وهذا كثير في الأسانيد، خصوصًا لما بينا في الكلام على العنعنة أنهم كانوا يتخففون بذكرها عن سياق ألفاظ السماع، ولا ريب أن حفظها زيادة تدفع الشبهة عن حديث الموصوف بالتدليس من الثقات، بل تنفي على أي حال شبهة الانقطاع.
وقبولها مشروط إضافة إلى كون الراوي الحافظ لها ثقة بأن يصح الإسناد إليه، وأن يسلم ذلك من المعارض الراجح، فقد تقوم الحجة على وهم الثقة في ذكر السماع (١).
والصور المتقدمة كان السلف من أئمة هذا العلم يعتنون بتمييزها وحفظها، ويعيبون على من يقع له الحديث على وجهين: ظاهر الاتصال في أحدهما، ومنقطع في الآخر، فيحدث بما ظاهره الاتصال دون المنقطع.
كما قال الميموني: تعجب إلي أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - ممن يكتب الإسناد ويدع المنقطع، ثم قال: " وربما كان المنقطع أقوى إسنادًا وأكبر "، قلت: بينه لي، كيف؟ قال: " يكتب الإسناد متصلًا وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادًا منه، وهو يرفعه ثم يسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي ﷺ "، معناه: لو كتب الإسنادين جميعًا عرف المتصل من المنقطع، يعني: ضعف ذا، وقوة ذا (٢).
_________________
(١) واستفد مِثاله مما تقدم ذكْره في خطأ من روى عن عبد الجبار بن وائل سماعَه من أبيه وائل بن حجر، في (اتصال الإسناد).
(٢) أخرجه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٥٧٦) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
رابعًا: الزيادة في متن الحديث.
وهي ما يقع في ألفاظ متن الحديث الواحد المتحد في أصله، كحديث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، من مفردة، أو مفردات، أو جملة، أو مقطع، أو قصة، أو ما يزيد حتى يبلغ أن يكون بمنزلة حديث آخر.
وهو كثير في الأحاديث، ويمكن أن يستفاد بعض مثاله مما بينته من مثال لفوائد المستخرجات على " الصحيحين "، وما يقع فيها من زيادات الرواة في المتون.
وربما كان تمام الحديث بتلك الزيادة، ومن لم يذكرها اختصره، ففوت باختصاره ما قد يدل عليه من العلم أصل سياقه.
وقد اعتنى به جماعة من فقهاء المحدثين، كأبي داود السجستاني في " السنن "، وأبي بكر النيسابوري في " الزيادات على كتاب المزني "، والبيهقي في " السنن ".
وجمع ألفاظ الحديث، وتبيين ما يزيد الثقات في متنه على بعضهم يحرر أصول كثير من الأحاديث، وربما أبان عن معنى يتحصل بتلك الزيادة، أو بتمام السياق لم يكن ليحصل بدونه.
بل في اختلاف الفقهاء مسائل كثيرة يعود سبب اختلافهم فيها إلى هذا المعنى كاختلافهم في كفارة المواقع في رمضان، وهل هي لإفطاره بأي سبب، أو لإفطاره بالمواقعة خاصة، وحكم القضاء له، أو عدمه، وكاختلافهم في صفة القعود للتشهد من صلاة الصبح بالتورك أو الافتراش، لما جاء به الرواة لحديث أبي حميد السَّاعديِّ في صفة الصلاة اختصارًا وتمامًا، وغير ذلك.
ومن مثاله الذي يتنازع أئمة الحديث قبوله: زيادة " وإذا قرأ فأنصتوا " في حديثي أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، من قبل بعض الثقات في حديث كل منهما عن النبي ﷺ: " إنما جعل الإمام ليؤتم به "، وهو حديث معروف الصحة، سوى هذه الزيادة، فقد اختلفوا فيها قبولًا وردا.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
وقد أورد مسلم الحديث بها في " صحيحه " (١) من حديث أبي موسى، ولم يبال بما قاله غيره من تفرد سليمان التيمي بها عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى، من أجل ما عرف من إتقان التيمي.
بينما أحجم مسلم أن يسوق الحديث بها في " صحيحه " من حديث أبي هريرة مع حكمه بصحته، من أجل شدة إنكارهم لها على محمد بن عجلان، إذ تفرد بها عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
قال إبراهيم بن سفيان راوي " الصحيح " عن مسلم: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث (٢)، فقال مسلم: " تريدُ أحفظ من سليمان؟ "، فقال أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: " هو عندي صحيح "، فقال: لِمَ لم تضعه ههنا؟ قال: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه (٣).
تنبيه:
ربما أطلق بعض العلماء عبارة: (زيادة الثقة) على ما يأتي به الصحابي من العلم في حديث يشاركه فيه صحابي آخر عن النبي ﷺ، لكن هذا الآخر لا يذكر تلك الزيادة في حديثه.
مثل ما وقع في حديث عبد الله بن مغفل في غسل الإناء من ولوغ الكلب: " وعفروه الثامنة بالتراب"، فجعل غسلة التراب غير الغسلات السبع، وأبو هريرة حين روى ذلك جعل غسلة التراب من السبع، قال البيهقي: " أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، فروايته أولى "، فتعقبه الناقد ابن
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٣٠٤).
(٢) يعني زيادة سُليمان التيميِّ في حديث أبي موسى.
(٣) صحيح مُسلم (١/ ٣٠٤)، والكلام حول الحديثين تفصيلًا في كتابي " الإعلام بحكم القراءة خلف الإمام ".
[ ٢ / ٦٧٨ ]
التركماني الحنفي فقال: " بل رواية ابن مغفل أولى؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة، خصوصًا من مثله " (١).
وصاغ ذلك ابن حجر بصيغة أخرى، فقال: " هي زيادة ثقة، فيتعين المصير إليها " (٢).
وكذلك وقع في كلام طائفة من العلماء (٣).
وهذا من جهة الاصطلاح واسع، لكنه ليس المراد بكلامهم في زيادات الثقات عادة، وإنما يعنون بها زيادات الرواة الثقات فيمن دون الصحابي أصل الحديث، على اعتبار أن رواية الصحابي حديث مستقل لذاتة، بخلاف ما تتفرع به الأسانيد منه، فإنها جميعًا تنتهي إليه (٤).
وكما يكون ذلك في الزيادة يكون كذلك في الموافقة والمخالفة، ففي الموافقة فكل منهما شاهد لحديث الآخر، وفي المخالفة يتبع طريق النظر في مشكل الحديث.
غير أنك لو استعملت هذه العبارة فقلت: (زيادة ثقة) فيما اتحدت فيه القصة مما يحدث به الصحابيان فأكثر يزيد بعضهم على بعض، فليس في ذلك من حرج، وإنما المقصود التنبيه على طريقة القوم.
_________________
(١) انظر: " السنن الكبرى " للبيهقي (١/ ٢٤٢)، و" الجوهر النقي " لابن التركماني، بهامشها (١/ ٢٤١).
(٢) التلخيص الحبير (ا / ٢٤)، وظاهر السياق نِسبة العبارة إلى ابن مندَه، وليست كذلك، وانظُر: " البدر المنير " لابن الملقَّن (٢/ ٣٢٩). وذكرت هذا من أجل التمثيل، وفي تسليم القول بخصوص هذين الحديثين على وَفْقِ ما أوردت أن تكون هذه زيادة، نظرٌ، إذ الأبين تعارضُ الروايتين في بيان ليس هذا محله.
(٣) انظر مثاله في كلام بعض المتأخرين: ابن قدامة في " المغني " (١/ ٤١٩، ٥٠٣، ٥٥٣) و" الكافي "
(٤) نبَّه على شيء من معنى هذا ابن رجب في " شرح علل الترمذي " (٤٢٤).
[ ٢ / ٦٧٩ ]
خامسًا: الإدراج.
ويقع في الإسناد والمتن.
ولوقوعه في روايات الثقات صور ثلاث:
الصورة الأولى: أن يكون وهمًا من الثقة، وهو أن يدخل حديثًا في حديث، كأن يسوق إسنادًا، ثم يدخل عليه متنًا مرويًا بإسناد آخر، وهذا أكثر ما يدخل من صور الإدراج تحت (علل الحديث)، وسيأتي مثاله في (التعليل بالغلط).
الصورة الثانية: أن يقع الحديث للراوي بإسنادين أو أكثر، ربما اختلفت وصلًا وإرسالًا، أو تفاوتت فيما بينها في المتن زيادة ونقصًا، فيحمل رواية بعضهم على بعض، ولا يبين حديث هذا من حديث هذا.
وادعي أنه ربما فعله سفيان بن عيينة، ولم أقف له على مثال، وعيب على محمد بن إسحاق (١).
ومثله قادح في الحديث، تعل به الرواية.
