِنْهُ وَهُوَ أَبُو جَعْفَر النَّيْسَابُورِي فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ عرض ومناولة انْتهى
[ ٢ / ٥٣ ]
وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ رد على هَذَا الْمُتَأَخر وَإِنَّمَا فِيهِ بَيَان المُرَاد بقوله قَالَ وَهَذَا جَائِز الْإِرَادَة وَقد لَا يبلغ عِنْده مبلغ الِاحْتِجَاج لَكِن مَا ذكره هَذَا الْمُتَأَخر ضَعِيف لتسويته بَين قَوْله [قَالَ فلَان وَقَالَ لي فلَان] هَذِه نَص فِي الِاتِّصَال وَإِنَّمَا الَّذِي يُمكن دَعْوَى ذَلِك فِيهِ مَا قدم من قَول البُخَارِيّ قَالَ هِشَام بن عمار الَّذِي لَيْسَ فِي لَفظه مَا يشْعر بالاتصال إِلَّا دَعْوَى الْفرق الَّذِي قدمه من كَلَام (د ٥٦) الصَّيْرَفِي وَغَيره من تَعْمِيم الحكم بالاتصال فِيمَا ذكره الرَّاوِي عَمَّن لقِيه بِأَيّ لفظ كَانَ حَكَاهُ ابْن عبد الْبر وَغَيره
وتشاغل المُصَنّف بِبَيَان المُرَاد بقوله قَالَ لي وَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي اتِّصَاله وَعَدَمه وَالظَّاهِر أَنه نَص فِي الِاتِّصَال بِخِلَاف قَالَ فلَان وَأَن تَفْرِقَة البُخَارِيّ بَين قَالَ لي مُقَيّدا وَبَين قَوْله قَالَ مُطلقًا جديرة بِإِرَادَة مَا يتَبَادَر (أ ٩٠) إِلَى الذِّهْن مِنْهَا من قُوَّة الِاتِّصَال مَعَ الْإِضَافَة وضعفها عِنْد الْحَذف أَو
[ ٢ / ٥٤ ]
لَعَلَّه حَيْثُ أطلق أَرَادَ أَنه قَالَ لَهُ وَلغيره فِي المذاكرة فَلَمَّا لم يَخُصُّهُ أطلق وَلم يُقيد عملا بِمَا سبق عَن الصَّيْرَفِي وَمَا حكم بِهِ ابْن عبد الْبر وَغَيره من الِاتِّصَال
١٦١ - (قَوْله) وَكَأن هَذَا التَّعْلِيق مَأْخُوذ من تَعْلِيق الْجِدَار وَتَعْلِيق الطَّلَاق
قد نوزع فِي أَخذه من تَعْلِيق الطَّلَاق فَلَيْسَ التَّعْلِيق فِيهِ لأجل قطع الِاتِّصَال بل لتعليق أَمر على أَمر بِدَلِيل اسْتِعْمَاله فِي الْوكَالَة وَالْبيع وَغَيرهمَا [بل وَفِي الْكَلَام أَيْضا] فَلَا يَصح أَن يكون تَعْلِيق الطَّلَاق لأجل قطع الِاتِّصَال إِلَّا أَن يُرِيد بِهِ قطع اتِّصَال حكم التَّنْجِيز بِاللَّفْظِ لَو كَانَ مُنجزا
[ ٢ / ٥٥ ]
قلت تَعْلِيق الطَّلَاق لَيْسَ فِيهِ قطع اتِّصَال إِذْ لم يتَّصل الطَّلَاق بِالْمحل حَتَّى يُقَال إِن التَّعْلِيق قطعه فَيَنْبَغِي أَن يكون مُرَاد المُصَنّف بِالْقطعِ الدّفع لَا الرّفْع فَإِن التَّعْلِيق منع من الِاتِّصَال وَذَلِكَ هُوَ نَظِير تَعْلِيق الْجِدَار فَإِنَّهُ منع من اتِّصَاله بِالْأَرْضِ لَا أَنه وجد الِاتِّصَال ثمَّ قطعه
وَوجه مناسبته فِي الحَدِيث أَن سُقُوط الرَّاوِي مِنْهُ منع من اتِّصَال الحَدِيث لكنه منع مُسْتَمر وَإِلَّا لم يكن تَعْلِيقا بِخِلَاف الطَّلَاق والجدار
١٦٢ - (قَوْله) الْخَامِس الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ بعض الثِّقَات مُرْسلا وَبَعْضهمْ مُتَّصِلا كَحَدِيث لَا نِكَاح إِلَّا بولِي
فِي هَذَا التَّمْثِيل نظر فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَن شُعْبَة وسُفْيَان أَنَّهُمَا وصلاه أَيْضا فَهُوَ من أَمْثِلَة مَا وَصله الرَّاوِي مرّة وأرسله أُخْرَى فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من جِهَة النُّعْمَان بن عبد السَّلَام عَن شُعْبَة وسُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي
[ ٢ / ٥٦ ]
بردة عَن أبي مُوسَى أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي قَالَ الْحَاكِم وَهَذَا الحَدِيث لم يكن لِلشَّيْخَيْنِ إخلاء الصَّحِيحَيْنِ مِنْهُ فَإِن النُّعْمَان بن عبد السَّلَام ثِقَة مَأْمُون وَقد وَصله عَن الثَّوْريّ وَشعْبَة جَمِيعًا انْتهى
وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه هَذَا الحَدِيث سَمعه أَبُو إِسْحَاق من أبي بردة مُسْندًا ومرسلا مَعًا فَمرَّة كَانَ يحدث بِهِ مَرْفُوعا وَمرَّة يرويهِ مُرْسلا فَالْخَبَر صَحِيح مُرْسلا وَمُسْندًا مَعًا بِلَا شكّ انْتهى
[ ٢ / ٥٧ ]
١٦٣ - (قَوْله) فَحكى الْخَطِيب أَن أَكثر أَصْحَاب الحَدِيث يرَوْنَ الحكم للمرسل
يجوز فِيهِ كسر السِّين وَفتحهَا وَعلل الْمُحب الطَّبَرِيّ هَذَا القَوْل بِأَن الْإِرْسَال جرح وَالْجرْح مقدم على التَّعْدِيل قَالَ وَمن قدم الْمُتَّصِل يَقُول إِنَّمَا قدم الْجرْح لِأَن الْجَارِح مَعَه زِيَادَة علم وَهِي هُنَا مَعَ الْمُتَّصِل
وَفِي هَذِه الْعلَّة نظر وَإِنَّمَا عِلّة ذَلِك الشَّك فِي رَفعه فأخذنا بِالْأَقَلِّ الْمُتَيَقن وألغينا غَيره وَهَذَا القَوْل حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله عَن مُحَمَّد بن سِيرِين وَحَكَاهُ
[ ٢ / ٥٨ ]
غَيره عَن مَالك وَإِنَّمَا ذهب إِلَى ذَلِك ليستيقن من الشَّك يعرض لَهُ وَهَكَذَا الحكم فِي الْوَقْف والانقطاع مَعَ الرّفْع والاتصال وَهَذَا معنى قَول الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ النَّاس إِذا شكوا فِي الحَدِيث ارتفعوا وَمَالك إِذا شكّ فِيهِ انخفض يَعْنِي إِذا حصل عِنْده أدنى شكّ فِي الرّفْع أَو فِي الْإِسْنَاد أَو الْوَصْل وقف وَأرْسل وَقطع أخذا بِالتَّحَرِّي وَهَذَا القَوْل هُوَ الظَّاهِر من تصرف الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل الْكَبِير فَإِنَّهُ قل مَا ذكر حَدِيثا من طَرِيقين مُسْند ومرسل أَو مَرْفُوع وَمَوْقُوف إِلَّا وَرجح الأنقص وَمن الْمَشْهُور عَن شُعْبَة قَوْله حَدثنَا عَليّ بن زيد - وَكَانَ رفاعا - أَي يرفع مَا يرويهِ الْغَيْر مَوْقُوفا وَحَاصِل مَا حَكَاهُ المُصَنّف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَرْبَعَة مَذَاهِب
أَحدهَا أَن الحكم للمرسل (أ ٩١)
وَالثَّانِي للْأَكْثَر لِأَن الْحِفْظ إِلَى الْجَمَاعَة أقرب مِنْهُ إِلَى الْأَقَل وَنَقله الْحَاكِم فِي الْمدْخل عَن أَئِمَّة الحَدِيث
وَالثَّالِث للأحفظ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل الحكم لرِوَايَة الْأَكْثَر الأثبت وَرِوَايَة تزيد عَنْهُم تكون مَحْمُولَة على الْوَهم وَحَكَاهُ عَن فَإِنَّهُ قَالَ فِي
[ ٢ / ٥٩ ]
تَعْلِيل حَدِيث الثِّقَة أَو يُخَالِفهُ من هُوَ أثبت
وَالرَّابِع لمن أسْندهُ إِذا كَانَ عدلا ضابطا وَبِه جزم الخليلي فِي الْإِرْشَاد وَابْن حزم فِي كتاب الْإِعْرَاب وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد المُصَنّف وَغَيره جعلا لَهُ من قبيل الزِّيَادَة المقبولة وَظَاهر تصرف التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه يَقْتَضِي الْأَخْذ بأصح الرِّوَايَتَيْنِ سندا زِيَادَة أَو نقصا
وَأما من حكى شَيْئا من هَذِه الْأَقْوَال عَن أهل الحَدِيث أَو أَكْثَرهم فقد أنكرهُ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي فِي مُقَدّمَة شرح الْإِلْمَام وَقَالَ إِن ذَلِك لَيْسَ قانونا مطردا وبمراجعة أحكامهم الْجُزْئِيَّة يعرف صَوَاب مَا نقُول فَإِنَّهُم يروون الحَدِيث من رِوَايَة الثِّقَات الْعُدُول ثمَّ تقوم لَهُم علل فِيهِ تمنعهم من الحكم بِصِحَّتِهِ لمُخَالفَة جمع كثير للأقل وَمن هُوَ أحفظ مِنْهُ أَو قيام قرينَة تُؤثر فِي أنفسهم غَلَبَة ظن بغلطه وَإِن كَانَ هُوَ الَّذِي وصل أَو رفع وَلم يجروا فِي ذَلِك على قانون وَاحِد يسْتَعْمل فِي جَمِيع الْأَحَادِيث قَالَ وَأقرب النَّاس إِلَى إطراد هَذِه الْقَوَاعِد بعض أهل الظَّاهِر
وَمن هُنَا حكى بعض الْمُتَأَخِّرين تَقْدِيم أَحدهمَا على الآخر بِحَسب الْقَرَائِن فَإِن كَانَ الواقفون لَهُ ثِقَات حفاظا أوثق وأحفظ مِمَّن رَفعه فَالْحكم [للْوَقْف] وَكَذَا
[ ٢ / ٦٠ ]
إِذا كَانُوا عَن شيخ لَهُم وَأهل بلد فهم أَحَق بِهِ مِمَّن لَيْسَ هُوَ شَيْخه وَلَا كثرت ملازمته لَهُ وَلَا هُوَ من أهل بَلَده وَإِن كَانَ الرافع لَهُ كثيرين ثِقَات حفاظا وَإِن تعَارض الْحَال توقف فِي التَّرْجِيح وَالتَّحْقِيق أَن جهتي طرق الحَدِيث إِمَّا ضَعِيف أَو صَحِيح فالأخذ بِالصَّحِيحِ مُتَعَيّن وَإِمَّا صَحِيحَانِ فَإِن تَفَاوتا فالأخذ بالأصح أولى وأحوط وَإِن اسْتَويَا فِي الصِّحَّة فَهَل الْأَخْذ بالمتيقن الْأَقَل أَو بِالزَّائِدِ فِيهِ الْقَوْلَانِ المتقدمان وَالْمُخْتَار تَقْدِيم الرّفْع وَإِلَّا لزم الْأَخْذ بِالْأَصْلِ فِي زِيَادَة الْمَتْن وَهُوَ خلاف الْعَمَل فِي قبُول الزِّيَادَة الصَّحِيحَة نعم لَو اتَّصل الحَدِيث من وَجه صَحِيح (د ٥٧) ثمَّ ذكر رَاوِيه لذَلِك الحَدِيث طَرِيقا آخر مَقْطُوعًا على وَجه التَّعْرِيف [والمتابعة فَذَلِك] لَا يُؤثر فِي اتِّصَاله قَالَه الْحَافِظ رشيد الدّين الْعَطاء
١٦٤ - (قَوْله) وَسُئِلَ البُخَارِيّ عَن حَدِيث لَا نِكَاح إِلَّا بولِي إِلَى آخِره
[ ٢ / ٦١ ]
هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم [قَالَ] حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق الْمُزَكي سَمِعت مُحَمَّد بن هَارُون المسكي سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَسُئِلَ عَن حَدِيث إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي بردة عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي فَقَالَ الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة إِسْرَائِيل ثِقَة وَإِن كَانَ سُفْيَان وَشعْبَة أَرْسلَاهُ فَإِن ذَلِك لَا يضر الحَدِيث انْتهى
وَتَابعه التِّرْمِذِيّ فِي علله وَغَيره وَلَكِن فِي نِسْبَة القَوْل بِتَقْدِيم الْوَصْل إِلَى البُخَارِيّ مُطلقًا لأجل هَذَا نظر فَإِنَّهُ فِي تَارِيخه أخرج حَدِيث الثَّوْريّ عَن مُحَمَّد
[ ٢ / ٦٢ ]
ابْن أبي بكر بن حزم عَن عبد الْملك بن أبي بكر عَن أَبِيه عَن أم سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ إِن شِئْت سبعت عنْدك ثمَّ قَالَ عقبه أخبرنَا إِسْمَاعِيل حَدثنِي مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر بن الْحَارِث بن هِشَام أَن رَسُول الله ﷺ - مُرْسلا ثمَّ قَالَ الصَّحِيح هَذَا
وَقد أخرج مُسلم حَدِيث الثَّوْريّ حكما مِنْهُ بِصِحَّة الْوَصْل وَكَذَلِكَ حُكيَ
[ ٢ / ٦٣ ]
عَن الدَّارَقُطْنِيّ فَيظْهر من ذَلِك أَن البُخَارِيّ لَا يقدم الْوَصْل مُطلقًا وَلَا الْإِرْسَال مُطلقًا بل يرجع إِلَى قَرَائِن مِمَّا سبق أَو غَيرهَا (أ ٩٢)
وَكَذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيّ عَن هَذَا الحَدِيث هَؤُلَاءِ الَّذين رَوَوْهُ عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي مُوسَى مَرْفُوعا عِنْد البُخَارِيّ أصح [لِأَن سماعهم فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة] وَإِن كَانَ شُعْبَة وَالثَّوْري أحفظ وَأثبت من جَمِيع هَؤُلَاءِ الَّذين رووا عَن أبي إِسْحَاق هَذَا الحَدِيث فَإِن رِوَايَة هَؤُلَاءِ عِنْده أشبه وَأَصَح لِأَن شُعْبَة وَالثَّوْري سمعا هَذَا الحَدِيث من أبي إِسْحَاق فِي مجْلِس وَاحِد
[ ٢ / ٦٤ ]
١٦٥ - (قَوْله) ويلتحق بِهَذَا مَا إِذا كَانَ الَّذِي وَصله قد أرْسلهُ فِي وَقت
يُرِيد الحكم بوصله لَا مَجِيء كل الْخلاف السَّابِق فِيهِ
[ ٢ / ٦٥ ]
١٦٦ - (قَوْله) وَهَكَذَا إِذا رفع بَعضهم الحَدِيث وَوَقفه بَعضهم أَو رَفعه وَاحِد فِي وَقت وَوَقفه هُوَ أَيْضا فِي وَقت آخر فَالْحكم للثقة الزَّائِد
وَمَا ذكره فِي الْقسم الثَّانِي يُزَاد عَلَيْهِ أَن الْمَاوَرْدِيّ حكى فِي بَاب صَلَاة الْمُسَافِر من الْحَاوِي عَن مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه يحمل الْمَوْقُوف على مَذْهَب الرَّاوِي والمسند على أَنه قَول النَّبِي ﷺ فَلَا تعَارض وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين الرَّاجِح من قَول أَئِمَّة الحَدِيث أَن الْوَقْف وَالرَّفْع يتعارضان قَالَ وَهَكَذَا الْوَصْل مَعَ الْإِرْسَال
[ ٢ / ٦٦ ]
النَّوْع الثَّانِي عشر التَّدْلِيس
قَالَ ابْن السَّيِّد إِنَّه مُشْتَقّ من الدلس وَهُوَ الظلام وَنقل الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي فِي كتاب اقتناص السوانح عَن الْحَافِظ أبي بكر التَّدْلِيس اسْم ثقيل شنيع الظَّاهِر لكنه حقيق الْبَاطِن سهل الْمَعْنى
[ ٢ / ٦٧ ]
١٦٧ - (قَوْله) التَّدْلِيس قِسْمَانِ
لَيْسَ كَمَا قَالَ بل هُوَ أَقسَام وسنتكلم على مَا أهمله
١٦٨ - (قَوْله) وَهُوَ أَن يروي عَمَّن لقِيه إِلَى آخِره
أَي شَرط التَّدْلِيس أَن يكون المدلس قد لَقِي الْمَرْوِيّ عَنهُ وَلم يسمع مِنْهُ ذَلِك الحَدِيث الَّذِي دلسه عَنهُ وَشرط الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة أَن يكون مَشْهُورا بالرواية عَنهُ أما إِذا روى عَمَّن لم يُدْرِكهُ بِلَفْظ موهم فَلَيْسَ بتدليس على الصَّحِيح الْمَشْهُور بل هُوَ من قبيل الْإِرْسَال كَمَا سبق فِي بَابه عَن حِكَايَة الْخَطِيب وَحكى ابْن عبد الْبر عَن قوم أَنه تَدْلِيس فَجعلُوا التَّدْلِيس أَن يحدث الرجل عَن الرجل بِمَا لم يسمعهُ مِنْهُ بِلَفْظ لَا يَقْتَضِي تَصْرِيحًا بِالسَّمَاعِ وَإِلَّا لَكَانَ كذبا قَالَ ابْن عبد الْبر وعَلى هَذَا فَمَا سلم من التَّدْلِيس أحد لَا مَالك وَلَا غَيره
[ ٢ / ٦٨ ]
وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي الْوَهم وَالْإِيهَام التَّدْلِيس أَن يروي عَمَّن قد سمع مِنْهُ مَا لم يسمع مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار صَاحب الْمسند فِي جُزْء لَهُ فِي معرفَة من يتْرك حَدِيثه أَو يقبل
وَاعْلَم أَن هَذَا التَّعْرِيف الَّذِي ذكره المُصَنّف منطبق على مُرْسل الصَّحَابَة مَعَ أَنه لَا يُطلق عَلَيْهِ تَدْلِيس وَأما مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي كَامِله عَن يزِيد بن هَارُون قَالَ سَمِعت شُعْبَة يَقُول أَبُو هُرَيْرَة كَانَ يُدَلس فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إِسْقَاط الْوَاسِطَة بَينه
[ ٢ / ٦٩ ]
وَبَين النَّبِي ﷺ فِي بعض الأحيان كَمَا اتّفق لَهُ فِي حَدِيث صَوْم الْجنب لما أنكر عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنِيهِ الْفضل بن الْعَبَّاس وَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاق مثل هَذِه الْعبارَة فِي حق الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَإِنَّمَا ذَلِك إرْسَال
وَقد نقل ابْن الْحَاجِب وَغَيره أَن قَول الصَّحَابِيّ الْعدْل قَالَ رَسُول الله ﷺ يدل على سَمَاعه مِنْهُ خلافًا للْقَاضِي أبي بكر
١٦٩ - (قَوْله) وَإِنَّمَا يَقُول قَالَ فلَان أَو عَن فلَان وَنَحْو ذَلِك
أَي أَن (أ ٩٣) فلَانا وَمثله إِن أسقط ذَلِك ويسمي الشَّيْخ فَقَط فَيَقُول فلَان كَمَا ترَاهُ فِي حِكَايَة ابْن عُيَيْنَة
١٧٠ - (قَوْله) مِثَال ذَلِك إِلَى آخِره
هَكَذَا مثل هَذَا الْقسم ثمَّ حكى الْخلاف فِيمَن عرف بِهِ هَل يرد حَدِيثه مُطلقًا أَو مَا لم يُصَرح فِيهِ بالاتصال وَهُوَ يَقْتَضِي جَرَيَانه فِي ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ مَرْدُود فَإِن
[ ٢ / ٧٠ ]
ابْن عبد الْبر حكى عَن أَئِمَّة الحَدِيث أَنهم قَالُوا يقبل تَدْلِيس ابْن عُيَيْنَة لِأَنَّهُ إِذا وقف أحَال على ابْن جريج وَمعمر ونظرائهما
وَقَالَ الْكَرَابِيسِي دلّس ابْن عُيَيْنَة عَن مثل معمر ومسعر بن كدام وَمَالك ابْن مغول وَقَالَ الْحَاكِم فِي سؤالاته للدارقطني سُئِلَ عَن تَدْلِيس ابْن جريج فَقَالَ يتَجَنَّب تدليسه فَإِنَّهُ وَحش التَّدْلِيس لَا يُدَلس إِلَّا فِيمَا سَمعه من مَجْرُوح فَأَما ابْن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ يُدَلس عَن الثِّقَات
وَقَالَ ابْن حبَان فِي ديباجة كِتَابه الصَّحِيح وَهَذَا شَيْء لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَحده فَإِنَّهُ كَانَ يُدَلس وَلَا يُدَلس إِلَّا عَن ثِقَة متقن وَلَا يكَاد يُوجد
[ ٢ / ٧١ ]
لِابْنِ عُيَيْنَة خبر دلّس فِيهِ [إِلَّا وجد] ذَلِك الْخَبَر بِعَيْنِه قد تبين سَمَاعه عَن ثِقَة ثمَّ مثل ذَلِك بمراسيل صغَار الصَّحَابَة فَإِنَّهُم لَا يرسلون إِلَّا عَن صَحَابِيّ انْتهى
وَخرج من هَذَا عدم اخْتِصَاص ابْن عُيَيْنَة بل من كَانَت عَادَته لَا يُدَلس إِلَّا عَن ثِقَة فَحَدِيثه مَقْبُول وَبِذَلِك صرح أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ وَأَبُو بكر الْبَزَّار فَقَالَ فِي الْجُزْء الْمَذْكُور إِن من كَانَ يُدَلس عَن الثِّقَات كَانَ تدليسه عِنْد أهل الْعلم مَقْبُولًا ثمَّ قَالَ فَمن كَانَت هَذِه صفته وَجب أَن يكون حَدِيثه مَقْبُولًا وَإِن كَانَ مدلسا وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ أَبُو بكر الصَّيْرَفِي فِي كتاب الدَّلَائِل والأعلام فَقَالَ كل من ظهر تدليسه عَن غير الثِّقَات لم يقبل خَبره حَتَّى يَقُول حَدثنِي أَو سَمِعت انْتهى
وَمَا سبق عَن الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن جريج فِيهِ تَشْدِيد ويروى أَن ابْن أبي خَيْثَمَة
[ ٢ / ٧٢ ]
فِي تَارِيخه [قَالَ] حَدثنَا إِبْرَاهِيم عَن عُرْوَة حَدثنِي يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج قَالَ إِذا قلت قَالَ فَإِنِّي سمعته (د ٥٨) مِنْهُ وَإِن لم أقل سمعته مِنْهُ
قَالَ وَحدثنَا يحيى بن معِين ثَنَا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ] قَالَ مَا نَفَعَنِي مَال أحد مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر
[ ٢ / ٧٣ ]
فَاتبع سُفْيَان صديق كَانَ لَهُ قَالَ هَذَا الحَدِيث سمعته من الزُّهْرِيّ قَالَ لَا وَلَكِن حَدثنِي بِهِ وَائِل بن دَاوُد قَالَ يحيى بن معِين وَوَائِل بن دَاوُد لم يسمع من الزُّهْرِيّ وَإِنَّمَا سمع من ابْنه بكر بن وَائِل وَكَانَ بكر ندب إِلَيّ الزُّهْرِيّ انْتهى
والمثال الْجيد لهَذَا الْقسم أَن التِّرْمِذِيّ أخرج فِي جَامعه من حَدِيث ابْن شهَاب
[ ٢ / ٧٤ ]
عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة مَرْفُوعا لَا نذر فِي مَعْصِيّة وكفارته كَفَّارَة يَمِين ثمَّ قَالَ هَذَا حَدِيث لَا يَصح لِأَن الزُّهْرِيّ لم يسمعهُ من أبي سَلمَة سَمِعت مُحَمَّدًا يَقُول رُوِيَ عَن غير وَاحِد مِنْهُم مُوسَى بن عقبَة وَابْن أبي عَتيق عَن الزُّهْرِيّ عَن سُلَيْمَان بن ارقم عَن يحيى بن أبي كثير [عَن أبي سَلمَة] عَن عَائِشَة مَرْفُوعا قَالَ مُحَمَّد والْحَدِيث هُوَ هَذَا
[ ٢ / ٧٥ ]
١٧١ - (قَوْله) الْقسم الثَّانِي كي لَا يعرف
أَي لكَونه ضَعِيفا أَو مُتَأَخّر الْوَفَاة قد شَارك الرَّاوِي عَنهُ جمَاعَة دونه فِي السماع مِنْهُ أَو يكون أَصْغَر من الرَّاوِي سنا [سمع] أَو تكون أَحَادِيثه الَّتِي عِنْده كَثِيرَة فَلَا يحب تكْرَار الرِّوَايَة عَنهُ كَمَا ذكره ابْن الصّلاح عَنهُ
قَالَ الْحَاكِم فِي سُؤَالَات البغداديين لَهُ مَذْهَب سُفْيَان بن سعيد أَن يكني الْمَجْرُوحين من الْمُحدثين إِذا روى عَنْهُم مثل بَحر السقاء يَقُول حَدثنَا أَبُو الْفضل والصلت بن دِينَار يَقُول حَدثنَا أَبُو شُعَيْب والكلبي يَقُول حَدثنَا أَبُو النَّضر
[ ٢ / ٧٦ ]
وَسليمَان بن أَرقم يَقُول حَدثنَا أَبُو معَاذ انْتهى
وَلأَجل هَذَا أفرد المُصَنّف النَّوْع الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ (أ ٩٤) فِيمَن ذكر بأسماء مُخْتَلفَة وَمن ذَلِك تكْثر ألقاب إِبْرَاهِيم بن يحيى وَمُحَمّد بن سعيد المصلوب إِلَى نَحْو الْمِائَة قَالَ أَبُو دَاوُد حدث ابْن جريج عَن إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى وَمُحَمّد بن سعيد فَقَالَ عَن إِبْرَاهِيم بن أبي عَطاء حَكَاهُ الْآجُرِيّ وكنوا عَن الْوَاقِدِيّ مُحَمَّد بن أبي سَلمَة وَيدخل
[ ٢ / ٧٧ ]
فِي كَلَام المُصَنّف [وَهُوَ] أَن يذكر الرَّاوِي الضَّعِيف باسمه أَو كنيته وَلَكِن لَا يُتَابع فِي تَعْرِيفه وشاركه فِي تِلْكَ الكنية ثِقَة فَتوهم أَنه ذَلِك الثِّقَة قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل بَلغنِي أَن عَطِيَّة كَانَ يَأْتِي الْكَلْبِيّ فَيَأْخُذ عَنهُ التَّفْسِير فَكَانَ يكنيه بِأبي سعيد فَيَقُول قَالَ أَبُو سعيد يَعْنِي ليوهم النَّاس أَنه يروي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ التَّفْسِير الَّذِي كَانَ يَأْخُذهُ عَنهُ وَأَيْنَ هَذَا من عَليّ بن الْمَدِينِيّ كَانَ يروي عَن أَبِيه وَكَانَ أَبوهُ ضَعِيفا فيبينه ثمَّ يَقُول وَفِي حَدِيث الشَّيْخ مَا فِيهِ
[ ٢ / ٧٨ ]
وَاعْلَم أَنهم قد يَفْعَلُونَ ذَلِك لَا لقادح فِي الشَّيْخ بل لِمَعْنى عِنْد الرَّاوِي مثل مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب الذهلي النَّيْسَابُورِي الإِمَام الْمَشْهُور يروي عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح (وَلَا يُصَرح) بنسبه بل ينْسبهُ مرّة إِلَى جده وَمرَّة إِلَى جد أَبِيه قَالَ النَّسَائِيّ هُوَ ثِقَة مَأْمُون وَإِنَّمَا فعل ذَلِك للفتنة الْوَاقِعَة بَينه وَبَينه فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيب فِي تَارِيخه وَقَول الذهلي من كَانَ يخْتَلف إِلَى هَذَا الرجل فَلَا يخْتَلف إِلَيْنَا قَالَ ابْن الْمُنِير وَإِنَّمَا أبهم البُخَارِيّ
[ ٢ / ٧٩ ]
اسْمه فِي الصَّحِيح لِأَنَّهُ لما اقْتضى التَّحْقِيق عِنْده أَن تبقى رِوَايَته عَنهُ خشيَة كتم الْعلم وعذره فِي قدحه فِيهِ بالتأويل خشِي على النَّاس أَن يقعوا فِيهِ فَإِنَّهُ قد عدد من جرحه وَذَلِكَ يُوهم أَنه صدقه على نَفسه فيجر ذَلِك وَهنا إِلَى البُخَارِيّ فأخفى اسْمه وغطى وسمه وَمَا كتم عَلَيْهِ فَجمع بَين المصلحتين وَالله أعلم بمراده
١٧٢ - (قَوْله) عَن ابْن مُجَاهِد كَانَ ينْسب النقاش إِلَى جد لَهُ
[ ٢ / ٨٠ ]
يَقْتَضِي كَرَاهَة ذَلِك وَلِهَذَا جعله تدليسا وَحكى ابْن الْمواق فِي بغية النقاد خلافًا فِي نِسْبَة الرجل إِلَى جده وَاخْتَارَ التَّفْصِيل بَين الْمَشْهُور بِهِ فجوز ذَلِك وَإِلَّا فَلَا لما فِيهِ من إِبْهَام أَمرهم وتعمية طَرِيق معرفتهم
١٧٣ - (قَوْله) أما الْقسم الأول فمكروه جدا ذمه أَكثر الْعلمَاء
أَي وَمِنْهُم من سهله قَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده التَّدْلِيس لَيْسَ بكذب وَإِنَّمَا هُوَ تَحْسِين لظَاهِر الْإِسْنَاد
١٧٤ - (قَوْله) فروينا عَن الشَّافِعِي إِلَى آخِره
الَّذِي رَوَاهُ عَن الشَّافِعِي عبد الْعَزِيز بن مِقْلَاص قَالَ سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول [كَانَ شُعْبَة يَقُول] التَّدْلِيس أَخُو الْكَذِب رَوَاهُ ابْن عدي فِي الْكَامِل وَكَذَا عبد الْغَنِيّ فِي أدب الحَدِيث لَكِن بِلَفْظ أخي الْكَذِب
[ ٢ / ٨١ ]
بِالتَّصْغِيرِ وَهِي دون الأولى وَالرِّوَايَة الثَّابِتَة عَن شُعْبَة رَوَاهَا عَنهُ أَبُو نعيم ذكرهَا ابْن عدي أَيْضا وَأسْندَ عَن قراد قَالَ سَمِعت شُعْبَة يَقُول كل حَدِيث لَيْسَ فِيهِ حَدثنَا وَأخْبرنَا فَهُوَ خل وبقل
وَقَالَ أَبُو عَاصِم النَّبِيل أقل حالات المدلس عِنْدِي أَنه يدْخل فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ المتشبع بِمَا لم يُعْط كلابس ثوبي زور
[ ٢ / ٨٢ ]
وَحكى عبد الْغَنِيّ بن سعيد عَن وَكِيع قَالَ لَا يحل تَدْلِيس الثَّوْب فَكيف تَدْلِيس الحَدِيث
