المبحث الأول: الأدلة على وجوب الاحتجاج بخبر الآحاد في الأحكام
المبحث الأول: الأدلة على وجوب الاحتجاج بخبر الآحاد في الأحكام
ذهب إليه كثير من الأصوليين والفقهاء (١) ونسبه ابن قدامة للجمهور (٢) وقال الشافعي: "لو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي، ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد بما وصفت من أن ذلك موجود على كلهم" (٣) .
وذكر الخطيب البغدادي: "وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك ولا اعتراض عليه" (٤) .
وهذا المذهب قول السلف والخلف من الأئمة الأربعة والظاهرية وغيرهم. واستدل الجمهور على وجوب الاحتجاج بخبر الآحاد في الأحكام بأدلة كثيرة
_________________
(١) المستصفى ج ١ / ١٤٦. شرح الأسنوي ج ٢ /٣١٨. الوصول إلى الأصول ج ٢/ ١٦٣. نهاية السول ج ٣ /١٠٤. أصول السرخسي ج ١/ ٣٢١. شرح العضد ج ٢ / ٥٩. إحكام الفصول / ٣٣٤. بيان المختصر ج ١ / ٦٧٢. شرح تنقيح الفصول/ ٣٥٧. كشف الأسرار للبخاري ج ٢/٣٧٠. تيسير التحرير ج ٣/٨٢. فواتح الرحموت ج ٢/١٣١ العدة ج ٣ / ٨٥٩. المسودة / ٢١٤. شرح الكوكب المنير ج ٢ /٣٦١. الإحكام للآمدي ج ٢ / ٤٥. الإحكام لابن حزم ج ١ /١٠٧. إرشاد الفحول / ٤٨.
(٢) إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ج ٣ / ١٥٣.
(٣) الرسالة / ٤٥٨.
(٤) الكفاية / ٤٨.
[ ٣٨ ]
نذكر منها ما يلي:
أولًا: الأدلة من القرآن الكريم:
١- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة آية:١٥٩] .
وجه الدلالة: أن الله ﷾ توعد على كتمان ما أنزل من البينات، فيجب على الواحد الإخبار بما سمع من الرسول ﷺ فوجب العمل بخبره وإلا لم يكن لإخباره فائدة (١) .
وقال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: "وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس فإن لها معنى بها: كل كاتم علمًا فرض الله تعالى بيانه للناس وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله أنه قال: "من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار (٢) .
٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات آية:٦] .
وجه الدلالة: أن الله ﷾ علق وجوب التثبت على خبر الفاسق، فدلَّ على أن العدل إذا جاء بنبأ يقبل قوله (٣) .
وذكر القرطبي في تفسير الآية أن فيها دلالة على أن قبول خبر الواحد إذا
_________________
(١) الإحكام للآمدي ج ٢ / ٥٩. شرح العضد ج ٢ /٦٢.
(٢) تفسير الطبري ج ٤ / ٢٠٢.
(٣) العدة ج ٣/ ٨٦٣. الإحكام للآمدي ج ٢ /٥٨.
[ ٣٩ ]
كان عدلًا؛ لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق (١) .
٣- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾: [المائدة آية:٦٧] .
وجه الدلالة: أن الله ﷾ أمر رسوله في هذه الآية الكريمة بإبلاغ جميع ما أرسله به إلى الناس كافة، فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة لتعذر خطاب جميع الناس شفاها وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم. ومعلوم أنه بلغ الرسالة على أتم وجه وأكمله (٢) .
٤- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء آية:١٣٥] .
وجه الدلالة: أن الله ﷾ أمر بالقسط والشهادة لله ومن أخبر عن الرسول ﷺ بما سمعه فقد قام بالقسط وشهد لله، وكان ذلك واجبًا عليه بالأمر، والوجوب جاء من وجوب القبول وإلا كان وجوب الشهادة كعدمها، وهو ممتنع (٣) .
ثانيا: الأدلة من السنة:
١- قوله ﷺ: "نَضَّرَ الله امرأً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ج ١٦ / ٣١٢.
(٢) فتح الباري ج ١٣ / ٢٣٤. خبر الواحد وحجيته / ٢٣١.
