النَّوْع الثَّالِث وَالْعشْرُونَ معرفَة من تقبل رِوَايَته
٢٣٤ - (قَوْله) وخوارم الْمُرُوءَة (٣ ٤ ٥ ٦ بِهِ أَمْثَاله وَهِي لَا تقدح فِي الْعَدَالَة كَمَا لَا يقْدَح فِيهَا وجود التُّهْمَة بل إِنَّمَا يقْدَح
[ ٣ / ٣٢٥ ]
فِي الشَّهَادَة «وَقد أطلق الْعِرَاقِيُّونَ من أَصْحَاب الشَّافِعِي أَن من وجد فِيهِ بعض مَا هُوَ خلاف الْمُرُوءَة قبلت شَهَادَته إِلَّا أَن يكون الْأَغْلَب عَلَيْهِ ذَلِك فَيرد
وَحكى شُرَيْح الرَّوْيَانِيّ فِي رَوْضَة الْحُكَّام وَجْهَيْن فِي أَنه هَل يشْتَرط الْمُرُوءَة فِي الشَّهَادَة وجريانها فِي الرِّوَايَة أولى
الثَّانِي لم يبين المُرَاد بالمروءة المشترطة وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي فِي الْبَاب الثَّانِي من كتاب الشَّهَادَات الْمُرُوءَة على ثَلَاثَة أضْرب أَحدهَا أَن يكون شرطا فِي الْعَدَالَة بمجانبة مَا يستخف من الْكَلَام المؤذي والضحك وَترك مَا قبح من الْفِعْل الَّذِي يلهو بِهِ ويستقبح بمعرته فمجانبة ذَلِك شَرط فِي الْعَدَالَة وارتكابه مفض إِلَى الْفسق (٢) وَمِنْه نتف اللِّحْيَة وخضابها يَعْنِي بِالسَّوَادِ
وَالثَّانِي مَا لَيْسَ بِشَرْط كالإفضال بِالْمَاءِ وَالطَّعَام والمساعدة بِالنَّفسِ والجاه
الثَّالِث (٣) مُخْتَلف فِيهِ وَهُوَ نَوْعَانِ عادات وصنائع ثمَّ حكى فِي مُخَالفَة الْعَادة أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا لَا تقدح مُطلقًا وَالثَّانِي تقدح مُطلقًا وَالثَّالِث إِن كَانَ قد نَشأ عَلَيْهَا فِي صغره لم تقدح فِي عَدَالَته وَإِن استحدثها فِي كبره قدحت لِأَنَّهُ يصير مطبوعا بهَا وَالرَّابِع إِن اخْتصّت بِالدّينِ قدحت كالبول قَائِما (٤) وَفِي المَاء الراكد وكشف الْعَوْرَة إِذا خلا وَأَن يتحدث بمساوئ [النَّاس] (٥) وَإِن
[ ٣ / ٣٢٦ ]
اخْتصّت بالدنيا لم تقدح كَالْأَكْلِ فِي الطَّرِيق وكشف الرَّأْس بَين النَّاس وَالْمَشْي حافيا لِأَن مُرُوءَة الدّين مَشْرُوعَة ومروءة الدُّنْيَا مُسْتَحبَّة
الْقسم الثَّانِي الصَّنَائِع الدِّينِيَّة وفيهَا أوجه ثَالِثهَا يرد مَا استرذل فِي الدّين كمباشرة الأنجاس (أ ١٣١) من (١) الكناس والحجام والزبال ومشاهدة العورات كالقيم والمزين وَنَحْوهمَا (٢)
الثَّالِث لم يذكر من شُرُوطهَا الْحُرِّيَّة وَإِن ذكره الْفُقَهَاء فِي الشَّهَادَات لِأَن العَبْد (٣) مَقْبُول الرِّوَايَة ب (٤) [الشُّرُوط الْمَذْكُورَة] (٥) إِجْمَاعًا كَمَا حَكَاهُ الْخَطِيب (٦) وَلَا يشْتَرط الذُّكُورَة خلافًا لما نَقله الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي عَن أبي حنيفَة قَالَ وَاسْتثنى أَخْبَار عَائِشَة وَأم سَلمَة وَلَا يشْتَرط الْبَصَر وَلَا الْعدَد وَلَا الْعلم بالفقه أَو الْغَرِيب أَو معنى الحَدِيث وَشرط أَبُو حنيفَة فقه (٧) الرَّاوِي إِن خَالف الْقيَاس (٨)
٢٣٥ - (قَوْله) عَدَالَة الرَّاوِي تثبت بتنصيص عَدْلَيْنِ على عَدَالَته وَتارَة بالاستفاضة
فِيهِ أَمْرَانِ
[ ٣ / ٣٢٧ ]
أَحدهمَا ظَاهره الْحصْر فِي ذَلِك فَيخرج بِهِ مَا لَو عمل بحَديثه (١) فَلَا يَقْتَضِي تعديله وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْده كَمَا سَيَأْتِي
وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْعَدَالَة تثبت بِرِوَايَة جمَاعَة من الجلة عَن الشَّخْص وَهَذِه طَريقَة الْبَزَّار فِي مُسْنده وجنح إِلَيْهَا ابْن الْقطَّان أَيْضا فِي الْكَلَام على حَدِيث قطع السدر (٢) فِي كِتَابه الْوَهم وَالْإِيهَام (٣)
الثَّانِي مَا ذكره من اشْتِرَاط ذَلِك هُوَ الْمَشْهُور وَنقل فِي طبقاته عَن ابْن
[ ٣ / ٣٢٨ ]
عَبْدَانِ (١) أَنه حكى فِي كتاب شَرَائِط الْأَحْكَام عَن بعض أَصْحَابنَا أَنه لم يعْتَبر فِي ناقل الْخَبَر مَا يعْتَبر فِي الدِّمَاء والفروج من التَّزْكِيَة بل إِذا كَانَ ظَاهره الدّين والصدق قبل خَبره ثمَّ استغربه الشَّيْخ وَهُوَ كَذَلِك (٢) وَهُوَ قريب من توسع ابْن عبد الْبر الْآتِي
وَاعْلَم أَنه يجوز تَقْلِيد الْأَئِمَّة (د ٧٩) فِي التَّعْدِيل لَا سِيمَا فِي مثل هَذِه الْأَعْصَار قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح الْبُرْهَان فِي بَاب الِاجْتِهَاد وَصَارَ بعض الْأُصُولِيِّينَ إِلَى جَوَاز الِاكْتِفَاء بتعديل الْأَئِمَّة كَمَا ثَبت عِنْد الكافة الانقياد إِلَى تَعْدِيل من روى عَنهُ (٣) البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الصَّحِيحَيْنِ وَإِن كَانَ الروَاة عِنْد أهل الْعَصْر مستورين وَهَذَا اخْتَارَهُ الْغَزالِيّ (٤) وَأَشَارَ إِلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ (٥) أَيْضا
قَالَ وَيبعد فِي حق الرَّاوِي أَن يعرف حَاله كل من روى لَهُ خَبرا فيكتفي بتعديل الْأَئِمَّة بعد أَن يعرف مَذْهَبهم (٦) فِي التَّعْدِيل مَذْهَب مُسْتَقِيم فَإِن النَّاس قد اخْتلفُوا فِيمَا يعدل بِهِ ويجرح قَالَ الْأَنْبَارِي
وَالصَّحِيح عندنَا خلاف ذَلِك وَهَذَا تَقْلِيد مَحْض وَلَا يكون الْمُحدث على بَصِيرَة من هَذَا الْحَال
وَرَأَيْت فِي جملَة مسَائِل سُئِلَ عَنْهَا الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي أَنه إِذا ورد تَعْدِيل وَاحِد من الْحفاظ وتجريحه كيحيى بن معِين وَغَيره فَإِن كَانَ الرجل من أهل النَّقْد
[ ٣ / ٣٢٩ ]
والمعرفة فَعَلَيهِ أَن ينظر فِيهِ ويتأمله بعده ويختار من أَقْوَال النَّاس وَمن (١) لم يكن من هَذِه الْمنزلَة فَلهُ تَقْلِيد يحيى وَغَيره
٢٣٦ - (قَوْله) وَتوسع ابْن عبد الْبر فَقَالَ كل حَامِل علم إِلَى آخِره (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ النَّاس لست ارى مَا قَالَه أَبُو عمر إِلَّا مرضيا
[ ٣ / ٣٣٠ ]
قَالَ وَقد جعل ذَلِك إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي (١) تعديلا جَائِزا فِي قبُول الشَّهَادَة وَهِي أضيق من الْخَبَر (أ ١٣٢) وَاكْتفى فِي قبُول الشَّهَادَة بِطَلَبِهِ الْعلم مَعَ السَّلامَة من الْجرْح ثمَّ سَاق ذَلِك بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ وَقَالَ من عدله رَسُول الله ﷺ أولى مِمَّن عدلته قَالَ الشَّيْخ وَلَو أَن مستوري الْحَال فِي دينهما تَعَارضا فِي نقل خبر وَأَحَدهمَا مَعْرُوف بِطَلَب الحَدِيث وكتابته وَالْآخر لَيْسَ كَذَلِك لكَانَتْ النَّفس إِلَى قبُول خبر الطَّالِب اميل وَلَا معنى لهَذِهِ الْمعرفَة إِلَّا مزية طلبا لعلم انْتهى
وَقد يتَوَقَّف فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث على مَا قَصده ابْن عبد الْبر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن قَوْله يحمل وَإِن كَانَ لَفظه لفظ الْخَبَر إِلَّا أَن مَعْنَاهُ الْأَمر وَلَا يجوز أَن يكون خَبرا مَحْضا وَإِلَّا لتطرق إِلَيْهِ الْخلف وَهُوَ مُخَالف لِأَنَّهُ قد يحملهُ غير عدل فِي الْوَاقِع وَلِأَن كثيرا من الْعُدُول لَا يحملونه وَحِينَئِذٍ فَلَا حجَّة فِيهِ لَا سِيمَا على الرِّوَايَة الَّتِي سيحكيها عَن كتاب الرحلة للْمُصَنف
الثَّانِي أَن ابْن عبد الْبر نَفسه قَالَ فِي كتاب جَامع بَيَان الْعلم إِن هَذَا الحَدِيث رُوِيَ عَن أُسَامَة وَأبي هُرَيْرَة بأسانيد كلهَا مضطربة غير مُسْتَقِيمَة (٢) هَذَا لَفظه وَكَذَا
[ ٣ / ٣٣١ ]
قَالَ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة وَلَو اعْترض بِهِ على الشَّيْخ لَكَانَ أولى
الثَّانِي أَن هَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ مَرْفُوعا من من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب وَأبي هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود وَعبد الله بن عَمْرو وَابْن عمر وَأبي أُمَامَة وَجَابِر بن سَمُرَة وَأُسَامَة بن زيد وأسانيدها ضَعِيفَة وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لَا يَصح مَرْفُوعا إِنَّمَا هُوَ عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذري (١) عَن (٢) النَّبِي ﷺ وَقَالَ ابْن عدي رَوَاهُ الثِّقَات عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذري قَالَ ثَنَا الثِّقَة من أَصْحَابنَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فَذكره (٣)
وَأوردهُ الْعقيلِيّ (٤) فِي الضفعاء فِي تَرْجَمَة معَان بن رِفَاعَة (٥) وَقَالَ لَا يعرف إِلَّا بِهِ (٦) انْتهى وَهُوَ مُرْسل أَو معضل (٧) ضَعِيف وَإِبْرَاهِيم الَّذِي أرْسلهُ قَالَ فِيهِ
[ ٣ / ٣٣٢ ]
ابْن الْقطَّان لَا نعرفه الْبَتَّةَ فِي شَيْء من الْعلم غير هَذَا وَلم يضعوا اسْمه فِي تواريخهم
قلت ذكره الْحسن بن عَرَفَة (١) فِي الصَّحَابَة حَكَاهُ عَنهُ أَبُو نعيم لكنه قَالَ لم يُتَابع عَلَيْهِ (٢)
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي صحبته نظر
وَذكره ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين (٣) فَحصل أَنه إِمَّا تَابِعِيّ ثِقَة (أم) (٤) مَشْكُوك فِي صحبته بل فِي كتاب الْعِلَل للخلال أَن أَحْمد بن حَنْبَل سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث فَقيل لَهُ كَأَنَّهُ كَلَام مَوْضُوع فَقَالَ لَا هُوَ صَحِيح فَقيل لَهُ مِمَّن سمعته فَقَالَ من غير وَاحِد فَقيل من هم فَقَالَ حَدثنِي بِهِ مِسْكين إِلَّا أَنه يَقُول عَن معَان عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن قَالَ أَحْمد وَمَعَان لَا بَأْس بِهِ ووثقة ابْن الْمَدِينِيّ (٥)
قَالَ ابْن الْقطَّان وخفي على أَحْمد من أمره مَا علمه غَيره ثمَّ ذكر تَضْعِيفه عَن
[ ٣ / ٣٣٣ ]
ابْن معِين وَابْن أبي حَاتِم وَالسَّعْدِي وَابْن عدي وَابْن حبَان وَقَالَ عبد الْحق حَدِيث أبي هُرَيْرَة أحسن من عبد الله بن عَمْرو ونازعه ابْن الْقطَّان فِي ذَلِك وَفِيمَا صَار إِلَى من تَضْعِيفه نظر فَإِنَّهُ يتقوى بِتَعَدُّد طرقه وَمن شواهده كتاب عمر إِلَيّ أبي مُوسَى الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم على بعض إِلَّا مجلودا فِي حد أَو مجربا عَلَيْهِ شَهَادَة زور (١) أَو ظنينا فِي وَلَاء أَو نسب (٢)
الثَّالِث الْمَشْهُور فِي لفظ هَذَا الحَدِيث يحمل بِفَتْح الْفَاء وَضم الْعين من عدوله على أَنه جمع عدل وَرَأَيْت فِي رحْلَة ابْن الصّلاح [بِخَطِّهِ] (٣) مِمَّا نَقله
[ ٣ / ٣٣٤ ]
من كتاب مَنَاقِب مُحَمَّد بن كرام جمع مُحَمَّد الهيصم وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث قَالَ سَمِعت أَبَا جَعْفَر بن أَحْمد بن جَعْفَر (١) يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو مُحَمَّد (٢) بن أَحْمد التَّمِيمِي (٣) يروي هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ فيضم الْيَاء من قَوْله يحمل على أَنه فعل لم يسم فَاعله وَيرْفَع الْمِيم من الْعلم وَيَقُول عدولة وبالتاء (٤) وَمَعْنَاهُ أَن الْخلف هُوَ العدولة بِمَعْنى أَنه عَادل كَمَا نقُول شكور بِمَعْنى شَاكر وَتَكون الْهَاء للْمُبَالَغَة (أ ١٣٣) وَالْمعْنَى أَن الْعلم يحمل عَن (٥) كل خلف كَامِل فِي عَدَالَته وَأما أَبُو بكر الْمُفِيد (٦) فَقَالَ حفظت عَنهُ يحمل بِفَتْح الْيَاء من كل خلف عدوله بِضَم الْعين وَاللَّام وَذكر أَنه رِوَايَة انْتهى
وَأما قَوْله خلف فِي الرِّوَايَة بتحريك اللَّام وَيسْتَعْمل فِي الْخَيْر يُقَال فلَان خلف صدق وَأما فِي الشَّرّ فَيُقَال خلف (٧) قَالَ لبيد (وَبقيت فِي خلف كَجلْد الأجرب (٨)
[ ٣ / ٣٣٥ ]
قَالَ الْخطابِيّ وَمن روى الحَدِيث بِسُكُون اللَّام فقد أحَال (١) ٢٣٧ - (قَوْله) الثَّانِيَة يعرف كَون الرَّاوِي ضابطا إِلَى آخِره (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ عَن أَكثر الصَّحَابَة لتعذر
[ ٣ / ٣٣٦ ]
هَذَا الْمَعْنى قَالَ (١) وَهَذَا الشَّرْط وَإِن كَانَ على مَا بَينا فَإِن أَصْحَاب الحَدِيث قل مَا يعتبرونه فِي حق الطِّفْل دون الْمُغَفَّل فَإِنَّهُ مَتى صَحَّ عِنْدهم سَماع الطِّفْل أَو حُضُوره أَجَازُوا رِوَايَته وَالْأول أحوط اللدين وَأولى (٢)
٢٣٨ - (قَوْله) التَّعْدِيل مَقْبُول من غير ذكر سَببه إِلَى آخِره (٥ ٦ ٧ سَببهَا للمعنيين السَّابِقين
[ ٣ / ٣٣٧ ]
وَثَالِثهَا لَا يجب فيهمَا لِأَن الْمُزَكي إِن كَانَ بَصيرًا قبل جرحه وتعديله وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ قَول القَاضِي أبي بكر وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ إِن كَانَ الْمُزَكي عَالما بِأَسْبَاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل اكتفينا بِإِطْلَاقِهِ وَإِلَّا فَلَا (١) وَالْمُخْتَار مَا قَالَه الْغَزالِيّ أَنه ينظر فِي مَذَاهِب الجارحين والمزكين فَإِن كَانَت مُخْتَلفَة توقفنا عَن قبُول الْجرْح حَتَّى يتَبَيَّن وَجهه وَمَا كَانَ مُطلقًا أَو غير مُقَيّد فَلَا يجرح بِهِ وَمَا يَنْبَغِي فِي الْجَارِح والمعدل أَن يكون عَالما باخْتلَاف الْمذَاهب فِي ذَلِك فيجرح عِنْد كل حَاكم بِمَا يرَاهُ ذَلِك الْحَاكِم جرحا فيجرح عِنْد الْمَالِكِي بِشرب النَّبِيذ متأولا لِأَنَّهُ يرَاهُ قادحا دون غَيره وَإِذ لَو لم يعْتَبر ذَلِك لَكَانَ الْجَارِح أَو الْمعدل عَار لبَعض الْحُكَّام حَتَّى يحكم بقول من لَا يرى قبُول قَوْله وَهُوَ نوع من الْغِشّ محرم (٢)
٢٣٩ - (قَوْله) وَلذَلِك احْتج البُخَارِيّ بِجَمَاعَة إِلَى آخِره
مَا ذكره من أَن احتجاجه بهؤلاء لِأَنَّهُ لم يُفَسر جرحهم مَرْدُود بل الصَّوَاب أَن يُقَال إِنَّمَا احْتج بهم لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده الْجرْح وَإِن فسر لِأَنَّهُ قد جَاءَ التَّفْسِير فيهم (أ ١٣٤) أما عِكْرِمَة فَقَالَ ابْن عمر لنافع لَا تكذب عَليّ كَمَا كذب عِكْرِمَة على ابْن عَبَّاس (٣)
[ ٣ / ٣٣٨ ]
وَفِي الْأَنْسَاب لمصعب الزبيرِي أَن سَبَب ذَلِك فِي عِكْرِمَة أَنه (١)
إِلَى ابْن عَبَّاس فَقيل ذَلِك (٢)
وَأما عَاصِم (٣) فَقَالَ ابْن معِين كَذَّاب كَذَّاب وَقَالَ مُسلم كثير الْمَنَاكِير وَقَالَ ابْن سعد لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ كثير الْخَطَأ فِي حَدِيثه (٤)
وَأما عَمْرو بن مَرْزُوق فنسبه أَبُو الْوَلِيد (٥) الطَّيَالِسِيّ إِلَى الْكَذِب (٦)
[ ٣ / ٣٣٩ ]
وَأما ابْن سعيد (١) فمعروف بالتلقين وَقَالَ ابْن معِين كَذَّاب سَاقِط (٢)
وَأما إِسْمَاعِيل (٣) فَيُقَال إِنَّه أقرّ على نَفسه بِالْوَضْعِ كَمَا حَكَاهُ النَّسَائِيّ عَن
[ ٣ / ٣٤٠ ]
سَلمَة بن شبيب عَنهُ وَقَالَ النَّضر بن سَلمَة كَذَّاب (١)
إِلَى غير ذَلِك من كَلَام الْأَئِمَّة فِي الرِّجَال الْوَاقِعَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالَّذِي يزيح الْإِشْكَال مَا قدمْنَاهُ من أَنه لم يثبت عِنْده الْجرْح (٢) وَلِهَذَا قَالَ إِسْحَاق بن عِيسَى الطباع (٣) سَأَلت مَالك بن أنس قلت أبلغك أَن ابْن عمر قَالَ لنافع لَا تكذب عَليّ كَمَا كذب عِكْرِمَة على ابْن عَبَّاس قَالَ لَا وَلَكِن بَلغنِي أَن سعيد بن الْمسيب قَالَ ذَلِك لبرد مَوْلَاهُ (٤) وعَلى تَقْدِير ثُبُوت التَّفْسِير فَلَا شكّ أَن فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل ضَرْبَيْنِ (٥) من الِاجْتِهَاد وأئمة النَّقْل يَخْتَلِفُونَ فِي الْأَكْثَر فبعضهم يوثق الرجل إِلَى
[ ٣ / ٣٤١ ]
الْغَايَة وَبَعْضهمْ يوهنه إِلَى الْغَايَة وهما إمامان إِلَيْهِمَا الْمرجع فِي هَذَا الشَّأْن قَالَ التِّرْمِذِيّ اخْتلف الْأَئِمَّة من أهل الْعلم فِي تَضْعِيف الرِّجَال كَمَا اخْتلفُوا فِيمَا سوى ذَلِك من الْعلم فَذكر عَن شُعْبَة أَنه ضعف أَبَا (١) الزبير الْمَكِّيّ (٢) وَعبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان (٣) وَحَكِيم بن جُبَير (٤) وَترك الرِّوَايَة عَنْهُم ثمَّ حدث شُعْبَة عَمَّن هُوَ
[ ٣ / ٣٤٢ ]
دونهم فِي الْحِفْظ وَالْعَدَالَة كجابر (١) الْجعْفِيّ (٢) وَإِبْرَاهِيم بن مُسلم الهجري (٣) وَمُحَمّد بن عبيد ال (٤) لَهُ الْعَرْزَمِي (٥)
[ ٣ / ٣٤٣ ]
وَحِينَئِذٍ (١) فَلَا يكون إِمَام مِنْهُم حجَّة على الآخر فِي قبُول رِوَايَة راو أوردهُ (٢) فَهَذَا [مُحَمَّد بن] (٣) إِبْرَاهِيم التَّمِيمِي قَالَ فِيهِ أَحْمد بن حَنْبَل يروي مَنَاكِير (ذكر) (٤) ذَلِك الْبَاجِيّ فِي رجال البُخَارِيّ (٥) وَكَذَا الْعقيلِيّ (٦) وَقَالَ فِيهِ ابْن
[ ٣ / ٣٤٤ ]
الْحذاء تكلم فِيهِ أهل الحَدِيث وَمَعَ هَذَا فاتفق أَئِمَّة الْإِسْلَام كمالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهم على الرِّوَايَة عَنهُ (١) وَحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ إِنَّمَا مَدَاره عَلَيْهِ وَقد تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ لموافقته الْأُصُول فَلَا يَجْعَل قَول أَحْمد - وَإِن كَانَ إِمَام هَذَا الشَّأْن - حجَّة على مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهم من الْأَئِمَّة (٢) كَمَا لَا يكون قَول بعض الْأَئِمَّة حجَّة على بعض فِي الْمسَائِل الاجتهادية وَلَو ذهب الْعلمَاء إِلَى ترك كل من تكلم فِيهِ لم يبْق بأيدي أهل هَذَا (٣) الشَّأْن من الحَدِيث إِلَّا
[ ٣ / ٣٤٥ ]
الْيَسِير بل لم يبْق شَيْء وَمن الَّذِي ينجو من النَّاس سالما وَلِلنَّاسِ قَالَ بالظنون وَقيل (١)
وَأَيْضًا فللبخاري أَن يَقُول إِنَّمَا شرطي صِحَة الحَدِيث للاتفاق على عَدَالَة الروَاة فقد يكون الحَدِيث لَهُ طرق بَعْضهَا أرفع من بعض فيعدل عَن الطَّرِيق الْأَصَح لنزوله (٢) أَو لقصد تكْرَار الطّرق أَو غَيرهَا وَقد صرح مُسلم بِنَحْوِ ذَلِك فَقَالَ أَبُو عُثْمَان سعيد بن عَمْرو (٣) سَمِعت (٤) أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ - وَقد ذكر لَهُ كتاب الصَّحِيح الَّذِي أَلفه مُسلم - فَقَالَ هَؤُلَاءِ قوم أَرَادوا التَّقَدُّم قبل أَوَانه فعملوا فِيهِ شيئايتشرفون بِهِ وألفوا كتبا لم يسْبقُوا إِلَيْهَا ليقيموا لأَنْفُسِهِمْ رئاسة قبل وَقتهَا وَأَتَاهُ ذَات (أ ١٣٥) يَوْم وَأَنا شَاهد رجل بِكِتَاب الصَّحِيح رِوَايَة مُسلم فَجعل ينظر فِيهِ فَإِذا هُوَ قد حدث عَن أَسْبَاط بن نصر (٥) فَقَالَ أَبُو زرْعَة مَا أبعد (٦) هَذَا من
[ ٣ / ٣٤٦ ]
الصَّحِيح يدْخل فِي كِتَابه أَسْبَاط بن نصر ثمَّ رأى فِيهِ قطن بن نسير (١) فَقَالَ لي هَذَا أَطَم (٢) من الأول قطن بن نسير وصل أَحَادِيث عَن ثَابت (٣) جعلهَا عَن أنس ثمَّ نظر وَقَالَ يروي عَن أَحْمد بن عِيسَى (٤) فِي كتاب الصَّحِيح قَالَ لي أَبُو زرْعَة مَا رَأَيْت أهل مصر يَشكونَ فِي أَن أَحْمد بن عِيسَى وَأَشَارَ أَبُو زرْعَة إِلَى لِسَانه - كَأَنَّهُ يَقُول الْكَذِب ثمَّ قَالَ لي يحدث عَن هَؤُلَاءِ وَيتْرك مُحَمَّد بن عجلَان ونظراءه
قَالَ ورأيته يذم من وضع هَذَا الْكتاب فَلَمَّا رجعت (٥) إِلَى نيسابور فِي الْمرة الثَّانِيَة ذكرت لمُسلم بن الْحجَّاج إِنْكَار أبي زرْعَة عَلَيْهِ فَقَالَ لي مُسلم إِنَّمَا قلت صَحِيح وَإِنَّمَا أدخلت من حَدِيث اسباط بن نصر وقطن بن نسير وَأحمد مَا قد رَوَاهُ الثِّقَات عَن شيوخهم إِلَّا أَنه رُبمَا وَقع إِلَيّ عَنْهُم بارتفاع وَيكون عِنْدِي من رِوَايَة من هُوَ أوثق مِنْهُم بنزول فأقتصر على الأول (٦) وَاصل الحَدِيث مَعْرُوف من رِوَايَة
[ ٣ / ٣٤٧ ]
الثِّقَات (١) انْتهى
وَهَذِه فَائِدَة جليلة أزالت الْإِشْكَال وَعرف بهَا عذر الرجل بالتنصيص لَا بالتخرص وَعلم أَن إِلْزَام من ألزمهما تَخْرِيج (٢) أَحَادِيث تركاها من رِوَايَة رجال رووا عَنْهُم وَقع فيهم الْكَلَام غير لَازم لما ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ قد لَا يصحبها (٣) من أصل الصِّحَّة مَا صَحَّ (٤) ب مَا أَخْرجَاهُ من حَدِيث أُولَئِكَ الرِّجَال
وَهَا هُنَا فَائِدَة جليلة وَهُوَ مَا جرت بِهِ عَادَة كثير من الْمُتَأَخِّرين فِي الرجل إِذا روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَقد تكلم فِيهِ أَن يعتمدوه ويقولوا قد جَازَ القنطرة قَالَ الشَّيْخ وَهَكَذَا نعتقده (٥) وَبِه نقُول وَجرى على ذَلِك الْحَافِظ أَبُو الْحجَّاج (د ٨١) الْمزي والذهبي وَغَيرهم مِمَّا يظْهر من تصرفهم
وَنَازع فِي ذَلِك الإِمَام النَّاقِد شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي (٦) وَقَالَ
[ ٣ / ٣٤٨ ]
الْحق أَن هَذَا القَوْل غير مَقْبُول على الْإِطْلَاق بل الْكَلَام فِي الرجل من رجال الصَّحِيح تَارَة لَا يكون مؤثرا فِيهِ ككلام النَّسَائِيّ فِي أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ (١) وَتارَة يكون مؤثرا كيحيى بن أَيُّوب الْمصْرِيّ (٢) ونعيم بن حَمَّاد (٣) وسُويد بن
[ ٣ / ٣٤٩ ]
سعيد (١) وَغَيرهم فَإِذا انْفَرد وَاحِد مِنْهُم واشتهر الْكَلَام فِيهِ أَو ضعفه أَكثر الْأَئِمَّة
[ ٣ / ٣٥٠ ]
بِحَدِيث فِي الْحَلَال وَالْحرَام لم يحْتَج بِهِ وَأَصْحَاب الصَّحِيح إِذا رووا لمن تكلم فِيهِ وَضعف فَإِنَّهُم يثبتون من حَدِيثه مَا لم ينْفَرد بِهِ بل وَافق فِيهِ الثِّقَات وَقَامَت شَوَاهِد صدقه قَالَ وَفِي هَذَا الْموضع يعرض الْغَلَط لطائفتين من النَّاس إِحْدَاهمَا (١) يرَوْنَ الرجل قد أخرج لَهُ فِي الصَّحِيح فيحكمون بِصِحَّة كل مَا رَوَاهُ حَيْثُ رَأَوْهُ (٢) فِي حَدِيث قَالُوا هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الصَّحِيح
وَهُوَ غلط فَإِن ذَلِك الحَدِيث قد يكون مِمَّا أنكر عَلَيْهِ من حَدِيثه أَو يكون شاذا أَو مُعَللا فَلَا يكون من شَرط أَصْحَاب الصَّحِيح بل وَلَا يكون حسنا وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيث جمَاعَة ونكب (٣) على بضعهَا خَارج الصَّحِيح
وَالثَّانيَِة يرَوْنَ الرجل قد تكلم فِيهِ وَقد ضعف فيجعلون مَا قيل فِيهِ من كَلَام الْحفاظ مُوجبا لترك جَمِيع مَا رَوَاهُ ويضعفون مَا صَحَّ من حَدِيثه لطعن من طعن فِيهِ كَمَا يَقُول ابْن حزم ذَلِك فِي إِسْرَائِيل (٤) (أ ١٣٦) وَغَيره من الثِّقَات وَكَذَلِكَ ابْن
[ ٣ / ٣٥١ ]
الْقطَّان يتَكَلَّم فِي أَحَادِيث كَثِيرَة قد أخرجت فِي الصَّحِيح لطعن من طعن فِي رواتها
وَهَذِه طَريقَة ضَعِيفَة وسالكها قَاصِر فِي معرفَة الحَدِيث وذوقه عَن معرفَة
[ ٣ / ٣٥٢ ]
الْأَئِمَّة وذوقهم انْتهى
وَيشْهد لَهُ الْحِكَايَة الَّتِي أوردناها عَن مُسلم - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (١)
ويلتحق بذلك أَمر ثَالِث وَهُوَ أَن يرَوْنَ الرجل ترك الشَّيْخَانِ حَدِيثه فيجعلون ذَلِك قدحا فِيهِ وَهَذَا ظَاهر تصرف الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه السّنَن والمعرفة كثيرا مَا يُعلل الْأَحَادِيث بِأَن رواتها لم يخرج لَهُم الشَّيْخَانِ
وَالْحق أَنه لَا يدل على ذَلِك كَمَا لَا يدل تَركهمَا مَا لم يخرجَا من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة على ضعفها وَبِه صرح الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الْمدْخل وَقَالَ تَركه الرِّوَايَة عَن حَمَّاد بن سَلمَة وَنَحْوه كتركه كثيرا من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة على شَرطه لَا لِضعْفِهَا وإسقاطها وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه الْمدْخل أَيْضا وعَلى مصنفاتهم فِي الْعِلَل وسؤالاتهم يعْتَمد فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل لَا على كتاب بنوا فِيهِ على أصل وشرطوا لأَنْفُسِهِمْ فِيهِ شُرُوطًا انْتهى
٢٤٠ - (قَوْله) فَقَالَ مَا يصنع بِصَالح (١١ هَكَذَا فِي اصل موثوق بِهِ فِيهِ سَماع الْخَطِيب (٢)
[ ٣ / ٣٥٣ ]
٢٤١ - (قَوْله) وَلقَائِل أَن يَقُول إِلَى آخِره (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ذَلِك بِنَاء على أَنه فِي نفس الْأَمر قَادِح على مَا عرف
[ ٣ / ٣٥٤ ]
٢٤٢ - (قَوْله) فَمنهمْ من قَالَ لَا يثبت ذَلِك إِلَّا بِاثْنَيْنِ كَمَا فِي الشَّهَادَات (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ أُمُور
[ ٣ / ٣٥٥ ]
أَحدهَا مَا جزم بِهِ من تَقْدِيم الْجرْح يَقْتَضِي تَخْصِيص الْقطع بِمَا إِذا اسْتَوَى الْجَارِح والمعدل بِدَلِيل قَوْله بعد فَإِن كَانَ عدد المعدلين أَكثر فقد قيل إِلَى آخِره فَدلَّ على أَن الأول لَا خلاف فِيهِ وَكَذَا ذكره ابْن عَسَاكِر (١) أَيْضا فَقَالَ فِي حَدِيث الأطيط (٢) أجمع أهل الْعلم على تَقْدِيم قَول من جرح رَاوِيا على قَول
[ ٣ / ٣٥٦ ]
من عدله انْتهى
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وَيَنْبَغِي تَنْزِيل كَلَام ابْن عَسَاكِر على ذَلِك (١)
[ ٣ / ٣٥٨ ]
الثَّانِي فَاتَهُ من (أ ١٣٧) الْخلاف حِكَايَة قَول أَنه إِذا لم يزدْ يتعارضان وَلَا يرجح أَحدهمَا إِلَّا بمرجح حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب (١) وَقيل يرجح بالأحفظ
الثَّالِث أَن تَقْدِيم الْجَارِح مَشْرُوط عِنْد الْفُقَهَاء بِأَن يُطلق القَوْل فَإِن قَالَ الْمعدل عرفت السَّبَب الَّذِي ذكره الْجَارِح لكنه تَابَ وَحسنت حَالَته (٢) فَإِنَّهُ يقدم الْمعدل وَكَذَلِكَ لَو عين (٣) الْجَارِح سَببا فنفاه الْمعدل بطرِيق مُعْتَبر كَمَا إِذا قَالَ قتل فلَانا ظلما وَقت كَذَا فَقَالَ الْمعدل رَأَيْته حَيا بعد ذَلِك أَو كَانَ الْقَتِيل فِي ذَلِك الْوَقْت عِنْدِي لَكِن هُنَا يتعارضان فيتساقطا وَيبقى أصل الْعَدَالَة ثَابتا وَيحْتَمل أَن يُقَال بِتَقْدِيم قَول الْمعدل لِأَن السَّبَب الَّذِي اسْتندَ إِلَيْهِ الْجَارِح قد تبين بُطْلَانه فَكَأَنَّهُ لم يكن وَيبقى التَّعْدِيل (مُسْتقِلّا وَالْحكم) (٤) وَاحِدًا غير (٥) أَن على هَذَا الِاحْتِمَال يكون ثُبُوت عَدَالَته بِالْأَصَالَةِ وَذكر ابْن الرّفْعَة (٦) مَسْأَلَة أُخْرَى وَهِي مَا لَو شَهدا بجرحه بِبَلَد ثمَّ انْتقل إِلَى غَيره فعدله آخرَانِ فها هُنَا يقدم التَّعْدِيل كَذَا أطلقهُ وَيَنْبَغِي تَقْيِيده بِمَا إِذا كَانَ بَين انْتِقَاله من الأول إِلَى الثَّانِي مُدَّة الِاسْتِبْرَاء وَإِلَّا فَلَا يقدم
الرَّابِع هَذَا كُله إِذا فسر الْجرْح فَأَما لَو تعَارض الْجرْح وَالتَّعْدِيل غير مفسرين فالمقدم التَّعْدِيل قَالَه الْحَافِظ الْمزي وَغَيره (٧)
[ ٣ / ٣٥٩ ]
الْخَامِس أَن تَقْدِيم الْجرْح مَحَله - كَمَا قَالَه أَبُو الْحسن الخزرجي (١) فِي كتاب تقريب المدارك - إِذا كَانَ الْجَارِح قد علم مَا لم يعلم الْمعدل قَالَ فَأَما إِذا اخْتلفُوا فِيمَا ينْسب إِلَى الرَّاوِي كَقَوْل النَّسَائِيّ فِي سماك (٢) إِنَّه يقبل التَّلْقِين وَقَالَ غَيره قد عرضت حَدِيثه على رِوَايَة غَيره من الثِّقَات فوافقها فَلَا يكون أَحدهمَا حجَّة على الآخر بل هَذَا الَّذِي عرض حَدِيثه وَنظر فِيهِ قد علم مَا لم يعلم المجرح وَقَالَ وَلِهَذَا احْتج مُسلم بسماك فَلَا يكون النَّسَائِيّ حجَّة عَلَيْهِ (٣) قَالَ وَكَذَلِكَ إِذا اخْتلفُوا فِيمَا يظْهر من الرَّاوِي هَل هُوَ جرح أم لَا لَا يقدم أَحدهمَا على الاخر
[ ٣ / ٣٦٠ ]
السَّادِس هَذَا فِيمَا إِذا تَعَارضا (١) من قائلين فَأَما إِذا تَعَارضا من قَائِل وَاحِد فَلم أر من تعرض لَهُ وَهَذَا يتَّفق ليحيى بن معِين وَغَيره يرْوى عَنهُ تَضْعِيف الرجل مرّة وتوثيقه أُخْرَى وَكَذَا ابْن حبَان يذكرهُ فِي الثِّقَات مرّة ويدخله فِي الضُّعَفَاء (أُخْرَى) (٢) (٣)
قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الْمدْخل وَهَذَا لِأَنَّهُ قد يخْطر على قلب المسؤول (د / ٨٢) عَن الرجل من حَاله فِي الحَدِيث وقتا مَا يُنكره قلبه فَيخرج جَوَابه على حسب الفكرة الَّتِي فِي قلبه ويخطر لَهُ مَا يُخَالِفهُ فِي وَقت آخر فيجيب عَمَّا يعرفهُ فِي الْوَقْت مِنْهُ قَالَ وَلَيْسَ ذَلِك بتناقض وَلَا إِحَالَة وَلكنه صدر عَن حَالين مُخْتَلفين عرض أَحدهمَا فِي وَقت والاخر فِي غَيره
قلت وَالظَّاهِر فِي هَذِه الْحَالة أَنه إِن ثَبت تَأَخّر أحد الْقَوْلَيْنِ عَن الْأُخَر فَهُوَ الْمَعْمُول (بِهِ) (٤) وَإِلَّا وَجب التَّوَقُّف كَمَا سبق (٥)
٢٤٤ - (قَوْله) فَإِن كَانَ عدد المعدلين أَكثر فقد قيل التَّعْدِيل (٦) أولى (١١ وَاجِب كَمَا فِي تعَارض
[ ٣ / ٣٦١ ]
الْحَدِيثين والأمارتين (أ ١٣٨) وَالصَّحِيح تَقْدِيم الْجرْح لما ذكرنَا يَعْنِي لِأَن تَقْدِيم الْجرْح إِنَّمَا هُوَ لتَضَمّنه زِيَادَة خفيت على الْمعدل وَذَلِكَ مَوْجُود مَعَ زِيَادَة عدد الْمعدل ونقصه ومساواته فَلَو جرحه وَاحِد وعدله (١) مائَة قدم قَول الْوَاحِد لذَلِك (٢)
٢٤٥ - (قَوْله) فِي السَّادِسَة إِذا قَالَ حَدثنِي الثِّقَة لم يكتف (٥ ٦ بالِاتِّفَاقِ عِنْد الشَّافِعِي وَأَصْحَابه فَإِذا قَالَ
[ ٣ / ٣٦٢ ]
شَاهد الْفَرْع أشهدني شَاهد أصل أشهد بعدالته وثقته أَنه شهد بِكَذَا لم يسمع ذَلِك وفَاقا حَتَّى يُعينهُ الْحَاكِم ثمَّ الْحَاكِم إِن علم عَدَالَة شَاهد الأَصْل عمل بِمُوجب الشَّهَادَة وَإِن جهل حَاله اشْتَركَا (١) (٢)
٣٤٦ - (قَوْله) فَإِن كَانَ الْقَائِل لذَلِك عَالما أَجْزَأَ ذَلِك فِي حق من يُوَافقهُ فِي مذْهبه على مَا اخْتَارَهُ بعض الْمُحَقِّقين (٥ ٦ ٧ بن أبي يحيى (٤) (٥)
[ ٣ / ٣٦٣ ]
وبمن لَا يتهم يحيى (١) بن حسان (٢)
[ ٣ / ٣٦٤ ]
فَصَارَت (١) الْكِنَايَة كالتسمية قَالَ وَقيل إِن الشَّافِعِي قَالَ ذَلِك احتجاجا لنَفسِهِ وَلم يقلهُ احتجاجا على خَصمه وَله فِي حق نَفسه أَن يعْمل بِمَا يَثِق بِصِحَّتِهِ هَذَا كَلَامه فِي القواطع (٢) وَالصَّوَاب الْقبُول إِن كَانَ من عَادَته لَا يروي إِلَّا عَن عدل وَقَالَ ابْن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا - شهد عِنْدِي رجال مرضيون وأرضاهم عِنْدِي عمر (٣) وَنَظِيره قَول مُسلم بن الْحجَّاج فِي صَحِيحه حَدثنَا غير وَاحِد وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ بلغ عِنْده مبلغ الاشتهار الَّذِي لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى تعْيين الْوَاسِطَة
وَهنا فَائِدَة ذكرهَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم بن عَاصِم الآبري السجْزِي (٤) فِي مَنَاقِب الشَّافِعِي سَمِعت بعض أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ يَقُول إِذا
[ ٣ / ٣٦٥ ]
قَالَ الشَّافِعِي فِي كتبه أخبرنَا الثِّقَة عَن ابْن أبي ذِئْب (١) فَهُوَ ابْن أبي فديك (٢) وَإِذا قَالَ أخبرنَا الثِّقَة عَن اللَّيْث بن سعد [فَهُوَ يحيى بن حسان] (٣) وَإِذا قَالَ أخبرنَا الثِّقَة عَن الْوَلِيد بن كثير (٤) فَهُوَ ابو أُسَامَة (٥) وَإِذا قَالَ أخبرنَا الثِّقَة عَن الْأَوْزَاعِيّ [فَهُوَ عَمْرو بن أبي سَلمَة] (٦) (٧)
وَإِذا قَالَ أخبرنَا الثِّقَة عَن صَالح مولى التَّوْأَمَة (٨) فَهُوَ إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى (٥) انْتهى
[ ٣ / ٣٦٦ ]
وَذكر الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ عَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ مَا حدث بِهِ الشَّافِعِي فِي كِتَابه فَقَالَ حَدثنِي الثِّقَة فَإِنَّمَا يُرِيد بِهِ أبي قَالَ الرَّافِعِيّ وَهَذَا فِي الْكتب الْقَدِيمَة أَكثر (١) انْتهى
وَسُئِلَ يحيى بن معِين إِن مَالِكًا يَقُول حَدثنِي الثِّقَة فَمن هُوَ قَالَ مخرمَة ابْن بكير (٢) قيل لَهُ لم قل حَدِيث مَالك
قَالَ لِكَثْرَة تَمْيِيزه (٣)
٢٤٧ - (قَوْله) (أ ١٣٩) السَّابِعَة إِذا روى الْعدْل عَن رجل وَسَماهُ لم تجْعَل رِوَايَته عَنهُ تَعْدِيل مِنْهُ (٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ وَهُوَ الصَّحِيح
[ ٣ / ٣٦٧ ]
عِنْد الْأُصُولِيِّينَ (١) وَجمع من أَئِمَّة الحَدِيث (٢) وَقد قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين لَا نبالي أَلا نسْأَل عَن رجل حدث عَنهُ مَالك حَكَاهُ الخليلي (٣)
وَيخرج من كَلَام أبي حَاتِم الرَّازِيّ مَذْهَب آخر فَإِنَّهُ سَأَلَ أَبَاهُ عَن رِوَايَة الثِّقَات عَن رجل غير ثِقَة مِمَّا يقويه فَقَالَ إِذا كَانَ مَعْرُوفا بالضعف لم يقوه رِوَايَته عَنهُ وَإِذا كَانَ مَجْهُولا لَا تَنْفَعهُ رِوَايَة الثِّقَة عَنهُ ثمَّ قَالَ ابْن أبي حَاتِم سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن رِوَايَة الثِّقَات عَن الرجل مِمَّا يُقَوي حَدِيثه قَالَ إِي لعمري قلت الْكَلْبِيّ روى عَنهُ الثَّوْريّ قَالَ إِنَّمَا ذَاك إِذا لم يتَكَلَّم فِيهِ الْعلمَاء
وَكَانَ الْكَلْبِيّ يتَكَلَّم فِيهِ قَالَ أَبُو زرْعَة أخبرنَا (٤) أَبُو نعيم (٥) أَنا سُفْيَان أَنا مُحَمَّد بن السَّائِب هُوَ الْكَلْبِيّ وَتَبَسم الثَّوْريّ قَالَ ابْن أبي حَاتِم قلت لأبي مَا معنى رِوَايَة الثَّوْريّ عَن الْكَلْبِيّ وَهُوَ غير ثِقَة عِنْده قَالَ كَانَ الثَّوْريّ يذكر الرِّوَايَة عَن الرجل على الْإِنْكَار والتعجب فيعلقون عَنهُ رِوَايَته وَلم تكن رِوَايَته عَن