وَقَالَ أَبُو الْفرج الْمعَافى بن زَكَرِيَّا النهرواني فِي الْمجْلس الثَّالِث وَالْخمسين من كتاب الجليس الصَّالح كَانَ شُعْبَة يُنكر التَّدْلِيس وَيَقُول فِيهِ مَا يتَجَاوَز الْحَد مَعَ كَثْرَة رِوَايَته عَن المدلسين ومشاهدته من كَانَ مدلسا من أَعْلَام أهل الْعلم الْمُحدثين
[ ٢ / ٨٣ ]
كالأعمش وسُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة وهشيم بن بشير وَغَيرهم والمدلس من هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِكَذَّابٍ فِي رِوَايَته وَلَا مَجْرُوح فِي عَدَالَته وَلَا مغموص فِي إِمَامَته وأعلام الْفُقَهَاء يحتجون فِي الدّين بنقله وَكَانَ الشَّافِعِي لَا يرى بِمَا يرويهِ المدلس حجَّة إِلَّا أَن يَقُول فِي رِوَايَته حَدثنَا وَأخْبرنَا أَو سَمِعت (أ ٩٥) فقد وجدنَا لشعبة مَعَ سوء قَوْله فِي التَّدْلِيس تدليسا فِي عدَّة أَحَادِيث رَوَاهَا جَمعنَا ذَلِك فِي مَوضِع هُوَ أولى بِهِ انْتهى كَلَامه
وَلَا يخفى مَا فِيهِ من التحامل وسيتبين أَنه إِنَّمَا كَانَ يروي عَن المدلس إِذا صرح لَهُ بِالتَّحْدِيثِ وَإِلَّا تَركه وَهَذَا غير قَادِح وَأما نسبته إِيَّاه إِلَى التَّدْلِيس فَإِن ثَبت
[ ٢ / ٨٤ ]
فَلَيْسَ هُوَ من التَّدْلِيس المذموم وَسَنذكر فِي آخر الْبَاب فصلا فِي مَقَاصِد الثِّقَات بالتدليس
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع اعْلَم أَن عَامَّة الْمُحدثين من أهل الْحجاز قد صانوا أنفسهم عَن التَّدْلِيس إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ عَن ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ كُوفِي وَقد سكن مَكَّة وَصَارَ إِمَام الدُّنْيَا فِي الحَدِيث وَإِنَّمَا كثر التَّدْلِيس من أهل الْكُوفَة وَجَمَاعَة من أهل الْبَصْرَة وَالشَّام وَقد كَانَ هشيم بن بشير كثير التَّدْلِيس وَهُوَ من أهل وَاسِط (د ٥٩) وَأما أهل بَغْدَاد وَالْجِبَال وَأهل خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر فَلَا يذكر عَن أحد مِنْهُم التَّدْلِيس إِلَّا الشَّيْء الْيَسِير وَقد روى عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بن سعيد
[ ٢ / ٨٥ ]
عَن أَبِيه أَنه قَالَ التَّدْلِيس ذل وَحكى عَبْدَانِ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه ذكر رجلا فِيمَن كَانَ يُدَلس فَقَالَ فِيهِ قولا شَدِيدا وَأنْشد فِيهِ
(دلّس للنَّاس أَحَادِيثه وَالله لَا يقبل تدليسا)
١٧٥ - (قَوْله) ثمَّ اخْتلفُوا فِي قبُول رِوَايَة من عرف بِهَذَا التَّدْلِيس إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا حَاصله حِكَايَة مذهبين أَحدهمَا أَنه يرد حَدِيثه مُطلقًا سوء بَين السماع أم لَا وَأَن التَّدْلِيس جرح قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي الملخص وَهُوَ
[ ٢ / ٨٦ ]
الظَّاهِر عِنْدِي على أصُول مَالك وَالثَّانِي وَصَححهُ التَّفْصِيل فَإِن صرح بالاتصال كَقَوْلِه سَمِعت وَحدثنَا وَأخْبرنَا فَهُوَ مَقْبُول يحْتَج بِهِ وَإِن أَتَى بِلَفْظ مُحْتَمل فَحكمه حكم الْمُرْسل وَهَذَا القَوْل هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي كَمَا قَالَه ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع وَقد تقدم نَقله أَيْضا عَن الشَّافِعِي من كَلَام النهرواني وَسوى بَين حَدثنَا وَأخْبرنَا وَالَّذِي حَكَاهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي الملخص عَن الشَّافِعِي أَنه لَا يقبل من المدلس إِلَّا إِذا صرح بحدثني أَو سَمِعت دون قَوْله عَن أَو أَخْبرنِي وَهُوَ ظَاهر نقل ابْن السَّمْعَانِيّ أَيْضا بل هُوَ ظَاهر نَص الشَّافِعِي فِي الرسَالَة فَإِنَّهُ قَالَ فَقُلْنَا لَا يقبل من مُدَلّس حَدِيثا حَتَّى يَقُول فِيهِ حَدثنِي أَو سَمِعت هَذَا كَلَامه وَهُوَ نَص غَرِيب لم يحكمه الْجُمْهُور وَيخرج مِنْهُ مَذْهَب ثَالِث فِي الْمَسْأَلَة وَذكر بعض الْحَنَفِيَّة من شارحي الْبَزْدَوِيّ
[ ٢ / ٨٧ ]
مذهبا آخر وَهُوَ التّرْك مُطلقًا وَبَين أَنه الْمُصَحح عِنْدهم لِأَن عَدَالَة الرَّاوِي تَقْتَضِي أَنه مَا ترك ذكره إِلَّا لِأَنَّهُ عدل ثِقَة عدهَا على الِاحْتِجَاج بالمرسل وَأَنه يرى تعديله صَرِيحًا لَكِن الثَّانِي هُوَ قَول الْأَكْثَرين من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء وَمِنْهُم عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَغَيرهم قَالَ يَعْقُوب بن شيبَة سَأَلت يحيى بن معِين عَن التَّدْلِيس فكرهه وعابه قلت لَهُ أفيكون المدلس حجَّة فِيمَا روى [أَو] حَتَّى يَقُول حَدثنَا وَأخْبرنَا قَالَ لَا يكون حجَّة فِيمَا دلّس
وَقَالَ يحيى الْقطَّان سَمِعت شُعْبَة يَقُول كنت أَجْلِس إِلَى قَتَادَة فَإِذا سمعته يَقُول سَمِعت فلَانا وَحدثنَا فلَان كتبت وَإِذا قَالَ قَالَ فلَان وَحَدِيث فلَان لم أكتب
[ ٢ / ٨٨ ]
وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة من دلّس عَن غير ثِقَة وَعَمن لم يسمع مِنْهُ فقد جَاوز التَّدْلِيس الَّذِي رخص فِيهِ الْعلمَاء وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَأما المدلسون الَّذين هم ثِقَات عدُول فَإنَّا لَا نحتج بأخبارهم إِلَّا بِمَا بينوا السماع فِيمَا رووا مثل الثَّوْريّ وَالْأَعْمَش وَأبي إِسْحَاق (أ ٩٦) وأضرابهم من الْأَئِمَّة المتقنين وَأهل الْوَرع فِي الدّين لأَنا مَتى قبلنَا خبر مُدَلّس دلّس هَذَا الْخَبَر عَن ضَعِيف اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون المدلس يعلم أَنه مَا دلّس قطّ إِلَّا عَن ثِقَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك قبلت رِوَايَته وَإِن لم يبين السماع وَهَذَا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَحده انْتهى
وَيخرج من هَذَا مَذْهَب رَابِع وَهُوَ التَّفْصِيل بَين أَن يكون من عَادَته فَلَا يقبل حَتَّى يبين وَهَذَا مَذْهَب أبي الْفَتْح الْأَزْدِيّ فَإِنَّهُ قَالَ إِن كَانَ التَّدْلِيس عَن ثِقَة لم يحْتَج أَن يُوقف على شَيْء مِنْهُ وَإِن كَانَ عَن غير ثِقَة لم يقبل حَتَّى يَقُول حَدثنِي أَو سَمِعت فَيقبل تَدْلِيس ابْن عُيَيْنَة ونظرائه لِأَنَّهُ يحِيل على مَلِيء ثِقَة وَلَا يقبل تَدْلِيس الْأَعْمَش لِأَنَّهُ يحِيل على غير مَلِيء انْتهى
وَحكى بَعضهم الِاتِّفَاق على أَن المدلس إِذا لم يُصَرح بِالتَّحْدِيثِ لم يقبل
[ ٢ / ٨٩ ]
وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل عَن الشَّافِعِي وَسَائِر أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ يَعْنِي فِيمَن لَا يقبل الْمُرْسل على أَن بعض من احْتج بالمرسل لَا يقبل عنعنة المدلس وَحكى القَاضِي عبد الْوَهَّاب والخطيب فِي الْكِفَايَة أَن جُمْهُور من احْتج بالمرسل يقبل خبر المدلس
الْأَمر الثَّانِي أَن حَاصِل مَا حَكَاهُ من التَّفْصِيل عَن الْجُمْهُور أَنه لَا يصير مجروحا بذلك وَعَن غَيرهم الْجرْح سَوَاء بَين السماع أم لَا وَفصل ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع فَقَالَ إِن كَانَ إِذا استكشف لم يخبر باسم من يروي عَنهُ فَهَذَا يسْقط الِاحْتِجَاج بحَديثه لِأَن التَّدْلِيس مِنْهُ تزوير وإيهام لما لَا حَقِيقَة لَهُ وَذَلِكَ يُؤثر فِي صدقه وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ المتشبع بِمَا لم يُعْط كلابس ثوبي زور
[ ٢ / ٩٠ ]
وَإِن كَانَ إِذا استكشف عَنهُ أخبر باسمه وأضاف الحَدِيث إِلَى ناقله فَهَذَا لَا يسْقط الحَدِيث وَلَا يُوجب الْقدح فِي الرَّاوِي
قَالَ وَقد كَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يُدَلس فَإِذا سُئِلَ عَمَّن حَدثهُ أخبر باسمه وَلم يَكْتُمهُ وَهَذَا شَيْء مَشْهُور عَنهُ ثمَّ نبه على فَائِدَة جليلة وَهِي أَن الشَّافِعِي كَانَ لَا يروي عَنهُ مَا يدْخلهُ التَّدْلِيس دينا
الثَّالِث أَنه سوى على قَول الْجُمْهُور بَين حَدثنَا وَأخْبرنَا فِي الحكم بالاتصال وَقد علمت أَن مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يقبل فِي أخبرنَا وَلِهَذَا أورد الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ على الْمَذْهَب الْمَشْهُور سؤالا وَهُوَ أَنه يجب أَن لَا يقبل قَول المدلس أخبرنَا فلَان لِأَن ذَلِك يسْتَعْمل فِي السماع وَغَيره فَقَالَ أَخْبرنِي على قصد المناولة وَالْإِجَازَة وَالْمُكَاتبَة وأجابه بِأَن هَذَا لَا يلْزم لِأَن هَذِه اللَّفْظَة ظَاهِرَة السماع وَالْحمل على غير ذَلِك مجَاز وَالْحمل على الظَّاهِر أولى وَمَا
[ ٢ / ٩١ ]
ذكره الْخَطِيب لَا يقوى مَعَ شُبْهَة التَّدْلِيس وَلنَا أَن نلتزم السُّؤَال ونقول لَا يقبل قَوْله أَخْبرنِي كَمَا سبق نَقله عَن الشَّافِعِي لهَذَا الْمَعْنى
١٧٦ - (قَوْله) وَأَن مَا رَوَاهُ المدلس بِلَفْظ مُحْتَمل لم يبين فِيهِ السماع والاتصال فَحكمه حكم الْمُرْسل
يسْتَثْنى من هَذَا مَا إِذا كَانَ المدلس لَا يُدَلس إِلَّا عَن ثِقَة فَإِنَّهُ تقبل رِوَايَته وَإِن لم يبين السماع كسفيان بن عُيَيْنَة
١٧٧ - (قَوْله) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من الْكتب الْمُعْتَمدَة من حَدِيث هَذَا الضَّرْب كثير جدا إِلَى آخِره
هَكَذَا ذكره محتجا [بِهِ] على قبُول رِوَايَة المدلس إِذا صرح بالاتصال وَلَيْسَ هَذَا من مَوضِع النزاع قَالَ النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصره مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ
[ ٢ / ٩٢ ]
وَغَيرهمَا من الْكتب الصَّحِيحَة عَن المدلسين يَعْنِي فَمَحْمُول على ثُبُوت سَمَاعه من جِهَة أُخْرَى
وَكَذَا قَالَ الْحَافِظ الْحلَبِي فِي الْقدح الْمُعَلَّى إِن المعنعنات الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ منزلَة [منزلَة] السماع
وَتوقف فِي ذَلِك من الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ صدر الدّين بن الْوَكِيل وَقَالَ فِي كِتَابه الْإِنْصَاف لعمر الله إِن فِي النَّفس لغصة (د ٦٠) من اسْتثِْنَاء أبي عَمْرو بن الصّلاح
[ ٢ / ٩٣ ]
وَغَيره من الْمُتَأَخِّرين (أ ٩٧) عنعنة المدلسين فِي الصَّحِيحَيْنِ من بَين سَائِر معنعنات المدلسين ورد مقَالَة النَّوَوِيّ وَقَالَ هِيَ دَعْوَى لَا تقبل إِلَّا بِدَلِيل لَا سِيمَا مَعَ أَن كثيرا من الْحفاظ يعللون أَحَادِيث وَقعت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا بتدليس رواتها كَمَا فعلوا فِي حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم فِي نفي قِرَاءَة الْبَسْمَلَة فِي الصَّلَاة وَغَيره قلت قد أَزَال الغصة الشَّيْخ الإِمَام تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد فاشار فِي كَلَام لَهُ إِلَى استشكال حول رِوَايَة المدلس فِي الصَّحِيحَيْنِ ورد رِوَايَته فِي غَيرهمَا قَالَ وَلَا بُد من الثَّبَات على طَريقَة وَاحِدَة إِمَّا الْقبُول أَو الرَّد الْمُمكن هُنَا من الْأَحْوَال الثَّلَاثَة إِمَّا أَن ترد الْأَحَادِيث من المدلس مُطلقًا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَإِمَّا أَن تقبل مُطلقًا تَسْوِيَة بَين الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَإِمَّا أَن يفرق بَين مَا فِي الصَّحِيح من ذَلِك وَمَا خرج عَنهُ فَأَما الأول فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ للاستقرار على ترك التَّعَرُّض لما فِي الصَّحِيحَيْنِ وَإِن خَالف فِي ذَلِك الظَّاهِرِيَّة من المغاربة فَإِنِّي رَأَيْتهمْ
[ ٢ / ٩٤ ]
يجسرون على أَشْيَاء من أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ بِسَبَب كَلَام قيل فِي بعض الروَاة وَلَا يجْعَلُونَ راويها فِي حمى من تَخْرِيج صَاحب الصَّحِيح لَهُم
وَأما الثَّانِي فَفِيهِ خُرُوج عَن الْمَذْهَب الْمَشْهُور فِي أَن رِوَايَة المدلس مَحْكُوم عَلَيْهَا بالانقطاع حَتَّى يتَبَيَّن السماع
وَأما الثَّالِث وَهُوَ التَّفْصِيل بَين مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من ذَلِك وَبَين غَيره فَلَا يظْهر فِيهِ وَجه صَحِيح فِي الْفرق وَغَايَة مَا يُوَجه بِهِ أحد أَمريْن
أَحدهمَا أَن يدعى أَن تِلْكَ الْأَحَادِيث عرف صاحبا الصَّحِيح صِحَة السماع فِيهَا وَهَذَا إِحَالَة على جَهَالَة وَإِثْبَات لِلْأَمْرِ بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال وَحكم على
[ ٢ / ٩٥ ]
صَاحب الصَّحِيح بِأَنَّهُ يرى هَذَا الْمَذْهَب أَعنِي أَن رِوَايَة المدلس مَحْمُولَة على الإنقطاع وَإِلَّا فَيجوز أَن يرى أَنَّهَا مَحْمُولَة على السماع حَتَّى يظْهر الِانْقِطَاع وَإِذا جَازَ وَجَاز فَلَيْسَ لنا الحكم عَلَيْهِ بِأحد الجائزين مَعَ الِاحْتِمَال
وَالثَّانِي أَن يدعى أَن الْإِجْمَاع على صِحَة مَا فِي الْكِتَابَيْنِ دَلِيل على وُقُوع السماع فِي هَذِه الْأَحَادِيث وَإِلَّا لكَانَتْ الْأمة مجمعة على الْخَطَأ وَهُوَ مُمْتَنع وَهَذَا
[ ٢ / ٩٦ ]
يحْتَاج إِلَى إِثْبَات الْإِجْمَاع الَّذِي يمْتَنع أَن يَقع فِي نفس الْأَمر خلاف مُقْتَضَاهُ وَهَذَا فِيهِ عسر وَنحن مَا ادعيناه وَإِنَّمَا ادعينا أَن الظَّن الثَّابِت سَبَب الإطباق على التَّصْحِيح لما فِي الْكِتَابَيْنِ أقوى من الظَّن الْمُقَابل لَهُ وَيلْزم من سلك هَذِه الطَّرِيق أَلا يسْتَدلّ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَة المدلس من غير الصَّحِيح وَلَا يَقُول هَذَا شَرط مُسلم فلنحتج بِهِ لِأَن الْإِجْمَاع الَّذِي يدعى لَيْسَ مَوْجُودا فِيمَا لم يخرج فِي غير الصَّحِيح قَالَ وَالْأَقْرَب فِي هَذَا أَن نطلب الْجَواب من غير هَذَا الطَّرِيق أَعنِي طَرِيق الْقدح بِسَبَب التَّدْلِيس
١٧٨ - (قَوْله) وَقد أجراه الشَّافِعِي فِيمَن عَرفْنَاهُ دلّس مرّة
قلت يُشِير إِلَى أَن الْعَادة فِي التَّدْلِيس يثبت بِمرَّة لِأَنَّهُ نوع جرح وَقد رَأَيْت نَص الشَّافِعِي فِي الرسَالَة بذلك فَقَالَ وَمن عَرفْنَاهُ دلّس مرّة فقد أبان لنا عَوْرَته فِي رِوَايَته وَلَيْسَت تِلْكَ الْعَوْرَة بكذب فَيرد بهَا حَدِيثه وَلَا نصيحة فِي الصدْق فنقبل مِنْهُ مَا قبلناه من أهل النَّصِيحَة والصدق فَقُلْنَا لَا يقبل من مُدَلّس حَدِيثا حَتَّى يَقُول فِيهِ حَدثنِي أَو سَمِعت انْتهى
وَمَعْنَاهُ أَنه إِذا قَالَ المدلس بِلَفْظ مُحْتَمل السماع وَعَدَمه لَا يقبل مِنْهُ حَتَّى يبين
[ ٢ / ٩٧ ]
أَنه سَمعه مِنْهُ أَو سَمعه مِمَّن سَمعه مِنْهُ وَقد حكم الْبَيْهَقِيّ بِعَدَمِ قبُول قَول من دلّس مرّة (أ ٩٨) وَاحِدَة مثل القنان ثمَّ إِذا بَين أَنه سَمعه مِمَّن أسْند الْخَبَر إِلَيْهِ قبل وَإِن لم يبين أَنه سَمعه مِمَّن سَمعه مِنْهُ فقد تَأَكد فِيهِ شَيْء فِيهِ الْخلاف
١٧٩ - (قَوْله) أما الْقسم الثَّانِي فَإِنَّهُ أخف وَفِيه تَضْييع للمروي عَنهُ
أَو للمروي أَيْضا بألا يُثبتهُ فَيصير بعض رُوَاته مَجْهُولا قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي للتدليس مفْسدَة إِذْ يصير الرَّاوِي مَجْهُولا فَيسْقط الْعَمَل بِالْحَدِيثِ بِجَهَالَة الرَّاوِي وَإِن كَانَ عدلا فِي نفس الْأَمر وَهَذِه جِنَايَة عظمى ومفسدة كبرى وَله مصلحَة وَهُوَ امتحان النَّفس فِي اسْتِخْرَاج التدليسات وإلقاء ذَلِك إِلَى من يُرَاد اختبار حفظه ومعرفته بِالرِّجَالِ
ووراء ذَلِك مفْسدَة أُخْرَى يراعيها أَرْبَاب الصّلاح والقلوب وَهُوَ مَا فِي التَّدْلِيس من التزين وَقد تنبه لذَلِك ياقوتة الْعلمَاء الْمعَافى بن عمرَان
[ ٢ / ٩٨ ]
الْموصِلِي وَكَانَ من أكَابِر الْعلمَاء والصلحاء انْتهى
وَلم يُصَرح ابْن الصّلاح بِحكم من عرف بِهَذَا الْقسم وَقَضِيَّة كَلَامه أَنه غير قَادِح وَحَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي اللمع وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأطلق ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع الأول قَالَ وَمِنْه تَغْيِير الْأَسَامِي بالكنى والكنى بالأسامي لِئَلَّا يعرفوا وَقد فعله سُفْيَان الثَّوْريّ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُوجب الْقدح فِي الحَدِيث
وَفصل ابْن الصّباغ فِي الْعدة بَين أَن يفعل ذَلِك لكَون من روى عَنهُ غير ثِقَة غير نَفسه عِنْد النَّاس وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يُغير اسْمه ليقبلوا خَبره فَلَا يقبل خَبره وَإِن كَانَ هُوَ يعْتَقد فِيهِ الثِّقَة فقد غلط فِي ذَلِك لجَوَاز أَن يعرف غَيره من جرحه مَا لَا يعرفهُ هُوَ فَإِن كَانَ لصِغَر سنه فَيكون ذَلِك رِوَايَة عَن مَجْهُول لَا يجب قبُول خَبره حَتَّى يعرف من روى عَنهُ
[ ٢ / ٩٩ ]
وَأطلق ابْن برهَان فِي الْأَوْسَط أَن فَاعل هَذَا الْقسم غير مَجْرُوح إِلَّا أَن يكون الَّذِي ورى باسمه من أهل الْأَهْوَاء وَلكنه عدل عَن اسْمه الْمَشْهُور صونا لَهُ عَن الْقدح فَلَا ترد بذلك رِوَايَته لِأَن من الْعلمَاء من قبل رِوَايَة أهل الْأَهْوَاء وَمِنْهُم من قَالَ يصير مجروحا إِذا استفسر فَلم يُفَسر بِخِلَاف غَيره
١٨٠ - (قَوْله) وتسمح بذلك جمَاعَة من الروَاة المصنفين
تسامحهم بِهَذَا الْقسم مَحْمُول على مَا إِذا لم يكن المكنى عَنهُ هَالكا وَإِلَّا فَلَا يتَسَامَح بِهِ أحد
١٨١ - (قَوْله) مِنْهُم الْخَطِيب أَبُو بكر فقد [كَانَ] لهجا بِهِ فِي تصانيفه
يَعْنِي وَلِهَذَا يَقُول حَدثنَا أَحْمد بن أبي جَعْفَر الْقطيعِي وَمرَّة الرَّوْيَانِيّ وَهُوَ
[ ٢ / ١٠٠ ]
هُوَ وَقَالَ حَدثنَا عَليّ بن أبي عَليّ الْمعدل وَمرَّة الْبَصْرِيّ وَهُوَ هُوَ وَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي الْحسن الساحلي وَمرَّة الشِّيرَازِيّ وَهُوَ هُوَ وَغير ذَلِك
وَاعْلَم أَنه قد فَاتَ المُصَنّف من التَّدْلِيس أَقسَام
[ ٢ / ١٠١ ]
أَحدهَا تَدْلِيس الْإِسْقَاط وَهُوَ أَلا يسْقط شَيْخه لَكِن يسْقط من بعده لكَونه رجلا ضَعِيفا أَو صَغِير السن لتحسين الحَدِيث بإسقاطه ذكره الْخَطِيب قَالَ وَكَانَ الْأَعْمَش وَالثَّوْري وَبَقِيَّة يَفْعَلُونَ هَذَا النَّوْع
[ ٢ / ١٠٢ ]
وَقَالَ الْعَبَّاس الدوري حَدثنَا قبيصَة قَالَ حَدثنَا سُفْيَان يَوْمًا [حَدِيثا] ترك (د ٦١) فِيهِ رجلا فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله فِيهِ رجل قَالَ هَذَا أسهل للطريق وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله سَمِعت أبي - وَذكر الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن بَقِيَّة - فَقَالَ حَدثنِي أَبُو وهب الْأَسدي عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ (أ ٩٩) لَا تحمدوا إِسْلَام امْرِئ حَتَّى تعرفوا عقدَة [رَأْيه] وَأَنه قَالَ أبي هَذَا الحَدِيث لَهُ عِلّة قل من يفهمها روى هَذَا الحَدِيث عبيد الله بن عَمْرو عَن إِسْحَاق بن أبي فَرْوَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَعبيد الله بن عَمْرو كنيته أَبُو وهب وَهُوَ أسدي فجَاء بَقِيَّة فكنى
[ ٢ / ١٠٣ ]
عبيد الله وَنسبه إِلَى بني أَسد لكَي لَا يفْطن لَهُ حَتَّى إِذا ترك إِسْحَاق بن أبي فَرْوَة من الْوسط لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ وَكَانَ بَقِيَّة من أفعل النَّاس لهَذَا وَلَعَلَّ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه حفظ الحَدِيث عَن بَقِيَّة وَلم يتفطن لهَذَا
وَيُقَال إِن مَا رَوَاهُ مَالك بن أنس عَن ثَوْر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس كَانَ ثَوْر يرويهِ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَكَانَ مَالك يكره الرِّوَايَة عَن عِكْرِمَة فأسقط اسْمه من الحَدِيث وأرسله قَالَ الْخَطِيب وَهَذَا لَا يجوز وَإِن احْتج مَالك بالمرسل لِأَنَّهُ قد علم أَن الحَدِيث عَمَّن لَيْسَ بِحجَّة عِنْده
[ ٢ / ١٠٤ ]
وَاعْلَم أَن بَعضهم سمى هَذَا النَّوْع تَدْلِيس التَّسْوِيَة وَمِنْهُم أَبُو الْحسن بن الْقطَّان وتلميذه ابْن الْمواق فَقَالَ فِي بغية النقاد وَصورته عِنْد أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن أَن يعمد الرَّاوِي إِلَى إِسْقَاط راو من بَين شَيْخه وَبَين من رَوَاهُ عَنهُ شَيْخه أَو من بَين شَيْخه وَمن رَوَاهُ عَنهُ شيخ شَيْخه ليقرب بذلك الْإِسْنَاد وَإِنَّمَا يفعل من يَفْعَله مِنْهُم فِي رَاوِيَيْنِ علم التقاؤهما واشتهرت رِوَايَة أَحدهمَا عَن الآخر حَتَّى يصير مَعْلُوم السماع مِنْهُ ثمَّ يتَّفق لَهُ فِي حَدِيث أَن يرويهِ عَن رجل عَنهُ فيعمد ذَلِك المسوي إِلَى ذَلِك الرجل فيسقطه فَيبقى الْإِسْنَاد ظَاهر الِاتِّصَال فيسوي الْإِسْنَاد كُله ثِقَات وَهَذَا شَرّ أَقسَام التَّدْلِيس لِأَن الثِّقَة الأول قد لَا يكون مَعْرُوفا بالتدليس ويجده الْوَاقِف على الْمسند كَذَلِك بعد التَّسْوِيَة قد رَوَاهُ عَن ثِقَة آخر فَيحكم لَهُ بِالصِّحَّةِ
[ ٢ / ١٠٥ ]
وَفِي هَذَا غرور شَدِيد قَالَ ومثاله حَدِيث عَليّ إِذا كَانَ لَك مَا تبادرهم ح ~ جرير سمع من أبي إِسْحَاق وروى عَنهُ الْكثير ثمَّ يروي هَذَا الحَدِيث عَن الْحسن بن عمَارَة عَنهُ فإسقاط الْحسن بن عمَارَة لكَونه ضَعِيفا تَسْوِيَة انْتهى
وَمِمَّنْ اشْتهر بِفعل هَذَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد بن مُسلم أحد رجال مُسلم أما بَقِيَّة فقد سبق مِثَاله وَأما الْوَلِيد بن مُسلم فَقَالَ أَبُو مسْهر كَانَ الْوَلِيد بن مُسلم يحدث بِأَحَادِيث الْأَوْزَاعِيّ عَن الْكَذَّابين ثمَّ يدلسها عَنْهُم
[ ٢ / ١٠٦ ]
وَقَالَ صَالح جزرة سَمِعت الْهَيْثَم بن خَارجه يَقُول قلت للوليد بن مُسلم قد أفسدت حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كَيفَ قلت تروي عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن نَافِع وَعَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ وَعَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن سعيد وَغَيْرك يدْخل بَين الْأَوْزَاعِيّ وَبَين نَافِع عبد الله بن عَامر الْأَسْلَمِيّ وَبَينه وَبَين الزُّهْرِيّ إِبْرَاهِيم بن مرّة وقرة قَالَ أنبل الْأَوْزَاعِيّ أَن يروي عَن مثل هَؤُلَاءِ قلت فَإِذا روى عَن هَؤُلَاءِ وهم ضعفاء أَحَادِيث كَثِيرَة مَنَاكِير فأسقطتهم وصيرتها من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الثِّقَات ضعف الْأَوْزَاعِيّ فَلم يلْتَفت إِلَى قولي
[ ٢ / ١٠٧ ]
وَمِمَّنْ ذكر هَذَا النَّوْع من التَّدْلِيس عَن الْوَلِيد بن مُسلم الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره قَالَ الْحَافِظ أَبُو سعيد العلائي فِي كِتَابه الْمَرَاسِيل وَهَذَا النَّوْع أفحش أَنْوَاع التَّدْلِيس مُطلقًا وَقَالَ ابْن حزم صَحَّ عَن قوم (أ ١٠٠) إِسْقَاط الْمَجْرُوح وَضم الْقوي إِلَى القوى تلبيسا على من يحدث وغرورا لمن يَأْخُذ عَنهُ فَهَذَا مَجْرُوح وفسقه ظَاهر وَخَبره مَرْدُود لِأَنَّهُ سَاقِط الْعَدَالَة وَمن هَذَا النَّوْع الْحسن بن عمَارَة وَشريك بن عبد الله القَاضِي
الْقسم الثَّانِي تَدْلِيس الْبِلَاد كَمَا إِذا قَالَ حَدثنِي فلَان بالعراق يُرِيد موضعا بإخميم
[ ٢ / ١٠٨ ]