وكان الزهري يجمع بين الروايات المسندة من روايات الثقات من شيوخه، ويحمل ألفاظ بعضهم على بعض.
كما قال في سياقه لقصة حديث الإفك: " أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة، زوج النبي ﷺ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصًا (٢)، وقد وعيت عن كل واحد منهم
_________________
(١) انظر ما سأذكره في مبحث (الحديث المدرج) في (القسم الثاني) من هذا الكتاب.
(٢) أي سياقًا للقصة.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضًا، ذكروا أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت " الحديث (١).
قال القاضي عياض: " هو مما انتقد قديمًا على الزهري؛ لجمعه الحديث عنهم، وإنما عند كل واحد منهم بعضه، وقيل: كان الأولى أن يذكر حديث كل واحد منهم بجهته، ولا درك (٢) على الزهري في شيء منه؛ لأنه قد بين ذلك في حديثه، والكل ثقات أئمة لا مطعن فيهم، فقد علم صحة الحديث، ووثق كل لفظة منه، إذ هي أحد هؤلاء الأربعة الأقطاب عن عائشة " (٣).
وحين حدث محمد بن إسحاق بهذا الحديث عن الزهري، ذكر عنه هذا التلفيق وزاد، فقال عن الزهري: " كل قد حدثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت لك الذي حدثني القوم "، قال محمد بن إسحاق: " وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، عن نفسها، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعًا، يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها ما سمع " (٤).
قلت: فمثل هذا لا يعل بمثل هذا التصرف؛ لكونه متصلًا، ويعود في جملته إلى رواية الثقات، وإن كان خلاف الأولى.
وإنما يكون قادحًا معللًا لو كان بعض تلك الطرق مرسلة أو ضعيفة.
وذلك كالإدراج الذي وقع من الزهري في روايته عن ابن أُكيمة الليثي، عن أبي هريرة:
_________________
(١) مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: ٢٥١٨، ٣٩١٠، ٤٤٧٣) ومسلم (رقم: ٢٧٧٠).
(٢) أي لا تَبعةَ، أو مؤاخذة.
(٣) إكمال المُعلم، للقاضي عياض اليَحصُبي (٨/ ٢٨٦).
(٤) السيرة النبوية، لابن هشام، عن ابن إسحاق (٣/ ٣٠٩ - ٣١٠).
[ ٢ / ٦٨١ ]
أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: " هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟ "، فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله، قال: فقال رسول الله ﷺ: " إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ ".
فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ.
قلت: فهذه الجملة (فانتهى الناس. .) إلى آخره، مما أدرجه الزهري في الحديث في قول عامة متقدمي النقاد ممن تعرض للقول في هذا الحديث، كالبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي وأبي داود السجستاني والبيهقي والخطيب، وغيرهم، وبينوا وجه ذلك وحجته بما يطول المقام بتفصيله (١).
وهي عبارة لا يقولها الزهري إلا بتوقيف؛ لأنها خبر، فلا بد أن يكون تلقاها بواسطة بينه وبين زمان النبوة، وليست تلك الواسطة في الراجح: ابن أُكيمة عن أبي هريرة، إذ لا تساعد الروايات على تصحيح ذلك، فهي إذًا رواية مرسلة.
فيكون الزهري قد أدرج بعض ما هو مرسل فيما هو موصول.
وهذا لا يدعى في شيء من الحديث حتى تقوم الحجة عليه، كما تراه وقع في هذا الحديث، أو تقوى الشبهة فيه.
الصورة الثالثة: أن يقع بقصد لفائدة، وليس هذا من علل الحديث.
وإدراج الزيادة من هذا يبين عادة، وإن ترك بيانه فلظهوره فلا محظور منه ولا يُعل به.
وهو مثل إدراج لفظة تشرح اسم راوٍ في الإسناد، بتبيين نسبه أو جرحه وتعديله، أو شيء من أمره، وهو كثير الورود في الأسانيد، فهذا يأتي الإدراج فيه بقرينة مبينة.
_________________
(١) شرحته في كتاب " علل الحديث ".
[ ٢ / ٦٨٢ ]
مثاله: قول أبي داود السجستاني: حدثنا مخلد بن خالد، قال: حدثنا إبراهيم، يعني ابن خالد، عن رباح بن زيد فذكر بإسناده حديثًا (١).
فعبارة (يعني ابن خالد) إدراج من أبي داود، وعلامة الإدراج قوله: " يعني "، ولو لم تأت هذه
القرينة وجاء السياق بلفظ: (إبراهيم بن خالد)، لم يصح ادعاء الإدراج في تفسيره وإنما هو تعريف مخلد نفسه بشيخه.
ومما لايبين لظهوره مثلا، ما تراه في كتاب يعقوب بن سفيان، حيث يسوق إسناده إلى راو، لا يريد ذكر روايته، وإنما ينتهي إليه ليبين درجته في الحديث.
كقوله مثلا: " حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن صلة بن أشيم، تابعي كوفي ثقة " (٢).
فعبارة (تابعي كوفي ثقة) ليست من كلام سفيان الراوي عن صلة وهو الثوري، ولا مدرجة من كلام أبي نعيم الفضل بن دُكيِّن، إنما هي من إنشاء الحافظ يعقوب بن سفيان، يستعمل ذلك كثيرًا في كتابه هذا ومثله بين للمعتني بهذا العلم.
فإن قلت: فماذا لو جاء الإسناد في موضع يقول فيه الثقة مثلا: (حدثنا حماد)، ويأتي في مكان آخر يقول فيه ذلك الثقة: (حدثنا حماد بن زيد)، فهل تكون زيادة (ابن زيد) مدرجة من قول من حدث بذلك الإسناد عن ذلك الثقة؟ أم هي من زيادة الثقة، يحفظ الزيادة في الإسناد كما يحفظ الزيادة في المتن، يذكرها بعض الرواة عنه ولا يذكرها بعضهم؟
قلت: بل هي زيادة ثقة محفوظة كجزء من روايته، لا تنسب إلى غير ذلك الثقة المحدث بها عن ذلك الشيخ المهمل، ولا يدعى عليها الإدراج إلا بحجة تفسره، أو شبهة قوية تقوم دون التسليم بقبولها.
_________________
(١) سنن أبي داود (رقم: ١٣٢٤).
(٢) المعرفة والتاريخ (٣/ ٩٠).
[ ٢ / ٦٨٣ ]
القسم الأول: زيادة الثقة في الإسناد:
ويقع مثل ذلك الإدراج في المتون أيضًا، بقصد شرح لفظ غامض أو نحو ذلك.
مثل: ما جاء في أثناء قول عائشة في حديث بدء الوحي: ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد. . الحديث (١).
فعبارة: (وهو التعبد) جزم بعض العلماء أنها مدرجة من قول الزهري يشرح بها معنى التَّحنُّث، وفي رواية عن الزهري جاءت العبارة معترضة بصيغة: (قال: والتَّحنُّث: التعبد) (٢).
الأصل الثاني: الحكم في زيادة الثقة.
ما هو محل للتعليل من صور زيادات الثقات: زيادة الوصل في محل الإرسال، أو الراوي في محل العنعنة، أو زيادة الرفع في محل الوقف، أو الزيادة في متن الحديث.
وليس منه: المزيد في متصل الأسانيد، ولا زيادة التحديث في موضع العنعنة، فهذا لا أثر له فيما يأتي من الخلاف.
ونقسم الكلام في حكم زيادة الثقة عند أهل العلم إلى قسمين:
القسم الأول: زيادة الثقة في الإسناد: الوَصل، أو الرفع، أو راويًا في محل العنعنة.
بين أهل العلم في هذا اختلاف، حصره الخطيب في المذاهب الأربعة التالية:
_________________
(١) مُتفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٣، ٦٥٨١) ومُسلم (رقم: ١٦٠).
(٢) نقل ابن حجر القول بكونها مدرجة عن الطيبي (فتح الباري ١/ ٢٣)، والرواية الأخرى عن الزهري عند البخاري (رقم: ٤٧٦٠).
[ ٢ / ٦٨٤ ]
المذهب الأول: عدم قبول الزيادة، والحكم لتاركها، حكاه عن أكثر أهل الحديث.
المذهب الثاني: الترجيح بالعدد، فإن كان التارك أكثر فالقول قوله، وكذلك العكس.
قال الزَّيلعيُّ: " إن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة، وهو قول ضعيف؛ لبعد احتمال الغلط على العدد الأكثر، ولهذا جعلت الشهادة على الزنا أربعة؛ لأنه أكبر الحدود " (١)، وقال: " وإنما يرجح بكثرة الرواة إذا كانت الرواة محتجا بهم من الطرفين " (٢).
المذهب الثالث: الترجيح بالحفظ، فإن كان التارك أحفظ فقوله أرجح، وكذلك العكس. وهذه طريقة الدارقطني.