[ ٣ / ٣٦٨ ]
الْكَلْبِيّ قبُوله لَهُ (١) انْتهى
وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا هُوَ الْمَذْهَب فِي رِوَايَة الثِّقَات عَن الشَّخْص لَا فِي رِوَايَة الثِّقَة الْوَاحِد الَّتِي هِيَ مَسْأَلَتنَا وَهَذِه الطَّرِيقَة يستعملها الْبَزَّار فِي مُسْنده كثيرا فِي التَّعْدِيل فَيَقُول تفرد بِهِ فلَان وَقد روى عَنهُ النَّاس
[تَنْبِيه]
هَل مَحل هَذَا الْخلاف الَّذِي حَكَاهُ المُصَنّف فِي مَجْهُول الْعَدَالَة أَو فِي الْمَعْرُوف عينه وَقد جرحه قوم وروى عَنهُ ثِقَة فِيهِ نظر (٢) وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر (٣) بن خلفون (٤) اخْتلف الْأَئِمَّة فِي رِوَايَة الثِّقَة عَن الْمَجْهُول الَّذِي لَا يعرف حَاله إِلَّا بِظَاهِر الْإِسْلَام فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن رِوَايَة الثِّقَة عَنهُ تعديلا وَذهب بَعضهم إِلَى أَن رِوَايَة الرجلَيْن عَنهُ يُخرجهُ عَن حد الْجَهَالَة (٥) وَإِن لم يعرف حَاله وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْجَهَالَة لَا ترْتَفع عَنهُ بروايتهما عَنهُ حَتَّى يعرف حَاله وتتحقق عَدَالَته وَهَذَا القَوْل أولى عندنَا بِالصَّوَابِ انْتهى
[ ٣ / ٣٦٩ ]
[فَائِدَة]
الَّذِي عَادَته لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة ثَلَاثَة يحيى بن سعيد وَشعْبَة وَمَالك قَالَه ابْن عبد الْبر (١) وَغَيره وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ أحد بعد التَّابِعين آمن على الحَدِيث (أ ١٤٠) من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَلَا أقل رِوَايَة عَن الضُّعَفَاء مِنْهُم (٢) وَلم يحدث مَالك عَن مَتْرُوك إِلَّا عَن عبد الْكَرِيم أبي (٣) أُميَّة روى (٤) عَنهُ حديثين وَعَن يحيى بن سعيد عَن عبد الْغفار بن الْقَاسِم (٥)
[ ٣ / ٣٧٠ ]
وَعبد الْغفار مَتْرُوك وَعَاصِم بن عبيد الله (١) وَعَمْرو بن أبي عَمْرو وَلم يرو عَنْهُمَا من الْأَحْكَام شَيْئا وكل من روى عَنهُ مَالك سوى هَؤُلَاءِ فَهُوَ فيهم حجَّة (٣)
[ ٣ / ٣٧١ ]
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ (فِي الْمدْخل انْفَرد (١) من الْأَئِمَّة عَن الرِّوَايَة عَن الضُّعَفَاء كمالك بن أبي مَرْيَم (٢) وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَغَيرهم وَقد يُوجد فِي رِوَايَة بَعضهم الرِّوَايَة) (٣) عَن بعض الضُّعَفَاء بخفائها عَلَيْهِ وظهوره لغيره كَرِوَايَة مَالك عَن عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق (٤) وَهُوَ عِنْد غَيره ضَعِيف (انْتهى)
وَحكى الشَّيْخ عَلَاء الدّين مغلطاي عَن تَارِيخ قرطبة أَن بَقِي بن مخلد قَالَ كل من رويت عَنهُ فَهُوَ ثِقَة وَمن تَارِيخ ابْن أبي خَيْثَمَة سَمِعت يحيى بن معِين يَقُول إِذا حدث الشّعبِيّ عَن رجل فَسَماهُ فَهُوَ ثِقَة (٥) يحْتَج بحَديثه
٢٤٨ - (قَوْله) وَهَكَذَا نقُول إِن عمل الْعَالم (٦) أَو فتياه على وفْق حَدِيث لَيْسَ حكما مِنْهُ بِصِحَّة ذَلِك الحَدِيث (٩ (د ٨٣) أَو لدَلِيل آخر وَافق ذَلِك
[ ٣ / ٣٧٢ ]
الحَدِيث وَقَضيته طرد الْخلاف السَّابِق فِيهِ وَبِه صرح إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان فَحكى قَوْلَيْنِ فِي أَنه تَعْدِيل لَهُ أَولا ثمَّ اخْتَار توسطا وَهُوَ أَنه إِن ظهر مُسْتَند فعله مَا رَوَاهُ وَلم يكن ذَلِك من مسالك الِاحْتِيَاط فَهُوَ تَعْدِيل وَإِلَّا فل (١) اوأطلق فِي الْمَحْصُول أَنه تَزْكِيَة إِلَّا أَن يُمكن حمله على الِاحْتِيَاط أَو الْعَمَل بِدَلِيل آخر وَافق الْخَبَر (٢)
وَاعْلَم أَن شَيخنَا ابْن كثير استدرك على كَلَام ابْن الصّلاح فَقَالَ وَفِي هَذَا نظر إِذا لم يكن فِي الْبَاب (٣) غير ذَلِك الحَدِيث إِذا تعرض للاحتجاج بِهِ فِي فتياه إِن حكمه وَاسْتشْهدَ بِهِ عِنْد الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ (٤)
وَهَذَا مِنْهُ عَجِيب لِأَن ذَلِك لم يلاق كَلَام ابْن الصّلاح فإ كَلَامه مَفْرُوض فِي غير هَذِه الْحَالة وَانْظُر قَوْله عمل الْعَالم على وفْق حَدِيث لَيْسَ حكما بِصِحَّة ذَلِك الحَدِيث فَعلم أَن كَلَامه فِيمَا إِذا لم يظْهر أَن ذَلِك مُسْتَنده وَنَظِير ذَلِك الْخلاف الأصولي فِي الْإِجْمَاع الْمُوَافق لخَبر هَل يجب أَن يكون عَنهُ
[ ٣ / ٣٧٣ ]
٢٤٩ - (قَوْله) أَحدهمَا الْمَجْهُول للعدالة من حَيْثُ الظَّاهِر وَالْبَاطِن جَمِيعًا وَرِوَايَته غير مَقْبُولَة عِنْد الجماهير (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ابْن الصّلاح بِالْخِلَافِ فِي هَذَا الْقسم كَمَا يَنْبَغِي وَذكر إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَن الْمُحدثين ترددوا
[ ٣ / ٣٧٤ ]
فِي (١) رِوَايَته وَأَن الَّذِي صَار إِلَيْهِ المعتبرون من الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهَا لَا تقبل قَالَ وَهَذَا الْمَقْطُوع بِهِ عندنَا وَمَا ذَكرْنَاهُ من إِطْلَاق الْعَمَل فِي كثير من كتب الحَدِيث لَا بُد فِيهِ من قيد وَهُوَ أَن يروي عَنهُ راويان فَأكْثر وَإِلَّا فَهُوَ مَجْهُول الْعين وَكَأَنَّهُ اسْتغنى عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَيْسَ الْكَلَام فِي مَجْهُول الْعين (٢)
وَمَا أَشَارَ إِلَى تَصْحِيحه صرح بِتَصْحِيحِهِ الْمُحب الطَّبَرِيّ وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي مُقَدّمَة شرح مُسلم احْتج بِهَذَا الْقسم (أ ١٤١) وَالَّذِي بعده كثير من الْمُحَقِّقين (٣) وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة قَالَ المارودي وَالرُّويَانِيّ إِذا كَانَت عَدَالَة الرَّاوِي شرطا فِي الْحجَّة فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال
أَحدهمَا أَن يعلم عَدَالَته فَيحكم بِصِحَّة الحَدِيث
وَثَانِيها أَن يعلم جرحه فَلَا يحكم بِصِحَّتِهِ
وَثَالِثهَا أَن يجهل حَاله فَعِنْدَ أبي حنيفَة يقبل مَا لم يعلم الْجرْح وَعند الشَّافِعِي لَا يقبل مالم تعلم الْعَدَالَة
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن الْمواق (٤) المجاهيل على ضَرْبَيْنِ لم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد مَجْهُول روى عَنهُ اثْنَان فَصَاعِدا وَرُبمَا قيل فِي الْأَخير مَجْهُول الْحَال فَالْأول لَا خلاف أعلمهُ بَين أَئِمَّة الحَدِيث فِي رد (٥) رواياتهم (٦) وَإِنَّمَا يحْكى فِي ذَلِك خلاف الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُم لم يفصلوا بَين من روى عَنهُ وَاحِد وَبَين من روى عَنهُ أَكثر من وَاحِد بل قبلوا رِوَايَة الْمَجْهُول على الْإِطْلَاق
[ ٣ / ٣٧٥ ]
وَالثَّانِي اخْتلفت فيهم أهل الحَدِيث وَالْفُقَهَاء فَذهب أَكثر أهل الحَدِيث إِلَى قبُول رواياتهم والاحتجاج بهَا مِنْهُم الْبَزَّار وَالدَّارَقُطْنِيّ فنص الْبَزَّار فِي كتاب الْأَشْرِبَة لَهُ وَفِي فَوَائده وَفِي غير مَوضِع على أَن من روى عَنهُ ثقتان فقد ارْتَفَعت جهالته وَثبتت عَدَالَته وَنَحْو ذَلِك الدَّارَقُطْنِيّ فِي الدِّيات من سنَنه لما تكلم على حَدِيث خشف بن مَالك (١) عَن ابْن مَسْعُود فِي الدِّيَة (٢)
[ ٣ / ٣٧٦ ]
وَذهب الْمُحَقِّقُونَ من أهل الحَدِيث وَغَيرهم إِلَى التَّوَقُّف عَن الِاحْتِجَاج بِهَذَا الضَّرْب (١) حَتَّى تثبت عدالتهم مِمَّن ذهب إِلَى ذَلِك أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ أما أَبُو حَاتِم فَإِنَّهُ كثيرا مَا يذكر الرَّاوِي الْوَاحِد من الروَاة ويعرفه بِرِوَايَة جمَاعَة من الثِّقَات عَنهُ ثمَّ يسْأَل عَنهُ فَيَقُول مَجْهُول وَقد قَالَ فِي زِيَاد بن جَارِيَة (٢) التَّمِيمِي (٣) روى عَنهُ مَكْحُول وَيُونُس بن ميسرَة (٤) شيخ مَجْهُول (٥)
[ ٣ / ٣٧٧ ]
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي آخر كِتَابه قد روى عَن أبان بن أبي عَيَّاش (١) (٢) غير وَاحِد من الْأَئِمَّة وَإِن كَانَ فِيهِ من الضعْف والغفلة مَا وَصفه أَبُو عوَانَة وَغَيره فَلَا يغتر بِرِوَايَة الثِّقَات عَن النَّاس (٣) فَهَذَا مَذْهَب الْإِمَامَيْنِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ من الْأُصُولِيِّينَ
تَنْبِيه
اعْترض الشَّيْخ تَاج الدّين التبريزي على كَلَام المُصَنّف هُنَا وَقَالَ إِنَّه غير ظَاهر فِي الْمَقْصُود لِأَنَّهُ إِن كَانَ المُرَاد بِظَاهِر الْعَدَالَة من شهد عَدْلَانِ على عَدَالَته فَلَا نزاع فِي قبُول شَهَادَته وَرِوَايَته فِي ظَاهر الشَّرْع وَإِن كَانَ بَاطِنه بِخِلَاف الظَّاهِر وَإِن كَانَ المُرَاد مَا اشْتهر بِالْعَدَالَةِ بَين النَّاس فَلَا نزاع فِيهِ وَإِن لم يكن شَيْء من ذَلِك فَلَا نسلم أَنه يُقَال لَهُ ظَاهره الْعَدَالَة
وَأما قَوْله بِخِلَاف الشَّهَادَة فَإِنَّهُ اعْتبر فِيهِ الْعَدَالَة ظَاهرا وَبَاطنا فَفِيهِ بحث فَإِن المعدلين إِذا غلب على ظنهما صَلَاح رجل بعد الِاعْتِبَار والصحبة وشهدا بعدالته يعْتَبر تعديلهما قطعا وَحكم الْحَاكِم بِشَهَادَة الرجل الْمعدل وَإِن كَانَ فِي الْبَاطِن غير عدل
قلت مُرَاده بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَة الْعلم بِعَدَمِ الْفسق وَأما الْبَاطِنَة فَهِيَ الَّتِي يرجع فِيهَا إِلَى أَقْوَال المزكين وَقد صرح بذلك الْأَصْحَاب فِي كتاب الصّيام وَحِينَئِذٍ لَا يَصح الِاعْتِرَاض فَإِنَّهُ لم يرد بالباطنة مَا فِي نفس الْأَمر بل مَا يثبت عِنْد الْحَاكِم
[ ٣ / ٣٧٨ ]
وَإِنَّمَا جرى فِيهِ خلاف من جِهَة أَن شَرط قبُول الرِّوَايَة هَل هُوَ الْعلم بِالْعَدَالَةِ أَو عدم الْعلم بِالْفِسْقِ فَإِن قُلْنَا بِالْأولِ لم يقبل المستور وَإِلَّا قبلناه وَهَذَا مُتَوَقف على ثُبُوت الْوَاسِطَة بَين الْعَدَالَة وَالْفِسْق وَذَلِكَ بِاعْتِبَار مَا يظْهر من تزكيته وَعدمهَا وَلِهَذَا فرق المحدثون بَين الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف فَالصَّحِيح رِوَايَة الْعدْل وَالْحسن رِوَايَة المستور (١) والضعيف رِوَايَة الْمَجْرُوح
وَاعْلَم أَنه لَا يشكل على من لم يقبل رِوَايَة المستور تَصْحِيح النِّكَاح بِحَضْرَة شَاهِدين مستوري الْعَدَالَة لِأَن ذَلِك عِنْد (٢) المتحمل وَلِهَذَا لَو رفع العقد بهما إِلَى حَاكم لم يحكم بِصِحَّة العقد كَمَا نَقله فِي الرَّوْضَة (٣) عَن الشَّيْخ أبي حَامِد (٤) وَغَيره
٢٥١ - (قَوْله) الْمَجْهُول الْعين إِلَى آخِره (٩ وَاحِد وَهَذَا اصْطِلَاح وَإِلَّا (٥) فالمجهول على
[ ٣ / ٣٧٩ ]
الْحَقِيقَة نَحْو شيخ وَرجل (١) مِمَّن لَا تعرف عينه وَلَا اسْمه وَهَذَا لَا يخْتَلف فِي رد رِوَايَته وَقد اسْتشْكل بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من الرِّوَايَة عَن جمَاعَة نسبوا للْجَهَالَة فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من طَرِيق شُعْبَة عَن عُثْمَان بن عبد الله بن موهب (٢) وَابْنه مُحَمَّد (٣) كِلَاهُمَا عَن مُوسَى بن طَلْحَة (٤) عَن أبي أَيُّوب حَدِيث السَّائِل أَخْبرنِي بِعَمَل يدخلني الْجنَّة (٥)
[ ٣ / ٣٨٠ ]
وَقد قَالُوا مُحَمَّد بن عُثْمَان مَجْهُول (١)
وَكَذَلِكَ أخرجه مُسلم عَن أبي يحيى مولى آل (٢) جعدة (٣) (٤) عَن أبي هُرَيْرَة مَا عَابَ رَسُول الله ﷺ طَعَاما قطّ (٥) وَأَبُو يحيى مَجْهُول الْعين
[ ٣ / ٣٨١ ]
وَالْجَوَاب أَنه لم يَقع الِاحْتِجَاج بِرِوَايَة من ذكر على الِاسْتِقْلَال أما مُحَمَّد بن عُثْمَان فَلم يخرج لَهُ إِلَّا مَقْرُونا بِأَبِيهِ عُثْمَان وَأَبوهُ هُوَ الْعُمْدَة فِي الِاحْتِجَاج وَكَذَلِكَ أَبُو يحيى إِنَّمَا أخرج مُسلم حَدِيثه مُتَابعَة كَحَدِيث ثِقَة مَشْهُور فَإِن مُسلما رَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة فَصَارَ حَدِيث أبي يحيى (١) مُتَابعَة
٢٥٢ - (وَقَوله) وَمن روى عَنهُ عَدْلَانِ وَعَيناهُ فقد ارْتَفَعت عَنهُ هَذِه الْجَهَالَة وَذكر أَبُو بكر الْخَطِيب فِي أجوبة مسَائِل سُئِلَ عَنْهَا أَن الْمَجْهُول (د ٨٤) عِنْد أَصْحَاب الحَدِيث كل من لم يعرفهُ الْعلمَاء وَمن لم يعرف حَدِيثه إِلَّا من
[ ٣ / ٣٨٢ ]
جِهَة راو وَاحِد مثل عَمْرو ذِي مر (١) إِلَى آخِره (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ عَنهُ غير الْوَلِيد بن مُسلم (٨)
[ ٣ / ٣٨٣ ]
وَقَالَ فِي (أ ١٤٣) مَوضِع آخر سَأَلت أَبَا دَاوُد عَن عبيد الله بن عَمْرو بن غَانِم (١) فَقَالَ أَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة مَا أعلم حدث عَنهُ غير الشّعبِيّ لقِيه بالأندلس (٢) وَهَذَا ظَاهر تصرف ابْن حبَان فِي كتاب الثِّقَات أَعنِي الِاكْتِفَاء فِي الْعَدَالَة بِرِوَايَة الْوَاحِد الثِّقَة وَنقل ذَلِك بَعضهم عَن النَّسَائِيّ أَيْضا وَبِه صرح ابْن الْقطَّان فِي كتاب الْوَهم وَالْإِيهَام وَنَقله الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي وَأهل الْأُصُول كَمَا سَيَأْتِي
وَقَالَ أَبُو بكر (٣) مُحَمَّد بن خلفون فِي كتاب الْمُنْتَقى اخْتلف الْأَئِمَّة فِي رِوَايَة الثِّقَة عَن الْمَجْهُول الَّذِي لَا يعرف حَاله فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه تَعْدِيل لَهُ وتقوية وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن رِوَايَة الرجلَيْن عَنهُ يرفع عَنهُ الْجَهَالَة وَإِن لم تعرف حَاله وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْجَهَالَة لَا ترْتَفع بروايتهما عَنهُ حَتَّى يعرف حَاله وتتحقق عَدَالَته وَإِن جهل نسبه وَقَالَ وَهَذَا أولى عندنَا بِالصَّوَابِ
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ (٤) الْحق أَنه مَتى عرف عَدَالَة الرَّاوِي قبل خَبره سَوَاء روى عَنهُ وَاحِد أَو أَكثر وعَلى هَذَا كَانَ الْحَال فِي الْعَصْر الأول من الصَّحَابَة وتابعيهم إِلَى أَن تنطع المحدثون انْتهى
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي رسَالَته للجويني الَّذِي عندنَا من مَذْهَب الْإِمَامَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم أَنَّهُمَا شرطا أَن يكون للصحابي الَّذِي يرْوى عَنهُ الحَدِيث راويان فَأكْثر ليخرج بذلك عَن حد الْجَهَالَة وَهَكَذَا من دونه ثمَّ إِن انْفَرد أحد الراويين (٥) عَنهُ بِحَدِيث
[ ٣ / ٣٨٤ ]
وَانْفَرَدَ الاخر بِحَدِيث آخر قبلاه وَإِنَّمَا يتوقفان فِي رِوَايَة صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ لَا يكون لَهُ إِلَّا راو وَاحِد كصفوان بن عَسَّال (١) لم يرو عَنهُ من الثِّقَات إِلَّا الشّعبِيّ قَالَ وَهَذَا عِنْد الشَّافِعِي وَغَيره من الْأُصُولِيِّينَ حجَّة إِذا كَانَ الرَّاوِي عَنهُ ثِقَة (٢) انْتهى
وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي الاستذكار فِي الْكَلَام على حَدِيث حَكِيم بن حزَام لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك (٣)
[ ٣ / ٣٨٥ ]
لَا أعلم لعبد الله بن عصمَة (١) جرحة إِلَّا من لم يرو عَنهُ إِلَّا رجل وَاحِد فَهُوَ مَجْهُول عِنْدهم إِلَّا أَنِّي أَقُول إِن كَانَ مَعْرُوفا [بالثقة] وَالْأَمَانَة وَالْعَدَالَة فَلَا يضرّهُ إِذا لم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد (٣) انْتهى
وَقَالَ الإِمَام أثير الدّين أَبُو حَيَّان (٤) فِي بعض أَمَالِيهِ قد زعم بعض من عاصرناه أَنه لَا تَنْتفِي الْجَهَالَة عَن الشَّخْص وَإِن روى عَنهُ اثْنَان وَهَذَا مُخَالف لقَوْل الْحَافِظ أبي الْحُسَيْن (٥) قَالَ والجهالة أَمر نسبي رب شخص يكون مَجْهُولا عِنْد شخص يكون غير مَجْهُول عِنْد آخر هَذَا أَبُو حَاتِم صَاحب الْجرْح وَالتَّعْدِيل سَأَلَهُ
[ ٣ / ٣٨٦ ]
ابْنه عَن أبان بن حَاتِم (١) الَّذِي روى عَنهُ هِشَام بن عبد الْملك الفخذمي فَقَالَ مَجْهُول (٣) وَلَيْسَ بِمَجْهُول فقد روى [عَنهُ] (٤) مُحَمَّد بن الْمُصَفّى ذكر ذَلِك الإِمَام أَبُو عبد الرَّحْمَن بَقِي بن مخلد فِي مُسْنده فَقَالَ أَنا مُحَمَّد بن الْمُصَفّى (٥) (٦) أَنا أبان بن حَاتِم أَبُو سَلمَة الْحِمصِي
فَهَذَا أبان قد روى [عَنهُ] (٨) الفخذمي وَابْن الْمُصَفّى (٧) وَخرج بذلك عَن الْجَهَالَة
وَهَذَا أَيْضا أَبُو مُحَمَّد بن حزم أسْند فِي حجَّة الْوَدَاع حَدِيثا فِي سَنَده عبيد الله [بن] (٩)
[ ٣ / ٣٨٧ ]
مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن حبابة (١) وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ (٢) [وَقَالَ] (٣) مَجْهُولَانِ هَذَا وهما من الشُّهْرَة فِي الدُّنْيَا وَكَثْرَة الروَاة عَنْهُمَا بِالْمحل الَّذِي يعرفهُ أهل الحَدِيث وَمَعَ ذَلِك فقد جهلهما ابْن حزم على سَعَة مَعْرفَته قلت وَكَذَلِكَ قَالَ فِي كتاب الإيصال أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ مَجْهُول (٤)
[ ٣ / ٣٨٨ ]
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن رشيد قَول من قَالَ لَا يخرج عَن الْجَهَالَة إِلَّا بِرِوَايَة عَدْلَيْنِ إِن أَرَادَ الْخُرُوج عَن جَهَالَة الْعين فَلَا شكّ أَن رِوَايَة الْوَاحِد الثِّقَة تخرجه عَن ذَلِك إِذا سَمَّاهُ وَنسبه وَإِن أَرَادَ جَهَالَة الْحَال فالحال كَمَا لَا يعلم من رِوَايَة الْوَاحِد الثِّقَة عَنهُ مَا لم يُصَرح بهما كَذَلِك لَا يعلم من رِوَايَة الِاثْنَيْنِ إِلَّا أَن يُصَرح أَو يكون مِمَّن يعلم أَنه لَا يروي (أ ١٤٤) إِلَّا عَن ثِقَة فَلَا فرق بَين الْوَاحِد والاثنين نعم كَثْرَة رِوَايَات الثِّقَات عَن الشَّخْص تقَوِّي حسن الظَّن بِهِ وَظَاهر (١) كَلَام بَعضهم أَنهم جَهَالَة الْحَال لَا جَهَالَة الْعين (٢)
٢٥٣ - (قَوْله) (٣) رادا على الْخَطِيب قد روى عَن الهزهاز الثَّوْريّ أَيْضا (٩ ١٠ أبي حَاتِم (٧) وَهُوَ أَصْغَر من الثَّوْريّ وَتَأَخر بعده مُدَّة فَلَعَلَّ الهزهاز [تَأَخّر بعد
[ ٣ / ٣٨٩ ]
الشّعبِيّ وسمى ابْن أبي حَاتِم أَبَا الهزهاز] (١) مَازِن بِالْألف لَا بِالْيَاءِ (٢) كَمَا وَقع فِي المُصَنّف وَلَعَلَّ بَعضهم أماله فَكَتبهُ [بِالْيَاءِ] (٣) (٤)
٢٥٤ - (قَوْله) إِلَّا أَنه لَا يثبت لَهُ حكم الْعَدَالَة بروايتهما عَنهُ (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ من الصَّحَابَة كَذَلِك وَلَا شكّ أَن مرداسا (٧)
[ ٣ / ٣٩٠ ]
وَرَبِيعَة (١) صحابيان مشهوران فمرداس من أهل الشَّجَرَة وَرَبِيعَة من أهل الصّفة وَالصَّحَابَة كلهم عدُول فَلَا تضر الْجَهَالَة بأعيانهم لَو ثبتَتْ وَقَالَ الْحَاكِم إِن الصَّحَابِيّ الْمَعْرُوف إِذا [لم نجد لَهُ رَاوِيا غير التَّابِعِيّ الْوَاحِد الْمَعْرُوف] (٢) احتججنا بِهِ وصححنا حَدِيثه إِذْ هُوَ على شَرطهمَا جَمِيعًا (٣)
الثَّانِي سلمنَا ذَلِك لَكِن قد روى عَنْهُمَا أَكثر من وَاحِد أما مرداس فقد روى عَنهُ أَيْضا زِيَاد بن علاقَة (٤) وَأما ربيعَة فروى عَنهُ أَيْضا نعيم المجمر (٥) وحَنْظَلَة بن عَليّ (٦)
[ ٣ / ٣٩١ ]
قيل مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء (١) وَأَبُو عمرَان الْجونِي (٢)
قَالَ النَّوَوِيّ وَلِأَن الْخَطِيب شَرط فِي الْمَجْهُول أَن لَا يعرفهُ الْعلمَاء وَهَذَانِ معروفان عِنْدهم مشهوران قَالَ وَالصَّوَاب مَا ذكره الْخَطِيب وَهُوَ لم يقلهُ عَن اجْتِهَاد بل نَقله عَن أهل الحَدِيث قَالَ وَحصل مِمَّا ذَكرْنَاهُ من اشتهار مرداس وَرَبِيعَة أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا لم يخالفا نقل الْخَطِيب عَن اهل الحَدِيث قَالَ وَقد حكى الشَّيْخ فِي النَّوْع السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ (٣) عَن ابْن عبد الْبر أَن من لم يرو عَنهُ غير راو وَاحِد فَهُوَ مَجْهُول عِنْدهم إِلَّا أَن يكون رجلا مَشْهُورا فِي غير تحمل الْعلم كاشتهار مَالك بن دِينَار (٤)
[ ٣ / ٣٩٢ ]
فِي الزّهْد وَعَمْرو (١) بن معدي كرب (٢) بالنجدة انْتهى (٣)
وَفِي أَمْرَانِ
أَحدهمَا (أ ٨٥) يرد على إِطْلَاق [الْخَطِيب] (٤) الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن الجارودي (٥) لم يرو عَنهُ إِلَّا وَلَده الْمُنْذر (٦) وَقد خرج الشَّيْخَانِ حَدِيثه (٧) عَن أَبِيه وَكَذَلِكَ حُصَيْن بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ (٨) احتجا بِهِ وَلم يرو عَنهُ سوى الزُّهْرِيّ
[ ٣ / ٣٩٣ ]
وَاحْتج البُخَارِيّ بجويرية بن قدامَة (١) وَلم يرو عَنهُ إِلَّا أَبُو جَمْرَة الضبعِي (٢) وَبِعَبْد الله ابْن وَدِيعَة الْأنْصَارِيّ (٣) وَلم يرو عَنهُ سوى أبي سعيد المَقْبُري (٤) وبعمر بن [مُحَمَّد ابْن] (٥) جُبَير بن مطعم (٦) لم يرو عَنهُ سوى بكير بن عبد الله الْأَشَج (٧) وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام (٨) وَمَا روى عَنهُ سوى الزُّهْرِيّ
[ ٣ / ٣٩٤ ]
وَهَؤُلَاء كلهم موثقون لَهُم تراجم مسطورة وَيَكْفِي تَخْرِيج أحد الشَّيْخَيْنِ لَهُم لِأَنَّهُ لَوْلَا معرفتهم لما خرج لَهُم وَلَا سِيمَا من روى عَنهُ إِمَام جليل كالزهري (١) (أ ١٤٥)
الثَّانِي مُوَافَقَته الْخَطِيب على أَن ذَلِك قَول أهل الحَدِيث فِيهِ نظر لما سبق بَيَانه قَرِيبا وَأَن مدَار كَلَامهم على الْمعرفَة بِالرجلِ الثِّقَة سَوَاء روى عَنهُ الْوَاحِد أَو الِاثْنَان وَقد ذكر البرديجي الْحَافِظ فِي كتاب الْمُتَّصِل والمنقطع حَدِيثا لَا تصاب (٢) عِنْد الرجل الْوَاحِد لم يضر أَلا يرويهِ غَيره إِذا كَانَ متن الحَدِيث مَعْرُوفا وَلَا يكون مُنْكرا وَلَا معلولا
٢٥٦ - (قَوْله) وَذَلِكَ مِنْهُمَا مصير إِلَى أَن الرَّاوِي قد يخرج عَن كَونه مَجْهُولا بِرِوَايَة وَاحِد عَنهُ (٩ ١٠ ١١ ١)
يَعْنِي أَن أصل الرِّوَايَة يثبت بِوَاحِد وَالتَّعْدِيل فِيهَا يَكْفِي بِوَاحِد فَيَنْبَغِي أَن
[ ٣ / ٣٩٥ ]
يكون الْجَهَالَة فِيهَا ترْتَفع بِالْوَاحِدِ
٢٥٨ - (قَوْله) التَّاسِعَة اخْتلفُوا فِي قبُول رِوَايَة المبتدع إِذا لم يكفر ببدعته (٣ ٤ ٥ ٦ عَن
[ ٣ / ٣٩٦ ]
الْجَانِب (١) الاخر وَقد نقل ابْن حبَان أَيْضا فِيهِ الِاتِّفَاق على الْقبُول قَالَ فِي تَارِيخ الثِّقَات فِي تَرْجَمَة جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضبعِي (٢) لَيْسَ بَين أهل الحَدِيث من أَئِمَّتنَا خلاف فِي أَن الصدوق المتقن (٣) إِذا كَانَ فِيهِ بِدعَة [وَلم يكن يَدْعُو إِلَيْهَا أَن الِاحْتِجَاج بأخباره جَائِز فَإِن دَعَا إِلَى] (٤) بدعته سقط (٥) الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ (٦) (٧) انْتهى
وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد قلت لأبي رويت عَن أبي مُعَاوِيَة الضَّرِير (٨) - وَكَانَ مرجئا - وَلم ترو عَن شَبابَة بن سوار (٩) - وَكَانَ قدريا - قَالَ لِأَن أَبَا مُعَاوِيَة لم يكن يَدْعُو إِلَى الإرجاء وشبابه كَانَ يَدْعُو إِلَى الْقدر (١٠)
وَفِي الْمَسْأَلَة قَول رَابِع لم يحكه المُصَنّف أَنه تقبل أخباره مُطلقًا وَإِن كَانُوا كفَّارًا
[ ٣ / ٣٩٧ ]
أَو فساقا بالتأويل (١) حَكَاهُ الْخَطِيب (٢) وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان الْبِدْعَة على ضَرْبَيْنِ صغرى كغلو التَّشَيُّع [أَو كالتشيع] (٣) بِلَا غلو فَهَذَا كثير فِي التَّابِعين وتابعيهم مَعَ الدّين والورع والصدق فَلَو رد حَدِيث هَؤُلَاءِ لذهبت جملَة من الْآثَار النَّبَوِيَّة ثمَّ بِدعَة كبرى كالرفض الْكَامِل والحط على الشَّيْخَيْنِ وَالدُّعَاء إِلَى ذَلِك فَهَذَا النَّوْع لَا يحْتَج بهم وَلَا كَرَامَة قَالَ وَأَيْضًا فَمَا أستحضر الْآن من هَذَا الضَّرْب رجلا صَادِقا وَلَا ملعونا بل الْكَذِب شعارهم والنفاق دثارهم فَكيف يقبل نقل من هَذَا حَاله حاشا وكلا قَالَ والشيعي الغالي فِي زمن السّلف وعرفهم هُوَ من يتَكَلَّم (٤) فِي (٥) عُثْمَان وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة [وَمُعَاوِيَة] (٦) وَطَائِفَة مِمَّن حَارب عليا - ﵁ - وَتعرض لسبهم
والغالي فِي زَمَاننَا وعرفنا الَّذِي يكفر هَؤُلَاءِ السَّادة فَهَذَا ضال معثر (٧)
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر اخْتلف النَّاس فِي الِاحْتِجَاج بِحَدِيث الرافضة على ثَلَاثَة اقوال أَحدهمَا الْمَنْع مُطلقًا وَالثَّانِي الترخيص مُطلقًا إِلَّا فِيمَن يكذب وَيَضَع
وَالثَّالِث التَّفْصِيل فَتقبل رِوَايَة الرافضي الصدوق الْعَارِف بِمَا يحدث وَترد رِوَايَة الداعية وَلَو كَانَ صَدُوقًا (٨)
[ ٣ / ٣٩٨ ]
قَالَ أَشهب سُئِلَ مَالك عَن الرافضة قَالَ لَا نكلمهم وَلَا نروي عَنْهُم فَإِنَّهُم يكذبُون (١) وَقَالَ حَرْمَلَة (٢) سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول لم أر (٣) أشهد بالزور من الرافضة (٤) وَقَالَ يزِيد بن هَارُون يكْتب عَن كل صَاحب بِدعَة (أ ١٦٤) إِذا لم يكن دَاعِيَة إِلَّا الرافضة فَإِنَّهُم يكذبُون (٥)
رَابِعهَا أَن مَا عزاهُ أَولا للشَّافِعِيّ قَالَ فَخر الدّين فِي الْمَحْصُول إِنَّه الْحق (٦) وَحَكَاهُ الْحَاكِم فِي الْمدْخل عَن أَكثر أَئِمَّة الحَدِيث (٧) وَرجحه الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي وَقَالَ الَّذِي تقرر عندنَا أَنه لَا يعْتَبر الْمَذْهَب (٨) فِي الرِّوَايَة إِذْ لَا يكفر أحد من أهل الْقبْلَة إِلَّا بإنكار قَطْعِيّ (٩) من الشَّرِيعَة فَإِذا اعْتبرنَا (١٠) ذَلِك وانضم إِلَيْهِ التَّقْوَى والورع فقد حصل مُعْتَمد الرِّوَايَة وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي حَيْثُ يقبل شَهَادَة أهل الْأَهْوَاء (١١) قَالَ وأعراض الْمُسلمين حُفْرَة من حفر النَّار وقف على
[ ٣ / ٣٩٩ ]
شفيرها طَائِفَتَانِ من النَّاس المحدثون والحكام (١)
قلت وَنقل الخليلي فِي الْإِرْشَاد أَن الشَّافِعِي كَانَ يَقُول فِي إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى حَدثنَا الثِّقَة فِي حَدِيثه الْمُتَّهم فِي دينه لِأَنَّهُ كَانَ يرى الْقدر (٢) وَقَالَ الْحَاكِم فِي الْمدْخل كَانَ مُحَمَّد بن خُزَيْمَة (٣) يَقُول حَدثنَا الصَّادِق فِي رِوَايَته الْمُتَّهم فِي دينه عباد بن يَعْقُوب (٤) (٥)
خَامِسهَا علل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عدم قبُول الداعية بإهانته وَبنى عَلَيْهِ قبُول رِوَايَته فِيمَا لم يروه [غَيره] (٦) كتقديم مصلحَة الحَدِيث على إهانته ورد مَا وَافق بدعته من رد الشَّهَادَة بالتهمة (٧)
٢٥٩ - (قَوْله) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ الرِّوَايَة عَن المبتدعة غير الدعاة (٨ مِنْهُم عمرَان بن حطَّان الْخَارِجِي (٨) مادح عبد الرَّحْمَن بن
[ ٣ / ٤٠٠ ]
ملجم قَاتل عَليّ بن أبي طَالب - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - وَهَذَا من أكبر الدعْوَة إِلَى الْبِدْعَة خرج عَنهُ البُخَارِيّ وَزعم جمَاعَة أَنه من دعاة الشراة (١)
وَمِنْهُم عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن (٢) أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ فِيهِ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي كَانَ دَاعِيَة إِلَى الإرجاء وَغير ذَلِك فَالظَّاهِر أَنه لَا فرق (٣) وَلذَلِك
[ ٣ / ٤٠١ ]
أطلق الشَّافِعِي النَّص الْمَشْهُور عَنهُ وَهُوَ قَوْله أقبل شَهَادَة أهل الْأَهْوَاء إِلَّا الخطابية (١)
وَقَالَ فِي الْأُم ذهب النَّاس فِي تَأْوِيل الْقُرْآن وَالسّنة إِلَى أُمُور تباينوا فِيهَا تباينا شَدِيدا وَاخْتلفُوا اخْتِلَافا بَعيدا (٢) فَلم نر أحدا مِنْهُم رد شَهَادَة أحد بِتَأْوِيل وَإِن خطأه (٣) وضلله وَرَآهُ اسْتحلَّ مَا حرم الله (٤) انْتهى
وَمِمَّا يجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ قَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَة فِي كتاب الشَّهَادَات كَانَ البُخَارِيّ يؤلف الصَّحِيح فِي الرَّوْضَة بَين الْقَبْر والمنبر قَالَ فرويت عَن مُحَمَّد بن محيريز فغلبتني عَيْنَايَ فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ تروي عَن ابْن محيريز وَهُوَ
[ ٣ / ٤٠٢ ]
يطعن فِي اصحابي وَكَانَ خارجيا قَالَ مُحَمَّد فَقلت يَا رَسُول الله لكنه ثِقَة فَقَالَ (١) النَّبِي ﷺ إِنَّه ثِقَة فارو عَنهُ قَالَ فَكنت أروي عَنهُ بعد ذَلِك لأمر رَسُول الله ﷺ (٢) انْتهى
وَهَذِه الْحِكَايَة لَا يعرف لَهَا إِسْنَاد إِلَى البُخَارِيّ وَفِي صِحَّتهَا نظر وَلَيْسَ فِي رجال البُخَارِيّ من اسْمه مُحَمَّد بن محيريز لَكِن فِي التَّابِعين من اسْمه مُحَمَّد بن محيريز (د ٨٦) وَهُوَ من سَادَات أهل الشَّام لَهُ تَرْجَمَة عَظِيمَة فِي تَارِيخ دمشق (٣)
وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ حريز بن عُثْمَان (٤) أَوله حاء مُهْملَة وَآخره زَاي مُعْجمَة فَإِنَّهُ ينْسب إِلَى أنحراف عَن عُثْمَان - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - وَقيل لم يَصح عَنهُ وَقيل رَجَعَ عَن ذَلِك الرَّأْي وَالَّذِي (٥) عوتب فِي الْمَنَام عَن الرِّوَايَة عَنهُ هُوَ يزِيد بن هَارُون وَقد أوضح ذَلِك الْحَافِظ أَبُو شامة الْمَقْدِسِي فِي تَرْجَمَة حريز من تَارِيخ دمشق وَهَذِه الْحِكَايَة لَيست بصحيحة وَقد كَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ على جلالته فِي
[ ٣ / ٤٠٣ ]
الْعلم فِي الْأُمُور النقلية [و] (١) فِي كتاب (أ ١٤٧) النِّهَايَة (٢) من ذَلِك عدَّة أَوْهَام كَالَّذي ذكره فِي حَدِيث الْبَسْمَلَة (٣) وَعمرَة الْجِعِرَّانَة (٤) وَغسل أَسمَاء بنت عُمَيْس للْإِحْرَام (٥) وَغير ذَلِك (٦)
٢٦٠ - (قَوْله) الْعَاشِرَة التائب من الْكَذِب فِي حَدِيث النَّاس وَغَيره إِلَى آخِره
فِيهِ أُمُور
[ ٣ / ٤٠٤ ]
أَحدهمَا مَا نَقله عَن هَؤُلَاءِ وَاخْتَارَهُ من عدم قبُول التائب من الْكَذِب عَن النَّبِي ﷺ نَقله الْحَازِمِي فِي كِتَابه الشُّرُوط عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَرَافِع بن الأشرس (١) وَأبي نعيم (٢) وَغَيرهم من السّلف وَاخْتَارَهُ (٣) وَلم يُوَافق على ذَلِك النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي مُخْتَصره هَذَا مُخَالف لقاعدة مَذْهَبنَا وَمذهب غَيرنَا وَلَا يُقَوي الْفرق بَينه وَبَين الشَّهَادَة (٤) أَي فَإِن الشَّاهِد لَو كذب على (٥) ثمَّ تَابَ لقبلت شَهَادَته فَهَذَا نقبل رِوَايَته
وَقَالَ فِي شرح مُسلم هَذَا القَوْل ضَعِيف وَالْمُخْتَار الْقطع بِصِحَّة (٦) تَوْبَته فِي هَذَا وَقبُول رواياته بعْدهَا إِذا صحت تَوْبَته بشروطها وَقد أَجمعُوا على صِحَة رِوَايَة من كَانَ كَافِرًا وَأسلم كَمَا تقبل شَهَادَته فَقَالَ وَحجَّة من ردهَا أبدا وَإِن حسنت حَالَته (٧) التَّغْلِيظ وتعظيم الْعقُوبَة فِيمَا وَقع فِيهِ وَالْمُبَالغَة فِي الزّجر عَنهُ كَمَا قَالَ ﷺ إِن كذبا عَليّ لَيْسَ ككذب على غَيْرِي (٨) انْتهى (٩)
قلت وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ الشَّيْخ من أَنه مُخَالف لمذهبنا مَمْنُوع فَإِن جُمْهُور الْأَصْحَاب عَلَيْهِ مِنْهُم الطَّبَرِيّ وَابْن السَّمْعَانِيّ كَمَا نَقله ابْن الصّلاح وَقد حَكَاهُ
[ ٣ / ٤٠٥ ]
عَن الصَّيْرَفِي القَاضِي أَبُو الطّيب وَلم يُخَالِفهُ وَمِنْهُم الْقفال (١) الْمروزِي (٢) فِيمَا حَكَاهُ صَاحب الْبَحْر فِي بَاب الرُّجُوع عَن الشَّهَادَة فَقَالَ قَالَ الْقفال إِذا أقرّ الْمُحدث بِالْكَذِبِ لم يقبل حَدِيثه أبدا وَحكى ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب عِنْد الْكَلَام فِيمَا إِذا بَان فسق الشَّاهِد عَن الْمَاوَرْدِيّ إِن الرَّاوِي إِذا كذب فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ ردَّتْ جَمِيع أَحَادِيثه السالفة وَوَجَب نقض مَا حكم بِهِ مِنْهَا وَإِن لم ينْقض (٣) الحكم بِشَهَادَة من حدث فسقه بِأَن الحَدِيث حجَّة لَازِمَة لجَمِيع (٤) الْمُسلمين وَفِي جَمِيع الْأَمْصَار وَكَانَ (٥) حكمه أغْلظ وَلم يتعقبه ابْن الرّفْعَة بنكير
وَحَكَاهُ الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة عَن الْحميدِي وَقَالَ إِنَّه الْحق (٦)
وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِن الدَّلِيل يعضده وَهُوَ قَوْله ﷺ إِن كذبا عَليّ لَيْسَ ككذب على أحد وَلِهَذَا حكى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن وَالِده أَن من تعمد الْكَذِب على النَّبِي ﷺ يكفر (٧)
[ ٣ / ٤٠٦ ]
وَقد فرق أَصْحَابنَا بَين الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فَلَا بدع أَن (١) هَذَا مِنْهَا نعم قَالَ القَاضِي أَبُو بكر الشَّامي (٢) من أَصْحَابنَا وَهُوَ فِي طبقَة القَاضِي أبي الطّيب لايقبل فِيمَا رد وَيقبل فِي غَيره اعْتِبَارا بِالشَّهَادَةِ حَكَاهُ القَاضِي من الْحَنَابِلَة عَنهُ أَنه أَجَابَهُ بذلك لما سَأَلَهُ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة (٣)