أَو بزبيد يُرِيد موضعا بقوص أَو بحلب يُرِيد موضعا بِالْقَاهِرَةِ أَو بالأندلس يُرِيد موضعا بالقرافة فَهَذَا أخف الْأَقْسَام إِلَّا أَنه لَا يَخْلُو عَن كَرَاهَة لإيهامه الْكَذِب والتشبع بِمَا لم يُعْط قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلبيس إِبْلِيس دخل إِلَيْنَا [إِلَى] بَغْدَاد بعض طلبة الحَدِيث فَكَانَ يَأْخُذ الشَّيْخ يقعده فِي الرقة - وَهِي الْبُسْتَان الَّذِي على شاطيء دجلة - فَيقْرَأ عَلَيْهِ وَيَقُول فِي مجموعاته حَدثنِي فلَان بالرقة ويوهم النَّاس أَنَّهَا الْبَلدة الَّتِي بِنَاحِيَة الشَّام لِيَظُنُّوا أَنه قد تَعب فِي الْأَسْفَار لطلب الحَدِيث وَكَانَ يقْعد الشَّيْخ بَين نهر عِيسَى والفرات وَيَقُول حَدثنِي فلَان من وَرَاء النَّهر يُوهم نهر خُرَاسَان فِي طلب الحَدِيث
الثَّالِث جعل ابْن حزم فِي كِتَابه الإحكام من أَقسَام التَّدْلِيس أَن يعمد الْحَافِظ
[ ٢ / ١٠٩ ]
الْعدْل إِلَى حَدِيث فَيحدث بِهِ على سَبِيل المذاكرة أَو الْفتيا أَو المناظرة وَلَا يذكر لَهُ سندا وَرُبمَا اقْتصر على بعض رُوَاته [وَرُبمَا أسْندهُ وَرُبمَا أرْسلهُ] قَالَ فَهَذَا [لَا يضر رَأْيه وَرِوَايَته] شَيْئا وَسَوَاء قَالَ أخبرنَا فلَان أَو عَن وَقد روينَا عَن عبد الرَّزَّاق قَالَ كَانَ معمر يُرْسل لنا أَحَادِيث فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ عبد الله بن الْمُبَارك أسندها لَهُ قَالَ [وَهَذَا النَّوْع فعله جلّ أَصْحَاب الحَدِيث] وأئمة الْمُسلمين كالحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وَعَمْرو بن دِينَار وَالْأَعْمَش وَأبي إِسْحَاق السبيعِي والسفيانين وَأبي الزبير قَالَ وَقد أَدخل الدَّارَقُطْنِيّ فيهم مَالك بن أنس وَلَيْسَ كَذَلِك وَلم يُوجد لَهُ هَذَا إِلَّا فِي قَلِيل من حَدِيثه أرْسلهُ مرّة وأسنده أُخْرَى
الرَّابِع التَّدْلِيس الْخَفي وَلَا يعرفهُ إِلَّا المدقق فِي هَذِه الصِّنَاعَة وَمن أمثلته أَنهم اخْتلفُوا فِي سَماع الْحسن من أبي هُرَيْرَة وَورد فِي بعض الرِّوَايَات عَن الْحسن حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة فَقيل أَرَادَ حدث أهل بلدنا وَهَذَا إِذا لم يقم دَلِيل قَاطع
[ ٢ / ١١٠ ]
على أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة لم يجز أَن يُضَاف إِلَيْهِ وَمِنْه قَول أبي إِسْحَاق لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَة ذكره لَكِن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه فَظَاهره أَن المُرَاد سَمَاعه من عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه لعدوله عَن أبي عُبَيْدَة قيل إِنَّه تَدْلِيس كَمَا لَو قَالَ ابْتِدَاء عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه وَلم يقل قبله لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَة ذكره نبه عَلَيْهِ صَاحب الاقتراح
[ ٢ / ١١١ ]
تَنْبِيه
هَذَا كُله فِي تَدْلِيس الروَاة وَأما تَدْلِيس الْمُتُون فَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه المحدثون المدرج وَهُوَ أَن يدرج فِي كَلَام النَّبِي ﷺ كَلَام غَيره فيظن السَّامع أَن الْجَمِيع من كَلَام النَّبِي ﷺ وَقد ذكره المُصَنّف فِي النَّوْع الْعشْرين وَكَانَ ذكره هُنَا (د ٦٢) أنسب وَمِمَّنْ ذكره هُنَا من الْأُصُولِيِّينَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ وَأَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ وَقَالَ هُوَ مطرح فِي الحَدِيث مَجْرُوح الْعَدَالَة وَهُوَ من تَحْرِيف الْكَلم عَن موَاضعه وَكَانَ مُلْحقًا بالكذابين (أ ١٠١) وَلم يقبل حَدِيثه وَكَذَلِكَ ذكره الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ فِي الْحَاوِي وَالْبَحْر فِي كتاب الْقَضَاء فقسما التَّدْلِيس إِلَى
[ ٢ / ١١٣ ]
مَا يَقع فِي الْإِسْنَاد وَإِلَى مَا يَقع فِي الْمَتْن ثمَّ قَالَا من عرف بتدليس الْمُتُون فَهُوَ مَجْرُوح مطرح
فَائِدَة
تقدم أَن التَّدْلِيس من أهل الْحجاز قَلِيل جدا وَكثير ذَلِك من أهل الْكُوفَة قَالَ أَبُو عمر التَّدْلِيس فِي محدثي أهل الْكُوفَة كثير قَالَ يزِيد بن هَارُون لم أر أحدا من أهل الْكُوفَة إِلَّا وَهُوَ مُدَلّس إِلَّا مسعرا وشريكا وَقَالَ الْحَاكِم أهل الْكُوفَة مِنْهُم من دلّس وَمِنْهُم من لم يُدَلس وَقد دلّس أَكْثَرهم انْتهى
وَقد رَأَيْت أَن أسرد بعض أَسمَاء من نسب إِلَى التَّدْلِيس فَأَقُول مِنْهُم
[ ٢ / ١١٤ ]
أَبُو قلَابَة الْجرْمِي قَالَ صَاحب الْمِيزَان هُوَ من عُلَمَاء التَّابِعين إِلَّا أَن يُدَلس عَمَّن لحقهم وَعَمن لم يلحقهم وَكَانَ لَهُ صحف يحدث مِنْهَا وَيُدَلس مُحَمَّد ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ ابْن جريج
[ ٢ / ١١٥ ]
سُفْيَان الثَّوْريّ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عبد الْملك الْمَعْرُوف بالقبطي الْحسن الْبَصْرِيّ قَتَادَة بن دعامة الْمُبَارك بن فضَالة سُلَيْمَان الْأَعْمَش سُلَيْمَان التَّيْمِيّ هشيم بن بشير مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الباغندي
[ ٢ / ١١٦ ]
إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى وَصفه أَحْمد بالتدليس شريك القَاضِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار قَالَ أَحْمد كَانَ كثير التَّدْلِيس جدا
[ ٢ / ١١٧ ]
مَيْمُون بن مُوسَى الْمرَائِي قَالَ أَحْمد كَانَ يُدَلس ذكره ابْن عدي الْحُسَيْن بن وَاقد الْمروزِي ذكره الخليلي
الْحجَّاج بن أَرْطَاة مَشْهُور بالتدليس عَن الضُّعَفَاء حَفْص بن غياث وَعمر بن عَليّ الْمقدمِي ذكرهمَا أَحْمد فِي رِوَايَة الْأَثْرَم فِي علله وَذكره أَعنِي عمر بن عَليّ - أَبُو دَاوُد فِي سُؤَالَات الْآجُرِيّ لَهُ وَفِي الْكَمَال قَالَ يحيى بن معِين لم أكتب عَن عمر بن عَليّ شَيْئا وَكَانَ يُدَلس وَمَا بِهِ بَأْس حسن الْهَيْئَة قَالَ ابْن سعد كَانَ ثِقَة وَكَانَ يُدَلس تدليسا شَدِيدا يَقُول سَمِعت
[ ٢ / ١١٨ ]
وَحدثنَا ثمَّ يسكت ثمَّ يَقُول هِشَام بن عُرْوَة وَالْأَعْمَش وَقَالَ عَفَّان كَانَ رجلا صَالحا لم يَكُونُوا ينقمون عَلَيْهِ غير التَّدْلِيس وَأما غير ذَلِك فَلَا
أَبُو إِسْحَاق السبيعِي عِكْرِمَة بن عمار يحيى بن أبي كثير حميد الطَّوِيل
[ ٢ / ١١٩ ]
ابْن أبي نجيح أَبُو سعيد الْبَقَّال قَالَه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ الْمدنِي قَالَه عَليّ بن الْمَدِينِيّ حَكَاهُ عَنهُ صَاحب الْكَمَال فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة (شُعْبَة) قَالَه النهرواني وَسبق منازعته فِيهِ (مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الطفَاوِي) سُئِلَ أَحْمد عَنهُ فَقَالَ كَانَ يُدَلس قَالَه البرقاني فِي اللقط
(تليد بن سُلَيْمَان الْكُوفِي) رُوِيَ عَن أَحْمد أَنه قَالَ كَانَ يتشيع
[ ٢ / ١٢٠ ]
وَيُدَلس (يحيى بن أبي حَيَّة) يُدَلس ذكرهمَا أَحْمد بن صَالح الْعجلِيّ وَذكر الثَّانِي ابْن أبي حَاتِم (الْوَلِيد بن مُسلم الدِّمَشْقِي) فِي الْخَامِس من سُؤَالَات أبي دَاوُد (سعيد بن أبي عرُوبَة) مُحَمَّد بن عِيسَى بن الطباع فِي خَامِس سُؤَالَات أبي دَاوُد مُغيرَة بن مقسم الضَّبِّيّ الْكُوفِي فِي أَوَائِل سَابِع تَارِيخ أَحْمد بن عبد الله بن صَالح قَالَ مُحَمَّد بن فُضَيْل كَانَ يُدَلس طَلْحَة بن
[ ٢ / ١٢١ ]
نَافِع أَبُو سُفْيَان ذكره فِي عُلُوم الحَدِيث (يزِيد بن أبي زِيَاد) (شباك) ذكرهمَا الْحَاكِم (سُوَيْد بن سعيد الحدثاني) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي بَاب الاستخباء بِالْحِجَارَةِ فِي الْقلب من سُوَيْد بن سعيد شَيْء من جِهَة التَّدْلِيس
[ ٢ / ١٢٢ ]
أَبُو الزبير مُحَمَّد بن مُسلم الْمَكِّيّ عَليّ بن غراب قَالَ البُخَارِيّ قَالَ أَحْمد عَليّ بن غراب كَانَ يُدَلس وَلَا أرَاهُ إِلَّا صَدُوقًا (زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة) مولى مُحَمَّد (أ ١٠٢) بن الْمُنْتَشِر الْكُوفِي قَالَ أَبُو حَاتِم يُدَلس عَن الشّعبِيّ وَابْن جريج (حبيب بن أبي ثَابت) قَالَ ابْن حبَان كَانَ مدلسا
[ ٢ / ١٢٣ ]
(عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم الإفْرِيقِي) (بَقِيَّة بن الْوَلِيد) (مُحَمَّد بن عجلَان) دلّس عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ الْمُؤمن الْقوي خير من الْمُؤمن الضَّعِيف
[ ٢ / ١٢٤ ]
وَإِنَّمَا سَمعه من ربيعَة بن عُثْمَان عَن الْأَعْرَج ثمَّ إِن عبد الله بن إِدْرِيس رَوَاهُ عَن ربيعَة عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن الْأَعْرَج قَالَه ابْن أبي حَاتِم (مَرْوَان بن مُعَاوِيَة) قَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه سَمِعت يحيى بن معِين يَقُول كَانَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة يُغير الْأَسْمَاء يعمي على النَّاس وَقَالَ مَا رَأَيْت أُحِيل للتدليس مِنْهُ
[ ٢ / ١٢٥ ]
(جَابر الْجعْفِيّ) قَالَ أَبُو نعيم قَالَ سُفْيَان كل مَا قَالَ لَك فِيهِ جَابر سَمِعت أَو حَدثنِي أَو أَخْبرنِي فاشدد بِهِ يَديك وَمَا كَانَ سوى ذَلِك فتوقه أَو نَحْو ذَلِك
(مُوسَى بن عقبَة) وَحَدِيثه عَن الزُّهْرِيّ فِي البُخَارِيّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ
[ ٢ / ١٢٦ ]
يُقَال إِنَّه لم يسمع من الزُّهْرِيّ شَيْئا
(يُونُس بن عبيد) و(الحكم) ذكرهمَا السّلمِيّ فِي سؤالاته
[ ٢ / ١٢٧ ]
للدارقطني (مُحَمَّد بن خازم) قَالَ ابْن طَاهِر فِي رجال الصَّحِيحَيْنِ كَانَ ثِقَة فِي الحَدِيث إِلَّا أَنه كَانَ يُدَلس
(شُعَيْب بن أَيُّوب بن زُرَيْق بن معبد بن شيطا الصريفيني) كَانَ على قَضَاء وَاسِط قَالَ ابْن حبَان كَانَ يُدَلس ويخطيء ذكره ابْن السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب
(عباد بن مَنْصُور أَبُو سَلمَة النَّاجِي الْبَصْرِيّ) قاضيها وَمن خطّ الصريفيني قَالَ مهنا سَأَلت أَحْمد عَن عباد بن مَنْصُور فَقَالَ أَحَادِيثه مُنكرَة وَكَانَ قدريا
[ ٢ / ١٢٨ ]
وَكَانَ يُدَلس
(مُحَمَّد بن صَدَقَة الفدكي) سمع مَالك بن أنس روى عَنهُ إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قَالَ ابْن الْأَثِير فِي الْأَنْسَاب كَانَ مدلسا
(مُحَمَّد بن خازم أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير قَالَ يَعْقُوب بن شيبَة كَانَ من الثِّقَات وَرُبمَا دلّس
[ ٢ / ١٢٩ ]
فصل فِي الْأَسْبَاب الحاملة على التَّدْلِيس من الثِّقَات والضعفاء
وَأما من الثِّقَات فَلهم فِيهَا أغراض لَا تضر فَمِنْهَا الِاخْتِصَار وَكَأن تدليسهم بِمَنْزِلَة روايتهم الْمُرْسل وَلِهَذَا كَانُوا إِذا سئلوا أحالوا على الثِّقَات فَلم يكن ذَلِك قادحا وَفِي تَارِيخ ابْن أبي خَيْثَمَة عَن الْأَعْمَش قَالَ قلت لابراهيم إِذا حَدَّثتنِي عَن عبد الله فأسند لي قَالَ إِذا قلت قَالَ عبد الله فقد سمعته من غير وَاحِد من أَصْحَابه وَإِذا قلت حَدثنِي فلَان فقد حَدثنِي فلَان
وَمِنْهَا أَلا يتْرك الحَدِيث وَأَن يَعْلُو بِذكرِهِ الشَّيْخ دون من دونه لصِحَّة رِوَايَته عَنهُ غير هَذَا وتحققه (د ٦٣) أَن الثِّقَات حدثونا بِهِ عَنهُ
وَمِنْهَا وُقُوع بَينه وَبَين الْمَرْوِيّ عَنهُ فيحمله على إبهامه وَألا يُصَرح باسمه الْمَشْهُور وَلم تحمله ديانته على ترك الحَدِيث عَنهُ كَمَا صنع البُخَارِيّ فِي حَدِيثه عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي لما جرى بَينه وَبَينه فَمرَّة يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد لَا
[ ٢ / ١٣٠ ]
يزِيد وَمرَّة يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد بن خَالِد فنسبه إِلَى جده الْأَعْلَى وَمرَّة يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله فنسبه إِلَى جده الْأَدْنَى وَهَذِه الْأَغْرَاض كلهَا غير قادحة للْعلم بِأَنَّهُم متحققون بِصِحَّة الحَدِيث فِي الْجُمْلَة وعَلى هَذِه الْأَسْبَاب ينزل مَا سبق من التَّدْلِيس من الثِّقَات الْمَذْكُورين
وَأما التَّدْلِيس من الضُّعَفَاء فَلهم [فِيهَا] أغراض وَكلهَا قادحة فَمِنْهَا قوم رووا الحَدِيث عَن ضَعِيف أَو مَجْهُول عَن الشَّيْخ فَسَكَتُوا عَنهُ واقتصروا على ذكر الشَّيْخ إِذْ عرف سماعهم مِنْهُ لغير هَذَا الحَدِيث
وَمِنْهَا قوم رووا الحَدِيث عَن ضعفاء لَهُم أَسمَاء أَو كنى مَشْهُورَة عرفُوا بهَا فَلَو صَرَّحُوا بِأَسْمَائِهِمْ الْمَشْهُورَة وَكُنَاهُمْ الْمَعْلُومَة لم يشْتَغل بِحَدِيثِهِمْ فَأتوا بالإسم الْحَامِل وبالكنية المجهولة ليبهموا الْأَمر وَلِئَلَّا يعرف ذَاك الرَّاوِي وَضَعفه فيزهد فِي حَدِيثهمْ
[ ٢ / ١٣١ ]
وَمِنْهَا قوم رووا عَن ضَعِيف لَهُ كنية يُشَارِكهُ فِيهَا رجل مَقْبُول الحَدِيث وَقد حدث عَنْهُمَا جَمِيعًا فيطلق الحَدِيث بالكنية لِئَلَّا يدْخل (أ ١٠٣) الْإِشْكَال أَو يَقع على السَّامع اللّبْس ويظن أَنه ذَاك الْقوي وَقد يفعل الرُّتْبَة الأولى بعض الثِّقَات كَمَا نسب للأعمش وَنَحْوه
[ ٢ / ١٣٢ ]
النَّوْع الثَّالِث عشر الشاذ
هُوَ لُغَة التفرد يُقَال شَذَّ يشذ ويشذ بِضَم الشين وَكسرهَا
أَي انْفَرد عَن الْجُمْهُور قَالَه فِي الصِّحَاح
١٨٢ - (قَوْله) عَن الشَّافِعِي لَيْسَ الشاذ من الحَدِيث أَن يروي الثِّقَة مَالا يروي غَيره إِنَّمَا الشاذ أَن يروي الثِّقَة حَدِيثا يُخَالف مَا روى النَّاس انْتهى
هَكَذَا نَقله الْعَبَّادِيّ فِي طبقاته عَن الشَّافِعِي وَزَاد عَنهُ تمثيله بِحَدِيث معَاذ
[ ٢ / ١٣٣ ]
ابْن جبل فِي غَزْوَة تَبُوك فِي الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ
يُرِيد مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الطُّفَيْل عَن معَاذ بن جبل - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - أَن النَّبِي ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك إِذا ارتحل ح ~ ثمَّ قَالَ رَوَاهُ ابْن الْمَدِينِيّ عَن أَحْمد عَن قُتَيْبَة وَهُوَ حسن غَرِيب تفرد بِهِ قُتَيْبَة لَا نعلم أحدا رَوَاهُ عَن اللَّيْث غَيره
[ ٢ / ١٣٤ ]
وَقَالَ الْحَاكِم رِوَايَة أَئِمَّة ثِقَات وَهُوَ شَاذ الْإِسْنَاد والمتن ثمَّ قَالَ وَلَيْسَ ليزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الطُّفَيْل رِوَايَة وَلَا وجدنَا هَذَا الْمَتْن بِهَذِهِ السِّيَاقَة عِنْد أحد من أَصْحَاب أبي الطُّفَيْل ثمَّ قَالَ فَنَظَرْنَا فَإِذا الحَدِيث مَوْضُوع وقتيبة ثِقَة مَأْمُون ثمَّ روى بِسَنَدِهِ إِلَى البُخَارِيّ قَالَ قلت لقتيبة مَعَ من كتبت عَن اللَّيْث هَذَا الحَدِيث قَالَ مَعَ خَالِد يَعْنِي ابْن الْقَاسِم الْمَدَائِنِي قَالَ البُخَارِيّ وَكَانَ خَالِد
[ ٢ / ١٣٥ ]
الْمَدَائِنِي يدْخل الْأَحَادِيث على الشُّيُوخ وَقَالَ أَبُو سعيد بن يُونُس لم يحدث بِهِ إِلَّا قُتَيْبَة وَيُقَال إِنَّه غلط وَإِن مَوضِع يزِيد بن أبي حبيب أَبُو الزبير
وروى الْأَثْرَم فِي كتاب النَّاسِخ والمنسوخ من جِهَة مُوسَى بن عَليّ عَن
[ ٢ / ١٣٦ ]
أَبِيه عَن عقبَة بن عَامر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَوْم عَرَفَة وَأَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب وَقَالَ هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ مُوسَى بن عَليّ وَالَّذين رووا هَذَا الحَدِيث لم يذكرُوا عَرَفَة وَقد يهم الْحَافِظ أَحْيَانًا وَالْأَحَادِيث إِذا كثرت كَانَت أثبت من الْوَاحِد الشاذ كَمَا قَالَ إِيَاس بن مُعَاوِيَة إياك والشاذ من
[ ٢ / ١٣٧ ]
الْعلم وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن أدهم إِنَّك إِن حملت الشاذ من الْعلم حملت شرا كثيرا قَالَ وَعِنْدنَا [هُوَ الَّذِي] يَجِيء بِخِلَاف مَا جَاءَ بِهِ غَيره وَلَيْسَ الشاذ الَّذِي يَجِيء وَحده بِشَيْء لم يَجِيء بِهِ أحد قد يُخَالِفهُ غَيره
١٨٣ - (قَوْله) وَحكى الخليلي نَحْو هَذَا عَن الشَّافِعِي
يَعْنِي فَإِنَّهُ قَالَ وَأما الشواذ فَقَالَ الشَّافِعِي وَجَمَاعَة من أهل الْحجاز الشاذ عندنَا مَا يرويهِ الثِّقَات على لفظ وَاحِد وَيَرْوِيه ثِقَة خِلَافه زَائِدا أَو نَاقِصا وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب أَكثر الْمُحدثين على أَن الشاذ أَن يروي مَا لَا يرويهِ سَائِر الثِّقَات سَوَاء خالفهم أم لَا وَمذهب الشَّافِعِي وَطَائِفَة من عُلَمَاء الْحجاز أَن الشاذ مَا يُخَالف الثِّقَات أما مَالا يخالفهم فَلَيْسَ بشاذ بل يحْتَج بِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح انْتهى
[ ٢ / ١٣٨ ]
وَيُؤَيِّدهُ أَن الْمَذْهَب الصَّحِيح قبُول الزِّيَادَة من الثِّقَة والمانعون يشكل عَلَيْهِم الْجمع بَين الْأَمريْنِ
وَجرى الميانشي على طَرِيق الْمُحدثين فَقَالَ الشاذ أَنه يرويهِ راو مَعْرُوف لكنه لَا يُوَافقهُ على رِوَايَته المعروفون
وحاول بَعضهم نفي الْخلاف فِي ذَلِك فَقَالَ لَا يحمل كَلَام الشَّافِعِي على خلاف قَول الْمُحدثين بل كَلَام الشَّافِعِي مَحْمُول على حكم الشاذ الَّذِي لَا يحْتَج بِهِ وَهُوَ الَّذِي انْفَرد بِهِ ثِقَة عَن غَيره مُخَالف لما رَوَاهُ النَّاس وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى يُسمى مُنْكرا فَعلمنَا من هَذَا أَن مُرَاد الشَّافِعِي بَيَان حكم الشاذ الَّذِي لَا يحْتَج بِهِ لَا تَعْرِيف الشاذ من حَيْثُ هُوَ لِأَن الشَّافِعِي أجل من أَن يخفى عَلَيْهِ ذَلِك (أ ١٠٤) بل كَلَام الشَّافِعِي يفهم أَن أهل الحَدِيث يطلقون الشاذ على مَا انْفَرد بِهِ ثِقَة فَحصل
[ ٢ / ١٣٩ ]
أَن الَّذِي انْفَرد بِهِ ثِقَة أَو غير ثِقَة هُوَ الشاذ ثمَّ إِن كَانَ الِانْفِرَاد من الثِّقَة فَهُوَ صَحِيح يحْتَج بِهِ وَإِن كَانَ من غَيره فَلَا وَهَذَا تَقْسِيم لبَعْضهِم الشاذ إِلَى صَحِيح وَغير صَحِيح كَمَا فعلوا فِي الْعِلَل بل قسم بَعضهم الشاذ إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام صَحِيح وَحسن وَضَعِيف لِأَن الْمُنْفَرد إِن كَانَ ثِقَة فَصَحِيح وَإِن كَانَ غير ثِقَة فَحسن وَإِلَّا فضعيف
١٨٤ - (قَوْله) كَحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَإِنَّهُ فَرد إِلَى آخِره
اعْترض عَلَيْهِ الْحَافِظ جمال الدّين الْمزي فَقَالَ فِي التَّمْثِيل نظر لِأَن لَهُ شَاهدا وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَن رَسُول الله ﷺ ابْن مَسْعُود أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح فَخرج عَن أَن يكون شاذا بذلك انْتهى
[ ٢ / ١٤٠ ]
وَذكر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن مَنْدَه فِي الْمُسْتَخْرج أَنه رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ عَليّ بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَأنس وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَعبادَة بن الصَّامِت وَعتبَة بن عبد السّلمِيّ وهزال بن يزِيد (د ٦٤) وَعقبَة بن عَامر وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ وَجَابِر وَعتبَة بن الندر وَعقبَة بن مُسلم وَذكر أَحَادِيثهم إِلَّا أَنه لم يذكر أسانيدها وأكثرها لَا يَصح قَالَ شَيخنَا عماد الدّين بن كثير وَمَا ذكره ابْن مَنْدَه غَرِيب وَقد عرضته على شَيخنَا الْحَافِظ الْمزي فَقَالَ لَا يكَاد يَصح من هَذَا شَيْء
[ ٢ / ١٤١ ]
واستغرب ذَلِك جدا
[ ٢ / ١٤٢ ]
وَأما دَعْوَى المُصَنّف تفرد عَلْقَمَة عَن عمر فَلَيْسَ كَذَلِك فقد رَوَاهُ عَن عمر غير عَلْقَمَة جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة وَعبد الله بن عمر بن الْخطاب وَأَبُو جُحَيْفَة وَذُو الكلاع وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وواصل بن عَمْرو الحذامي وَعَطَاء بن يسَار وناشرة بن سمي وَأَيْضًا لم يتفرد بِهِ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة فقد رَوَاهُ عَنهُ نَافِع مولى ابْن عمر وَابْن
[ ٢ / ١٤٣ ]
الْمسيب [كَذَا ذكره ابْن مَنْدَه فِي الْمُسْتَخْرج مَعَ ذكره ابْن الْمسيب] فِي جملَة من روى عَن عمر لَكِن رِوَايَة ابْن الْمسيب عَن عمر مُنْقَطِعَة وَرِوَايَته عَن عَلْقَمَة مُتَّصِلَة
وَلم ينْفَرد يحيى بن سعيد بروايته ذَلِك عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فقد رَوَاهُ عَن [مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم مُحَمَّد بن عَمْرو
[ ٢ / ١٤٤ ]
وَدَاوُد بن أبي الْفُرَات و] مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَابْن بشار وحجاج بن أَرْطَاة وَعبد ربه بن سعيد هَذَا كُله كَلَام ابْن مَنْدَه لَكِن أَسَانِيد هَذِه لَا تصح فَلهَذَا كَانَ هَذَا الحَدِيث فَردا فِي الصِّحَّة
١٨٥ - (قَوْله) وأوضح من ذَلِك حَدِيث عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الْوَلَاء وهبته تفرد بِهِ عبد الله بن دِينَار
[ ٢ / ١٤٥ ]
قد يُقَال هَذَا فِيهِ نظر فقد رَوَاهُ [عَن ابْن عمر نَافِع] قَالَ أَبُو حَاتِم حَدثنَا قبيصَة بن عقبَة عَن الثَّوْريّ عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيع الْوَلَاء وهبته
[ ٢ / ١٤٦ ]
قَالَ شَيخنَا عماد الدّين ونقلته من خطه هَذَا غَرِيب جدا والْحَدِيث مَشْهُور فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث الثَّوْريّ عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر قَالَ مُسلم النَّاس عِيَال فِي هَذَا الحَدِيث على عبد الله بن دِينَار
قلت وَقَالَ التِّرْمِذِيّ قد روى يحيى بن سليم هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَهُوَ وهم وهم فِيهِ يحيى بن سليم فقد روى عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَعبد الله بن نمير وَغير وَاحِد عَن عبد الله بن دِينَار وَهَذَا أصح من حَدِيث يحيى بن سليم
[ ٢ / ١٤٧ ]
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي الْعِلَل سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ سعيد بن يحيى الْأمَوِي عَن أَبِيه عَن عبيد الله عَن نَافِع وَعبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيع الْوَلَاء وهبته قَالَ أبي نَافِع أَخذ عَن عبد الله بن دِينَار هَذَا الحَدِيث وَلَكِن هَكَذَا قَالَ انْتهى
وَرَوَاهُ أَيْضا عَن ابْن عمر عَمْرو بن دِينَار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْوسط قَالَ ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى ثَنَا أبي عَن أَبِيه عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَمْرو بن
[ ٢ / ١٤٨ ]
دِينَار أَنه سمع ابْن عمر يَقُول نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته
قَالَ الطَّبَرَانِيّ لم يروه عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار إِلَّا يحيى بن حَمْزَة تفرد بِهِ وَلَده عَنهُ
١٨٦ - (قَوْله) وَحَدِيث مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ دخل مَكَّة وعَلى رَأسه المغفر
[ ٢ / ١٤٩ ]
لم ينْفَرد بذلك فقد رَوَاهُ [غَيره] عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس
[ ٢ / ١٥٠ ]
١٨٧ - (قَوْله) وَقد قَالَ مُسلم بن الْحجَّاج
[ ٢ / ١٥١ ]