فمع إقراره بمبدأ: (الزيادة من الثقة مقبولة) لكنه لا يرجح به، إنما يرجح الأحفظ.
فقد سئل عن حديث اختلف فيه مطرف بن طريف وسفيان الثوري روياه جميعًا عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، فزاد مطَرِّف: عن عمر.
فأجاب بأن ثلاثة رووه عن مطرف، أتقن ثقتان على روايته عنه بزيادة عمر، ورواه عنه شريك القاضي، فلم يذكر عمر، ثم قال الدارقطني: " مطرف من الأثبات، وقد اتفق عنه رجلان ثقتان، فأسنداه عن عمر، ولولا أن الثوري خالفه فرواه عن زيد العمي فلم يذكر فيه عمر، لكان القول قول من أسند عن عمر، لأنه زاد، وزيادة الثقة مقبولة " (٣).
_________________
(١) نصب الراية (١/ ٣٥٩).
(٢) نصب الراية (١/ ٣٦٠). قلت: ويعني بالطرفين: طرف من زاد، وطرف من ترك.
(٣) العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني (٢/ ٧٥).
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وسئل عن حديث رواه إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ في فضل ما يقال عند الأذان. خالف ابن جعفر فيه: إسماعيل بن عياش، فرواه عن عمارة، عن خبيب عن النبي ﷺ مرسلًا، كما خالفهما: يحيى بن أيوب الغافقي، فرواه عن عمارة عن خبيب موقوفًا؟ فقال الدارقطني: " إسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب، وإسماعيل بن عياش، وقد زاد عليهما، وزيادة الثقة مقبولة " (١).
قلت: وهكذا رأيته فعل في مواضع، ثم الترجيح بالأحفظ هو القاعدة العامة التي جرى عليها الدارقطني في تعليله الأحاديث.
المذهب الرابع: قبول الزيادة من العدل الضابط، مطلقًا كان التارك لها واحدًا أو أكثر، مثله في الحفظ أو أحفظ منه.
وهذا المذهب قال الخطيب: " هو الصحيح عندنا؛ لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له، ولعله أيضًا مسند عند الذين رووه مرسلًا، أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر، وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى، لا يضعف ذلك أيضًا؛ لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معًا عن قصد منه فغرض له فيه " (٢).
وقال الخطيب: " اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفًا؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي ﷺ، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعًا، وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرًا في حديثه، فيرويه تارة مسندًا مرفوعًا، ويقفه مرة أخرى قصدًا واعتمادًا، وإنما
_________________
(١) العلل (٢/ ١٨٣).
(٢) الكفاية (ص: ٥٨١).
[ ٢ / ٦٨٦ ]
لم يكن هذا مؤثرًا في الحديث ضعفًا،. . . لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى؛ لأنه أزيد " (١).
ولهذا انتصر ابن حزم، ولم يعد الاختلاف في ذلك مؤثرًا في رواية الثقة موصلة (٢).
وهذه في التحقيق طريقة كبار النقاد من الأئمة، كما هو الشأن في إطلاق من أطلق: (زيادة الثقة مقبولة)، كأحمد بن حنبل، كما سيأتي، وغيره.
وسئل البخاري عن حديث إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، قال: " لا نكاح إلا بولي "؟ فقال: " الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث " (٣).
والبخاري لا يقبل زيادة الثقة مطلقًا، إنما يعتبر في ذلك قوة الحفظ، فإنه أعل أخبارًا بالاختلاف فيها وإرسالًا، أو رفعًا ووقفًا، ولا يقبل فيها زيادة الوصل أو الرفع، في أمثلة في " التاريخ " وعلل الترمذي ". وقال مسلم بن الحجاج: " والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذي لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم " (٤).
وقال أبو زرعة الرازي في شأن زيادة وصل لعبد الله بن المبارك: " إذا زاد حافظ على حافظ قبل، وابن المبارك حافظ " (٥). كما قال كذلك في زيادة الوصل أيضًا: " زيادة الحافظ على الحافظ تقبل " (٦).
_________________
(١) الكفاية (ص: ٥٨٧ - ٥٨٨).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٨، ١٤٩).
(٣) أخرجه البيهقي في " الكبرى " (٧/ ١٠٨) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٨٢) وإسناده جيد.
(٤) التمييز (ص: ١٨٩).
(٥) علل الحديث، لابن أبي حاتم (١/ ٣١٨).
(٦) علل الحديث لابن أبي حاتم (٢/ ٣٠٢).
[ ٢ / ٦٨٧ ]
قلت: والعمل بهذا الإطلاق يشبه أن يكون عليه عمل عامة المتأخرين من علماء الحديث، كالحاكم والبيهقي وابن الجوزي، ومن بعدهم.
قال أبو يعلى الخليلي، وهو يذكر نوعًا من أنواع علل الحديث: " أن يروي الثقات حديثا مرسلا، وينفرد به ثقة مسندا، فالمسند صحيح وحجة، ولا تضره علة الإرسال " (١). وقال ابن القطان الفاسي من المتأخرين بعد أن ذكر حديثًا أعل بالإرسال والواصل ثقة: " هو نظر غير صحيح أن تعل رواية ثقة حافظ وصل حديثا رواه غيره مقطوعا، أو أسنده ورواه غبره مرسلا؛ لأجل مخالفة غيره له، والأمر يحتمل أن يكون قد حفظ ما لم يحفظه من خالفه، وإذا كان المروي من الوصل والإرسال عن رجل واحد ثقة، لم يبعد أن يكون الحديث عنده على الوجهين، أو حدث به في حالين، فأرسل مرة، ووصل في أخرى، وأسباب إرساله إيَّاه متعددة:
فقد تكون أنه لم يحفظ في الحال حتى راجع مَكتوبًا إن كان عنده، أو تذكَّر، أو لأنه ذكره مُذاكرا ً به، كما يقول أحدنا: قال رسول الله ﷺ، لِما هو عنده بسنده، أو لغير ذلك من الوجوه.
وإنما الشأن في أن يكون الذي يُسند ما رواه غيره مَقطوعًا أو مُرسلًا، ثقة. فإنه إن لم يكن ثقة لم يُلتفت إليه ولو لم يُخالفه أحدٌ، فإذا كان ثقة فهو حُجة على من لم يَحفظ.
وهذا هو الحق في هذا الأصْل، وكما اختاره أكثر الأصوليون فكذلك أيضًا اختاره من المحدثين طائفة، وإن كانَ أكثرهم على الرأي الأول، فمَّمن اختار ما اخترناه: أبو بكر البزار، ذهب إلى أنه إذا أرْسل الحديث جَماعة،
_________________
(١) الإرشاد (١/ ١٦٣).
[ ٢ / ٦٨٨ ]
وحدَّث به ثقةٌ مسندا، كان القول قول الثقة (١)، فيجيءُ على قوله أحرى وأولى بالقبول: ما إذا أرسل ثقةٌ ووصل ثقة، فإنه إذا لم يُبال بإرسال جماعة إذا وصله ثقة، فأحرى أن لا يُباليَ بإرسال واحدٍ إذا أسْنده ثقة " (٢).
الراجح:
والراجح المحرر في هذا من بين مذاهبهم، القول: زيادة الثقة للوصْل في موضِع الإرسال، أو الرفع في موضع الوقف، أو الواسِطة في موْضع العنعنة، مقبولة، ما حققت فيها اعْتبارين:
الأول: أن يكون الراوي ثِقة ضابطًا، لا يُذكر بلين في حفظه.
والثاني: أن يَبْرأ من قيام حُجة على خطئه فيما زاد.
قال الترمذي: " وإنما تصحُّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حِفظه " (٣)، وقال: " إذا زاد حافظ ممن يُعتمد على حِفظه قُبل ذلك منه " (٤).
قلت: فأما الصدوق ومن في حِفظه لين فلا تقبل زيادته، فهؤلاء قد يزيد أحدهم الشيء وهْما، كمن يزيد الوصل في الإسناد المرسل يُجريه على الجادَّة غفلة.
قال أحمد بن حنبل: " كان ابنُ المنكدر رجُلًا صالحًا، وكان يُعرف بجابر، مثل ثابت عن أنس، وكان يُحدث عن يزيد الرَّقاشي، فربَّما حدَّث بالشيء مُرسلًا فجعلوه عن جابر " (٥).
_________________
(١) وذلك في قول البزار عقب حديث أبي سعيد مرفوعًا: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة .. " قال: " وهذا الحديث قد رواه غيرُ واحد عن زيد عن عطاء بن يسار مرسلًا، وأسنده عبدُ الرزاق عن معمر والثوري، وإذا حدث بالحديث ثقةٌ فأسنده كان عندي الصواب، وعبد الرزاق ثقةُ " نقله ابنُ القطان في " بيان الوهم " (١/ ٣١٠).