فَحصل فِيهَا وَجْهَان لِأَصْحَابِنَا وأصحهما لَا تقبل
وَأما قَوْله إِنَّه مُخَالف لمَذْهَب غَيرنَا فَمَمْنُوع فقد حكى الْخَطِيب عَن عبيد الله بن أَحْمد الْحلَبِي (٤) قَالَ سَأَلت أَحْمد بن حَنْبَل عَن مُحدث كذب فِي حَدِيث وَاحِد ثمَّ تَابَ وَرجع قَالَ تَوْبَته فِيمَا بَينه وَبَين الله ﷿ وَلَا يكْتب عَنهُ حَدِيث أبدا (٥)
[ ٣ / ٤٠٧ ]
لَكِن القَاضِي من الْحَنَابِلَة حكى أَنه سَأَلَ قَاضِي الْقُضَاة الدَّامغَانِي الْحَنَفِيّ (١) فَقَالَ يقبل حَدِيثه الْمَرْدُود وَغَيره بِخِلَاف شَهَادَته إِذا ردَّتْ ثمَّ تَابَ لَا تقبل تِلْكَ خَاصَّة قَالَ لِأَن هُنَاكَ حكما من حَاكم بردهَا (٢) فَلَا تقبل (٣) ورد الْخَبَر مِمَّن روى لَهُ لَيْسَ بِحكم (٤)
وَهَذَا توسع مفرط وَحصل فِي الْمَسْأَلَة مَذَاهِب
أَصَحهَا لَا يقبل مُطلقًا (أ ١٤٨) وَعَلِيهِ أهل الحَدِيث وَجُمْهُور الْعلمَاء
وَثَانِيها يقبل مُطلقًا حَدِيثه الْمَرْدُود وَغَيره وَهُوَ أضعفها
وَالثَّالِث لَا يقبل الْمَرْدُود وَيقبل فِي غَيره وَهُوَ أوسطها وَهَذَا كُله فِي الْمُعْتَمد (٥) بِلَا تَأْوِيل فَأَما من كذب فِي فَضَائِل الْأَعْمَال مُعْتَقدًا (٦) أَن هَذَا لَا يضر ثمَّ عرف ضَرَره فَتَابَ فَالظَّاهِر قبُول رِوَايَته (٧) وَكَذَا [من كذب] (٨) دفعا لضَرَر يلْحق
[ ٣ / ٤٠٨ ]
من الْعَدو وَتَابَ عَنهُ
الْأَمر الثَّانِي مَا نَقله عَن الصَّيْرَفِي من الْإِطْلَاق يَقْتَضِي أَنه لم يفرق فِي الرَّد بَين حَدِيث النَّبِي ﷺ لَا مُطلقًا كَذَا حَكَاهُ عَنهُ القَاضِي أَبُو الطّيب فِي شرح الْكِفَايَة وَيُؤَيِّدهُ قَوْله هُنَا من أهل النَّقْل وتقييده بالمحدث فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالدلائل والإعلام فِي اصول الْفِقْه فَقَالَ وَلَيْسَ يطعن على الْمُحدث إِلَّا أَن يَقُول تَعَمّدت الْكَذِب فَهُوَ كَاذِب فِي الأول وَلَا يقبل خَبره بعد ذَلِك انْتهى
نعم كَلَام ابْن حزم فِي كِتَابه الإحكام يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ من أسقطنا حَدِيثه لم نعد لقبوله أبدا وَمن احتججنا بِهِ لم نسقط رِوَايَته أبدا (١) وَكَذَا قَالَه أَبُو حَاتِم بن حبَان (٢)
الْأَمر الثَّالِث احْتَرز بقوله مُتَعَمدا عَمَّا (٣) إِذا قَالَ كنت أَخْطَأت وَلم أتعمد الْكَذِب فَإِن ذَلِك يقبل مِنْهُ قَالَه الصَّيْرَفِي وَالْقَاضِي أَبُو الطّيب وَعَلِيهِ جرى الْخَطِيب (٤) وَغَيره
الْأَمر الرَّابِع مَا نَقله عَن السَّمْعَانِيّ الرَّد بكذبة وَاحِدَة هُوَ مَا سبق نَقله عَن أَحْمد لَكِن حُكيَ عَن أَحْمد أَيْضا أَن الكذبة الْوَاحِدَة لَا ترد بهَا الشَّهَادَة فَكَذَا الرِّوَايَة لَا جرم [و] (٥) حكى ابْن عقيل من أَصْحَابه عَنهُ فِي ذَلِك رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ عدم الْقبُول (٦)
[ ٣ / ٤٠٩ ]
فرع
الْقَاذِف إِذا تَابَ هَل تقبل رِوَايَته قَالَ الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر - فِي بَاب شَهَادَة (١) الْقَاذِف إِن قذف بِلَفْظ الشَّهَادَة وَلم يثبت قبلت رِوَايَته وَإِن لم تقبل شَهَادَته إِذا كَانَ عدلا لِأَن أَبَا بكرَة (٢) ردوا شَهَادَته وَلم يردوا خَبره (٣) لِأَن هَذَا التفسيق بالتأويل وَإِن قذف لَا [فِي] (٤) معرض الشَّهَادَة لم تقبل رِوَايَته مَا لم (يتب) (٥) فَإِن التفسيق بِقَذْف النّسَب نَص وبقذف الشَّهَادَة اجْتِهَاد وَبِهَذَا التَّفْصِيل جزم
[ ٣ / ٤١٠ ]
الرَّافِعِيّ وَغَيره
٢٦١ - (قَوْله) الْحَادِيَة عشر (١) إِذا أنكر الأَصْل رِوَايَة الْفَرْع فالمختار إِن كَانَ جَازِمًا بنفيه فقد تَعَارضا فَلَا يقبل إِلَى آخِره (٣ ٤ ٥ ٦ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي القواطع لأَصْحَاب الشَّافِعِي (٤) وَبَالغ الْهِنْدِيّ (٥) فِي النِّهَايَة
[ ٣ / ٤١١ ]
فَحكى فِيهِ الْإِجْمَاع وَلَيْسَ كَذَلِك فقد جزم جمَاعَة من أَئِمَّتنَا بِعَدَمِ الرَّد مِنْهُم الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ وَجزم بالتفصيل كَمَا ذكره ابْن الْأَثِير صَاحب جَامع الْأُصُول فِي مقدمته (١)
الثَّانِي مَا تمسك بِهِ فِي الرَّد من التَّعَارُض قد يُعَارض بِأَن الْمُثبت مقدم على النَّافِي لَكِن لما كَانَ النَّافِي [هُنَا نفى] (٢) مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي أَمر يقرب من المحصور بِمُقْتَضى الْغَالِب اقْتضى أَن يرجح النَّافِي (٣) وَكَذَلِكَ فِي الشَّهَادَة على الشَّهَادَة كَالْقَاضِي إِذا شهد عَلَيْهِ الشُّهُود بِحكم (د ٨٧) فَأنْكر حكمه خلافًا لمَالِك وَمُحَمّد بن الْحسن وَغَيرهمَا فِي صُورَة القَاضِي (أ ١٤٩) وَهُوَ الْأَقْرَب لتَعلق حق الْغَيْر لَا سِيمَا مَعَ الانتشار وَكَثْرَة الْأَحْكَام
٢٦٢ - (قَوْله) وَلَا يكون ذَلِك جرحا لَهُ (٩ جرح (٦) للفرع وَالْفرق (٧) غلظ بَاب الشَّهَادَة وضيقه
[ ٣ / ٤١٢ ]
٢٦٣ - (قَوْله) أما إِذا قَالَ الْمَرْوِيّ عَنهُ لَا أعرفهُ إِلَى آخِره (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ الظَّاهِر لَا على النَّادِر وحنئذ فللشيخ
[ ٣ / ٤١٣ ]
أَن يَقُول حَدثنِي فلَان عني أَنِّي حدثته (١)
تَنْبِيه
هَذَا كُله إِذا أنكرهُ [قولا] (٢) (وَفِي إِنْكَاره فعلا) (٣) حالتان
إِحْدَاهمَا أَن يُنكره فعلا بِأَن يعْمل بِخِلَاف الْخَبَر فَإِن كَانَ قبل الرِّوَايَة فَلَا يكون تَكْذِيبًا لِأَن الظَّاهِر أَنه تَركه لما بلغه الْخَبَر وَكَذَا إِذا لم يعلم التَّارِيخ وَإِن [كَانَ] (٤) بعد الرِّوَايَة فَإِن كَانَ الْخَبَر يحْتَمل مَا عمل بِهِ بِتَأْوِيل لم يكن تَكْذِيبًا وَإِلَّا فَالْخَبَر مَرْدُود
الثَّانِيَة أَن يُنكره تركا وَإِذا امْتنع الشَّيْخ من الْعَمَل بِالْحَدِيثِ دلّ على أَنه لَو عرف صِحَّته لما امْتنع من الْعَمَل بِهِ وَله حكم مَا قبله ذكره ابْن الْأَثِير فِي مُقَدّمَة جَامع الْأُصُول (٥)
٢٦٤ - (قَوْله) خلافًا لقوم من أَصْحَاب أبي حنيفَة [انْتهى (٩ ١٠ أَخذ من ردهم هَذَا الحَدِيث
[ ٣ / ٤١٤ ]
٢٦٥ - (قَوْله) فِي الأمثله كَحَدِيث الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره (٢ ٣ ٤ ٥ ٦)
قلت وَقَبله الدَّارَقُطْنِيّ وضع فِيهِ جُزْءا وَاعْلَم أَن نَظِير هَذِه الْحَالة الثَّانِيَة أَلا يُنكر الْحَاكِم حكمه بل يتَوَقَّف فَفِي قبُول شَهَادَة الشُّهُود بِحكمِهِ وَجْهَان أوفقهما لكَلَام (٥) الْأَكْثَرين قبُول الشَّهَادَة بِحكمِهِ وأجراهما بعض الْمُتَأَخِّرين
[ ٣ / ٤١٥ ]
فِي الشَّهَادَة على الشَّهَادَة إِذا ظهر توقف الأَصْل
٢٦٧ - (قَوْله) وَلأَجل ذَلِك كره الْعلمَاء الرِّوَايَة عَن الْأَحْيَاء مِنْهُم الشَّافِعِي قَالَ لِابْنِ عبد الحكم (١) إياك وَالرِّوَايَة عَن الْأَحْيَاء (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ طَرِيق آخر غير طَرِيق الْحَيّ فَإِن لم يكن لَهُ سواهَا
[ ٣ / ٤١٦ ]
وَحدثت وَاقعَة فَلَا معنى للكراهة لما فِي الْإِمْسَاك من كتم الْعلم وَقد يَمُوت الرَّاوِي قبل موت الْمَرْوِيّ عَنهُ فيضيع
٢٦٨ - (قَوْله) قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم (١) فِي الْمُحدث يحدث بِالْأَجْرِ (٢) فَقَالَ لَا يكْتب عَنهُ وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل وَأبي حَاتِم الرَّازِيّ نَحوه (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ فاستقى المَاء وَقعد
[ ٣ / ٤١٧ ]
وَدخلت الْبَيْت فَلَمَّا أردْت أَن أناوله نظر إِلَيّ فَقَالَ أَأَنْت هُوَ قلت نعم قَالَ ردُّوهُ وأبى أَن يشرب وَقَامَ وَمضى (١)
وَذكر أَبُو الْفرج النهرواني فِي الجليس الصَّالح أَن الرشيد دخل الْكُوفَة وَمَعَهُ ولداه الْأمين والمأمون يسمعا الحَدِيث من عبد الله بن إِدْرِيس (٢) وَعِيسَى بن يُونُس (٣) فَأمر لَهما بِمَال جزيل فَلم يقبلا [قَالَ] (٤) لَهُ عِيسَى بن يُونُس لَا وَلَا أهليلجة (٥) وَلَا شربة مَاء على حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَلَو مَلَأت لي هَذَا الْمَسْجِد ذَهَبا إِلَى السّقف (٦)
٢٦٩ - (قَوْله) وَرخّص فِيهِ أَبُو نعيم (٧) وَعلي بن عبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ وَآخَرُونَ
قلت قَالَ عَليّ بن جَعْفَر (٨) كُنَّا نَخْتَلِف إِلَى أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن نكتب
[ ٣ / ٤١٨ ]
عَنهُ الحَدِيث فَكَانَ يَأْخُذ منا الدَّرَاهِم الصِّحَاح فَإِذا (١) كَانَ مَعنا دَرَاهِم مكسرة أَخذ عَلَيْهَا صرفا (٢)
وَالْمرَاد بعلي بن عبد الْعَزِيز هُوَ أَبُو الْحسن الْبَغَوِيّ شيخ الْحرم ومصنف الْمسند أُنْثَى عَلَيْهِ النَّاس (٣) وَكَانَ النَّسَائِيّ يمقته لأجل أَخذه الْأُجْرَة على التحديث (٤)
وَمِمَّنْ كَانَ يفعل ذَلِك أَيْضا أَبُو شُعَيْب الْحَرَّانِي الإِمَام (٥) وَقد بلغنَا أَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس قدم على طَاوس فَحَمله على نجيب (٦) ثمنه سِتُّونَ دِينَارا وَقَالَ أَلا أَشْتَرِي علم هَذَا العَبْد بستين دِينَارا (٧)
[ ٣ / ٤١٩ ]
وَكَانَ مُجَاهِد إِذا أَتَاهُ الَّذِي يتَعَلَّم مِنْهُ قَالَ اذْهَبْ اعْمَلْ لي كَذَا ثمَّ تعال أحَدثك (١)
وَقَالَ النَّسَائِيّ أخبرنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم (٢) ثَنَا إِسْمَاعِيل (٣) عَن يحيى بن عَتيق (٤) عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم ثمَّ يغْتَسل مِنْهُ (٥ ٦ ٧ قَالَ ابْعَثْ معي ابْنك يحملهُ وَفِي لفظ قَالَ عَازِب لَا حَتَّى تحدثنا
[ ٣ / ٤٢٠ ]
كَيفَ لَيْلَة سريت مَعَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ أَبُو بكر أسرينا ليلتنا الحَدِيث (١)
قَالَ أَبُو الْفرج فِي مشكله (٢) كَانَ بعض الْمُتَأَخِّرين من شُيُوخ الْمُحدثين الَّذين لم يَذُوقُوا (٣) طعم الْعلم يحْتَج بِهَذَا على جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة على التحديث وَلَا يبعد من ناقل لَا يفهم مَا نقل أَن يكون مبلغ علمه الِاحْتِجَاج بِمثل هَذَا فَأَما من اطلع على سير الْقَوْم فهم أَنه لم يكن هَذَا بَينهم على وَجه الْأُجْرَة فَإِن أَبَا بكر لم يكن ليبخل على عَازِب بِالْحَدِيثِ وَلَا هُوَ مِمَّن يبخل عَلَيْهِ بِحمْل الرحل (د ٨٨) وَإِنَّمَا هُوَ انبساط الصّديق إِلَى صديقه فَإِنَّهُ رُبمَا قَالَ لَا أَقْْضِي حَاجَتك حَتَّى تَأْكُل (أ ١٥١) معي ويحقق هَذَا أَن عازبا من الْأَنْصَار وهم قد آثروا (٤) الْمُهَاجِرين بِأَمْوَالِهِمْ وأسكنوهم فِي دِيَارهمْ طلبا للثَّواب فَكيف يبخل على أبي بكر بِقَضَاء حَاجَة (٥)
قَالَ والمهم من هَذَا الْكَلَام فِي هَذَا أَن نقُول قد علم أَن حرص الطّلبَة للْعلم قد فتر لَا بل قد بَطل فَيَنْبَغِي للْعُلَمَاء أَن يحببوا لَهُم الْعلم فَإِذا رأى طَالب الْأَثر أَن الْإِسْنَاد يُبَاع وَالْغَالِب على الطّلبَة الْفقر ترك الطّلب فَكَانَ هَذَا سَببا لمَوْت السّنة وَيدخل هَؤُلَاءِ فِي معنى الَّذين يصدون عَن سَبِيل الله وَقد رَأينَا من كَانَ على
[ ٣ / ٤٢١ ]
مأثور السّلف فِي نشر الْعلم فبورك لَهُ فِي حَيَاته وَبعد مماته وَأما من كَانَ على السِّيرَة الَّتِي ذممناها فَلم يُبَارك لَهُ على غزارة علمه نسْأَل الله ﷿ الْإِخْلَاص فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال انْتهى (١)
وَمَا نَقله الْمُؤلف عَن فَتْوَى الشَّيْخ أبي إِسْحَاق مَحْمُول على من لم يتَعَيَّن عَلَيْهِ وَكَانَ يَنْقَطِع عَن كَسبه وَقِيَاس الشَّاهِد أَنه لَا يجوز لَهُ أَخذ الْأُجْرَة على أَدَاء الشَّهَادَة لِأَنَّهُ فرض (٢) عَلَيْهِ أَن يكون هُنَا مثله
مَسْأَلَة
قبُول (٣) الْهَدِيَّة (٤) من المستفتي (٥) وَلَا يخفي الْوَرع (٦)
وَقد حكى أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد بن عبد الله بن زبر (٧) فِي أخباره أَن أَصْحَاب الحَدِيث أهدوا لَهُ هَدِيَّة (٨) فَلَمَّا اجْتَمعُوا قَالَ لَهُم أَنْتُم بِالْخِيَارِ إِن شِئْتُم قبلت
[ ٣ / ٤٢٢ ]
هديتكم وَلم أحدثكُم وَإِن شِئْتُم رَددتهَا عَلَيْكُم وحدثتكم فَاخْتَارُوا ردهَا فردوها وَحَدَّثَهُمْ (١)
وحكاية (٢) حَمْزَة - أحد الْأَئِمَّة السَّبْعَة - فِي امْتِنَاعه من شرب المَاء لما اشْتَدَّ بِهِ الْعَطش (٣) فِي يَوْم حَار من بَيت مر بِهِ فَخرج [بِهِ] (٤) شَاب (٥) فَعرفهُ بِوَجْهِهِ وَقَالَ أَأَنْت الَّذِي تحضرنا فِي الْحلقَة فَقَالَ نعم فَرده عَلَيْهِ وَلم يشرب (٦)
٢٧٠ - (قَوْله) الثَّالِثَة عشر لَا تقبل رِوَايَة من عرف بالتساهل فِي سَماع الحَدِيث وإسماعه كم لَا يُبَالِي بِالنَّوْمِ فِي مجْلِس السماع (٧ ٨ ٩ أَو يزل فيتيقظ الشَّيْخ وَيرد عَلَيْهِ
[ ٣ / ٤٢٣ ]
سَرِيعا وَكَانَ بَعضهم إِذا كتب طبقَة السماع كتب وَفُلَان وَهُوَ يَنْعس وَفُلَان وَهُوَ يكْتب ٢٧١ - (قَوْله) وَمن هَذَا الْقَبِيل من عرف بِقبُول التَّلْقِين فِي الحَدِيث (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ فَأجَاب الملقن بِمَا عرف
[ ٣ / ٤٢٤ ]
بُطْلَانه كَانَ دَلِيلا على مجازفته لَا على تَعَمّده الْكَذِب فالكذب مِنْهُ يَقِينا يتَوَقَّف على أَن يثبت أَنه لقن الْبَاطِل الَّذِي عرف بُطْلَانه فَأجَاب بِهِ وَأما الْإِجَابَة بِمَا يلقن بِهِ من غير تحقق إِفَادَة فَإِنَّمَا يَجعله قدحا بطرِيق التُّهْمَة أَو بِقَرِينَة شهرت بالمجازفة وَعدم التثبت (١)
٢٧٢ - (قَوْله) وَلَا تقبل رِوَايَة من عرف بِكَثْرَة السَّهْو فِي رِوَايَته إِذا لم يحدث من أصل صَحِيح (٦ ٧ ٨ ٩ ١٠] (٤) ثَابتا وَلَعَلَّه روى عَنْهُم فِي عنفوان شبابه فَثَبت حفظه (٥)
[ ٣ / ٤٢٥ ]
الثَّانِي ظَاهره إِذا حدث من أصل صَحِيح فَلَا مبالاة بِكَثْرَة سَهْوه (١) لِأَن الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ على الأَصْل لَا على حفظه وَهُوَ ظَاهر كَلَام الشَّافِعِي فِي الرسَالَة أَيْضا فَإِنَّهُ قَالَ وَمن كثر غلطه من الْمُحدثين وَلم يكن لَهُ أصل كتاب صَحِيح لم يقبل حَدِيثه كَمَا يكون من أَكثر الْغَلَط فِي الشَّهَادَة (٢) لم نقبل شَهَادَته (٣)
٢٧٣ - (قَوْله) وَورد عَن ابْن الْمُبَارك (٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ضم إِلَى جَهله
[ ٣ / ٤٢٦ ]
إِنْكَاره (١) الْحق (٢)
٢٧٤ - (قَوْله) الرَّابِعَة عشر أعرض النَّاس فِي هَذِه الْأَعْصَار (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ يكن فِي قديم الْأَمر هَكَذَا روى الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد (٣) عَن أبي بكر الْحِيرِي (٤)
[ ٣ / ٤٢٧ ]
(أ ١٥٣) عَن أبي الْعَبَّاس الْأَصَم (١) قَالَ كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ حَدِيث فَقَالَ أروي نصفه وَلَا أروي نصفه الآخر فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ قَرَأت نصفه على الشَّيْخ ثمَّ هُوَ حمَار فَلَا أَدْرِي سَمعه الشَّيْخ أم لَا فشككت فِيهِ فتركته وَكَانَ النَّاس هَكَذَا انْتهى
وَقد ذكر ابْن الْأَثِير فِي مُقَدّمَة جَامع الْأُصُول توسع النَّاس فِي هَذِه الْأَعْصَار والإخلال بالضبط وَالْعلم بِمَا سمع وَقَالَ إِن ذَلِك خلاف الِاحْتِيَاط للدّين (٢)
وَقد سبق فِي أول الْكتاب كَلَام الشَّيْخ أثير الدّين أبي حَيَّان فِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا (٣) نعم مَا نَقله ابْن الصّلاح من التَّوَسُّع فِي هَذَا (د ٨٩) قد ذكره الْأُسْتَاذ أَبُو نصر بن الْقشيرِي (٤) فِي كِتَابه فِي الْأُصُول فَقَالَ - بعد أَن حكى عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ اشْتِرَاط علم
[ ٣ / ٤٢٨ ]
الشَّيْخ بِمَا يَقْرَؤُهُ الْقَارئ وَلَو مر (١) [بِهِ] (٢) تَحْرِيف أَو تَصْحِيف لرده عَلَيْهِ - قَالَ ابْن الْقشيرِي وَقد صرح القَاضِي أَبُو بكر بِأَنَّهُ تصح رِوَايَة الحَدِيث عَمَّن لم يعلم مَعْنَاهُ قَالَ وَهَذَا فِيمَا أَظن إِجْمَاع من أَئِمَّة (٣) وَفِي الْخَبَر رب حَامِل فقه غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ (٤) وَلَو شرطنا علم الرَّاوِي بِمَعْنى الحَدِيث لشرطنا معرفَة جَمِيع وجوهه وينسد بذلك بَاب التحديث قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فرواة الْأَخْبَار على غَلَبَة الظَّن فَإِذا قرئَ بَين يَدي الصَّبِي والأمي أَخْبَار
[ ٣ / ٤٢٩ ]
عَن (١) شَيْخه فتحملها هَذَا السَّامع وقرئت عَلَيْهِ فتحملت عَنهُ اكْتفي بذلك وَاشْتِرَاط (٢) النّظر فِي النُّسْخَة ودراية الْمَعْنى تضييق النطاق فِي الرِّوَايَة انْتهى
وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي فِي جُزْء لَهُ جمعه فِي شَرط الْقِرَاءَة على الشُّيُوخ إِن الشُّيُوخ الَّذين لَا يعْرفُونَ حَدِيثهمْ الِاعْتِمَاد فِي روايتهم على الثِّقَة الْمُقَيد عَنْهُم لَا عَلَيْهِم وَإِن هَذَا كُله توسل من الْحفاظ إِلَى حفظ الْأَسَانِيد إِذْ لَيْسُوا من شَرط الصَّحِيح إِلَّا على وَجه الْمُتَابَعَة وَلَوْلَا رخصَة الْعلمَاء لما جَازَت الْكِتَابَة عَنْهُم وَلَا الرِّوَايَة إِلَّا على قوم مِنْهُم دون آخَرين انْتهى
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فيمَ مُقَدّمَة الْمِيزَان الْعُمْدَة فِي زَمَاننَا لَيْسَ على الروَاة بل على الْمُحدثين والمقيدين (٣) الَّذين عرفت عدالتهم وَصدقهمْ فِي ضبط أَسمَاء السامعين قَالَ ثمَّ من الْمَعْلُوم أَنه لَا بُد من صون الرَّاوِي وستره (٤)
٢٧٥ - (قَوْله) أما الفاظ التَّعْدِيل فعلى مَرَاتِب (١١ دعاهم إِلَيْهَا الِاخْتِصَار كَمَا قَالَه ابْن
[ ٣ / ٤٣٠ ]
الْقطَّان فِي أَوَائِل الْوَهم وَالْإِيهَام قَالَ فَكَمَا كَانَ يحصل لنا من نقل الْعدْل إِذا قَالَ إِن فلَانا كَانَ ورعا حَافِظًا ضابطا (١) علمنَا (٢) أَن فلَانا الْمَذْكُور مَقْبُول الرِّوَايَة يرجح (٣) جَانب صدقه على جَانب كذبه فَكَذَلِك يحصل لنا ذَلِك إِذا قَالَ لنا لفظا من الْأَلْفَاظ المصطلح عَلَيْهَا (٤)
٢٧٦ - (قَوْله) الأولى ثِقَة (٥) (٥ ٦ ٧ ٨ ٩
وَيَنْبَغِي أَن يكون أَعلَى مِنْهَا قَوْلهم فلَان لَا يسْأَل عَن مثله وَنَحْوه (٧)
[ ٣ / ٤٣١ ]
٢٧٧ - (قَوْله) قلت وَكَذَا إِذا قيل ثَبت أَو حجَّة (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧
[ ٣ / ٤٣٢ ]
صَدُوق لَيْسَ بِحجَّة (١)] حَكَاهُ عَنهُ عَبَّاس الدوري (٢)
٢٧٨ - (قَوْله) ورد عَن ابْن أبي خَيْثَمَة أَنه قَالَ [قلت] ليحيى (٣) بن معِين (٣ ٤ الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم دُحَيْم (٥) مَا تَقول فِي عَليّ بن
[ ٣ / ٤٣٣ ]
حَوْشَب الْفَزارِيّ (١) فَقَالَ لَا بَأْس بِهِ قلت وَلم لَا تَقول ثِقَة وَلَا نعلم إِلَّا خيرا قَالَ قد قلت لَك إِنَّه ثِقَة
الثَّانِي مَا ذكره من أَنه مُخَالف لما تقدم فِيهِ نظر لِأَن ابْن معِين لم يقل إِن قولي لَا بَأْس بِهِ مسَاوٍ للثقة بل قَالَ إِن مَا قلت فِيهِ هَذَا فَهُوَ ثِقَة وللثقة مَرَاتِب وَالتَّعْبِير عَنهُ بقَوْلهمْ ثِقَة أرفع من التَّعْبِير عَنهُ بِأَنَّهُ لَا بَأْس بِهِ وَإِن اشْتَركَا فِي مُطلق الثِّقَة (٢) وَيدل على أَن التَّعْبِير بالثقة أرفع حِكَايَة المُصَنّف عَن عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي (٣) وَحكى الْمَرْوذِيّ نَحْوهَا عَن أَحْمد بن حَنْبَل (٤)
٢٧٩ - (قَوْله) الثَّالِثَة إِذا قيل شيخ (٨ ٩ ١٠ اتّفقت لَهُ رِوَايَة الحَدِيث أَو أَحَادِيث أخذت عَنهُ
[ ٣ / ٤٣٤ ]
٢٨٠ - (قَوْله) مقارب الحَدِيث (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ وَلَا الْجَلالَة وَكَلَام الْجَوْهَرِي فِي (٤) الصِّحَاح (٥) يَقْتَضِي الْكسر
[ ٣ / ٤٣٥ ]
وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي مرج الْبَحْرين يُقَال شَيْء مقارب بِكَسْر الرَّاء قَالَه ابْن الْأَعرَابِي وَقَالَ ثَابت فِي الدَّلَائِل جَمِيع أهل اللُّغَة يخالفوه فيقولونه بِالْفَتْح انْتهى
وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ للكسر لِأَن هَذَا يُقَال مدحا لَا ذما ثمَّ ذكر ابْن دحْيَة فِي قَوْلهم فلَان مقارب الحَدِيث بِالْفَتْح وَالْكَسْر على الْمَعْنيين السَّابِقين (١)
وَمِمَّا أجمله ابْن الصّلاح قَوْلهم روى أَحَادِيث مَنَاكِير قَالَ الشَّيْخ فِي شرح الْإِلْمَام لَا يَقْتَضِي بِمُجَرَّدِهِ ترك (٢) رِوَايَته حَتَّى تكْثر الْمَنَاكِير فِي رِوَايَته وَيَنْتَهِي إِلَى أَن يُقَال فِيهِ مُنكر الحَدِيث فليتنبه للْفرق بَين قَوْلهم مُنكر الحَدِيث وروى مَنَاكِير
وَقَالَ فِي الْإِلْمَام من يُقَال فِيهِ مُنكر الحَدِيث لَيْسَ كمن يُقَال فِيهِ روى أَحَادِيث مُنكرَة لِأَن مُنكر الحَدِيث وصف فِي الرجل يسْتَحق بِهِ التّرْك لحديثه والعبارة الْأُخْرَى تَقْتَضِي أَنه وَقع لَهُ فِي حِين لَا دَائِما وَقد قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يروي أَحَادِيث مُنكرَة وَقد اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَإِلَيْهِ الْمرجع فِي حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٣) انْتهى
وَقَوْلهمْ لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا بِالْحَافِظِ يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ انحطاطه عَن الدرجَة الْعَالِيَة وَكَذَا قَوْلهم [لَا يحمدونه وَلَا ينزلونه منزلَة الْكِبَار فِي الْحِفْظ
[ ٣ / ٤٣٦ ]
وَقَوْلهمْ] (١) صُوَيْلِح وَقَول يحيى فِي زَائِدَة (٢) (٣) هُوَ دون شُعْبَة وسُفْيَان (٤) وَقَالَ يحيى بن سعيد لَيْسَ هُوَ عِنْدِي مثل إِسْمَاعِيل وَهَذَا يدل على نَقصه بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره لَا نَقصه مُطلقًا وَقَول البُخَارِيّ فِي الرجل كثيرا فِيهِ نظر قَالَ الحافظان الْمزي والذهبي هُوَ نَظِير (د ٩٠) قَوْلنَا مَتْرُوك أَو مطروح وَقَول الشَّافِعِي فِي الرِّوَايَة عَن حرَام بن عُثْمَان (٥) حرَام (٦) وَمن روى عَن [أبي] (٧) جَابر البياضي (٨) بيض الله عَيْنَيْهِ ومأمون بن أَحْمد (٩) غير مَأْمُون (١٠)
[ ٣ / ٤٣٧ ]
فصل نَافِع فِي مَرَاتِب الْمُتَكَلِّمين فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل
ذكره الذَّهَبِيّ فِي جُزْء مُفْرد (١) وقسمهم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام
قسم مِنْهُم متعنت فِي الْجرْح (٢) متثبت فِي التَّعْدِيل يغمز (٣) الرَّاوِي فِي الغلطتين وَالثَّلَاث فَهَذَا إِذا وثق شخصا فعض على قَوْله بنواجذك وَتمسك بتوثيقه وَإِذا ضعف رجلا فَانْظُر هَل وَافقه غَيره على تَضْعِيفه فَإِن وَافقه وَلم يوثق ذَلِك أحد من الحذاق فَهُوَ ضَعِيف وَإِن وَثَّقَهُ آخر فَهُوَ الَّذِي قَالُوا لَا يقبل فِيهِ الْجرْح إِلَّا مُفَسرًا يَعْنِي لَا يَكْفِي فِيهِ قَول ابْن معِين مثلا هُوَ ضَعِيف وَلم يبين (٤) سَبَب ضعفه ثمَّ يَجِيء (٥) البُخَارِيّ وَغَيره يوثقه وَمثل هَذَا يخْتَلف فِي تَصْحِيح حَدِيثه وتضعيفه (٦)
وَقسم مِنْهُم يتسمح كالترمذي وَالْحَاكِم
وَقسم مِنْهُم معتدل كأحمد بن حَنْبَل وَالدَّارَقُطْنِيّ (٧) وَابْن عدي
[ ٣ / ٤٣٨ ]
فَأول من زكى وجرح من التَّابِعين وَإِن كَانَ (أ ١٥٦) قد وَقع ذَلِك قبلهم الشّعبِيّ (١) وَابْن سِيرِين حفظ عَنْهُمَا تَوْثِيق أنَاس وتضعيف آخَرين وَسبب قلَّة ذَلِك فِي التَّابِعين قلَّة متبوعيهم من الضُّعَفَاء إِذْ أَكثر المتبوعين صحابة عدُول وَأكْثر المتبوعين من غير الصَّحَابَة ثِقَات وَلَا يكَاد يُوجد فِي الْقرن الأول الَّذِي انقرض فِيهِ الصَّحَابَة وكبار التَّابِعين ضَعِيف إِلَّا الْوَاحِد بعد الْوَاحِد كالحارث الْأَعْوَر وَالْمُخْتَار (٢) الْكذَّاب فَلَمَّا مضى الْقرن الأول وَدخل الثَّانِي كَانَ فِي أَوَائِله من أوساط التَّابِعين جمَاعَة من الضُّعَفَاء الَّذين ضعفوا غَالِبا من قبل تحملهم وضبطهم للْحَدِيث [فتراهم يرفعون الْمَوْقُوف ويرسلون كثيرا وَلَهُم غلط] (٣) كَأبي هَارُون الْعَبْدي (٤) فَلَمَّا كَانَ عِنْد آخر عصر التَّابِعين وَهُوَ حُدُود الْخمسين وَمِائَة تكلم فِي التوثيق والتضعيف طَائِفَة من الْأَئِمَّة فَقَالَ أَبُو حنيفَة مَا رَأَيْت أكذب من جَابر الْجعْفِيّ وَضعف الْأَعْمَش جمَاعَة ووثق آخَرين
وَنظر (٥) فِي الرِّجَال شُعْبَة بن الْحجَّاج وَكَانَ متثبتا [لَا يكَاد يروي إِلَّا عَن
[ ٣ / ٤٣٩ ]
ثِقَة] (١) وَكَذَا كَانَ مَالك بن أنس وَمِمَّنْ إِذا قَالَ فِي هَذَا الْعَصْر قبل قَوْله معمر بن رَاشد وَهِشَام الدستوَائي (٢) وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَابْن الْمَاجشون وَحَمَّاد بن سَلمَة وَاللَّيْث بن سعد وَغَيرهم (٣)
ثمَّ طبقَة أُخْرَى بعد هَؤُلَاءِ كَعبد الله بن الْمُبَارك وهشيم (٤) بن بشير وَأبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ والمعافى بن عمرَان الْموصِلِي وَبشير بن الْمفضل وَابْن عُيَيْنَة (٥) وَغَيرهم
ثمَّ طبقَة أُخْرَى فِي زمانهم كَابْن علية وَابْن وهب ووكيع (٦) ثمَّ انتدب (٧) فِي زمانهم أَيْضا لنقد الرِّجَال الحافظان الحجتان يحيى بن سعيد الْقطَّان (٨) وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي فَمن جرحاه لَا يكَاد يندمل جرحه (٩) وَمن وثقاه فَهُوَ المقبول وَمن اخْتلفَا فِيهِ [وَذَلِكَ قَلِيل] (١٠) اجْتهد فِي أمره (١١)
[ ٣ / ٤٤٠ ]
ثمَّ كَانَ بعدهمْ مِمَّن إِذا قَالَ سمع مِنْهُ يزِيد بن هَارُون (١) وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَعبد الرَّزَّاق وَالْفِرْيَابِي وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل (٢)
وبعدهم طبقَة أُخْرَى كالحميدي (٣) والقعنبي (٤) وَأبي عبيد (٥) وَيحيى بن يحيى (٦) وَأبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ (٧)
ثمَّ صنفت الْكتب ودونت فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل [والعلل] (٨) وَبَين من [هُوَ] (٩) فِي الثِّقَة والتثبت كالسارية وَمن هُوَ فِي الثِّقَة كالشاب الصَّحِيح الْجِسْم وَمن هُوَ لين كمن يوجعه رَأسه وَهُوَ متماسك يعد من أهل الْعَافِيَة وَمن صفته كمحموم يرجح (١٠) إِلَى السَّلامَة وَمن صفته كمريض شبعان من الْمَرَض وَآخر كمن سقط قواه وأشرف على التّلف وَهُوَ الَّذِي يسْقط حَدِيثه (١١)
[ ٣ / ٤٤١ ]
وَولَايَة الْجرْح وَالتَّعْدِيل بعد من ذكرنَا ليحيى بن معِين وَقد سَأَلَهُ عَن الرِّجَال غير وَاحِد من الْحفاظ وَمن ثمَّ اخْتلفت آراؤه وعباراته فِي بعض الرِّجَال كَمَا أختلفت اجتهادات الْفُقَهَاء وَصَارَت لَهُم الْأَقْوَال وَالْوُجُوه فاجتهدوا فِي الْمسَائِل كَمَا اجْتهد ابْن معِين فِي الرِّجَال
وَمن طبقته أَحْمد بن حَنْبَل سَأَلَهُ جمَاعَة من تلامذته عَن الرِّجَال وَكَلَامه فيهم باعتدال وإنصاف وأدب وورع
وَكَذَا تكلم فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل مُحَمَّد بن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ فِي طبقاته بِكَلَام جيد مَقْبُول
وَأَبُو خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب لَهُ كَلَام كثير رَوَاهُ عَنهُ ابْنه أَحْمد وَغَيره وَأَبُو جَعْفَر عبد (١) الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي (٢) حَافظ (٣) (أ ١٥٧) الجزيرة (٤) الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو دَاوُد لم ار أحفظ مِنْهُ
وَعلي بن عبد الله الْمَدِينِيّ وَله التصانيف الْكَثِيرَة فِي الْعِلَل وَالرِّجَال
وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير الَّذِي قَالَ فِيهِ أَحْمد هُوَ درة الْعرَاق
وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة [الْعَبْسِي صَاحب الْمسند وَكَانَ آيَة فِي الْحِفْظ شبه] ٥
[ ٣ / ٤٤٢ ]
بِأَحْمَد بن حَنْبَل فِي الْمعرفَة
وَعبيد الله بن عمر القواريري (١) الَّذِي قَالَ فِيهِ صَالح جزرة هُوَ (٢) أعلم من رَأَيْت بِحَدِيث أهل الْبَصْرَة
وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه إِمَام خُرَاسَان
وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عبد الله بن عمار الْموصِلِي الْحَافِظ (٣) وَله كَلَام جيد فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل
وَأحمد بن صَالح الْمصْرِيّ حَافظ مصر وَكَانَ قَلِيل الْمثل (٤)
وَهَارُون بن عبد الله الْحمال (٥) وَكَانَ من أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل (٦) ثمَّ خَلفهم
[ ٣ / ٤٤٣ ]
طبقَة (١) أُخْرَى مُتَّصِلَة بهم مِنْهُم
إِسْحَاق (٢) الكوسج (٣) والدارمي (٤) والذهلي وَالْبُخَارِيّ وَالْعجلِي الْحَافِظ نزيل الْمغرب
ثمَّ من بعدهمْ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان وَمُسلم بن الْحجَّاج وابو إِسْحَاق الْجوزجَاني (٥) وَهُوَ مِمَّن يُبَالغ فِي الْجرْح
وَأَبُو دَاوُد السجسْتانِي وَبَقِي بن مخلد وَأَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي (٦) وَغَيرهم
ثمَّ من بعدهمْ (٧) عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف بن خرَاش الْبَغْدَادِيّ (٨) لَهُ مُصَنف
[ ٣ / ٤٤٤ ]
فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل قوي النَّفس كَأبي حَاتِم وَإِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الْحَرْبِيّ (١)
وَمُحَمّد بن وضاح الأندلسي (٢) حَافظ قرطبة وَأَبُو بكر بن أبي عَاصِم (٣) وَعبد الله بن أَحْمد وَصَالح جزرة وَأَبُو بكر الْبَزَّار
وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة (٤) وَهُوَ ضَعِيف لكنه من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن
[ ٣ / ٤٤٥ ]
وَمُحَمّد بن نصر الْمروزِي (١)
ثمَّ من بعدهمْ (٢) أَبُو بكر الْفرْيَابِيّ والبرديجي وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو يعلى الْموصِلِي وَالْحسن بن سُفْيَان (٣) وَابْن خُزَيْمَة (٤)
وَابْن جرير الطَّبَرِيّ والدولابي وَأَبُو عرُوبَة الْحَرَّانِي (٦) وَأَبُو الْحسن أَحْمد بن عُمَيْر بن جوصا (٧)
[ ٣ / ٤٤٦ ]
وَأَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ (١)
ثمَّ طبقَة (٢) أُخْرَى مِنْهُم ابْن أبي حَاتِم
وَأَبُو طَالب أَحْمد بن نصر الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ شيخ (٣) الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن عقدَة وَعبد الْبَاقِي بن قَانِع (٤)
ثمَّ من بعدهمْ (٥) أَبُو سعيد بن يُونُس (٦) وَابْن حبَان البستي وَأَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي الْجِرْجَانِيّ ومصنفه فِي الرِّجَال إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي الْجرْح
ثمَّ من بعدهمْ (٧) أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الماسرجسي النَّيْسَابُورِي وَله
[ ٣ / ٤٤٧ ]
مُسْند مُعَلل فِي ألف وثلاثمائة جُزْء (١)
وَأَبُو مُحَمَّد بن حَيَّان (٢) وَأَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو أَحْمد الْحَاكِم (٣) وَالدَّارَقُطْنِيّ (٤) بِهِ ختم معرفَة الْعِلَل
ثمَّ من بعدهمْ (٥) أَبُو عبد الله بن مَنْدَه وَأَبُو عبد الله الْحَاكِم وَأَبُو نصر الكلاباذي (٦)
[ ٣ / ٤٤٨ ]
وَأَبُو الْمطرف (١) عبد الرَّحْمَن بن فطيس (٢) قَاضِي قرطبة (٣) وَله دَلَائِل السّنة فِي خمس مجلدات وفضائل الصَّحَابَة فِي مِائَتَيْنِ وَخمسين جُزْءا
وَعبد الْغَنِيّ بن سعيد وَأَبُو بكر بن (د ٩١) مرْدَوَيْه الْأَصْبَهَانِيّ (٤) وَتَمام بن مُحَمَّد الرَّازِيّ (٥)
ثمَّ من بعدهمْ (٦)
أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن أبي الفوارس (٧) وَأَبُو بكر البرقاني وَأَبُو حَازِم
[ ٣ / ٤٤٩ ]
العبدوي (١) وَقد كتب عَنهُ عشرَة أنفس عشرَة آلَاف جُزْء وَخلف بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ (٢) (٣) وَأَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي (٤) وَأَبُو الْفضل الفلكي (٥) وَله كتاب الطَّبَقَات (أ ١٥٨) فِي ألف جُزْء
وَأَبُو الْقَاسِم حَمْزَة السَّهْمِي (٦) وَأَبُو يَعْقُوب القراب الْهَرَوِيّ (٧) وَأَبُو ذَر الْهَرَوِيّ
ثمَّ من بعدهمْ (٨)
[ ٣ / ٤٥٠ ]
أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد الْخلال الْبَغْدَادِيّ وَأَبُو عبد الله الصُّورِي (٢) وَأَبُو سعد السمان (٣) وَأَبُو يعلى الخليلي
ثمَّ من بعدهمْ (٤) ابْن عبد الْبر وَابْن حزم الأندلسيان وَالْبَيْهَقِيّ والخطيب
ثمَّ أَبُو الْقَاسِم بن عَليّ الزنجاني (٥) وَشَيخ الْإِسْلَام الْأنْصَارِيّ (٦) وَأَبُو صَالح الْمُؤَذّن (٧)
[ ٣ / ٤٥١ ]
وَابْن مَاكُولَا (١) وَأَبُو الْوَلِيد (٢) الْبَاجِيّ (٣) وَقد صنف فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَكَانَ عَلامَة حجَّة