أَي فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور وَقد روى الزُّهْرِيّ حَدِيث من قَالَ لصَاحبه [تعال] أقامرك فليتصدق لَا يرويهِ أحد غير الزُّهْرِيّ وللزهري [نَحْو] من تسعين حرفا يرويهِ عَن النَّبِي ﷺ لَا يُشَارِكهُ فِيهَا أحد بأسانيد جِيَاد
وَقَالَ الْحَاكِم فِي النَّوْع السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ تفرد الزُّهْرِيّ عَن نَيف وَعشْرين رجلا من التَّابِعين لم يرو عَنْهُم غَيره
١٨٨ - (قَوْله) لَيْسَ الأمرعلى الْإِطْلَاق الَّذِي [أَتَى بِهِ] الخليلي وَالْحَاكِم إِلَى آخِره
فِيهِ نظر لِأَن الخليلي مَا حكم بِشَيْء من جِهَة نَفسه بل ذكر قَول الشَّافِعِي
[ ٢ / ١٥٢ ]
فَقَط
[و] قَوْله إِن مُرَاد الشَّافِعِي حكم الشاذ لَا تَعْرِيفه وَأما الْحَاكِم فقد عرف الشاذ والتعريف لَا يعول عَلَيْهِ إِلَّا من جِهَة الْجمع أَو الْمَنْع
فَيُقَال هَذَا غير جَامع أَو غير مَانع فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّه غير مَانع لدُخُول الحَدِيث الَّذِي انْفَرد بِهِ الْآحَاد مَعَ كَونه ورد فِي الصَّحِيح [فللحاكم أَن يَقُول لَا يعْتَبر فِي وُرُود الحَدِيث الْمُنْفَرد فِي الصَّحِيح] لِأَنَّهُ لم يحكم بِصِحَّتِهِ وَلَا بضعفه بل بشذوذه وَلَا يلْزم من ذَلِك ضعفه لِأَن التفرد رُبمَا ينجبر بِمَا يلْحقهُ بِالصَّحِيحِ أَو الْحسن
[ ٢ / ١٥٣ ]
النَّوْع الرَّابِع عشر معرفَة الْمُنكر من الحَدِيث
قد نوزع فِي إِفْرَاده بِنَوْع وَكَلَامهم يَقْتَضِي أَنه الحَدِيث الَّذِي انْفَرد بِهِ الرَّاوِي مُخَالفا لما رَوَاهُ من هُوَ أولى مِنْهُ بِالْحِفْظِ والإتقان أَو انْفَرد بِهِ من غير مُخَالفَة لما رَوَاهُ أحد لَكِن هَذَا التفرد نَازل عَن دَرَجَة الْحَافِظ الضَّابِط يعرف من ذَلِك أَن الْمُنكر من أَقسَام الشاذ فَلم يحْتَج لإفراده
١٨٩ - (قَوْله) بلغنَا عَن أبي بكر البرديجي أَنه الحَدِيث الَّذِي يتفرد بِهِ الرجل وَلَا يعرف مَتنه من غير رِوَايَته لَا من الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ مِنْهُ وَلَا من وَجه آخر انْتهى
[ ٢ / ١٥٥ ]
هَذَا لَا يظْهر فِيهِ فرق بَينه وَبَين مَا سبق فِي أحد نَوْعي الشاذ وَمن تَأمل كَلَام الأقدمين من أهل الحَدِيث وجدهم إِنَّمَا يطلقون النكارة على الحَدِيث الَّذِي يُخَالف رِوَايَة الْحفاظ المتقنين
قَالَ مُسلم فِي مُقَدّمَة كِتَابه وعلامة الْمُنكر فِي (حَدِيث) إِذا مَا
[ ٢ / ١٥٦ ]
عرضت رِوَايَته على رِوَايَة غَيره من أهل الْحِفْظ والرضى خَالَفت رِوَايَته روايتهم أَو لم تكد توافقها انْتهى
وَكتاب الْحَافِظ أبي أَحْمد بن عدي أصل نَافِع فِي معرفَة الْمُنْكَرَات من الْأَحَادِيث
١٩٠ - (قَوْله) مِثَال الأول وَهُوَ الْمُنْفَرد الْمُخَالف لما رَوَاهُ الثِّقَات رِوَايَة مَالك إِلَى آخِره
[ ٢ / ١٥٧ ]
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا أَن هَذَا لَا يصلح مِثَالا للْحَدِيث الْمُنكر وَلَا للشاذ وَلم يُطلق عَلَيْهِ أحد اسْم وَاحِد مِنْهُمَا والمتن لَيْسَ بمنكر وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب تَصْحِيف اسْم بعض الروَاة وَذَلِكَ لَا يقْدَح فِي الحَدِيث وَهُوَ أَمر خَارج عَنهُ والْحَدِيث فِي نَفسه صَحِيح وَرُوَاته عدُول وثقات وَقد رَوَاهُ جمَاعَة من أَقْرَان مَالك ومشيخته وَإِنَّمَا النكارة والشذوذ وصفان (د ٦٥) لنَفس الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ رَاوِيه وَلم يروه غَيره أَو رَوَاهُ وَلم يُتَابع عَلَيْهِ مَعَ كَون رَاوِيه ثِقَة نعم لَا يبعد أَن يكون هَذَا الْإِسْنَاد مُنْكرا لِأَن الحَدِيث فِي مَتنه نَكَارَة وَقد يتَطَرَّق الْخلَل إِلَى متن الحَدِيث بِثُبُوت الْخلَل فِي إِسْنَاده
[ ٢ / ١٥٩ ]
كَذَا قَالَه صَاحب تدقيق الْعِنَايَة فِي تَحْقِيق الرِّوَايَة
وَقد ذكر ابْن الصّلاح فِي نوع الْعِلَل أَن الْعلَّة الْوَاقِعَة فِي السَّنَد قد تقدح فِي الْمَتْن وَقد لَا تقدح وَمثل لما لَا يقْدَح بِمَا رَوَاهُ يعلى بن عبيد عَن الثَّوْريّ عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ البيعان بِالْخِيَارِ قَالَ فَهَذَا (أ ١٠٦) إِسْنَاد مُعَلل صَحِيح والمتن على كل حَال صَحِيح قَالَ وَالْعلَّة فِي قَوْله عَن عَمْرو بن دِينَار وَإِنَّمَا هُوَ عبد الله بن دِينَار فقد حكم على الْمَتْن بِالصِّحَّةِ مَعَ الحكم بوهم يعلى بن عبيد فِيهِ وَهَذَا مثله وَمَا حَكَاهُ عَن مُسلم قَالَه النَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكَبِير أَيْضا وَقَالَ بعد أَن أخرجه لَا نعلم أحدا من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ تَابع مَالِكًا على ذَلِك وَقد قيل لَهُ فَثَبت عَلَيْهِ وَقَالَ هَذِه دَاره ثمَّ أخرج عَنهُ مُوَافقَة الْجَمَاعَة ثمَّ
[ ٢ / ١٦٠ ]
قَالَ وَالصَّوَاب من حَدِيثه عمر بن عُثْمَان
الثَّانِي قيل إِن مَالِكًا لم ينْفَرد بذلك وَقد تَابعه ابْن جريج كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه لَكِن وجدت فِي أصل صَحِيح فِي بَاب لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر من البُخَارِيّ رِوَايَة ابْن جريج فِيهَا عَمْرو بِإِثْبَات الْوَاو
الثَّالِث الْأَحْسَن فِي تَمْثِيل هَذَا الْقسم مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ
[ ٢ / ١٦١ ]
رَسُول الله ﷺ إِذا صلى أحدكُم رَكْعَتي الْفجْر فليضطجع على يَمِينه
[ ٢ / ١٦٢ ]
قَالَ الْبَيْهَقِيّ خَالف عبد الْوَاحِد الْعدَد الْكثير فِي هَذَا الحَدِيث فَإِن النَّاس إِنَّمَا رَوَوْهُ من فعل النَّبِي ﷺ لَا من أمره وَانْفَرَدَ عبد الْوَاحِد من بَين ثِقَات أَصْحَاب الْأَعْمَش بِهَذَا اللَّفْظ انْتهى
فعبد الْوَاحِد احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ لكنه خَالف النَّاس
وَرَأَيْت من مثل هَذَا الْقسم بِحَدِيث همام بن يحيى عَن ابْن جريج عَن
[ ٢ / ١٦٣ ]
الزُّهْرِيّ عَن أنس قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه رَوَاهُ الْأَرْبَعَة
[ ٢ / ١٦٤ ]
وَقَالَ أَبُو دَاوُد هَذَا حَدِيث مُنكر وَإِنَّمَا يعرف عَن ابْن جريج عَن زِيَاد بن سعد عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ اتخذ خَاتمًا من ورق ثمَّ أَلْقَاهُ قَالَ وَالوهم
[ ٢ / ١٦٥ ]
من همام لم يروه إلاهمام انْتهى
لَكِن قد تَابع هماما جمَاعَة كَمَا بَينته فِي الذَّهَب الإبريز
١٩١ - (قَوْله) وَمِثَال الثَّانِي إِلَى آخِره
هَذَا الحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا وَقد أطلق النَّسَائِيّ عَلَيْهِ اسْم النكارة وَهُوَ يشْهد لما قَالَه ابْن الصّلاح بل بَالغ ابْن الْجَوْزِيّ فَذكره فِي الموضوعات
[ ٢ / ١٦٦ ]
وَمَا ذكره ابْن الصّلاح من تفرد أبي زُكَيْرٍ بِهِ ذكره ابْن عدي فِي الْكَامِل أَيْضا
[ ٢ / ١٦٧ ]
وَقَالَ هَذَا يعرف بِيَحْيَى وَلَا أعلم رَوَاهُ عَن هِشَام غَيره نعم إِطْلَاق المُصَنّف أَن مُسلما أخرج لَهُ لَيْسَ بجيد إِنَّمَا خرج لَهُ فِي المتابعات لَا فِي الْأُصُول
[ ٢ / ١٦٨ ]
النَّوْع الْخَامِس عشر معرفَة الِاعْتِبَار والمتابعات والشواهد
هُوَ ظَاهر فِي النَّظَائِر وَذَلِكَ بِاعْتِبَار الأَصْل وَقد صرح فِيمَا بعد أَنه يجوز تَسْمِيَة الْمُتَابَعَة بِالشَّاهِدِ أَيْضا وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْحَاكِم فِي الْمدْخل أَيْضا
وَحَاصِل كَلَام المُصَنّف فِي التَّمْيِيز بَين هَذِه الْأَنْوَاع أَن الِاعْتِبَار أَن يروي ذَلِك الحَدِيث عَن شيخ الرَّاوِي أَو شيخ شَيْخه وَهَكَذَا إِلَى الصَّحَابِيّ أَو غَيره من الصَّحَابَة وَأَن الْمُتَابَعَة أَن يُوَافق الرَّاوِي راو آخر فِي رِوَايَته عَن ذَلِك الشَّيْخ
[ ٢ / ١٦٩ ]
وَلِهَذَا سمي مُتَابعَة لِأَنَّهَا مفاعلة من الْجَانِبَيْنِ كَأَنَّهُ تبعه فِي هَذِه الرِّوَايَة وَأَن الشَّاهِد لَا تقع الْمُوَافقَة فِي الشَّيْخ وَلَا فِي الرَّاوِي وَإِنَّمَا تقع فِي الْمَتْن بِأَن يروي مَعْنَاهُ من حَدِيث آخر وَهَذَا يَسْتَعْمِلهُ الْحَاكِم كثيرا فِي كتاب الْمُسْتَدْرك
١٩٢ - (قَوْله) ثمَّ اعْلَم أَنه يدْخل فِي بَاب الْمُتَابَعَة والاستشهاد رِوَايَة من لَا يحْتَج بحَديثه وَحده بل يكون معدودا فِي الضُّعَفَاء وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ذكر جمَاعَة من الضُّعَفَاء فِي المتابعات والشواهد
[ ٢ / ١٧٠ ]
فِيهِ أَمْرَانِ
أَحدهمَا ظَاهر تَقْيِيد ذَلِك بالمتابعة والشواهد أَنه لَا يجْرِي فِي الِاعْتِبَار وَأَنه لَا بُد فِيهِ من ثِقَة الرَّاوِي وَيُؤَيِّدهُ قَوْله أَولا فِي تَحْقِيق الِاعْتِبَار فَينْظر هَل روى [ذَلِك] ثِقَة غير أَيُّوب إِلَى آخِره
وَالظَّاهِر أَنه لَا فرق لِأَنَّهُ إِذا تسومح بذلك فِي الشواهد والمتابعات فالاعتبار كَذَلِك
الثَّانِي إِذا كَانَ الْمُقْتَضِي (أ ١٠٧) لقبُول روايتهم عدم الِاسْتِقْلَال بِمَا رَوَوْهُ فَيُقَال مَا الْفَائِدَة حِينَئِذٍ فِي الْمُتَابَعَة أَو الشَّاهِد وَجَوَابه أَن الْمَقْصُود تَكْثِير الطّرق للْحَدِيث وَجمعه فِي مَوضِع وَاحِد ليفسر بعضه بَعْضًا وليعلم أَن ذَلِك الضَّعِيف لم ينْفَرد بِهِ
١٩٣ - (قَوْله) مِثَال المتابع وَالشَّاهِد إِلَى آخِره
هَكَذَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه وَأما قَوْله رَوَاهُ ابْن
[ ٢ / ١٧١ ]
جريج عَن عَمْرو عَن عَطاء وَلم يذكر فِيهِ الدّباغ فيوهم أَن رِوَايَة ابْن جريج مُوَافقَة لرِوَايَة سُفْيَان وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن ابْن جريج زَاد فِي السَّنَد مَيْمُونَة فَجعله من مسندها وسُفْيَان جعله من مُسْند ابْن عَبَّاس فَهَذَا خلاف آخر غير إِسْقَاط الدّباغ وَلم يتَعَرَّض لَهُ المُصَنّف نعم روى إِبْرَاهِيم بن نَافِع الْمَكِّيّ
[ ٢ / ١٧٢ ]
عَن عَمْرو مثل رِوَايَة سُفْيَان سَوَاء فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يذكرهُ
[ ٢ / ١٧٣ ]
النَّوْع السَّادِس عشر معرفَة زيادات الثِّقَات وَحكمهَا
١٩٤ - (قَوْله) وَقد كَانَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي إِلَى آخِره
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم كَانَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي يعرف زيادات الْأَلْفَاظ فِي الْمُتُون وَالْمرَاد بِهِ الْأَلْفَاظ الْفِقْهِيَّة والزيادات الَّتِي يستنبط مِنْهَا الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة كزيادة تربَتهَا فِي حَدِيث التَّيَمُّم وَمن الْمُسلمين فِي حَدِيث الْفطر وَلَيْسَ المُرَاد
[ ٢ / ١٧٤ ]
بِهِ مَا زَاده الْفُقَهَاء فَذَلِك يذكر فِي المدرج
١٩٥ - (قَوْله) وَمذهب الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء وَأَصْحَاب الحَدِيث فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيب أَن الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة مُطلقًا
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا أَن مَا حَكَاهُ عَن الْخَطِيب وَأقرهُ قد اسْتشْكل الشَّيْخ صَلَاح الدّين العلائي حكايته عَن الْمُحدثين وَقَالَ الَّذِي يظْهر من كَلَامهم خُصُوصا الْمُتَقَدِّمين كيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَمن بعدهمَا كأحمد بن حَنْبَل وَعلي بن الْمَدِينِيّ (د ٦٦) وَيحيى بن معِين وَهَذِه الطَّبَقَة وَمن بعدهمْ كالبخاري
[ ٢ / ١٧٥ ]
وَأبي زرْعَة وَأبي حَاتِم الرازيين وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وأمثالهم وَالدَّارَقُطْنِيّ والخليلي - كل هَؤُلَاءِ مُقْتَضى تصرفهم فِي الزِّيَادَة قبولا وردا التَّرْجِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يقوى عِنْد الْوَاحِد مِنْهُم فِي كل حَدِيث وَلَا يحكمون فِي الْمَسْأَلَة بِحكم كلي يعم جَمِيع الْأَحَادِيث وَهَذَا هُوَ الْحق قَالَ وَمِنْهُم من قبل الزِّيَادَة من الثِّقَة مُطلقًا سَوَاء اتَّحد الْمجْلس أَو تعدد كثر الساكتون أَو تساووا فَمن هَؤُلَاءِ ابْن حبَان وَالْحَاكِم فقد أخرجَا فِي كِتَابَيْهِمَا اللَّذين التزما فيهمَا الصِّحَّة كثيرا من الْأَحَادِيث المتضمنة للزِّيَادَة الَّتِي يتفرد بهَا راو وَاحِد وَخَالف فِيهَا الْعدَد والأحفظ من ذَلِك حَدِيث عُثْمَان بن عمر بن فَارس عَن مَالك بن مغول عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ أَي الْعَمَل أفضل قَالَ الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا الحَدِيث فَإِن البُخَارِيّ وَمُسلمًا روياه لوَقْتهَا من
[ ٢ / ١٧٦ ]
حَدِيث جمَاعَة كثيرين عَن مَالك بن مغول وَكلهمْ قَالَ لوَقْتهَا أَو على وَقتهَا وَلم يقل فِيهِ الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا سوى مُحَمَّد بن بشار بنْدَار وَالْحسن ابْن مكرم الْبَزَّاز وهما ثقتان عَن عُثْمَان بن عمر وَقد رَوَاهُ غَيرهمَا عَن عُثْمَان
[ ٢ / ١٧٧ ]
بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة وَأخرجه الْحَاكِم بِهَذِهِ الزِّيَادَة وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا
وَمِنْه حَدِيث الدَّرَاورْدِي عَن صَفْوَان بن سليم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ غسل الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم كَغسْل الْجَنَابَة
أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث مَالك
[ ٢ / ١٧٨ ]
وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَغَيرهمَا عَن صَفْوَان بن سليم بِدُونِ قَوْله كَغسْل الْجَنَابَة وَكَذَلِكَ حَدِيث عَائِشَة فِي اعْتِبَار الْوَلِيّ والشاهدين فِي النِّكَاح أخرجه ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَذكر الشَّاهِد فِيهِ انْفَرد بِهِ عدد يسير (أ ١٠٨) وأمثلة ذَلِك فِي كِتَابَيْهِمَا يطول
قلت وَهُوَ ظَاهر تصرف مُسلم فِي صَحِيحه أَعنِي قبُول الزِّيَادَة من الثِّقَة مُطلقًا وَكَذَا قَول التِّرْمِذِيّ فِي آخر الْجَامِع وَإِنَّمَا تصح الزِّيَادَة إِذا كَانَت مِمَّن يعْتَمد
[ ٢ / ١٧٩ ]
على حفظه مثل زِيَادَة مَالك من الْمُسلمين وَهَذَا يقْدَح فِيمَا نسبه لعامة الْمُحدثين من عدم جريهم على قانون وَاحِد وَكَذَلِكَ ماعزاه الدَّارَقُطْنِيّ - وَسُئِلَ عَن الحَدِيث إِذا اخْتلف فِيهِ الثِّقَات مثل أَن يروي الثَّوْريّ حَدِيثا وَيُخَالِفهُ فِيهِ مَالك وَالطَّرِيق إِلَى كل مِنْهُمَا صَحِيح - قَالَ ينظر مَا اجْتمع عَلَيْهِ ثقتان يحكم بِصِحَّتِهِ أَو جَاءَ بِلَفْظَة زَائِدَة مُثبت تقبل مِنْهُ تِلْكَ الزِّيَادَة وَيحكم للْأَكْثَر مِنْهُم حفظا وثبتا على من هُوَ دونه انْتهى
[ ٢ / ١٨٠ ]
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه - وَقد ذكر رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن أبي عَيَّاش عَن سعد نهى عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ نَسِيئَة - قد خَالفه مَالك وَإِسْمَاعِيل بن أُميَّة وَالضَّحَّاك بن عُثْمَان وَأُسَامَة بن زيد رَوَوْهُ عَن (عبد الله بن يزِيد) وَلم يَقُولُوا نَسِيئَة واجتماع هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة على خلاف مَا رَوَاهُ يحيى يدل على ضبطهم للْحَدِيث وَفِيهِمْ إِمَام حَافظ وَهُوَ مَالك بن أنس
[ ٢ / ١٨١ ]
وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه لسنا ندفع قبُول الزِّيَادَة من الْحفاظ وَلَكنَّا نقُول إِذا تكافأت الروَاة فِي الْحِفْظ والإتقان فَرَوَاهُ حَافظ عَالم بالأخبار قبلت زِيَادَته [لَا أَن] الْأَخْبَار إِذا تواردت بِنَقْل أهل الْعَدَالَة فَزَاد راو لَيْسَ مثلهم فِي الْحِفْظ زِيَادَة أَن تِلْكَ الزِّيَادَة مَقْبُولَة انْتهى
وَقد اخْتَار الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ مَا حَكَاهُ الْخَطِيب وعمدتهم فِيهِ أَن الْوَاحِد لَو انْفَرد بِنَقْل حَدِيث عَن جَمِيع الْحفاظ يقبل فَكَذَلِك إِذا انْفَرد بِزِيَادَة لِأَن الْعدْل لَا يتهم وَقد عول على هَذِه الْحجَّة جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ مِنْهُم الْغَزالِيّ وَمن الْمُحدثين مِنْهُم الْخَطِيب وَهِي مَرْدُودَة بِأَن تفرده بِالْحَدِيثِ من أَصله لَا يتَطَرَّق الْوَهم إِلَى غَيره من الثِّقَات بِخِلَاف تفرده بِالزِّيَادَةِ إِذا خَالف [من خَالف] من هُوَ أولى بِالْحِفْظِ مِنْهُ فَإِن الظَّن مُرَجّح لقَولهم دونه لَا سِيمَا عِنْد اتِّحَاد الْمجْلس
[ ٢ / ١٨٢ ]
الثَّانِي حَاصِل مَا حَكَاهُ المُصَنّف ثَلَاثَة مَذَاهِب
أَحدهَا رد الزِّيَادَة مُطلقًا وَحَكَاهُ ابْن الصّباغ فِي الْعدة عَن قوم من أهل الحَدِيث وَحَكَاهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي الملخص عَن أبي بكر الْأَبْهَرِيّ
وَالثَّانِي قبُولهَا من غَيره وردهَا مِنْهُ
وَالثَّالِث قبُولهَا مُطلقًا وَعَزاهُ لِلْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب عَن مَالك وَسَوَاء كَانَت من شخص وَاحِد بِأَن رَوَاهُ نَاقِصا مرّة وَمرَّة كَامِلا أَو كَانَت الزِّيَادَة من غير تعرض لشَيْء من الشُّرُوط قَالَ وَإِلَيْهِ ذهب كَافَّة الْمُحَقِّقين مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَجرى عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَالْغَزالِيّ
[ ٢ / ١٨٣ ]
وَابْن برهَان وَغَيرهم
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ عِنْدِي فِيمَا إِذا سكت الْبَاقُونَ فَإِن صَرَّحُوا بِنَفْي مَا نَقله هَذَا الرَّاوِي عِنْد إِمْكَان اطلاعهم على نَقله فَهَذَا يوهن قَول قَائِل الزِّيَادَة وَقد سبق فِي الْكَلَام على الْمُرْسل من كَلَام الشَّافِعِي أَن الزِّيَادَة من الثِّقَة لَيست مَقْبُولَة مُطلقًا وَهُوَ أثبت نقل عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة
وَفصل ابْن الصّباغ فِي الْعدة بَين أَن يَتَعَدَّد الْمجْلس فيكونا كالخبرين وَيعْمل بهما وَإِن رويا ذَلِك عَن مجْلِس وَاحِد فَإِن كَانَ الَّذِي نقل الزِّيَادَة وَاحِدًا وَالْبَاقُونَ جمَاعَة لَا يجوز عَلَيْهِم الْوَهم سَقَطت الزِّيَادَة وَإِن كَانَ النَّاقِل للزِّيَادَة عددا كثيرا فَهِيَ مَقْبُولَة وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا وَاحِدًا فالأخذ بِرِوَايَة الضَّابِط مِنْهُمَا وَإِن كَانَا
[ ٢ / ١٨٤ ]
ضابطين ثقتين كَانَ الْأَخْذ بِالزِّيَادَةِ أولى
وَفصل بعض الْمُتَكَلِّمين بَين أَن تكون الزِّيَادَة مُغيرَة للإعراب فيكونا متعارضين وَإِلَّا فالأخذ بِالزِّيَادَةِ
وَفصل قوم مِنْهُم الأبياري فِي شرح الْبُرْهَان بَين أَن يشْتَهر بِنَقْل الزِّيَادَة فِي وقائع فَلَا تقبل لِأَنَّهُ مُتَّهم وَفصل الإِمَام الرَّازِيّ بَين أَن يكون الممسك عَن الزِّيَادَة اضبط من الرَّاوِي لَهَا فَلَا تقبل وَكَذَا إِذا صرح بنفيها وَإِلَّا قبلت
وَقَالَ الْآمِدِيّ إِن اتَّحد الْمجْلس فَإِن كَانَ من لم يروها قد انْتَهوا إِلَى حد لَا يَقْتَضِي فِي الْعَادة غَفلَة مثله عَن سماعهَا وَالَّذِي (أ ١٠٩) رَوَاهَا وَاحِد فَهِيَ مَرْدُودَة وَإِن لم ينْتَهوا إِلَى هَذَا الْحَد فاتفق جمَاعَة الْفُقَهَاء والمتكلمين على قبُول الزِّيَادَة خلافًا لجَماعَة من الْمُحدثين وَلأَحْمَد بن حَنْبَل فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ انْتهى
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن الْحَاجِب والقرافي وَغَيرهمَا قَالَ القَاضِي
[ ٢ / ١٨٥ ]
عبد الْوَهَّاب اخْتلف فِي صفة الزِّيَادَة الْمُغيرَة فَقيل الِاعْتِبَار بِالزِّيَادَةِ اللفظية دون مَا يُفِيد حكما شَرْعِيًّا كَقَوْلِهِم فِي محرم (د ٦٧) وقصت بِهِ نَاقَته فِي أخاقيق جرذان فَإِن ذكر الْموضع لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي
وَقيل بِاعْتِبَار الزِّيَادَة الَّتِي تفِيد معنى شَرْعِيًّا أَيْضا وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى تقبل الزِّيَادَة سَوَاء كَانَت من جِهَة اللَّفْظ أَو الْمَعْنى
[ ٢ / ١٨٦ ]
الثَّالِث أَن مُرَاده بقوله وَخِلَافًا لمن رد الزِّيَادَة مِنْهُ وَقبلهَا من غَيره لَا مَا حَكَاهُ الْخَطِيب عَن فرقة من الشَّافِعِيَّة أَنَّهَا لَا تقبل مِمَّن رَوَاهُ نَاقِصا وَتقبل من غَيره من الثِّقَات وَكَذَلِكَ حَكَاهُ أَبُو نصر الْقشيرِي فَقَالَ وَقيل إِن رَوَاهُ مرّة ثمَّ نَقله أُخْرَى وَزَاد فَلَا تقبل زِيَادَته إِذا سمع مِنْهُ ذَلِك الحَدِيث دون تِلْكَ الزِّيَادَة مرّة فَأَما إِذا أسْند الْعدْل زِيَادَة وَلم ينقلها عَن غَيره فَتقبل مِنْهُ
الرَّابِع أَنه أَشَارَ بقوله وَقد قدمنَا عَنهُ - يَعْنِي عَن الْخَطِيب إِلَى آخِره - إِلَى
[ ٢ / ١٨٧ ]
إِشْكَال على الْخَطِيب حَيْثُ حكى هُنَا عَن الْأَكْثَر قبُولهَا مُطلقًا وَحكى فِيمَا سبق عَن الْأَكْثَر أَن الحكم لمن أرسل الحَدِيث على من وَصله مَعَ أَن وَصله زِيَادَة من الثِّقَة فَهُوَ من فروع هَذِه الْقَاعِدَة وَلِهَذَا قَالَ ابْن الْحَاجِب وَإِذا أسْند الحَدِيث وأرسلوه أَو رَفعه ووقفوه أَو وَصله وقطعوه فَحكمه حكم الزِّيَادَة فِي التَّفْصِيل السَّابِق
وَقد يُجَاب بِالْفرقِ وَهُوَ أَن الْإِرْسَال عِلّة فِي السَّنَد فَكَانَ وجودهَا قادحا فِي الْوَصْل وَلَيْسَت الزِّيَادَة فِي الْمَتْن كَذَلِك وَقد أَشَارَ ابْن الصّلاح إِلَى آخر الْبَاب وَنقل عَن النَّسَائِيّ وَغَيره أَن من أرسل مَعَه زِيَادَة علم على من وصل لِأَن الْغَالِب
[ ٢ / ١٨٨ ]
فِي الْأَلْسِنَة الْوَصْل فَإِذا جَاءَ الْإِرْسَال علم أَن [مَعَ] الْمُرْسل زِيَادَة علم وَرجحه ابْن الْقطَّان وَغَيره وَهُوَ يشكل على قَول المُصَنّف فِيمَا سَيَأْتِي أَن الزِّيَادَة مَعَ من وصل لَكِن الظَّاهِر أَن زِيَادَة الْعلم إِنَّمَا هِيَ مَعَ الَّذِي أسْند لِأَن الْإِرْسَال [بعض] نقص فِي الْحِفْظ لما جبل عَلَيْهِ الْإِنْسَان من النسْيَان
١٩٦ - (قَوْله) فِي تَقْسِيم مَا ينْفَرد بِهِ الثِّقَة
هَذَا التَّقْسِيم لَيْسَ على وَجهه فَإِن الأول وَالثَّانِي لَا مدْخل لَهما فِي زِيَادَة الثِّقَة بِحَسب الِاصْطِلَاح فَإِن الْمَسْأَلَة مترجمة بِأَن يروي الحَدِيث جمَاعَة ويتفرد بَعضهم بِزِيَادَة فِيهِ والقسمان قد فرضهما فِي أصل الحَدِيث لَا فِي الزِّيَادَة فِيهِ وَإِنَّمَا هما قسما الشاذ بِعَيْنِه على مَا ذكره هُنَاكَ فَلَا معنى لتكراره وإدخاله مَسْأَلَة فِي أُخْرَى فَإِن لاحظ أصل التفرد من حَيْثُ هُوَ فَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ وَالْأَحْسَن فِي هَذَا
[ ٢ / ١٨٩ ]