(٢) بيان الوَهم والإيهام، لابن قطان (٥/ ٤٣٠).
(٣) كتاب (العلل) آخر " الجامع " (٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣).
(٤) كتاب (العلل) آخر " الجامع " (٦/ ٢٥٣).
(٥) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٠٢).
[ ٢ / ٦٨٩ ]
وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: " يونُس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على حديث الناس "، قلت: يقولون: إنه سمع في الكتاب فهو أتمُّ، قال: " إسرائيل ابنه سمع من أبي إسحاق وكتب، فلم يكن فيه زيادة مثل ما يزيد يونس " (١).
قلت: ولمثل هذا المعنى تردد شُعبة بن الحجاج في حديث تفرّد برفعه سماك بن حرب دون جماعة من الثقات وقفوه، وذلك أن سِماكًا وإن كان ثقة، لكنه يَهم ويُخطئُ وفي حفظه شيءٌ.
قال أبو داود الطيالسي: سمعت خالد بن طُليق يسأل شعبة، فقال: يا أبا بسْطام، حدثني حديث سِماك بن حرب في اقْتضاء الذهب من الوَرق، حديث ابن عُمر، فقال: " أصلحك الله، هذا حديثٌ ليس يرفعه أحدٌ إلا سماك "، قال: فترهبُ أن أرْوي عنك؟ قال: " لا، ولكن حدثنيه قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ولم يرفعه وأخبرنيه أيوب عن نافع عن ابن عمر، ولم يَرفعه، وحدثني داود بنُ أبي هند عن سعيد بن جبير، ولم يَرفعه، ورفعه سِماك، فأنا أفْرقُه " (٢).
تنبيهان:
التنبيه الأول: الحديث قد يختلف فيه النقلة رَفعًا ووقْفًا، لكن يوجد في الرواية الموقوفة ما يدل على كون الخبر لا يُقال إلا بتوْقيف، فيكون ذلك دليلًا على ترجيح الرَّفع.
وذلك نحو حديث أبي سعيد الخُدري، قال: " من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة، أضاء الله له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق ".
_________________
(١) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٤٤)، ورواه كذلك عن أحمد: الفضل بن زياد، أخرجه عنه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (٢/ ١٧٣ - ١٧٤).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ١٥٨) والعُقيلي في " الضعفاء " (٢/ ١٧٩) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
فهذا الحديث مما اختلف فيه رفعًا ووقفا (١)، والصناعة الحديثية بناءً على الأصل المتقدم في قبول زيادة الثقة لا تُساعد على قبول زيادة الرفع من جهة حِفظ من زادها، ولكنه اعتضد بكون هذا وإن كان الراجح فيه الوقف بناءً على القواعد، لكنه مرفوعًا حُكمًا، إذ مثله لا يُقال من قبل الرأي، فكانت هذه قرينة مُرجحة لزيادة الرَّفع في التحقيق.
التنبيه الثاني: من الثقات المتقنين من كانوا يُوقِفون الحديث تَقصيرًا، وغيرهم يَرفعه، فمن تبيَّن ذلك منه لم يَصحَّ أن يُقام صَنيعه مُخالفة مُعتبرة للثقة الذي رفع الحديث.
كقول أبي بكر المُروذيِّ: سألته (يعني أحمد بن حنبل) عن هشام بن حسان؟ فقال: " أيوب وابنُ عوْن أحب إليَّ " وحسَّن أمر هشام، وقال: " قد روى أحاديث رَفعها أوْقفوها، وقد كانَ مذْهبهم أن يُقصروا بالحديث ويوقفوه " (٢).
القسم الثاني: زِيادة الثقة في المتن.
مَذهب جُمهور أهل الفقه والأصول قَبولها، ونسب بَعضهم إلى الإمام أبي حنيفة أنه ردَّها (٣).
والتحقيق: أن مَذهب أبي حنيفة الذي يتبين من صنيع أصْحابه: قبولُ زيادة الثقة، كما وَجدته في كلام الطحاوي (٤)، وتعلق به المتأخرون في مَواضع، كابن الهُمام (٥)، وذكروه على التسليم.
وأحْسب الوهْم دخل على من نسب ردَّ الزيادة لأبي حنيفة، من جهة مذْهبه في النَّصَّين المستقلين، في أحدهما من الحُكم ما ليس في الآخر،
_________________
(١) كما شرحته في كتاب " الأجوبة المرْضية " (ص: ١٧ - ٢١).
(٢) العلل ومعرفة الرجال، رواية المرُّوذي (النص: ٧٨).
(٣) البرهان، لإمام الحرمين (١/ ٦٦٢)، المنخول، للغزالي (ص: ٢٨٣)، المستصفى، له (ص: ١٩٤).
(٤) انظر: شرح مشكل الآثار، للطحاوي (١٢/ ٤٤٠).
(٥) انظر: شرح فتح القدير، لابن الهمام (٢/ ٦٨).
[ ٢ / ٦٩١ ]
يتراخى أحدهما، فليس من مذهبه بناء المطلق على المقيد ولا العام على الخاص في هذه الحالة، وإنما يرى المتأخر منهما ناسخًا، وإلا تعارضا، في تفصيل يُعرف من أصول مذهبه (١).
وليست هذه المسألة من باب زيادة الثقة في الحديث الواحد المعين.
وكذلك الشأن عنْد أهل الصنعة، أهل الحديث، فإن الزيادة في المتن عندهم مَقبولة إذا كانَ من جاء بها ثِقة مُتقنا، لم يَقم دليل على وهمه فيها.
فكذلك كان أحمد بن حنبل يرى، كما سيأتي بعض قوله، وعلى ذلك جرى منهج الشيخين البُخاري ومسلم، فخرَّجا الكثير من مُتون الحديث يزيد الرُّواة فيها على بعضهم، يُصححان كل ذلك.
وسأل عبدُ الرحمن بنُ أبي حاتم أباه وأبا زُرعة عن حديث رواه أبو إسحاق السبيعي عن حارثة بن مُضرِّب في قصة ابن النواحة، الزيادة التي يزيد أبو عوانة أنه قال: " وكفَّلهم عشائرهم ": هو صحيح؟ فقالا: " رواه الثوري ولم يذكره هذه الزيادة، إلا أن أبا عوانة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة " (٢).
_________________
(١) انظر: شرح التلويح على التوضيح، للسعد التفتازاني (٢/ ٣٦)، و: كشف الأسرار عن أصول البزدوي، لعلاء الدين البخاري (٣/ ١١٠ - ١١٢).
(٢) علل الحديث لابن أبي حاتم (رقم: ١٣٩٧) ومن قول أبي حاتم في قبول الزيادة أيضًا (رقم: ٣٦١). وقصة ابنِ النواحة هذه صحيحة الإسناد، أخرجهما البيهقي في " الكبرى " (٦/ ٧٧ و٨/ ٢٠٦) والخطيب في " الموضح لأوهام الجمع والتفريق " (٢/ ١٠٧ - ١٠٨) من طريق أبي عوانة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب، قال: صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود، فذكر الحديث، وفيه الزيادة المذكورة من قول جَرير بن عبد الله والأشعث بن قيس، فيما أشارا به على ابن مسعود. وعلق الزيادة المشار إليها البخاري في " صحيحه " في (كتاب الكفالة) (٢/ ٨٠١). والتحقيق أن أبا عوانة لم يتفرد بها عن أبي إسحاق، بل تابعه عليها: إسرائيل بن يونس. فيما أخرجه الطحاوي في " شرح المشكل " (١١/ ٣١٢ - ٣١٣). والحديث بدونها رواه الأعمش وسُفيان الثوري وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق، في تفصيل له محلٌّ آخر.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
وذكر الخطيب في قبول الزيادة من الثقة أو ردّها من متن الخبر مذاهب، ورجح منها قول الجُمهور، وهو: أن الزيادة الواردة في متن خبر مقبولة مُطلقًا، ومعمولٌ بها، إذا كان راويها عدْلًا حافظًا ومُتقنًا ضابطًا (١).
والوجه في قبولها: أن الثقة إذا انفرد بحديث لم يأت به غيره، فهو صحيح مُحتجٌّ به، فإذا كانَ يُقبل تفرده بالحديث، فتفرَّده بالزيادة أولى بالقبول.
كما نقل صالحُ بن أحمد عن أبيه في زيادةِ (من المسلمين) في حديثِ ابن عمر في زكاة الفِطر، قال: " قد أنكر على مالك هذا الحديث، ومالكٌ إذا انفرد بحديث فهو ثقة، وما قال أحدٌ ممن قال بالرأي أثْبتَ منه في الحديث " (٢).
فهو يقول: إذا انفرد بحديث فهو ثقة، فكذلك يَجب أن تُقبل الزيادة يتفرد بها.
