أولا: مشروع الدواء الخالي من الكحول
الفصل الثالث: جهودنا في أعمال الإعجاز العلمي والطبي في السنة النبوية
من منطلق الإيمان بعصمة نبينا الهادي سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، وأنه لا يقول ولا يفعل ولا يقرر إلا حقًا، ومن منطلق الاعتقاد بأن السنة النبوية موحى بها من الله ﷾ في الأمور الشرعية، وفي أمور الدنيا، ومن منطلق اليقين بالإعجاز العلمي والطبي في السنة النبوية، من هذه القناعات الثلاث فقد أخذت أتعامل مع الأحاديث النبوية مصدرًا مهمًا للحقائق والمعارف، وبخاصة في الأمور الطبية بحكم تخصصي، وأقبلت عليها أتلمس تلك الحقائق وأبحث عن الكنوز العلمية، وقادني البعض منها -والحمد لله- إلى أمور مهمة، أذكر بعضها فيما يلي:
أولًا: مشروع الدواء الخالي من الكحول
لقد كانت الأحاديث النبوية الكثيرة التي تنهى عن التداوي بالخمر، وعن وجودها في الدواء، وعن الأدوية الخبيثة، مصدر إلهام لفكرة "المستحضرات الدوائية الخالية من الكحول". عن أبى الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ "إن الله قد جعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام". إن النهى الحاسم عن التداوي "بالخمر"، سواء كانت (صرفًا) خالية من الترياق، أو كانت في الدواء، كالمستحضرات الدوائية المحتوية على الكحول، جعلني أسرع في البحث الذي بدأته في أواخر الستينيات، وقد توصلت - والحمد لله - إلى نتائج طيبة بعد دراسات متواصلة، ومنذ عام ١٩٧٥م، بدأت الدراسات في الدخول إلى مرحلة التطبيق، وذلك عندما كنت أعمل بمستشفى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كما قمت بتقديم الأبحاث إلى عدة مؤتمرات عالمية للطب الإسلامي، ولاقت القبول، وصدرت التوصيات في هذه المؤتمرات
[ ٤٣ ]
"بمشروع الدواء الخالي من الكحول"، وأخيرًا صدرت عن منظمة الصحة العالمية قرارات بأن تكون المستحضرات الدوائية خالية من الكحول، وأشارت المنظمة في مذكرتها التي تضمنت القرارات الصادرة في أكتوبر سنة ١٩٨٥م، إلى جهودي، وجاء في المذكرة "يبدو أن هناك اتفاقًا عامًا بين الصيادلة والكيميائيين على أن الكحول في الأدوية يمكن أن تحل محله مواد أخرى غير كحولية تستعمل كمذيب أو حافظ أو سواغات، وقد ذكر الدكتور أحمد أبو الوفاء أمثلة على ذلك في المؤتمر الطبي الإسلامي الثالث المنعقد في إستانبول سنة ١٩٨٤م"، وبصدور القرارات من منظمة الصحة العالمية دخل"مشروع الدواء الخالي من الكحول" مرحلة التنفيذ على المستوى العالمي. وكانت السنة النبوية والطب النبوي مصدر إلهام قادني إلى التفكير والبحث في هذا الموضوع الطبي المهم الذي انتهى إلى تطبيقات نافعة في صناعة الدواء. وهذا نموذج لأعمال الإعجاز الطبي في السنة النبوية بأسلوب التطبيق.
[ ٤٤ ]
ثانيًا: الطب النبوي منهاج العلاج المتكامل
من منطلق قناعتي بالهدي النبوي في الطب كمصدر للحقائق، قمت بدراسة موضوعية للطب النبوي كمنهاج للعلاج المتكامل، وتقدمت بها إلى المؤتمر العالمي للإعجاز العلمي بالقرآن والسنة المنعقد في (باندونج) عام ١٩٩٣م تحت إشراف هيئة الإعجاز العلمي بمكة المكرمة، كما نشرت الدراسة في كتاب بعنوان "الطب النبوي منهاج للعلاج المتكامل: عرض علمى لأصول العلاج النبوي".