تَقْسِيم ذكره مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه نَاقِلا لَهُ عَن الْمُحَقِّقين وأوضحه القَاضِي فِي شَرحه فَقَالَ اخْتلفُوا فِي الرَّاوِي الثِّقَة إِذا انْفَرد بِزِيَادَة فِي حَدِيث عَن سَائِر رُوَاة شَيْخه وَالصَّوَاب مَا ذهب إِلَيْهِ أهل التَّحْقِيق من الْفَرِيقَيْنِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ مُسلم وَهُوَ أَن الرَّاوِي إِن شَارك الثِّقَات فِي الْحِفْظ وَالرِّوَايَة قبل تفرده وَإِن لم يشاركهم وَلَا وافقهم فِيمَا رَوَوْهُ نظر فِي تفرده فَإِن انْفَرد بِزِيَادَة الْكثير مِمَّا لم يروه عَن أَشْيَاخهم وَلَا عرفه أُولَئِكَ الْمَشَاهِير من حَدِيثهمْ فَلَا يقبل وَترك حَدِيثه لتهمتنا لَهُ وَإِن انْفَرد بِالْحَدِيثِ الْوَاحِد من هَذَا الْفَنّ أَو بِزِيَادَة فِي الحَدِيث فَإِن مثل هَذَا يقبل مِنْهُ لِثِقَتِهِ فَإِن ظهر فِيهَا وهمه لم يقْدَح فِي عَدَالَته احْتمل بِصِحَّة حَدِيثه واستقامة رِوَايَته لغيره وَتحمل زِيَادَته هَذِه الَّتِي لم ير مَا يُبْطِلهَا ويعارضها على أَنه حفظ مَا لم يحفظ غَيره وعَلى هَذَا ألف أَئِمَّة الحَدِيث الْغَرِيب والأفراد من الحَدِيث وعدوه فِي الصَّحِيح هَذَا كُله لم يَجِيء مَا يُعَارضهُ فَإِن حاورت الْجَمَاعَة (أ ١١٠) خِلَافه فالرجوع إِلَى قَول الْجَمَاعَة أولى من التَّرْجِيح لَا من بَاب الْقدح فِي الرِّوَايَة ثمَّ إِطْلَاق المُصَنّف زِيَادَة اللَّفْظَة فِي الْقسم الثَّالِث يَنْبَغِي أَن تحمل على الزِّيَادَة المعنوية كَمَا يَقْتَضِيهِ مِثَاله أما الزِّيَادَة اللفظية فَإِنَّهَا مَقْبُولَة بِلَا تردد كَقَوْلِه رَبنَا لَك الْحَمد وَلَك الْحَمد
[ ٢ / ١٩٠ ]
١٩٧ - (قَوْله) مِثَال مَا رَوَاهُ مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين لايصح التَّمْثِيل بِحَدِيث مَالك لِأَنَّهُ لَيْسَ مُنْفَردا بِهِ بل وَافقه فِي هَذِه الزِّيَادَة عَن نَافِع عمر بن نَافِع وَالضَّحَّاك بن عُثْمَان وَالْأول فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَالثَّانِي فِي صَحِيح مُسلم
قلت وَفِي هَذَا رد لقَوْل التِّرْمِذِيّ فِي علله قد روى بَعضهم عَن نَافِع مثل رِوَايَة مَالك مِمَّن لَا يعْتَمد على حفظه هَذَا لَفظه واقتصار الشَّيْخ محيي الدّين على هذَيْن الرجلَيْن عَجِيب فقد رَوَاهَا عشرَة أنفس غَيرهمَا
أَوَّلهمْ كثير بن فرقد عَن نَافِع أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ
ثانيهم الْمُعَلَّى بن إِسْمَاعِيل
[ ٢ / ١٩١ ]
عَن نَافِع أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه
ثالثهم أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه
رابعهم يُونُس بن يزِيد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه والطَّحَاوِي فِي مشكله
خامسهم عبيد الله بن عمر أخرجه الْحَاكِم أَيْضا وَصَححهُ
سادسهم عبد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع أَيْضا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَنبهَ عَلَيْهِ وعَلى الَّذِي قبله أَبُو دَاوُد
[ ٢ / ١٩٢ ]
سابعهم ابْن أبي ليلى رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا
ثامنهم وتاسعهم وعاشرهم يحيى بن سعيد ومُوسَى بن عقبَة وَأَيوب بن مُوسَى أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه
وَنبهَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه على بعض هَذِه المتابعات فَقَالَ رَوَاهُ سعيد بن عبد الرَّحْمَن الجُمَحِي عَن عبد الله بن عمر وَقَالَ فِيهِ من الْمُسلمين وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالك بن انس وَالضَّحَّاك بن عُثْمَان وَعمر بن نَافِع والمعلى بن إِسْمَاعِيل وَعبد الله
[ ٢ / ١٩٣ ]
الْعمريّ وَكثير بن فرقد وَيُونُس بن يزِيد وروى ابْن شَوْذَب عَن أَيُّوب عَن نَافِع كَذَلِك انْتهى
الثَّانِي مَا حَكَاهُ عَن التِّرْمِذِيّ وَسكت عَلَيْهِ من أَن رِوَايَة عبيد الله وَأَيوب لَيْسَ فِيهَا هَذِه الزِّيَادَة هُوَ الْمَشْهُور لَكِن قد جَاءَت هَذِه الزِّيَادَة من طريقهما أَيْضا كَمَا سببق وَقد أخرج الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من طَرِيقين عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن الجُمَحِي ثَنَا عبيد الله بن عمر عَن نَافِع بِهِ وصححها لَكِن ذكرهمَا أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ثمَّ قَالَ وَالْمَشْهُور عَن عبيد الله لَيْسَ فِيهِ من الْمُسلمين وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من جِهَة الثَّوْريّ عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر وفيهَا على كل مُسلم ثمَّ قَالَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سعيد بن عبد الرَّحْمَن الجُمَحِي عَن عبيد الله وَقَالَ فِيهِ من الْمُسلمين ثمَّ أخرجهَا بعد ذَلِك وَأما ايوب فالمعروف فِيهَا مَا ذكره التِّرْمِذِيّ أَيْضا لَكِن أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من طَرِيق أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَة
[ ٢ / ١٩٤ ]
وَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ من جِهَة أَيُّوب بن مُوسَى أَيْضا
وَالْحَاصِل أَن الْمِثَال يَصح للمتابعة وَالِاعْتِبَار
الثَّالِث لَا معنى لتوقفه فِي حكم هَذَا الْقسم الثَّالِث فَإِنَّهُ مَوضِع مَسْأَلَة زِيَادَة (د ٦٨) الثِّقَة وفيهَا الْخلاف الْمَشْهُور وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِيهَا الصَّحِيح قبُوله
قلت وَهُوَ ظَاهر تصرف مُسلم فِي صَحِيحه وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو سعيد العلائي توقف ابْن الصّلاح فِي قبُول هَذَا الْقسم وَحكى الشَّيْخ محيي الدّين عَنهُ اخْتِيَار الْقبُول فِيهِ وَلَعَلَّه قَالَه فِي مَوضِع غير هَذَا
١٩٨ - (قَوْله) وَمن أَمْثِلَة (أ ١١١) ذَلِك حَدِيث جعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا وَجعلت تربَتهَا لنا طهُورا فَهَذِهِ الزِّيَادَة تفرد بهَا أَبُو مَالك سعد بن طَارق الْأَشْجَعِيّ وَسَائِر الرِّوَايَات لَفظهَا وَجعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا
قلت رِوَايَة أبي مَالك أخرجهَا مُسلم فِي صَحِيحه عَنهُ عَن ربعي عَن حُذَيْفَة
[ ٢ / ١٩٥ ]
فَإِن أَرَادَ المُصَنّف تفرد سعد بن طَارق من جِهَة حُذَيْفَة فَلَيْسَ كَذَلِك فقد روى أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن مُحَمَّد بن عَليّ أَنه سمع عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ جعل التُّرَاب لي طهُورا [وَعبد الله مُخْتَلف فِيهِ فِي تعَارض الْإِرْسَال والوصل أَن الزِّيَادَة مَعَ من وصل غير مُسلم لما سبق قَرِيبا]
[ ٢ / ١٩٦ ]
النَّوْع السَّابِع عشر معرفَة الْأَفْرَاد
ذكر الميانشي أَن الْفَرد مَا انْفَرد بروايته بعض الثِّقَات عَن شَيْخه دون سَائِر الروَاة عَن ذَلِك الشَّيْخ
١٩٩ - (قَوْله) وَأما الثَّانِي فَهُوَ فَرد بِالنِّسْبَةِ إِلَى جِهَة خَاصَّة كتقييد الْفَرد بِجِهَة أَو بلد معِين كمكة وَالْبَصْرَة أَو لكَونه لم يروه من أهل الْبَصْرَة أَو الْكُوفَة مثلا إِلَّا فلَان أَو لم يروه عَن فلَان إِلَّا فلَان
وَفِيه صنف الدَّارَقُطْنِيّ كتاب الْأَفْرَاد ويستعمله الطَّبَرَانِيّ فِي [مُعْجَمه الْأَوْسَط] كثيرا وَيحْتَاج لاتساع الباع فِي الْحِفْظ وَكَثِيرًا مَا يَدعِي الْحَافِظ التفرد بِحَسب علمه ويطلع غَيره على المتابع وَلم يتَعَرَّض المُصَنّف للأمثلة فمثال تَقْيِيد الإنفراد بقوله لم يروه عَن فلَان إِلَّا فلَان حَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن حَمَّاد بن
[ ٢ / ١٩٨ ]
عِيسَى الْجُهَنِيّ عَن حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء لم يحطهما حَتَّى يمسح بهما وَجهه
[ ٢ / ١٩٩ ]
قَالَ التِّرْمِذِيّ غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من جِهَة حَمَّاد بن عِيسَى وَقد تفرد بِهِ انْتهى
وَقَالَ الْبَزَّار فِي مُسْنده هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا رَوَاهُ عَن حَنْظَلَة حَمَّاد بن عِيسَى وَهُوَ لين الحَدِيث وَإِنَّمَا ضعف حَدِيثه بِهَذَا الحَدِيث وَلم نجد بدا من إِخْرَاجه إِذْ كَانَ لَا يرْوى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد أَو من وَجه [آخر] دونه
وَمِثَال تَقْيِيد الِانْفِرَاد بالثقة مَا أخرجه الشَّيْخَانِ عَن عَاصِم الْأَحول قَالَ
[ ٢ / ٢٠٠ ]
سَأَلت أنس بن مَالك عَن الْقُنُوت فِي الصَّلَاة قَالَ نعم قلت قبل الرُّكُوع أَو بعده قَالَ قبله
فعاصم ثِقَة وَقد تفرد عَن سَائِر الروَاة عَن أنس فِي مَوضِع الْقُنُوت قَالَ الْأَثْرَم قلت لِأَحْمَد يَقُول أحد فِي حَدِيث أنس أَن النَّبِي ﷺ قنت قبل الرُّكُوع غير عَاصِم الْأَحول فَقَالَ وَمَا علمت أحدا يَقُوله غَيره
وَمِثَال مَا انْفَرد بِهِ أهل بَلْدَة مَا أخرجه أَبُو دَاوُد عَن جَابر فِي المشجوج إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن يتَيَمَّم ويعصب على جرحه خرقَة ثمَّ يمسح عَلَيْهَا وَيغسل سَائِر جسده
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه قَالَ أَبُو بكر ابْن أبي دَاوُد هَذِه سنة تفرد بهَا أهل مَكَّة وَحملهَا أهل الجزيرة
وَحَدِيث عبد خير قَالَ شهِدت عليا فِي الرحبة يتَوَضَّأ فَتَمَضْمَض ثَلَاثًا ثمَّ
[ ٢ / ٢٠١ ]
غرف غرفَة فَجمع بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق فِي مرّة قَالَ ابْن أبي دَاوُد هَذِه سنة تفرد بهَا أهل الْكُوفَة فِي الْجمع بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بكف وَاحِد حَكَاهُ الْخَطِيب عَنهُ فِي كتاب الْفَصْل
وَقسم الْحَاكِم التفرد ثَلَاثَة أَقسَام (أ ١١٢)
الأول تفرد أهل مَدِينَة عَن صَحَابِيّ
الثَّانِي تفرد رجل وَاحِد عَن إِمَام من الْأَئِمَّة
[ ٢ / ٢٠٢ ]
الثَّالِث تفرد أهل مَدِينَة عَن مَدِينَة أُخْرَى
وَالْأول وَالثَّالِث يدخلَانِ تَحت الْفَرد بِالنِّسْبَةِ إِلَى جِهَة خَاصَّة
فَائِدَة
قَوْلهم هَذَا الحَدِيث لَا نعلم أحدا رَوَاهُ عَن فلَان غير فلَان
سُئِلَ ابْن الْحَاجِب هَل يجوز رفع غير أَو نصبها
فَأجَاب بِجَوَاز الْوَجْهَيْنِ وَأطَال فِي تَقْرِيره
[ ٢ / ٢٠٣ ]
النَّوْع الثَّامِن عشر الْمُعَلل
٢٠٠ - (قَوْله) ويسميه أهل الحَدِيث الْمَعْلُول وَذَلِكَ مِنْهُم وَمن الْفُقَهَاء فِي قَوْلهم فِي بَاب الْقيَاس الْعلَّة والمعلول مرذول عِنْد أهل الْعَرَبيَّة واللغة
قلت قد سبقه إِلَى إِنْكَار هَذَا جمَاعَة مِنْهُم الحريري فَقَالَ الْمَعْلُول لَا يسْتَعْمل إِلَّا مَفْعُولا كَقَوْلِه عله يعله ويعله إِذا سقَاهُ ثَانِيًا
قَالَ وَإِطْلَاق النَّاس لَهُ على الَّذِي أَصَابَته الْعلَّة وهم فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُقَال لذَلِك معل وَقَالَ صَوَابه معتل أَو مُعَلل لِأَنَّهُ من الاعتلال وَالْعرْف فِيهِ أَن
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فعله رباعي نقُول لَا أعلك الله قَالَ الْجَوْهَرِي أَي لَا أَصَابَك بعلة وَهَذَا معنى قَول المُصَنّف مرذول لِأَن الْمَعْرُوف عله بِالشرابِ فَهُوَ مَعْلُول أَي سقَاهُ مرّة بعد أُخْرَى وَأعله فَهُوَ مُعَلل وَلَا يُقَال مَعْلُول قَالَ صَاحب الْمُحكم اسْتعْمل أَبُو إِسْحَاق يَعْنِي الزّجاج لَفظه الْمَعْلُول فِي المتفاعل من الْعرُوض ثمَّ قَالَ والمتكلمون يستعملون لَفْظَة الْمَعْلُول فِي مثل هَذَا كثيرا وَلست مِنْهَا على ثِقَة وَلَا ثلج لِأَن الْمَعْرُوف إِنَّمَا هُوَ أعله الله فَهُوَ مُعَلل اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون على مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من قَوْلهم مَجْنُون ومشلول من أَنَّهُمَا جَاءَا على جننته وشللته وَإِن لم يستعملا فِي الْكَلَام واستغني عَنْهُمَا بأفعلت قَالَ وَإِذا قَالُوا جن وشل فَإِنَّمَا يَقُولُونَ جعل مِنْهُ الْجُنُون والشل كَمَا قَالُوا حرق وَقتل انْتهى
وَالصَّوَاب أَنه يجوز أَن يُقَال عله فَهُوَ مَعْلُول من الْعلَّة والاعتلال إِلَّا أَنه قَلِيل وَمِنْهُم من نَص على أَنه فعل ثلاثي وَهُوَ ابْن الْقُوطِيَّة فِي كتاب الْأَفْعَال
[ ٢ / ٢٠٥ ]
فَقَالَ عل الْإِنْسَان عِلّة مرض وَالشَّيْء أَصَابَته الْعلَّة انْتهى
وَكَذَلِكَ قَالَه قطرب فِي كتاب فعلت وأفعلت وَكَذَلِكَ الليلي وَقَالَ أَحْمد صَاحب الصِّحَاح عل الشَّيْء فَهُوَ مَعْلُول من الْعلَّة وَيشْهد لهَذِهِ الْعلَّة قَوْلهم عليل كَمَا يَقُولُونَ قَتِيل وجريح وَقد سبق نَظِير هَذَا الْبَحْث فِي المعضل وَظهر بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن قَول المُصَنّف مرذول أَجود من قَول النَّوَوِيّ فِي اختصاره لحن لِأَن اللّحن سَاقِط غير مُعْتَبر الْبَتَّةَ بِخِلَاف المرذول
وَأما قَول الْمُحدثين علله فلَان بِكَذَا فَهُوَ غير مَوْجُود فِي اللُّغَة وَإِنَّمَا هُوَ مَشْهُور عِنْدهم بِمَعْنى ألهاه بالشَّيْء وشغله من تَعْلِيل الصَّبِي بِالطَّعَامِ لَكِن (د ٦٩) اسْتِعْمَال الْمُحدثين لَهُ فِي هَذَا الْمَعْنى على سَبِيل الِاسْتِعَارَة
[ ٢ / ٢٠٦ ]
٢٠١ - (قَوْله) معرفَة هَذَا النَّوْع من أجل عُلُوم الحَدِيث إِلَى آخِره
أسْند الْحَاكِم عَن ابْن مهْدي قَالَ لِأَن أعرف عِلّة حَدِيث هُوَ عِنْدِي أحب إِلَيّ أَن أكتب عشْرين حَدِيثا لَيْسَ عِنْدِي
قَالَ الْحَاكِم وَإِنَّمَا يُعلل الحَدِيث من أوجه لَيْسَ للجرح فِيهَا مدْخل فَإِن حَدِيث الْمَجْرُوح سَاقِط واه وَعلة الحَدِيث يكثر فِي أَحَادِيث الثِّقَات أَن يحدثوا بِحَدِيث لَهُ عِلّة فيخفى عَلَيْهِم علته فَيصير الحَدِيث معلولا وَالْحجّة فِي التَّعْلِيل عندنَا الْحِفْظ والفهم والمعرفة لَا غير قَالَ ابْن مهْدي معرفَة الحَدِيث إلهام فَلَو قلت للْعَالم بعلل الحَدِيث من أَيْن قلت هَذَا لم يكن لَهُ حجَّة وَأسْندَ إِلَى أبي زرْعَة سَأَلَهُ رجل مَا الْحجَّة فِي تعليلكم الحَدِيث قَالَ الْحجَّة أَن تَسْأَلنِي عَن حَدِيث لَهُ عِلّة (أ ١١٣) فأذكر علته ثمَّ تقصد ابْن وارة فتسأله وَلَا تخبره فيذكر علته ثمَّ تقصد أَبَا حَاتِم فيعلله ثمَّ تميز كلامنا على ذَلِك الحَدِيث فَإِن اتفقنا فَاعْلَم حَقِيقَة هَذَا الْعلم وَإِن اخْتَلَفْنَا فَاعْلَم أَن كلا يتَكَلَّم على مُرَاده فَفعل الرجل
[ ٢ / ٢٠٧ ]
فاتفقت كلمتهم فَقَالَ أشهد أَن هَذَا الْعلم إلهام
وَقَالَ نعيم بن حَمَّاد لعبد الرَّحْمَن بن مهْدي كَيفَ تعرف صَحِيح الحَدِيث من سقيمه قَالَ كَمَا يعرف الطَّبِيب الْمَجْنُون
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم سَمِعت أبي يَقُول مثل معرفَة الحَدِيث كَمثل فص ثمنه مائَة دِينَار وَآخر مثله على لَونه ثمنه عشرَة دَرَاهِم
٢٠٢ - (قَوْله) مَعَ قَرَائِن تنضم إِلَى ذَلِك تنبه الْعَارِف بِهَذَا الشَّأْن على إرْسَال الْمَوْصُول إِلَى آخِره
ذكر بعض من صنف فِي عُلُوم الحَدِيث أَن الْمُعَلل أَن يروي عَمَّن لم يجْتَمع بِهِ إِمَّا بطرِيق التَّارِيخ كمن تتقدم وَفَاته عَن مِيلَاد من يروي عَنهُ وَإِمَّا بطرِيق الْجِهَة بِأَن يروي الْخُرَاسَانِي عَن المغربي وَلم ينْقل أَن الْخُرَاسَانِي انْتقل من خُرَاسَان وَأَن المغربي انْتقل من الْمغرب
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وَاعْلَم أَن للمحدثين أغراضا فِي صناعتهم احتاطوا فِيهَا لَا يلْزم الْفُقَهَاء اتباعهم على ذَلِك فَمِنْهُ تَعْلِيلهم الحَدِيث الْمَرْفُوع بِأَنَّهُ رُوِيَ تَارَة مَوْقُوفا وَتارَة مُرْسلا وطعنهم فِي الرَّاوِي إِذا انْفَرد بِرَفْع الحَدِيث أَو بِزِيَادَة فِيهِ لمُخَالفَته من هُوَ أحفظ مِنْهُ فَلَا يلْزم ذَلِك فِي كل موطن لِأَن الْمُعْتَبر فِي الرَّاوِي الْعَدَالَة وَأَن يكون عَارِفًا ضابطا متقنا لما يرويهِ نعم إِذا خَالف الرَّاوِي من هُوَ أحفظ وَأعظم
[ ٢ / ٢٠٩ ]
مُخَالفَة معارضه فَلَا يُمكن الْجمع بَينهمَا وَيكون ذَلِك مِنْهُ قدحا فِي رِوَايَته وكقولهم من لم يرو عَنهُ إِلَّا راو وَاحِد فَهُوَ مَجْهُول وَمن عارضت رِوَايَته رِوَايَة الثِّقَات فَهُوَ مُتَّهم كل ذَلِك فِيهِ تَفْصِيل وَإِنَّمَا احتاطوا فِي صناعتهم كَمَا كَانَ بعض الصَّحَابَة يحلف من حَدثهُ أَو يطْلب شَاهدا أَو غَيره وكل ذَلِك غير لَازم فِي قبُول أَخْبَار الْآحَاد لِأَن الأَصْل هِيَ الْعَدَالَة وَالْحِفْظ
وَالْفُقَهَاء لَا يعللون الحَدِيث ويطرحونه إِلَّا إِذا تبين الْجرْح وَعلم الِاتِّفَاق على ترك الرَّاوِي وَمِنْه قَوْلهم مُنْقَطع ومرسل وَهَذَا إِنَّمَا يكون عِلّة إِذا كَانَ الْمُرْسل يحدث عَن الثِّقَات وَغَيرهم وَلَا يكون عِلّة مُعْتَبرَة إِذا كَانَ الْمُرْسل لَا يروي إِلَّا عَن الثِّقَات وَقُلْنَا إِن رِوَايَته عَنهُ تَعْدِيل وعَلى هَذَا درج السّلف فَأَما إِذا عَارضه مُسْند عدل كَانَ أولى مِنْهُ قطعا [و] كَذَلِك قَوْلهم فلَان ضَعِيف وَلَا يثبتون وَجه الضعْف فَهُوَ جرح مُطلق وَفِي قبُوله خلاف
[ ٢ / ٢١٠ ]
نعم رُبمَا يتَوَقَّف الْفُقَهَاء فِي ذَلِك وَإِن لم يتَبَيَّن السَّبَب وَقَالَ ابْن حزم قد علل قوم أَحَادِيث بِأَن رَوَاهَا عَن رجل مرّة وَعَن آخر أُخْرَى وَهَذَا قُوَّة للْحَدِيث وَزِيَادَة فِي دَلَائِل صِحَّته وَمن الْمُمكن أَن يكون سَمعه مِنْهُمَا
٢٠٣ - (قَوْله) ثمَّ مَا يَقع فِي الْإِسْنَاد قد يقْدَح فِي صِحَة الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا كَمَا فِي التَّعْلِيل بِالْإِرْسَال وَالْوَقْف إِلَى آخِره
وَمَا ذكره من توهيم يعلى سبقه إِلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ فِي علله الْكَبِير هَذَا الحَدِيث يرويهِ الثَّوْريّ وَشعْبَة وَاخْتلف عَنْهُمَا فروى ابْن أبي عبد الرَّحْمَن الْمقري عَن أَبِيه عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يعلى بن عبيد عَن الثَّوْريّ عَن عَمْرو بن دِينَار وَكِلَاهُمَا وهم وَالصَّحِيح عَن الثَّوْريّ وَعَن شُعْبَة
[ ٢ / ٢١١ ]
عَن عبد الله بن دِينَار انْتهى
وَيُؤَيِّدهُ (أ ١١٤) قَول يحيى بن معِين فِي رِوَايَة الدَّارمِيّ عَنهُ يعلى بن عبيد ضَعِيف فِي الثَّوْريّ ثِقَة فِي غَيره
٢٠٤ - (قَوْله) وَمِثَال الْعلَّة فِي الْمَتْن إِلَى أَخّرهُ
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا مَا ذكره من تَعْلِيل رِوَايَة مُسلم بِأَنَّهَا رويت بِالْمَعْنَى من قَوْله كَانُوا يستفتحون يُؤَيّدهُ رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ
[ ٢ / ٢١٢ ]
بِلَفْظ لَا يجهرون مَكَان لَا يقرؤون قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ وإسنادها صَحِيح
وَالثَّانِي مَا ذكره من أَن أنسا سُئِلَ عَن الِافْتِتَاح بالبسملة فَذكر أَنه لَا يحفظ فِيهِ شَيْئا عَن رَسُول الله ﷺ هَذَا رَوَاهُ عَنهُ أَحْمد فِي الْمسند وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه
[ ٢ / ٢١٣ ]
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَاده صَحِيح لَكِن ابْن عبد الْبر وهنه بِنَوْع من التَّرْجِيح فَقَالَ من حفظ عَن أنس حجَّة على من سَأَلَهُ فِي حَال نسيانه وَأجَاب عَنهُ الْحَافِظ أَبُو شامة فِي كتاب الْبَسْمَلَة
الثَّالِث أَن هَذَا الحَدِيث يصلح أَن يكون من أَمْثِلَة الْعلَّة فِي الْإِسْنَاد أَيْضا فَإِن فِي إِسْنَاده كِتَابَة لَا [يعلم] من كتبهَا وَلَا من حملهَا وَقَتَادَة ولد أكمه وَذَلِكَ أَن مُسلما رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن مهْرَان ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم ثَنَا الْأَوْزَاعِيّ فَفِيهِ
[ ٢ / ٢١٤ ]
عِلَّتَانِ الْكِتَابَة واشتماله على عنعنة الْوَلِيد وَهُوَ مُدَلّس
٢٠٥ - (قَوْله) وسمى التِّرْمِذِيّ النّسخ عِلّة
لَعَلَّ التِّرْمِذِيّ يُرِيد أَنه عِلّة فِي الْعَمَل بِالْحَدِيثِ لَا أَنه عِلّة فِي صِحَّته لاشتمال الصَّحِيح على أَحَادِيث مَنْسُوخَة وَلَا يَنْبَغِي أَن يجْرِي مثل ذَلِك فِي التَّخْصِيص
[ ٢ / ٢١٥ ]
٢٠٦ - (قَوْله) ثمَّ إِن بَعضهم أطلق اسْم الْعلَّة على مَا لَيْسَ بقادح إِلَى أَخّرهُ
وَهُوَ أَبُو يعلى الخليلي قَالَه فِي كتاب الْإِرْشَاد فِي حَدِيث للمملوك طَعَامه وَشَرَابه
[فوئد]
الأولى من أَمْثِلَة الْعلَّة حَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَصَححهُ من جِهَة ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة من جلس فِي مجْلِس كثر فِيهِ لغطه فَقَالَ قبل أَن يقوم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك إِلَّا غفر لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسه
[ ٢ / ٢١٦ ]
قَالَ الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث هَذَا حَدِيث من تَأمله لم يشك أَنه من شَرط الصَّحِيح وَله عِلّة ثمَّ أسْند إِلَى مُسلم أَنه جَاءَ إِلَى البُخَارِيّ فَقبل [بَين] عَيْنَيْهِ وَقَالَ دَعْنِي حَتَّى أقبل رجليك يَا أستاذ الأستاذين وَسيد الْمُحدثين وطبيب الحَدِيث فِي علله حَدثكُمْ مُحَمَّد بن سَلام ثَنَا مخلد بن يزِيد الْحَرَّانِي ثَنَا ابْن (د ٧٠) جريج عَن مُوسَى بن عقبَة فَذكر الحَدِيث مَا علته قَالَ البُخَارِيّ هَذَا حَدِيث مليح وَلَا أعلم فِي الدُّنْيَا فِي هَذَا الْبَاب غير هَذَا الحَدِيث إِلَّا أَنه مَعْلُول أَنا بِهِ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل
[ ٢ / ٢١٧ ]
أَنا وهيب ثَنَا سُهَيْل عَن عون بن عبد الله قَوْله قَالَ البُخَارِيّ هَذَا أولى فَإِنَّهُ لَا يذكر لمُوسَى بن عقبَة سَماع من سُهَيْل انْتهى
وَهَذِه الْحِكَايَة فِيهَا استنكار وَقد اتهمَ بهَا أَحْمد بن حمدون الْقصار راويها عَن مُسلم قَالَ الْحَاكِم فِي تَارِيخ نيسابور كَانَ أَبُو عَليّ الْحَافِظ يَقُول ثَنَا أَحْمد بن حمدون - إِن حلت الرِّوَايَة عَنهُ وَأنكر عَلَيْهِ أَحَادِيث قَالَ الْحَاكِم أَحَادِيثه كلهَا مُسْتَقِيمَة وَهُوَ مظلوم انْتهى وَوجه النكارة فِيهَا قَوْله لَا أعلم فِي الدُّنْيَا فِي هَذَا الْبَاب غير هَذَا الحَدِيث وَلَيْسَ كَذَلِك فقد جَاءَ من حَدِيث جمَاعَة مِنْهُم أَبُو بَرزَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَمِنْهُم جُبَير بن مطعم وَرَافِع
[ ٢ / ٢١٨ ]
ابْن خديج وَعَائِشَة رَوَاهَا النَّسَائِيّ فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة
وَحَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَصحح إِسْنَاده فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ [استدراكه] فِي كِتَابه الْعُلُوم على البُخَارِيّ
وَمِنْهُم نَافِع بن جُبَير كَمَا ذكره ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب
[ ٢ / ٢١٩ ]
وَمِنْهُم أنس بن مَالك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من جِهَة عُثْمَان بن مطر الشَّيْبَانِيّ عَن ثَابت الْبنانِيّ عَنهُ وَقَالَ تفرد بِهِ عُثْمَان بن مطر
وَقد روى هَذِه الْحِكَايَة أَبُو يعلى الخليلي فِي الْإِرْشَاد فِي تَرْجَمَة البُخَارِيّ من جِهَة أبي حَامِد الأعمشي الْحَافِظ أَيْضا وَلم يذكر فِيهَا قَوْله لَا أعلم فِي الدُّنْيَا
[ ٢ / ٢٢٠ ]
أحسن من هَذَا الحَدِيث - ابْن جريج عَن مُوسَى (أ ١١٥) بن عقبَة عَن سُهَيْل - تعرف بِهَذَا الْإِسْنَاد حَدِيثا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل إِلَّا أَنه مَعْلُول ثَنَا بِهِ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَنا وهيب ثَنَا مُوسَى بن عقبَة عَن عون بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَذكره فَقَالَ مُسلم لايبغضك إِلَّا حَاسِد وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا مثلك