فإن قيل: الحديث الواحد يُمكن أن يَسْمعه الراوي دون أن يُشاركه أحدٌ، أما الزيادة في متن حديث مَسموع لغيره كما هو مسموع له، لا يحفظ فيه ذلك الغير تلك الزيادة، فيَنبغي أن يكون دليلًا على خطئها.
قيل: كلاَّ، وذلك لوُجوه، منها:
أولًا: مَظنة أن يكون الراوي يُحدث بالحديث في الأحوال والأزمانِ المختلفة واقعٌ صحيحٌ، فتحديثه بالحديث تارة ببعض الاختصار وتارة بالتمام غير ممتنع (٣)، فسمعه النقلة على الوجهين.
ثانيا: كما أنه لا يَمتنع أن يحضر الجماعة المجلس الواحد، فيسمعوا
_________________
(١) الكفاية (ص: ٥٩٧)، وانظر: الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (٢/ ٩٠ - ٩١).
(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه صالح (النص: ١١٦٠).
(٣) ذكر معنى هذا الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٩٨).
[ ٢ / ٦٩٣ ]
الحديث جميعًا، فيحفظ بعضهم ما لا يحفظه الآخر، وإذا جاز أن يَسمع الراوي الحديث فينساه كله، فأولى من ذلك صِحة احتمال نِسيان بعضه.
ثالثًا: وكذلك فإن بعض الرواة عن ذلك الشيخ قد يَعمد إلى اختصار الحديث، فلا يجوز أن يكون صنيعه قادحًا في رواية من جاء بلفظ أتم من لفظه.
وللزَّيْلعي في زيادة الثقات في المتون تفصيل مُعتبرٌ، يؤيد ما تقدم من أن القبولَ مَشروطٌ بإتقان الراوي لها، وعدم خطئه فيها، فإنه قال في شأن زيادة ذكْر البَسملة في حديث أبي هريرة من رواية نُعيم المُجمر عنه: " فإن قيل: قدْ رواها نُعيم المجمر، وهو ثقةٌ، والزيادة من الثقة مقْبولة.
قلنا: ليس ذلك مُجمعًا عليه، بل فيه خلاف مَشهورٌ:
فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مُطلقًا، ومنهم من لا يَقبلها، والصحيح التفصيل، وهوَ أنها تُقبل في موضعٍ دون موضع.
فتُقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثِقةً حافظًا ثبْتًا، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس، قوله: " من المسلمين " في صدقة الفِطر، واحتج بها أكثر العلماء.
وتُقبل في موْضع آخر لقرائن تخصها.
ومن حكم في ذلك حُكمًا عامًا فقد غلط، بل كلُّ زيادة لها حكم يخصها، ففي مَوْضعٍ يُجزم بِصِحَّتها، كزيادة مالك.
وفي موضع يغلب على الظن صحتها، كزيادة سَعْد بن طارق في حديث: " جُعلت الأرْضُ مسْجدًا، وجعلت ترْبتُها لنا طَهُورًا "، وكزيادة سُليمان التميمي في حديث أبي موسى: " وإذا قرأ فأنصتوا ".
وفي موضع يُجزم بخطأ الزيادة، كزيادة مَعمر ومن وافقه، قوله: " وإن كانَ مائِعاَ فلا تقْربوه "، وكزيادة عبد الله بن زياد ذِكْر البسملة في حديث:
[ ٢ / ٦٩٤ ]
" قسمت الصلاة بيني وبين عبْدي نصْفين "، وإن كان مَعْمرٌ ثقةً، وعبد الله بن زياد ضعيفاَ، فإن الثقة قد يَغلط.
وفي موضع يَغلب على الظن خطؤها، كزيادة مَعمرٍ في حديث ماعز " الصلاة عليه "، رواها البُخاري في (صحيحه)، وسُئل هل رواها غيرُ معْمر؟ فقال: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقال فيه: " ولم يُصلِّ عليه "، فقد اختلف على معمرٍ في ذلك، والراوي عن معمرٍ هو عبد الرزاق وقد اختلف عليه أيضًا، والصواب أنه قال: " ولم يُصلِّ عليه ".
وفي موْضع يُتوقف في الزيادة، كما في أحاديث كثيرة.
وزيادة نُعيم المُجمر التسمية في هذا الحديث مما يُتوقف فيه، بلْ يغلب على الظن ضَعفه " (١).
قلت: قد يناقش الزَّيْلعي في بعض ما مثَّل به، ولكن ما أشار إليه من عدم تنزيل الزيادة من الثقة منزلة القبول مُطلقًا، صحيحٌ في الجملة.
تنبيهان:
التنبيه الأول: الراوي يبلغه الحديث أو يسمعه بواسطة عن شيخٍ، ثُم يلقى ذلك الشيخ فيحمله عنه بعُلوِّ دون واسِطة، فيقع تَحديثه به تارة بالواسطة، وتارة بعَدمها.
هذه الصورة إذا انتفت فيها شُبهة الغلط، فالحديث مَحفوظ من الوجهين، ولا يُعدُّ ذلك اختلافًا مؤثرًا.
لكن يجب أن يكون مَحلُّ وقوع الاختلاف على الراوي نَفسه، ومن اختلفا أو اختلفوا عليه ثقتان أو ثقاتٌ، وهو ثقةٌ كذلك، أماَّ إذا وقع الاختلاف بين النقلة في طبقة أدنى من طبقةِ من روى عن ذلك الشيخِ، فمَظنةُ الغلط أرْجح.
_________________
(١) نصب الراية (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
مثال هذه المسألة:
ما رواه يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، أنه بَلغه، أن نوْفل بن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من الصلاة صَلاةُ، من فاتته فكأنما وُتر أهله وماله "، قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هي صلاة العصر " (١).
ورواه جعفر بن ربيعة، أنَّ عِراك بن مالك حدثه، أن نَوْفل بن معاوية حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " من فاتته صلاة العصْر فكأنما وُتر أهله وماله " (٢).
قال الخطيب: " والحُكم يوجب القَضاء في هذا الحديث لجعفر بن ربيعة بثبوت إيصاله الحديث؛ لثقته وضبطه، ورواية الليث (٣) ليست تكذيبًا له؛ لجواز أن يكون عِراك بلغه هذا الحديث عن نوفل بن معاوية، ثم سمعه منه بعد، فرواه على الوجهين جميعًا " (٤).
التنبيه الثاني: قال ابن حبان: " لا نقبل شيئًا منها إلا عمن كان الغالب عليه الفقه، حتى يُعلم أنه كان يرْوى الشيء ويَعلمه، حتى لا يُشك فيه أنه أزاله عن سننه أو غيَّره عن معناه، أم لا " (٥).
قلت: هذا مما انفرد به ابن حبان، واشترط ثِقة الناقل وعدم الدليل على وهمه فيما زاد يدفع المظِنة التي ذكرها ابن حبان.
_________________
(١) أخرجه النسائي (رقم: ٤٧٩) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٨٣) من طريق الليث ابن سعد، عن يزيد، به.
(٢) أخرجه النسائي (رقم: ٤٧٨) والبيهقي في " الشعب " (رقم: ٢٨٤٦) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٨٣ - ٥٨٤) من طريق حَيوة بن شريح، أنبأنا جعفر، به.
(٣) يعني ابن سعد راويه عن يزيد بن أبي حبيب.
(٤) الكفاية (ص: ٥٨٤).
(٥) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٥٩).
[ ٢ / ٦٩٦ ]
المبحث الثالث:
التعليل بالمخالفة
لعدم الوُضوح في تحرير أصول هذا العلم، ولِما يَقع من إطلاق النُّقاد لعبادة: (رواه فلان وفلان، وخالف فلان)، صارت عِبارة (مُخالفة) كأنها حقيقة في كل علِّة تقع بسبب مجيء الرواة بالحديث على أكثر من وجه، وليس كذلك، بل الحديث قد يأتي على وَجهين، كأن يُروى مُتصلًا ومُرسلًا، أو مرفوعًا وموقوفًا، ويُسمى الناقد ذلك مُخالفة، أو اختلافًا، وهو كذلك بالنظر إلى صورته: أن جاء هذا على وجهٍ، لكن ليس بين النَّقص والزيادة تعارضُ أصْلًا، إذ الرواية بالزيادة في الأصل تضمنت الرواية الناقصة مع مَزيد فائدة، فغاية ما يحتاج إلى تحقيقه، هو: هل هذه الزيادة مما يُقبل أم لا؟ على ما تقدم في المبحث السابق.
والمخالفة الواقعة من الثِّقات أنواع:
النوع الأول: الشذوذ
وهو مُخالفة الثقة لمن هو أقوى منه، على ما سيأتي في (الحديث الشاذ) (١).