(٣) كشف الأسرار للبخاري ج ٢ / ٣٧٢.
[ ٤٠ ]
لا يُغَلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإنَّ دعوتهم تحيط مِنْ ورائهم" (١) .
وجه الدلالة: هو ما ذكره الشافعي في رسالته بقوله: "فلما نَدَبَ رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امْرَأً يؤديها، والامْرُؤُ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يُؤَدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه" (٢) .
٢- ما رواه أنس بن مالك قال: "كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأبيَّ بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت" (٣) .
وجه الدلالة: هو ما ذكره الشافعي في رسالته: "وهؤلاء في العلم والمكان من النبي ﷺ وتقدّم صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم، وقد كان الشراب عندهم حلالًا يشربونه، فجاءهم آت وأخبرهم بتحريم الخمر فأمر أبو طلحة - وهو مالك الجرار- بكسر الجرار ولم يقل هو، ولاهم، ولا واحد منهم: نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله مع قربه منا أو يأتينا خبر عامة. وذلك أنهم لا يهريقون حلالًا إهراقه سَرَفٌ وليسوا من أهله. والحال أنهم لا يَدَعُون إخبار رسول الله ما فعلوا، ولا يَدَعُ، لو كان ما قبلوا من خبر الواحد ليس
_________________
(١) سنن الترمذي ج ٥ / ٣٣. كتاب العلم. باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع رقم / ٢٦٥٦.
(٢) الرسالة / ٤٠٢.
(٣) سنن الترمذي ج ٣/٨٨. كتاب البيوع. باب ما جاء في بيع الخمر والنهي عن ذلك رقم /١٢٩٣.
[ ٤١ ]
لهم أن ينهاهم عن قبوله" (١) .
٣- اعتماد الرسول ﷺ على الواحد في التبليغ، فلو كان الواحد لا تقوم به الحجة في التبليغ لم يكن لإرسال الرسل فائدة.
ومن ذلك ما يلي:
١ - أمر رسول الله أنيسًا أن يغدو على امرأة رجل ذُكِرَ أنها زنت "فإن اعترفت فارجمها" فاعترفت فرجمها (٢) .
٢ - ما روي عن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت: "بينما نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل يقول: إن رسول الله يقول: إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد" فأتبع الناس وهو على جمله يصرخ فيهم بذلك.
ورسول الله لا يبعث بنهيه واحدًا صادقًا إلا لزم خبره عن النبي بصدقه عند المنهيين عمَّا أخبرهم أن النبي نهى عنه، ومع رسول الله الحاج وقد كان قادرًا على أن يبعث إليهم فيشافههم أو يبعث إليهم عددًا فبعث واحدًا يعرفونه بالصدق (٣) .
٣ - أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلًا يعلمنا السنة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيد. فقال: "هذا
_________________
(١) الرسالة/٤٠٩-٤١٠.
(٢) صحيح البخاري ج ٦ / ٢٦٥٠ حديث رقم / ٦٨٣٢. كتاب التمني. باب ما جاء في إجازة خبر الواحد.
(٣) الرسالة / ٤١٢.
[ ٤٢ ]
أمين هذه الأمة" (١) .
وهناك أمثلة كثيرة في بيان اعتماده ﷺ على الواحد في التبليغ؛ فقد بعث من الصحابة ﵃ أبا بكر أميرًا على الحج، وبعث عمر ساعيًا على الصدقة، وبعث عليًا قاضيًا على اليمن، وبعث معاذًا إلى اليمن قاضيًا، وبعث مصعب بن عمير إلى المدينة.
فلو لم يجب العمل بخبر الواحد لما جاز للرسول ﷺ إنفاذ أمير واحد في شيء من ذلك وقد تواتر منه هذا الفعل مما لا مجال لإنكاره (٢) .
ثالثًا: الإجماع:
١- إجماع الصحابة
أجمع الصحابة على الاحتجاج بخبر الآحاد في وقائع كثيرة خارجة عن العدد والحصر. ونقل الإجماع أبو الحسين البصري، وأبو يعلى، وابن قدامة، وأبو الوليد الباجي وإمام الحرمين والغزالي وابن الحاجب وأبو الخطاب والأصفهاني وابن برهان وغيرهم (٣) . من هذه الوقائع ما يلي:
أولًا: روي عن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر ﵁ تسأله ميراثها قال قبيصة: فقال: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما أعلم
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٦ / ٢٦٤٩. حديث رقم / ٦٨٢٧. كتاب التمني، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد.