[ ٢ / ٢٢١ ]
الْفَائِدَة الثَّانِيَة إِذا اشْتَمَل الْإِسْنَاد على ضَعِيف ومجهول فَقَالَ ابْن الْقطَّان إعلاله بِالْمَجْهُولِ أولى وَقَالَ صَاحب الْإِنْصَاف إعلاله بالضعيف أولى من إعلاله بِالْمَجْهُولِ لِأَنَّهُ رُبمَا يعرف فيعدل
الثَّالِثَة إِذا اشْتَمَل الْإِسْنَاد على ضعفاء فَذكر الْأَعْلَى أولى من ذكر [من] دونه من الضُّعَفَاء لِأَنَّهُ إِذا اقْتصر على السافل فَرُبمَا يرويهِ ثمَّ عَن ذَلِك الضَّعِيف فَإِذا ذكر الضَّعِيف السافل ارْتَفع ضعف الحَدِيث بِرِوَايَة الْمعدل بِخِلَاف ذكر الضَّعِيف الْأَعْلَى فَإِن الْمدَار حِينَئِذٍ عَلَيْهِ وَهَذَا يسكله عبد الْحق فِي أَحْكَامه كثيرا ويعترض عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان بِأَنَّهُ يقصر الْجِنَايَة على وَاحِد دون غَيره وَالَّذِي سلكه عبد الْحق حسن لما قُلْنَا
[ ٢ / ٢٢٣ ]
النَّوْع التَّاسِع عشر المضطرب
٢٠٧ - (قَوْله) هُوَ الَّذِي يخْتَلف الروَاة فِيهِ فيرويه بَعضهم على وَجه وَبَعْضهمْ على وَجه آخر مُخَالف
قد يخرج مَا لَو حصل الِاضْطِرَاب من راو وَاحِد وَقد يُقَال فِيهِ نبنيه على دُخُوله من بَاب أولى فَإِنَّهُ أولى بِالرَّدِّ من الِاخْتِلَاف بَين رَاوِيَيْنِ وَيَنْبَغِي أَن يُقَال على وَجه يُؤثر ليخرج مَا لَو رُوِيَ الحَدِيث عَن رجل مرّة وَعَن آخر أُخْرَى قَالَ ابْن حزم فَهَذَا قُوَّة للْحَدِيث وَزِيَادَة فِي دَلَائِل صِحَّته كَمَا إِذا روى الْأَعْمَش الحَدِيث عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَيَرْوِيه [غير] الْأَعْمَش عَن [سُهَيْل عَن] أَبِيه عَن أبي سعيد إِذْ من الْمُمكن أَن يكون أَبُو صَالح سمع الحَدِيث من أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد مَعًا فَرَوَاهُ مرّة عَن هَذَا وَمرَّة عَن هَذَا انْتهى
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وَيَجِيء هَذَا فِيمَا لَو رَوَاهُ مرّة مُرْسلا وَمرَّة مُسْندًا وَقد ذكر ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَن خبر عبد الله بن عكيم فِي عدم الِانْتِفَاع بالإهاب مُتَّصِل وَإِن قَوْله فِي رِوَايَة حَدثنَا مشيخة لنا من جُهَيْنَة أَن النَّبِي ﷺ كتب إِلَيْهِم وَقَوله فِي رِوَايَة أُخْرَى قرئَ علينا كتاب رَسُول الله ﷺ يدل على اتِّصَاله فَإِن الصَّحَابِيّ قد يشْهد النَّبِي ﷺ وَيسمع مِنْهُ شَيْئا لم يسمع ذَلِك الشَّيْء من هُوَ أعظم مِنْهُ عَن النَّبِي ﷺ فَمرَّة يخبر عَمَّا شَاهده وَأُخْرَى عَمَّن سمع أَلا ترى أَن ابْن عمر شهد سُؤال جِبْرِيل رَسُول الله ﷺ عَن الْإِيمَان وسَمعه من عمر بن الْخطاب فَمرَّة أخبر بِمَا
[ ٢ / ٢٢٥ ]
شَاهده وَمرَّة روى عَن أَبِيه مَا سمع
٢٠٨ - (قَوْله) وَإِنَّمَا نُسَمِّيه مضطربا إِذا تَسَاوَت الرِّوَايَتَانِ إِلَى آخِره
كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول وَإِنَّمَا يُؤثر الِاضْطِرَاب إِذا تَسَاوَت وَإِلَّا فَلَا شكّ فِي الِاضْطِرَاب عِنْد الِاخْتِلَاف تكافأت الرِّوَايَات أم تفاوتت قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي شرح الْعُمْدَة فِي الْكَلَام على حَدِيث جَابر فِي بيع وَشرط أَشَارَ بَعضهم إِلَى
[ ٢ / ٢٢٦ ]
أَن اخْتِلَاف الرِّوَايَة فِي الحَدِيث مِمَّا يمْنَع الِاحْتِجَاج بِهِ قَالَ وَهَذَا صَحِيح بِشَرْط تكافؤ الرِّوَايَات أَو تقاربها أما إِذا كَانَ التَّرْجِيح وَاقعا لبعضها إِمَّا لِأَن رُوَاته أَكثر أَو أحفظ فَيَنْبَغِي الْعَمَل بهَا إِذْ الأضعف لَا يكون مَانِعا من الْعَمَل بالأقوى والمرجوح لَا يمْنَع التَّمَسُّك بالراجح قَالَ فتمسك بِهَذَا الأَصْل فَإِنَّهُ نَافِع فِي مَوَاضِع عديدة مِنْهَا أَن الْمُحدثين يعللون الحَدِيث بِالِاضْطِرَابِ ويجمعون الرِّوَايَات العديدة فَيقوم فِي الذِّهْن مِنْهَا صُورَة توجب التَّضْعِيف وَالْوَاجِب أَن ينظر إِلَى تِلْكَ الطّرق فَمَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيفا أسقط عَن دَرَجَة الِاعْتِبَار وَلم يَجْعَل مَانِعا من التَّمَسُّك بِالصَّحِيحِ الْأَقْوَى
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وَقَالَ ابْن حزم فِي كتاب الْإِعْرَاب إِذا اخْتلفت الْأَلْفَاظ من طرق الثِّقَات أَخذ بجميعها مَا أمكن ذَلِك فَأن تعذر عَلَيْهِ أَخذ بِالزَّائِدِ فِي حكمه قَالَ وَكم من خبر شَدِيد الِاضْطِرَاب قَالَ بِهِ الْعلمَاء كالخبر فِي إِيجَاب الزَّكَاة فِي عشْرين دِينَارا فَصَاعِدا (أ ١١٦) وَهُوَ خبر شَدِيد الِاضْطِرَاب فَمرَّة رُوِيَ عَن أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث وَعَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ عَن النَّبِي ﷺ وَمرَّة رُوِيَ عَن أبي إِسْحَاق أَنه
[ ٢ / ٢٢٨ ]
قَالَ أَحْسبهُ عَن النَّبِي ﷺ
وَمِنْهَا خبر كَعْب بن عجْرَة فِي حلق رَأسه [وَهُوَ محرم] وَهُوَ شَدِيد
[ ٢ / ٢٢٩ ]
الِاضْطِرَاب إِسْنَادًا ولفظا
وَمِنْهَا خبر ابْن عَبَّاس فِي تَحْرِيم كل ذِي مخلب من الطير فَإِنَّهُ رُوِيَ
[ ٢ / ٢٣٠ ]
عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَرَوَاهُ عَليّ بن الحكم عَن مَيْمُون بن مهْرَان فَأدْخل فِيهِ بَين مَيْمُون وَبَين ابْن عَبَّاس سعيد بن جُبَير
وَمِنْهَا خبر رَافع فِي كِرَاء الأَرْض
[ ٢ / ٢٣١ ]
وَمِنْهَا خبر تَحْرِيم الْمُتْعَة فَمَا نعلم خَبرا أَشد اضطرابا مِنْهُ مرّة حرمت فِي
[ ٢ / ٢٣٢ ]
خَيْبَر وَمرَّة فِي حنين وَمرَّة فِي الْفَتْح وَمرَّة أَن عمر حرمهَا
وَمِنْهَا الْغسْل عَن الإكسال
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وَخبر النَّهْي عَن صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق
قَالَ وَإِنَّمَا وَقع فِي هَذَا قوم من أَئِمَّة الحَدِيث إِمَّا غَلطا فيجتنب وَإِمَّا على سَبِيل المذاكرة لَا على رد السّنة
وَالْحق الَّذِي لَا يجوز مُخَالفَته أَن مَا رَوَاهُ الثِّقَة (د ٧١) بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِل يجب الْأَخْذ بِهِ وَلَا يرد بِأَنَّهُ قد اخْتلف فِيهِ رُوَاته وَلَا بِأَنَّهُ قد رَوَاهُ قوم ضعفاء وَلَا بِأَنَّهُ قد أرْسلهُ رُوَاته وَلَا بِأَن واقفه أَكثر
[ ٢ / ٢٣٤ ]
٢٠٩ - (قَوْله) وَمن أمثلته
أَي من أَمْثِلَة الِاضْطِرَاب فِي الْإِسْنَاد الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَرِوَايَة بشر بن الْمفضل أخرجهَا أَبُو دَاوُد وَأما رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ عَن
[ ٢ / ٢٣٥ ]
إِسْمَاعِيل عَن أبي عَمْرو بن حُرَيْث عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة فَلم أَجِدهُ هَكَذَا بل أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث عمار بن خَالِد ثَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن أبي عَمْرو بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حُرَيْث عَن جده حُرَيْث ابْن سليم عَن أبي هُرَيْرَة فَصرحَ بِأَن الرِّوَايَة عَن جده حُرَيْث وَأَن بَين مُحَمَّد وحريث عمرا وأخرجها أَبُو دَاوُد من جِهَة عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل عَن [أبي] مُحَمَّد بن عَمْرو بن حُرَيْث عَن جده حُرَيْث - رجل من بني عذرة - عَن أبي هُرَيْرَة فَالظَّاهِر أَنه اخْتلف فِيهِ على ابْن عُيَيْنَة وَهَذَا اضْطِرَاب آخر لم يذكرهُ ابْن الصّلاح إِلَّا أَنه أَشَارَ إِلَيْهِ
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وَأما رِوَايَة حميد بن الْأسود فَلم أَجدهَا هَكَذَا فَإِن ابْن مَاجَه رَوَاهَا عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ثمَّ حول إِلَى طَريقَة ابْن عُيَيْنَة السَّابِقَة فَلَعَلَّهُ مِمَّا اخْتلف فِيهِ على حميد
وَاعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث صَححهُ أَحْمد وَابْن حبَان وَابْن الْمُنْذر وَغَيرهم وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ لَا بَأْس بِهِ فِي مثل هَذَا الحكم إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَأَنَّهُم رَأَوْا أَن هَذَا الِاضْطِرَاب لَيْسَ قادحا
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وَلم يمثل ابْن الصّلاح للاضطراب فِي الْمَتْن وَسبق مِنْهُ جملَة عَن كتاب الْإِعْرَاب وَمِنْه أَيْضا حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس قَالَت سَأَلت أَو سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الزَّكَاة فَقَالَ إِن فِي المَال لَحقا سوى الزَّكَاة
فَهَذَا حَدِيث قد اضْطربَ فِي لَفظه وَمَعْنَاهُ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ هَكَذَا من رِوَايَة
[ ٢ / ٢٣٨ ]
شريك عَن أبي حَمْزَة عَن الشّعبِيّ عَن فَاطِمَة وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ لَيْسَ فِي المَال حق سوى الزَّكَاة فَهَذَا اضْطِرَاب لَا يحْتَمل التَّأْوِيل وَقَول الْبَيْهَقِيّ إِنَّه لَا يحفظ لهَذَا اللَّفْظ إِسْنَادًا قد بَينا أَن ابْن مَاجَه رَوَاهُ
[ ٢ / ٢٣٩ ]
النَّوْع الْعشْرُونَ المدرج
حَقه أَن يَقُول تَمام الْعشْرين أَو نَحوه فَإِن الْعشْرين اسْم للمجموع وَلَيْسَ هُوَ المُرَاد هُنَا وَإِنَّمَا المُرَاد وَاحِد مِنْهَا وَهُوَ مكملها وَقد وَقع التَّعْبِير بالتكميل فِي كَلَام الشَّافِعِي فِي الْأُم وَقد رَجَعَ المُصَنّف إِلَى الصَّوَاب فِيمَا سَيَأْتِي إِذْ قَالَ النَّوْع الموفي ثَلَاثِينَ
٢١٠ - (قَوْله) [فِي تَعْرِيفه] أَن يذكر الصَّحَابِيّ أَو من بعده عقب مَا يرويهِ إِلَى آخِره
هَكَذَا قَيده بالعقب وَلَا شكّ أَن المدرج قد يكون فِي أول الحَدِيث أَو وَسطه وَقد ذكر الْخَطِيب فِي كتاب المدرج (أ ١١٧) كثيرا من أمثلته كَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَسْبغُوا الْوضُوء ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار وكحديث بسرة
[ ٢ / ٢٤١ ]
من مس ذكره أَو أنثييه أَو رفغه فَليَتَوَضَّأ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ كَذَا رَوَاهُ
[ ٢ / ٢٤٢ ]
عبد الحميد عَن هِشَام وَوهم فِي ذكر الْأُنْثَيَيْنِ والرفغ وَالْمَحْفُوظ أَنه من قَول عُرْوَة نعم ضعف الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الاقتراح الطَّرِيق إِلَى الحكم بالإدراج إِذا وَقع فِي الْوسط فَقَالَ وَمِمَّا يضعف أَن يكون مدرجا فِي أثْنَاء لفظ الرَّسُول لَا سِيمَا إِن كَانَ مقدما على اللَّفْظ الْمَرْوِيّ أَو مَعْطُوفًا عَلَيْهِ بواو الْعَطف كَمَا لَو قَالَ من مس أنثييه وَذكره فَليَتَوَضَّأ بِتَقْدِيم لفظ الْأُنْثَيَيْنِ على الذّكر فها هُنَا يضعف الإدراج لما فِيهِ من اتِّصَال هَذِه اللَّفْظَة بالعامل الَّذِي هُوَ من لفظ الرَّسُول ﷺ انْتهى
[ ٢ / ٢٤٣ ]
قيل وَهَذَا ذكره مِثَالا وَإِلَّا فَلم يرد تَقْدِيم الْأُنْثَيَيْنِ وَهَذَا عَجِيب فقد ذكر رِوَايَة تَقْدِيمهَا على الذّكر فِي كِتَابه الإِمَام من جِهَة الطَّبَرَانِيّ وَقَالَ هُنَاكَ إِنَّمَا يكون الإدراج بِلَفْظ تَابع يُمكن استقلاله عَن اللَّفْظ السَّابِق فيدرجه الرَّاوِي وَلَا يفصل
٢١١ - (قَوْله) وَمن أمثلته مَا روينَاهُ فِي التَّشَهُّد إِلَى آخر الحَدِيث
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمَا ذكره من الإدراج ذكره الْأَئِمَّة مِنْهُم أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنَيْهِمَا
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وَابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة وَنَقله عَن الْحفاظ والخطيب فِي كِتَابه المدرج وَغَيرهم وَنقل النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة الِاتِّفَاق عَلَيْهِ وَأما قَول الْخطابِيّ فِي المعالم اخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ من قَول النَّبِي ﷺ أَو من قَول ابْن مَسْعُود وَمرَاده اخْتِلَاف الروَاة فِي وَصله وفصله لَا اخْتِلَاف الْحفاظ فَإِنَّهُم متفقون على أَنَّهَا مدرجة على أَنه قد اخْتلف على زُهَيْر فِيهِ فَرَوَاهُ
[ ٢ / ٢٤٥ ]
المقرىء وَأَبُو النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم ومُوسَى بن دَاوُد الضَّبِّيّ [وَيحيى بن يحيى النَّيْسَابُورِي وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ] وَيحيى بن أبي بكير الْكرْمَانِي وَغَيرهم هَكَذَا مدرجا وَرَوَاهُ شَبابَة بن سوار عَنهُ ففصله كَمَا سبق
[ ٢ / ٢٤٦ ]
٢١٢ - (قَوْله) الْقسم الثَّانِي مِثَاله حَدِيث ابْن عُيَيْنَة إِلَى آخِره
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زَائِدَة وَشريك فرقهما وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة كلهم عَن عَاصِم قَالَ مُوسَى بن هَارُون الْحمال وَذَلِكَ عندنَا وهم وَإِنَّمَا أدرج عَلَيْهِ وَهُوَ من رِوَايَة عَاصِم عَن عبد الْجَبَّار بن وَائِل عَن بعض أَهله عَن وَائِل هَكَذَا رَوَاهُ مُبينًا زُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَأَبُو بدر شُجَاع بن الْوَلِيد
[ ٢ / ٢٤٧ ]
فميزا قصَّة تَحْرِيك الْأَيْدِي من تَحت الثِّيَاب وفصلاها من الحَدِيث وذكرا إسنادهما كَمَا ذكرنَا قَالَ مُوسَى بن هَارُون الْحمال وَهَذِه رِوَايَة مضبوطة اتّفق عَلَيْهِ زُهَيْر وشجاع بن الْوَلِيد وهما أثبت لَهُ رِوَايَة مِمَّن روى رفع الْأَيْدِي من تَحت الثِّيَاب عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن وَائِل
٢١٣ - (قَوْله) فِي الثَّالِث إِلَى آخِره
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ من طَرِيق مَالك
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وَلَيْسَ فِي الأول وَلَا تنافسوا وَهِي فِي الحَدِيث الثَّانِي قَالَ الْخَطِيب وَقد وهم فِيهَا ابْن أبي مَرْيَم على مَالك عَن ابْن شهَاب وَإِنَّمَا يَرْوِيهَا مَالك فِي حَدِيثه عَن أبي الزِّنَاد
٢١٤ - (قَوْله) فِي الرَّابِع أَن يروي عَن جمَاعَة بَينهم اخْتِلَاف فِي إِسْنَاده إِلَى آخِره
مَا ذكره من رِوَايَة ابْن مهْدي وَابْن كثير عَن سُفْيَان بِلَا إدراج يَقْتَضِي أَن
[ ٢ / ٢٤٩ ]
غَيرهمَا رُوِيَ عَنهُ خلاف ذَلِك وَهُوَ كَذَلِك فقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله يشبه أَن يكون الثَّوْريّ جمع بَين الثَّلَاثَة لِابْنِ مهْدي وَابْن كثير (أ ١١٨) فَجعل اثْنَيْنِ مِنْهُم وَاحِدًا وَلم يذكر بَينهم خلافًا وَحمل حَدِيث وَاصل على حَدِيث الْأَعْمَش وَمَنْصُور وَقد فصل الثَّوْريّ ليحيى بن سعيد فحدثه عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل وحدثه عَن وَاصل عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالتَّفْصِيل هُوَ الصَّوَاب لِأَن (د ٧٢) شُعْبَة ومهدي بن مَيْمُون روياه عَن وَاصل عَن أبي وَائِل عَن عبد الله كَمَا رَوَاهُ يحيى عَن الثَّوْريّ انْتهى
وَاعْلَم أَنه اخْتلف على ابْن مهْدي أَيْضا فَرَوَاهُ مُحَمَّد بن بشار عَن ابْن مهْدي
[ ٢ / ٢٥٠ ]
عَن سُفْيَان عَن وَاصل عَن أبي وَائِل عَن ابْن شُرَحْبِيل وَهَذَا يقْدَح فِي الْمِثَال إِلَّا أَن يُقَال لَعَلَّه لما روى سُفْيَان والعبدي الحَدِيث عَن الثَّلَاثَة جمعا روى ابْن مهْدي حَدِيث وَاصل على انْفِرَاده وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيّ إِلَى أَن الْأَعْمَش أَيْضا قد اخْتلف عَلَيْهِ فروى أَبُو شهَاب وَأَبُو مُعَاوِيَة وشيبان الحَدِيث عَن الْأَعْمَش كَمَا تقدم
٢١٥ - (قَوْله) وَاعْلَم أَنه لَا يجوز تعمد شَيْء من الإدراج الْمَذْكُور فِي هَذَا النَّوْع
فِيهِ أَمْرَانِ
أَحدهمَا لم يبين حكم فَاعل ذَلِك وَقد سبق فِي التَّدْلِيس أَن الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ وَابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع قَالُوا إِن فَاعله مَجْرُوح سَاقِط الْعَدَالَة وَهُوَ مِمَّن يحرف الْكَلم عَن موَاضعه وَكَانَ مُلْحقًا بالكذابين
[ ٢ / ٢٥١ ]
الثَّانِي لم يتَكَلَّم على تفَاوت هَذِه الْمَرَاتِب وأقواها فِي الْمَنْع الأول لخلطه الْمَرْفُوع بالموقوف ونسبته إِلَى النَّبِي ﷺ مَا لم يقلهُ وأخفها الْأَخير لرجوع الْخلاف إِلَى الْإِسْنَاد خَاصَّة لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْكل ثِقَات
[ ٢ / ٢٥٢ ]
النَّوْع الْحَادِي وَالْعشْرُونَ معرفَة الْمَوْضُوع
٢١٦ - (قَوْله) هُوَ شَرّ الْأَحَادِيث الضعيفة
فِيهِ أَمْرَانِ
أَحدهمَا هَذِه الْعبارَة سبقه إِلَيْهَا الْخطابِيّ وَقد استنكرت مِنْهُ فَإِن الْمَوْضُوع لَا يعد فِي الْأَحَادِيث للْقطع بِكَوْنِهِ غير حَدِيث وأفعل التَّفْضِيل إِنَّمَا يُضَاف لبعضه وَهَذَا الْإِشْكَال يرد أَيْضا على إِفْرَاد المُصَنّف لَهُ بِنَوْع فَإِنَّهُ إِذا لم يكن حَدِيثا فَكيف يعد من أَنْوَاع الحَدِيث وَيُمكن أَن يُقَال إِنَّهُم أَرَادوا بِالْحَدِيثِ الْقدر الْمُشْتَرك وَهُوَ مَا يحدث بِهِ
وَمن حكمه أَنه لَا تحل رِوَايَته إِلَّا لقصد بَيَان حَال رَاوِيه لقَوْله ﷺ من حدث عني بِحَدِيث وَهُوَ يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين رَوَاهُ مُسلم وَهُوَ أول
[ ٢ / ٢٥٣ ]
حَدِيث فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عقبه سَأَلت أَبَا مُحَمَّد يَعْنِي السَّمرقَنْدِي قلت لَهُ من روى حَدِيثا وَهُوَ يعلم أَن إِسْنَاده خطأ أيخاف أَن يكون قد دخل فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَو إِذا روى حَدِيثا مُرْسلا فأسنده بَعضهم أَو قلب إِسْنَاده يكون قد دخل فِي هَذَا الحَدِيث فَقَالَ إِنَّمَا معنى هَذَا الحَدِيث إِذا روى الرجل حَدِيثا وَلَا يعرف لذَلِك الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ أصل فَحدث فَأَخَاف أَن يكون قد دخل فِي هَذَا الحَدِيث
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الثَّانِي مَا ذكره هُنَا فِيهِ إِيهَام مُخَالفَة لقَوْله فِي قسم الضَّعِيف إِن مَا عدم فِيهِ جَمِيع صِفَات الحَدِيث الصَّحِيح وَالْحسن هُوَ الْقسم الْأُخَر الأرذل وَالصَّوَاب مَا ذكره هُنَا وَيحمل مَا ذكره ثمَّ على أَنه أَرَادَ مَا لم يكن مَوْضُوعا إِلَّا أَن يُرِيد بذلك كَون رَاوِيه كذابا وَمَعَ ذَلِك لَا يلْزم من وجود كَذَّاب فِي السَّنَد أَن يكون الحَدِيث مَوْضُوعا إِذْ مُطلق كذب الرَّاوِي لَا يَقْتَضِي وضع الحَدِيث
٢١٧ - (قَوْله) [وَإِنَّمَا يعرف كَون الحَدِيث] مَوْضُوعا بِإِقْرَار وَاضعه يَعْنِي كَحَدِيث نوح بن أبي مَرْيَم فِي فَضَائِل (أ ١١٩) الْقُرْآن [انْتهى]
فِيهِ أَمْرَانِ
[ ٢ / ٢٥٥ ]
أَحدهمَا اعْتَرَضَهُ الإِمَام أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي وَقَالَ قَول وَاضعه يَعْنِي كَحَدِيث نوح بن أبي مَرْيَم لَيْسَ بقاطع بِوَضْعِهِ لجَوَاز كذبه فِيمَا أقرّ بِهِ يَعْنِي إِمَّا للتنفير عَن ذَلِك الحَدِيث الْمَرْوِيّ أَو لنَوْع آخر فَيحصل لغيره الرِّيبَة وَالشَّكّ فِيهِ وَجَوَابه إِن كَانَ الحَدِيث لَا يعرف إِلَّا من طَرِيق ذَلِك الشَّخْص كَانَ إِقْرَاره بذلك مسْقطًا لروايته وَقد حكم الشَّرْع على الْمقر بِمُقْتَضى إِقْرَاره وَإِن كَانَ يحْتَمل أَن يكون فِي نفس الْأَمر خِلَافه فَلَا نظر إِلَى ذَلِك
الثَّانِي اقْتضى أَنه لَا يثبت بِالْبَيِّنَةِ وَهَذَا كَمَا قَالَ الْفُقَهَاء إِن شَهَادَة الزُّور تثبت بِالْإِقْرَارِ دون الْبَيِّنَة فَيجوز أَن تشرك الرِّوَايَة الشَّهَادَة فِي هَذَا الحكم أَيْضا (إِذا رفعت الرِّوَايَة) للْحَاكِم وَلَكِن ظَاهر تصرف الْمُحدثين خِلَافه
[ ٢ / ٢٥٦ ]
٢١٨ - (قَوْله) أَو نَازل منزلَة إِقْرَاره
أَي مِثَاله قيل لزائدة لم تركت حَدِيث الْكَلْبِيّ قَالَ مرض الْكَلْبِيّ فَكنت أختلف إِلَيْهِ فَسَمعته يَقُول مَرضت فنسيت مَا كنت أحفظه فَأتيت آل مُحَمَّد فتفلوا فِي فِي فَحفِظت كل مَا نسيت فَقلت لله عَليّ لَا أروي عَنْك شَيْئا أبدا
٢١٩ - (قَوْله) أَو من قرينَة حَال الرَّاوِي
أَي كمن لم يرو عَمَّن لم يُدْرِكهُ قَالَ الْخَطِيب هَذَا مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على
[ ٢ / ٢٥٧ ]
كذب الرَّاوِي كَمَا جَاءَ عَن عمر بن مُوسَى قَالَ ثَنَا شيخكم الصَّالح وَأكْثر من ذَلِك فَقيل لَهُ من هُوَ قَالَ خَالِد بن معدان فَقيل لَهُ فِي أَي سنة لَقيته قَالَ سنة ثَمَان وَمِائَة فِي غزَاة أرمينية فَقيل لَهُ اتَّقِ الله يَا شيخ وَلَا تكذب مَاتَ خَالِد سنة أَربع وَمِائَة وَلم يغز أرمينية قطّ
وكغياث بن إِبْرَاهِيم لما زَاد لأجل الْمهْدي ذكر الْجنَاح فِي حَدِيث لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر فتقرب إِلَيْهِ بذلك فَلَمَّا قَامَ عَنهُ قَالَ أشهد أَن قفاك
[ ٢ / ٢٥٨ ]
قفا كَذَّاب رَوَاهُ ابْن أبي خَيْثَمَة وَنسبه الْقُرْطُبِيّ فِي أَوَائِل تَفْسِيره إِلَى أبي البخْترِي القَاضِي وَذكر أَبُو حَيَّان التوحيدي فِي البصائر عَن القَاضِي
[ ٢ / ٢٥٩ ]
أبي حَامِد المروروذي أَن رجلا أَتَى بَاب الْمهْدي وَمَعَهُ نَعْلَانِ فَقَالَ هما نعلا رَسُول الله ﷺ فَعرفهُ الْمهْدي فَأدْخلهُ وَقَبله وَوَصله فَلَمَّا خرج قَالَ الْمهْدي وَالله مَا هما بنعلي رَسُول الله ﷺ وَمن أَيْن صارتا لَهُ أبميراث أم بشرَاء أم بِهِبَة لَكِن كرهت أَن يُقَال أهدي إِلَيْهِ نعلا رَسُول الله ﷺ فَلم يقبلهَا واستخف بحكمهما
٢٢٠ - (قَوْله) أَو بِقَرِينَة فِي الْمَرْوِيّ فقد وضعت أَحَادِيث يشْهد بوضعها
[ ٢ / ٢٦٠ ]
ركاكة ألفاظها ومعانيها
قلت يشْهد لَهُ مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن أبي يعلى ثَنَا أَبُو خَيْثَمَة ثَنَا أَبُو عَامر الْعَقدي ثَنَا سُلَيْمَان بن بِلَال عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن عبد الْملك بن سعيد بن سُوَيْد عَن أبي حميد وَأبي أسيد
[ ٢ / ٢٦١ ]
أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا سَمِعْتُمْ الحَدِيث تعرفه قُلُوبكُمْ وتلين لَهُ أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وترون أَنه قريب مِنْكُم فَأَنا أولاكم بِهِ وَإِذا سَمِعْتُمْ الحَدِيث تقشعر لَهُ جلودكم وتنفر لَهُ قُلُوبكُمْ واشعاركم وترون أَنه مِنْكُم بعيد فَأَنا أبعدكم مِنْهُ
وَترْجم عَلَيْهِ ذكر الْأَخْبَار عَمَّا يسْتَحبّ لكم من كَثْرَة سَماع الْعلم ثمَّ الافتقار وَالتَّسْلِيم
وروى شيخ الْإِسْلَام الْهَرَوِيّ فِي كتاب ذمّ الْكَلَام من جِهَة الدَّارمِيّ ثَنَا الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي
[ ٢ / ٢٦٢ ]
ثَنَا يحيى بن آدم ثَنَا ابْن أبي ذِئْب عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا حدثتم حَدِيثا عني تعرفونه وَلَا تُنْكِرُونَهُ فصدقوا بِهِ قلته أَو لم أَقَله فَإِنِّي لَا أَقُول إِلَّا مَا يعرف وَلَا يُنكر وَإِذا حدثتم عني حَدِيثا تُنْكِرُونَهُ وَلَا تعرفونه فكذبوا بِهِ فَإِنِّي لَا أَقُول مَا يُنكر وَأَقُول مَا يعرف