وَأَبُو عبد الله الْحميدِي (٤) وَابْن مفوز الْمعَافِرِي الشاطبي (٥) ثمَّ أَبُو الْفضل بن
[ ٣ / ٤٥٢ ]
طَاهِر الْمَقْدِسِي (١) وشجاع بن فَارس الذهلي (٢) والمؤتمن بن أَحْمد بن عَليّ السَّاجِي (٣)
وشيرويه بن شهردار (٤) الديلمي الهراسي (٥) صنف تَارِيخ هراة وَأَبُو عَليّ الغساني (٦)
ثمَّ بعدهمْ (٧) أَبُو الْفضل بن نَاصِر السلَامِي (٨) وَالْقَاضِي عِيَاض وَأَبُو طَاهِر
[ ٣ / ٤٥٣ ]
السلَفِي وَأَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ وَأَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر وَابْن بشكوال (١)
ثمَّ بعدهمْ (٢) عبد الْحق الإشبيلي وَابْن الْجَوْزِيّ وَأَبُو عبد الله بن الفخار (٣) وَعبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي (٤) والرهاوي وَابْن مفضل الْمَقْدِسِي (٥)
ثمَّ بعدهمْ (٦) أَبُو الْحسن بن الْقطَّان وَابْن الْأنمَاطِي (٧) وَابْن نقطة وَابْن
[ ٣ / ٤٥٤ ]
الدبيثي (١) وَابْن خَلِيل الدِّمَشْقِي (٢) وَأَبُو بكر بن خلفون الْأَزْدِيّ الأوسي وَابْن النجار (٣)
ثمَّ (٤) الزكي الْمُنْذِرِيّ والبرزالي (٥) والصريفيني والرشيد الْعَطَّار وَابْن الصّلاح وَابْن الْأَبَّار (٦) وَابْن العديم (٧) وَأَبُو شامة وَأَبُو الْبَقَاء خَالِد بن يُوسُف النابلسي (٨)
[ ٣ / ٤٥٥ ]
وَابْن الصَّابُونِي (١)
ثمَّ من بعدهمْ (٢) الدمياطي وَابْن الظَّاهِرِيّ (٣) والميدومي (٤) وَابْن دَقِيق الْعِيد وَابْن فَرح (٥) وَعبيد الأسعردي (٦)
ثمَّ من بعدهمْ (٧) سعد الدّين الْحَارِثِيّ والمزي وَابْن تَيْمِية وصفي الدّين الْقَرَافِيّ (٨)
[ ٣ / ٤٥٦ ]
وَعلم الدّين البرزالي (١) وقطب الدّين الْحلَبِي (٢) وَفتح الدّين بن سيد النَّاس
وَهَذَا فصل نَافِع يوقفك على طَبَقَات الْمُحدثين ومراتبهم
فَائِدَة
إِنَّمَا يجوز الْقدح فِي الرجل إِذا احْتِيجَ إِلَى الرِّوَايَة عَنهُ وَقد شغف الْمُتَأَخّرُونَ فِي التراجم بِذكر معايب الشَّخْص وَإِن لم يكن من أهل الرِّوَايَة وَقد وجدت بِخَط الإِمَام ابي الْفَتْح الْقشيرِي وَقد ذكر عَن ابْن السَّمْعَانِيّ تَرْجَمَة شَاعِر قدح فِيهِ فَقَالَ الشَّيْخ قلت إِذا لم يضْطَر إِلَى الْقدح فِيهِ الرِّوَايَة لم يجز انْتهى
وَقد ذكر الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان اقواما من هَذَا الْجِنْس وقدح فيهم وَالله يغْفر لنا وَلَهُم (٣)
ثمَّ إِنَّهُم يذكرُونَ أنواعا كَثِيرَة من القوادح وَقد قَالَ الشَّيْخ عز الدّين ابْن عبد السَّلَام فِي الْقَوَاعِد لَا يجوز للشَّاهِد أَن يدسن (٤) مهما أمكن الِاكْتِفَاء بِأَحَدِهِمَا فَإِن
[ ٣ / ٤٥٧ ]
الْقدح إِنَّمَا يجوز للضَّرُورَة فليقدر بِقَدرِهَا وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الْقَرَافِيّ وَغَيره
فَائِدَة
فِي الْجمع بَين أَقْوَال الْأَئِمَّة الْمَنْقُول عَنْهُم صِيغَة التمريض والتقوية وَقد جمع بَينهمَا القَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ فَقَالَ فِي كِتَابه فرق الْفُقَهَاء (أ ١٥٩) إِن الرجل مِنْهُم قد يسْأَل عَن الشَّيْخ الَّذِي لَيْسَ بذلك فِي جملَة الضُّعَفَاء فَيَقُول لَا باس بِهِ هُوَ صَدُوق هُوَ ثِقَة يَعْنِي أَنه لَيْسَ من هَذِه الطَّبَقَة وَيسْأل عَنهُ فِي مجْلِس آخر فِي جملَة الْأَئِمَّة فَيَقُول ذَاك ضَعِيف لين الحَدِيث عِنْده مَنَاكِير (١) لَيْسَ بِمَعْرُوف على حسب حَاله وَقد كَانَ يحيى بن معِين يسْأَل عَن رجل روى حَدِيثا فيضعفه وَيسْأل عَنهُ فِي رِوَايَة حَدِيث آخر فيوثقه (٢) وَإِنَّمَا ذَلِك بِحَسب مَا يحْتَملهُ حَاله من الحَدِيث وَيقبل فِيهِ على انْفِرَاده وَرِوَايَته فَلَا يقبل على هَذَا وَلَا يفهمهُ إِلَّا من عرف الصِّنَاعَة وَعلم أسرارها ومقاصدها وأغراض الْأَئِمَّة المجرحين والمعدلين وَلَيْسَ كل أحد من الثِّقَات يحْتَمل تفرده
[ ٣ / ٤٥٨ ]
النَّوْع الرَّابِع وَالْعشْرُونَ
٢٨١ - (قَوْله) فَتقبل رِوَايَة من تحمل قبل الْإِسْلَام وروى بعده (٣ ٤ ٥ هِرقل (٤) ويلتحق بِهِ من تحمل فِي
[ ٣ / ٤٥٩ ]
حَالَة الْفسق ثمَّ روى بعد الْعَدَالَة بل أولى
وَمن الْغَرِيب والعجيب رِوَايَة أبي طَالب عَن النَّبِي ﷺ (وجدت بِخَط) (٣ ٤ مَنْصُور بن عبد الله الخالدي ثَنَا أَبُو أَحْمد إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن عَليّ
[ ٣ / ٤٦٠ ]
الْكُوفِي (١) ثَنَا عَليّ بن مُحَمَّد الْعقيلِيّ (٢) ثَنَا جَعْفَر بن أبان (٣) ثَنَا حسن بن عَليّ الموافقي (٤) عَن يُونُس بن إِبْرَاهِيم (٥) عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة (٦) عَن عُرْوَة بن عَمْرو الثَّقَفِيّ (٧) سَمِعت أَبَا طَالب قَالَ سَمِعت ابْن أخي الْأمين يَقُول اشكر ترزق وَلَا تكفر فتعذب (٨)
٢٨٢ - (قَوْله) وَكَذَا رِوَايَة من سمع قبل الْبلُوغ وروى بعده وَمنع من ذَلِك قوم فأخطأوا انْتهى
[ ٣ / ٤٦١ ]
وَهَذَا الْمَنْع هُوَ وَجه للشَّافِعِيَّة وَلَهُم (١) وَجه أَنه يجوز رِوَايَة الصَّبِي قبل بُلُوغه وَالْمَشْهُور الأول وَيدل لما قَالَه المُصَنّف سَماع صبيان الصَّحَابَة ثمَّ روايتهم بعد الْبلُوغ وَقبلت بالاجماع وَقد سلمت أم أنس أنسا إِلَى النَّبِي ﷺ صَبيا للْخدمَة فخدمه عشر سِنِين وَكَذَلِكَ كثرت رِوَايَته عَنهُ
وَأم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا - دخلت على النَّبِي ﷺ وَهِي بنت تسع وروت عَنهُ الْكثير
وَشرط الأصوليون كَونه عِنْد التَّحَمُّل مُمَيّزا (٢) وَإِلَّا لم تصح رِوَايَته بعد الْبلُوغ قَالَ ابْن الْقشيرِي وَحكي فِيهِ الْإِجْمَاع
٢٨٣ - (قَوْله) وَقيل لمُوسَى بن إِسْحَاق كَيفَ لم تكْتب عَن أبي نعيم (٨ بن دُكَيْن الْكُوفِي مر بِأبي جَعْفَر الْحَضْرَمِيّ
[ ٣ / ٤٦٢ ]
الملقب بمطين (١) صَغِيرا يلْعَب مَعَ الصّبيان وَقد تلطخ بالطين وَكَانَ بَينه وَبَين أَبِيه مَوَدَّة فَنظر إِلَيْهِ وَقَالَ يَا مطين قد آن لَك أَن تحضر مجْلِس السماع ذكره الْحَاكِم فِي النَّوْع الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ (أ ١٦٠) من كِتَابه (٢)
وَهَذَا لَا يرد فَلَعَلَّهُ رأى فِيهِ من النجابة مَا يسْتَحق ذَلِك وَلِأَن فِيهِ الْأَمر بِحُضُور مجَالِس الحَدِيث لَا الرحلة إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالة فَإِن ذَلِك يَسْتَدْعِي مزِيد فهم وَقُوَّة وَقد قَالَ أَبُو الْحسن سعد الْخَيْر الْأنْصَارِيّ (٣) فِي كتاب شرف الحَدِيث كَانَ الْأَمر المواظب عَلَيْهِ فِي عصر التَّابِعين وقريبا مِنْهُم لَا يكْتب الحَدِيث إِلَّا من جَاوز حد الْبلُوغ وَصَارَ فِي عداد من يصلح لمجالسة الْعلمَاء ومذاكرتهم وَقد قيل إِن أهل الْكُوفَة لم يكن الْوَاحِد مِنْهُم يسمع الحَدِيث إِلَّا بعد استكمال عشْرين سنة (٤)
٢٨٤ - (قَوْله) الثَّالِث اخْتلفُوا فِي أول زمَان يَصح فِيهِ سَماع الصَّغِير (١٠ إِلَى آخِره
[ ٣ / ٤٦٣ ]
وَحَاصِله حِكَايَة أَرْبَعَة أَقْوَال إِذا ميز أدنى تَمْيِيز وَإِذا عقل وَضبط وَإِذا بلغ خمْسا وَإِذا بلغ الْبلُوغ الشَّرْعِيّ
وَفِي الْمَسْأَلَة قَول آخر وَهُوَ التَّفْصِيل بَين الْعَرَبِيّ والعجمي وَهُوَ الْمَذْكُور فِي كتاب الْوَجِيز فِي ذكر الْمجَاز والمجيز لِلْحَافِظِ أبي الطَّاهِر السلَفِي فَقَالَ إِن الْأَكْثَرين على أَن الْعَرَبِيّ يَصح سَمَاعه إِذا بلغ سنتَيْن لحَدِيث مَحْمُود (١) وَأَن العجمي يَصح إِذا بلغ سبع سِنِين (٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ بن يزِيد والمسور (٢) بن مخرمَة وروى مسلمة بن مخلد عَن النَّبِي ﷺ
[ ٣ / ٤٦٤ ]
وَكَانَ لَهُ حِين قبض عشر سِنِين وَقيل ارْبَعْ عشرَة وَتزَوج النَّبِي ﷺ عَائِشَة وَهِي بنت سِتّ وَبنى بهَا وَهِي بنت تسع وروت عَنهُ مَا حفظت فِي ذَلِك الْوَقْت وروى عمر بن أبي سَلمَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (١) لَهُ يَا غُلَام سم الله وكل مِمَّا يليك (٢) (٣)
قَالَ وَالْمُعْتَبر فِيهِ الْحَرَكَة والتيقظ والضبط عِنْد أَكثر أهل الحَدِيث
وَحكي عَن بعض أهل الْعلم أَن السماع يَصح بِحُصُول التَّمْيِيز والإصغاء فَحسب (٤) وَلِهَذَا بَكرُوا بالأطفال فِي السماع من الشُّيُوخ الَّذين علا إسنادهم قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ مَاتَ عبد الرَّزَّاق وللدبري (٥) (٦) سِتّ (٧) سِنِين (٨) أَو سبع وَقد
[ ٣ / ٤٦٥ ]
روى الدبرِي عَن عبد الرَّزَّاق عَامَّة (١) كتبه ونقلها النَّاس عَنهُ وسمعوها مِنْهُ قَالَ وَسمع القَاضِي أَبُو عمر الْقَاسِم (٢) بن جَعْفَر بن عبد الْوَاحِد الْهَاشِمِي (٣) كتاب سنَن أبي دَاوُد من اللؤْلُؤِي وَله خمس سِنِين واعتد النَّاس بذلك السماع وَنقل عَنهُ الْكتاب عَامَّة أهل الْعلم من حفاظ الحَدِيث وَالْفُقَهَاء وَغَيرهم (٤) انْتهى
وَمَا ذكره المُصَنّف عَن القَاضِي عِيَاض أَن أهل الصَّنْعَة حدوه بِخمْس أهمل مِنْهُ قَول القَاضِي وليعلم إِنَّمَا أَرَادوا أَن هَذَا السن أقل مَا يحصل بِهِ الضَّبْط وعقل مَا يسمع وَحفظه وَإِلَّا فمرجوع ذَلِك للعادات فَرب (٥) بليد الطَّبْع غبي (٦) الْفطْرَة (٧) لَا يضْبط شَيْئا فَوق هَذَا السن قَالَ وَرِوَايَة مَحْمُود بن الرّبيع فِي الْخمس ذكرهَا البُخَارِيّ من طَرِيق أبي مسْهر (٨) وَتَابعه ابْن الْمُصَفّى وَغَيره وَخَالفهُم غَيرهم فَقَالُوا أَربع سِنِين (٩) قلت وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى تَعْلِيل الحَدِيث بِالِاضْطِرَابِ (١٠)
[ ٣ / ٤٦٦ ]
(أ ١٦١) وَقد يستشهد لرِوَايَة الْأَرْبَع بِمَا رَوَاهُ مُسلم فِي الْفَضَائِل من ضبط ابْن الزبير وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين وَقَوله كنت يَوْم الخَنْدَق أَنا وَعمر بن أبي سَلمَة مَعَ النسْوَة فِي أَطَم حسان نَنْظُر فَكنت أعرف أبي إِذا مر على فرسه فِي السِّلَاح إِلَى بني قُرَيْظَة (١) بل روى أَحْمد فِي الْمسند عَن أبي الجوزاء (٢) قلت لِلْحسنِ بن عَليّ مَا تذكر من رَسُول الله ﷺ قَالَ أذكر أَنِّي أخذت تَمْرَة من تمر الصَّدَقَة فجعلتها فِي فِي فنزعها رَسُول الله ﷺ بلعابها فَجَعلهَا فِي التَّمْر (٣)
وروى مثله عَن الْحُسَيْن أَيْضا (٤) وَفِي رِوَايَة غَيره فَقَالَ كخ كخ وَمثل
[ ٣ / ٤٦٧ ]
ذَلِك لَا يُقَال إِلَّا للطفل الْمُرْضع أَو قريب مِنْهُ فَهَذِهِ الْأَحَادِيث مصرحة بِمَا دون الْخمس فَكيف يَجْعَل الْخمس تحديدا
٢٨٥ - (قَوْله) وَيَنْبَغِي اعْتِبَار كل بِحَسب عقله وفهمه (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ ١٤ وفوض إِلَه اخْتِيَار أَحدهمَا
[ ٣ / ٤٦٨ ]
وَإِنَّمَا قدر - بذلك لسن (١) التَّمْيِيز لِأَنَّهَا السن الَّتِي يفهم فِيهَا الْوَلَد حَال أَبَوَيْهِ ثمَّ قدرهَا أَصْحَاب الشَّافِعِي بِسبع لِأَنَّهَا السن الَّتِي أَمر فِيهَا بِالصَّلَاةِ لفهم الْخطاب على الْجُمْلَة
قَالَ وَأما حَدِيث مَحْمُود بن الرّبيع فَلَعَلَّ تَمْيِيزه فِي هَذَا السن وإدراكه فِيهَا ببركة رُؤْيَته لرَسُول الله ﷺ وبركة المَاء الَّذِي مجه فِي وَجهه وَأصَاب بَشرته من فَم رَسُول الله ﷺ وَلَا يبعد أَن يكون النَّبِي ﷺ قصد بذلك إِصَابَة بركته فَإِن وجد صبي على الندور إِدْرَاكه (٢) مثل إِدْرَاك (٣) مَحْمُود بن الرّبيع فِي سنه صَحَّ سَمَاعه حالتئذ انْتهى
وَكَذَا قَالَ غَيره (٤) لَيْسَ فِي حَدِيث مَحْمُود مَا يدل على التَّحْدِيد بِهَذَا لكل أحد إِذْ لَيْسَ تَمْيِيز كل أحد كتمييز مَحْمُود بل قد ينقص عَنهُ وَقد يزِيد وَلَا يلْزم مِنْهُ أَلا يعقل قبل ذَلِك وسنه أقل من ذَلِك وَلَا يلْزم من عقل المجة أَن يعقل غير ذَلِك (٥) على أَن الْمَنْصُوص للشَّافِعِيّ اعْتِبَار السَّبع فروى الْحَافِظ السلَفِي بِسَنَدِهِ إِلَى الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ كنت عِنْد الشَّافِعِي - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - وَقد أَتَاهُ رجل يطْلب الْإِجَازَة لِابْنِهِ فَقَالَ كم لابنك فَقَالَ سِتّ سِنِين فَقَالَ لَا يجوز الْإِجَازَة لمثله حَتَّى يتم (٦) لَهُ سبع سِنِين (٧) انْتهى
[ ٣ / ٤٦٩ ]
وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْإِجَازَة فَفِي السماع بطرِيق الأولى وَهَذَا هُوَ قَضِيَّة كَلَام الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ بن سعيد فِي كِتَابه أدب (أ ١٦٢) [الْمُحدث] (١) فَإِنَّهُ صدر الْبَاب بِحَدِيث مروا أَوْلَادكُم بِالصَّلَاةِ وهم أَبنَاء سبع (٢) وَبِحَدِيث عبد الله بن الزبير أَنه جِيءَ بِهِ ليبايع النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن سبع فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ ثمَّ بَايعه (٣)
وَحكى قَول الْمُزنِيّ قلت للشَّافِعِيّ قد سمع ابْن الزبير من النَّبِي ﷺ قَالَ نعم وَحفظ عَنهُ وَكَانَ يَوْم سمع من النَّبِي ﷺ ابْن سبع سِنِين (٤) وَقَول عَمْرو بن سَلمَة أممت على عهد رَسُول الله ﷺ وَأَنا ابْن سبع أَو سِتّ (٥)
٢٨٦ - (قَوْله) وبلغنا عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي أَنه قَالَ رَأَيْت صَبيا ابْن ارْبَعْ سِنِين إِلَى آخِره
[ ٣ / ٤٧٠ ]
هَذِه الْحِكَايَة رَوَاهَا الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة (١) بِإِسْنَادِهِ وَطعن بَعضهم (٢) فِي صِحَّتهَا بِأَن فِي سندها أَحْمد بن كَامِل القَاضِي (٣) وَكَانَ يعْتَمد على حفظه فيهم (٤) وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ متساهلا
قلت قد ذكر صَاحب الْمِيزَان أَن [غير] (٥) الدَّارَقُطْنِيّ مَشاهُ وَكَانَ من أوعية الْعلم (٦)
٢٨٧ - (قَوْله) الأول السماع من لفظ الشَّيْخ وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى إملاء وتحديث إِلَى قَوْله وَهَذَا الْقسم أرفع الْأَقْسَام
[ ٣ / ٤٧١ ]
قَضيته مُسَاوَاة الْإِمْلَاء والتحديث فِي أَنَّهُمَا أَعلَى الْأَقْسَام [وَذكر أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ فِي أدب الْإِمْلَاء والاستملاء أَن أَعلَى (١) الْأَقْسَام (٢) أَن يملي عَلَيْك وتكتب من لَفظه لِأَنَّك إِذا قَرَأت عَلَيْهِ رُبمَا يغْفل أَو لَا يسمع وَإِن قَرَأَ عَلَيْك رُبمَا تشتغل (د ٩٣) بِشَيْء عَن سَمَاعه وَإِن قرئَ عَلَيْهِ ويحضر (٣) سَمَاعه فَكَذَلِك
ثمَّ أسْند عَن إِسْحَاق بن عِيسَى الطباع (٤) أَنه قَالَ لَا أعد الْقِرَاءَة شَيْئا بَعْدَمَا رَأَيْت مَالِكًا يقْرَأ عَلَيْهِ وَهُوَ يَنْعس (٥) قَالَ وَقد روى عَن يحيى بن يحيى قَرِيبا من هَذَا ثمَّ أسْند إِلَى أبي عَليّ الزنجاني (٦) قَالَ قَرَأَ (٧) يحيى بن يحيى النَّيْسَابُورِي (٨) الْحَافِظ كتاب الْمُوَطَّأ على مَالك فَلَمَّا فرغ مِنْهُ [قَالَ لمَالِك مَا سكن قلبِي إِلَى هَذَا السماع قَالَ وَلم قَالَ لِأَنِّي خشيت أَنه سقط مِنْهُ] (٩) شَيْء (١٠) فَقَرَأَ مَالك فَلَمَّا فرغ قَالَ مَا سكن قلبِي إِلَى هَذَا السماع لِأَنِّي خشيت أَنه سقط من أُذُنِي [شَيْء] (١١) قَالَ اقرؤه أَنا ثَانِيًا فتسمعه فقرأه وَتمّ لَهُ السماع ثَلَاث مَرَّات (١٢)
[ ٣ / ٤٧٢ ]
٢٨٨ - (قَوْله) نقلا عَن القَاضِي عِيَاض أَنه لَا خلاف فِيمَا نَسْمَعهُ أَن نقُول حَدثنَا (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ رَاوِي الْكتاب أَنه
[ ٣ / ٤٧٣ ]
قَالَ يُقَال إِن هَذَا الرجل الْخضر (١) وَلَا يبعد أَن يكون الْخضر تلقى ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ابْن الْمواق وَلَا أَقُول إِن حَدثنَا صَرِيح فِي السماع بل ظَاهر قوي حَتَّى يعلم خِلَافه (٢) (أ ١٦٣)
٢٨٩ - (قَوْله) مُعْتَرضًا على مَا نَقله عَن عِيَاض - فِيهِ نظر (٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١)
[ ٣ / ٤٧٤ ]
هَذَا فِيهِ مُوَافقَة لما قُلْنَاهُ عَن ابْن الْقطَّان آنِفا وَرَأَيْت فِي كتاب أصُول الْفِقْه لأبي الْحُسَيْن بن الْقطَّان من قدماء أَصْحَابنَا ذَلِك أَيْضا فَقَالَ سَمِعت آكِد من حَدثنَا لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون ثَنَا أَي حدث قَومنَا لقَوْل الْحسن خَطَبنَا ابْن عَبَّاس انْتهى
وينازع فِيهِ قَول المُصَنّف بعد ذَلِك أَن ثَنَا وَأَنا أرفع من سَمِعت من وَجه آخر وَهُوَ أَن قَوْله حَدثنَا وَأخْبرنَا فِيهِ على مخاطبته لَهُ بِهِ وَأَنه رَوَاهُ لَهُ
وَذكر عبد الْغَنِيّ فِي أدب الْمُحدث عَن الْأَصْمَعِي (١) قَالَ سَمِعت مُعْتَمر بن سُلَيْمَان (٢) يَقُول سَمِعت أسهل عَليّ من حَدثنَا وَأخْبرنَا وحَدثني واخبرني لِأَن الرجل قد يسمع وَلَا يحدث (٣)
[ ٣ / ٤٧٥ ]
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن الْقُسْطَلَانِيّ (١) فِي كِتَابه الْمنْهَج الْأَحْسَن التَّفْصِيل فَإِن كَانَ الْمجْلس محصورا لإسماع قوم مُعينين وَلم يكن فيهم وسَمعه يَقُول فَقَالَ سَمِعت فَهُوَ دون ثَنَا إِذْ لم يَقْصِدهُ بِالتَّحْدِيثِ فَإِن (٤ ٥ ٦) إِلَى أَخّرهُ
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي وَهَذَا إِذا لم يقم دَلِيل قَاطع على أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة لم يجز أَن يُصَار إِلَيْهِ (٢)
قلت قَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم من قَالَ عَن الْحسن حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة فقد أَخطَأ (٣) يُشِير إِلَى أَنه لم يسمع مِنْهُ وَهُوَ قَول الْجُمْهُور مِنْهُم عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَيُونُس بن عبيد (٤) (٥)
[ ٣ / ٤٧٦ ]
وَزِيَاد الأعلم (١) وَأَيوب بن أبي تَمِيمَة وَابْن جدعَان (٢) والبرديجي وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ - زَاد يُونُس مَا رَآهُ قطّ - وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي علله وَالْبَزَّار فِي مُسْنده (٣)
وَفِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ عَن الْفضل بن عِيسَى الرقاشِي (٤) عَن الْحسن قَالَ خَطَبنَا أَبُو هُرَيْرَة فَذكره (٥)
وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده ثَنَا عباد بن رَاشد (٦) ثَنَا الْحسن ثَنَا أَبُو هُرَيْرَة - وَنحن إِذْ ذَاك بِالْمَدِينَةِ - قَالَ يَجِيء الْإِسْلَام يَوْم الْقِيَامَة (٧) الحَدِيث
[ ٣ / ٤٧٧ ]
وَهُوَ على رسم الشَّيْخَيْنِ (١) وَفِيه دلَالَة على أَنه سمع مِنْهُ قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الصَّغِير فِي بَاب المحمدين وَقد اخْرُج حَدِيثا عَن الْحسن قَالَ خَطَبنَا أَبُو هُرَيْرَة على منبره (٢) فَذكر حَدِيثا ثمَّ قَالَ وَهَذَا الحَدِيث يُؤَيّد قَول من قَالَ إِن الْحسن قد سمع من أبي هُرَيْرَة بِالْمَدِينَةِ وَقد رأى الْحسن عُثْمَان بن عَفَّان يخْطب على الْمِنْبَر (٣) (أ ١٦٤)
٢٩٢ - (قَوْله) وَسَأَلَ الْخَطِيب شَيْخه (٤) البرقاني (٦ ٧ ٨ ٩ فَلذَلِك تورع وتحرى
[ ٣ / ٤٧٨ ]
٢٩٣ - (قَوْله) وَأما قَوْله قَالَ لنا فلَان (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ الْجَوَاز وَحكى الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة عَن البُخَارِيّ أَنه كَانَ حكى عَن
[ ٣ / ٤٧٩ ]
أبي سعيد الْحداد (١) أَنه قَالَ عِنْدِي خبر عَن النَّبِي ﷺ فِي الْقِرَاءَة على الْعَالم فَقيل لَهُ فَقَالَ قصَّة ضمام بن ثَعْلَبَة آللَّهُ أَمرك بِهَذَا قَالَ نعم (٢) (٣)
٢٩٥ - (قَوْله) فَنقل عَن أبي حنيفَة وَغَيره تَرْجِيح الْقِرَاءَة على الشَّيْخ على السماع من لَفظه (٤ ٥ ٦ قلبا وشغل الْقلب وتوزع الْفِكر إِلَى الْقَارئ أسْرع فَلذَلِك رجح (٤)
[ ٣ / ٤٨٠ ]
٢٩٦ - (قَوْله) وَرُوِيَ عَن مَالك وَغَيره أَنَّهُمَا سَوَاء (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ قَالَ رَسُول الله ﷺ قراءتك على الْعَالم وَقِرَاءَة الْعَالم عَلَيْك سَوَاء (٨)
[ ٣ / ٤٨١ ]
٢٩٧ - (قَوْله) وَالصَّحِيح تَرْجِيح السماع (٢ ٣ ٤) إِلَى آخِره
لم يستثنوا مِمَّا يجوز فِي الْقسم الأول إِلَّا لَفْظَة سَمِعت فَلم يجوزوها فِي الْعرض وَقد صرح بذلك أَحْمد بن صَالح فَقَالَ لَا يجوز أَن يَقُول سَمِعت
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب إِنَّه الصَّحِيح قَالَ وَقَالَ بَعضهم يجوز قَالَ القَاضِي عِيَاض وَهُوَ قَول رُوِيَ عَن مَالك وَالثَّوْري (١)
وَالصَّحِيح مَا تقدم وَقَالَ ابْن أبي الدَّم طرد الْخلاف هُنَا فِي قَوْله سَمِعت بعيد جدا فَلَا يَنْبَغِي أَن يجوز للراوي أَن يَقُول (أ ١٦٥) سَمِعت إِذا لم يسمع لَفظه قولا وَاحِدًا لِأَنَّهَا صَرِيحَة فِي سَماع اللَّفْظ من الشَّيْخ وَلم يصطلح الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ على إِطْلَاقهَا على التحديث وَالرِّوَايَة من غير السماع (٢)
٢٩٩ - (قَوْله) وَأما إِطْلَاقه حَدثنَا وَأخْبرنَا فِي الْقِرَاءَة على
[ ٣ / ٤٨٢ ]
الشَّيْخ (٢ ٣ ٤ ٥ ٦)
هَذَا حَكَاهُ الْخَطِيب فِي جَامعه عَن أَكثر أهل الْعلم (٣) وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصره إِنَّه الصَّحِيح وَنقل عَن الْحَاكِم أَنه مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة (٤) وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن مَالك وَأبي حنيفَة وَحَكَاهُ عبد الْغَنِيّ بن سعيد فِي أدب الْمُحدث عَن مَالك قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد القَاضِي (٥) يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي (٦) - وَسَأَلَهُ رجل مَا الْفرق بَين حَدثنَا وَأخْبرنَا -
[ ٣ / ٤٨٣ ]
فَقَالَ سَوَاء الْخلق (١) (٢)
وَاحْتج عبد الْغَنِيّ على التَّسْوِيَة بَينهمَا بقوله تَعَالَى ﴿يَوْمئِذٍ تحدث أَخْبَارهَا﴾ (٣) قَالَ فَجمع بَينهمَا
وَقَالَ ابْن فَارس فِي كتاب مآخذ الْعلم ذهب أَكثر عُلَمَائِنَا إِلَى أَنه لَا فرق بَين قَول الْمُحدث حَدثنَا وَأخْبرنَا وَقَالَ آخَرُونَ حَدثنَا دَال على أَنه سَمعه لفظا وَأخْبرنَا دَال على سمع قِرَاءَة عَلَيْهِ وَهَذَا عندنَا بَاب من التعمق وَالْأَمر فِي ذَلِك كُله وَاحِد وَلَا فرق بَينهمَا عِنْد الْعَرَب ثمَّ اسْتشْهد على ذَلِك بأشعارهم (٤)
وَكَذَلِكَ صنف أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ جُزْءا فِي إِثْبَات التَّسْوِيَة بَين حَدثنَا وَأخْبرنَا وَاحْتج بقوله تَعَالَى ﴿تحدث أَخْبَارهَا﴾ (٥) وَقَوله تَعَالَى ﴿قد نبأنا الله من أخباركم﴾ (٦) و﴿هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية﴾ (٧) قَالَ فَسمى بَعْضهَا خَبرا وَبَعضهَا حَدِيثا
[ ٣ / ٤٨٤ ]
وَفِي الحَدِيث أخبروني عَن شَجَرَة مثلهَا مثل الْمُؤمن (١) فَهُوَ فِي معنى حَدثُونِي وَقَالَ حدثوا عَن بني إِسْرَائِيل (٢) فَسمى مَا يذكر عَنْهُم حَدِيثا لَا أَخْبَارًا وَذكر نَحْو ذَلِك مِمَّا اسْتعْمل فِيهِ الْأَخْبَار بِمَعْنى التحديث وَعَكسه
وَاحْتج غَيره بقوله تَعَالَى ﴿وَإِذ أسر﴾ النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا فَلَمَّا نبأت بِهِ) (٤) فَاسْتعْمل التحديث والإنباء بِمَعْنى وَاحِد
وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ فِي المسالك (٥) أَن بَعضهم قَالَ حَدثنَا أبلغ من أخبرنَا لِأَن أخبرنَا قد تكون صفة للموصوف والمخبر من لَهُ الْخَبَر
٣٠١ - (قَوْله) وَالْمذهب الثَّالِث الْفرق إِلَى آخِره
[ ٣ / ٤٨٥ ]
مَا ذكر (١) أَنه مَذْهَب الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حَكَاهُ الْخَطِيب فِي الْجَامِع عَن الرّبيع قَالَ قَالَ الشَّافِعِي إِذا قَرَأَ عَلَيْك الْمُحدث فَقل (٢) حَدثنَا وَإِذا قَرَأت عَلَيْهِ فَقل أخبرنَا (٣)
قَالَ الْخَطِيب وَهَذَا الَّذِي قَالَه الشَّافِعِي مَذْهَب جمَاعَة من أهل الْعلم مِنْهُم الْأَوْزَاعِيّ وَابْن جريج وَكَانَ حَمَّاد بن سَلمَة وهشيم بن بشير وَابْن الْمُبَارك وَعبد الرَّزَّاق وَيزِيد بن هَارُون وَيحيى بن يحيى وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَغَيرهم يَقُولُونَ فِي غَالب حَدِيثهمْ الَّذِي يَرْوُونَهُ (٤) أخبرنَا وَلَا يكادون يَقُولُونَ حَدثنَا (٥)
٣٠٢ - (قَوْله) وَمن أحسن مَا يحْكى عَمَّن ذهب هَذَا الْمَذْهَب (٨ ٩ حبيب بن أبي ثَابت (أ ١٦٦) على مَحَله من الْعلم لَا تقوم
[ ٣ / ٤٨٦ ]
بحَديثه حجَّة لأمر (١) كَانَ يذهب إِلَيْهِ وَكَانَ (٢) مذْهبه مَا قَالَ إِذا حَدثنِي رجل عَنْك بِحَدِيث ثمَّ حدثت بِهِ عَنْك كنت صَادِقا (٣) فَانْظُر إِلَى حِكَايَة أبي حَاتِم الْهَرَوِيّ (٤) وتشديده (٥) وحكاية حبيب وتساهله وَمَعَ ذَلِك فقد خرج لحبيب فِي الصَّحِيح فَكَأَن هَذِه الْحِكَايَة لم تصح (٦)
٣٠٣ - (قَوْله) وَإِن كَانَ الشَّيْخ لَا يحفظ مَا يقرا عَلَيْهِ فَرَأى بعض أَئِمَّة الْأُصُول أَن هَذَا السماع غير صَحِيح (٦ إِمَام الْحَرَمَيْنِ (٧) والمازري فِي
[ ٣ / ٤٨٧ ]
شرح الْبُرْهَان وَالْعجب من المُصَنّف فِي عزوه ذَلِك لبَعض الْأُصُولِيِّينَ وَقد نَقله الْحَاكِم عَن مَالك وَأبي حنيفَة (١) وَأخرج فِي مُسْتَدْركه عَن أبي مُوسَى الغافقي (٢) قَالَ آخر مَا عهد إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ أَن قَالَ عَلَيْكُم بِكِتَاب (٣) الله وسترجعون إِلَى قوم يحبونَ الحَدِيث عني - أَو كلمة تشبهها - فَمن حفظ [عني] (٤) شَيْئا فليحدث بِهِ قَالَ وَقد جمع هَذَا الحَدِيث لفظتين غريبتين إِحْدَاهمَا يحبونَ الحَدِيث وَثَانِيهمَا قَوْله فَمن حفظ عني شَيْئا فليحدث بِهِ
وَقد ذهب جمَاعَة من أَئِمَّة الْإِسْلَام إِلَى أَنه لَيْسَ للمحدث أَن يحدث بِمَا لم يحفظ (٥) انْتهى
وَابْن الصّلاح أَخذ (٦) ذَلِك من كَلَام القَاضِي عِيَاض فَإِنَّهُ حكى ذَلِك (٧) عَن القَاضِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَقَط ثمَّ قَالَ وَاخْتَارَهُ (٨) بَعضهم وَصَححهُ وَبِه عمل كَافَّة الشُّيُوخ وَأهل الحَدِيث (٩) وَفِي كتاب السلَفِي الَّذِي سَمَّاهُ شَرط الْقِرَاءَة على الشُّيُوخ هَل على التلميذ أَن يري (١٠) الشَّيْخ صُورَة سَمَاعه فِي الْجُزْء أَو يقْتَصر
[ ٣ / ٤٨٨ ]
على إِعْلَامه قَالَ أَبُو الطَّاهِر هما سيان على هَذَا عهدنا علماءنا عَن آخِرهم وَلم يزل الْحفاظ قَدِيما وحديثا يخرجُون للشيوخ من الْأُصُول فَتَصِير تِلْكَ الْفُرُوع بعد الْمُقَابلَة أصولا وَهل كَانَت الْأُصُول أَولا إِلَّا فروعا (١) انْتهى
٣٠٤ - (قَوْله) قَالَ أَبُو نصر لَيْسَ لَهُ أَن يَقُول حَدثنِي أَو أَخْبرنِي (٥ ٦ ٧ ٨ ٩ نقُول فِي الْأَدَاء حَدثنِي وَلَا أَخْبرنِي وَلَا سَمِعت (٥) وَفِيه نظر
[ ٣ / ٤٨٩ ]
٣٠٥ - (قَوْله) الثَّالِث فِيمَا نرويه عَن الْحَاكِم (٢ ٣) فسوى بَين مَسْأَلَتَيْنِ التحديث وَالْأَخْبَار وَهُوَ الْقيَاس (٣)
وَمثل ذَلِك مَا حَكَاهُ الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس الْوَلِيد بن بكر (٤) فِي كتاب الوجازة فِي صِحَة القَوْل بِالْإِجَازَةِ قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا حَدثَك الْعَالم وَحدك فَقل حَدثنِي وَإِذا حَدثَك فِي ملإ فَقل حَدثنَا وَإِذا قَرَأت عَلَيْهِ فَقل قَرَأت عَلَيْهِ وَإِذا قرئَ عَلَيْهِ فَقل قرئَ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع (٥) قَالَ أَبُو عبد الله ابْن الْحَاج (٦) وَأَنا اسْتحْسنَ مَا قَالَه ابْن حَنْبَل لِأَنَّهُ أبلغ فِي التَّحَرِّي
[ ٣ / ٤٩٠ ]
قَالَ حفيد القَاضِي (١) فِي كتاب أدب (٢) الرِّوَايَة إِذا حدث الحَدِيث عَن الرَّاوِي سَمَاعا من لَفظه إِن كنت مُفردا أَو فِي جمَاعَة فَقل حَدثنَا (أ / ١٦٧) وَإِن حَدثَك وَحدك فَقل حَدثنِي فقولك حَدثنَا أَعم وَجَاز لفظ الْجَمَاعَة تجوزا
٣٠٦ - (قَوْله) فَإِن شكّ فِي شَيْء عِنْده أَنه من قبيل حَدثنَا أَو أخبرنَا (٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ على فلَان (٧) وَهَذَا
[ ٣ / ٤٩١ ]
حسن فَإِن إِفْرَاد الضَّمِير يَقْتَضِي قِرَاءَته وَجمعه يُمكن حمله على قِرَاءَة بعض من حضر
٣٠٧ - (قَوْله) ثمَّ إِن هَذَا التَّفْصِيل من أَصله مُسْتَحبّ وَلَيْسَ بِوَاجِب حَكَاهُ الْخَطِيب عَن أهل الْعلم كَافَّة (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ﷺ وَأَحَادِيثه بِالْمَعْنَى فَأولى أَن
[ ٣ / ٤٩٢ ]
يجوز إِبْدَال لفظ حَدثنَا وَأخْبرنَا وعَلى الْعَكْس وَلَكِن فِيمَا إِذا علم أَن الشَّيْخ لَا يفرق بَين اللَّفْظَيْنِ وَأَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد كَنَظِيرِهِ فِي رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى فَإِن علم من الشَّيْخ أَنه لم يفرق أَو لَا يرى هَذَا حصل الْفرق بَينه وَبَين الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى (١) وَمَا حمل ابْن الصّلاح كَلَام الْخَطِيب عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخ فِي الاقتراح إِنَّه ضَعِيف قَالَ [وَأَقل مَا فِيهِ] (٢) أَنه يَقْتَضِي تَجْوِيز هَذَا فِيمَا ينْقل من المصنفات الْمُتَقَدّمَة إِلَى أجزائنا وتخاريجنا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِير التصنيف الْمُتَقَدّم
قَالَ وَلَيْسَ هَذَا جَارِيا على الِاصْطِلَاح بل الِاصْطِلَاح أَلا تَتَغَيَّر (٣) الْأَلْفَاظ بعد الِانْتِهَاء إِلَى الْكتب المُصَنّف فَسَوَاء رويناها فِيهَا أَو نقلناها مِنْهَا (٤)
وَفِي كَلَام بَعضهم مَا يدل على امْتِنَاعه وَفِيه ضعف لم يُخبرهُ (٥) قَالَ وَبَعض الْمُحدثين لَا يلْتَزم عدم الزِّيَادَة وَالنَّقْص وَيزِيد تَارِيخ السماع وَتَعْيِين الْقَارئ والمخرج وَلَا يجْرِي ذَلِك على قانون (٦) الأَصْل (٧)
وَقبل الِانْتِهَاء إِلَيْهَا يَنْبَغِي أَن يتحفظ فِي أَسمَاء رواتها إِذا تصرف فِيهَا بِشَرْط الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فَلَا يزِيد فِي تَعْرِيف الرَّاوِي مَا لَو عرض عَلَيْهِ (٨)
[ ٣ / ٤٩٣ ]
٣٠٩ - (قَوْله) الْخَامِس حَاصله حِكَايَة خلاف فِي جَوَاز السماع وَقت النّسخ (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ رَاكِبًا إِلَى الْجَبَل وَحَوله اثْنَان وَثَلَاثَة يقرؤون عَلَيْهِ دفْعَة
[ ٣ / ٤٩٤ ]
وَاحِدَة فِي أَمَاكِن مُخْتَلفَة من الْقُرْآن وَيرد على الْجَمِيع (١) قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه معرفَة الْقُرَّاء مَا أعلم أحدا من المقرئين ترخص فِي إقراء آيَتَيْنِ فَصَاعِدا إِلَّا الشَّيْخ علم الدّين وَفِي النَّفس من صِحَة تحمل الرِّوَايَة على هَذَا الْفِعْل شَيْء قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه﴾ وَلَا ريب فِي أَن ذَلِك ايضا خلاف السّنة لِأَن الله تَعَالَى يقو ل ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن﴾ فَاسْتَمعُوا [لَهُ] (٣) وأنصتوا]) (٤) وَإِذا كَانَ هَذَا يقْرَأ فِي سُورَة وَهَذَا فِي سُورَة فِي آن وَاحِد فَفِيهِ مفاسد
أَحدهَا زَوَال بهجة الْقُرْآن عِنْد السامعين
وَثَانِيها أَن كل وَاحِد يشوش على الاخر مَعَ كَونه مَأْمُورا بالإنصات
وَثَالِثهَا أَن الْقَارئ مِنْهُم لَا يجوز لَهُ أَن يَقُول قَرَأت الْقُرْآن كُله على الشَّيْخ وَهُوَ يسمع ويعي مَا أتلو عَلَيْهِ كَمَا لَا يسوغ للشَّيْخ أَن يَقُول لكل فَرد مِنْهُم قَرَأَ [عَليّ] (٥) الْقُرْآن جَمِيعه وَأَنا أسمع قِرَاءَته وَمَا هَذَا فِي قُوَّة الْبشر بل فِي قُوَّة الربوبية قَالَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا سُبْحَانَ من وسع سَمعه الْأَصْوَات (٦) وَإِنَّمَا يَصح
[ ٣ / ٤٩٥ ]
فِي التَّحَمُّل إجَازَة الشَّيْخ التلميذ وَلَكِن تصير الرِّوَايَة بِالْقِرَاءَةِ إجَازَة لَا سَمَاعا من كل وَجه (١) هَذَا كَلَامه
٣١٠ - (قَوْله) مَا روينَا عَن الْحَافِظ الدَّارَقُطْنِيّ (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ لَا
[ ٣ / ٤٩٦ ]
تعرف بعض حُرُوفه فيجيزه بعض أَصْحَابه قَالَ إِن كَانَ يعلم أَنه كَمَا فِي (د / ٩٦) الْكتاب فَلَا بَأْس بِهِ كَذَا قَالَ انْتهى
وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ كَانَ شَيخنَا ابْن أبي الْفَتْح (١) يسْرع فِي الْقِرَاءَة ويعرب لكنه يدغم بعض أَلْفَاظه وَمثله ابْن أبي حبيب وَكَانَ شَيخنَا أَبُو الْعَبَّاس (٢) يسْرع وَلَا يدغم إِلَّا نَادرا وَكَانَ الْمزي يسْرع وَيبين وَرُبمَا يتمتم يَسِيرا (٣)
٣١٢ - (قَوْله) يسْتَحبّ للشَّيْخ أَن يُجِيز لجَمِيع السامعين جَمِيع الْجُزْء (٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ السماع بِسَبَب من الْأَسْبَاب وَله أَن يعرف أَن جَمِيع الْكتاب قِرَاءَة عَلَيْهِ (٥)
[ ٣ / ٤٩٧ ]
الثَّانِي وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لكاتب السماع أَن يكْتب إجَازَة الشَّيْخ عقب كِتَابَة السماع (أ / ١٦٩) وَيُقَال إِن أول من كتب الْإِجَازَة فِي طباق السماع [أَبُو الطَّاهِر] (١) إِسْمَاعِيل بن عبد المحسن الْأنمَاطِي (٢) وَمَا نَقله عَن ابْن عتاب (٣) ذكره الْحَافِظ أَبُو عمر بن عَاتٍ (٤) فِي (٥) كِتَابه رَيْحَانَة النَّفس (٦) فِي شُيُوخ أهل
