الباب الخامس العمل بالحديث الضعيف
العمل الذي ندين الله به من فعل أو كف لا يكون إلا بدليل من كتاب الله أو مما صح من سنة رسول الله ﷺ لأن الأخبار المقبولة أربعة أقسام:
الأول: متواتر لفظًا ومعنى.
والثاني: أخبار متواترة معنى، وإن لم تتواتر لفظًا.
والثالث: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة.
والرابع: أخبار أحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله، حتى تنتهي إلى رسول الله ﷺ.
وما عدا ذلك فهو الحديث الضعيف وتتفاوت درجته في الضعف بحسب بعده عن شروط الصحة، وله أحوال:
إما أن تتعدد طرقه وفيها طريقان فأكثر صالحة للإعتبار فيعضد بعضها البعض الآخر فيصبح حسنًا لغيره، ويكون من أقسام الحديث المقبول المعمول به.
[ ٣٢ ]
وإما أن تتعدد طرقه وكلها غير صالحة للإعتبار على تفاوت مراتب ضعفه كأن يكون موضوعًا وهو الذي في إسناده كذاب أو وضاع - وهو أشر أنواع الضعيف- أو أخف من سابقه قليلًا وهو الذي اشتد ضعفه بأن يكون في إسناده متهم أو مجمع على تركه، أو ذاهب الحديث، أو هالك، أو منكر الحديث، أو ليس بشيء أو ضعيف جدًا، فهذا لا يلتفت إليه، مهما تعددت طرقه، ما دامت بهذه الصفة إلا على قول أنه بتعدد طرقه تخف شدة ضعفه١ بحيث تكون بمجموعها بمثابة طريق واحد صالح للمتابعة فهذا يكون العمل به كلاحقه.
وإما أن لا تتعدد طرقه بأن لا يكون له إلا طريق واحد صالح للإعتبار، أو تتعدد وهي كلها واهية سوى طريقًا واحدًا صالحًا للمتابعة، فهذا إما أن تتلقاه الأمة بالقبول، فيعمل به على الصحيح، كما قال الشافعي: حديث "لا وصية لوارث" أنه لا يثبته أهل الحديث ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخًا لآية الوصية له ٢.
قلت: هذا إذا كان الحديث ضعيفًا، أما هذا الحديث فصحيح٣.
وإما أن لا تتلقاه بالقبول فهذا يتوقف فيه، لأنه لا عاضد له من متابع وشاهد فيقبل ولم يشتد ضعفه فيرد من أجل ذلك٤.
وهذا القسم اختلف العلماء في العمل به على أقوال ثلاثة٥:
الأول: لا يعمل به مطلقًا، لا في الأحكام، ولا في الفضائل، حكاه ابن سيد الناس٦ عن يحيى ابن معين ونسب إلى أبي بكر بن العربي٧.
والظاهر أنه مذهب البخاري ومسلم، أخذ ذلك من شروط البخاري في صحيحه وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف وعدم إخراجها في صحيحهما شيئًا منه ذكره القاسمي٨.
وذهب ابن حزم إلى هذا قال: "ما نقله أهل المشرق والمغرب، أو كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة، حتى يبلغ إلى النبي ﷺ إلا أن في الطريق رجلًا مجروحًا: بكذب أو غفلة أو
_________________
(١) ١ انظر هذا القول في رواية الأحاديث الضعيفة ص١٨. ٢ الرسالة ١٤١، ١٤٢ المسألة ٤٠٢،٤٠٣ والأم ٤/ ٤٠ وراجع فتح المغيث ١/٢٦٨. ٣ راجع الاراء٦/٨٧ الحديث ١٦٥٥ـ ٤ راجع فتح المغيث: ١/ ٧١. ٥ راجع القول البديع ٢٥٦ وقواعد التحديث ١١٣- ١١٤. ٦ عيون الأثر: ١/ ١٥. ٧ راجع تدريب الراوي ١٩٦ والقول البديع ٢٥٦. ٨ قواعد التحديث ١١٣- ١١٤.
[ ٣٣ ]
مجهول الحال فهذا يقول به بعض المسلمين، ولا يحل عندنا القول به، ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه"١.
الثاني: أنه يعمل به مطلقًا، إذا لم يوجد في الباب غيره، ولم يوجد ما يدفعه، ولم يشتد ضعفه، لأن شديد الضعف متفق على عدم العمل به روي ذلك عن أحمد وأبي داود وغيرهما٢.
قال الحافظ:" وقد روينا من طريق عبد الله بن أحمد بالإسناد الصحيح إليه قال سمعت أبي يقول: "لا تكاد ترى أحدًا ينظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل"، والحديث الضعيف أحب إلي من الرأي.
قال: وسألته عن الرجل يكون ببلد لا يوجد فيها إلا صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه وصاحب الرأي فمن يسأل؟ قال: "يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي"٣.
وكان يقول: "يعمل بالضعيف إذا لم يوجد غيره، ولم يكن ما يعارضه"٤.