_________________
(١) في القسم الثاني من هذا الكتاب، وهناك بيانُه بتفصيل وذكرُ أمثلته.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
والواجب حصْرها بالمخالفة التي لا وجه لها، وقامت الحُجة على الخطأ فيها، لتعذّر جمعها إلى رواية الأحفظ.
النوع الثاني: مُخالفة القرآن
اعلم أنه يُخطئ على هذا العلم من أقام المعارضة بين القرآن والحديث يَزعم صِحته، فالمفارقة بين طريقي نقلهما كافيةٌ للقضاء أن لا يوجد حديث يقوم لمعارضة القرآن.
لذا ما يُمكن تصور وُجوده من ذلك إن كان ظاهرُه الصحة نقلًا، فلا يَخلو من أحد حاليين:
الأول: أن تكون المعارضة بينه وبين القرآن لا تعدو أن تكون غلطًا من مُدعيها، لا غلطًا في نفس الأمر، وهذا يكون تارةً وهْمًا، وتارة هوىً.
والثاني: أن تكون مُعارضة حقيقة، وعندئذ لا يَسلم الإسناد من علةٍ خفيَّة.
والمقصود: منع وُقوع التعارض الحقيقي بين آية من كتاب الله، وحديث صحيح عن رسول الله ﷺ، إلا على معنى وُجود النسخ، وواقع الحال: امتناع أن يأتي حديث يَسلمُ من علةٍ، يُعارض آية من كتاب الله، وإنما توجد أمْثلة من الحديث يحسبها بعْض المشتغلين بالحديث صحيحة، ولم يقفوا على عِللها، ووجدها غيرُهم مما يخالف القرآن.
وعرض الحديث على القرآن طريقٌ من طُرق فحصه، اعتبره أئمة هذا العلم وبنوا عليه التعليل لبعض الحديث الآتي على خلافه.
وقد روي في اتباع هذا المنهج في عرض الحديث على القرآن حديثٌ ضعيف.
فعن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: " إنها تكون بعدي
[ ٢ / ٦٩٨ ]
رُواةٌ يرون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فُخُذوا به، وما لم يُوافق القرآن فلا تأخذوا به " (١).
كما روي معناه من وُجود أخرى، ولا يثبت في هذا خبرٌ مرفوعٌ إلى النبي ﷺ (٢).
ولسْنا بحاجة إلى مثله لإقرار صِحة هذا المنهج، فإن القرآن حكمٌ
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩) من طريق جُبارة بن المغلس، والهروي في " ذم الكلام " (ص: ١٧٠) من طريق أبي كُريب محمد بن العلاء، قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِر بن حبيش، عن علي بن أبي طالب، به. قال الدارقطني: " هذا وهْم، والصواب عن عاصم عن زيد عن علي بن الحسين مُرسلًا عن النبي ﷺ ". قلت: وعلته من جهة ضَعف حفظ أبي بكر بن عياش، ولذا حكم الدارقطني بوهم هذا الإسناد. كما أخرج ابن حزم في " الإحكام " (٢/ ٧٦) من وجه آخر عن علي، وإسناده واهٍ.
(٢) رُوي فيه كذلك من حديث ثوبان وعبد الله بن عمر، فأما حديث ثوبان، فعنْه: أن رسول الله ﷺ قال: " ألا إن رَحى الإسلام دائرة "، قال: فكيف يُصنع يا رسول الله؟ قال: " اعرضوا حديثي على الكتاب، فما وافقه فهو مني، وأنا قلته ". أخرجه الطبراني في " الكبير " (٢/ ٩٤ رقم: ١٤٢٩) وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو منكر الحديث عن أبي الأشعث. وأما حديث ابنِ عُمر، فأخرجه الطبراني كذلك (١٢/ ٣١٦ رقم: ١٣٢٢٤) عنه عن النبي ﷺ قال: " سُئلت اليهود عن موسى، فأكثروا، وزادوا، ونقصوا، حتى كفروا، وسُئلت النصارى عن عيسى، فأكثروا فيه، وزادوا، ونقصوا، حتى كفروا، وإنه سَيفشو عني أحاديث، فما أتاكم من حديثي فاقرأوا كِتاب الله واعْتبروه، فما وافق كتاب الله فأنا قُلته، وما لم يُوافق كتاب الله فلم أقله ". قلت: وفي إسناده أبو حاضرٍ يرويه عن الوَضين بن عطاء، قال أبو حاتم الرازي: " مجهول " (علل الحديث ٢/ ١٣٣)، وسماه غيرُ واحد من الأئمة (عبد الملك بن عبد ربِّه) وقال الذهبي في " الميزان " (٢/ ٦٥٨): " منكر الحديث، وله عن الوليد بن مسلم خبرٌ موضوع "، وذكره ابنُ حبان في " ثقاته " (٧/ ٩٩) فلم يُصب. كما رُوي فيه بعض المراسيل، لم تقتصر عِللها على الإرْسال، إنما في أسانيدها من العلل سِواه.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
على ما سواه، ووجدْنا في صنيع بَعْض أعيان أئمة الصحابة من استعمل هذا المنهج في نقد الروايات.
وذلك مثل: ما صحَّ عن عمر بن الخطاب، ﵁، حين حدثت فاطمة بنْت قيسٍ بقصتها في سُكنى المطلقة:
فعن أبي إسحاق السبيعي، عن الشعبي، عن فاطمة بنْت قيس، قالت: طلقني زوجي، فأردت النُّقلة، فأتيت رسول الله ﷺ، فقال: " انْتقلي إلى بيت ابن عمك عمْرو بن أم مكتوم، فاعتدَّي فيه ". فحصبه (١) الأسود، وقال ويْلك، لم تُفتي بمثل هذا؟ قال عمر: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله ﷺ، وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة: ﴿لا تُخرجوهنَّ من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة بينة﴾ [الطلاق: ١] (٢).
_________________
(١) هذا من قوْل أبي إسحاق، والأسود هو ابن يزيد النخعي، حَصبَ عامرًا الشعبي حين حدَّث بهذا.
(٢) حديث صحيح. أخرجه بهذا السياق النسائي في " الكبرى " (رقم: ٥٧٤٣) وأبو عوانة (رقم: ٤٦١٧) من طريق الأحوص بن جوَّاب، قال: حدثنا عمار بن رُزيق، عن أبي إسحاق، به. وإسناده جيد. وتابع الأحوص عليه: قبيصَة بن عقبة، عند أبي عوانة (رقم: ٤٦١٨) والدارقطني (٣٤/ ٢٦) مثله. ويحيى بن آدم عند الدارقطني أيضًا وأبي نُعيم (رقم: ٣٥٠٤) بنحوه. كذلك تابعهم: أبو أحمد الزُّبيري، عند مسلم في " صحيحه " (٢/ ١١١٨ - ١١١٩) وأبي داود (رقم: ٢٢٩١) وأبي عوانة (رقم: ٤٦١٥، ٤٦١٦) والطحاوي في (شرح المعاني) (٣/ ٦٧) والدارقطني (٤/ ٢٥) وأبي نعيم (رقم ٣٥٠٤) والبيهقي في " الكبرى " (٧/ ٤٧٥)، وفي لفظه: " لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة ". لكنَّ ذكرَ (السنة) أعله الدارقطني، من أجل تفرُّد أبي أحمد الزبيري دون سائر من رواه، غير أني وجدت في سياق رواية يحيى بن آدم عند أبي نعيم في " المستخرج " ما يُوافقها. وانظر تعليل الدارقطني في: " السُّنن " (٤/ ٢٦) و" العلل " (٢/ ١٤١). كما رواه سُليمان بن معاذ الضبي عن أبي إسحاق، بنحو رواية الأحوص، دون ذكر (السنة)، أخرجه أبو نعيم (رقم: ٣٥٠٥)، لكن سُليمان هذا لين الحديث. وحسِبَ بعْض الناس أن سبب رد عمرَ رواية فاطمة من أجل كونها امرأة، وليس كذلك، فقد قبل عمر وغيره روايات النساء كعائشة وغيرها، ولا معنى للتعليل بكونها امرأة، وإنما حين عرض ما روت على القرآن، قامت عنْده الشبْهة في قبول رواية تأتي في ظاهرها على خلاف عموم دلالة القرآن، لذا قال في رواية أبي أحمد: " لا ندري لعلها حَفظت أو نسيت "، وطلب على قولها شاهدين، وهذا قد فعل عمر نظيره في رواية بعضِ الرجال من الصحابة، كأبي موسى الأشعري في قصة الإستئذان.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وكانت أم المؤمنين عائشة تعرض ما يبلغها من الرواية عن رسول الله ﷺ على كتاب الله، وكانت ترد من ذلك ما يأتي على خلاف القرآن، في وقائع عدة.