قَالَ شيخ الْإِسْلَام لَا أعرف عِلّة هَذَا الْخَبَر (د ٧٣) فَإِن رُوَاته كلهم ثِقَات والإسناد مُتَّصِل وَمِمَّنْ صَححهُ عبد الْحق فِي أَحْكَامه والقرطبي فِي أول الْمُفْهم وَأما القَاضِي عِيَاض فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ حَدِيث ضَعِيف ضعفه الْأصيلِيّ وَغَيره من الْأَئِمَّة
(أ ١٢٠) وتأوله الطَّحَاوِيّ إِن صَحَّ على أَن مَا جَاءَ عَنهُ ﷺ مُوَافقا لكتاب الله ﷿
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وَمَا عرف من سنته غير مُخَالف لشريعته وَلَا يتَحَقَّق أَنه قَالَه فليصدق بِمَعْنَاهُ لَا بِلَفْظِهِ إِذْ قد صَحَّ من أصُول الشَّرِيعَة أَنه قَالَ يُغير هَذَا اللَّفْظ وَلَا يكذب بِهِ إِذْ يحْتَمل أَنه قَالَه ﷺ
وَأعلم أَنه قد اسْتعْمل أَئِمَّة الحَدِيث هَذِه الطَّرِيقَة وَلَهُم فِي معرفَة ذَلِك ملكة يعْرفُونَ بهَا الْمَوْضُوع وَشَاهده أَن إنْسَانا لَو خدم ملكا سنينا وَعرف مَا يحب وَمَا يكره فجَاء إِنْسَان ادّعى أَنه كَانَ يكره شَيْئا يعلم ذَلِك أَنه يُحِبهُ فبمجرد سَمَاعه
[ ٢ / ٢٦٤ ]
يُبَادر إِلَى تَكْذِيب من قَالَ إِنَّه يكرههُ لَكِن فِي كَون ذَلِك من دَلَائِل الْوَضع نظر وَكَذَا قَول بَعضهم كَون الْمَرْوِيّ مِمَّا يخل بالفصاحة فَإنَّا إِذا جَوَّزنَا رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ بِلَفْظِهِ الفصيح وَلم يحفظه الرَّاوِي وَهَذَا السُّؤَال ذكره الإِمَام أَبُو الْعِزّ المقترح جد الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد لأمه ثمَّ قَالَ نعم إِن صرح أَن هَذَا صِيغَة الْمُصْطَفى وَكَانَت تخل بالفصاحة ردَّتْ رِوَايَته وَتبين وهمه انْتهى
وَهنا أُمُور مهمة
مِنْهَا قد كثر مِنْهُم الحكم على الحَدِيث بِالْوَضْعِ استنادا إِلَى أَن رَاوِيه عرف بِالْوَضْعِ فيحكمون على جَمِيع مَا يرويهِ هَذَا الرَّاوِي بِالْوَضْعِ وَهَذِه الطَّرِيقَة استعملها ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الموضوعات وَهِي غير صَحِيحَة لِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَونه مَعْرُوفا بِالْوَضْعِ أَن يكون جَمِيع مَا يرويهِ مَوْضُوعا لَكِن الصَّوَاب فِي هَذَا أَنه لَا يحْتَج بِمَا يرويهِ لضَعْفه وَيجوز أَن يكون مَوْضُوعا لَا أَنه مَوْضُوع لَا محَالة وَقد قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج النهرواني فِي الْمجْلس الْمِائَة من كتاب الجليس الصَّالح زعم جمَاعَة من أهل صناعَة الحَدِيث وَكثير مِمَّن لَا نظر لَهُ فِي الْعلم فَظن أَن مَا
[ ٢ / ٢٦٥ ]
ضعف رَاوِيه فَهُوَ بَاطِل فِي نَفسه ومقطوع على إِنْكَاره من أَصله وَهَذَا جهل مِمَّن ذهب إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن رَاوِيا مَعْرُوفا بِالْكَذِبِ فِي رواياته لَو روى خَبرا انْفَرد بِهِ مِمَّا يُمكن أَن يكون حَقًا أَو يكون بَاطِلا لوَجَبَ التَّوَقُّف على الحكم بِصِحَّتِهِ وَالْعَمَل بِمَا تضمنه وَلم يجز الْقطع على تَكْذِيب رِوَايَته وَالْحكم بتكذيب مَا رَوَاهُ انْتهى
وَفِي كتاب أدب الحَدِيث لعبد الْغَنِيّ بن سعيد من سمع عني حَدِيثا فكذبه فقد كذب ثَلَاثَة الله وَرَسُوله والناقل لَهُ
وَمِنْهَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو سعيد العلائي الحكم على الحَدِيث بِكَوْنِهِ مَوْضُوعا من الْمُتَأَخِّرين عسر جدا لِأَن ذَلِك لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بعد جمع الطّرق وَكَثْرَة التفتيش وَأَنه لَيْسَ لهَذَا الْمَتْن سوى هَذَا الطَّرِيق الْوَاحِد ثمَّ يكون فِي رواتها من هُوَ مُتَّهم بِالْكَذِبِ إِلَى مَا يَنْضَم إِلَى ذَلِك من قَرَائِن كَثِيرَة تَقْتَضِي لِلْحَافِظِ المتبحر بِأَن هَذَا الحَدِيث كذب وَلِهَذَا انتقد الْعلمَاء على أبي الْفرج فِي كِتَابه الموضوعات وتوسعه
[ ٢ / ٢٦٦ ]
بالحكم بذلك على كثير من أَحَادِيث لَيست بِهَذِهِ المثابة وَيَجِيء بعده من لَا يَد لَهُ فِي علم الحَدِيث فيقلده فِيمَا حكم بِهِ من الْوَضع وَفِي هَذَا من الضَّرَر الْعَظِيم مَالا يخفى وَهَذَا بِخِلَاف الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين الَّذين منحهم الله تَعَالَى التبحر فِي علم الحَدِيث والتوسع فِي حفظه كشعبة وَالْقطَّان وَابْن مهْدي وَنَحْوهم وأصحابهم مثل أَحْمد وَابْن الْمَدِينِيّ وَابْن معِين وَابْن رَاهَوَيْه وَطَائِفَة ثمَّ أَصْحَابهم مثل البُخَارِيّ وَمُسلم وَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَهَكَذَا إِلَى زمن الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَلم يَجِيء بعدهمْ مسَاوٍ لَهُم وَلَا مقارب فَمَتَى وجد فِي كَلَام أحد من الْمُتَقَدِّمين الحكم بِوَضْع شَيْء كَانَ مُتَعَمدا لما أَعْطَاهُم الله ﷿ من الْحِفْظ الغزير وَإِن اخْتلف النَّقْل عَنْهُم عدل إِلَى التَّرْجِيح انْتهى
وَفِيمَا قَالَه نظر فقد حكم جمع من الْمُتَقَدِّمين على أَحَادِيث بِأَنَّهُ لَا أصل لَهَا (أ ١٢١) ثمَّ وجد الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك وَفَوق كل ذِي علم عليم فَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِنَّه يبْحَث عَن ذَلِك وَيُرَاجع من لَهُ عناية بِهَذَا الشَّأْن فَإِن لم يُوجد عِنْدهم مَا يُخَالف ذَلِك اعْتمد حِينَئِذٍ
وَمِنْهَا جعل بعض الْأُصُولِيِّينَ من دَلَائِل الْوَضع أَن يُخَالف الْعقل فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ وَلِهَذَا أَنْكَرُوا حَدِيث عرق الْخَيل الَّذِي
[ ٢ / ٢٦٧ ]
رَوَاهُ مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي قَالَ الْبَيْهَقِيّ هُوَ مَوْضُوع وَقَالَ ابْن عدي كَانَ الثَّلْجِي يضع الْأَحَادِيث الَّتِي يشنع بهَا على أهل الحَدِيث
وَجعلُوا من دَلَائِل الْوَضع أَيْضا أَن يُخَالف نَص الْكتاب كَمَا قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ - فِي حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن أَيُّوب بن خَالِد
[ ٢ / ٢٦٨ ]
عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ خلق الله التربة يَوْم السبت الحَدِيث قَالَ لَعَلَّ إِسْمَاعِيل سَمعه من إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى وَقَالَ البُخَارِيّ الصَّوَاب أَنه من قَول كَعْب الْأَحْبَار وَكَذَا ضعفه الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من الْحفاظ وَقَالُوا هُوَ خلاف ظَاهر الْقُرْآن من أَن الله خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من جِهَة ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بِهِ
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وَمِنْهَا أَن يُخَالف صَحِيح السّنة وَهَذِه طَريقَة ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَهِي طَريقَة ضَعِيفَة لَا سِيمَا حَيْثُ أمكن الْجمع قَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه فِي حَدِيث لَا يُؤمن عبد قوما فيخص نَفسه بدعوة فَإِن فعل فقد خَانَهُمْ هَذَا حَدِيث مَوْضُوع فقد ثَبت قَوْله ﷺ اللَّهُمَّ باعد بيني وَبَين خطاياي انْتهى
[ ٢ / ٢٧٠ ]
والْحَدِيث لَا يَنْتَهِي إِلَى ذَلِك فقد حسنه التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَلَيْسَ بمعارض لحَدِيث الاستفتاح لِإِمْكَان حمله على مَا لَا يشرع للْإِمَام وَالْمَأْمُوم
وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي قَوْله ﷺ إِنِّي لست كأحدكم إِنِّي أطْعم وأسقى هَذَا الْخَبَر يدل على أَن الْأَحَادِيث الَّتِي جَاءَ فِيهَا أَنه كَانَ يضع الْحجر
[ ٢ / ٢٧١ ]
على بَطْنه كلهَا أباطيل وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا الحجز وَهُوَ طرف الْإِزَار لَا الْحجر إِذْ الله جلّ وَعلا كَانَ يطعم رَسُوله ويسقيه إِذا وَاصل فَكيف يتْركهُ جائعا مَعَ عدم الْوِصَال حَتَّى يشد الْحجر على بَطْنه وَمَا يُغني الْحجر عَن الْجُوع وَقَالَ فِي كِتَابه الضُّعَفَاء فِي تَرْجَمَة أبان سُفْيَان إِنَّه روى حَدِيث عبد الله بن أبي أُصِيبَت ثنيته يَوْم
[ ٢ / ٢٧٢ ]
أحد فَأمره رَسُول الله ﷺ أَن يتَّخذ ثنية من ذهب وروى النَّهْي أَن يُصَلِّي إِلَى نَائِم أَو متحدث قَالَ ابْن حبَان هَذَانِ موضوعان وَكَيف يَأْمر
[ ٢ / ٢٧٣ ]
الْمُصْطَفى ﵊ باتخاذ الثَّنية من ذهب وَقد قَالَ إِن الذَّهَب وَالْحَرِير يحرمان على ذُكُور أمتِي وَكَيف ينْهَى عَن الصَّلَاة إِلَى النَّائِم وَقد
[ ٢ / ٢٧٤ ]
كَانَ ﷺ يُصَلِّي وَعَائِشَة مُعْتَرضَة بَينه وَبَين الْقبْلَة انْتهى
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وَلَا يخفى مَا فِي ذَلِك وَقد قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان - بعد كَلَام ابْن حبَان - هَذَا حكمك عَلَيْهِمَا بِالْوَضْعِ بِمُجَرَّد (د ٧٤) مَا أبديت حكم فِيهِ نظر لَا سِيمَا خبر الثَّنية
وَمِنْهَا أَن الْوَضع قد وَقع وَمِنْهُم من اسْتدلَّ على وُقُوعه بقوله ﷺ إِنَّه سيكذب عَليّ
فَإِن كَانَ هَذَا صَحِيحا وَقع الْكَذِب وَإِلَّا فقد حصل الْمَقْصُود وَفِيه نظر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَحَادِيث الْمَوْجُودَة الْآن لِأَن الِاسْتِقْبَال فِي سيكذب لَا يعين وَقتهَا وَقد بقيت أزمان وَعِنْدهم نسخ مَشْهُورَة بِالْوَضْعِ وَقد جمعهَا بَعضهم فِي قَوْله
[ ٢ / ٢٧٦ ]
(أَحَادِيث نسطور وَيسر ويغنم وَبعد أشج الْقَيْس ثمَّ خرَاش)
(ونسخة دِينَار ونسخة تربه أبي هدبة الْقَيْسِي شبه فرَاش)
٢٢١ - (قَوْله) وَلَقَد أَكثر الَّذِي جمع فِي هَذَا الْعَصْر الموضوعات
يُرِيد بِهِ أَبَا الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ واعتراضه عَلَيْهِ صَحِيح كَمَا سبق بَيَانه إِلَّا أَن
[ ٢ / ٢٧٧ ]
قَوْله إِن حَقه أَن يذكر فِي الضَّعِيف مَمْنُوع اقْتِصَاره على ذَلِك فَإِن فِيهَا مَا ضعفه مُحْتَمل وَيُمكن التَّمَسُّك بِهِ فِي التَّرْغِيب والترهيب وَمِنْهَا ماهو وَحَدِيث حسن أَو صَححهُ بعض الْأَئِمَّة ك [حَدِيث] صَلَاة التَّسْبِيح
[ ٢ / ٢٧٨ ]
قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ أَخطَأ بِذكرِهِ لَهُ فِي الموضوعات وَلم يكن لَهُ ذَلِك وَقد (أ ١٢٢) خرجه الْحفاظ فِي كتبهمْ
وكحديث قِرَاءَة آيَة الْكُرْسِيّ عقب الصَّلَاة حكم عَلَيْهَا بِالْوَضْعِ وَقد
[ ٢ / ٢٨١ ]
رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد على شَرط الصَّحِيح قَالَ الْحَافِظ الْمزي أَسَاءَ ابْن الْجَوْزِيّ بِذكرِهِ فِي الموضوعات وَله مثل هَذَا كثير وَبَين قَوْلنَا لم يَصح وَقَوْلنَا
[ ٢ / ٢٨٢ ]
مَوْضُوع بون كَبِير فَإِن الْوَضع إِثْبَات الْكَذِب والاختلاق وَقَوْلنَا لَا يَصح لَا يلْزم مِنْهُ إِثْبَات الْعَدَم وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن عدم الثُّبُوت وَفرق بَين الْأَمريْنِ وَقد ثَبت من طَرِيق آخر
٢٢٢ - (قَوْله) والواضعون للْحَدِيث أَصْنَاف
قلت قَالَ القَاضِي عِيَاض مِنْهُم من وضع عَلَيْهِ مالم يقلهُ أصلا إِمَّا اسْتِخْفَافًا كالزنادقة أَو حسبَة بزعمهم وتدينا كجهلة المتعبدين الَّذين وضعُوا الْأَحَادِيث فِي الْفَضَائِل والرغائب أَو إغرابا وَسُمْعَة كفسقة الْمُحدثين أَو تعصبا واحتجاجا كدعاة المبتدعة ومتعصبي الْمذَاهب أَو أتباعا لهوى فِيمَا أرادوه وَطلب الْعذر لَهُم فِيمَا راموه وَقد تعين جمَاعَة من كل من هَذِه الطَّبَقَات عِنْد أهل الصَّنْعَة وعلماء الرِّجَال وَمِنْهُم من لَا يضع متن الحَدِيث وَلَكِن رُبمَا وضع للمتن الضَّعِيف إِسْنَادًا مَشْهُورا وَمِنْهُم من يقلب الْأَسَانِيد وَيزِيد فِيهَا وَيسْتَعْمل ذَلِك إِمَّا للإغراب على غَيره أَو لرفع الْجَهَالَة عَن نَفسه
وَمِنْهُم من يكذب ليدعي سَماع مَا لم يسمع ولقاء من لم يلق وَيحدث
[ ٢ / ٢٨٣ ]
بأحاديثهم الصَّحِيحَة عَنْهُم
وَمِنْهُم من يعمد إِلَى كَلَام الصَّحَابَة أَو غَيرهم وَحكم الْعَرَب فينسبها للنَّبِي ﷺ ترويجا لَهَا
قلت وَمن الزَّنَادِقَة مُحَمَّد بن سعيد المصلوب والمغيرة بن سعيد الْكِنْدِيّ أَرَادوا بذلك إِيقَاع الشَّك فِي قُلُوب النَّاس فرووا أَنا خَاتم النَّبِيين لَا نَبِي بعدِي إِلَّا أَن يَشَاء الله وَقَالَ شيخ من الْخَوَارِج بعد تَوْبَته أنظروا عَمَّن
[ ٢ / ٢٨٤ ]
تأخذون دينكُمْ فَإنَّا كُنَّا إِذا هوينا أمرا صيرناه حَدِيثا
قَالَ صَاحب الْمُفْهم وَقد استجاز بعض فُقَهَاء الْعرَاق نِسْبَة الحكم الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْقيَاس إِلَى رَسُول الله ﷺ نِسْبَة قولية ل [فَيَقُول] فِي ذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَلِهَذَا نرى كتبهمْ مشحونة بِأَحَادِيث تشهد متونها بِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لِأَنَّهَا تشبه فَتَاوَى الْفُقَهَاء وَلَا تلِيق بجزالة كَلَام سيد الْمُرْسلين وَإِنَّهُم لَا يُقِيمُونَ لَهَا سندا صَحِيحا قَالَ وَهَؤُلَاء يشملهم الْوَعيد بِالْكَذِبِ على رَسُول الله ﷺ ٢٢٣ - (قَوْله) وَفِيمَا روينَاهُ عَن الإِمَام أبي بكر السَّمْعَانِيّ أَن بعض الكرامية جوز وضع الحَدِيث فِي بَاب التَّرْغِيب والترهيب
قلت هَذَا قَالَه ابْن السَّمْعَانِيّ فِي الْمجْلس الثَّالِث من أَمَالِيهِ قَالَ واغتروا
[ ٢ / ٢٨٥ ]
بِحَدِيث رَوَاهُ يُونُس بن بكير عَن الْأَعْمَش عَن طَلْحَة بن مصرف عَن عَمْرو ابْن شُرَحْبِيل عَن عبد الله بن مَسْعُود يرفعهُ من كذب عَليّ مُتَعَمدا ليضل فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار قَالَ وَهَذَا القَوْل مِنْهُم بَاطِل وَالْكذب على رَسُول الله ﷺ حرَام فِي جَمِيع الْأَحْوَال
وَأما حَدِيث يُونُس بن بكير فقد جَاءَ عَنهُ بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة ثمَّ سَاقه كَذَلِك وَقَالَ قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ وهم يُونُس بن بكير فِي هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين
[ ٢ / ٢٨٦ ]
أَحدهمَا أَنه أسقط بَين طَلْحَة وَعَمْرو بن شُرَحْبِيل أَبَا عمار
وَالثَّانِي أسْندهُ وَالْمَحْفُوظ أَنه مُرْسل عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل عَن النَّبِي ﷺ من غير ذكر ابْن مَسْعُود قَالَ وَقد روى الزُّهْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ [قَالَ] من حدث عني حَدِيثا بَاطِلا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار انْتهى
وَذكر غَيره أَن الْعلمَاء أجابوا عَن هَذِه الزِّيَادَة بأجوبة
أَحدهَا أَنَّهَا زِيَادَة بَاطِلَة اتّفق الْحفاظ على بُطْلَانهَا وَأَنه لَا تعرف صِحَّتهَا بِحَال
الثَّانِي قَالَ الطَّحَاوِيّ لَو صحت (أ ١٢٣) لكَانَتْ للتَّأْكِيد لقَوْله تَعَالَى ﴿فَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا ليضل النَّاس بِغَيْر علم﴾
الثَّالِث أَن اللَّام فِي يضل لَيست للتَّعْلِيل بل للصيرورة وَالْعَاقبَة أَي يصير كذبهمْ للإضلال
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وَبَقِي مِمَّا يتَعَلَّق بِكَلَام المُصَنّف ضبط السَّمْعَانِيّ والكرامية أما السَّمْعَانِيّ فَسبق فِي الْحسن وَأما الكرامية فَفِيهِ خلاف وَقد جرى بَين الشَّيْخ صدر الدّين ابْن المرحل وَالْقَاضِي سعد الدّين الْحَارِثِيّ فَقَالَ ابْن المرحل هُوَ بتَخْفِيف الرَّاء فَأنكرهُ الْحَارِثِيّ عَلَيْهِ فأصر ابْن المرحل على التَّخْفِيف وَأنْشد
(الْفِقْه فقه أبي حنيفَة وَحده وَالدّين دين مُحَمَّد بن كرام)
وَذكر لي شَيخنَا جمال الدّين ابْن هِشَام - رَحمَه الله تَعَالَى - أَن الشَّيْخ الإِمَام أَبَا الْحسن السُّبْكِيّ - رَحمَه الله تَعَالَى - أخبرهُ أَن بعض النَّاس إِذْ ذَاك اتهمَ
[ ٢ / ٢٨٨ ]
ابْن المرحل بِوَضْع هَذَا الْبَيْت
قلت وَلَيْسَ كَذَلِك فقد أنْشدهُ الثعالبي لأبي الْفَتْح البستي وَأورد بعده
(إِن الَّذين أَرَاهُم لم يُؤمنُوا بِمُحَمد بن كرام غير كرام)
وَهَذَا الْبَيْت يعضد ضَبطه بِالتَّخْفِيفِ لَكِن مَا ضَبطه الْحَارِثِيّ هُوَ الَّذِي ذكره غير وَاحِد من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن مِنْهُم الْخَطِيب فِي المؤتلف والمختلف وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ كرام مثقل الرَّاء قَيده ابْن مَاكُولَا وَابْن السَّمْعَانِيّ وَغير وَاحِد وَهُوَ الْجَارِي على الْأَلْسِنَة وَقد أنكر ذَلِك متكلمهم مُحَمَّد بن الهيصم وَغَيره
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وَحكى ابْن الهيصم فِيهِ وَجْهَيْن
أَحدهمَا كرام بِالتَّخْفِيفِ وَالْفَتْح على وزن حَلَال وَذكر أَنه الْمَعْرُوف فِي أَلْسِنَة مشايخهم وَزعم أَنه بِمَعْنى كَرَامَة أَو كريم وَالثَّانِي كرام بِالْكَسْرِ على لفظ جمع كريم وَحكى هَذَا عَن أهل سجستان وَأطَال فِي ذَلِك
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح وَلَا معدل عَن الأول وَهُوَ الَّذِي أوردهُ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب وَقَالَ كَانَ وَالِده يحفظ الْكَرم فَقيل لَهُ الْكِرَام وَاعْتَرضهُ الذَّهَبِيّ وَقَالَ هَذَا قَالَه السَّمْعَانِيّ بِلَا إِسْنَاد وَفِيه نظر فَإِن كلمة كرام علم على وَالِد مُحَمَّد سَوَاء عمل فِي الْكِرَام أم لم يعْمل انْتهى
وَقد لخص ابْن الصّلاح فِي فَوَائِد رحلته (د ٧٥) مَا قَالَه مُحَمَّد بن الهيصم فِي كِتَابه مَنَاقِب مُحَمَّد بن كرام
٢٢٤ - (قَوْله) وَرُبمَا غلط غالط فَوَقع فِي شبه الْوَضع بِلَا تعمد كَمَا وَقع لِثَابِت بن مُوسَى الزَّاهِد فِي حَدِيث من كثرت صلَاته بِاللَّيْلِ حسن وَجهه بِالنَّهَارِ
قلت هَذَا قَالَه الخليلي فِي الْإِرْشَاد وَمِنْه أَخذه المُصَنّف وَهَذَا الحَدِيث
[ ٢ / ٢٩٠ ]
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الطلحي ثَنَا ثَابت بن مُوسَى أَبُو زيد عَن شريك عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من كثرت صلَاته بِاللَّيْلِ حسن وَجهه بِالنَّهَارِ وَإِسْمَاعِيل الطلحي وثابت بن مُوسَى وثقهما أَبُو جَعْفَر الْحَضْرَمِيّ مطين وَقَالَ توفّي
[ ٢ / ٢٩١ ]
إِسْمَاعِيل سنة ٢٣٣ وَغَيره يَقُول سنة ٣٢ فَلَيْسَ عِنْدهم بِصَحِيح قَالَ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه ثَابت بن مُوسَى العابد الضَّرِير كُوفِي حَدِيثه بَاطِل لَيْسَ لَهُ أصل وَلَا يُتَابِعه عَلَيْهِ ثِقَة ثمَّ سَاق لَهُ هَذَا الحَدِيث وَكَذَا قَالَ ابْن عدي لَا يعرف إِلَّا بِهِ سَرقه مِنْهُ جمَاعَة من الضُّعَفَاء قَالَ وَبَلغنِي عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير أَنه ذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث عَن ثَابت فَقَالَ بَاطِل شبه على ثَابت وَذَلِكَ أَن شَرِيكا كَانَ مزاحا وَكَانَ ثَابت رجلا صَالحا فَيُشبه أَن يكون ثَابت دخل على شريك وَكَانَ شريك يَقُول حَدثنَا الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ والتفت فَرَأى ثَابتا دخل على شريك وَكَانَ يمازحه من كثرت صلَاته بِاللَّيْلِ حسن وَجهه بِالنَّهَارِ فَظن ثَابت لِغَفْلَتِه أَن هَذَا الْكَلَام الَّذِي قَالَه شريك هُوَ من الْإِسْنَاد الَّذِي قَرَأَهُ فَحَمله على ذَلِك وَإِنَّمَا ذَلِك قَول شريك
٢٢٥ - (قَوْله) والإسناد الَّذِي قَرَأَهُ مَتنه حَدِيث مَعْرُوف انْتهى
هَذَا هُوَ الْغَلَط الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الصّلاح وَقد يُنَازع فِيهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا
[ ٢ / ٢٩٢ ]
أَنه قد تَابع ابْن مُوسَى (أ ١٢٤) على رِوَايَته هَذَا عَن شريك جمَاعَة من الضُّعَفَاء - كَمَا قَالَه ابْن عدي مِنْهُم عبد الحميد بن (بَحر) وَعبد الله بن شبْرمَة الشريكي وَإِسْحَاق بن بشر الْكَاهِلِي ومُوسَى بن مُحَمَّد أَبُو الطَّاهِر الْمَقْدِسِي
وَيُجَاب بِأَن الْمَذْكُورين سَرقُوهُ مِنْهُ كَمَا قَالَ ابْن عدي لَكِن مُتَابعَة عبد الله بن شبْرمَة رَوَاهَا أَبُو نعيم فِي تَارِيخ أَصْبَهَان ثَنَا أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن مُحَمَّد ثَنَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام
[ ٢ / ٢٩٣ ]
ثَنَا عبد الله بن شبْرمَة الْكُوفِي ثَنَا شريك بِهِ هَكَذَا قَالَ الْكُوفِي وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام احْتج بِهِ مُسلم وَأما الشريكي الَّذِي ذكره ابْن عدي فَلم أر لَهُ ذكرا فِي كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل بل قد جَاءَ الحَدِيث من غير طَرِيق شريك أخرجه ابْن جَمِيع فِي مُعْجَمه فَقَالَ ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد الرقي ثَنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن هِشَام بن الْوَلِيد
[ ٢ / ٢٩٤ ]
ثَنَا جبارَة [بن] الْمُغلس عَن كثير بن سليم عَن أنس بِهِ مَرْفُوعا وجبارة وَكثير ضعيفان
الثَّانِي أَن هَذَا الْمِثَال من بَاب المدرج لَا من الْمَوْضُوع وَلِهَذَا قَالَ ابْن حبَان فِي كتاب الضُّعَفَاء ثَابت بن مُوسَى العابد روى عَن شريك عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ من كثرت صلَاته بِاللَّيْلِ حسن وَجهه بِالنَّهَارِ قَالَ ابْن حبَان وَإِنَّمَا هُوَ قَول شريك قَالَه عقب حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر يعْقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحدكُم [ثَلَاث عقد فأدرج] ثَابت فِي الْخَبَر وَجعل قَول شريك من كَلَام النَّبِي ﷺ ثمَّ سرق [هَذَا من] ثَابت جمَاعَة
[ ٢ / ٢٩٥ ]
من الضُّعَفَاء فَحَدثُوا بِهِ عَن شريك واقترن بِهِ التَّمْثِيل بِمَا ذكر عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن يزِيد بن هَارُون عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من عمل بِمَا يعلم وَرثهُ الله علم مَا لم يعلم
قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي الْحِلْية فِي تَرْجَمَة أَحْمد بن أبي الْحوَاري ذكر أَحْمد بن حَنْبَل هَذَا الْكَلَام عَن بعض التَّابِعين أَنه ذكره عَن النَّبِي ﷺ فَوضع هَذَا الْإِسْنَاد لسهولته وقوته وَهَذَا الحَدِيث لَا يحْتَمل بِهَذَا الْإِسْنَاد عَن أَحْمد بن حَنْبَل
٢٢٦ - (قَوْله) وَهَكَذَا حَال الحَدِيث الطَّوِيل الَّذِي يرْوى عَن أبي بن كَعْب عَن النَّبِي ﷺ فِي فَضَائِل الْقُرْآن سُورَة سُورَة بحث باحث عَن مخرجه حَتَّى انْتهى إِلَى من اعْترف بِأَنَّهُ وَجَمَاعَة وضعوه انْتهى
وَهَذَا الباحث الَّذِي أبهمه هُوَ مُؤَمل بن إِسْمَاعِيل فَإِنَّهُ قَالَ حَدثنِي شيخ بِالْبَصْرَةِ فصرت إِلَيْهِ فَقَالَ حَدثنِي شيخ بعبادان فصرت إِلَيْهِ فَأخذ بيَدي وأدخلني
[ ٢ / ٢٩٦ ]
بَيْتا فَإِذا فِيهِ قوم من المتصوفة وَمَعَهُمْ شيخ فَقَالَ هَذَا الشَّيْخ حَدثنِي فَقلت يَا شيخ من حَدثَك قَالَ لم يحدثني أحد وَلَكنَّا رَأينَا النَّاس قد رَغِبُوا عَن الْقُرْآن فَوَضَعْنَا لَهُم هَذَا الحَدِيث ليصرفوا قُلُوبهم إِلَى الْقُرْآن
قلت وَكَأن المُصَنّف إِنَّمَا أبهم الباحث لغضاضة فِيهِ فقد قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ مُؤَمل بن إِسْمَاعِيل كثير الْخَطَأ وَقَالَ البُخَارِيّ مُنكر الحَدِيث
٢٢٧ - (قَوْله) وَلَقَد أَخطَأ الواحدي الْمُفَسّر