وفي رواية عنه: "ضعيف الحديث أحب إلينا من رأي الرجال" ٥.
ونحو ما حكي عن أحمد قال الشافعي: "أن المرسل يحتج به إذا لم يوجد دلالة سواه" حكاه الماوردي عنه في الجديد٦.
وذكر ابن القيم٧ بأنه أخذ بأحاديث ضعيفة وقدمها على القياس كحديث تحريم صيد وج٨ وجواز الصلاة بمكة في وقت النهي٩ وحديث "من قاء أو رعف فليتوضأ ولبين
_________________
(١) ١ الفصل في الملل والنحل: ٢/٣٨. ٢ راجع فتح المغيث ١/٢٦٧. ٣ النكت ١/٤٣٧ وراجع القول البديع ٢٥٥ وفتح المغيث ١/ ٠ ٨. ٤ القول البديع ٢٥٥ والموضوعات لابن الجوزي ٣٥. ٥ القول البديع ٢٥٥ والموضوعات لابن الجوزي ٣٥. ٦ راجع فتح المغيث ١/ ٨٠. ٧ إعلام الموقعين: ١/ ٣٢. ٨ وتحريم صيدوجّ رواه الزبير بن العوام أخرجه أحمد (المسند ١/١٦٥) وأبو داود المناسك (عون المعبود ٢/ ١٦٤) ذكر الذهبي بأن الشافعي صححه (ميزان الإعتدال ٢/٣٩٣) وحسنه المنذري (التلخيص الخبير ٢/ ٢٨٠) قلت: هو من طريق محمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه ومحمد بن عبد الله ذكره ابن حبان في الثقات (٩/٣٣) وقال: كان يخطىء وقد تفرد بهذا الحديث نص عليه البخاري في التاريخ الكبير (١/١٤٠) وابن حبان. وقال ابن حجر فيه لين (التقريب ٤٨٦) ومثل ذلك قال في أبيه (التقريب ٢٩٦) وقال البخاري في عبد الله بن إنسان لم يصح حديثه (التاريخ الكبير ٥/ ٤٥) وكذا قال الأزدي وذكر الخلال أن أحمد ضعفه (التلخيص الخبير ٢/ ٢٨٠) وقال النووي: إسناده ضعيف. ٩ دل على هذا حديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال:" يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت
[ ٣٤ ]
على صلاته" ١.
ونقل أبو عبد الله بن مندة عن أبي داود- صاحب السنن- أنه يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره وأنه أقوى عنده من رأي الرجال٢.
قال الشاطبي: "فكلام أحمد ومن وافقه دال على أن العمل بالحديث الضعيف يقدم على القياس المعمول به عند جمهور المسلمين بل هو إجماع السلف ﵃"٣.
وقال السيوطي: "ويعمل به أيضًا في الأحكام إذا كان فيه احتياط"٤.
وذكر ابن حزم أن جميع الحنفية مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من الرأي والقياس٥.
وذكر ابن القيم أن مالكًا يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس٦.
وقال ابن القيم: "يؤخذ بالحديث المرسل والضعيف إذا لم يكن في الباب شئ يدفعه" وهو الذي قدمه الإمام أحمد على القياس وقال: وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف
_________________
(١) وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهارًا. أخرجه الترمذي (الحج، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد المغرب (تحفة الأحوذي ٢/ ٩٤- ٩٥) وأبو داود: المناسك، باب الطواف بعد العصر (عون المعبود ٢/ ١١٩) والنسائي (الصلاة، باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة ١/٢٢٨) وابن ماجة (إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت ١/٣٩٨) والشافعي (الرسالة) ٣٢٥ وأحمد (المسند: ٤/ ٨٤) والدارمي: (المناسك، باب الطواف في غير وقت الصلاة: ٢/ ٧٥) وابن خزيمة (٤/ ٢٢٥) والحاكم (المستدرك ١/٤٤٨) والبيهقي (السنن الكبر ى: ٢/ ٤٦١) . قال الترمذي فيه: حسن صحيح وصححه ابن خزيمة وقال الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي- وروي أيضًا من وجوه أخرى (راجع التلخيص الخبير ١/ ١٩٠ هذا الحكم مأخوذ من حديث لعائشة أم المؤمنين ولأبي سعيد الخدري وابن عباس فحديث عائشة أخرجه ابن ماجة (إقامة الصلاة: باب ما جاء في البناء على الصلاة ١/٣٨٥) والدارقطنى ١/١٥٧ والبيهقي ١/١٤٢وهومن طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة. وهو ضعيف لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وهو مخلط وفي روايته عنهم وقد رواه موصولًا ومرسلًا. وتكلم الأئمة في ذلك مبينين ترجيح إرساله على وصله، وأن المرسل أيضًا ليس بشيء. وقد حاول ابن التركماني تصحيح حديث إسماعيل بن عياش بما لا طائل تحته (الجوهر النقي على السنن الكبرى للبيهقي ١/١٤٢،١٤٣) . وحديث أبى سعيد الخدري أخرجه الدارقطني ١/ (١٥٧) وفيه أبو بكر الداهري متروك. وحديث ابن عباس أخرجه الدارقطني (١/١٥٦) وفيه سليمان بن أرقم متروك. وروى فيه أيضًاً آثار راجع التلخيص الخبير١/٢٧٥ والدارية ١/٣١ ونصب الراية ١/٣٧ والكامل لابن عدي ١/٢٨٨ والبيهقي ١/١٤٢،١٤٣. ٢ راجع القول البديع ٢٥٦ والنكت ١/ ٤٣٦. ٣ الاعتصام: ١/ ٢٢٦. ٤ تدريب الراوي ١٩٧. ٥ ملخص أبطال القياس والرأي ٦٨ وراجع الأحكام ٧/ ٥٤. ٦ أعلام الموقعين ١/٣٢.