(٢) شرح الكوكب المنير ج ٢/ ٣٧٥. تيسير التحرير ج ٣/ ٨٣. العدة ج ٣ / ٨٦٣ بيان المختصر جـ١/ ٦٧٨. التمهيد جـ ٣/ ٥٢.
(٣) المعتمد ج ٢ / ٥٩١. العدة جـ ٣/ ٨٦٥. إتحاف ذوي البصائر ج ٣/ ١٥٣. أحكام الفصول / ٣٣٤. البرهان ج ١/ ٦٠١ المستصفى ج ١/ ١٥٠. شرح العضد ج ٢/ ٥٨٠. التمهيد ج ٣/ ٥٤. شرح المنهاج ج ٢/ ٠٥٥٧. الوصول إلى الأصول ج ٢/ ١٦٨.
[ ٤٣ ]
لكِ في سنة رسول الله شيء، ولكن ارجعي حتى أسأل الناس. فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس فقال: هل معك غيرك..؟ فشهد له محمد بن مسلمة فأمضاه لها أبو بكر (١) .
وجه الدلالة: أن أبا بكر قبل خبر الواحد وهو خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، حيث لم يصل إلى حد التواتر وعمل بمقتضاه فأعطى الجدة السدس.
ثانيًا: أن عمر ﵁ استشار الناس في إملاص (٢) المرأة فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة: عبد أو أمة. قال: لتأتين بمن يشهد معك فشهد له محمد بن مسلمة (٣) .
وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب قبل خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة ولم ينكر عليه أحد الصحابة فكان إجماعًا.
ثالثًا: أن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا، فقال له الضحاك بن سفيان الكلابي: كتب إليَّ النبي ﷺ أن أورث امرأة أشيم الضابي من دية زوجها أشيم (٤) .
وجه الدلالة: أن عمر - ﵁ - قبل خبر الواحد وهو خبر
_________________
(١) سنن بن ماجه ج ٢/ ٩٩ كتاب الفرائض. باب ميراث الجدة. رقم /٢٧٢٤.
(٢) قال الخليل: أملصت المرأة والناقة إذا رمت ولدها، والمراد في الحديث: هي المرأة التي تضرب بطنها فتلقي جنينها، هكذا فسر الحديث - انظر الفتح ١٢/٢٥٠.
(٣) صحيح البخاري (مع الفتح) ج ١٢/ ٢٤٦، كتاب الديات باب جنين المرأة رقم (٦١٠٥) .
(٤) سنن ابن ماجه ج ٢/٣٨. كتاب الديات. باب الميراث من الدية رقم / ٢٦٤٢.
[ ٤٤ ]
الضحاك، وعمل به فأصبح يعطي المرأة حقها من دية زوجها إذا قتل، ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد من الصحابة في هذا، فكان إجماعًا على الاحتجاج بخبر الآحاد.
رابعًا: أن عمر بن الخطاب كان لا يأخذ من المجوس الجزية حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (١) .
وجه الدلالة: أن عمر - ﵁ - كان لا يأخذ الجزية من المجوس، فلما أخبره عبد الرحمن بن عوف بهذا الحديث قبله وعمل بمقتضاه فأخذ منهم الجزية وعاملهم معاملة اليهود والنصارى ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان إجماعًا على الاحتجاج بخبر الآحاد.
خامسًا: عن فريعة بنت مالك بن سنان الخدرية أخت أبي سعيد الخدري - أنها قالت: جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته أن زوجي خرج في طلب أعبد له فقتلوه بطرف القَدُوم - اسم جبل على بعد ستة أميال من المدينة - فسألت رسول الله أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة - قالت: فقال رسول الله: "نعم" فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدُعيت له فقال رسول الله: "كيف قلت؟ " فرددت عليه القصة فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"، فاعتدَّت فيه أربعة أشهر وعشرًا فلما كان عثمان بن عفان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك
_________________
(١) موطأ الإمام مالك. كتاب الزكاة. باب جزية أهل الكتاب والمجوس ج ١/٣٣. رقم /٤٢. بلفظ أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس.