[ ٣ / ٤٩٨ ]
الأندلس (١) عَن الْحَافِظ أبي عَليّ الغساني قَالَ قَالَ لنا مُحَمَّد بن عتاب الَّذِي أَقُول إِنَّه لَا غنى لطَالب الْعلم عَن الْإِجَازَة وَلَو سمع الحَدِيث أَو الدِّيوَان قِرَاءَة من الْمُحدث أَو قِرَاءَة عَلَيْهِ لجَوَاز السَّهْو أَو الْغَفْلَة أَو التَّشْبِيه عَلَيْهِمَا أَو على أَحدهمَا
٣١٣ - (قَوْله) يَصح السماع من وَرَاء حجاب (٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١ (٢)
[ ٣ / ٤٩٩ ]
٣١٤ - (قَوْله) من سمع من شيخ حَدِيثا ثمَّ قَالَ لَهُ لَا تروه عني (١) غير مُبْطل لسماعه
هَذَا ذكره الْأَئِمَّة مِنْهُم ابْن خَلاد فِي كتاب الْفَاصِل (٢) وَقَالَ القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَقْتَضِي النّظر سواهُ لِأَن مَنعه أَلا يحدث بِمَا حَدثهُ [بِهِ] (٣) لَا لعِلَّة وَلَا لريبة فِي الحَدِيث لَا تُؤثر لِأَنَّهُ قد حَدثهُ فَهُوَ شَيْء لَا يرجع فِيهِ قَالَ وَلَا أعلم من قَالَ بِخِلَاف هَذَا إِلَّا أَن صَاحب طَبَقَات عُلَمَاء إفريقية (٤) [روى] (٥) عَن شيخ من جلة شيوخها أَنه أشهد بِالرُّجُوعِ عَمَّا حَدثهُ لبَعض أَصْحَابه [لأمر نقمه عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ فعل الْفَقِيه الْمُحدث أَبُو بكر ابْن عَطِيَّة (٦) فَإِنَّهُ أشهد
[ ٣ / ٥٠٠ ]
بِالرُّجُوعِ عَمَّا حدث بِهِ بعض أَصْحَابه] (١) لهوى ظهر لَهُ مِنْهُ وَلَعَلَّ هَذَا صدر مِنْهُم تأديبا لَا لأَنهم اعتقدوا صِحَة تَأْثِيره وَقِيَاس من قَاس الْإِذْن فِي الحَدِيث (٢) وَعَدَمه على الْإِذْن فِي الشَّهَادَة وَعدمهَا غير صَحِيح لِأَن الشَّهَادَة على الشَّهَادَة لَا تصح إِلَّا مَعَ الْإِشْهَاد وَالْإِذْن فِي الحَدِيث لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى ذَلِك بِاتِّفَاق (٣)
[ ٣ / ٥٠١ ]
الْإِجَازَة
هِيَ فِي الأَصْل مصدر أجَاز ووزنها فعالة وَأَصلهَا إجوازة تحركت الْوَاو فَتوهم انفتاح مَا قبلهَا فإنقلبت الْفَا فَبَقيت (١) الْألف الزَّائِدَة الَّتِي بعْدهَا فحذفت لالتقاء الساكنين فَصَارَت إجَازَة وَفِي الْمَحْذُوف من الْأَلفَيْنِ الزَّائِدَة أَو الْأَصْلِيَّة قَولَانِ
وَالْأول قَول سِيبَوَيْهٍ وَالثَّانِي قَول الْأَخْفَش وَيُقَال أجزت لفُلَان كَذَا وأجزت فلَانا كَذَا فَمن عداهُ بِحرف الْجَرّ فَهُوَ بِمَعْنى سوغت لَهُ وأبحت وَمن عداهُ بِنَفسِهِ فَهُوَ بِمَعْنى أجزته مَاء أَي أسقيته مَاء لأرضه أَو لماشيته وَالْأول أظهر وَأشهر (٢) وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا لِأَنَّهُ يحْكى عَن بعض الْمُحدثين أَنه سُئِلَ حَال إِجَازَته عَن وزن إجَازَة فتوقف وَتردد
٣١٥ - (قَوْله) وَزَاد الْبَاجِيّ فَادّعى الْإِجْمَاع على جَوَاز الرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ وَهُوَ بَاطِل فقد خَالف فِيهَا جماعات وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن الشَّافِعِي
[ ٣ / ٥٠٢ ]
قلت سبق الْبَاجِيّ إِلَى نقل ذَلِك القَاضِي أَبُو بكر وَدَعوى المُصَنّف بُطْلَانه فِيهِ (أ / ١٧٠) نظر فَإِن الْخَطِيب وَغَيره من الْمُحَقِّقين حملُوا كَلَام المانعين على الْكَرَاهَة فَإِن الرِّوَايَة عَن الشَّافِعِي هِيَ أَن الرّبيع قَالَ فَاتَنِي من الْبيُوع من كتاب الشَّافِعِي ثَلَاث وَرَقَات فَقلت لَهُ أجزها لي فَقَالَ فاقرأ (١) عَليّ كَمَا قرئَ عَليّ ورددها (٢) عَليّ غير مرّة حَتَّى أذن الله فِي جُلُوسه فَجَلَسَ فقرئ عَلَيْهِ قَالَ الْخَطِيب وَهَذَا من الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى مَحْمُول على الْكَرَاهَة للاتكال على الْإِجَازَة بَدَلا من السماع لِأَنَّهُ قد ثَبت عَن الشَّافِعِي الْإِجَازَة (٣) ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى دَاوُد بن عَليّ (٤) قَالَ لي حُسَيْن الْكَرَابِيسِي لما كَانَت قدمة الشَّافِعِي الثَّانِيَة - يَعْنِي إِلَى بَغْدَاد - أَتَيْته فَقلت لَهُ فَأذن لي أَن اقْرَأ عَلَيْك الْكتب فَأبى وَقَالَ خُذ كتب الزَّعْفَرَانِي فانسخها فقد أجزتها لَك فأخذتها إجَازَة (٥) انْتهى لَكِن الْكَرَابِيسِي من رُوَاة الْقَدِيم والمعمول بِهِ عِنْدهم إِنَّمَا هُوَ على قَوْله الْجَدِيد وَالربيع من رُوَاة الْقَدِيم والمعمول بِهِ عِنْدهم (٦)
نعم قد سبق عَن الرّبيع أَنه روى عَن الشَّافِعِي الْإِجَازَة لمن بلغ سبع سِنِين وَفِي الْمعرفَة للبيهقي مَا نَصه وَأما الْإِجَازَة فقد حكينا عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان فِي حِكَايَة ذكرهَا عَن الشَّافِعِي وَقَالَ فِي آخرهَا يَعْنِي أَنه كره الْإِجَازَة قَالَ وروينا عَن ابْن وهب أَنه ذكر لمَالِك الْإِجَازَة فَقَالَ تُرِيدُ أَن تَأْخُذ الْعلم فِي ايام يسيرَة (٧) انْتهى
[ ٣ / ٥٠٣ ]
قَالَ الْخَطِيب وَكَذَلِكَ المحكي عَن مَالك وَقد ثَبت عَنهُ الحكم بِصِحَّة الرِّوَايَة بِأَحَادِيث الْإِجَازَة قَالَ على أَن مَنعه إِنَّمَا هُوَ على وَجه الْكَرَاهَة أَن يُجِيز الْعلم لمن لَيْسَ [من] (١) أَهله وَلَا خدمه (٢) وَإِنَّمَا المحكي عَن شُعْبَة وَابْن الْمُبَارك وأضرابهما قَوْلهم (٣) لَو جَازَت الْإِجَازَة لبطلت الرحلة فَقيل فِي مَعْنَاهُ إِنَّهَا لَا تقوم مقَام السماع والمشافهة فِي النَّقْل وَأَن ذَلِك أبعد من التَّصْحِيف والتحريف أَو أَن الْإِسْنَاد إِلَيْهَا يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال الرحلة فخافوا على الطلاب ترك السماع والرحلة
وَقَول المُصَنّف وَمِمَّنْ أبطلها من أهل الحَدِيث إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ (٤) فَهَذَا رَوَاهُ عَن الْخَطِيب من جِهَة أبي أَيُّوب سُلَيْمَان بن إِسْحَاق الْجلاب (٥) أَنه قَالَ سَمِعت
[ ٣ / ٥٠٤ ]
إِبْرَاهِيم يَقُول الْإِجَازَة والمناولة لَا تجوز وَلَيْسَ بِشَيْء (١) لكنه روى بعد بأوراق عَن سُلَيْمَان بن إِسْحَاق الْجلاب هَذَا قَالَ سَأَلت إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قلت سَمِعت كتاب الْكَلْبِيّ وَقد تقطع عَليّ [وَالَّذِي] (٢) هُوَ عِنْده يُرِيد الْخُرُوج فَكيف ترى أَن أستجيزه أَو أسأله أَن يكْتب بِهِ إِلَيّ قَالَ لَا قل (٣) لَهُ يكْتب (أ / ٩٧) [بِهِ] (٤) إِلَيْك فَتَقول كتب إِلَيّ فلَان وَالْإِجَازَة لَيْسَ هِيَ بِشَيْء
قَالَ الْخَطِيب قد ذكرنَا فِيمَا تقدم الرِّوَايَة عَن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ أَنه كَانَ لَا يعد الْإِجَازَة والمناولة شَيْئا وَهَا هُنَا قد اخْتَار الْمُكَاتبَة على إجَازَة (٥) المشافهة والمناولة أرفع من الْمُكَاتبَة لِأَن المناولة إِذن مشافهة فِي رِوَايَة الْمعِين وَالْمُكَاتبَة مراسلة بذلك قَالَ فأحسب إِبْرَاهِيم رَجَعَ عَن القَوْل الَّذِي أسلفناه عَنهُ إِلَى مَا ذكره هُنَا من تَصْحِيح الْمُكَاتبَة وَأما اخْتِيَاره لَهَا على إجَازَة المشافهة فَإِنَّهُ قصد بذلك إِذا لم يكن للمستجيز بِمَا استجازه نُسْخَة منقولة من أصل الْمُجِيز وَلَا مُقَابلَة بِهِ وَهَذَا القَوْل فِي معنى مَا ذكره لي البرقاني (٦) ونرى أَن إِبْرَاهِيم ذهب إِلَى أَن الْإِجَازَة لمن لم يكن [لَهُ] (٧) نُسْخَة منقولة من الأَصْل أَو مُقَابلَة بِهِ لَيست شَيْئا لِأَن تَصْحِيح ذَلِك سَمَاعا للراوي ومقابلا بِأَصْل كِتَابه وَرُبمَا كَانَ فِي غير الْبَلَد الَّذِي الطَّالِب فِيهِ مُتَعَذر (أ / ١٧١) إِلَّا
[ ٣ / ٥٠٥ ]
بعد الْمَشَقَّة وَالْمُكَاتبَة بِمَا يروي وإنفاده (١) إِلَى الطَّالِب أقرب إِلَى السَّلامَة (٢) وأجدر بِالصِّحَّةِ (٣)
٣١٦ - (قَوْله) قَالَ أَبُو نصر سَمِعت عَامَّة من أهل الْعلم يَقُولُونَ قَول الْمُحدث قد أجزت لَك (٤) ان تروي عني تَقْدِيره أجزت لَك مَا لَا يجوز فِي الشَّرْع لِأَن الشَّرْع لَا يُبِيح رِوَايَة مَا لَا يسمع (١٨ ١٩ ٢٠ ٢١) انْتهى
[ ٣ / ٥٠٦ ]
وَهَذَا القَوْل فِيهِ نظر لِأَن للإجازة (١) وَالرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ شُرُوطًا من تَصْحِيح (٢) الْخَبَر من الْمُجِيز بِحَيْثُ يُوجد فِي أصل صَحِيح سَمَاعه عَلَيْهِ الموجز سَمَاعا مِنْهُ من الشُّيُوخ مَعَ رِعَايَة جَمِيع شُرُوط الرِّوَايَة وَلَيْسَ المُرَاد بِالْإِجَازَةِ الرِّوَايَة عَنهُ مُطلقًا سوى عرف (٣) رِوَايَة الْخَبَر عَن الْمُجِيز بِهِ (٤) لَا بل لَا تجوز الرِّوَايَة عَن الْمُجِيز إِلَّا بعد مَحْض سَمَاعه أَو إِمَّا يُوصي لَهُ بِهَذَا الْجُزْء وَحفظه فَلَا تكون الرِّوَايَة عَنهُ إِذْنا فِي الْكَذِب عَلَيْهِ
٣١٨ - (قَوْله) ثمَّ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ الْعَمَل وَقَالَ بِهِ جَمَاهِير أهل الْعلم تَجْوِيز الْإِجَازَة (٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ الْغَائِب (٦) وَلم يشْتَرط فِيهِ سَمَاعا وَلَا إجَازَة
[ ٣ / ٥٠٧ ]
وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مَنْدَه فِي كتاب الْوَصِيَّة إِنَّه ذكر عِنْد الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل لَو صحت الْإِجَازَة لبطلت الرحلة فَقَالَ لَو بطلت الْإِجَازَة لذهب الْعلم وضاعت (١) الْكتب الْمنزلَة وَغير الْمنزلَة خَاصَّة هَذَا الَّذِي فِيهِ ﴿وَمن بلغ﴾ (٢) و﴿بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله ثَنَا مَحْمُود (٤) بن غيلَان (٥) أَنا وَكِيع عَن عمرَان بن حدير (٦) عَن أبي مجلز (٧)
[ ٣ / ٥٠٨ ]
عَن بشير (١) قَالَ كتبت كتابا عَن أبي هُرَيْرَة فَقلت أرويه عَنْك قَالَ نعم (٢) وَأخرج مثله عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَالزهْرِيّ وَهِشَام بن عُرْوَة (٣)
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي فِي كتاب الْوَجِيز الْإِجَازَة ضَرُورِيَّة لِأَنَّهُ قد يَمُوت الروَاة ويفقد الْحفاظ الوعاة فَيحْتَاج إِلَى إبْقَاء الْإِسْنَاد وَلَا طَرِيق إِلَّا الْإِجَازَة فالإجازة فِيهَا نفع عَظِيم ورفد (٤) جسيم إِذا الْمَقْصُود إحكام السّنَن المروية فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وإحياء الْآثَار سَوَاء كَانَ بِالسَّمَاعِ أَو الْقِرَاءَة أَو المناولة أَو الْإِجَازَة قَالَ وسومح بِالْإِجَازَةِ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ (٥) وَقَوله ﷺ بعثت بالحنيفية السمحة (٦)
[ ٣ / ٥٠٩ ]
قَالَ وَمن مَنَافِعهَا أَنه لَيْسَ طَالب علم يقدر على رحْلَة وسفر إِمَّا لعِلَّة توجب عدم الرحلة أَو بعد الشَّيْخ الَّذِي يَقْصِدهُ فالكتابة حِينَئِذٍ بِهِ أرْفق (أ / ١٧٢) وَفِي حَقه أوفق فَيكْتب من بأقصى (١) الْمغرب إِلَى من بأقصى الْمشرق وَيَأْذَن لَهُ فِي رِوَايَة مَا يَصح عَنهُ وَيكون ذَلِك الْمَرْوِيّ حجَّة كَمَا فعله سيدنَا رَسُول الله ﷺ فقد صَحَّ عَنهُ أَنه كتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر (٢) وَغَيرهمَا مَعَ رسله فَمن قبل مِنْهُم فَهُوَ حجَّة لَهُ وَمن لم يقبل مِنْهُم فَهُوَ حجَّة عَلَيْهِ (٣)
وتوسط أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس فِي كِتَابه مآخذ الْعلم قَالَ بلغنَا أَن نَاسا يكْرهُونَ الْإِجَازَة وَيَقُولُونَ لَو اقْتصر عَلَيْهَا بطلت الرحلة وَقعد النَّاس عَن طلب الْعلم وَنحن فلسنا نقُول إِن طَالب الْعلم يقْتَصر على الْإِجَازَة فَقَط ثمَّ لَا يسْعَى وَلَا يرحل لَكِن نقُول الْإِجَازَة لمن كَانَ لَهُ فِي الْقعُود عَن الطّلب عذر من قُصُور نَفَقَة أَو بعد مَسَافَة أَو صعوبة مَسْلَك فَأَما أَصْحَاب الحَدِيث (٤) فَمَا زَالُوا يتجشمون المصاعب ويركبون الْأَهْوَال أخذا بِمَا حث عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ (٥) وَيخرج من كَلَام بَعضهم مَذْهَب آخر وَهُوَ أَنَّهَا لَا تجوز إِلَّا عِنْد عدم إِمْكَان السماع
[ ٣ / ٥١٠ ]
٣١٩ - (قَوْله) محتجا على الْإِجَازَة لِأَنَّهُ إِذا جَازَ لَهُ أَن يروي عَنهُ مروياته فقد أخبرهُ بهَا جملَة كَمَا لَو أخبرهُ تَفْصِيلًا (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ فحسبك (٦) بِمَا هَذِه صفته (٧) انْتهى
[ ٣ / ٥١١ ]
وَكَلَامه إِن كَانَ فِي الْإِجَازَة المقرونة بالمناولة فَقَوله إِنَّه لم يقل (د / ٩٨) بِهِ أحد من التَّابِعين مَرْدُود فَسَيَأْتِي نقلهَا عَن جمَاعَة مِنْهُم بل جَاءَ عَن أنس مَا يشْعر بهَا فَفِي مُعْجم الصَّحَابَة لِلْبَغوِيِّ عَن يزِيد الرقاشِي قَالَ كُنَّا إِذا أكثرنا على أنس ابْن مَالك أَتَانَا بمخال (١) (٢) لَهُ فألقاها إِلَيْنَا وَقَالَ هَذِه أَحَادِيث سَمعتهَا من رَسُول الله ﷺ وكتبتها وعرضتها (٣) وَأسْندَ الرامَهُرْمُزِي إِلَى الْحسن أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا بِأَن يدْفع الْمُحدث كِتَابه وَيَقُول ارو عني جَمِيع مَا فِيهِ ويسعه (٤) أَن يَقُول حَدثنِي فلَان عَن فلَان (٥)
وَإِن كَانَ كَلَام ابْن حزم فِي الْإِجَازَة الخالية عَن المناولة فَلَا يُنَاسب تَعْلِيله وَإِطْلَاق من جوزها يَشْمَل ذَلِك وَمَا نَقله المُصَنّف عَمَّن قَالَ من الظَّاهِرِيَّة إِن الْعَمَل بِالْإِجَازَةِ لَا يجب وَيجْرِي مجْرى الْمُرْسل يَقْتَضِي ذَلِك منع الْعَمَل دون التحديث وَقد نقل عَن الْأَوْزَاعِيّ عكس ذَلِك فَفِي كتاب الرامَهُرْمُزِي قَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي كتاب (٦) الْأَمَانَة يَعْنِي المناولة (أ / ١٧٣) يعْمل بِهِ وَلَا يحدث بِهِ وَعَن الْأَوْزَاعِيّ فِي ذَلِك رِوَايَات ذكرهَا الرامَهُرْمُزِي (٧)
وَكَأن معنى قَوْله لَا يحدث بِهِ أَي بِصِيغَة التحديث وَإِلَّا فَلَا معنى للْعَمَل
[ ٣ / ٥١٢ ]
بِهِ مَعَ نَفْيه التحديث وَأما قَوْله ﷺ تَسْمَعُونَ وَيسمع مِنْكُم وَيسمع مِمَّن يسمع مِنْكُم (١) فَأخْبر ﷺ بكيفية نقل الشَّرِيعَة فقد يَقْتَضِي منع الْإِجَازَة
وَسكت المُصَنّف عَن ذكر الْخلاف فِي رُتْبَة الْإِجَازَة وَقد تعرض لذَلِك فِي المناولة وَقد اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَالْمَشْهُور أَنَّهَا دون السماع وَقيل كالسماع وَحَكَاهُ ابْن عَاتٍ (٢) فِي كتاب رَيْحَانَة النَّفس (٣) عَن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد ابْن بَقِي بن مخلد (٤) قَالَ كَانَ يَقُول الْإِجَازَة عِنْدِي وَعند ابي وجدي كالسماع
وَالثَّالِث أَنَّهَا أقوى من السماع وَهُوَ اخْتِيَار عبد الرَّحْمَن بن مَنْدَه وَعَلِيهِ بنى كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ بِالْوَصِيَّةِ وَقَالَ فِيهِ مَا حدثت بِحرف مُنْذُ سَمِعت الحَدِيث وكتبته إِلَّا على سَبِيل الْإِجَازَة لِئَلَّا أوبق فَأدْخل فِي الصَّحِيح لأهل الْبدع والمحتجين [بِهِ] (٥)
[ ٣ / ٥١٣ ]
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهُ وَأبْعد النَّاس من الْكَذِب الَّذِي لَا يحدث النَّاس إِلَّا بِالْإِجَازَةِ ليخلص النَّاس من التُّهْمَة وَسُوء الظَّن ويخلص نَفسه من الرِّيَاء وَالْعجب وَقد رَأَيْت بِخَط الشَّيْخ نجم الدّين الطوفي (١) فِي بعض تعاليقه رَأَيْت محدثي الْعَصْر يتهافتون (٢) ويتنافسون فِي تَرْجِيح رِوَايَة الحَدِيث سَمَاعا على رِوَايَته إجَازَة وَإِنَّمَا هَذَا شَيْء ألقوه وتلقوه عَمَّن قبلهم وغفلوا عَن الْأَشْيَاء تخْتَلف باخْتلَاف الْأَزْمِنَة وَالْحق التَّفْصِيل وَهُوَ الْفرق بَينهمَا فِي عصر السّلف فَأَما مُنْذُ دونت الدَّوَاوِين وَجمع السّنَن واشتهرت فَلَا فرق بَينهمَا
وَالْفرق بَين الزمانين أَن السّلف رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم كَانُوا يجمعُونَ الحَدِيث من صحف النَّاس وصدور الرِّجَال فدعَتْ الْحَاجة إِلَى السماع خوفًا من التَّدْلِيس والتلبيس وَلِهَذَا كَانَ شُعْبَة يَقُول إِنِّي لأنظر إِلَى فَم قَتَادَة فَإِن قَالَ سَمِعت كتبت وَإِن قَالَ عَن فلَان لم أكتب (٣) وَذَلِكَ لأَنهم (٤) رُبمَا كتبُوا ودلسوا بالعنعنة فَإِذا روى ذَلِك الْكتاب إجَازَة توهم الرَّاوِي عَنهُ أَن العنعنة سَماع وَلَا أسمع مِنْهُ الحَدِيث لحرى (٥) فَبين أَو سُئِلَ فالجيء إِلَى التَّبْيِين وَهَذَا بِخِلَاف مَا بعد تدوين الْكتب فِي علم الْمَتْن والسند فَإِن فَائِدَة الرِّوَايَة إِذا إِنَّمَا هِيَ اتِّصَال سلسلة الْإِسْنَاد بِالنَّبِيِّ ﷺ تبركا وتيمنا وَإِلَّا فالحجة تقوم بِمَا فِي السّنَن وَنَحْوهَا وَيعرف الْقوي والضعيف والنقلة من كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَلما ذكرته من الْفرق بَين العصرين كَانَ المتقدمون لَا يروون حَدِيثا إِلَّا مُسْندًا ويسمون مَا لَيْسَ بِمُسْنَد تَعْلِيقا
[ ٣ / ٥١٤ ]
وَصَارَ الْمُتَأَخّرُونَ يصيغون كتب الْأَحْكَام وَنَحْوهَا محذوفة الْأَسَانِيد إِحَالَة على مَا قَرَّرَهُ الْأَولونَ واتفاقا فَإِن هَؤُلَاءِ الْمُحدثين (١) يصححون السماع على عَامي لَا يعرف معنى مَا يسمع خُصُوصا إِذا عمر وَبعد عَهده بِسَمَاع مَا سمع فَإِنَّهُ قد ينسى وَلَا يعرف [أَنه] (٢) قد سَمعه إِلَّا بِوُجُود اسْمه فِي الطَّبَقَة فَأَي فرق بَين السماع على مثل هَذَا وَبَين أَن يَقُول أجزت لَك أَن تروي عني الْكتاب
وَإِذ قد بَان مَا ذكرته أَن فَائِدَة الرِّوَايَة بعد تدوين السّنَن إِنَّمَا هُوَ اتِّصَال السَّنَد وسلسلة الرِّوَايَة وَذَلِكَ حَاصِل بِالْإِجَازَةِ فَوَجَبَ أَلا يكون بَين الْإِجَازَة و[بَين] (٣) السماع فرق نعم لَو أتفق شيخ حاذق بِعلم الحَدِيث وفوائده كَانَت الرِّوَايَة (أ / ١٧٤) سَمَاعا أولى لما يُسْتَفَاد مِنْهُ وَقت السماع لَا لقُوَّة رِوَايَة السماع على الْإِجَازَة لِأَن تِلْكَ الْفَائِدَة تنفك عَن الرِّوَايَة بِدَلِيل مَا لَو قرئَ عَلَيْهِ الحَدِيث بحثا تفقها لَا رِوَايَة وَالله أعلم (٤) انْتهى
وَنَحْوه مَا ذهب إِلَيْهِ الإِمَام أَبُو بكر أَحْمد بن ميسر الْمَالِكِي (٥) من أَن الْإِجَازَة على وَجههَا خير وَأقوى من السماع الرَّدِيء حَكَاهُ الْوَلِيد بن بكر فِي كتاب الوجازة
٣٢١ - (قَوْله) فِي الْإِجَازَة الْعَامَّة ورتبهم عَن جمَاعَة كثيرين
[ ٣ / ٥١٥ ]
وَفَاته أَن أَبَا جَعْفَر بن الْبَدْر الْكَاتِب (١) جمع جُزْءا فِيمَن أجَاز هَذِه الْإِجَازَة الْعَامَّة ورتبهم على حُرُوف المعجم لكثرتهم وَمِمَّنْ أجازها أَحْمد بن الْحُسَيْن بن خيرون الْبَغْدَادِيّ (٢) وَأَبُو الْوَلِيد بن رشد الْمَالِكِي (٣) وَرجحه أبن الْحَاجِب (٤) وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي زيادات الرَّوْضَة إِنَّه الصَّحِيح (٥) وَاحْتج بَعضهم عَلَيْهَا بقول النَّبِي ﷺ بلغو عني الحَدِيث (٦)
[ ٣ / ٥١٦ ]
وَبِمَا رَوَاهُ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات حَدثنَا عَفَّان (١) ثَنَا حَمَّاد (٢) ثَنَا عَليّ بن زيد بن جدعَان (٣) عَن أبي رَافع (٤) أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما احْتضرَ قَالَ من أدْرك زماني من سبي الْعَرَب فَهُوَ حر من مَال الله (٥)
٣٢٢ - (قَوْله) وأنبأني من سَأَلَ الْحَازِمِي (٥ ٦ فَأجَاب هَذَا مِمَّا وَقع فِي كَلَام الْمُتَأَخِّرين وَلم أر فِي اصْطِلَاح الْمُتَقَدِّمين من ذَلِك
[ ٣ / ٥١٧ ]
شَيْئا غير أَن نَفرا من الْمُتَأَخِّرين استعملوا هَذِه الْأَلْفَاظ وَلم يرَوا بهَا باسا وَرَأَوا أَن التَّخْصِيص والتعميم فِي هَذَا سَوَاء وَقَالَ مَتى عدم السماع الَّذِي هُوَ مضاه للشَّهَادَة فَلَا معنى للتعيين قَالَ وَمن أدْركْت من الْحفاظ نَحْو أبي الْعَلَاء (١) وَغَيره كَانُوا يميملون إِلَى الْجَوَاز وَفِيمَا كتب إِلَيْنَا الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي من الْإسْكَنْدَريَّة فِي بعض مكاتباته أجَاز لأهل بلدان عدَّة مِنْهَا بَغْدَاد وواسط وهمدان وأصبهان وزنجان وعَلى الْجُمْلَة فالتوسع فِي هَذَا الشَّأْن غير مَحْمُود فمهما أمكن الْعُدُول عَنهُ إِلَى غير هَذَا الِاصْطِلَاح أَو تهَيَّأ تأكيده بمتابع لَهُ سَمَاعا أَو إجَازَة خَاصَّة كَانَ ذَلِك أَحْرَى وَإِن ألحت الضَّرُورَة من يُرِيد تَخْرِيج حَدِيث فِي بَاب لم يجد مسلكا سواهُ استخار الله تَعَالَى وَجوز أَلْفَاظه نَحْو أَن يَقُول أَخْبرنِي فلَان إجَازَة عَامَّة أَو فِيمَا أجَاز لمن أدْرك حَيَاته أَو يَحْكِي لفظ الْمُجِيز فِي الرِّوَايَة فيتخلص من غوائل (د / ٩٩) التَّدْلِيس والتشبع بِمَا لم يُعْط وَيكون مقتديا وَلَا يعد مقترفا هَذَا كَلَام الْحَازِمِي
٣٢٣ - (قَوْله) قَالَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (١٣ ١٤ الرِّوَايَة بهَا وَهَذَا يَقْتَضِي تصحيحها وَإِلَّا فَلَا فَائِدَة لَهَا (٢)
[ ٣ / ٥١٨ ]
يُرِيد أَن فَائِدَة الْإِجَازَة الرِّوَايَة بهَا فَإِذا لم تسْتَعْمل فَأَي فَائِدَة لجوازها لَكِن هَذَا لَا يتنافى مَعَ كَلَام ابْن الصّلاح لِأَنَّهُ لم يدع عدم الْجَوَاز بل ذكر أَنه لم يسمع وُقُوع ذَلِك وَحجَّة الْجَوَاز على مَا ذكره النَّوَوِيّ لَا يسْتَلْزم الْوُقُوع وَقد وَقعت وَلم يبلغ ابْن الصّلاح ويساعد مَا قَالَه مَا رَأَيْته فِي أجوبة مسَائِل سُئِلَ عَنْهَا الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي وَهُوَ بِخَط الْحَافِظ فَقَالَ وسئلت عَن الْإِجَازَة الْعَامَّة وَالرِّوَايَة بهَا فقد روى بهَا غير وَاحِد من الْحفاظ (أ / ١٧٥) وجوزوها وَلست أرى الرِّوَايَة بهَا وَلَا التعريج عَلَيْهَا انْتهى
وَقد حكى ابْن دحْيَة أَن الْحَافِظ السلَفِي حدث عَن ابْن خيرون بهَا وَابْن دحْيَة حدث بهَا فِي تصانيفه عَن أبي الْوَقْت (١) والسلفي وَأَبُو الْحسن الشَّيْبَانِيّ القفطي (٢)
[ ٣ / ٥١٩ ]
حدث فِي كتاب تَارِيخ النُّحَاة (١) عَن السلَفِي بهَا وَعَن الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ أَنه دَعَا النَّاس إِلَى قِرَاءَة البُخَارِيّ على أبي الْعَبَّاس ابْن (٢) بِالْإِجَازَةِ فَسَمعهُ عَلَيْهِ خلق كثير وَكَذَا الْحَافِظ الدمياطي حدث بإجازته الْعَامَّة من الْمُؤَيد الطوسي (٣) وَسمع بهَا الْحفاظ الْمزي والذهبي والبرزالي على الرُّكْن الطاووسي (٤) بإجازته الْعَامَّة من أبي جَعْفَر الصيدلاني (٥) وَغَيره
٣٢٤ - (قَوْله) أَو يَقُول أجزت لفُلَان أَن يروي عني (٦) كتاب الْمسند وَهُوَ يروي جمَاعَة من كتب (٧) الْمسند الْمَعْرُوفَة بذلك ثمَّ لَا يعين هَذِه إجَازَة
[ ٣ / ٥٢٠ ]
فَاسِدَة (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ المُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ قبل وَإِن شَاءَ لم يقبل لتوقف تَمام البيع على
[ ٣ / ٥٢١ ]
قبُوله وَلَيْسَ كَذَلِك فِي الْإِجَازَة فَإِنَّهَا لَا تتَوَقَّف على الْقبُول فَلَا يكون قَوْله أجزت لمن شَاءَ الرِّوَايَة تَعْلِيقا لِأَن قبل مَشِيئَة الرِّوَايَة لَا يكون مجَازًا أَو بعد مشيئتها يكون وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصح لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَعْلِيق وتجهيل (١) وَذَلِكَ مُبْطل وَنَظِيره من الْوكَالَة وكلته فِي بيع هَذِه الْعين لمن شَاءَ أَن يقبلهَا (٢) وَإِذا بَطل فِي الْوَصِيَّة مَعَ احتمالها مَالا يحْتَمل فِي غَيرهَا فَلِأَن يبطل فِي هَذِه أولى نعم نَظِير فرع البيع أَن يَقُول أجزتك إِن شِئْت على معنى أَن تروي إِذا شِئْت وَذَلِكَ صَحِيح لما بَيناهُ
٣٢٦ - (قَوْله) أما إِذا قَالَ أجزت لفُلَان كَذَا إِن شَاءَ أَو لَك إِن شِئْت فَالْأَظْهر جَوَازه (٩ ١٠ ١١ ١٢) إِلَى آخِره
[ ٣ / ٥٢٢ ]
وَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا فالشافعي نَفسه أجَازه وَنَصّ عَلَيْهِ فِي وَصيته (أ / ١٧٦) المكتتبة فِي الْأُم فأوصى فِيهَا أوصياء على أَوْلَاده الْمَوْجُودين وَمن يحدثه الله تَعَالَى لَهُ من الْأَوْلَاد
٣٢٨ - (قَوْله) قَالَ الْخَطِيب سَأَلت القَاضِي أَبَا الطّيب عَن الْإِجَازَة للطفل الصَّغِير هَل يعْتَبر فِي صِحَّتهَا سنه أَو تَمْيِيزه إِلَى آخِره
وَهَذِه المسالة منصوصة للشَّافِعِيّ فِيمَا سبق عَن الْحَافِظ السلَفِي بِسَنَدِهِ إِلَى الرّبيع أَن الشَّافِعِي أَتَاهُ رجل يطْلب الْإِجَازَة [لِابْنِهِ فَقَالَ كم لابنك قَالَ سِتّ سِنِين قَالَ لَا يجوز الْإِجَازَة] (١) لَهُ حَتَّى [يبلغ] (٢) لَهُ سبع سِنِين (٣)
قَالَ ابْن زبر (٤) وَهُوَ مَذْهَب فِي الْإِجَازَة قَالَ السلَفِي وَالَّذِي أدركنا (٥) عَلَيْهِ الشُّيُوخ فِي الْبِلَاد والحفاظ أَن الْإِجَازَة تصح لمن يجاز لَهُ صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا
٣٢٩ - (قَوْله) فِي السَّادِس يَنْبَغِي بِنَاؤُه على أَن الْإِجَازَة فِي حكم الْإِخْبَار بالمجاز جملَة أَو هِيَ إِذن إِلَى آخِره
وَفِيه أَمْرَانِ
أَحدهمَا مَا صَححهُ من بطلَان هَذِه الْإِجَازَة قَالَ النَّوَوِيّ إِنَّه
[ ٣ / ٥٢٣ ]
الصَّوَاب (١)
الثَّانِي تنظيره بِبيع الَّذِي سيملكه (٢) لَيْسَ بجيد (٣) بل نَظِيره أَن يُوكل فِي بيع مَا ملكه وَمَا سيجري فِي ملكه وَحِينَئِذٍ تقرب الصِّحَّة فِي الْإِجَازَة على قِيَاس مَا سبق فِي الْوَقْف وَالْوَصِيَّة وَقد خرجها ابْن أبي الدَّم على مَسْأَلَة الْوكَالَة فِي البيع وَفِيمَا إِذا وَكله فِي عتقه إِذا اشْتَرَاهُ وَفِي طَلَاق زَوجته الَّتِي يُرِيد أَن يَتَزَوَّجهَا وَالْخلاف فِي الْكل مَوْجُود
٣٣٠ - (قَوْله) وَأما إِذا قَالَ أجزت لَك مَا صَحَّ وَيصِح عنْدك من مسموعاتي (٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ لِأَن الْغَرَض من العبارتين تَجْوِيز رِوَايَة مَا جَازَ رِوَايَته عِنْد الْأَدَاء وَلَا يُقَال
[ ٣ / ٥٢٤ ]
هَذَا تَوْكِيل بِمَا لم يملك لِأَن الرِّوَايَة غير التَّوْكِيل فَإِنَّهَا فِي الْحَقِيقَة إِذن بالإخبار عَن الْمُجِيز بِمَا صَحَّ رِوَايَة (٣ ٤ ٥) انْتهى
وَأَشَارَ بِهِ [إِلَى] (١) عبد الْوَهَّاب بن الْمُبَارك الْأنمَاطِي (٢) أحد شُيُوخ ابْن الْجَوْزِيّ فَكَانَ لَا يجوزها (٣) وَجمع [فِي] (٤) ذَلِك جُزْءا وَكَانَ من خِيَار أهل (د / ١٠٠) الحَدِيث وَذَلِكَ لِأَن الْإِجَازَة ضَعِيفَة فيقوى الضَّعِيف باجتماع (٥) الإجازتين وَيَنْبَغِي أَن يكون الْخلاف عِنْد الِاسْتِقْلَال أما لَو جعله تَابعا للمسموع فَلَا يَأْتِي الْخلاف كَمَا سبق نَظِيره فِي الْإِجَازَة للْحَمْل وَنَحْوه
[ ٣ / ٥٢٥ ]
وَبَقِي من الْأَنْوَاع الَّتِي لم يذكرهَا المُصَنّف الْإِذْن فِي الْإِجَازَة مثل أَن يَقُول لَهُ أَذِنت لَك أَن تجيز عني من شِئْت وَقد وَقع ذَلِك فِي عصرنا وَالظَّاهِر فِيهِ الصِّحَّة (٣) كَمَا لَو قَالَ وكل عني وَيكون مجَازًا من جِهَة الْإِذْن وينعزل الْمَأْذُون لَهُ (أ / ١٧٧) فِي أَن يُجِيز بِمَوْت الْآذِن قبل الْإِجَازَة كَمَا يَنْعَزِل الْوَكِيل بِمَوْت الْمُوكل وَإِذا قَالَ أجزت لَك أَن تجيز عني فلَانا كَانَ أولى بِالْجَوَازِ من أَذِنت أَن تجيز عني من شِئْت وَقد ذكر ابْن الصّلاح نَظِير هَذِه الْمَسْأَلَة فِي قسم (٢) الْكِتَابَة وَسَتَأْتِي
وَمِنْهَا الْإِجَازَة لمن لَيْسَ لَهَا أَهلا إِذْ ذَاك وَهُوَ يَشْمَل صورا مِنْهَا الصَّبِي فِي آخر الْمَعْدُوم وَمِنْهَا الْمَجْنُون وَهِي صَحِيحَة ذكرهَا الْخَطِيب (٤)
وَمِنْهَا الْإِجَازَة للْحَمْل وَلم أر من ذكرهَا غير أَن الْخَطِيب قَالَ لم نرهم أَجَازُوا لمن لم يكن مولودا فِي الْحَال (٥) وَلم يتَعَرَّض لكَونه إِذا وَقع يَصح أم لَا وَلَا شكّ أَنه أولى بِالصِّحَّةِ من الْمَعْدُوم (٦) وَيشْهد لَهُ تصحيحهم الْوَصِيَّة للْحَمْل وَإِيجَاب النَّفَقَة على الْأَب لأمه الْمُطلقَة تَنْزِيلا لَهَا منزلَة الْمَوْجُود وَيحْتَمل بِنَاؤُه على أَن الْحمل يعلم أم لَا فَإِن قُلْنَا يعلم صحت الْإِجَازَة لَهُ وَإِن قُلْنَا لَا يعلم فَهُوَ كالإجازة للْمَجْهُول يجْرِي فِيهِ الْخلاف لَكِن قد يفرق بَان الْمَجْهُول مَوْجُود قطعا
[ ٣ / ٥٢٦ ]
أما الْإِجَازَة لَهُ تبعا لِأَبَوَيْهِ فَلَا شكّ فِيهِ
وَمِنْهَا الْكَافِر وَقد سبق أَن تحمله صَحِيح وَلم يتَعَرَّضُوا لحكم الْإِجَازَة لَهُ وَقد وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة زمن الْحَافِظ أبي الْحجَّاج الْمزي وَذَلِكَ أَن شخصا من الْأَطِبَّاء يُقَال لَهُ ابْن عبد السَّيِّد سمع الحَدِيث فِي حَال يَهُودِيَّته على أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن الصُّورِي (١) وَكتب اسْمه فِي طبقَة سَماع السامعين وَأَجَازَ ابْن عبد الْمُؤمن لمن سمعهم وَهُوَ من جُمْلَتهمْ وَكَانَ السماع وَالْإِجَازَة بِحُضُور الْمزي وَبَعض السماع بقرَاءَته وَلَوْلَا أَنه رأى الْجَوَاز لأنكره ثمَّ هدى الله ابْن عبد السَّيِّد الْمَذْكُور لِلْإِسْلَامِ ثمَّ حدث
وَمِنْهَا الْإِجَازَة لِلْفَاسِقِ والمبتدع وَالظَّاهِر جَوَازهَا وَأولى من الْكَافِر (٢)
٣٣٢ - (قَوْله) روينَا عَن أبي الْحُسَيْن ابْن فَارس (٩ ١٠ عبد الله مُحَمَّد بن سعيد (٣) بن الْحجَّاج (٤) فِي جُزْء الْإِجَازَة
[ ٣ / ٥٢٧ ]
معنى ثَالِثا غير مَا حاوله المُصَنّف فَقَالَ هِيَ مصدر أجزت أُجِيز إجَازَة واشتقاقها من الْمجَاز فَكَأَن الْقِرَاءَة وَالسَّمَاع هُوَ فِي الْحَقِيقَة فِي بَاب الرِّوَايَة وَمَا عداهُ مجَاز وَالْأَصْل الْحَقِيقَة وَالْمجَاز عمل (١) عَلَيْهِ (٢)
فَائِدَة جرت عَادَتهم فِي الاستجازة أَن يَقُولُوا (٣) المسموع (٤) من الْعَام الْمَشَايِخ (٥) أَن يجيزوا لفُلَان وَفُلَان مَا صَحَّ عِنْدهم من مسموعاتهم فَالضَّمِير فِي عِنْدهم مُتَرَدّد بَين أَنه للمشايخ أَو للْجَمَاعَة المستجيزين وَهُوَ لَهُم دون الْمَشَايِخ لِأَن الْمَشَايِخ قد صَحَّ عِنْدهم مَا أجازوه وَإِنَّمَا المُرَاد مَا صَحَّ عِنْد المستجيزين أَنه رِوَايَة الْمَشَايِخ جَازَ لَهُم أَن يرووه
فَائِدَة أُخْرَى كَانَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد لَا يُجِيز رِوَايَة مسموعاته كلهَا بل يُقَيِّدهُ بِمَا حدث بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يشك فِي بعض مسموعاته فَلم يحدث بِهِ وَلم يجزه وَهُوَ سَمَاعه على ابْن المقير (٦) فَمن حدث عَنهُ بإجازته غير مَا
[ ٣ / ٥٢٨ ]
حدث بِهِ من مسموعاته فَهُوَ غير صَحِيح (١)
٣٣٣ - (قَوْله) إِنَّمَا تستحسن الْإِجَازَة إِذا كَانَ الْمُجِيز عَالما (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ لهَذَا (٦) انْتهى
[ ٣ / ٥٢٩ ]
وَفِي هَذَا الشَّرْط نوع تضييق منَاف لما جوز لَهُ الْإِجَازَة وَهُوَ التَّوسعَة وَبَقَاء سلسلة الْإِسْنَاد على أَن هَذَا الشَّرْط لَا معنى لَهُ فَإِن الْمجَاز لَهُ لَا يروي إِلَّا عَن أصل سَوَاء كَانَ الْمُجِيز إِسْنَاده مُشكلا أم لَا وَقَرِيب مِنْهُ مَا حَكَاهُ الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة قَالَ مَذْهَب أَحْمد بن صَالح أَنه إِذا قَالَ للطَّالِب أجزت لَك أَن تروي عني مَا شِئْت من حَدِيثي لَا يَصح ذَلِك دون أَن يدْفع إِلَيْهِ أُصُوله أَو فروعا كتبت مِنْهَا وَنظر فِيهَا وصححها (١) انْتهى
وَقد توَسط القَاضِي أَو الْوَلِيد الْبَاجِيّ فَقَالَ - فِيمَا حَكَاهُ ابْن الْعَرَبِيّ عَن الطرطوشي (٢) عَنهُ - الْإِجَازَة على قسمَيْنِ أَحدهمَا أَن يَسْتَدْعِي الْمُجِيز الْإِجَازَة للْعَمَل وَالثَّانِي أَن يستدعيها للرواية
فَإِن كَانَ إِنَّمَا تطلب الْإِجَازَة ليعْمَل بِمَا يكْتب بِهِ إِلَيْهِ فَيجب أَن يكون من أهل الْعلم بذلك والفهم بِاللِّسَانِ وَإِلَّا لم يحل لَهُ الْأَخْذ بِهِ وَإِن كَانَ إِنَّمَا تطلب الْإِجَازَة للرواية خَاصَّة فَيجب أَن يكون من أهل الْمعرفَة بِالنَّقْلِ وَالْوُقُوف على أَلْفَاظ مَا أُجِيز لَهُ ليسلم من التَّصْحِيف والتحريف وَمن لم يكن عَارِفًا بِشَيْء من ذَلِك وَإِنَّمَا يُرِيد علو الْإِسْنَاد بِالْإِجَازَةِ فَفِي الْإِجَازَة ضعف (٣) انْتهى
وَقد سُئِلَ الْحَافِظ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي عَن الشَّيْخ إِذا كَانَ خَالِيا من الْعلم وَلَا يعرف شُرُوط الْإِجَازَة هَل تصح الْإِجَازَة أم لَا فَأجَاب أصل الْإِجَازَة مُخْتَلف فِيهِ وَمن أجازها فَهِيَ قَاصِرَة عَن رُتْبَة السماع وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَلا تجوز من كل
[ ٣ / ٥٣٠ ]