كقصتها في تخطئة عمر وابنه عبد الله عندما حدثا عن النبي ﷺ: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "، فقالت عائشة: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهل عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: " إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهل عليه "، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿ولا تزرُ وازرةٌ وزر أُخرى﴾ [الإسراء: ١٥].
وقالت في رواية: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ (١).
وعن عروة بن الزبير، قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر يرفع إلى النبي ﷺ: " إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه "، فقالت: وَهل (٢)، إنما قال رسول الله ﷺ: " إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن "، وذاك مثل قوله (٣): إن رسول الله ﷺ قام على القليب يوم بدر وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: " إنهم ليسمعون ما أقول "، وقد وهل، إنما قال: " إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق " ثم
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ١٢٢٦) ومُسلم (٢/ ٦٤٠ - ٦٤٢)، والرواية الأخرى له.
(٢) أي: غلط ونسي.
(٣) تعني ابن عمر.
[ ٢ / ٧٠١ ]
قرأت: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ الآية [النمل: ٨٠]، ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ [فاطر: ٢٢] (١).
قلت: في هذا الذي استدركته عائشة في الجملة مناقشة وكلام، ولكن المقصود أن من أعيان الصحابة من كان يعرض ما يبلغه من الرواية عن النبي ﷺ على القرآن، ولا يقبل منها ما أتى على خلافه.
وسئل الأوزاعي: أكل ما جاءنا عن النبي ﷺ نقبله؟ فقال: " نقبل منه ما صدقه كتاب الله ﷿، فهو منه، وما خالفه فليس منه "، فقيل له: إن الثقات جاءوا به؟ قال: " فإن كان الثقات حملوه عن غير الثقات؟ " (٢).
ومن أمثلته في نظر المتقدمين ما سأذكره عن الشافعي في النوع التالي. وتعليل بعض أهل العلم لحديث أبي هريرة، قال أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: " خلق الله ﷿ التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الأثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل " (٣).
فهذا رده جماعة من محققي الأئمة، وأقوى مستند في رده معارضة القرآن، فإنه إذا استثني اليوم السابع في خلق آدم، فإن الحديث دل على أن الأرض خلقت في ستة أيام، والله ﷿ يقول في كتابه: ﴿قل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ [فصلت: ٩، ١٠]، أي فعدة مدة خلق الأرض بما فيها أربعة
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم: ٩٣٢).
(٢) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في " تاريخه " (١/ ٢٧١) وإسناده جيد.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (رقم: ٢٧٨٩).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
أيام، لقوله من بعد في مدة خلق السماوات: ﴿فقضاهنَّ سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢]، فهذه ستة أيام لخلق السماوات والأرض، كما قطع بذلك القرآن العزيز في مواضع، كقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨].
وأبان البخاري أن الوهم من الثقة دخل فيه من جهة أن بعض الرواة أخطأ، فهذا مما حمله أبو هريرة عن كعب الأحبار، وليس هو عن النبي ﷺ، قال البخاري: " وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح " (١)، وأعله غيره بغير ذلك (٢).
النوع الثالث: مخالفة المعروف من السنن النبوية
وهذا طريق يكشف به إتقان الرواة وحفظهم: أن يقارن حديث الراوي بالمحفوظ المعروف من روايات غيره، كما بينته في (الجرح والتعديل)، وكذلك هو طريق يكشف به وهم الثقة.
مثاله: عرض الروايات المختلفة عن النبي ﷺ في صفة صلاة الكسوف، على السنن المحفوظة عنه أنه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان، كما صح من حديث عائشة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم.
ورويت فيها صفات غير ذلك من طريق بعض الثقات، لكنها لا تصح، من أجل خلافها للمحفوظ من السنة، والنبي ﷺ إنما صلى في حياته الكسوف مرة واحدة، ويمتنع تعدد الصفة لصلاة واحدة.
_________________
(١) التاريخ الكبير (١/ ١ / ٤١٣ - ٤١٤)، وحاول الشيخ عبد الرحمن المعلمي أن يذُبَّ عن الحديث في كتابه " الأنوار الكاشفة " في رده على أبي ريَّة (ص: ١٨٨ - ١٩٣)، وفي بعض ما قاله تكلف.
(٢) انظر الأسماء والصفات، للبيهقي (٢/ ٢٥١).
[ ٢ / ٧٠٣ ]
ومن عمل الأئمة بهذا الأصل قول الشافعي وقد استدل بالمحفوظ من السنة أن لا يقطع الصلاة شيء: " فإن قال قائل: فقد روي أن مرور الكلب والحمار يفسد صلاة المصلي إذا مرا بين يديه. قيل: لا يجوز إذا روي حديث واحد أن رسول الله ﷺ قال: " يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار " (١) وكان مخالفًا لهذا الأحاديث، فكان كل واحد منها أثبت منه، ومعها ظاهر القرآن، أن يترك إن كان ثابتًا، إلا بأن يكون منسوخًا، ونحن لا نعلم المنسوخ حتى نعلم الآخر، ولسنا نعلم الآخر، أو يرد ما يكون غير محفوظ ".
قال: " وهو عندنا غير محفوظ؛ لأن النبي ﷺ صلى وعائشة بينه وبين القبلة (٢)، وصلى وهو حامل أمامة، يضعها في السجود ويرفعها في القيام (٣)، ولو كان ذلك يقطع صلاته لم يفعل واحدًا من الأمرين، وصلى إلى غير سترة (٤)، وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث؛ لأنه حديث واحد، وإن أخذت فيه أشياء.
فإن قيل: فما يدل عليه كتاب الله من هذا؟ قيل: قضاء الله أن ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الإسراء: ١٥]، والله أعلم: أنه لا يبطل عمل رجل
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (رقم: ٥١٠) من حديث أبي ذر الغِفاري، قال: قال رسول الله ﷺ: " إذا قام أحدكم يُصلي فإنه يَستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مِثل آخرة الرحل فإنه يَقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود "، قال عبد الله بن الصامت راويه عن أبي ذر: قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: " الكلب الأسْود شيْطان ". وله شاهد عند مسلم كذلك من حديث أبي هريرة.
(٢) سيأتي ذكره وتخريجه.
(٣) مُتفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٩٤، ٥٦٥٠) ومسلم (رقم: ٥٤٣) من حديث أبي قتادة الأنصاري.
(٤) فيه عن عبد الله بن عباس، وأخيه الفَضل، والمطلب بن أبي وداعة، والحسن بن علي، وحديث ابن عباس فيها صحيح، بيّنتُ الجميع في الحلقة الأولى من كتاب " الأجوبة المرْضية " (ص: ٢٢ - ٢٩).
[ ٢ / ٧٠٤ ]
عمل غيره، وأن يكون سعي كل لنفسه وعليها، فلما كان هذا هكذا، لم يجزْ أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره " (١).
قلت: وسبقت عائشة أم المؤمنين الشافعي لترد ما بلغها في هذا الباب إلى ما تعلمه من حالها مع رسول الله ﷺ:
فعنها، وذكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب (وفي رواية: إن المرأة لدابة سوء)، والله، لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وإني على السرير، بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله ﷺ، فأنسل من عند رجليه (٢).
قلت: وهذا المثال الذي ذكرته عن الشافعي محل مناقشة بين أهل العلم، لكنك رأيت من خلاله أنهم كانوا يردون الحديث الواحد من رواية الثقة إلى المحفوظ من السنن، ويجعلون من ذلك المحفوظ ميزان يزنون به رواية ذلك الثقة، فإن جاءت على خلاف المحفوظ جعلوا ذلك علة لها.
وهذا يحتاج إلى تحوط شديد، كالذي ذكرته في العرض على القرآن، إذ لا يحل رد خبر الثقة بالمظنة الضعيفة، حتى تظهر حجة بينة فتكون تلك الحجة هي المعللة لروايته.
النوع الرابع: مخالفة المحسوس
والمقصود: أن تأتي رواية الثقة على خلاف المشاهد.
وهذه الصورة من التعليل معدومة في أحاديث الثقات، ولا يؤخذ على ثقة أنه روى ما يخالف المحسوس.
_________________
(١) اختلاف الحديث (ص: ١٣٩ - ١٤٠).
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٨٦، ٤٨٩، ٤٩٢، ٤٩٧) ومسلم (١/ ٣٦٦)، والرواية الأخرى له.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
لكن قد تشتبه بعض النصوص على قوم، يحسبونها تخالف الواقع المشاهد، وإنما ذلك أنهم أتوا من قبل أفهامهم أو أهوائهم، والدليل على خطئهم وجود المخالف لهم فيما يدعونه، وما يخالف المحسوس على سبيل اليقين لا يماري فيه أحد.
وذلك مثل تعليل من ليس من أهل الصنعة لحديث أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: " لن يفلح قوم ولًّوا أمرهم امرأة " (١). فقال: الواقع شاهد بأن المرأة حكمت في بعض البلدان في الغابر والحاضر، وأفلح قومها بعقلها ورشدها، كبلقيس التي قصًّ الله تعالى نبأها مع نبيه سليمان، ﵇، وكيف صارت بقومها إلى الإسلام.