[ ٤٥ ]
فأخبرتُه فاتبع وقضى به (١) .
وجه الدلالة: أن عثمان بن عفان عمل بخبر فريعة، وقضى به على مسمع من الصحابة فلم ينكروه، فدلَّ على إجماع الصحابة على الاحتجاج بخبر الآحاد.
سادسًا: روي عن أبي موسى الأشعري قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصار: لا يجب الغسل إلا من الماء الدافق أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل فقلت: أنا أشفيكم من ذلك فقمت فاستأذنت على عائشة. فقلت: يا أماه أو يا أم المؤمنين ـ: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيك، فقالت: لا تستحي أن تسألني عن شيء كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل..؟ قالت: قال رسول الله ﷺ إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل" (٢) .
وجه الدلالة: أن الصحابة اختلفوا في مسألة هل الغسل يجب وإن لم يُنْزِل أو لا؟ فذهب بعضهم إلى أنه لا يجب الغسل إلا إذا أنزل الماء، وذهب آخرون إلى أنه يجب الغسل على المجامع وإن لم ينزل. فلما روت عائشة هذا الحديث رجع الصحابة جميعًا إلى قولها وعملوا به، ولم يخالف في ذلك أحد فكان إجماعًا بالاحتجاج بخبر الآحاد.
_________________
(١) سنن ابن ماجه ج ١/٦٥٤. كتاب الطلاق. باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها رقم / ٤٣.
(٢) صحيح البخاري ج ١/ ١٩٥. كتاب الغسل. باب إذا التقى الختانان من حديث أبي هريرة برقم /٢٩١.
[ ٤٦ ]
سابعًا: ما روي عن ابن عباس أنه كان يقول: "إنما الربا في النسيئة" (١) ثم حكي عنه أنه رجع وذهب إلى تحريم كل من ربا النسيئة وربا الفضل آخذًا بخبر أبي سعيد الخدري في الصرف وهو قول الرسول ﷺ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلًا بمثل" (٢) وقال ابن حجر: "روى الحاكم أن ابن عباس كان لا يرى بأسًا زمانًا من عمره ما كان منه عينًا بعين يدًا بيد وكان يقول: "إنما الربا في النسيئة" فلقيه أبو سعيد وحدثه الحديث. فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه (٣) .
وجه الدلالة: أن ابن عباس كان يفتي بجواز ربا الفضل، فلما سمع خبر أبي سعيد الخدري هذا قبله وعمل به فرجع عن رأيه وهو تحريم الربا بنوعيه، ولم ينكر عليه أحد في ذلك فكان إجماعًا على الاحتجاج بخبر الآحاد.
ثامنًا: روي عن علي بن أبي طالب: كنت إذا سمعت من رسول الله حديثًا نفعني الله بما شاء منه وإذا حدَّثني غيره حلفته فإذا حلف صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر (٤) .
وجه الدلالة: أن علي بن أبي طالب قد قبل خبر أبي بكر وعمل بمقتضاه ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعًا على الاحتجاج بخبر الآحاد.
تاسعًا: ما روي عن ابن عمر أنه قال: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسًا، حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة (٥) .
_________________
(١) صحيح مسلم ج ١١/٢٥. كتاب المساقاة. باب الربا. بلفظ إنما الربا في الدين.
(٢) صحيح مسلم ج ١١/١٤. كتاب المساقاة. باب الربا بلفظ الذهب بالذهب.
(٣) فتح الباري ج ٢/ ١٩٦.
(٤) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي/ ٦٨.
(٥) صحيح البخاري ج ٥/ ٤٩كتاب المساقاة. باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل رقم/٢٣٨١.
[ ٤٧ ]
وجه الدلالة: أن ابن عمر كان يخابر طوال أربعين سنة، فلما أخبره رافع أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة قبل الخبر وعمل به، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وكان إجماعًا على الاحتجاج بخبر الآحاد.
