وجد في بعض الرواة من عد في الصحابة؛ لشبهة رواية وقعت له عن النبي ﷺ، أو لزعم بعض أهل السيرة أنه ولد في حياة النبي ﷺ، فمثل
_________________
(١) مُتفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ١٦٨٥) ومسلم (رقم: ١٢٥٥).
(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن عدي (١/ ١٢٥) وتمام الرازي في " الفوائد " (رقم: ٦٢٥ - ترتيبه) والبيهقي في " الكبرى " (٧/ ٢١٢) و" دلائل النبوة " (٤/ ٣٣٢) وابن عبد البر في " التهيد " (٣/ ١٥٨) وابن عساكر في " تاريخه " (٣٦/ ٤٢٦ - ٤٢٧، و٥٤/ ١٢٣) من طريق الأوزاعي، عن عطاء، به. وهو عند البُخاري في " صحيحه " (رقم: ١٧٤٠) وغيره من طريق الأوزاعي، بحديث ابن عباس دونَ توهيم سعيد له. وقال ابن عبد البر: " هكذا في الحديث: قال سعيد بن المسيب، فلا أدري أكان الأوزاعي يقوله أو عطاء ". قلت: هوَ من قول عطاء أولى؛ لاتصالته بالخبر من روايته.
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوَسيلة (ص: ١٦١).
[ ١ / ٣٤٥ ]
هؤلاء، إذا وجدت في أحدهم الجرح، فليس هو عند الجارح معدودًا في الصحابة، وثبت عليه الجرح عنده بسبب من أسبابه.
وذلك مثل (بسر بن أرطاة) ويقال: (ابن أبي أرطاة)، فقد عده بعضهم في الصحابة، ولا تثبت له صحبة على التحقيق، قال يحيى بن معين: " أهل المدينة ينكرون أن يكون سمع بسر بن أبي أرطاة من النبي ﷺ، وأهل الشام يروون عنه عن النبي ﷺ " (١).
ولما ثبت عنه من الظلم والفساد في الأرض لهوى بني أمية، قال فيه يحيى بن معين: " رجل سوء " (٢).
وأورده ابن عدي في " كتابة " في المجروحين لقول ابن معين فيه، وأورد له حديثين: أحدهما: دعاء مرفوع، والآخر: " لا تقطع الأيدي في الغزو "، وقال: " بسر بن أبي أرطاة مشكوك في صحبته للنبي ﷺ، لا أعرف له إلا هذين الحديثين، وأسانيده من أسانيد الشام ومصر، ولا أدري بإسناد هذين بأسًا " (٣).
قلت: إن سلم الحديثان من النكارة، فلا يسلم إسناد فيه مثل بسر من السقوط، فإن ما تقدم له من الفساد يتعذر في مثله التأويل.
والمهم أن تدرك هنا أنه لا يوجد قدح في عدالة من ثبتت صحبته، إنما وجد مثل هذا فيمن اختلف فيه، والراجح عدم صحبته.
وقد يقول الناقد في الرجل: (مجهول)، وغيره يدعي له الصحبة، فلا تحمل قول بعضهم على بعض، فتظن أن من الصحابة من يطلق عليه ذلك، وإنما هذا تعارض بين أن يكون تابعيًا مجهولًا، أو صحابيًا، فإن رجح القول بصحبته، وإلا فهو تابعي مجهول، فابحث عن راجحه بحجته.
_________________
(١) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٦٤٣).
(٢) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٥٢٣٦).
(٣) الكامل (٢/ ١٥٣).
[ ١ / ٣٤٦ ]
وذلك مثل (معبد بن خالد الجهني أبي رغوة)، فقد قال ابن أبي حاتم: " له صحبة، روى عن أبي بكر وعمر، ﵄، مات سنة ثنتين وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول " (١)، وقد قال فيه يحيى بن معين: " ثقة " (٢).
قلت: الأشبه أن يكون صدر هذه المقالة من كلام ابن أبي حاتم، لا من كلام أبيه، وأن قوله من بعد: " سمعت أبي يقول ذلك "، إشارة إلى روايته عن أبي بكر وعمر، وما بعده من الكلام، وكذلك وجدت ابن عبد البر نسب القول بصحبته لا بن أبي حاتم، لا لأبيه، وتبعه عليه ابن الأثير وابن حجر وغيرهما (٣).
وحيث قام هذا الاحتمال فلا يصح الاعتراض بهذه الصورة على الأصل في انتفاء جرح الصحابي بالجهالة، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه أورد توثيقه عن ابن معين، فدل على أصل الاختلاف فيه، ولم أجد مستندًا في ذكر عمره الذي أقام شبهة صحبته إلا كلمة للواقدي، وهو متروك غير ثقة، نقلها عنه من سميت آنفًا وغيرهم.
وقال أبو حاتم الرازي في (خذام بن وديعة): " مجهول " (٤)، وغيره يثبت له الصحبة.
وكذا قال في (مدلاج بن عمرو السلمي) (٥)، وهو صحابي على الراجح، ولا رواية له.
_________________
(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٧٩).
(٢) تاريخ الدارمي (النص: ٧٢٤).
(٣) انظر: الاستعياب، لابن عبد البر (١٠/ ١٥٨ - ١٥٩ هامش الإصابة)، وأسد الغابة، لابن عبد الأثير (٤/ ١٦٠) والإصابة (٩/ ٢٤٢).
(٤) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٠٠).
(٥) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤٢٨).
[ ١ / ٣٤٧ ]