[ ٣٥ ]
عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن. ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف. وللضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثر يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماع على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس، وليس أحد من الأئمة إلا وهو وافقه على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس"١.
ولما ذكر ابن حزم صفات وجوه النقل عند المسلمين قال في الوجه الرابع الذي هو المرسل والخامس الذي في إسناده ضعيف أنه أخذ بهما بعض المسلمين٢.
ثم إن الإمام أحمد وغيره ممن نقل عنه القول بجواز العمل بالحديث الضعيف مطلقًا نقلت عنه روايات تدل على منع ذلك. وأن ذلك مخصوص في فضائل الأعمال.
قال أحمد- في رواية الميموني عنه-"الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شئ فيه حكم"٣.
وقال- في رواية عباس الدوري عنه-"ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث يعني المغازي ونحوها، وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا وقبض أصابع يده الأربعة"٤. وسيأتي مزيد إيضاح لذلك في القول الثالث.
القول الثالث: يعمل به في الفضائل والمستحبات والمكروهات بشروط:
ا- أن يكون ضعفه غير شديد فيخرج ما اشتد ضعفه كحديث الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه وهذا الشرط متفق عليه نقله العلائي٥.
٢- أن يكون الحديث في الفضائل وما في معناها.
٣- أن يندرج تحت أصل معمول به.
٤- أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الإحتياط٦.
_________________
(١) ١إعلام الموقعين: ١/ ٣١. ٢ راجع الفصل في الملل والنحل: ١/٨٣. ٣ الكفاية ٢١٣ وراجع فتح المغيث ١/٢٦٧. ٤ فتح المغيث: ١/٢٦٧. ٥ القول البديع ٢٥٥. ٦ ذُكرت هذه الشروط أو بعضها في فتح المغيث ا/ ٢٦٨ والقول البديع ٢٥٥وتدريب الراوي ١٩٦ وتبين العجب بما ورد في فضائل رجب ٣٢ وقواعد التحديث ١١٦.
[ ٣٦ ]
وستأتي مناقشة هذه الشروط إن شاء الله تعالى.
قال النووي: "قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا"١.
وحكي إجماع * أهل الحديث وغيرهم على العمل به في الفضائل٢.
قيل لابن المبارك لما روى عن رجل حديثًا- هذا رجل ضعيف فقال:" يحتمل أن يروى عنه هذا القدر أو مثل هذه الأشياء. قلت لعبدة مثل أي شئ كان؟ قال: في أدب، موعظة، في زهد"٣.
وقال ابن معين في موسى بن عبيدة يكتب حديثه في الرقائق٤.
وتقدم نحو هذا عن أحمد وابن مهدي وأبي زكريا العنبري وابن عبد البر٥.
ولما قال ابن حجر الهيتمي بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، قال: "لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر فقد أعطى حقه من العمل، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق حتى للغير"٦.
وقال في الدر المختار: "فيعمل به في فضائل الأعمال"٧.
وقال محشيه ابن عابدين: "لأجل تحصيل الفضيلة المترتبة على الأعمال"٨.
وقال نور الدين عتر: "ووجه هذا المذهب أن الحديث الضعيف لما كان محتملًا للإِصابة ولم يعارضه شئ، فإن هذا يقوي جانب الإصابة في روايته فيعمل به"٩.
_________________
(١) ١ الأذكار: ٥. ٢ فتح المغيث: ١/٢٦٧. ٣ راجع الجرح والتعديل ٢/ ٣٠ وشرح علل الترمذي١٠٢. ٤ شرح علل الترمذي ١٠٢. ٥ انظر باب رواية الحديث الضعيف ص٢٢. ٦ قواعد في علوم الحديث ٩٢-٩٣. ٧ قواعد في علوم الحديث ٩٢-٩٣. ٨قواعد في علوم الحديث ٩٢٩٣-. ٩ منهج النقد في علوم الحديث ٢٩١. * حكاية الإجماع محل نظر إذ أنه لم يقل بعض الأئمة بالعمل به أنظر القول الأول ص٣٢ وانظر رد القول بجواز العمل بالحديث الضعيف ص٣٧.
[ ٣٧ ]