عاشرًا: عمل زيد بن ثابت بخبر امرأة من الأنصار أن الحائض تنفر بلا وداع، فروي عن طاوس قال: كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت..؟ فقال له ابن عباس: إما لا فاسأل فلانة الأنصارية..؟ هل أمرها رسول الله بذلك؟ قال: فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت (١) .
وجه الدلالة: أن زيد بن ثابت كان يأمر الحائض بالمقام لطواف الوداع، فلما أخبرته تلك المرأة الأنصارية أن النبي لم يأمرها بالمقام لطواف الوداع لما حاضت عمل به ورجع عما كان عليه ولم يُنْكر عليه أحد من الصحابة فكان إجماعًا على الاحتجاج بخبر الآحاد.
والأخبار في هذا أكثر من أن تحصى، فاشتهر عن الصحابة الرجوع إلى عائشة وأم سلمة وحفصة وميمونة وفاطمة بنت أسد، وإلى زيد وأسامة بن زيد وأبي الدرداء وغيرهم من الرجال والنساء والعبيد والموالي مما يدل دلالة واضحة على أن الصحابة كانوا يحتجون بخبر الواحد (٢) .
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٣/ ٥٨٦ كتاب الحج. باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت. برقم /١٧٦٠ رواه بلفظ رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت.
(٢) المستصفى ج ١/ ١٤٨. الإحكام للآمدي ج ٢/ ٠٥٧ كشف الأسرار للبخاري ج ٢/ ٣٧٤ إتحاف ذوي البصائر ج ٣/ ١٦٧.
[ ٤٨ ]
اعترض على دليل الإجماع بما يلي:
الأول: لا نسلم أن الصحابة في الوقائع السابقة قد عملوا بمجرد تلك الأخبار الآحادية، بل يحتمل أنه اقترن بكل خبر قرائن أفاد العلم فعمل به.
وأجيب عن ذلك الاعتراض:
١ - أن هذه الوقائع التي استدللنا بها لم يكن مع الخبر أي قرينة اقترنت به، بل على العكس فقد صرح الصحابة بأنهم عملوا بمجرد خبر الواحد فقط دون أية قرائن اقترنت به.
فمثلًا قول عمر في إسقاط الجنين: "لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره" وفي خبر عائشة "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" أن الصحابة أخذوه وعملوا به وارتفع الخلاف دون أية قرينة. وفي خبر رافع بن خديج بأن النبي نهى عن المخابرة: أن ابن عمر صرح أنه لما أخبره رافع بالنهي عن المخابرة انتهى وأمر بتركها. فلو كانت هناك قرينة لَرُويت لنا وبلغتنا كما بلغنا الخبر، فثبت أنه لا قرينة (١) .
٢ - إن تقدير قرينة في خبر الواحد يلزم منه تقدير قرينة في نص الكتاب وخبر المتواتر، فلا يعمل بهما إلا بقرائن وأن الصحابة لم يعملوا بها إلا بقرائن وأنه لو لم توجد هذه القرائن لما عملوا بالآية أو المتواتر. وهذا باطل قطعًا لأنه يؤدي إلى إبطال أدلة الشريعة عن العمل (٢) .
٢- إجماع التابعين:
_________________
(١) إتحاف ذوي البصائر ج ٣/ ١٧١.
(٢) إتحاف ذوي البصائر ج ٣/ ١٧١.
[ ٤٩ ]
فقال الخطيب البغدادي وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار ذلك ولا اعتراض عليه فثبت أن من دين جميعهم وجوبه؛ إذ لو كان فيهم من كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه (١) .
ويقول الشافعي: وجدنا علي بن حسين يقول: أخبرنا عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن النبي قال: "لا يرث المسلم الكفار" فيثبتها سنة ويثبتها الناس بخبره سنة، ووجدنا كذلك محمد بن علي بن حسن يخبر عن جابر عن النبي وعن عبد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي فيثبت كل ذلك سنة.