وَغَيره كَالثَّعْلَبِيِّ والزمخشري فِي ذكره لَكِن الثَّعْلَبِيّ والواحدي ذكرَاهُ بِالْإِسْنَادِ
[ ٢ / ٢٩٧ ]
فخف حَاله لِأَنَّهُ يعرف أمره [من الْإِسْنَاد] بِخِلَاف من ذكره بِلَا إِسْنَاد وَجزم بِهِ كالزمخشري فَإِن خطأه أَشد
[ ٢ / ٢٩٨ ]
النَّوْع الثَّانِي وَالْعشْرُونَ المقلوب
٢٢٨ - (قَوْله) هُوَ نَحْو حَدِيث مَشْهُور عَن سَالم جعل عَن نَافِع ليصير بذلك غَرِيبا مرغوبا فِيهِ انْتهى
وَهَذَا التَّعْرِيف غير واف بِحَقِيقَة المقلوب وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِير لنَوْع مِنْهُ وَحَقِيقَته جعل إِسْنَاد (أ ١٢٥) لمتن آخر وتغيير إِسْنَاد بِإِسْنَاد وَأطْلقهُ الْقشيرِي على مَا فسرنا بِهِ غَرِيب الْإِسْنَاد قَالَ وَهَذَا النَّوْع على طَريقَة الْفُقَهَاء يجوز أَن يكون بَينهمَا جَمِيعًا لَكِن تقوم عِنْد الْمُحدثين قَرَائِن وظنون يحكمون بهَا على الحَدِيث بِأَنَّهُ مقلوب وَقد يُطلق على رَاوِيه أَنه يسرق الحَدِيث وَقد يُطلق المقلوب على اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِسْنَاد والإسناد بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّفْظ
فالنسبة من اصطلاحهم إِطْلَاق المقلوب على شَيْئَيْنِ
أَحدهمَا مَا ذكره ابْن الصّلاح وَهُوَ أَن يكون الحَدِيث مَشْهُورا براو فَيجْعَل
[ ٢ / ٢٩٩ ]
مَكَانَهُ راو آخر فِي طبقته ليصير بذلك غَرِيبا مرغوبا فِيهِ كَحَدِيث مَشْهُور بسالم فَيجْعَل مَكَانَهُ نَافِعًا وَقد كَانَ يَفْعَله جمَاعَة من الوضاعين كحماد بن عَمْرو النصيبي وَإِبْرَاهِيم بن أبي حَيَّة
مِثَاله حَدِيث رَوَاهُ عَمْرو بن خَالِد الْحَرَّانِي عَن حَمَّاد بن عَمْرو النصيبي عَن
[ ٢ / ٣٠٠ ]
الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا إِذا لَقِيتُم الْمُشْركين فِي طَرِيق فَلَا تبدؤوهم بِالسَّلَامِ الحَدِيث فَهَذَا مقلوب قلبه حَمَّاد بن عَمْرو أحد الهالكين فَجعله عَن الْأَعْمَش وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوف بسهيل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة هَكَذَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه
وَقد يَقع ذَلِك غَلطا من بعض الروَاة الثِّقَات (د ٧٦) كَحَدِيث الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث بسر بن سعيد أَن زيد بن خَالِد
[ ٢ / ٣٠١ ]
وَفِي سنَن ابْن مَاجَه قَالَ أرسلوني إِلَى زيد بن خَالِد
وَالصَّوَاب الأول قَالَ ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة مقلوبا وَالْقَوْل عندنَا قَول مَالك وَرَبِيعَة
الثَّانِي أَن يُوجد إِسْنَاد متن فَيجْعَل على متن آخر أَو متن فَيجْعَل بِإِسْنَاد آخر وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الصّلاح فِي حِكَايَة البُخَارِيّ وَهَذَا قد يقْصد بِهِ أَيْضا الإغراب
[ ٢ / ٣٠٢ ]
فَيكون ذَلِك كالوضع وَقد يفعل اختبارا لحفظ الْمُحدث هَل يقبل التَّلْقِين أم لَا
وَمِمَّنْ فعل ذَلِك شُعْبَة وَحَمَّاد بن سَلمَة وَقد أنكر حرمي على شُعْبَة لما حَدثهُ (بهز أَن شُعْبَة) قلب أَحَادِيث على أبان بن أبي عَيَّاش فَقَالَ حرمي بئس مَا صنع
٢٢٩ - (قَوْله) وَكَذَلِكَ مَا روينَا أَن البُخَارِيّ قدم بَغْدَاد إِلَى آخِره
هَذِه الْحِكَايَة رَوَاهَا الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي تَارِيخ بَغْدَاد فَقَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي الْحسن الساحلي أَنا أَحْمد بن الْحسن الرَّازِيّ سَمِعت أَبَا
[ ٢ / ٣٠٣ ]
أَحْمد بن عدي يَقُول سَمِعت عدَّة مَشَايِخ يحكون أَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ قدم بَغْدَاد فَسمع بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث فَاجْتمعُوا وعمدوا إِلَى مائَة حَدِيث فقلبوا متونها وأسانيدها وَجعلُوا متن هَذَا الْإِسْنَاد لإسناد آخر وَإسْنَاد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر ودفعوها إِلَى عشرَة أنفس إِلَى كل رجل عشرَة أَحَادِيث وَأمرُوهُمْ إِذا حَضَرُوا الْمجْلس يلقون ذَلِك على البُخَارِيّ وَأخذُوا الْموعد للمجلس فَحَضَرَ الْمجْلس جمَاعَة أَصْحَاب الحَدِيث من الغرباء من أهل خُرَاسَان وَغَيرهم وَمن البغداديين فَلَمَّا اطْمَأَن الْمجْلس بأَهْله انتدب إِلَيْهِ رجل من الْعشْرَة فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث فَقَالَ البُخَارِيّ لَا أعرفهُ فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ فَمَا زَالَ يلقِي إِلَيْهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى فرغ من عشرته وَالْبُخَارِيّ يَقُول لَا أعرفهُ فَكَانَ الْفُقَهَاء مِمَّن حضر الْمجْلس يلْتَفت بَعضهم إِلَى بعض وَيَقُولُونَ فهم الرجل وَمن كَانَ مِنْهُم غير ذَلِك يقْضِي على البُخَارِيّ بِالْعَجزِ وَقلة الْفَهم ثمَّ انتدب رجل آخر من الْعشْرَة فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث المقلوبة فَقَالَ البُخَارِيّ لَا أعرفهُ فَسَأَلَهُ عَن آخر فَقَالَ لَا أعرفهُ فَلم يزل يلقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بعد آخر حَتَّى فرغ من عشرته (أ ١٢٦) وَالْبُخَارِيّ يَقُول لَا أعرفهُ ثمَّ انتدب إِلَيْهِ الثَّالِث وَالرَّابِع إِلَى تَمام الْعشْرَة حَتَّى فرغوا كلهم من الْأَحَادِيث المقلوبة وَالْبُخَارِيّ لَا يزيدهم على لَا أعرفهُ
فَلَمَّا علم البُخَارِيّ انهم قد فرغوا الْتفت إِلَى الأول مِنْهُم فَقَالَ أما حَدِيثك الأول فَهُوَ كَذَا وَصَوَابه كَذَا وحديثك الثَّانِي فَهُوَ كَذَا وَصَوَابه كَذَا وحديثك الثَّالِث وَالرَّابِع على الْوَلَاء حَتَّى أَتَى على تَمام الْعشْرَة فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده وكل إِسْنَاد إِلَى مَتنه وَفعل بالآخرين مثل ذَلِك ورد متون الْأَحَادِيث كلهَا إِلَى
[ ٢ / ٣٠٤ ]
أسانيدها وأسانيدها إِلَى متونها فأقروا لَهُ بِالْحِفْظِ وأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ
٢٣٠ - (قَوْله) وَمن أمثلته وَيصْلح مِثَالا للمعلل إِلَى آخِره
هَذَا مِثَال للقلب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِسْنَاد وَلم يتَعَرَّض للقلب فِي الْمَتْن ومثاله من حَدِيث جرير بن حَازِم هَذَا مَا أخرجه الْأَرْبَعَة من جِهَة جرير عَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس رَأَيْت النَّبِي ﷺ ينزل من الْمِنْبَر فيتعرض لَهُ الرجل فِي الْحَاجة الحَدِيث قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيهِ غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث جرير وَسمعت مُحَمَّدًا يَقُول [وهم جرير بن حَازِم فِي هَذَا الحَدِيث وَالصَّحِيح مَا رُوِيَ عَن ثَابت عَن أنس قَالَ أُقِيمَت الصَّلَاة فَأخذ رجل بيد النَّبِي ﷺ فَمَا زَالَ يكلمهُ حَتَّى نعس
[ ٢ / ٣٠٥ ]
بعض الْقَوْم قَالَ مُحَمَّد والْحَدِيث هُوَ هَذَا وَجَرِير رُبمَا يهم فِي الشَّيْء وَهُوَ صَدُوق]
وَمثله حَدِيث ابْن عمر إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تسمعوا أَذَان ابْن أم مَكْتُوم هَكَذَا فِي الصَّحِيح وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث خبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن عمته أنيسَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أذن ابْن أم مَكْتُوم فَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَإِذا أذن بِلَال فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تشْربُوا فَإِن كَانَت الْمَرْأَة منا ليبقى عَلَيْهَا من سحورها فَتَقول لِبلَال أمْهل حَتَّى أفرغ [من] سحوري قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع
[ ٢ / ٣٠٦ ]
المسانيد كَأَن هَذَا مقلوب إِنَّمَا هُوَ إِن بِلَالًا يُنَادي بلَيْل وَاحْتج عبد الْغَنِيّ ابْن سعيد بِهِ على جَوَاز السماع من وَرَاء حجاب اعْتِمَادًا على الصَّوْت وَقَالَ [إِن] ابْن أم مَكْتُوم أَو بِلَالًا يُنَادي بلَيْل وروى ابْن خُزَيْمَة مثله من حَدِيث عَائِشَة وَهُوَ خلاف الْمَشْهُور عَنْهَا لكنه لم يَجعله من المقلوب بل قَالَ لَا تضَاد بَين الْخَبَرَيْنِ لجَوَاز أَن يكون النَّبِي ﷺ جعل الْأَذَان بِاللَّيْلِ نوبا بَين بِلَال وَابْن أم مَكْتُوم فحين تكون نوبَة أَحدهمَا لِئَلَّا تكون نوبَة الآخر عِنْد طُلُوع الْفجْر فجَاء الخبران على حسب الْحَالين وَذكر ابْن حبَان فِي صَحِيحه نَحوه
٢٣١ - (قَوْله) فَإِن أطلق وَلم يُفَسر فَفِيهِ كَلَام يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَي فِي النَّوْع الثَّالِث وَالْعِشْرين
[ ٢ / ٣٠٧ ]
٢٣٢ - (قَوْله) الثَّانِي يجوز عِنْد أهل الحَدِيث وَغَيرهم التساهل فِي الْأَسَانِيد إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا حَاصله أَن الضَّعِيف لَا يحْتَج بِهِ فِي العقائد وَالْأَحْكَام وَيجوز رِوَايَته وَالْعَمَل بِهِ فِي غير ذَلِك كالقصص وفضائل الْأَعْمَال وَالتَّرْغِيب والترهيب وَنقل ذَلِك عَن ابْن مهْدي وَأحمد بن حَنْبَل وروى الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل عَن عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي أَنه قَالَ إِذا روينَا عَن النَّبِي ﷺ فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَالْأَحْكَام شددنا فِي الْأَسَانِيد وانتقدنا فِي الرِّجَال وَإِذا روينَا فِي فَضَائِل الْأَعْمَال وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب سهلنا فِي الْأَسَانِيد وتسامحنا فِي الرِّجَال
وَقَالَ الْعَبَّاس بن مُحَمَّد سُئِلَ أَحْمد بن حَنْبَل - وَهُوَ على بَاب أبي النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم - فَقيل لَهُ يَا أَبَا عبد الله مَا تَقول فِي مُوسَى بن عُبَيْدَة وَمُحَمّد بن إِسْحَاق فَقَالَ أما مُوسَى بن عُبَيْدَة فَلم يكن بِهِ (أ ١٢٧) بَأْس وَلَكِن
[ ٢ / ٣٠٨ ]
حدث بِأَحَادِيث مَنَاكِير عَن عبد الله بن دِينَار عَن النَّبِي ﷺ وَأما مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَرجل يكْتب عَنهُ هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي الْمَغَازِي وَنَحْوهَا فَأَما إِذا جَاءَ الْحَلَال وَالْحرَام أردنَا قوما وَقبض أَصَابِع يَدَيْهِ الْأَرْبَع
وَقَالَ ابْن عدي فِي الْكَامِل فِي تَرْجَمَة إِدْرِيس بن سِنَان الصَّنْعَانِيّ ثَنَا عَليّ ابْن أَحْمد بن سُلَيْمَان ثَنَا أَحْمد بن سعد بن أبي مَرْيَم سَمِعت يحيى بن معِين يَقُول إِدْرِيس بن سِنَان يكْتب من حَدِيثه الرقَاق وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم ثَنَا أبي ثَنَا عَبدة قَالَ قيل لِابْنِ الْمُبَارك - وروى عَن رجل حَدِيثا - فَقيل هَذَا رجل ضَعِيف قَالَ يحْتَمل أَن يرْوى عَنهُ هَذَا الْقدر أَو مثل هَذِه الْأَشْيَاء قلت لعبدة مثل أَي شَيْء قَالَ فِي أدب فِي موعظة فِي زهد
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وَحَكَاهُ الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة وَأبي زَكَرِيَّا الْفراء الْمصْرِيّ وَغَيرهم وَنقل النَّوَوِيّ فِي الْجُزْء الَّذِي جمعه فِي إِبَاحَة الْقيام فِيهِ الِاتِّفَاق فَقَالَ (د ٧٧) أجمع أهل الحَدِيث وَغَيرهم على الْعَمَل فِي الْفَضَائِل وَنَحْوهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حكم وَلَا شَيْء من العقائد وصفات الله تَعَالَى بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف فِي فَضَائِل الْأَعْمَال إِذا علمت هَذَا فقد نَازع بعض الْمُتَأَخِّرين وَقَالَ جَوَازه مُشكل فَإِنَّهُ لم يثبت عَن النَّبِي ﷺ فإسناد الْعَمَل إِلَيْهِ يُوهم ثُبُوته وَيُؤَدِّي إِلَى ظن من لَا معرفَة لَهُ بِالْحَدِيثِ الصِّحَّة فينقلونه ويحتجون بِهِ وَفِي ذَلِك تلبيس قَالَ وَقد نقل بعض الْأَثْبَات عَن بعض تصانيف الْحَافِظ أبي بكر بن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي أَنه قَالَ إِن الحَدِيث الضَّعِيف لَا يعْمل بِهِ مُطلقًا
الثَّانِي حَيْثُ قُلْنَا بِالْجَوَازِ فِي الْفَضَائِل شَرط الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي فِي شرح الْإِلْمَام أَن يكون لَهُ اصل شَاهد لذَلِك كاندراجه فِي عُمُوم أَو قَاعِدَة كُلية فَأَما فِي غير
[ ٢ / ٣١٠ ]
ذَلِك فَلَا يحْتَج بِهِ وَقَالَ فِي شرح الْعُمْدَة حَيْثُ قُلْنَا يعْمل بالضعيف لدُخُوله تَحت العمومات مِثَاله الصَّلَاة الْمَذْكُورَة فِي أول جُمُعَة من رَجَب فَإِن الحَدِيث
[ ٢ / ٣١١ ]
فِيهَا ضَعِيف فَمن أَرَادَ فعلهَا وإدراجها تَحت العمومات الدَّالَّة على فضل الصَّلَاة والتسبيحات لم يستقم لِأَنَّهُ صَحَّ [أَن النَّبِي ﷺ نهى أَن تخص لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام وَهَذَا أخص من العمومات الدَّالَّة] على فَضِيلَة مُطلق الْعِبَادَة قَالَ
[ ٢ / ٣١٢ ]
وَهَذَا الِاحْتِمَال الَّذِي قُلْنَاهُ من جَوَاز إدراجه تَحت العمومات نُرِيد بِهِ فِي الْفِعْل لَا فِي الحكم باستحباب ذَلِك الشَّيْء الْمَخْصُوص بهيئته الْخَاصَّة لِأَن الحكم باستحبابه على هَيئته الْخَاصَّة يحْتَاج إِلَى دَلِيل عَلَيْهِ وَلَا بُد بِخِلَاف مَا إِذا بني على أَنه من جملَة الْخيرَات الَّتِي لَا تخْتَص بذلك الْوَقْت وَلَا بِتِلْكَ الْهَيْئَة وَهَذَا [هُوَ] الَّذِي قُلْنَا باحتماله وَجَوَاز الْعَمَل بِهِ
الثَّالِث مَا ذكره من عدم الْعَمَل بالضعيف فِي الْأَحْكَام يَنْبَغِي أَن يسْتَثْنى مِنْهُ صور [أَحدهَا] أَلا يُوجد سواهُ وَقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ أَن الشَّافِعِي احْتج بالمرسل إِذا لم يُوجد دلَالَة سواهُ وَقِيَاسه فِي غَيره وَمن الضَّعِيف كَذَلِك وَقد نقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه يعْمل بالضعيف إِذا لم يُوجد فِي الْبَاب غَيره وَلم يكن ثمَّ مَا يُعَارضهُ قَالَ الْأَثْرَم رَأَيْت أَبَا عبد الله إِذا (أ ١٢٨) كَانَ الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ فِي
[ ٢ / ٣١٣ ]
إِسْنَاده شَيْء يَأْخُذ بِهِ (إِذا لم يَجِيء أثبت مِنْهُ) مثل حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب وَإِبْرَاهِيم الهجري وَرُبمَا أَخذ بالمرسل إِذا لم يجد خِلَافه وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى قد أطلق أَحْمد القَوْل فِي الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف فَقَالَ مهنا قَالَ أَحْمد النَّاس كلهم أكفاء إِلَّا الحائك والحجام والكساح فَقيل لَهُ تَأْخُذ بِحَدِيث كل النَّاس أكفاء وَأَنت تضعفه فَقَالَ إِنَّمَا يضعف إِسْنَاده وَلَكِن الْعَمَل
[ ٢ / ٣١٤ ]
عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَة ابْن مشيش - وَقد سَأَلَهُ عَمَّن تحل لَهُ الصَّدَقَة - إِلَى أَي شَيْء تذْهب فِي هَذَا فَقَالَ إِلَى حَدِيث حَكِيم بن جُبَير قلت حَكِيم ثَبت عنْدك
[ ٢ / ٣١٥ ]
فِي الحَدِيث قَالَ لَيْسَ هُوَ عِنْدِي ثبتا فِي الحَدِيث قَالَ القَاضِي قَول أَحْمد ضَعِيف أَي على طَريقَة أَصْحَاب الحَدِيث لأَنهم يضعفون بِمَا لَا يُوجب تَضْعِيفه عِنْد الْفُقَهَاء كالإرسال والتدليس والتفرد بِزِيَادَة فِي حَدِيث وَقَوله وَالْعَمَل عَلَيْهِ مَعْنَاهُ طَريقَة الْفُقَهَاء وَقَالَ مهنا سَأَلت أَحْمد عَن حَدِيث معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَن غيلَان أسلم وَعِنْده عشر نسْوَة فَقَالَ
[ ٢ / ٣١٦ ]
لَيْسَ بِصَحِيح وَالْعَمَل عَلَيْهِ كَانَ عبد الرَّزَّاق يَقُول عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ مُرْسلا
قلت وَهَذَا مُتَعَيّن فقد سبق عَن الإِمَام أَحْمد أَنه لَا يعْمل بالضعيف فِي الْحَلَال وَالْحرَام فَدلَّ على أَن مُرَاده بالضعيف هُنَا غير الضَّعِيف هُنَاكَ وَلَا شكّ أَن الضَّعِيف تَتَفَاوَت مراتبه وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة بنى أَبُو دَاوُد كِتَابه السّنَن وَحكى الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو شامة فِي كتاب الْجَهْر بالبسملة عَن القَاضِي ابْن الْعَرَبِيّ أَنه سمع ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ فِي رحلته إِلَى الْعرَاق يَقُول مَذْهَب أَحْمد أَن ضَعِيف
[ ٢ / ٣١٧ ]
الْأَثر خير من قوي النّظر
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ هَذِه وهلة من أَحْمد لَا تلِيق بمنصبه فَإِن ضَعِيف الْأَثر لَا يحْتَج بِهِ مُطلقًا قَالَ شَيخنَا شرف الدّين بن قَاضِي الْجَبَل من أَصْحَابنَا من قَالَ هَذَا من تصرف ابْن عقيل فِي الْمَذْهَب على الْقَوَاعِد وَلَيْسَ كَذَلِك فقد نَص عَلَيْهِ أَحْمد فِي رِوَايَة ابْنه عبد الله ذكره فِي مسَائِله وَرَوَاهُ عَنهُ شيخ الْإِسْلَام الْأنْصَارِيّ فِي كِتَابه وَنَصه قَالَ عبد الله قَالَ أبي ضَعِيف الحَدِيث خير من قوي الراي
قَالَ شَيخنَا القَاضِي شرف الدّين وَإِنَّمَا أُتِي من أنكر هَذِه اللَّفْظَة على أَحْمد لعدم مَعْرفَته بمراده فَإِن الضَّعِيف عِنْد أَحْمد غير الضَّعِيف فِي عرف الْمُتَأَخِّرين فَعنده الحَدِيث يَنْقَسِم إِلَى صَحِيح وَضَعِيف لِأَنَّهُ ضعف عَن دَرَجَة الصَّحِيح وَأما
[ ٢ / ٣١٨ ]
الضَّعِيف بالاصطلاح الْمَشْهُور فَإِن أَحْمد لَا يعرج عَلَيْهِ أصلا انْتهى
وَقَرِيب من هَذَا قَول ابْن حزم إِن الْحَنَفِيَّة متفقون على أَن مَذْهَب أبي حنيفَة أَن ضَعِيف الحَدِيث عِنْده أولى من الرَّأْي وَالظَّاهِر أَن مُرَادهم بالضعيف مَا سبق
الثَّانِيَة إِذا وجد لَهُ شَاهد مقو مُؤَكد ثمَّ الشَّاهِد إِمَّا من الْكتاب أَو السّنة وَالَّذِي من الْكتاب إِمَّا بِلَفْظِهِ كَحَدِيث وَلَا تجسسوا وَلَا يغتب بَعْضكُم بَعْضًا فَهَذِهِ الصِّيغَة بِعَينهَا فِي الْقُرْآن وَأما بِمَعْنَاهُ كَحَدِيث نهى عَن الْغَيْبَة
[ ٢ / ٣١٩ ]
والتجسس فَهُوَ بِمَعْنى الَّذِي فِي الْقُرْآن وَالْحَاصِل أَنه يتَبَيَّن للْحَدِيث أصل
وَالَّذِي من السّنة إِمَّا بِلَفْظِهِ مثل أَن يرْوى من وَجْهَيْن صَحِيح وَضَعِيف كل مَعْرُوف صَدَقَة وَنَحْوه فَيعلم بِالصَّحِيحِ أَن للضعيف أصلا فِي السّنة وَإِمَّا بِمَعْنَاهُ نَحْو (أ ١٢٩) من صنع مَعْرُوفا أثيب عَلَيْهِ إِذْ لَا يذهب الْمَعْرُوف عِنْد الله هدرا وَهَذَا بِمَثَابَة مَا إِذا أخبرنَا بِخَبَر وَاحِد وَأَحَدهمَا غير موثوق بِهِ فَإِنَّهُ إِذا أخبرنَا بِهِ الآخر الثِّقَة ظهر لنا أَن الأول صَادِق وَإِن كُنَّا لَا نعتد [بِهِ]
وَفَائِدَة هَذَا جَوَاز الْعَمَل بخبرين لَا يسْتَقلّ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْحجَّةِ ويستقلان جَمِيعًا باعتضاد كل مِنْهُمَا بِالْآخرِ وَذكر النَّوَوِيّ فِي شرح الْمَذْهَب من كتاب الْحَج أَنه يعْمل بالضعيف إِذا رُوِيَ من طرق مفرداتها ضَعِيفَة فَإِنَّهُ يُقَوي بَعْضهَا
[ ٢ / ٣٢٠ ]
بَعْضًا وَيصير حسنا ويحتج بِهِ وَقد سبق تَحْرِير هَذَا فِي الْكَلَام على الْحسن
بَقِي مَا لَو ورد الحَدِيث على رفع الْوَاقِع فَلَا يكون هَذَا شَاهدا لَهُ لِأَن الْكذَّاب لَا يضع حَدِيثا إِلَّا على وفْق وَاقع أَو مُمكن وَالْوَاقِع بِمُجَرَّدِهِ لَا يدل على الحكم شرعا فَإِن قيل (د ٧٨) لم جوزتم الْعَمَل بالضعيف مَعَ الشَّاهِد المقوي وَلم تجوزوه بالموضوع مَعَ الشَّاهِد قُلْنَا لِأَن الضَّعِيف لَهُ أصل فِي السّنة وَهُوَ غير مَقْطُوع بكذبه وَلَا أصل للموضوع أصلا فشاهده كالبناء على المَاء أَو على جرف هار ثمَّ الْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ بذلك الشَّاهِد إِن صلح لاستقلاله
الثَّالِثَة أَن يكون (الْمَوْضُوع مَوضِع) احْتِيَاط فَيجوز الِاحْتِجَاج بِهِ ظَاهرا قَالَ النَّوَوِيّ فِي كتاب الْقَضَاء من الرَّوْضَة قَالَ الصَّيْمَرِيّ لَو سَأَلَ سَائل فَقَالَ إِن قتلت عَبدِي هَل عَليّ قصاص فواسع إِن قتلته قتلناك فَعَن النَّبِي ﷺ من
[ ٢ / ٣٢١ ]
قتل عَبده قَتَلْنَاهُ وَلِأَن [الْقَتْل] لَهُ معَان
فَائِدَة
الْأَحَادِيث الَّتِي يَقع فِيهَا تعْيين المبهمات وَصَحَّ أَصْلهَا فِي طَرِيق آخر هَل يتَسَامَح فِي اسانيدها من جِهَة أَنه لَا يتَعَلَّق بتعيينه حكم شَرْعِي أم لَا فِيهِ نظر وَالْأَقْرَب التسامح
٢٣٣ - (قَوْله) الثَّالِث إِذا أردْت رِوَايَة الحَدِيث الضَّعِيف إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
الأول مَا ذكره من أَنه لَا يجوز رِوَايَة الضَّعِيف إِلَّا بِصِيغَة التمريض شَامِل للضعيف الَّذِي يمْتَنع الْعَمَل بِهِ وَهُوَ فِي الْأَحْكَام وَالَّذِي شرع الْعَمَل بِهِ وَهُوَ
[ ٢ / ٣٢٢ ]
فِي الْفَضَائِل وَهُوَ فِي الظَّاهِر وَمن النَّاس من يجْزم ب قَالَ فِي الضَّعِيف إِذا كَانَ من فَضَائِل الْأَعْمَال والأحوط الْمَنْع
الثَّانِي شَمل إِطْلَاقه شَرّ أَنْوَاعه وَهُوَ الْمَوْضُوع وَلِهَذَا اسْتثْنى الْمَوْضُوع فِي الثَّانِي وَلم يستثنه فِي الثَّالِث وَالصَّوَاب الْمَنْع وَالْفرق أَنه فِي الضَّعِيف لَا يقطع بكذبه بِخِلَاف الْمَوْضُوع فَيجب تَنْزِيل كَلَام المُصَنّف على مَا عدا الْمَوْضُوع
الثَّالِث أَن قَوْله بِغَيْر إِسْنَاد يَقْتَضِي أَنه إِذا رُوِيَ بِالْإِسْنَادِ يُقَال فِيهِ بِالْجَزْمِ وَهُوَ كَذَلِك اتبَاعا لما رُوِيَ
الرَّابِع خرج من هَذَا أَنه لَا يجوز رِوَايَة الضَّعِيف إِلَّا مَعَ تبيينه وَقد حَكَاهُ الْعَلامَة أَبُو شامة الْمَقْدِسِي فِي كتاب الْبدع عَن جمع من الْمُحدثين والمحققين وَأهل الْفِقْه وَالْأُصُول وَقَالَ إِن جمَاعَة من أهل الحَدِيث يتساهلون فِي ذَلِك وَهُوَ خلاف مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ قَالَ وَمن تساهل فِيهِ فَهُوَ خطأ بل يَنْبَغِي أَن يُبينهُ إِن علم وَإِلَّا دخل تَحت الْوَعيد من كذب عَليّ مُتَعَمدا
قلت وَلِهَذَا كَانَ الإِمَام مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة وَغَيره من أهل الدّيانَة إِذا روى حَدِيثا بِهَذِهِ الصّفة قَالَ حَدثنَا فلَان مَعَ بَرَاءَة من عهدته وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بَاب الِاعْتِمَاد فِي الْجُلُوس فِي الْخَلَاء على الْيُسْرَى إِن صَحَّ (أ ١٢٨)
[ ٢ / ٣٢٣ ]
ويلتحق بتبيين الضعْف أَن يذكر الْإِسْنَاد وَلِهَذَا اكْتفى أَحْمد فِي مُسْنده وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهم بذلك فِي رِوَايَة كثير من الْأَحَادِيث من غير بَيَان ضعفها لظُهُور أَمر حَالهَا بِالْإِسْنَادِ عِنْد من لَهُ أدنى بَصِيرَة بِهَذَا الشَّأْن وَقد روى الْحَاكِم فِي مدخله اخبرني عَليّ بن الْحُسَيْن بن يَعْقُوب بن شقير الْمقري بِالْكُوفَةِ ثَنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كتبتم الحَدِيث فاكتبوه بِإِسْنَادِهِ فَإِن يكن حَقًا كُنْتُم شُرَكَاء فِي الْأجر وَإِن يكن بَاطِلا كَانَ وزره قَالَ الْحَاكِم أكتبه إِلَّا عَن ابْن شقير
تَنْبِيه
سكت المُصَنّف عَن عكس ذَلِك وَهُوَ إِذا أردْت رِوَايَة الحَدِيث الصَّحِيح بِغَيْر إِسْنَاد فَلَا يَأْتِي فِيهِ بِصِيغَة التمريض رُوِيَ وَنَحْوه وَوَقع ذَلِك فيي عبارَة الْفُقَهَاء وَلَيْسَ يستحسن
[ ٢ / ٣٢٤ ]