· وفي سبيل اتباع الهدى النبوي في العلاج دعوت إلى إنشاء "عيادات العلاج المتكامل" التي تجمع بين ممارسة الطب النبوي والطب المعاصر، وقمت
[ ٤٤ ]
بطرح "مشروع عيادة العلاج المتكامل"، بالمشاركة مع "الجمعية السعودية لطب الأسرة" بالمدينة المنورة، وبالتعاون مع أخى الأستاذ الدكتور يحيى ناصر خواجي، وتحت إشراف مديرية الشؤون الصحية بالمدينة المنورة التي كان يترأسها سعادة الشيخ عمر بن صالح الزغيبي، وذلك عام ١٩٩٣م، وقد تركت لهم تنفيذ المشروع.
· ولقناعتي بأهمية الجانب الوقائي في الطب النبوي ودخوله في إطار الإعجاز الطبي في السنة النبوية، قمت بالمشاركة مع أخي الأستاذ الدكتور يحيى ناصر خواجي بدراسة عن "تقليم الأظافر على ضوء السنة النبوية والعلوم الطبية"، وتقدمنا بها إلى المؤتمر العالمي الرابع عن الطب الإسلامي المنعقد في باكستان عام ١٤٠٧هـ. وكل هذه الأعمال تدخل في إطار أعمال الإعجاز العلمي والطبي في السنة النبوية "بأسلوب التطبيق" الذي أدعو إليه وأطالب بالاهتمام به في أعمال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
[ ٤٥ ]
ثالثًا: الجهود في الأطروحات الجامعية عن الإعجاز العلمي والطبي بالسنة النبوية
منذ أن اشتغلت بدراسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ولدي القناعة بأهمية الأطروحات الجامعية، وأنها من أفضل الأعمال في هذا المجال، وهي كفيلة بترسيخ الإعجاز العلمي واستقراره وتأكيد حقيقته، وذلك بالمنهج العلمي، وبالأسلوب الأكاديمي الذي يولد القناعة لدى العلماء وأصحاب الفكر والمثقفين، وهم صفوة المجتمعات، كما يؤكد لهم أن الإعجاز العلمي بالقرآن والسنة حقيقة لا مراء فيها. وقد وفقني الله ﷾ إلى المشاركة في التوجيه للقيام بدراسات جامعية كانت من أوائل الأطروحات
[ ٤٥ ]
في الإعجاز العلمي، وقد سبق أن تحدثت عنها في موضوع "نماذج من الأعمال الجامعية"، وهما:
١ - أطروحة الماجستير بعنوان "الطرق غير التقليدية لعلاج الألم المزمن"، وقمت بتزويد صاحبة الرسالة بالمادة العلمية الخاصة بالطب النبوي.
٢ - أطروحة ماجستير بعنوان "الأحاديث النبوية التي استدل بها على الإعجاز العلمي في الإنسان والأرض والفلك"، وكان صاحب الرسالة على مقربة منى حينما كنت أعمل بمستشفى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو يعمل معيدًا بكلية الحديث، وكانت لنا لقاءات ومناقشات حول الإعجاز العلمي بالسنة النبوية. وكنت أشجعه وأشد من أزره للمضي في بحثه، وأبصره بأهمية رسالته، وذلك لقناعتي - كما قلت سابقًا - بأن الأعمال الجامعية من أفضل أعمال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية، وهذا ما أنبه عليه وأدعو إليه بإلحاح.
[ ٤٦ ]
رابعًا: مشروع مكتب الإعجاز العلمي بالسنة النبوية
لا يخفى على أحد ما يقوم به "مركز السنة والسيرة النبوية" بالمدينة المنورة من أعمال جليلة وفي مقدمتها تحقيق أمهات كتب الحديث والسيرة النبوية، وحتى يستمر المركز في أداء رسالته ودوره الحيوي في خدمة السنة والسيرة النبوية، وحتى يتنوع الأداء على الدوام حسبما يجد من متطلبات، كما يشارك في التعريف بالإعجاز العلمي في السنة النبوية والدعوة إليه، فإنني أتقدم "بمشروع مكتب خدمة الإعجاز العلمي بالسنة النبوية"، وأعرضه باختصار فيما يلي:
أولًا: "الفكرة" إنشاء مكتب تحت مسمى "مكتب السنة النبوية للتوجيه
[ ٤٦ ]
العلمي" تابع "لمركز السنة والسيرة النبوية" بالمدينة المنورة مهمته في المقام الأول تفعيل أعمال الإعجاز العلمي بالسنة النبوية وذلك بما يلي:
١ - جمع أعمال الإعجاز العلمي التي سبق نشرها وضمها في موضوعات مشتركة، وجعلها في دليل، يكون في متناول المشتغلين بالإعجاز العلمي في السنة النبوية.