[من] (١) يجوز مِنْهُ السماع وَإِن يترخص مترخص وجوزها من كل من يجوز مِنْهُ السماع فَأَقل مَرَاتِب الْمُجِيز أَن يكون عَالما بِمَعْنى الْإِجَازَة الْعلم الإجمالي من أَنه روى شَيْئا وَأَن معنى إِجَازَته لغيره إِذْنه لذَلِك الْغَيْر فِي رِوَايَة ذَلِك الشَّيْء عَنهُ بطرِيق الْإِجَازَة الْمَعْهُودَة من أهل هَذَا الشَّأْن لَا الْعلم التفصيلي بِمَا روى وَبِمَا يتَعَلَّق بِأَحْكَام الْإِجَازَة وَهَذَا الْعلم الإجمالي حَاصِل بِمَا رَأَيْنَاهُ من عوام الروَاة فَإِن انحط راو فِي الْفَهم عَن هَذِه الدرجَة وَلَا أخال أحدا ينحط عَن إِدْرَاك هَذَا إِذا عرف بِهِ فَلَا أَحْسبهُ أَهلا لِأَن يتَحَمَّل عَنهُ بِإِجَازَة وَلَا سَماع قَالَ وَهَذَا الَّذِي أَشرت إِلَيْهِ من التَّوَسُّع فِي الْإِجَازَة هُوَ طَرِيق الْجُمْهُور وَقد رأى بعض النَّاس الْأَمر فِيهَا أضيق من ذَلِك وَقَالَ لَا بُد فِي الْمُجِيز أَن يكون عَالما بِمَا يُجِيز وَحكى مَا سبق عَن مَالك وَابْن عبد الْبر
٣٣٤ - (قَوْله) (أ / ١٧٩) (د / ١٠١) يَنْبَغِي للمجيز إِذا كتب (١١ ١٢)
[ ٣ / ٥٣١ ]
قد أنكر بعض الْأُصُولِيِّينَ إِفْرَاد المناولة عَن الْإِجَازَة وَقَالَ هِيَ رَاجِعَة إِلَيْهَا وَقَالَ ابْن سعيد (١) هِيَ [فِي] (٢) مَعْنَاهَا لَكِن يفترقان فِي أَن المناولة تفْتَقر إِلَى مشافهة الْمُجِيز للمجاز لَهُ وحضوره قَالَ وَمِمَّنْ رأى اسْتِعْمَالهَا مَالك وَغَيره وَقد اسْتدلَّ الْحَاكِم على صِحَة المناولة بِغَيْر قِرَاءَة بِمَا أسْندهُ عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ بعث بكتابه إِلَى كسْرَى مَعَ عبد الله بن حذافة وَأمره أَن يَدْفَعهُ (٣) إِلَى عَظِيم الْبَحْرين ويدفعه عَظِيم الْبَحْرين إِلَى كسْرَى (٤)
٣٣٦ - (قَوْله) وَهِي أَعلَى أَنْوَاع الْإِجَازَة (٧ ٨ فَقَالَ الظَّاهِر أَنَّهَا أَخفض من الْإِجَازَة
[ ٣ / ٥٣٢ ]
لِأَن أقل درجاتها أَنَّهَا إجَازَة مَخْصُوصَة فِي كتاب بِعَيْنِه بِخِلَاف الْإِجَازَة (١)
٣٣٧ - (قَوْله) مِنْهَا أَن يدْفع الشَّيْخ إِلَى الطَّالِب أصل سَمَاعه أَو فرعا مُقَابلا بِهِ (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ للسماع لَكِن فِي الْقنية (٤) من كتب الْحَنَفِيَّة إِذا أعطَاهُ الْمُحدث الْكتاب وَأَجَازَ لَهُ مَا
[ ٣ / ٥٣٣ ]
فِيهِ وَلم يسمع ذَلِك مِنْهُ وَلَا يعرفهُ فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَمُحَمّد لَا تجوز رِوَايَته (١)
الثَّانِي مَا نَقله عَن الْحَاكِم عَن الْمُتَقَدِّمين من تنزيلها منزلَة السماع معَارض بِمَا أسْند الرامَهُرْمُزِي عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس (٢) قَالَ سَأَلت مَالِكًا عَن أصح السماع فَقَالَ قراءتك على الْعَالم - أَو قَالَ الْمُحدث - ثمَّ قِرَاءَة الْمُحدث عَلَيْك ثمَّ أَن يدْفع إِلَيْك كِتَابه فَيَقُول أرو هَذَا عني (٣) انْتهى وَهَذَا تَصْرِيح من مَالك بانحطاط دَرَجَة المناولة عَن الْقِرَاءَة على الشَّيْخ وَقِرَاءَة الشَّيْخ على الطَّالِب
وعمدة الْحَاكِم فِي ذَلِك مَا أسْندهُ عَن ابْن أبي أويس قَالَ سُئِلَ مَالك عَن حَدِيث أسماع هُوَ فَقَالَ مِنْهُ سَماع وَمِنْه عرض وَلَيْسَ الْعرض عندنَا بِأولى من السماع (٤) وَهَذَا يُمكن حمله على عرض القرءة وَفِي رِوَايَة الرمهرمزي مَا يَقْتَضِي (٥) تَسْمِيَة عرض المناولة سَمَاعا لِأَن التَّرْتِيب جَوَاب عَن أصح
[ ٣ / ٥٣٤ ]
السماع وَكَأن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة المحكي عَنْهُم جوزوا الرِّوَايَة بهَا إِلَّا أَنهم نزلوها منزلَة السماع فِي كل شَيْء (١)
٣٣٩ - (قَوْله) وَقد قَالَ الْحَاكِم فِي هَذَا الْعرض (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ الْمسند وَلأبي طَالب مناولة (٧)
[ ٣ / ٥٣٥ ]
وَقَالَ أَبُو الْيَمَان (١) جَاءَنِي أَحْمد بن حَنْبَل فَقَالَ كَيفَ تحدث عَن شُعَيْب (٢) فَقلت بَعْضهَا قِرَاءَة وَبَعضهَا أخبرنَا (٣) وَبَعضهَا مناولة فَقَالَ قل فِي كل أخبرنَا وَمِمَّا احْتج بِهِ الْحَاكِم بقوله ﷺ نضر الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي فوعاها حَتَّى يُؤَدِّيهَا إِلَى من سَمعهَا (٤)
[ ٣ / ٥٣٦ ]
وَقَوله تَسْمَعُونَ وَيسمع مِنْكُم (١)
وَهَذَا لَا يَقْتَضِي امْتنَاع تَنْزِيل المناولة على مَا تقدم منزلَة السماع فِي الْقُوَّة
٣٤٠ - (قَوْله) وَقد صَار غير وَاحِد من الْفُقَهَاء الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّهَا لَا أثر لَهَا (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ آخِره هَذَا اسْتِدْرَاك
[ ٣ / ٥٣٧ ]
حسن وَقد روى الْخَطِيب عَن الزُّهْرِيّ مَا يساعده وَمَا عداهُ (١) (٢) قد أسْندهُ الْخَطِيب إِلَى مَالك ﵁ (٣)
٣٤١ - (قَوْله) الثَّانِي المناولة الْمُجَرَّدَة عَن الْإِجَازَة إِلَى قَوْله وعابها غير وَاحِد من الْفُقَهَاء والأصوليين من الْمُحدثين (١ ٢ ٣ ٤ ٥ من الْأُصُولِيِّينَ وَقد
[ ٣ / ٥٣٨ ]
خالفهم كثير من الْأَصْحَاب مِنْهُم ابْن الصّباغ وَلذَلِك لم يشْتَرط الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُول الْإِذْن بل وَلَا المناولة فَقَالَ إِذا أَشَارَ الشَّيْخ إِلَى كتاب فَقَالَ هَذَا سَمَاعي من فلَان جَازَ لمن سَمعه أَن يرويهِ عَنهُ سَوَاء نَاوَلَهُ أم لَا خلافًا لبَعض الْمُحدثين وَسَوَاء قَالَ لَهُ اروه عني أم لَا (١) وَقد قَالَ ابْن الصّلاح بعد هَذَا إِن الرِّوَايَة بهَا ترجح على الرِّوَايَة بِمُجَرَّد إِعْلَام الشَّيْخ لما فِيهِ من المناولة فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو من إِشْعَار بِالْإِذْنِ فِي الرِّوَايَة (٢) قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين هَذَا السنح (٣) من المناولة قريب من السماع من الشَّيْخ بِقِرَاءَة غير الشَّيْخ مَعَ عدم الْإِذْن بالرواية لِأَن هَذِه المناولة مُشَاركَة مَعَ ذَلِك السماع فو كَونهمَا من مسموعات الشَّيْخ الَّذِي يجوز لَهُ رِوَايَة ذَلِك الحَدِيث وَإِذا صَحَّ عِنْد الرَّاوِي بِأَن هَذَا من مسموعات فلَان فَيَقُول أروي عَن فلَان فَإِنَّهُ يروي عَن نُسْخَة فلَان إِلَى منتهاه
٣٤٢ - (قَوْله) حكى قوم أَنهم جوزوا إِطْلَاق حَدثنَا وَأخْبرنَا فِي الرِّوَايَة بالمناولة وَالْإِجَازَة (١٢ ١٣ ١٤ ١٥ الشرق إِظْهَار السماع
[ ٣ / ٥٣٩ ]
وَالْإِجَازَة وتمييز أَحدهمَا عَن الآخر بِلَفْظ لَا إِشْكَال فِيهِ وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول الأَصْل التَّاسِع وَالسِّتِّينَ والمائتين يجوز إِطْلَاق أَخْبرنِي وحَدثني فِي الْإِجَازَة وَالْمُكَاتبَة وَيدل لَهُ قَوْله تَعَالَى (د / ١٠٢) ﴿من أَنْبَأَك هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير﴾ (١) وَإِنَّمَا صَار نبأ وخبرا لوصول علم ذَلِك إِلَيْهِ فَكَذَلِك يجوز لَهُ أَن يَقُول حَدثنِي لِأَنَّهُ قد أحدث إِلَيْهِ الْخَبَر سَوَاء حدث شفاها أَو بِكِتَاب أَو بمناولة قَالَ وَلَيْسَ للممتنع أَن يمْتَنع من هَذَا تورعا ويتفقد الْأَلْفَاظ مستقصيا فِي تحري الصدْق قَوْله حَدثنِي وَأَخْبرنِي وَيَزْعُم أَنه يمْتَنع من ذَلِك حَتَّى يحدث شفاها فَيقْرَأ رجل قَلِيل الْمعرفَة باللغة يتَوَهَّم أَن أَخْبرنِي وحَدثني يَقْتَضِي الشفاه وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن مَدْلُول التحديث لُغَة إِلْقَاء الْمعَانِي إِلَيْك سَوَاء أَلْقَاهُ لفظا أَو كتابا وَقد سمى الله تَعَالَى الْقُرْآن حَدِيثا (٢) حدث بِهِ الْعباد وخاطبهم وكل مُحدث أحدث إِلَيْك شفاها أَو بِكِتَاب فقد حَدثَك بِهِ وَأَنت صَادِق فِي قَوْلك حَدثنِي وسمى الَّذِي يحدث فِي الْمَنَام حَدِيثا وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولنعلمه من تَأْوِيل الْأَحَادِيث﴾ (٣) انْتهى (٤)
٣٤٣ - (قَوْله) وَكَانَ الْحَافِظ أَبُو نعيم يُطلق حَدثنَا فِيمَا يرويهِ فِي الْإِجَازَة (١٤ الضُّعَفَاء أَبَا نعيم وَحكى عَن أبي بكر
[ ٣ / ٥٤٠ ]
الْخَطِيب فِيمَا حَكَاهُ ابْن طَاهِر رَأَيْت لأبي نعيم أَشْيَاء يتساهل فِيهَا مثل أَن يَقُول فِي الْإِجَازَة أخبرنَا من غير أَن يُبينهُ (١) قَالَ ابْن دحْيَة سخم (٢) الله وَجه من يذكر مثل أبي نعيم الإِمَام عَالم الدُّنْيَا وَقد صَحَّ عَن ابْن وهب أَنه قَالَ كنت عِنْد مَالك
[ ٣ / ٥٤١ ]
ابْن أنس فَجَاءَهُ رجل يحمل موطأه [فِي] (١) كسائه فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله هَذَا موطؤك قد كتبته وقابلته فأجزه لي [فَقَالَ قد فعلت] (٢) قَالَ فَكيف أَقُول حَدثنَا أَو أخبرنَا فَقَالَ لَهُ مَالك قل أَيهمَا شِئْت (٣) انْتهى وَحكى الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان كَلَام الْخَطِيب ثمَّ قَالَ هَذَا مَذْهَب رَوَاهُ أَبُو نعيم وَغَيره وَهُوَ ضرب من التَّدْلِيس (٤) انْتهى على أَنه قد نوزع من ادّعى على أبي نعيم ذَلِك بِأَنَّهُ (٥) إِنَّمَا يَفْعَله نَادرا فَإِنَّهُ كثيرا مَا يَقُول كتب إِلَيّ جَعْفَر الْخُلْدِيِّ (٦) وَكتب إِلَيّ أَبُو الْعَبَّاس
[ ٣ / ٥٤٢ ]
الْأَصَم (١) وَأخْبرنَا أَبُو الميمون بن رَاشد (٢) فِي كِتَابه وَلكنه يَقُول أخبرنَا عبد الله ابْن جَعْفَر (٣) فِيمَا قرئَ عَلَيْهِ وَالظَّاهِر أَن هَذَا إجَازَة وَقَالَ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ هَذَا لَا ينقصهُ شَيْئا إِذْ أَبُو نعيم يَقُول فِي مُعظم تصانيفه أخبرنَا فلَان إجَازَة وعَلى تَقْدِير أَنَّهَا تطلق فِي الْإِجَازَة أخبرنَا من غير تعْيين فَهُوَ مَذْهَب جمَاعَة من الْعلمَاء كَابْن جريج وَغَيره وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأهل الْمَدِينَة فَلَا يبعد أَن يكون مذهبا لَهُ أَيْضا (٤)
٣٤٤ - (قَوْله) وروينا عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ الَّذِي أختاره إِلَى آخِره
وَفِيه إِبْهَام (٧ ٨ ٩)
[ ٣ / ٥٤٣ ]
قلت يُشِير إِلَى قَول الْوَلِيد بن بكر فِي كتاب الْإِجَازَة بَلغنِي عَن الْخطابِيّ أَنه قَالَ حكم الْإِجَازَة أَن يَقُول فِيهَا أخبرنَا فلَان أَن فلَانا حَدثهُ كَأَنَّهُ جعل دُخُول أَن دَلِيلا على الْإِجَازَة فِي مَفْهُوم اللُّغَة وَغَابَ عني إِذا اخْتِيَار الْخطابِيّ أَنه حَكَاهُ عَن غَيره وَقد تأملته فَلم أجد لَهُ وَجها صَحِيحا لِأَن أَن الْمَفْتُوحَة الَّتِي اشترطها الْخطابِيّ أَصْلهَا التَّأْكِيد وَمعنى أخبرنَا فلَان أَن فلَانا حَدثهُ أَي بِأَن فلَانا حَدثهُ فدخول الْبَاء أَيْضا للتَّأْكِيد وَإِنَّمَا فتحت لِأَنَّهَا صَارَت اسْما فَإِن صَحَّ عَنهُ هَذَا الْمَذْهَب كَانَت الْإِجَازَة أقوى من السماع لِأَنَّهُ خبر قارنه التَّأْكِيد وَهَذَا لَا يَقُوله أحد (١) انْتهى
قلت قد سبقت حكايته عَن قوم وعَلى أَن مَا حَكَاهُ عَن الْخطابِيّ قيل إِن القَاضِي عِيَاض حَكَاهُ عَن اخْتِيَار أبي حَاتِم الرَّازِيّ قَالَ وَأنْكرهُ بَعضهم وَحقه أَن يُنكر فَلَا معنى لَهُ يتفهم مِنْهُ المُرَاد وَلَا اُعْتِيدَ هَذَا الْوَضع فِي الْمَسْأَلَة لُغَة وَلَا عرفا وَلَا اصْطِلَاحا (٢)
٣٤٦ - (قَوْله) فِي الْمُكَاتبَة أجَاز الرِّوَايَة بهَا غير وَاحِد من الشافعيين
[ ٣ / ٥٤٤ ]
قلت مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفرايني والمحاملي وَصَاحب الْمَحْصُول (١)
٣٤٧ - (قَوْله) وأبى ذَلِك آخَرُونَ
قلت مِنْهُم الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى (٢) وَقَالَ السَّيْف الْآمِدِيّ لَا يرويهِ إِلَّا بتسليط من الشَّيْخ كَقَوْلِه فاروه عني أَو أجزت لَك رِوَايَته (٣)
وَذهب ابْن الْقطَّان إِلَى انْقِطَاع الرِّوَايَة بالمكاتبة قَالَه عقب حَدِيث جَابر بن سَمُرَة الْمَذْكُور فِي مُسلم (٤) ورد عَلَيْهِ أَبُو عبد الله (٥) ابْن الْمواق (٦) فِي كِتَابه بغية النقاد (٧)
[ ٣ / ٥٤٥ ]
وَوَقع فِي صَحِيح مُسلم أَحَادِيث رويت كِتَابَة فَوق الْعشْرَة وَاخْتلف الْعلمَاء أَيْضا فِي اتِّصَال ذَلِك قَالَ القَاضِي عِيَاض وَالْجُمْهُور على الْعَمَل بذلك وعدوه مُتَّصِلا وَذَلِكَ بعد ثُبُوت صِحَّتهَا عِنْد الْمَكْتُوب إِلَيْهِ خطّ الْكَاتِب كاتبها (١)
٣٤٨ - (قَوْله) ثمَّ يَكْفِي فِي ذَلِك أَن يعرف الْمَكْتُوب إِلَيْهِ خطّ الْكَاتِب (٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ انتفعتم بجلدها (٥) يَعْنِي
[ ٣ / ٥٤٦ ]
الشَّاة الْميتَة فَقَالَ إِسْحَاق حَدِيث ابْن عكيم (١) كتب إِلَيْنَا النَّبِي ﷺ قبل مَوته بِشَهْر لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب (٢) أشبه أَن يكون نَاسِخا لحَدِيث مَيْمُونَة (أ / ١٨٣) لِأَنَّهُ قبل مَوته بِشَهْر فَقَالَ الشَّافِعِي هَذَا كتاب وَذَاكَ سَماع فَقَالَ
[ ٣ / ٥٤٧ ]
إِسْحَاق إِن النَّبِي ﷺ كتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَكَانَ حجَّة عَلَيْهِم فَسكت الشَّافِعِي (١)
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي كَانَ وَالِدي ﵀ يَحْكِي عَن شَيْخه الْحَافِظ أبي الْحسن الْمَقْدِسِي الْمَالِكِي (٢) أَنه كَانَ يرى أَن حجَّة الشَّافِعِي بَاقِيَة يُرِيد لِأَن الْكَلَام فِي التَّرْجِيح بِالسَّمَاعِ وَالْكتاب وَلَا فِي إبِْطَال الِاسْتِدْلَال بِالْكتاب يَعْنِي فَلم يكن لقَوْل إِسْحَاق [إِن النَّبِي ﷺ كتب] (٣) إِلَى آخِره معنى لِأَنَّهُ لَيْسَ الْكَلَام فِيهِ (٤)
[ ٣ / ٥٤٨ ]
٣٤٩ - (قَوْله) وَقطع بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد الطوسي (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ إِذْ لَيْسَ هُوَ نَظِير
[ ٣ / ٥٤٩ ]
الرِّوَايَة لِأَن الرِّوَايَة لَا تتَوَقَّف فِي مجْلِس الحكم فَإِنَّهَا شرع عَام وَإِنَّمَا يَصح التنظير إِذا سَمعه فِي مجْلِس الحكم فَإِن الشَّهَادَة حِينَئِذٍ مُؤثرَة وَذَلِكَ نَظِير قَول الرَّاوِي أرويه عَن فلَان فَإِنَّهُ مُؤثر فِي إِيجَاب الْعَمَل مَعَ الثِّقَة وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصح الاستشهاد لِأَنَّهُ لَا يشْتَرط إِذن الأَصْل فِي هَذِه الْحَالة فَظهر أَن إِلْحَاق الرِّوَايَة بِالشَّهَادَةِ فِي هَذِه الصُّورَة يَقْتَضِي جَوَاز الرِّوَايَة بهَا من غير إِذن عكس مَقْصُود المُصَنّف وَأَيْضًا فَالْفرق بَينهمَا وَاضح فَإِن الشَّهَادَة على الشَّهَادَة نِيَابَة (١) فَاعْتبر فِيهَا الْإِذْن وَلِهَذَا لَو قَالَ بعد التَّحَمُّل لَا تُؤَد عني امْتنع عَلَيْهِ الْأَدَاء بِخِلَاف الرِّوَايَة
وَقد احْتج الْخَطِيب وَغَيره للْجُوَاز بِالْقِيَاسِ على الشَّهَادَة فِيمَا إِذا سمع الْمقر (٢) يقر بِشَيْء لَهُ أَن يشْهد عَلَيْهِ وَإِن لم يَأْذَن لَهُ وَهَذَا أصح من قِيَاس المُصَنّف وَحصل بذلك أَن الْمُعْتَمد الْجَوَاز (٣)
٣٥٠ - (قَوْله) فِي السَّابِع وتجويزه بعيد جدا (١١ ١٢ أَو متأول إِلَى آخِره فَالرِّوَايَة بطرِيق الوجادة لم
[ ٣ / ٥٥٠ ]
يخْتَلف إِلَّا فِي أَنه لَا يجوز الرِّوَايَة بهَا وَقد نقلنا الْخلاف فِي جَوَاز الرِّوَايَة بِالْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّة بالكتب مؤول على إِرَادَة الرِّوَايَة بالوجادة مَعَ كَونه لَا يَقُول بِصِحَّة الرِّوَايَة غلط ظَاهر (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩) إِلَى آخِره
[ ٣ / ٥٥١ ]
اعْلَم أَنه (١) لوجد (٢) مصدران آخرَانِ لم يذكرهما وهما جدة فِي الْغَضَب وَفِي الْغنى وإجدان بِكَسْر الْهمزَة حَكَاهُمَا ابْن الْأَعرَابِي وَلَيْسَ لنا شَيْء مِنْهَا لَيْسَ لَهُ مصدر وَاحِد إِلَّا الْحبّ فَإِن مصدره وجد بِالْفَتْح لَا غير قَالَه ابْن سَيّده (٣) وَكَذَلِكَ هُوَ مصدر وجد بِمَعْنى حزن قَالَه الْجَوْهَرِي (٤) وَأما فِي الْمَطْلُوب فَلهُ مصدران وجود ووجدان حَكَاهُمَا صَاحب الْمَشَارِق فَقَالَ الوجادة إِلَى آخِره (٥)
كَذَا فسروا الوجادة بوجدان سَماع الْغَيْر وَهِي فِي الْحَقِيقَة هَذَا الْقسم ووجدان سَماع نَفسه بِخَطِّهِ وبخط غَيره المروية [فِي] (٦) السَّادِس وَالْعِشْرين أَنه يجوز (عِنْد رَأَيْته فِي حَقه) (٧)
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْقَاسِم (٨) الْبَلْخِي (٩) إِن المجوزين فِي هَذَا الْقسم أَن يَقُول
[ ٣ / ٥٥٢ ]
أخبرنَا فلَان عَن فلَان احْتَجُّوا بِأَنَّهُ إِذا وجد سَمَاعه بِخَط موثوف بِهِ كَانَ [لَهُ أَن] (١) يَقُول أخبرنَا فلَان فها هُنَا كَذَلِك (٢)
٣٥٢ - (قَوْله) فَلهُ أَن يَقُول وجدت بِخَط فلَان (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ يُقَال بل عده من التَّعْلِيق أولى من الْمُرْسل والمنقطع
[ ٣ / ٥٥٣ ]
٣٥٤ - (قَوْله) فروينا عَن بعض الْمَالِكِيَّة أَن الْمُعظم على أَنه لَا يعْمل بهَا (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ قَالَ قوم يأْتونَ بعدكم يَجدونَ صحفا يُؤمنُونَ بِمَا فِيهَا (٤) وَهُوَ استنباط حسن
[ ٣ / ٥٥٤ ]
قَالَ وَلم يبْق فِي زَمَاننَا إِلَّا مُجَرّد وجادات
[ ٣ / ٥٥٥ ]
النَّوْع الْخَامِس وَالْعشْرُونَ
٣٥٥ - (قَوْله) وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ كَرَاهَة ذَلِك عمر (٣ ٤ ٥ عَمه عَمْرو بن أبي سُفْيَان أَنه سمع عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى
[ ٣ / ٥٥٦ ]
عَنهُ يَقُول قَالَ وَكَذَلِكَ الرِّوَايَة عَن أنس بن مَالك صَحِيح من قَوْله وَقد أسندت من وَجه غير مُعْتَمد (١) قلت قد أسندها ابْن شاهين فِي كِتَابه من حَدِيث ثُمَامَة ابْن أنس (٢) عَن أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قيدوا الْعلم بِالْكِتَابَةِ (٣) وَسَاقه الْخَطِيب فِي كِتَابه من طرقه وَقَالَ هَذَا حَدِيث مَوْقُوف
[ ٣ / ٥٥٧ ]
لَا يَصح رَفعه وهم فِي رَفعه عبد الحميد بن سُلَيْمَان (١) وَقد حدث بِهِ مرّة مَوْقُوفا (٢) وَقَوله بِالْكتاب أَي بِالْكِتَابَةِ وهما مصدران لكتب
٣٥٦ - (قَوْله) وروينا عَن أبي سعيد (٤ ٥ ٦ ٧) الْقُرْآن بِغَيْرِهِ وَالْإِذْن حِين أَمن ذَلِك
[ ٣ / ٥٥٨ ]
وَيدل للْأولِ مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن (د / ١٠٤) الْخَلِيل بن مرّة (١) عَن يحيى (٢) ابْن أبي (٣) صَالح عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ رجل من الْأَنْصَار يجلس إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي لأسْمع مِنْك الحَدِيث فَيُعْجِبنِي وَلَا أحفظه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اسْتَعِنْ بيمينك وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْخط قَالَ التِّرْمِذِيّ وَفِي الْبَاب عَن عبد الله بن عَمْرو وَهَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ الْقَائِم سَمِعت البُخَارِيّ يَقُول الْخَلِيل مُنكر الحَدِيث (٤) انْتهى وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَصَححهُ (٥)
وَذكر غير المُصَنّف وُجُوهًا أخر فِي الْجمع بَين الْأَحَادِيث
أَحدهَا أَن النَّهْي عَن الْكِتَابَة مَخْصُوص بحياة [سيد الْبشر (٦)] النَّبِي ﷺ لِأَن النّسخ يطْرَأ فِي كل وَقت فيختلط النَّاسِخ بالمنسوخ وَيشْهد لَهُ حَدِيث أبي شاه (٧) لما
[ ٣ / ٥٥٩ ]
أذن لَهُ فِي كِتَابَة الْخطْبَة الَّتِي خطب بهَا النَّبِي ﷺ لِأَنَّهَا كَانَت مواعظ ووصايا لَا تنسخ وَكَانَت على نَحْو من أنحاء الْكَلَام الَّذِي يخْتَلط مِنْهُ بِالْقُرْآنِ
وَالثَّانِي أَن النَّهْي مَنْسُوخ وَهُوَ الَّذِي جنح إِلَيْهِ ابْن شاهين فِي كِتَابه النَّاسِخ وَاحْتج عَلَيْهِ بِمَا رُوِيَ أَن أهل مَكَّة يَكْتُبُونَ (١)
الثَّالِث أَن النَّهْي لِئَلَّا يتكل الْكَاتِب على مَا يكْتب وَلَا يحفظ فيقل الْحِفْظ كَمَا قَالَ الْخَلِيل
(لَيْسَ الْعلم (٢) مَا حوى القمطر مَا الْعلم إِلَّا مَا حواه الصَّدْر (٣»
الرَّابِع أَلا يتَّخذ مَعَ الْقُرْآن كتابا يضاهى بِهِ
ذكر هذَيْن الْأَخيرينِ ابْن عبد الْبر فِي كتاب جَامع الْعلم قَالَ وَمن ذكرنَا قَوْله (أ / ١٨٦) فِي هَذَا الْبَاب فِي الْحَث على الْحِفْظ فَإِنَّمَا هُوَ على مَذْهَب الْعَرَب لأَنهم كَانُوا مطبوعين على الْحِفْظ مخصوصين بِهِ وَلَيْسَ أحد الْيَوْم على هَذَا (٤)
[ ٣ / ٥٦٠ ]
وَفِي الْمَسْأَلَة مَذْهَب ثَالِث لم يحكه المُصَنّف وَحَكَاهُ الرامَهُرْمُزِي (١) والخطيب (٢) وَهُوَ جَوَاز الْكِتَابَة (٣) للْحِفْظ (٤) فَإِذا حفظ محاه رُوِيَ ذَلِك عَن مُحَمَّد بن سِيرِين وَعَاصِم بن ضَمرَة وَغَيرهمَا وَفِي سُؤَالَات البغداديين للْحَاكِم أبي عبد الله أَن جمَاعَة دفنُوا كتبهمْ مِنْهُم مُحَمَّد بن يحيى (٥) وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَيحيى بن يحيى (٦) وَعبد الله بن الْمُبَارك (٧)
وَفِي كتاب تَقْيِيد الْعلم للخطيب كَانَ غير وَاحِد من السّلف إِذا حَضرته الْوَفَاة أتلف كتبه أَو أوصى بإتلافها خوفًا من أَن تصير إِلَى من لَيْسَ من أهل الْعلم فَلَا يعرف أَحْكَامهَا وَيحمل جَمِيع مَا فِيهَا على ظَاهره وَرُبمَا زَاد فِيهَا وَنقص فَيكون ذَلِك مَنْسُوبا إِلَى كاتبها (٨) فِي الأَصْل ثمَّ حكى ذَلِك عَن طَاوس وَعبيدَة (٩) وَشعْبَة (١٠) وَأبي قلَابَة (١١) ثمَّ سَاق إِلَى الْمَرْوذِيّ سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول لَا أعلم لدفن الْكتب معنى قَالَ الْخَطِيب لَا معنى فِيهَا إِلَّا مَا ذكرنَا (١٢)
[ ٣ / ٥٦١ ]
قَالَ ثمَّ اتَّسع النَّاس فِي كتب الْعلم وتدوينه بعد الْكَرَاهَة [لضَرُورَة بَقَائِهِ] (١) وَصَارَ علم الْكَاتِب (٢) فِي هَذَا الزَّمَان أثبت من علم الْحَافِظ (٣) ثمَّ أسْند إِلَى الرّبيع قَالَ خرج علينا الشَّافِعِي ﵀ ذَات يَوْم فَقَالَ لنا اعلموا رحمكم الله أَن هَذَا الْعلم يند كَمَا تند الْإِبِل فاجعلوا الْكتب لَهُ حماة والأقلام عَلَيْهِ رُعَاة وَقَالَ ابْن الْمُبَارك لَوْلَا الْكتاب مَا حفظنا (٤)
وَقَالَ أَبُو الْمليح الرقي (٥) يعيبون علينا أَن نكتب الْعلم أَو ندونه وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ علمهَا عِنْد رَبِّي فِي كتاب﴾ (٦) وَهَذَا إِنَّمَا يحفظ عَن أبي الْمليح الْهُذلِيّ (٧) وَهُوَ من أهل الْبَصْرَة (٨) وَقيل لِابْنِ الْمُبَارك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن لَو خرجت فَجَلَست مَعَ أَصْحَابك وَقَالَ إِنِّي إِذا كنت فِي الْمنزل جالست أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَعْنِي النّظر فِي الْكتب (٩)
[ ٣ / ٥٦٢ ]
وَقيل لبَعْضهِم أما (١) تستوحش فَقَالَ يستوحش من (٢) مَعَه الْأنس كُله يَعْنِي (٣) الْكتب ثمَّ أسْند (٤) إِلَى (أبي) الْقَاسِم بن أبي بكر الْقفال الشَّاشِي (٥) قَالَ [أنشدنا] (٦) أبي لنَفسِهِ (٧)
(خليلي كتابي لَا يعاف وصاليا وَإِن قل مَالِي وَولى جمالِيًّا)
(وَفِي لي على حَالي شباب وكبرة وَلم يجهمني (٨) لشيب قذاليا (٩»
(على حِين خانتني الحسان عهودها وقطعن من بعد اتِّصَال حباليا)
(تجافين عني إِذْ تجافت شبيبتي وأنكرنني لما تنكرت حاليا)
(كتابي عشيقي حِين لم يبْق معشق إغازله لَو كَانَ يدْرِي غزاليا)
(كتابي أَب بر وَأم شفيقة هما هُوَ (١٠) إِذْ لَا أم أَو لَا أَبَا ليا)
(كتابي جليسي لَا أَخَاف ملاله مُحدث صدق لَا يخَاف ملاليا)
(مُحدث أَخْبَار الْقُرُون الَّتِي مَضَت كَأَنِّي أرى تِلْكَ الْقُرُون الخواليا)
[ ٣ / ٥٦٣ ]
(فهم (١) جلسائي لَا بهائم رقع حمير سدى مَا يخطرون بباليا)
(كتابي بَحر لَا يغيض عطاؤه يفِيض عَليّ المَال إِن غاض (٢) ماليا)
«أ / ١٨٧) وتلفظ لي إفلاذ أكباد كنزه لجينا (٣) وعقيانا ودرا لآليا)
(أدل بعلمي أَن أذلّ لجَاهِل وَيعْقل عَقْلِي (٤) أَن يحل عقاليا)
(كتابي دَلِيل [لي] (٥) على خير غَايَة فَمن ثمَّ إدلالي وَمِنْه دلاليا)
(إِذا زِغْت عَن قصد السَّبِيل أقامني (٦)
وَإِن ضل ذهني ردني عَن ضلاليا)
(فَهَذَا خليلي لَا أَزَال خَلِيله وَخير خلالي أَن أَدِيم خلاليا)
فَائِدَة احْتج ابْن فَارس فِي كتاب مآخذ الْعلم على الْكِتَابَة بقوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه﴾ (٧) فَجعل كِتَابَة الدّين فِي أَجله وَكتبه من الْقسْط عِنْده وَجعل ذَلِك قيَاما للشَّهَادَة ونفيا للارتياب قَالَ وَأَعْلَى مَا يحْتَج بِهِ فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى (٨ ن والقلم) (٨) قَالَ الْحسن الدواة
[ ٣ / ٥٦٤ ]
والقلم - الْعلم (١)
وَاعْلَم أَنه لَا يَنْبَغِي الِاقْتِصَار على الْكِتَابَة حَتَّى لَا يصير لَهُ قُصُور وَلَا يحفظ شَيْئا وَهَذَا وَجه مَا رُوِيَ عَن ثَعْلَب أَنه قَالَ (٢) إِذا أردْت أَن تكون عَالما فاكسر الْقَلَم
٣٥٨ - (قَوْله) وَأول نَاس (٤ ٥) إِلَى آخِره
قد ذكر القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ فِي كتاب أدب الدُّنْيَا وَالدّين فصلا نَافِعًا فِي الْكِتَابَة يَنْبَغِي ذكره هُنَا لِكَثْرَة فَوَائده فَقَالَ يجب على من حفظ الْعلم بالخط أَمْرَانِ
أَحدهمَا يقوم الْحُرُوف على أشكالها الْمَوْضُوعَة لَهُ
وَالثَّانِي ضبط مَا اشْتبهَ مِنْهَا بالنقط والأشكال المميزة لَهَا ثمَّ مَا زَاد على هذَيْن
[ ٣ / ٥٦٥ ]
من تَحْسِين الْخط وملاحظة نظمه فَإِنَّمَا هُوَ زِيَادَة حذق لصنعته وَلَيْسَت بِشَرْط فِي صِحَّته وَيحل مَا زَاد على ذَلِك مَحل مَا زَاد على الْكَلَام الْمَفْهُوم من فصاحة الْأَلْفَاظ وَلذَلِك قَالَت الْعَرَب حسن الْخط إِحْدَى الفصاحتين
قَالَ وَمِنْهُم من يصرف الْعِنَايَة إِلَى هَذَا حَتَّى صَارَت صناعَة برأسها لَكِن [الْعلمَاء] (١) اطرحوه لم يقطعهم ذَلِك عَن التوفر على الْعلم وَلذَلِك تَجِد خطوط الْعلمَاء فِي الْأَغْلَب رَدِيئَة لَا تلحظ إِلَّا من أسعده الْقَضَاء
وَقَالَ الْفضل بن سهل (٢) من سَعَادَة الْمَرْء أَن يكون رَدِيء الْخط ليَكُون الزَّمَان الَّذِي يفنيه بِالْكِتَابَةِ يشْغلهُ بِالْحِفْظِ وَالنَّظَر وَلَيْسَت رداءة الْخط هِيَ السَّعَادَة وَإِنَّمَا السَّعَادَة أَلا يكون لَهُ صَارف عَن الْعلم
قَالَ وَقد تعرض لِلْخَطِّ مَوَانِع لفهم مَا تضمنه وَذَلِكَ من ثَمَانِيَة أوجه
أَحدهَا إِسْقَاط الفاظ من أثْنَاء الْكَلَام يصير الْبَاقِي مِنْهَا مبتورا (د / ١٠٥) لَا يعرف استخراجه وَلَا يفهم مَعْنَاهُ وَهَذَا إِمَّا من سَهْو الْكَاتِب أَو فَسَاد نَقله وَهَذَا يسهل استنباطه (أ / ١٨٨) بِأَن يسْتَدلّ بجواشي الْكَلَام وَمَا سلم مِنْهُ على مَا سقط أَو فسد لَا سِيمَا إِذا قل لِأَن الْكَلِمَة تستدعي ثَانِيهَا
[ ٣ / ٥٦٦ ]
وَالثَّانِي زِيَادَة الفاظ فِي أثْنَاء الْكَلَام يشكل مِنْهَا معرفَة الصَّحِيح غير الزَّائِد من معرفَة السقيم الزَّائِد فَيصير الْكل مُشكلا وَهَذَا لَا يكَاد يُوجد كثيرا إِلَّا أَن يقْصد الْكَاتِب تعمية كَلَامه فَيدْخل فِي أَثْنَائِهِ مَا يمْنَع من فهمه فَيصير رمزا يعرف بالمواضعة فَأَما وُقُوعه سَهوا فقد يكون بِالْكَلِمَةِ والكلمتين وَذَلِكَ لَا يمْنَع من فهمه على المرياض (١) وَغَيره
الثَّالِث إِسْقَاط حرف من الْكَلِمَة يمْنَع من استخراجها على الصِّحَّة ثمَّ قد يكون سَهوا فيقل وَقد يكون من ضعف الهجاء فيكثر
الرَّابِع زِيَادَة حرف فِي الْكَلِمَة ثمَّ قد يكون سَهوا فيقل وَلَا يمْنَع من اسْتِخْرَاج الصَّحِيح وَقد يكون لتعمية ومواضعة يقْصد بهَا الْكَاتِب إخفاء غَرَضه فيكثر كالتراجم وَهُوَ كالثاني
الْخَامِس وصل الْحُرُوف المفصولة وَفصل الموصولة مِمَّا يَدْعُو إِلَى الْإِشْكَال ثمَّ [هَذَا] (٢) قد يكون سَهوا فيقل ويسهل استخراجه إِلَّا على المرياض وَلذَلِك قَالَ عمر ابْن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ شَرّ الْكِتَابَة الْمشق (٣) كَمَا شَرّ الْقِرَاءَة الْهَذْرَمَةُ (٤)
السَّادِس تَغْيِير الْحُرُوف عَن أشكالها [الْمَوْضُوعَة لَهَا] (٥) وإبدالها بغَيْرهَا كالمعمي فَلَا يتَوَقَّف (٦) عَلَيْهِ إِلَّا بالتوقيف
[ ٣ / ٥٦٧ ]
السَّابِع ضعف الْخط عَن تَقْوِيم الْحُرُوف على أشكالها الصَّحِيحَة حَتَّى تتَمَيَّز عَن غَيرهَا حَتَّى تصير الْعين الموصولة كالفاء والمفصولة كالحاء وَهَذَا من رداءة الْخط وَضعف الْيَد واستخراجه مُمكن وَلذَلِك قيل الْخط الْحسن يزِيد الْحق وضوحا (١)
الثَّامِن إِسْقَاط النقط والأشكال الَّتِي تتَمَيَّز بهَا الْحُرُوف عَن أشكالها الصَّحِيحَة حَتَّى تتَمَيَّز عَن غَيرهَا وَهَذَا أمره سهل لِإِمْكَان استخراجه بل قد استقبح ذَلِك فِي المكاتبات وداؤه من نقص الْكَاتِب لَا سِيمَا مُكَاتبَة الرؤساء أما غير المكاتبات من الْعُلُوم فَلم يروه قبيحا بل استحسنوه وَلَا سِيمَا فِي كتب الْأَدَب الَّتِي يقْصد بهَا حفظ الْأَلْفَاظ وَكَيْفِيَّة مخارجها وكما افْتَرقَا فِي هَذَا يفترقان فِي أَن مشق الْخط فِي المكاتبات مستحسن (٢) وَإِن كَانَ فِي سَائِر الْعُلُوم مستقبحا وَسبب ذَلِك أَنهم لفرط إدلالهم بالصنعة يكتفون بِالْإِشَارَةِ ويقتصرون على التَّلْوِيح (٣) انْتهى
٣٦٠ - (قَوْله) أَو يحصلونه بِخَط الْغَيْر (١١ إِدْخَال الْألف وَاللَّام على غير (٤)
[ ٣ / ٥٦٨ ]
٣٦١ - (قَوْله) وَقد أحسن من قَالَ إِنَّمَا يشكل مَا يشكل ثمَّ قَالَ وَحكي عَن قوم أَنه يَنْبَغِي أَن يشكل مَا يشكل وَمَا لَا يشكل (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة (٤) الْجَمَاعَة يَرْوُونَهُ بِرَفْع صَدَقَة
[ ٣ / ٥٦٩ ]
(أ / ١٨٩) على أَنه خَبرا لمبتدأ لِأَن الْأَنْبِيَاء ﵈ لَا تورث والإمامية يَرْوُونَهُ بِالنّصب على التَّمْيِيز لما تَرَكُوهُ صَدَقَة وَلَو كَانَ كَمَا قَالُوا لم يكن فرق بَينهم وَبَين غَيرهم وَلم يكن لتخصيص الْأَنْبِيَاء ﵈ فَائِدَة وَأَيْضًا مَا للنصب وَجه غير مَا ذَكرُوهُ وَهُوَ الحالية كَمَا قَالَه النّحاس
وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الحَدِيث هُوَ لَك عبد بن زَمعَة (١) رِوَايَة الْجَمَاعَة رفع عبد على النداء أَو إتباع ابْن لَهُ على وَجْهَيْن فِي نعت المنادى الْمُفْرد من الضَّم وَالْفَتْح وَبَعض الْحَنَفِيَّة يرويهِ بتنوين عبد على الِابْتِدَاء أَي هُوَ لَك عبد وَيرْفَع ابْن على النداء الْمُضَاف (٣)
[ ٣ / ٥٧٠ ]
وترده رِوَايَة هُوَ لَك يَا عبد (١) بالتصريح بِحرف النداء
٣٦٢ - (قَوْله) يَنْبَغِي أَن يكثر اعتناؤه بأسماء النَّاس (٣ ٤ ٥)
[ ٣ / ٥٧١ ]
قَالَ صَاحب الاقتراح تبعا للْقَاضِي فِي الإلماع من عَادَة المتقنين أَن يبالغوا فِي إِيضَاح الْمُشكل فيفرقوا حُرُوف الْكَلِمَة فِي الْحَاشِيَة ويضبطوها حرفا حرفا حَتَّى لَا يبْقى (١) بعده إِشْكَال (٢)
٣٦٤ - (قَوْله) الثَّالِث يكره الْخط الدَّقِيق من غير عذر انْتهى (٥ ٦ ٧)
بِفتْحَتَيْنِ مَا يخلف من بعد يُشِير إِلَى أَن داعيته الْحِرْص على مَا عِنْده من الكاغد إِذْ لَو كَانَ يعلم أَنه مستخلف لوسع (٤)
٣٦٦ - (قَوْله) دون الْمشق (٩ الْمشق فِي اللُّغَة الخفة يُقَال مشقه بِالرُّمْحِ ومشق الرَّغِيف إِذا أكله أكلا
[ ٣ / ٥٧٢ ]
خَفِيفا قَالَ النّحاس فِي صناعَة الْكتاب معنى مشق الْكَاتِب خفف يَده واستثني من ذَلِك السِّين والشين فَيحسن (١) فِيهَا الْمشق إِلَّا فِي أَوَاخِر الْكَلم نَحْو النَّاس والبأس قَالَ وَهَذَا اخْتِيَار مُحدث فاما رُؤَسَاء الْكتاب الْمُتَقَدِّمين فَكَانُوا (٢) يكْرهُونَ الْمشق كُله وإرسال الْيَد مِنْهُ وَيَقُول بَعضهم هُوَ للمبتدئ مُفسد (٣) وللمنتهي دَال على تهاونه بِمَا يكْتب وَقَالَ النّحاس فِي صناعَة الْكتاب يُقَال لمن حسن كِتَابَته زينها وحبرها ونمقها (٤) وذهبها وريشها (٥) فَإِن أفسد كِتَابَته قيل سرحها (٦) وهلهلها (٧) [ولهلهها] (٨) فَإِن لم يبين كتَابَتهَا قيل دحمسها (٩) فَإِن (١٠)
[ ٣ / ٥٧٣ ]
جمع الْحُرُوف وقارب السطور بَعْضهَا من بعض قيل قرمطها (١) (٢) (٣)
٣٦٧ - (قَوْله) فَيجْعَل النقط الَّذِي فَوق المعجمات (٣ ٤ ٥)
[ ٣ / ٥٧٤ ]
هِيَ بتَشْديد الثَّاء وَقد تخفف جمع أثفية وَهِي الْحِجَارَة الَّتِي تنصب وَيجْعَل الْقدر عَلَيْهَا والهمزة فِيهَا زَائِدَة كَذَا قَالَه صَاحب نِهَايَة الْغَرِيب (١) وَكَلَام الْجَوْهَرِي يَقْتَضِي أَنَّهَا أصيلة (٢)
٣٦٩ - (قَوْله) الثَّامِن يكره لَهُ فِي مثل عبد الله بن فلَان (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ الْمُحَافظَة على كتبه الصَّلَاة والستليم على
[ ٣ / ٥٧٥ ]
رَسُول الله ﷺ عِنْد ذكره (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ الْكتاب (٣) وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ
[ ٣ / ٥٧٦ ]
﵁ لَو لم يكن لصَاحب الحَدِيث فَائِدَة إِلَّا الصَّلَاة على رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ يُصَلِّي [عَلَيْهِ] (١) مَا دَامَ فِي ذَلِك الْكتاب ثمَّ حكى منامات بالبشارات عَن مُحَمَّد بن أبي سُلَيْمَان (٢)
[ ٣ / ٥٧٧ ]