وأقول: إذا كان هذا هو معنى الحديث، فله نصيب من هذا التعليل، ولكن الحديث ورد على سبب، فقد قال أبو بكرة في صدره: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال (فذكر الحديث).
نعم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن مراعاة السبب أصل لفهم مراد الله ورسوله ﷺ، خصوصًا عند اشتباه المعنى، والعموم باق في مثل صورة السبب، وقوم كسرى بعد هلاكه ما رفع الله لهم ذكرًا، ما أفلحوا حين ولوا ابنته، لما دعا عليهم به النبي ﷺ (٢)، ولقوله: " هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده " (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (رقم: ٤١٦٣، ٦٦٨٦).
(٢) فيما قاله الزهري: حسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يُمزقوا كل مُمزق. أخرجه البخاري (رقم: ٦٤ ومواضع أخرى) في آخر حديث ابن عباس في قصة بَعث النبي ﷺ بكتاب إلى كسرى يَدعوه إلى الإسلام، فمزّق كِسرى الكتاب. وهذا المرسل مُعتَضِدٌ ببعض الطرق.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٢٨٦٤ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٢٩١٨) من حديث أبي هريرة.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
فحديث أبي بكرة عام في قوم أشبهوا في الحال قوم كسرى فيما كتب الله عليهم من الهزيمة.
وهكذا ربما اعترض بعض الناس من غير أهل الحديث على رواية الثقة الصحيحة، زعمًا أنها على خلاف الواقع، وإنما وقعت له شبهة، أو قصد الطعن على السنن فحجب بسوء قصده عن الوقوف على المعنى.
وليس من هذا النوع: أن يفسر العلم الحديث شيئًا من الخلق بتفسير علمي يدل عليه النظر والمشاهدة، وأن يكون له تفسير نبوي آخر لا يعرف مثله إلا عن طريق الوحي، ولا يتناقض في معناه مع التفسير العلمي.
مثاله: حديث أبي ذر الغفاري، حين قال له النبي ﷺ حين غربت الشمس: " تدري أين تذهب؟ "، قلت الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨] " (١).
قلت: فلا يصح الاعتراض على هذا الحديث الصحيح بالمشاهد، وهو أن الشمس لا تغيب إلا باعتبار البقعة المعينة من الأرض، وهو في الوقت الذي تغيب فيه عن موضع، تكون طالعة في موضع آخر، فمتى يكون ذهابها لتسجد عند العرش وتستأذن لطلوعها؟ وذلك أن أمر العرش غيب، وخضوع غير الإنسان لله وسجوده لله على صفة يعلمها الله ليست مما يدرك بالمشاهدة، والقرآن أثبت سجود المخلوقات جميعًا لله رب العالمين في مواضع منه، كما قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثيرٌ حق عليه العذاب﴾ [الحج: ١٨].
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٣٠٢٧ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ١٥٩).
[ ٢ / ٧٠٧ ]
والحديث لم يتحدث عن غياب للشمس بمعنى انقطاعها عن الأرض، وإنما اعتبر لها حالًا غيبيا عند غروبها عن محل من الأرض، هو السجود تحت العرش، وعلى اعتبار أن الشمس في حال غياب وطلوع دائم لما نعلمه من طبيعة الخلق فهي في سجود لله دائم، وفي استئذان للطلوع دائم، وذلك أنها مسيرة بأمره وتدبيره ﵎.
النوع الخامس: مخالفة العقل
وهذا النوع ذكره تكميل من أجل تبيين وجهه؛ لأنه معدوم في روايات الثقات، إنما يوجد ما تتفق العقول على بطلانه في رواية الكذابين الذين حدثوا بالمستحيل.
ولا وجه لافتراضه أصلا في روايات الثقات حيث كان الواقع ينفيه.
وإنما يوجد في بعض الحديث ما لم تستوعب بعض العقول فهمه، تارة للجهل، وتارة للهوى والبدعة وبُغض السنن.
ووقع مثل ذلك عن طوائف من الناس ردوا بمحض العقول نصوصًا تتصل بالغيب، كبعض نصوص الصفات واليوم الآخر، مما لم تنفرد به السنن الصحيحة، وإنما له في القرآن نظائر، وهذا مما لا يجوز أن يكون العقل فيه حاكمًا على النص.
وربما وقع من بعض العلماء استشكال معنى حديث صحيح، يحسبه أحدهم أتى على خلاف العقل في ظاهره، فيجتهد في تأويله لا في تعليله، وهذا وإن كان مما ينظر في أفراده وأمثلته، لكنه أقوم طريقًا من طريق من يسارع لرد الحديث وتعليله دون العمل على حمله على أحسن وجوهه.
ومن أمثلة صنيع بعض العلماء: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " يؤتى بالموت كهيئة
[ ٢ / ٧٠٨ ]
كبش أملح، فينادى مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت "، ثم قرأ: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة﴾، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا، ﴿وهم لا يؤمنون﴾ [مريم: ٣٩] (١).
قال أبو بكر ابن العربي: " استشكل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل؛ لأن الموت عرض، والعرض لا ينقلب جسما، فكيف يذبح؟ فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته، وتأولته طائفة، فقالوا هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة، وقالت طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت، وكلهم يعرفه؛ لأنه الذي تولى قبض أرواحهم " (٢).
قلت: والذي ألجأ إلى ظن مخالفة صريح العقل قياس الغيب على الشهادة، وأمر الآخرة غيب، وقص علينا ربنا ﵎ من شأنه، وكذلك نبيه ﷺ ما لا يأتي على القياس، ولا تتصوره العقول، والله تعالى يخلق ما يشاء، ويحيل ما يشاء إلى ما يشاء، وليس في قدرته مستحيل والوقف عند النص هو اللائق هنا دون التأويل.
وهكذا في جميع ما تظن بعض العقول أنه لا يأتي على مقاييسها من أخبار الثقات المتقنين، فإن بابه كباب هذا الحديث، أو يكون وجهه خفي على مدعي معارضته للعقول.
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٤٥٣) ومسلم (رقم: ٢٨٤٩).
(٢) نقله ابنُ حجر في " فتح الباري " (١١/ ٤٢١).
[ ٢ / ٧٠٩ ]
خلاصة هذا المبحث:
وقوع تعليل الحديث من رواية الثقات بأنواع المخالفة المتقدمة، حاصل في الأنواع الثلاثة الأولى: الشذوذ عن رواية الأقوى، ومخالفة القرآن، ومخالفة المعروف من السنن، على ما بينته بمثاله، دون اعتقاد كثرة وقوعه، بل هو نادر قليل في أحاديث الثقات، والنوع الأول أكثره.
وأما التعليل بالمخالفة للمحسوس، والعقل، فلا يوجد له مثال في روايات الثقات.
وما يقع أحيانًا من الإشكال في دلالة بعض نصوص الأحاديث الصحيحة، فشبيه بما يقع من الإشكال في دلالة بعض آيات الكتاب، ينظر وجهه ومعناه، ويؤلف بينه، وبدفع ما يبدو من تعارض الظاهر برده إلى المحكم، وحمل معناه عليه.
ولم يزل علماء الأمة يعنون بهذا، فيما ألفوه في مشكل الحديث مفردًا، أو ما ضمن في شروحه، واستحضر دائمًا قول الله ﷿: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣].
* * *
[ ٢ / ٧١٠ ]
المبحث الرابع:
التعليل بالاختلاف
معنى الاختلاف على الراوي:
قال أبو داود السجستاني: " أسند الزهري أكثر من ألف حديث عن الثقات، وحديث الزهري كله ألفا حديث ومئتا حديث، النصف منها مسند،. . . وأما ما اختلفوا عليه؛ فلا يكون خمسين حديثًا، والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء وقوم على شيء " (١).
قلت: هذا يبين معنى الاختلاف على الراوي عند أئمة هذا الشأن، فالزهري حافظ كثير الحديث، وأصحابه الذين رووا عنه الحديث خلق كثير، وهم درجات في حفظهم، والثقات المتقنون عنه كمالك بن أنس ويونس بن يزيد الأيلي وعقيل بن خالد وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم، ربما اختلفوا عنه في الرواية، وصلًا وإرسالًا، أو رفعًا ووفقًا، أو على إسنادين مختلفين، أو غير ذلك.
وقبل ذكر صور الاختلاف على الراوي، يجب أن تعلم أنه ليس كل اختلاف في الرواية يكون قادحًا مؤثرًا في صحتها، وإنما الاختلاف بهذا الاعتبار قسمان:
_________________
(١) تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٣١).
[ ٢ / ٧١١ ]