٢ - القيام بجمع الأحاديث النبوية ذات الدلالات العلمية وجعلها في مجموعات حسب الموضوعات، على أن يكون كل حديث مشفوعا بشروح علمية مناسبة، حسبما يوجد به من إشارات وعبارات ذات دلالة علمية، وتؤلف كتب (١) لهذا الغرض، كما تصدر دوريات لهذه الأحاديث مع شروحها العلمية؛ لتكون في متناول المشتغلين بالإعجاز العلمي.
٣ - يكون مكتب السنة النبوية للتوجيه العلمي، على اتصال بالمؤسسات العلمية ومراكز البحوث والجامعات للرد على استفساراتهم وتزويدهم بالمعلومات عن شرح الأحاديث وبيان معانيها ودلالتها العلمية وعلاقتها بالإعجاز العلمي.
٤ - إجراء الحوارات مع العلماء حول المدلولات العلمية للأحاديث النبوية، وذلك بقصد التوصل إلى افتراضات تكون منطلقا للعلماء في أبحاثهم انطلاقا من الأحاديث، وذلك لتفعيل "أسلوب التطبيق" في أعمال الإعجاز العلمي وتشجيع العلماء على القيام بالبحوث والكشف عما في الأحاديث من الحقائق، مع الدعم المادي والأدبي للعلماء، وتزويدهم بالمعلومات التي تعينهم
_________________
(١) انظر كتاب الإعجاز العلمي في السنة النبوية – تأليف الدكتور صالح بن أحمد رضا.
[ ٤٧ ]
على البدء في دراساتهم وأبحاثهم.
٥ - إقامة الندوات وإلقاء المحاضرات والمشاركة في المؤتمرات العالمية للإعجاز العلمي بأبحاث أصيلة تخضع لأسلوب التطبيق.
ثانيا: "تشكيل مكتب السنة النبوية للتوجيه العلمي": يتشكل المكتب من فريقين: أحدهما من المتخصصين في علوم السنة النبوية، والفريق الآخر من المتخصصين في سائر العلوم التطبيقية "العلوم الطبيعية"، وكذلك في العلوم الإنسانية، ومن العلماء من يعملون بصفة دائمة (موظفون) وهم قليلون ومنهم من يعملون مستشارين وهم الأكثرية. ويشملون جميع التخصصات العلمية. وبجانب العلماء فئة الإداريين والفنيين والعمال، وذلك حسب حاجة العمل.
ثالثا: تأثيث المكتب: لا يحتاج المكتب إلى مبنى مستقل، ويكفي أن يشغل عدة غرف ملحقة بمبنى مركز السنة النبوية، وأهم متطلبات التأثيث بجانب الأثاث التقليدي نذكر الآتي:
١ - مكتبة تضم المراجع وجميع الأبحاث الخاصة بموضوعات الإعجاز العلمي في السنة النبوية، وذلك بالإضافة إلى مختلف المؤلفات في شتى العلوم التي يستفيد منه الباحثون في الإعجاز العلمي، والمعاجم والموسوعات اللازمة.
٢ - بعض الأجهزة ووسائل الاتصال ومنها:
" ماكينة تصوير " أجهزة كمبيوتر " فيديو وآلة تصوير فيديو " جهاز تصوير المخطوطات " أجهزة تسجيل متنوعة " جهاز ترجمة للغات الأجنبية " دواليب فهارس " قاعدة معلومات وموقع على الإنترنت إلخ.
هذا عرض مختصر لمشروع "مكتب السنة النبوية للتوجيه العلمي" الذي
[ ٤٨ ]
أقترح تأسيسه لتفعيل أعمال الإعجاز العلمي بالسنة النبوية ويكن تابعًا "لمركز السنة والسيرة النبوية" بالمدينة المنورة.
[ ٤٩ ]