وَعَن عبيد الله الْفَزارِيّ (١) (٢) وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعَن عبد الله بن عبد الحكم لما رأى الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْمَنَام وَقد جَاءَ بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن ابْن شهَاب عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يرفعهُ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جَاءَ أَصْحَاب الحَدِيث وبأيديهم المحابر فَيُرْسل الله ﷿ إِلَيْهِم جِبْرِيل ﵇ فيسألهم من أَنْتُم - وَهُوَ أعلم - فَيَقُولُونَ أَصْحَاب الحَدِيث فَيَقُول الرب ﷻ وَعلا ادخُلُوا الْجنَّة فطالما كُنْتُم تصلونَ على نبيي فِي دَار الدُّنْيَا ﷺ (٣)
[ ٣ / ٥٧٨ ]
وَهَذَا يعم صلَاتهم بلسانهم وبنانهم (١)
٣٧١ - (قَوْله) وَهَكَذَا الْأَمر فِي الثَّنَاء على الله ﷾ (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ وَالرِّوَايَات وَقَالَ إِذا ذكر الصَّلَاة [لفظا من غير أَن يكون فِي
[ ٣ / ٥٧٩ ]
الأَصْل] (١) فَيَنْبَغِي أَن يصحبها قرينَة تدل على ذَلِك من كَونه يرفع رَأسه عَن النّظر فِي الْكتاب وَيَنْوِي بِقَلْبِه أَنه هُوَ الْمُصَلِّي لَا حاكيا عَن غَيره (١)
٣٧٣ - (قَوْله) الْعَاشِر (٢) على الطَّالِب مُقَابلَة كِتَابه بِأَصْل سَمَاعه (٤ ٥ ٦ الْمهرِي (٥)
[ ٣ / ٥٨٠ ]
عَن عقيل (١) حَدثنِي سعيد بن سُلَيْمَان (٢) (٣) عَن أَبِيه سُلَيْمَان بن زيد (٤) عَن جده زيد ابْن ثَابت رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كنت أكتب الْوَحْي عِنْد رَسُول الله ﷺ فأكتب وَهُوَ يملي (٥) عَليّ فَإِذا فرغت قَالَ اقرأه [فأقرؤه] (٦) فَإِن كَانَ فِيهِ سقط أَقَامَهُ ثمَّ أخرج بِهِ إِلَى النَّاس (٧)
وَالثَّانِي ذكره ابْن السَّمْعَانِيّ فِي أدب الاستملاء من حَدِيث عَطاء بن يسَار
[ ٣ / ٥٨١ ]
قَالَ كتب رجل عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ كتبت قَالَ نعم قَالَ عرضت قَالَ لَا قَالَ لم تكتبه (١) حَتَّى تعرضه فَيصح (٢) وَهَذَا مُرْسل
قَالَ النّحاس فِي صناعَة الْكتاب (١ / ١٩١) وَيُقَال قَابل بِالْكتاب قبالا ومقابلة أَي جعله قبالته وَجعل فِيهِ كلما فِي الآخر وَمِنْه منَازِل الْقَوْم تتقابل أَي يُقَابل بَعْضهَا بَعْضًا (٣) [وَهُوَ بِمَعْنى الْمُعَارضَة يُقَال عارضت بِالْكتاب الْكتاب] (٤)
أَي جعلت مَا فِي آخرهَا مثل مَا فِي الآخر مَأْخُوذ من عارضته (٥) بِالثَّوْبِ إِذا أَعْطيته وَأخذت غَيره
٣٧٤ - (قَوْله) عَن الشَّافِعِي وَيحيى بن أبي كثير من كتب وَلم يُعَارض كمن دخل الْخَلَاء وَلم يسْتَنْج (٨
هَذَا أسْندهُ القَاضِي عِيَاض فِي الإلماع عَن الْأَوْزَاعِيّ وَيحيى بن أبي كثير فَلْينْظر (٦)
[ ٣ / ٥٨٢ ]
٣٧٥ - (قَوْله) ثمَّ أفضل الْمُعَارضَة أَن يُعَارضهُ مَعَ الشَّيْخ حَال تحديثه إِيَّاه (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ عِنْد نظره فمقابلته مَعَ الْغَيْر أولى أَو
[ ٣ / ٥٨٣ ]
أوجب (١) (٢)
٣٧٧ - (قَوْله) وَقد رُوِيَ عَن يحيى بن معِين أَنه سُئِلَ عَمَّن [لم] (٣) ينظر فِي الْكتاب (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ترك النّظر إِذا كَانَ من تقدم مقابلها
[ ٣ / ٥٨٤ ]
بِأَصْل الرَّاوِي (١)
٣٧٨ - (قَوْله) وَكَذَلِكَ إِذا قَابل بِأَصْل أصل الشَّيْخ الْمُقَابل بِهِ أصل الشَّيْخ (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩
٣٧٩ - (قَوْله) وَلَا بُد من شَرط ثَالِث وَهُوَ أَن يكون ناقل النُّسْخَة من
[ ٣ / ٥٨٥ ]
الأَصْل غير سقيم النَّقْل (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ جعله اسْما لَا ظرفا
[ ٣ / ٥٨٦ ]
وَهُوَ كَرِوَايَة بَعضهم وفوقه عرش الرَّحْمَن ٣٨٢ - (قَوْله) أما التضبيب وَيُسمى التمريض (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ جدا (٥) وَهَذَا الَّذِي قَالَه المُصَنّف بلاغا عَنهُ ذكره
[ ٣ / ٥٨٧ ]
الْحَافِظ أَبُو الْحسن عَليّ بن فَاضل بن صمدون الصُّورِي (١) فِي جُزْء جمعه فَقَالَ كتب إِلَيّ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد لله بن مَيْمُون الْقُرْطُبِيّ (٢) أَن أَبَا مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقُرْطُبِيّ (٣) أنباهم قَالَ أجَاز لنا أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن زِيَادَة (٤) التَّمِيمِي الطبني (٥) أنبأهم سَمِعت أَبَا الْقَاسِم إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الزُّهْرِيّ الإفليلي يَقُول كَانَ شُيُوخنَا يتعالمون أَن الْحَرْف إِذا كتب عَلَيْهِ صَحَّ بصاد وحاء أَن ذَلِك عَلامَة لصِحَّة الْحَرْف لِئَلَّا يتَوَهَّم عَلَيْهِ خلل وَلَا نقص فَوضع حرف كَامِل على حرف صَحِيح وَإِذا كَانَ عَلَيْهِ صَاد ممدودة دون حاء كَانَ عَلامَة بِأَن الْحَرْف سقيم إِذا (٦) وضع عَلَيْهِ حرف غير تَامّ ليدل نقص الْحُرُوف (٧) على اختلال (٨)
[ ٣ / ٥٨٨ ]
الْحَرْف ويمسي ذَلِك الْحَرْف ضبة أَي أَن الْحَرْف مقفل (١) لَا يتَّجه لقِرَاءَة كَمَا أَن الضبة ينقفل (٢) بهَا (٣) انْتهى
٣٨٤ - (قَوْله) فِي الضَّرْب إِنَّه خير من الحك والمحو (٣ ٤ ٥ ٦ ابْن الْعَرَبِيّ وَهَكَذَا أَخْبرنِي (٦) أَصْحَاب الشَّيْخ الْفَقِيه أبي إِسْحَاق
[ ٣ / ٥٨٩ ]
الشِّيرَازِيّ أَن بنانه كَأَنَّهَا أمْطرت مدادا وَجَاء عَن ابْن الْمسيب بن وَاضح (١) قَالَ سَمِعت ابْن الْمُبَارك يَقُول (أ / ١٩٣) إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وزن حبر الْعلمَاء وَدم الشُّهَدَاء فرجح حبر الْعلمَاء على دم الشُّهَدَاء (٢) (٣) وَحكى الْمَاوَرْدِيّ فِي الْأَدَب أَن عبيد الله بن سُلَيْمَان (٤) رأى على ثوبة أثر صفرَة فَأخذ من مداد الدواة وطلى [بِهِ] (٥) ثمَّ قَالَ المداد أحسن من الزَّعْفَرَان وَأنْشد
(إِنَّمَا الزَّعْفَرَان عطر العذارى ومداد الدوى عطر الرِّجَال)
[ ٣ / ٥٩٠ ]
وللأديب أبي الْحسن الفنجكردي (١) (٢)
(مداد الْفَقِيه على ثَوْبه أحب إِلَيْنَا من الغالية)
(وَمن طلب الْفِقْه ثمَّ الحَدِيث فَإِن لَهُ همة عالية)
(وَلَو يَشْتَرِي النَّاس هَذِه (٣ ٤ ٥ ٦ بِالسَّوَادِ
[ ٣ / ٥٩١ ]
ثمَّ بالحبر خَاصَّة دون المداد لِأَن السوَاد اصبغ الألوان والحبر أبقاها على ممر الدهور (١) والأزمان (٢) قَالَ وَقد سَأَلَ رجل أَبَا عبيد (٣) أَن يكْتب كتاب الْأَمْوَال تصنيفه بِمَاء الذَّهَب فَقَالَ [اكتبه] (٤) بالحبر فَإِنَّهُ أبقى (٥) وَقَالَ الْحسن بن سهل (٦) إِنَّمَا سمي الحبر حبرًا لِأَن البليغ إِذا حبر الفاظه ونمنم (٧) بَيَانه أحضرك (٨) من مَعَاني الحكم آنق (٩) من حبرات الْبَز (١٠) ومفوفات الوشي (١١)
[ ٣ / ٥٩٢ ]
(١)
وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى من حضر مجْلِس الْعلم بِلَا محبرة (٢) كَانَ كمن حضر الطاحونة بِلَا طَعَام (٣) قَالَ وَأما الْقَلَم (٤) فَلَا يَنْبَغِي أَن يكون قلم صَاحب الحَدِيث أَصمّ صلبا فَإِن هَذِه الصّفة تمنع سرعَة الجري وَلَا يكون رخوا فيسرع إِلَيْهِ الحفا (٥) يتَّخذ أملس (٦) الْعود مزال الْعُقُود وَتوسع فَتحته وتطال جلفته (٧) وتحرف قطته (٨) (٩)
وَذكر الْغَزالِيّ فِي كِتَابه نصيحة الْمُلُوك تكون براية الْقَلَم على شكل منقار
[ ٣ / ٥٩٣ ]
الكركي (١) محرفا من الْجَانِب الْأَيْمن (٢)
وَحكى صَاحب تَارِيخ أريل أَنه حضر بعض مشايخه وَمَعَهُ قلم فِي آخِره عقدَة فَقَالَ احذفها من الْقَلَم فقد قيل إِنَّه يُورث الْفقر قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ وَيَنْبَغِي أَلا يسْتَعْمل سكين الأقلام إِلَّا فِي بريها وَتَكون رقيقَة الشَّفْرَة (٣) مَاضِيَة الْحَد صَافِيَة الْحَدِيد (٤) (٥) وَقد أهْدى الْحسن بن وهب (٦) سكينا وَكتب مَعهَا
قد أهديت لَك سكينا أَمْلَح من الْوَصْل (٧) وأقطع من الْبَين (٨) (٩) وَيَنْبَغِي أَن يكون الحبر براقا جَارِيا والقرطاس نقيا صافيا (١٠)
[ ٣ / ٥٩٤ ]
٣٨٦ - (قَوْله) وَرُبمَا اقْتصر على الضَّمِير مِنْهَا وَهُوَ النُّون وَالْألف (٢) بَينهمَا (١)
٣٨٧ - (قَوْله) وَإِذا كَانَ للْحَدِيث إسنادان فَإِنَّهُم يَكْتُبُونَ عِنْد الِانْتِقَال من إِسْنَاد إِلَى آخر مَا صورته ~ إِلَى آخِره
وجدت بِخَط بعض الْفُضَلَاء عَن شَيْخه الْحَافِظ شرف الدّين الدمياطي أَنه قَالَ لَفْظَة (ح) يستعملها المحدثون عِنْد فرَاغ السَّنَد والشروع فِي سَنَد آخر ويعنون بهَا التَّحْوِيل (٢) من سَنَد إِلَى سَنَد ويريدون حاجز (د / ١٠٨) قَالَ وَقد قَرَأَ على بعض الْحفاظ المغاربة فَصَارَ كلما وصل إِلَى (ح) قَالَ حاجز هَذَا فِي (ح) مُهْملَة وَقَالَ (أ / ١٩٤) إِن بعض الْمُحدثين يستعمها بِالْخَاءِ المنقوطة يُرِيد بهَا أخبر أَو خبر قَالَ الدمياطي وَأول من تكلم فِي هَذَا الْحَرْف فِيمَا علمت ابْن الصّلاح
٣٨٨ - (قَوْله) روينَا أَن رجلا أدعى على رجل بِالْكُوفَةِ سَمَاعا مَنعه إِيَّاه فتحاكما إِلَى قاضيها إِلَى قَوْله لِأَن خطّ صَاحب الْكتاب دَال على رِضَاهُ
[ ٣ / ٥٩٥ ]
باستماع صَاحبه مَعَه (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨) إِلَى آخِره
[ ٣ / ٥٩٦ ]
قلت وَذكر الْحَافِظ محب الدّين بن النجار (١) فِي ذيل التَّارِيخ بِسَنَدِهِ إِلَى الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الله بن عُثْمَان بن عمر بن عبد الرَّحِيم بن إِبْرَاهِيم بن الواثق بِاللَّه بن المعتصم بِاللَّه بن الرشيد بن الْمُهْتَدي بن الْمَنْصُور قَالَ سَمِعت جدي (٢) يَقُول قدم إِلَى إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي (٣) رجلَانِ فَادّعى أَحدهمَا على الاخر سمعا لَهُ فِي كتاب وَأَنه يلتمسه مِنْهُ ليكتبه فيمنعه عَنهُ فَسَأَلَ القَاضِي الْمُدعى عَلَيْهِ فاعترف بِسَمَاعِهِ وَامْتنع من إِخْرَاج الْكتاب إِلَيْهِ فَقَالَ إِسْمَاعِيل القَاضِي إِن كَانَ سَمَاعه فِي كتابك بِخَطِّهِ فَأَنت بِالْخِيَارِ فِي دَفعه وَمنعه وَإِن كَانَ سَمَاعه فِي كتابك بخطك فَعَلَيْك أَن تخرجه إِلَيْهِ فَقَالَ إِنَّه يُعَذِّبنِي فِي كتبي إِذا دفعتها إِلَيْهِ فَقَالَ أخرج إِلَيْهِ مَا لزمك بالحكم وَقَالَ للْآخر إِذا أعارك أَخُوك كتبه لتنسخها فَلَا تعذبه فَإنَّك تطرق على نَفسك مَنعك مِمَّا تسْتَحقّ فرضيا بذلك وطابا (٤)
[ ٣ / ٥٩٧ ]
قلت وَهَذِه الرِّوَايَة تخَالف مَا حَكَاهُ المُصَنّف من جِهَة أَن قَول المُصَنّف بِخَط غَيره يَشْمَل صُورَتَيْنِ مَا إِذا كَانَ السماع بِخَط الْمُدَّعِي وبخط غَيرهمَا والمدرك فيهمَا مُخْتَلف وَيَنْبَغِي إِلْحَاق مَا إِذا كَانَ بِخَط غَيرهمَا بِمَا (١) إِذا كَانَ بِخَط صَاحب الْكتاب فَإِن سَماع الطَّالِب مَتى كَانَ بِخَطِّهِ أمكنة اعْتِقَاد التُّهْمَة فَلَا يظْهر (٢) اسْتِحْقَاقهَا لما يَدعِيهِ من ذَلِك بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ بِخَط [غَيرهمَا (٣) لانْتِفَاء التُّهْمَة إِذْ ذَاك وَيَنْبَغِي أَيْضا أَن يفصل فِيمَا إِذا كَانَ السماع بِخَط] (٤) غَيرهمَا بَين خطّ (٥) الثِّقَة وَخط غَيره فَيلْزم الْإِعْطَاء فِي الأول دون الثَّانِي كَمَا إِذا كَانَ السماع بِخَط صَاحب الْكتاب لظُهُور الِاسْتِحْقَاق
٣٩٠ - (قَوْله) وَقد كَانَ لَا يتَبَيَّن لي وَجهه ثمَّ وَجهه (٩ ذَلِك من الْمصَالح الْعَامَّة الْمُحْتَاج إِلَيْهَا مَعَ وجود علقَة
[ ٣ / ٥٩٨ ]
بَينهمَا تَقْتَضِي إِلْزَامه بإسعافه فِي مقْصده أَصله إِعَارَة الْجِدَار لوضع جُذُوع الْجَار (أ / ١٩٥) بالعارية مَعَ دوَام الْجُذُوع فِي الْغَالِب فَلِأَن يلْزم صَاحب الْكتاب مَعَ عدم دوَام الْعَارِية أولى (١) وَقد ذكر ابْن الصّلاح فِي النَّوْع الثَّامِن وَالْعِشْرين التَّرْغِيب فِي الْعَارِية والتحذير من منعهَا (٢)
٣٩١ - (قَوْله) ثمَّ إِذا نسخ الْكتاب فَلَا ينْقل سَمَاعه إِلَّا بعد مُقَابلَته (٦ بلغ فِي الْمجْلس الأول أَو الثَّانِي هَكَذَا
[ ٣ / ٥٩٩ ]
النَّوْع السَّادِس [و] (١) الْعشْرُونَ
٣٩٢ - (قَوْله) ذكر عَن يحيى بن حسان إِلَى آخِره (٣ ٤ ٥ عَنهُ عدل فَهُوَ جيد وَإِلَّا كَانَ غير عدل فالبلاء مِمَّن أَخذه (٣) عَنهُ (٤)
[ ٣ / ٦٠٠ ]
٣٩٣ - (قَوْله) وَمثل هَذَا وَقع فِي شُيُوخ زَمَاننَا (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ غير أَنه لَا يحفظ مَا تَضَمَّنت قَالَ الْخَطِيب فَمن احتاط (٢) فِي حفظه
[ ٣ / ٦٠١ ]
وَسلم من أَن يدْخل عَلَيْهِ غير سَمَاعه جَازَت رِوَايَته (١)
٣٩٥ - (قَوْله) ثمَّ وجدت الْخَطِيب قد حكى مصداق ذَلِك (٣ ٤ ٥)
[ ٣ / ٦٠٢ ]
أَي بِشَرْط أَن يكون مَحْفُوظًا عِنْده (١) وَسَوَاء فِي هَذَا مَا اخْتلف مَعْنَاهُ أَو (٢) لم يخْتَلف وَاخْتلف اللَّفْظ
وَقد روى همام حَدِيث أَن النَّبِي ﷺ اشْترى حلَّة بِسبع وَعشْرين نَاقَة وَقَالَ هَكَذَا فِي حفظي (أ / ١٩٦) وَفِي كتابي ثوبا (٣) (٤) وَاحْترز المُصَنّف بقوله أَولا الْحَافِظ عَمَّن لم يحفظ وَإِن كَانَ نسي الْحِفْظ فَلَا يعْتَمد إِلَّا اصل كِتَابه الموثوق بِهِ
٣٩٧ - (قَوْله) هَكَذَا فعل شُعْبَة (٦ ٧ ٨) إِلَى آخِره
[ ٣ / ٦٠٣ ]
أعلم أَن الرَّاوِي إِمَّا أَن يتَذَكَّر الْمَرْوِيّ بِنَفسِهِ سَمَاعا وَقِرَاءَة وَلَا إِشْكَال فِي جَوَازه وَرِوَايَته (١) كَمَا قَالَه أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ فِي الْمُعْتَمد وَإِمَّا أَن يظنّ أَنه سمع مَا فِي الْكتاب أَو يجوز سَمَاعه ونفيه على السوَاء فَلَيْسَ لَهُ التحديث (٢) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَن يخبر بِمَا يُعلمهُ أَنه كَاذِب فِي كِتَابه أَي إِمَّا بِخَطِّهِ أَو بِخَط شَيْخه أَو خطّ موثوق بِهِ قَالَ أَبُو الْحُسَيْن فَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون مَوضِع الْخلاف (٣) وَقد حكى المُصَنّف فِيهِ مذهبين
أَحدهمَا الْمَنْع وَنسبه لأبي حنيفَة وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَكَأَنَّهُ يُرِيد بِهِ الصيدلاني وَقد سبق مِنْهُ فِي أول الْبَاب حكايته عَنهُ وَعَن مَالك أَيْضا (٥) وَقَالَ الْخَطِيب سَأَلت القَاضِي أَبَا الطّيب الطَّبَرِيّ عَمَّن وجد سَمَاعه فِي كِتَابه من شيخ قد سمي وَنسب فِي الْكتاب غير أَنه لَا يعرفهُ فَقَالَ لَا يجوز لَهُ رِوَايَة ذَلِك الْكتاب (٦)
وَبَلغنِي عَن الشَّيْخ زين الدّين الكشاني (٧) من الْمُتَأَخِّرين أَنه اخْتَارَهُ وَكَانَ يَقُول أَنا لَا يحل لي أَن أروي إِلَّا حَدِيث
(أَنا النَّبِي لَا كذب أَنا ابْن عبد الْمطلب)
[ ٣ / ٦٠٤ ]
لِأَنِّي من حِين سمعته لم أنسه (١)
وَالثَّانِي الْجَوَاز وَقَالَ إِنَّه مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى أَي الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابه وَنَقله أَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد صَاحِبي أبي حنيفَة (٢) وَإِن كَانُوا لَا يعتمدون الْخط فِي الشَّهَادَة لِأَن بَاب الرِّوَايَة أوسع لَكِن شَرط أَن يكون الْخط مَحْفُوظًا عِنْده كَمَا سَيَأْتِي وَنقل القَاضِي حُسَيْن (٢) فِي فَتَاوِيهِ عَن الْمُحدثين الْجَوَاز ثمَّ قَالَ وَلَا يجوز من طَرِيق الْفِقْه مَا لم يذكر سَمَاعه قَالَ وَعَكسه لَو تحقق وَعلم سَماع ذَلِك الْخَبَر لَكِن اسْمه غير مَكْتُوب عَلَيْهِ لم يجوز المحدثون رِوَايَته وَيجوز من طَرِيق الْفِقْه كَالشَّهَادَةِ
وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي شرح العنوان (٤) إِن الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ عمل الْمُحدثين جَوَاز ذَلِك إِذْ لم تظهر مِنْهُ قرينَة التَّعْبِير لَكِن الضَّرُورَة دعت إِلَى ذَلِك بِسَبَب (٥) انتشار الْأَحَادِيث وَالرِّوَايَة انتشارا يتَعَذَّر مَعَ (١٠ ١١ ١٢ درءا
[ ٣ / ٦٠٥ ]
لأعظم المفسدتين ثمَّ مِنْهُم من يتحَرَّى بِزِيَادَة شَرط آخر وَهُوَ أَلا يخرج الْكتاب عَن يَده بعارية أَو غَيرهَا وَهُوَ احْتِيَاط حسن وَقد كَانَ المتقدمون إِذا كتبُوا أَحَادِيث بِالْإِجَازَةِ إِلَى غَائِب عَنْهُم يختمونه بالخاتم إِمَّا كلهم أَو بَعضهم (أ / ١٦٧)
٣٩٩ - (قَوْله) لَكِن هَذَا لَهُ شَرط وَهُوَ أَن يكون السماع بِخَطِّهِ أَو بِخَط من يَثِق بِهِ (٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١) وَإِن لم يكن فِيهِ سَماع غَيره فنيظر فَإِن كَانَ الْكتاب كَبِيرا بِحَيْثُ لَا يُمكن قِرَاءَته فِي مجْلِس اعْتبر فِيهِ مَوَاضِع البلاغات وشق الدارات والتصحيح والإلحاقات لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل قِرَاءَته فِي مجْلِس وَاحِد وَأَن يسلم مَعَ كبره من الْغَلَط والتصحيف والإسقاط وَإِن كَانَ صَغِيرا بِحَيْثُ يُمكن قِرَاءَته فِي
[ ٣ / ٦٠٦ ]
مجْلِس وَاحِد اعْتبر بِهِ (١) أَيْضا الدَّلَائِل الْمَذْكُورَة لِأَن الْفُرُوع وَإِن صحت ولطفت لَا بُد لَهَا أَن تعجز عَن الْأُصُول وَلَو بِحرف أَو إِعْرَاب قَالَ فَإِن كَانَ الرَّاوِي مَشْهُورا (٢) بكتب الحَدِيث والرحلة إِلَى الْمَشَايِخ وَكَانَ حَافِظًا أَخذ عَنهُ مَا أوردهُ من حفظه لاشتهاره بذلك وَكَذَا مَا يحدث بِهِ من أصل إِذا كَانَ ذَلِك تَعْلِيق حديثين أَو ثَلَاثَة وَكَانَ بِخَطِّهِ بعد أَن يَقُول علقته عَن الشَّيْخ
الثَّالِث قَضيته أَنه لَو تحقق سَمَاعه وَلم يُوجد بِخَطِّهِ وَلَا خطّ غَيره أَنه لَا يرويهِ وَقد سبق عَن القَاضِي حُسَيْن نَقله عَن الْمُحدثين وَأَن مُقْتَضى الْفِقْه الْجَوَاز وَقَالَ الفرغاني الدّيانَة لَا توجب رِوَايَته وَالْعقل لَا يُجِيز إذاعته لِأَنَّهُ فِي صُورَة كَذَّاب وَإِن كَانَ صَادِقا فِي نفس الْأَمر قَالَ وللراوي أَن يقلده فِيهِ إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَعلم حفظه لما فِيهِ إِلَّا انه يجوز لَهُ أَن يكْتب سَمَاعه على كِتَابه لِئَلَّا يُوهم الْجَزْم بِصِحَّتِهِ
٤٠٠ - (قَوْله) وَهَذَا إِذا لم يتشكك وَإِلَّا لم يجز (١١ ١٢ ١٣ ١٤ متذكر وَلَكِن أَصله نَاس (٥)
[ ٣ / ٦٠٧ ]
٤٠١ - (قَوْله) الْخَامِس إِذا أَرَادَ رِوَايَة (١) مَا سَمعه على مَعْنَاهُ دون لَفظه (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ وَإِنَّمَا نقل إِلَيْنَا (أ / ١٩٨) ذَلِك (٧)
[ ٣ / ٦٠٨ ]
بِالْمَعْنَى (١)
وَفِي الْمَسْأَلَة حَدِيث أخرجه ابْن مَنْدَه فِي معرفَة الصَّحَابَة من جِهَة مُحَمَّد بن عبد الله بن إِسْحَاق بن سُلَيْمَان بن أكيمَة اللَّيْثِيّ (٢) عَن أَبِيه عَن جده أَنه قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِنِّي أسمع مِنْك الحَدِيث لَا أَسْتَطِيع أَن أرويه كَمَا أسمع مِنْك (د / ١١٠) يزِيد حرفا فَقَالَ ﷺ إِذا لم تحلوا حَرَامًا وَلَا تحرموا حَلَالا وأصبتم الْمَعْنى فَلَا بَأْس (٣) قَالَ فَذكر ذَلِك لِلْحسنِ بن أبي الْحسن
[ ٣ / ٦٠٩ ]
فَقَالَ لَوْلَا هَذَا (١) مَا حَدثنَا وَقَالَ ابْنه (٢) فِي كتاب الْوَصِيَّة حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق أخرجه أَبُو بكر بن مرْدَوَيْه فِي كتاب الْعلم وَحَدِيث إِسْحَاق بن يَعْقُوب ابْن عبد الله بن أكيمَة عَن أَبِيه عَن جده بِهِ أخرجه إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن دَاوُد الْمُسْتَمْلِي الْبَلْخِي (٤) فِي كِتَابه وَقد نَقله (٥) النَّاس للْإيمَان بِهِ والاستعمال وَتَركه بَعضهم لاخْتِلَاف الْإِسْنَاد والألفاظ وَأما الجوزقاني فَذكره فِي الموضوعات وَقَالَ إِنَّه حَدِيث بَاطِل وَفِيه اضْطِرَاب (٦)
وَقد فَاتَ المُصَنّف حِكَايَة مَذَاهِب
أَحدهَا أَنه يجوز للصحابي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ دون غَيره حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ
وَالثَّانِي يجوز للصحابي والتابعي دون غَيرهمَا وَبِه جزم حفيد القَاضِي أبي بكر (٧) فِي كتاب أدب الرِّوَايَة قَالَ وَلَيْسَ ذَلِك لمن بعدهمْ فَإِن الحَدِيث إِذا قَيده الْإِسْنَاد وَجب أَلا يخْتَلف لَفظه فيدخله الْكَذِب والحفيد هَذَا كَانَ معاصرا للخطيب
[ ٣ / ٦١٠ ]
وَالثَّالِث إِن كَانَ يحفظ اللَّفْظ لم يجز أَن يرويهِ بِغَيْرِهِ (٢ ٣ ٤ ٥ ٦) إِلَى آخِره
ذكر ابْن دَقِيق الْعِيد كَلَام المُصَنّف هَذَا ثمَّ قَالَ وَهَذَا فِيهِ ضعف وَأَقل مَا فِيهِ أَنه يَقْتَضِي تَجْوِيز هَذَا فِيمَا ينْقل من المصنفات إِلَى أجزائنا وتخاريجنا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِير التصنيف الْمُتَقَدّم قَالَ وَلَيْسَ هَذَا جَارِيا على الِاصْطِلَاح على أَن تغير (٣)
[ ٣ / ٦١١ ]
الْأَلْفَاظ بعد الِانْتِهَاء إِلَى الْكتب المصنفة سَوَاء رويناها فِيهَا أَو نقلناها مِنْهَا
٤٠٣ - (قَوْله) (١) السَّابِع هَل يجوز اخْتِصَار الحَدِيث (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ تحري البُخَارِيّ (وَهُوَ تحري
[ ٣ / ٦١٢ ]
مُسلم (١) وَيُؤَيِّدهُ قَوْله بعده وعَلى هَذَا كَافَّة النَّاس ومذاهب الْأَئِمَّة وَعَلِيهِ صنف المصنفون كتبهمْ فِي الحَدِيث على الْأَبْوَاب وفصلوا الحَدِيث عَلَيْهَا (٢) وَأحسن (أ / ١٩٩) ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصره حَيْثُ قَالَ حذف بعض الْخَبَر جَائِز عِنْد الْأَكْثَرين (٣) إِلَّا فِي الْغَايَة وَالِاسْتِثْنَاء وَنَحْوه (٤)
وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك صَاحب الْمُسْتَصْفى فَقَالَ رِوَايَة بعض (٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ (٦)
[ ٣ / ٦١٣ ]
الثَّانِي مَا نَقله عَن الْخَطِيب وَغَيره ذكره (١) فِي الْمُسْتَصْفى فَإِنَّهُ شَرط للْجُوَاز أَن يرويهِ مرّة بعد أُخْرَى بِتَمَامِهِ ثمَّ قَالَ [أما] (٢) إِذا روى الحَدِيث مرّة تَاما وَمرَّة نَاقِصا نُقْصَانا لَا يضر فَجَائِز بِشَرْط أَلا يتَطَرَّق إِلَيْهِ سوء الظَّن بالتهمة فَإِن علم أَنه مُتَّهم باضطراب النَّقْل وَجب الِاحْتِرَاز عَنهُ (٣)
الثَّالِث قد احْتج عبد الْغَنِيّ بن سعيد فِي كِتَابه أدب الْمُحدث على الْجَوَاز بِحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ قَامَ لَيْلَة بِآيَة يُرَدِّدهَا حَتَّى أصبح (٤) قَالَ فَإِذا كَانَ سيد النَّاس قد فعل هَذَا فِي سيد الحَدِيث وَهُوَ الْقُرْآن ففصل بعضه من بعض - كَانَ غَيره بذلك أولى وَفِي حَدِيث عبد الله بن السَّائِب أَن النَّبِي ﷺ صلى صَلَاة ابتدأها بِسُورَة حَتَّى بلغ ذكر مُوسَى أَو عِيسَى أَخَذته سعلة فَرَكَعَ (٥) وَفِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا
[ ٣ / ٦١٤ ]
نظر لِأَن عِلّة الْمَنْع فِي مَسْأَلَتنَا الإلباس (١) بِحَذْف الْبَاقِي وَهَذَا مَأْمُون فِي الْقُرْآن لحفظه فِي الصُّدُور
الرَّابِع أَنه يلْتَحق بِمَا يخل بِالْمَعْنَى عِنْد الْحَذف مَا إِذا [لم] (٢) يكن للمحذوف تعلق بالمذكور أصلا وَلَكِن يخَاف من عدم ذكره تَغْيِير الحكم الشَّرْعِيّ وَمن أمثلته مَا ذكره إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي خبرين
أَحدهمَا أَن ابْن مَسْعُود روى أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ بحجرين وروثة يستنجي بهَا فَألْقى الروثة وَقَالَ إِنَّهَا رِجْس (٣) زَاد بعض الروَاة عَن ابْن مَسْعُود أَنه [قَالَ] (٤) ابغ لي ثَالِثا (٥) قَالَ فالسكوت عَن ذكر الثَّالِث لَا يخل برمي
[ ٣ / ٦١٥ ]
الروثة وَأَنَّهَا رِجْس وَلَكِن يُوهم الِاكْتِفَاء بحجرين وَقَالَ الإِمَام إِن قصد الرَّاوِي الِاحْتِجَاج على منع اسْتِعْمَال الروث سَاغَ لَهُ الِاقْتِصَار وَإِن استفتح الرِّوَايَة غير مُتَعَلق بغرض خَاص فَلَيْسَ لَهُ الِاقْتِصَار لِئَلَّا يُوهم الِاكْتِفَاء بحجرين
وَخَالفهُ الشَّارِح الْأَنْبَارِي وَقَالَ يجب نقل الثُّلُث لَا بِالنّظرِ إِلَى إفتقار الْمَرْوِيّ إِلَيْهِ لَكِن بِالْإِضَافَة إِلَى الْحَاجة إِلَى ذكر الْخَبَر ليتلقى مِنْهُ الحكم
الثَّانِي مَا رُوِيَ أَنه ﷺ رجم ماعزا وَلم يذكر الْجلد (٣) وَفِي حَدِيث آخر الثّيّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم (٤)
قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا مَنْسُوخ بِحَدِيث مَاعِز قيل فَلَعَلَّهُ جلد وَلم ينْقل فَمَا كل مفصل يجب نَقله (٥) وَلَا يُقَابل التَّصْرِيح بِالسُّكُوتِ فَإِن الْحق أَحَق أَن يتبع نعم لَا يُعَارض السُّكُوت التَّصْرِيح (أ / ٢٠٠) وَلَوْلَا أَنه قد رُوِيَ أَنه رجم وَلم يجلد لم نقل بالنسخ
[ ٣ / ٦١٦ ]
قَالَ القَاضِي وَالْإِجْمَاع على ترك الْجلد وَقَالَ الإِمَام بل فِي السّلف [من جمع] (١) بَين الْجلد وَالرَّجم قَالَ القَاضِي من روى الْجلد مَعَ الرَّجْم غلط إِذْ لَا معنى للجلد مَعَه قَالَ الإِمَام لَا يسوغ تغليط الثِّقَة (٢) بالاستبعاد (٣)
٤٠٤ - (قَوْله) وَأما تقطيع المُصَنّف متن الحَدِيث الْوَاحِد وتفريقه فِي الْأَبْوَاب (٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ لَهُ وَلَا اخْتِصَار إِذا لم يقل فِيهِ مثل حَدِيث فلَان وَنَحْوه
[ ٣ / ٦١٧ ]
وَاعْلَم أَن مَالِكًا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فعل ذَلِك فِي الْمُوَطَّأ فِي حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد فِي الْحَج (١) قَالَ عبد الْغَنِيّ بن سعيد فَصله فِي مَوَاضِع وَترك مِنْهُ أَكْثَره فَلم يذكرهُ وَذكر مِنْهُ فصلا آخر خَارج الْمُوَطَّأ (٢) انْتهى وَكَذَلِكَ فعل البُخَارِيّ فرقه على الْأَبْوَاب (٣) وَأما مُسلم فساقه وَاحِدَة
الثَّانِي أَن مَا قَالَه من الْكَرَاهَة نازعه فِيهِ النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصره قَالَ وَمَا أَظن ابْن الصّلاح يُوَافق على الْكَرَاهَة (٤) وَهُوَ كَمَا قَالَ وَقد بَالغ عبد الْغَنِيّ بن سعيد فِي كِتَابه أدب الْمُحدث وَكَاد أَن يَجعله مُسْتَحبا وَالتَّحْقِيق التَّفْصِيل فَإِن قطع بِأَنَّهُ لَا يخل الْمَحْذُوف بعضه بِبَعْض وخفائه وجلائه لاحْتِمَال أَن يكون من بَاب الْجمع فِي الْإِخْبَار أَو من بَاب الْإِخْبَار عَن الْجمع وَبَينهمَا فرق تعرض لَهُ شَارِح الْإِلْمَام
وَأما مَا فعله مَالك وَالْبُخَارِيّ فَيسلم لَهما لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا فعلاه لقصد صَحِيح يظْهر رجحانه (٥)
[ ٣ / ٦١٨ ]
الثَّالِث أهمل أمورا مِنْهَا حذف زِيَادَة مَشْكُوك فِيهَا وَهُوَ سَائِغ كَانَ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى يَفْعَله (١) كثيرا بل كَانَ يقطع إِسْنَاد الحَدِيث إِذا شكّ فِي وَصله وَنَقله عبد الْغَنِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن علية وَمحل حذف الزِّيَادَة الْمَشْكُوك فِيهَا زِيَادَة لَا تعلق للمذكور بهَا فَإِن تعلق ذكرهَا مَعَ الشَّك ليعلم (٢) كَقَوْل دَاوُد بن الْحصين (٣) فِي حَدِيث الرُّخْصَة فِي الْعَرَايَا فِي خَمْسَة أوسق أَو دون خَمْسَة أوسق (٤) فَشك وَلَكِن لما كَانَ الْمَشْكُوك فِيهِ مِمَّا لَا يسوغ حذفه ذكره على الشَّك (٥)
[ ٣ / ٦١٩ ]
وَمِنْهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَقد بوب لَهُ عبد الْغَنِيّ بن سعيد وَحكى فِيهِ الْجَوَاز - إِذا لم يتَغَيَّر الْمَعْنى - عَن الْحسن والمعتمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه
٤٠٥ - (قَوْله) يَنْبَغِي أَلا يروي حَدِيثه بِقِرَاءَة لحان (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ وَفِي الحَدِيث لَعَلَّ بَعْضكُم أَلحن بحجته من بعض (٤)
[ ٣ / ٦٢٠ ]
(١) وَذكر الْخطابِيّ مثله و[قَالَ] (٢) يُقَال فِي لحن - بِكَسْر الْحَاء - وَفِي الزيغ عَن الْإِعْرَاب لحن إِلَى آخِره (٣)
فِيهِ أُمُور
أَحدهَا مَا حَكَاهُ من التَّعْبِير بالإصلاح وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة فِي كتاب الْإِعْرَاب لَهُ سُئِلَ الشّعبِيّ وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن وَعَطَاء وَالقَاسِم عَن الرجل يحدث بِالْحَدِيثِ فيلحن أأحدث كَمَا سَمِعت أَو أعربه قَالُوا لَا بل أعربه (٤) وَقَالَ الْآجُرِيّ فِي سؤالاته سَمِعت أَبَا دَاوُد يَقُول كَانَ أَحْمد بن صَالح يقوم كل لحن فِي الحَدِيث (٥)
[ ٣ / ٦٢١ ]
الثَّانِي أهمل فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ غريبين
أَحدهمَا حَكَاهُ الْقَابِسِيّ فِي الملخص قَالَ وَأما اللّحن فِي الحَدِيث فشديد وَقد سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن هَاشم الْبَصْرِيّ (١) وَكَانَ من عُلَمَاء النَّاس وخيارهم رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول سُئِلَ أَبُو عمرَان - يَعْنِي النسوي (٢) - عَن اللّحن يُوجد فِي الحَدِيث فَقَالَ إِن كَانَ شَيْئا يَقُوله الْعَرَب وَلَو كَانَ فِي غير لُغَة قُرَيْش فَلَا يُغير لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يكلم النَّاس بلسانهم وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُوجد فِي كَلَام الْعَرَب فَرَسُول الله ﷺ لَا يلحن (٣) انْتهى
وَاخْتَارَهُ ابْن حزم فِي كتاب الإحكام قَالَ وَأما اللّحن فَإِن كَانَ يجوز وَلَو على بعض لُغَة الْعَرَب أَدَّاهُ كَمَا سَمعه وَإِن كَانَ لَا وَجه لَهُ فِي الْكَلَام إِلَيْهِ حرم عَلَيْهِ تأديته ملحونا لتيقننا أَنه ﷺ لم يلحن قطّ (٤)
الثَّانِي حَكَاهُ صَاحب الاقتراح عَن شَيْخه الشَّيْخ عز الدّين فَقَالَ سَمِعت أَبَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام (٥) - وَكَانَ أحد سلاطين الْعلمَاء - كَانَ يرى فِي الْمَسْأَلَة بِمَا لم أره (٦) لأحد أَن هَذَا اللَّفْظ المختل لَا يرْوى على الصَّوَاب وَلَا على الْخَطَأ وَأما على الصَّوَاب فَإِنَّهُ (٧) لم يسمع من الشَّيْخ كَذَلِك وَأما على الْخَطَأ فَلِأَنَّهُ ﷺ لم يقلهُ كَذَلِك (٨) انْتهى وَهَذَا نَظِير قَول أَصْحَابنَا فِيمَا لَو وَكله بِبيع فَاسد أَنه لَا يَسْتَفِيد
[ ٣ / ٦٢٢ ]
الْفَاسِد لِأَن الشَّرْع لم يَأْذَن فِيهِ وَلَا الصَّحِيح لِأَن الْمَالِك لم يَأْذَن فِيهِ
الثَّالِث أَنه يشْتَرط فِي رِوَايَته على الصَّوَاب الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ كَمَا قَالَه ابْن فَارس فِي كتاب مآخذ الْعلم [وَيحْتَاج] (١) لترو فِي ذَلِك وَبحث شَدِيد فَإِن اللُّغَة وَاسِعَة وَاخْتَارَ الْجَوَاز قَالَ وَأما قَوْله ﷺ نضر الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي فبلغها كَمَا سمع فَالْمُرَاد كَمَا سمع من صِحَة الْمَعْنى واستقامته من غير زِيَادَة وَلَا نقص وَاحْتج ابْن الْمُنِير أَيْضا على الْجَوَاز بقوله فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ
٤٠٦ - (قَوْله) وَأما إصْلَاح ذَلِك وتغييره فِي كِتَابه (٨ ٩ ١٠ ١١ يسع (٣) الْمُحدث جَهله صوب بعض الْمَشَايِخ هَذَا وَأَنا أستحسنه وَبِه (٤) آخذ
[ ٣ / ٦٢٣ ]
٤٠٧ - (قَوْله) وَهَكَذَا (١) الحكم فِي استثبات الْحَافِظ مَا شكّ فِيهِ (٢ ٣ ٤) إِلَى آخِره
[ ٣ / ٦٢٤ ]
مِثَاله قَول البُخَارِيّ ثَنَا يحيى بن بكير ثَنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاء قبل أَن يفْرض رَمَضَان وَكَانَ يَوْمًا تستر فِيهِ الْكَعْبَة فَلَمَّا فرض رَمَضَان قَالَ رَسُول الله ﷺ من شَاءَ فليصم وَمن شَاءَ أَن يتْركهُ فليترك (١) فخلط السندين وَلم يقل عِنْد انْتِهَاء سَنَد ابْن أبي حَفْصَة (٢) قَالَا وَإِنَّمَا اخْتَصَرَهُ لكَون اللَّفْظ للثَّانِي وَهُوَ وَالْأول اشْتَركَا فِي الْمَعْنى وَقد أفْصح مُسلم بن الْحجَّاج فِي الصَّحِيح فَقَالَ - (٣) إِذا روى مثل هَذَا - وَاللَّفْظ لفُلَان (٤)
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلَيْسَ فِي (د / ١١٢) حَدِيث عقيل ستر الْكَعْبَة وَإِنَّمَا هُوَ فِي حَدِيث ابْن أبي حَفْصَة (٥) والإسماعيلي حَافظ فَلَا يَقُول هَذَا إِلَّا بعد تتبع وَالْبُخَارِيّ أحفظ مِنْهُ وَأكْثر تثبتا فَيحْتَمل أَن رُوِيَ من طَرِيق البُخَارِيّ السّتْر فِي رِوَايَة أُخْرَى (٦)
[ ٣ / ٦٢٥ ]
٤٠٩ - (قَوْله) فإعادته ثَانِيًا وَذكر أَحدهمَا مشْعر بِأَن اللَّفْظ لَهُ قبل (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩) إِلَى آخِره
فِي الْإِرْشَاد للخليلي ذاكرت يَوْمًا بعض الْحفاظ فَقلت البُخَارِيّ لم يخرج
[ ٣ / ٦٢٦ ]
حَمَّاد بن سَلمَة (١) فِي الصَّحِيح وَهُوَ زاهد ثِقَة قَالَ لِأَنَّهُ يجمع بَين حَدِيث أَصْحَاب أنس فَيَقُول انا قَتَادَة وثابت وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب وَرُبمَا يُخَالف فِي بعض ذَلِك فَقلت أَلَيْسَ ابْن وهب اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يجمع بَين أَسَانِيد فَيَقُول حَدثنَا مَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث وَاللَّيْث بن سعد وَالْأَوْزَاعِيّ رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِم فِي أَحَادِيث وَيجمع بَين غَيرهم فَقَالَ ابْن وهب أتقن لما يرويهِ وأحفظ لَهُ (٢) انْتهى وَفِي هَذَا مَا يُجَاب بِهِ عَمَّا ذكره ابْن الصّلاح أَنه عيب على البُخَارِيّ
٤١٢ - (قَوْله) وَإِذا سمع كتابا مصنفا من جمَاعَة (٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ أوعى لَهُ من بعض الَّذِي
[ ٣ / ٦٢٧ ]
حَدثنِي بِهِ عُرْوَة عَن عَائِشَة وسَاق الحَدِيث وَهُوَ فِي الصَّحِيح وَهَذَا يَسْتَعْمِلهُ أهل الْمَغَازِي وَالسير وَلَا يعلم مِنْهُ الْقدر الَّذِي رَوَاهُ عَن كل وَاحِد من الَّذين حدثوه طَائِفَة مِنْهُم
وَأغْرب من ذَلِك مَا صنعه البُخَارِيّ فِي كتاب الرقَاق فِي بَاب كَيفَ كَانَ عَيْش النَّبِي ﷺ وتخليهم من الدُّنْيَا ثَنَا أَبُو نعيم بِنَحْوِ من نصف هَذَا الحَدِيث (١) ثَنَا عَمْرو بن ذَر ثَنَا مُجَاهِد أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَقُول فساق حَدِيث أهل الصّفة وَشرب اللَّبن وَلم يذكر من روى عَنهُ النَّص الآخر وَيحْتَمل أَن المُرَاد بِمَا سَاقه بالسند أَوَائِل الْكَلَام دونه آخِره (٢) (٣)
٤١٣ - (قَوْله) الثَّالِث عشر قَوْلهم قَالَ لَا بُد من ذكره حَالَة الْقِرَاءَة لفظا (٨ ٩ ١٠ ١ (٥) وَقد أنكر الشَّيْخ شهَاب الدّين المرحل (٦) النَّحْوِيّ
[ ٣ / ٦٢٨ ]
اشْتِرَاط الْمُحدثين التَّلَفُّظ ب قَالَ فِي أثْنَاء الْإِسْنَاد لِأَن القَوْل يحذف كثيرا وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن (١)
٤١٤ - (قَوْله) فِي آخر الرَّابِع عشر - وَهَكَذَا فعل كثير من المؤلفين (٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ حَدِيث الْبَوْل فَأوردهُ كَمَا سَمعه وَلَو ذكر حَدِيث الْبَوْل بالسند
[ ٣ / ٦٢٩ ]
لأوهم أَنه سَمعه بالسند وَلم يَقع ذَلِك وَيدل لهَذَا أَنه ذكر حَدِيث نَحن السَّابِقُونَ فِي بَاب الْجُمُعَة بالسند من غير أَن يذكر حَدِيث الْبَوْل فِي المَاء الدَّائِم (١) إِذْ لَا حَاجَة لَهُ بِهِ هُنَاكَ وَهَذَا الِاحْتِيَاط يحْتَمل أَن يكون للورع وَالْخُرُوج من الْخلاف الْمَذْكُور وَيحْتَمل أَن يكون مَذْهَب البُخَارِيّ أَنه لَا يجوز (٢) وَمثله فِي عَلَامَات النُّبُوَّة أخرج حَدِيث شبيب بن غرقدة (٣) عَن الْحَيّ فِي قصَّة الشَّاة وَالدِّينَار (٤) وَلَيْسَت من شَرطه (٥)
٤١٥ - (قَوْله) فِي الْخَامِس عشر - فَيَنْبَغِي أَن يكون (أ / ٢٠٤) فِيهِ خلاف من الْخلاف فِي تَقْدِيم بعض متن الحَدِيث إِلَى آخِره
[ ٣ / ٦٣٠ ]
وَفِيه أَمْرَانِ
أَحدهمَا قَضيته أَنه الْخلاف فِي جَوَاز تَقْدِيم بعض الحَدِيث على بعض وَلم يتَقَدَّم لَهُ ذَلِك (١)
الثَّانِي أَن هَذَا التَّخْرِيج مَرْدُود لظُهُور الْفرق بَينهمَا وَهُوَ أَن تَقْدِيم [بعض] (٢) الْأَلْفَاظ على بعض يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَال بِالْمَقْصُودِ فِي الْعَطف وعود الضَّمِير وَنَحْوه بِخِلَاف السَّنَد فَإِن تَأَخّر بعضه أَو كُله عَن الْمَتْن فِي حكم الْمُقدم فَلذَلِك جَازَ تَقْدِيمه وَلم يتَخَرَّج [على (٣) الْخلاف] (٤) وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك الشَّيْخ محيي الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي مُخْتَصره فقا ل الصَّحِيح أَو الصَّوَاب جَوَاز هَذَا فَلَيْسَ كتقديم الْمَتْن على بعض فَإِنَّهُ قد يتَغَيَّر بِهِ الْمَعْنى [بِخِلَاف (٥) هَذَا] (٦)
٤١٦ - (قَوْله) - فِي السَّادِس عشر - فَلَا يظْهر الْمَنْع من ذَلِك انْتهى
[ ٣ / ٦٣١ ]
وَالظَّاهِر خلاف مَا رَجحه لَا سِيمَا إِذا قَالَ كَمَا يَقُول مُسلم سَوَاء وَيدل لذَلِك أَن الْبَيْهَقِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قد صنع ذَلِك حَتَّى فِي الْموضع الْمُحْتَمل [وَذَلِكَ أَن] (١) الدَّارَقُطْنِيّ خرج فِي سنَنه من طَرِيق أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حَدِيث تَقول الْمَرْأَة أنْفق عَليّ وَإِلَّا طَلقنِي ثمَّ خرج من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة فِي الرجل لَا يجد مَا ينْفق على زَوجته قَالَ يفرق بَينهمَا ثمَّ أخرج من حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ مثله (٢) فَهَذَا مَعَ احْتِمَال أَن يكون مثل الْمَوْقُوف وَأَن يكون (د / ١١٣) مثل الْمَرْفُوع قبله (٣) خرجه الْبَيْهَقِيّ بطرِيق الدَّارَقُطْنِيّ وَفِيه لفظ الْمَرْفُوع فروى بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا أعْسر الرجل بِنَفَقَة امْرَأَته يفرق بَينهمَا (٤) وَلم يَقع ذَلِك فِي كتاب الدَّارَقُطْنِيّ وَلَا فِي كتاب من أَخذ عَن الدَّارَقُطْنِيّ إِلَّا بِلَفْظَة مثله المحتملة وَحِينَئِذٍ فَإِذا زَالَ الِاحْتِمَال جَازَ أَن يَأْتِي بذلك اللَّفْظ بالسند الَّذِي فِيهِ لَفْظَة مثله (٥) لَكِن الَّذِي فعله الْبَيْهَقِيّ معترض كَمَا بَينته فِي الذَّهَب الإبريز
[ ٣ / ٦٣٢ ]
٤١٧ - (قَوْله) الثَّامِن عشر الظَّاهِر أَنه لَا يجوز تَغْيِير عَن النَّبِي - لَا عَن رَسُول الله - ﷺ (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ قيل يرد عَلَيْهِ حَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِي الصَّحِيح لما قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ
[ ٣ / ٦٣٣ ]
وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت ثمَّ استعاده فَقَالَ وَرَسُولك الَّذِي ارسلت فقا ل لَا وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت (١) فَإِنَّهُ يدل على أَنه لَا يُبدل النَّبِي بالرسول فعكسه أولى قلت لَا حجَّة (أ / ٢٠٥) فِيهِ لِأَن أَلْفَاظ الْأَذْكَار توقيفية وَرُبمَا كَانَ فِي اللَّفْظ معنى لَا يحصل لغيره أَو لما فِي الْجمع بَين النُّبُوَّة والرسالة أَو لاخْتِلَاف الْمَعْنى لِأَن رَسُولك الَّذِي أرْسلت يدْخل فِيهِ جِبْرِيل وَغَيره من الْمَلَائِكَة الَّذين لَيْسُوا بِأَنْبِيَاء
الثَّانِي أَن مَا قَالَه المُصَنّف من أَن الْمَعْنى يخْتَلف فِي هَذَا لَا يمْنَع الْجَوَاز لِأَنَّهُ وَإِن اخْتلف مَعْنَاهُمَا فَلَا يخْتَلف الْمَعْنى فِي نِسْبَة ذَلِك القَوْل لقائله بِأَيّ وصف وَصفه إِذا كَانَ يعرف بِهِ
٤١٨ - (قَوْله) إِذا كَانَ السماع على صفة فِيهَا بعض الوهن فَعَلَيهِ أَن يذكر (٩ ١٠ ١١ الْإِعْلَام بِأَنَّهُ رَوَاهُ عَن رجلَيْنِ وَأَن الْمَذْكُور لم ينْفَرد وَفِيه تتبع الطّرق (٤)
[ ٣ / ٦٣٤ ]
٤٢١ - (قَوْله) - فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين - (٢ ٣
[ ٣ / ٦٣٥ ]
النَّوْع السَّابِع وَالْعشْرُونَ (١) معرفَة آدَاب [الْمُحدث] (٢)
٤٢٢ - (قَوْله) يُنَاسب مَكَارِم الْأَخْلَاق ومحاسن الشيم وينافر مساوئ الْأَخْلَاق (٣ ٤ ٥ مرَّتَيْنِ بِاللَّفْظِ وَمرَّة بِالْمَعْنَى وَهُوَ الْأَخْلَاق لَكِن
[ ٣ / ٦٣٦ ]
قيل الشيم الطبائع (١)
وَقَوله ومساوئ قَالَ صَاحب تثقيف اللِّسَان وَيَقُولُونَ ظَهرت مساويه وَالصَّوَاب مساوئه بِالْهَمْز (٢) وَقد استدرك أَبُو إِسْحَاق الأجدابي (٣) عَلَيْهِ قَالَ الأَصْل الْهَمْز كَمَا ذكرته وَترك الْهمزَة جَائِز على لُغَة من يَقُول فِي الخاطئين الخاطين وَهِي لُغَة مَعْرُوفَة قَالَ حبيب بن أَوْس
(محَاسِن مَا زَالَت بمسامر النَّوَى يُعْطين أَو مسَاوٍ من الصد (٤»
٤٢٣ - (قَوْله) وَهُوَ من عُلُوم الْآخِرَة لَا من عُلُوم الدُّنْيَا (٧) الْحَافِظ شمس الدّين الذَّهَبِيّ فِي تذكرة الْحفاظ لقد صدق فِيمَا قَالَ لِأَن طلب الحَدِيث شَيْء غير الحَدِيث وَطلب الحَدِيث اسْم عرفي لأمور زَائِدَة على تَحْصِيل مَاهِيَّة الحَدِيث وَكثير مِنْهَا (٦) مراقي إِلَى الْعلم وأكثرها أُمُور يشغف بهَا
[ ٣ / ٦٣٧ ]
الْمُحدث من تَحْصِيل النّسخ المليحة وتطلب الْإِسْنَاد العالي وتكثير الشُّيُوخ والفرح بِالْأَلْقَابِ وتمني الْعُمر الطَّوِيل ليروي وَحب التفرد إِلَى أُمُور عديدة لَازِمَة للأغراض النفسانية لَا للأعمال الربانية فَإِذا كَانَ طَلَبك للْحَدِيث النَّبَوِيّ محفوفا بِهَذِهِ الْآفَات فَمَتَى خلاصك مِنْهَا إِلَى الْإِخْلَاص فَإِذا كَانَ علم الْآثَار مَدْخُولا فَمَا ظَنك بعلوم الْأَوَائِل الَّتِي تنكس (٧ ٨ ٩) انْتهى
وَظَاهره أَنه وَقع ذَلِك لغَيرهم وَقد رَأَيْت فِي فَوَائِد رحْلَة المُصَنّف بِخَطِّهِ أَخْبرنِي بنيسابور الشَّيْخ أَبُو الْحسن بن مُحَمَّد الطوسي (٢) بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ عَن الْحَافِظ أبي سعد (٣) عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ الْمروزِي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ لَا يعرف فِي الْإِسْلَام مُحدث حدث (٤) بعد اسْتِيفَاء مائَة إِلَّا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ (٥) وَأَبُو إِسْحَاق الهُجَيْمِي (٦)
[ ٣ / ٦٣٨ ]
وَأَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ (١) قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو قلت هَذَا الْحصْر مَرْدُود فَهَذَا الْحسن ابْن عَرَفَة (٢) عَاشَ مائَة وَعشرا وَكتب [عَنهُ] (٣) خَمْسَة قُرُون (٤) وَسَمَاع إِسْمَاعِيل الصفار (٥) مِنْهُ بِمُقْتَضى سنه لَا يكون إِلَّا بعد الْمِائَة من سنّ الْحسن وَأما قَول ابْن خَلاد فِي كِتَابه لَا يعرف رجل فِي الْإِسْلَام حدث بعد اسْتِيفَائه مائَة سنة إِلَّا أَبُو إِسْحَاق الهُجَيْمِي (٦) فَإنَّا لَا نستدرك عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنه أَرَادَ من حدث بعد الْمِائَة وَلم يحدث قبلهَا وَذَلِكَ لَا يعرف لغير الهُجَيْمِي فَإِنَّهُ آلى إِلَّا يحدث بعد الْمِائَة إِن يَسْتَوْفِي الْمِائَة فتم لَهُ ذَلِك وَلم يُشَارِكهُ فِي ذَلِك الْبَغَوِيّ والطبري وَغَيرهمَا انْتهى كَلَام الشَّيْخ
[ ٣ / ٦٣٩ ]
وَمَا ذكره من أَن الْحسن بن عَرَفَة عَاشَ مائَة (١) وَعشرا هُوَ قَول بَعضهم وَالْمَشْهُور أَن مولده سنة خمسين وَمِائَة ووفاته سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَوَافَقَهُ فِي المولد الشَّافِعِي وَأَشْهَب (٢) على قَول
وَقَالَ شَيخنَا عماد الدّين بن كثير حدث جمَاعَة بعد استكمال الْمِائَة لَكِن إِذا كَانَ الِاعْتِمَاد على حفظ الشَّيْخ الرَّاوِي فَيَنْبَغِي الِاحْتِرَاز من اخْتِلَاطه إِذا طعن فِي السن وَأما إِذا كَانَ الِاعْتِمَاد على حفظه وتمييزه وَضَبطه وخطه فها هُنَا كلما كَانَ السن عَالِيا كَانَ النَّاس أَرغب فِي السماع عَلَيْهِ كَمَا اتّفق (د / ١١٤) لشَيْخِنَا الحجار (٣) فَإِنَّهُ جَاوز الْمِائَة محققا سمع عَليّ الزبيدِيّ (٤) سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة صَحِيح البُخَارِيّ وأسمعه فِي سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ شَيخا (٥) كَبِيرا عاميا لَا يضْبط شَيْئا وَلَا يتعقل كثيرا وَمَعَ هَذَا تداعى (٦) النَّاس إِلَى السماع مِنْهُ عِنْد تفرده
[ ٣ / ٦٤٠ ]
على الزبيدِيّ فَسمع مِنْهُ نَحْو الْمِائَة ألف أَو يزِيدُونَ وَالله أعلم
وَمن الْفَوَائِد أَن ابا إِسْحَاق الهُجَيْمِي كَانَ رأى فِي مَنَامه أَنه قد تعمم ورد على رَأسه مائَة وَثَلَاث دورات فَعبر لَهُ أَنه يعِيش سِنِين بعْدهَا فَحدث بعد مجاوزته الْمِائَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقَارئ يَوْمًا شعرًا وَهُوَ
(إِن الجبان حتفه من فَوْقه كَالْكَلْبِ يحمي جلده بروقه (١»
وأبدل الْقَارئ لفظ الثور بالكلب ليختبر بذلك ذهنه (أ / ٢٠٧) وحسه فَقَالَ لَهُ الهُجَيْمِي قل يَا ثَوْر كالثور فَإِن الْكَلْب لَا روق لَهُ ففرح النَّاس بِصِحَّة عقله وَحُضُور فهمه (٢)
وَقد عَاشَ حَكِيم بن حزَام من الصَّحَابَة مائَة وَعشْرين سنة وَالظَّاهِر أَنه لم يتَوَقَّف عَن التحديث بعد مُجَاوزَة الْمِائَة وَكَذَلِكَ من التَّابِعين شريك بن عبد الله النمري (٣) وَمن غَيرهم الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي وَقد صنف الذَّهَبِيّ جُزْءا فِيمَن عَاشَ الْمِائَة فَصَاعِدا (٤)
[ ٣ / ٦٤١ ]
٤٢٥ - (قَوْله) ثمَّ لَا يَنْبَغِي أَن يحدث بِحَضْرَة من هُوَ أولى مِنْهُ (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣)
[ ٣ / ٦٤٢ ]
قلت قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء هَذِه الْكَلِمَة اعتبرها قوم فِي تعلم الْعلم لغير الله ثمَّ رجوعهم إِلَى الله قَالَ وَإِنَّمَا الْعلم الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هَذَا الْقَائِل هُوَ علم الحَدِيث وَتَفْسِير الْقُرْآن وَمَعْرِفَة سير الْأَنْبِيَاء ﵈ وَالصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَإِن فِيهِ التخويف والتحذير وَهُوَ سَبَب لإثارة الْخَوْف من الله تَعَالَى فَإِن لم يُؤثر فِي الْحَال أثر فِي الْمَآل فَأَما الْكَلَام وَالْفِقْه الْمُجَرّد الَّذِي يتَعَلَّق بفتاوى الْمُعَامَلَات وَفصل الْخُصُومَات الْمَذْهَب مِنْهُ وَالْخلاف فَلَا يرد الرَّاغِب فِيهِ للدنيا إِلَى الله تَعَالَى بل لَا يزَال متماديا فِي حرصه إِلَى آخر عمره وَقَالَ فِي مَوضِع آخر قَالَ بعض الْمُحَقِّقين قَوْلهم فَأبى أَن يكون إِلَّا لله حصل لنا حَدِيثه وَأَلْفَاظه
وَاعْلَم أَن هَذَا أسْندهُ القَاضِي عِيَاض فِي الإلماع من جِهَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن سماك بن حَرْب قَالَ طلبنا هَذَا الْأَمر لَا نُرِيد بِهِ الله فَلَمَّا بلغت مِنْهُ حَاجَتي دلَّنِي على مَا يَنْفَعنِي وحجزني عَمَّا يضرني قَالَ القَاضِي وَرُوِيَ نَحوه فِي حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمُجاهد وَالْحسن وَمعمر وَغَيرهم بِمَعْنَاهُ (١) وروى عبد الله بن أَحْمد فِي زياداته من طَرِيق مَالك بن مغول عَن الشّعبِيّ قَالَ عَليّ تعلمُوا الْعلم صغَارًا تنتفعوا بِهِ كبارًا تعلمُوا الْعلم لغير الله يصير لذات الله تَعَالَى (٢)
وَاعْلَم أَن مَا قَالَه المُصَنّف أَولا فِيهِ إِجْمَال
وَقَالَ (أ / ٢٠٨) القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ فِي أدب الدُّنْيَا وَالدّين إِن كَانَ الْبَاعِث للطلب دنيا وَجب على الشَّيْخ إسعافه وَإِن لم يكن فَإِن كَانَ مُبَاحا لرجل دَعَاهُ إِلَى
[ ٣ / ٦٤٣ ]
الطّلب حب النباهة وَطلب الرياسة فَهُوَ قريب مِمَّا قبله لِأَن الْعلم يعطفه إِلَى الدّين فِي ثَانِي الْحَال وَقد حُكيَ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ تعلمنا الْعلم لغير الله فَأبى أَن يكون إِلَّا لله (١) وَإِن [كَانَ] (٢) الدَّاعِي مَحْظُورًا كَرجل دَعَاهُ إِلَى طلب الْعلم (٣) شَرّ كَأَن يُرِيد أَن يَسْتَعْمِلهُ فِي شبه دنية وحيل فقهية لَا يجد أهل السَّلامَة مِنْهُمَا مخلصا وَلَا عَنْهُمَا مدفعا فَيَنْبَغِي للشَّيْخ أَن يمنعهُ من طلبته ويصرفه عَن بغيته وَلَا يُعينهُ على إِمْضَاء مكره وَلَا إِكْمَال شَره فَفِي الحَدِيث وَاضع الْعلم فِي غير أَهله كمقلد الْخَنَازِير اللُّؤْلُؤ والجوهر وَالذَّهَب (٤) انْتهى (٥)
[ ٣ / ٦٤٤ ]
٤٢٧ - (قَوْله) كَانَ مَالك إِذا (١) أَرَادَ أَن يحدث تَوَضَّأ إِلَى آخِره (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧)
قلت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت إِن النَّبِي ﷺ لم يكن يسْرد الحَدِيث كَسَرْدِكُمْ (٥) زَاد التِّرْمِذِيّ لكنه كَانَ يتَكَلَّم بِكَلَام بَين وَفصل يحفظه من جلس إِلَيْهِ وَتَفْسِير السرد بِهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف وَقَالَ النّحاس فِي صناعَة الْكتاب قَوْلهم سرد الْكَاتِب قِرَاءَته مَعْنَاهُ أحكمها مُشْتَقّ من سرد الدرْع إِذا أحكمها وَجعل حلقها وَلَاء غير مُخْتَلفَة وَأحسن صنة المسامر وَلَا
[ ٣ / ٦٤٥ ]
يكن دَقِيقًا فيسلس وَلَا غليظا فيقصمها (١)
٤٢٩ - (قَوْله) وَمن أبلغ مَا يفْتَتح بِهِ أَن يَقُول الْحَمد لله (٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ عَبدِي (٦)
٤٣٠ - (قَوْله) وَيسْتَحب للمحدث الْعَارِف عقد مجْلِس (د / ١١٥)
[ ٣ / ٦٤٦ ]
لإملاء الحَدِيث فَإِنَّهُ من أَعلَى مَرَاتِب الراوين (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ إملاء الحَدِيث طَريقَة مسلوكة
[ ٣ / ٦٤٧ ]
قي الْقَدِيم والْحَدِيث ويشيبه نبل فضل التَّبْلِيغ وَالرِّوَايَة عَن رَسُول الله ﷺ بلغُوا عني وَلَو آيَة
وَفِيه فَائِدَة أُخْرَى وَهِي تَقْيِيد الْعلم بِالْكتاب قَالَ وَهَاتَانِ الفائدتان الجسيمتان تحصلان بالإملاء متعاونين لَا كالتبليغ وَالسَّمَاع بِلَا كِتَابَة أَو الْكِتَابَة بِلَا سَماع
ثمَّ يخْتَص الْإِمْلَاء بفوائد أُخْرَى أَحدهَا وَهِي الْعُظْمَى صِحَة السماع وَبعده عَن الْخَطَأ والتحريف وَقد يصحف فِيمَا يقْرَأ إِمَّا عَن خطأ أَو جهل
وَالثَّانيَِة إِن الْإِمْلَاء يشْتَمل بعد رِوَايَة الحَدِيث على تصرف إِمَّا من جمع طرقه وشواهده أَو ذكر أَحْوَال (١) رُوَاته والفوائد الْمُتَعَلّقَة بمتنه فَيكون نشاط النَّفس لَا حد لَهَا (٢) وَالِانْتِفَاع [بهَا] (٣) أَكثر وَأتم
الثَّالِثَة مَا فِيهِ من زِيَادَة التفهيم والتفهم للمذاكرة (٤) والمراجعة فِي تضاعيف الْإِمْلَاء وَالْكِتَابَة والمقابلة وَيَدْعُو إِلَيْهِمَا التَّأَمُّل والفكر فِي تِلْكَ المهلة هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ (٥)
فَائِدَة
قَالَ النّحاس فِي صناعَة الْكتاب يُقَال أمليت الْكتاب إملاء وأمللت إملالا جَاءَ الْقُرْآن بهما جَمِيعًا قَالَ تَعَالَى ﴿فليملل﴾ (٦) (٧) فَهَذَا من
[ ٣ / ٦٤٨ ]
أمل وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَهِيَ تملى عَلَيْهِ﴾ (١) فَهَذَا من أمْلى فَيجوز أَن تكون اللغتان يمعنى وَاحِد وَيجوز أَن يكون أصل أمليت أمللت فاستثقلوا الْجمع بَين حرفين على لفظ وَاحِد فأبدلوا من أَحدهمَا يَاء كَمَا قَالُوا تظنيت وَكَأَنَّهُ من قَوْلهم أمْلى الله لَهُ أَي طَال عمره فَمَعْنَى أمليت الْكتاب على فلَان أطلت قراءتي عَلَيْهِ (٢)
٤٣١ - (قَوْله) مثل مَا روينَا أَن يزِيد بن هَارُون (٦ ٧ ٨)
قيد (٧) ابْن السَّمْعَانِيّ ذَلِك بِمَا إِذا كثر عدد من يحضر السماع وَكَانُوا بِحَيْثُ لَا
[ ٣ / ٦٤٩ ]
يرَوْنَ وَجه الْمُسْتَمْلِي فَيُسْتَحَب أَن يجلس على مِنْبَر أَو غَيره حَتَّى (أ / ٢١٠) ترى الْجَمَاعَة وَجهه ويبلغهم صَوته (١)
٤٣٣ - (قَوْله) وَعَلِيهِ أَن يتبع لفظ الْمُحدث فيؤديه (٢) على وَجهه (٤ ٥ ٦ ٧)
أسْندهُ ابْن السَّمْعَانِيّ عَن أبي نَضرة (٧) (٨) قَالَ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ
[ ٣ / ٦٥٠ ]
إِذا اجْتَمعُوا تَذَاكَرُوا الْعلم قرؤوا سُورَة (١)
وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي رياضة المتعلمين وَرَوَاهُ أَيْضا من جِهَة أبي نَضرة عَن أبي سعيد قَالَ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِذا قعدوا يتحدثون فِي الْفِقْه كَانُوا يأمرون أَن يقْرَأ رجل سُورَة (٢) وَظَاهر كَلَام المُصَنّف أَن الْقَارئ غير الْمُسْتَمْلِي وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي آخر أَمَالِيهِ استحبوا لململي أَن يقْرَأ قبل الْإِمْلَاء سُورَة خَفِيفَة من الْقُرْآن ويخفها فِي نَفسه واستحبه ابْن السَّمْعَانِيّ للمستملي (٣) أَيْضا (٤)
٤٣٥ - (قَوْله) فَإِذا فرغ استنصت الْمُسْتَمْلِي أهل الْمجْلس (٧ ٨ ٩ أمره أَن يستنصت لَهُ النَّاس رَوَاهُ البُخَارِيّ (٧) رَحمَه الله تَعَالَى
[ ٣ / ٦٥١ ]
٤٣٦ - (قَوْله) ثمَّ يبسمل ويحمد وَيُصلي [على النَّبِي ﷺ] (١) (٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩) [انْتهى
وَهَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ ثمَّ يَقُول من ذكرت رَحِمك الله] (٦) وَلَا يَقُول من
[ ٣ / ٦٥٢ ]
حَدثَك أَو أخْبرك أَو من سَمِعت فَإِنَّهُ لَا يدْرِي بِأَيّ لَفْظَة يَبْتَدِئ انْتهى لَكِن قَالَ صَاحب الاقتراح الْأَحْسَن أَن يَقُول من حَدثَك أَو من أخْبرك إِن لم يقدم الشَّيْخ ذكر أحد (١) وَكَذَا قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ يَقُول من ذكرت أَو من حَدثَك رَحِمك الله فَيَقُول المملي فلَان وينسب (٢) شَيْخه الَّذِي [يُرِيد أَن] يروي (٣) [عَنهُ] (٤) حَتَّى يبلغ بنسبه منتهاه (٥)
٤٣٨ - (قَوْله) وَذكر الْخَطِيب أَنه يسمع صَوته بذلك (٦ ٧) انْتهى
فَإِن كَانَ أَبوهُ صحابيا كَابْن عَبَّاس وَابْن عمر قَالَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَإِن كَانَ أَبوهُ وجده صحابيين وذكرهما كعائشة قَالَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَالَ ابْن
[ ٣ / ٦٥٣ ]
السَّمْعَانِيّ وَالْأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث جَابر كُنَّا عِنْد النَّبِي ﷺ فَالْتَفت إِلَى أبي بكر فَقَالَ يَا أَبَا بكر أَعْطَاك الله الرضْوَان الْأَكْبَر (١)
٤٤٠ - (قَوْله) وَلَا بَأْس بِذكر من يروي عَنهُ بِمَا يعرف من لقب كغندر (٤ ٥ ٦ لَهُ فديد (٤) فلقب بلوين قَالَ لوين لقبتني أُمِّي
[ ٣ / ٦٥٤ ]
لوينا وَقد رضيت بِهِ (١)
وَإِنَّمَا قيل لَهُ المصِّيصِي لِأَنَّهُ انْتقل إِلَيْهَا وَنسب إِلَيْهَا وَهُوَ كُوفِي الأَصْل يروي عَن مَالك بن أنس وطبقته وروى عَنهُ من البغداديين (٢) يحيى بن صاعد وَمَات بأذنه محلّة فِيهَا وَدفن بِالْمصِّيصَةِ والمصيصي بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف فَمن فتح الْمِيم خفف الصَّاد (٣)
٤٤١ - (قَوْله) أَو نسب إِلَى أم عرف بهَا كيعلى بن منية (٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ فِيهِ التَّأْنِيث والعلمية إِلَّا مَا نكرهه من ذَلِك كَمَا فِي إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم (٦)
[ ٣ / ٦٥٥ ]
قلت وَكَذَلِكَ سعيد بن الْمسيب وَكَذَلِكَ أَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان كنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن وَأَبُو الزِّنَاد لقب ذكره الْحَافِظ أَبُو الْفضل الفلكي فِي الألقاب فَقَالَ إِنَّه كَانَ يغْضب من أبي الزِّنَاد وَكَانَ عَالما مفتيا (١)
وَمِنْهُم إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه ولد (٢) أَبوهُ فِي طَرِيق مَكَّة فَقَالَ المراوزة راهوي لِأَنَّهُ ولد فِي الطَّرِيق فَقَالَ إِسْحَاق كَانَ أبي يكره هَذَا وَأما أَنا فلست أكرهه وَقَالَ أَحْمد بن جَعْفَر الْجَعْدِي (٣) ذكر لِأَحْمَد أَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فكره أَحْمد أَن يُقَال لَهُ رَاهَوَيْه (٤)
وَمِنْهُم مسلمة بن عَليّ الْخُشَنِي (٥) لَيْسَ فِي الرِّوَايَة وَقد يصغر اسْم أَبِيه فَيُقَال عَليّ وَكَانَ يكره ذَلِك وَمِنْهُم عَليّ بن رَبَاح (٦) الإِمَام التَّابِعِيّ قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْوَلِيد الْقرشِي أَدخل البُخَارِيّ على بن رَبَاح فِي بَاب عَليّ مكبرا وَيُقَال عَليّ وَالصَّحِيح عَليّ وَالْأَشْهر فِي اسْمه على من سَمَّاهُ عليا بِالتَّصْغِيرِ وَابْنه مُوسَى بن عَليّ (٧) كَانَ أَيْضا يحتد إِذا قيل لَهُ ابْن عَليّ بِالتَّصْغِيرِ وَقَالَ اللَّيْث بن سعد رَحمَه الله تَعَالَى سمعته يَقُول لَا أجعله فِي حل وَمِنْهُم (٨) الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ (٩)
[ ٣ / ٦٥٦ ]
قوام السّنة يُقَال لَهُ جوزي (١) وَكَانَ يكره ذَلِك حَكَاهُ ابْن السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب (٢) وَمِنْهُم أَبُو سَلمَة مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي (٣) سمي بِهِ لِأَنَّهُ اشْترى دَارا بتبوذك (٤) (٥) وَكَانَ يَقُول لَا جزى الله خيرا من سماني تبوذكيا إِنَّمَا نزل دَاري قوم من تبوذك (٦)
٤٤٢ - (قَوْله) وَكَانَ من عَادَة غير وَاحِد ختم الْإِمْلَاء بِشَيْء من الحكايات (٥ ٦ وَأَن
[ ٣ / ٦٥٧ ]
يُفَسر مَا يحْتَاج إِلَى تَفْسِيره وَبَيَانه فَعَن أبي أُسَامَة (١) أَن تَفْسِير الحَدِيث ومعرفته خير من سَمَاعه (٢) وَأَن يخْتم الْمجْلس بالحكايات والإنشادات المرققة وَألا يُطِيل الْإِمْلَاء إِلَّا إِذا عرف أَن الْحَاضِرين لَا يتبرمون (٣) بِهِ وَأَن يَدْعُو ويستغفر عِنْد تَمَامه سرا وجهرا انْتهى وَذكر (أ / ٢١٢) ابْن السَّمْعَانِيّ مثله (٤) وَرُوِيَ عَن بَعضهم المستمع أسْرع ملالة من الْمُتَكَلّم (٥) وَقَالَ الزُّهْرِيّ إِذا طَال الْمجْلس كَانَ للشَّيْطَان فِيهِ نصيب (٦) وَلَا يروي مَا لَا تحتمله عقول الْعُمُوم (٧)
وَمن أَنْفَع مَا يملي الْأَحَادِيث الْفِقْهِيَّة الَّتِي تفِيد معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْعِبَادَات وَمَا يتَعَلَّق بِحُقُوق الْمُعَامَلَات فَفِي الحَدِيث مَا عبد الله بِشَيْء أفضل من فقه فِي دين (٨)
[ ٣ / ٦٥٨ ]
وَيسْتَحب إملاء التَّرْغِيب فِي فَضَائِل الْأَعْمَال والحث على الْخَيْر وَالذكر والتزهيد فِي الدُّنْيَا (١)
قَالَ وَلَا يحدث إِلَّا من كِتَابه فَإِن الْحِفْظ خوان قَالَ ابْن درسْتوَيْه (٢) أقعد عَليّ ابْن الْمَدِينِيّ بسامراء على مِنْبَر فَقَالَ يقبح لمن جلس هَذَا الْمجْلس أَن يحدث من كتاب فَأول حَدِيث حدث من حفظه غلط فِيهِ
وَقَالَ يحيى بن معِين دخلت على أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى فَقلت أوصني فَقَالَ لَا تحدث الْمسند إِلَّا من كتاب (٣) وَفِي جَامع الْخَطِيب عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ لي سَيِّدي أَحْمد بن حَنْبَل لَا تحدث (٤) إِلَّا من كتاب وَقَالَ مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم بن مرتع الْحَافِظ (٥) قدم علنيا أَبُو بكر بن أبي شيبَة فَانْقَلَبت بِهِ بَغْدَاد وَنصب لَهُ الْمِنْبَر فِي مَسْجِد الرصافة فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَقَالَ من حفظه ثَنَا شريك ثمَّ
[ ٣ / ٦٥٩ ]
قَالَ هِيَ بَغْدَاد وأخاف أَن تزل قدم بعد ثُبُوتهَا يَا أَبَا شيبَة هَات الْكتاب (١)
قَالَ السَّمْعَانِيّ وَيسْتَحب أَن يكون المملي فِي حَال الْإِمْلَاء على أكمل حَال (٢) وَأفضل زِينَة ويتعاهد نَفسه قبل ذَلِك بإصلاح أُمُوره الَّتِي تجمله عِنْد الْحَاضِرين كالتطهير والتنظيف والتطيب وتسريح اللِّحْيَة وَليكن جُلُوسه فِي الْمَسْجِد تجاه الْقبْلَة (٣) قَالَ وليبكر الْمُسْتَمْلِي الْحُضُور قيل لِشَرِيك مَا بَال حَدِيثك منتقد قَالَ لتركي العصائد بالغدوات قَالَ السَّمْعَانِيّ والتبكير إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الصَّيف فَأَما فِي الشتَاء فَالْأولى أَن يصبر سَاعَة حَتَّى يرْتَفع النَّهَار (٤)
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ رَحمَه الله تَعَالَى من غَابَ خَابَ وَأكل نصيب الْأَصْحَاب وَلم يعد لَهُ حَدِيث (٥) وَدخل بعض أَصْحَاب الحَدِيث على الشَّيْخ ﵀ وَقت الِانْصِرَاف فَأَنْشَأَ الشَّيْخ (٦) يَقُول
(وَلَا يردون المَاء إِلَّا عَشِيَّة إِذا صدر الوراد (٧) عَن كل منهل (٨»
٤٤٣ - (قَوْله) وَإِذا نجز الْإِمْلَاء (١١ كَمَا يَقُول الْعَامَّة فَمَعْنَاه حضر وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه (٩)
[ ٣ / ٦٦٠ ]
النَّوْع الثَّامِن وَالْعشْرُونَ
٤٤٤ - (قَوْله) أول مَا عَلَيْهِ تَحْقِيق الْإِخْلَاص (٣ ٤ ٥ ٦ ٧) انْتهى
[ ٣ / ٦٦١ ]
وَقد سبق فِي النَّوْع الَّذِي قبله عَن سُفْيَان مَا يُوهم مُخَالفَته (أ / ٢١٣) لهَذَا (١) وَهُوَ مؤول وَالْمَذْكُور هُنَا حَكَاهُ صَاحب شرف الحَدِيث عَن وَكِيع وَبشر بن الْحَارِث أَيْضا (٢) قَالَ وَقد اخْتلف النَّاس فِي طلب الحَدِيث والتحدث بِهِ وَفِي ثَوَابه هَل هُوَ من الْعِبَادَات فَذهب من نَقَلْنَاهُ عَنْهُم إِلَى ذَلِك [فَقَالَ قوم الحَدِيث منزلَة درس الْقُرْآن] (٣) وَقَالَ قوم بِمَثَابَة الصَّلَاة وَأَجْمعُوا (٤) على أَنه أفضل من صَلَاة النَّافِلَة وَمن صَوْم التَّطَوُّع (٥)
وَأما إِنْكَار عمر الحَدِيث على طَائِفَة احْتِيَاطًا للدّين وَحسن النّظر للْمُسلمين لِأَنَّهُ خَافَ من (الاستكثار التساهل فِي الْأَدَاء) (٦) وَأَن يتكل النَّاس على ظَاهر الْأَخْبَار وَلَيْسَ كل الْأَحَادِيث على ظَاهرهَا وَلَا كل من سَمعهَا فقهها وَأدْركَ مَعْنَاهَا (فخشي من دُخُول التحريف) (٧) وَقد قَالَ ﷺ لِمعَاذ من لَقِي الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا دخل الْجنَّة فَقَالَ يَا نَبِي الله أَفلا أبشر النَّاس قَالَ لَا إِنِّي أَخَاف أَن يتكلوا (٨)
[ ٣ / ٦٦٢ ]
وَمِمَّا وَقع فِيهِ السُّؤَال أَنه هَل يتَعَلَّق بِقِرَاءَة متون الْأَحَادِيث ثَوَاب خَاص كَمَا يتَعَلَّق بِالْقُرْآنِ وَهل يُثَاب على مُجَرّد سماعهَا من كَانَ عَارِفًا بهَا كَمَا يُثَاب المستمع لِلْقُرْآنِ على مُجَرّد الِاسْتِمَاع
أفتى بَعضهم بِحُصُول الثَّوَاب وَنَازع فِيهِ آخَرُونَ واستندوا إِلَى أَن الْمسَائِل منقولة فِي شرح اللمع للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فَقَالَ إِن قِرَاءَة متون الْأَحَادِيث لَا يتَعَلَّق بهَا ثَوَاب حَاضر وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِجَوَاز قرَاءَتهَا وروايتها بِالْمَعْنَى لِأَن مَا يتَعَلَّق بِهِ حكم شَرْعِي لَا يجوز تَغْيِيره (١) بِخِلَاف الْقُرْآن فَإِنَّهُ معجز فِي نَفسه وَإِذا كَانَت قِرَاءَة الحَدِيث الْمُجَرَّدَة لَا ثَوَاب فِيهَا لم يكن فِي استماعه الْمُجَرّد عَن الْمعَانِي السَّابِقَة ثَوَاب من بَاب أولى وَهَذَا كُله للثَّواب الْمَخْصُوص من حَيْثُ خُصُوص اللَّفْظ أما بِاعْتِبَار أَدَاء السّنة ونشرها وتنزل الرَّحْمَة عِنْد ذكرهَا وَالْقِيَام بتبليغها الْمَأْمُور بِهِ فَلَا شكّ فِي حُصُول الثَّوَاب على اللَّفْظ من هَذِه الْحَيْثِيَّة الْخَارِجَة عَن نفس اللَّفْظ لِأَنَّهُ وَسِيلَة إِلَى هَذِه الْمَقَاصِد
٤٤٧ - (قَوْله) وَيبدأ بِالسَّمَاعِ من أسْند شُيُوخ عصره وَمن الأولى فَالْأولى
احْتج أَبُو نعيم فِي كِتَابه رياضة المتعلمين لهَذَا بِحَدِيث سهل بن أبي خَيْثَمَة
[ ٣ / ٦٦٣ ]
تعلمُوا من قُرَيْش وَلَا تعلموها (١) وَحَدِيث شبْل بن عباد (٢) عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر أَن رجلا أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَي النَّاس أعلم قَالَ من يجمع علم النَّاس إِلَى علمه وكل صَاحب علم غر ثَان (٣)
٤٤٨ - (قَوْله) عَن مَالك من بركَة الحَدِيث إِفَادَة بَعضهم بَعْضًا انْتهى
وَنَحْوه مَا رَوَاهُ ابْن مَنْدَه عَن حُسَيْن (٤) بن أبي السّري (٥) قَالَ سَمِعت وكيعا
[ ٣ / ٦٦٤ ]
يَقُول أول بركَة الحَدِيث إِعَارَة الْكتب (١) وَقَالَ يُونُس بن يزِيد (٢) قَالَ لي ابْن شهَاب إياك وَغُلُول الْكتب قلت وَمَا غلولها قَالَ حَبسهَا (٣) رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي آخر كتاب رياضة المتعلمين وَختم بِهِ الْكتاب وروى أَبُو نعيم فِي كتاب رياضة المتعلمين من جِهَة عبد القدوس بن حبيب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا إخْوَانِي تناصحوا فِي الْعلم وَلَا يكتم بَعْضكُم بَعْضًا فَإِن خِيَانَة الرجل فِي علمه كخيانته فِي مَاله وَالله سَائِلكُمْ عَنهُ (٤)
[ ٣ / ٦٦٥ ]
وَقد سبق (أ ٢١٤) عَن أبي عبد الله الزبير (١) وجوب الْعَارِية فِيمَن وجد سَمَاعه فِي كتاب غَيره وسبقت حكايته أَيْضا عَن القَاضِي إِسْمَاعِيل (٢) على تَفْصِيل فِيهِ
٤٤٩ - (قَوْله) وَعَن عمر وَابْنه من رق وَجهه رق علمه (٤ ٥)
قلت فِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كنت أَقْْرِئ رجَالًا من الْمُهَاجِرين مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقد كَانَ حَكِيم بن حزَام يقْرَأ على معَاذ بن جبل - ﵄ - فَقيل لَهُ تقْرَأ على هَذَا الْغُلَام الخزرجي فَقَالَ إِنَّمَا أهلكنا التكبر (٥) وَحَدِيث عَمْرو بن سَلمَة فِي إِمَامَة قَومهمْ (٦) وَهُوَ صبي لم يبلغ
[ ٣ / ٦٦٦ ]
لامتيازه عَلَيْهِم بتلقي (١) الْقُرْآن من الواردين وَالْأَصْل فِي ذَلِك قِرَاءَة النَّبِي ﷺ (٢) على ابْن مَسْعُود (٣) قَالُوا وَإِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ ليتواضع النَّاس وَلَا يستنكفون أَخذ الْعلم عَمَّن دونهم مَعَ مَا فِي ذَلِك من ترغيب الصَّغِير فِي الازدياد إِذا رأى الْكَبِير يَأْخُذ عَنهُ كَمَا يحْكى عَن بَعضهم أَنه سمع صَبيا فِي بعض مجَالِس الْعلم يذكر شَيْئا فَطلب الْقَلَم وَكتبه مِنْهُ (٤) وَالله تَعَالَى أعلم
(انْتهى الْمَوْجُود من هَذَا التَّعْلِيق النفيس للْمُصَنف الرئيس شيخ الْإِسْلَام بدر الدّين الزَّرْكَشِيّ تغمده الله تَعَالَى برحمته وَأَسْكَنَهُ فسيح جنته ونفعنا ببركته (٥) وبركة علومه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة (سَبِيل الْحق) وحشرني مَعَه فِي زمرة سيدنَا رَسُول الله ﷺ ببركة النَّبِي ﷺ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل) (أ / ٢١٥) (د / ١١٩)
وَفِي نُسْخَة دمشق ختام الْكتاب وَكَانَ الْفَرَاغ من تَعْلِيق هَذَا الْكتاب الْمُبَارك حادي عشْرين شهر ربيع الأول سنة تسع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم
[ ٣ / ٦٦٧ ]