ووجدنا محمد بن جبير بن مطعم ونافع بن جبير بن مطعم ويزيد بن طلحة بن ركانة ومحمد بن طلحة بن ركانة ونافع بن عجير بن عبد يزيد وأبا سلمة بن عبد الرحمن وحميد بن عبد الرحمن وطلحة بن عبد الله بن عوف وخارجة بن زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن كعب بن مالك وعبد الله بن أبي قتادة وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وغيرهم من محدثي أهل المدينة كلهم يقول حدثني فلان لرجل من أصحاب النبي عن النبي أو من التابعين عن رجل من أصحاب النبي عن النبي فيثبت ذلك سنة.
ووجدنا عطاءً وطاوسًا ومجاهدًا وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وعبيد الله بن أبي يزيد وعبد الله بن باباه، وابن أبي عمار ومحدّثي المكيين. ووجدنا وهب بن منبه باليمن هكذا ومكحولًا بالشام وعبد الرحمن بن غنم والحسن
_________________
(١) ١) الكفاية للخطيب البغدادي / ٧٢.
[ ٥٠ ]
وابن سيرين بالبصرة، والأسود وعلقمة والشعبي بالكوفة ومحدثي الناس وأعلامهم بالأمصار: كلهم يُحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله والانتهاء إليه والإفتاء به ويقبله كل واحد عن من فوقه ويقبله عنه من تحته.
ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبّته جاز لي (١) .
وبالتالي فأجمع التابعون وتابعو التابعين على الاحتجاج بخبر الآحاد ولم ينكر عليهم أحد، ولما انقضى عصر التابعين حدث الاختلاف في الاحتجاج بخبر الواحد فخالف من خالف (٢) .
رابعًا: القياس (قياس الرواية على الفتوى)
وهو أن المفتي إذا أفتى شخصًا بحكم شرعي فإنه يجب على المستفتي وهو العامي أن يصدق ذلك المفتي ويقبل تلك الفتوى ويعمل بالإجماع. مع أن ذلك المفتي ربما يخبر عن ظنه، فإذا كان الأمر كذلك في الفتوى فإنه إذا أخبر هذا المفتي بخبر سمعه، فكذلك يجب قبول خبره وتصديقه قياسًا للمخبر على المفتي بجامع أن كلًا منهما يجوز عليهما الغلط، فإن تطرق الغلط على المفتي كتطرقه إلى الراوي فإن كل مجتهد وإن كان مصيبًا فإنما يكون مصيبًا إذا لم يفرط، وربما ظن أنه لم يفرط ويكون قد فرط وهذا عند من يجوز تقليد مقلد بعض الأئمة أولى، فإنه إذا جاز أن يروي مذهب غيره فلم لا يجوز أن يروي
_________________
(١) الرسالة /٤٥٥-٤٥٧.
(٢) إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ج ٣/ ١٦٩.
[ ٥١ ]
قول غيره (١) .
اعترض على هذا الدليل بما يلي:
أولًا: إنه قياس لا يصح الاستدلال به هنا؛ وذلك لأنه لا يفيد إلا الظن، والظن لا يقوى على إثبات قاعدة أصولية كالعمل بخبر الواحد.
وأجيب عن ذلك الاعتراض بما يلي:
أن قياس الرواية على الفتوى ليس قياسًا ظنيًا بل هو قياس جلي مقطوع به حيث إنه في معنى أصله؛ لأنه لو صح العمل بخبر الواحد في باب البيوع لقطعنا به في باب النكاح - مثلًا - ولم يختلف الأمر باختلاف المروي وهاهنا لم يختلف إلا المخبر عنه فإن المفتي يخبر عن ظن نفسه، والراوي يروي عن قول غيره فلا فرق بين الراوي والمفتي.
ثانيًا: أن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق حيث يوجد فرق بين الرواية والفتوى، وهو أن العمل بالفتوى ضروري لأن تكليف كل واحد من العوام الاجتهاد في كل واقعة لا يمكن. أما العمل بخبر الواحد فغير ضروري لأنا إن وجدنا في المسألة دليلًا قاطعًا عملنا به، وإن لم نجد عملنا بالبراءة الأصلية ولا يلزم من جواز العمل بالظن عند الضرورة جواز العمل لا عند الضرورة.
وأجيب عن ذلك الاعتراض بما يلي:
أن قولكم – لو كلفنا كل عامي الاجتهاد في كل حادثة حدثت له فإنه يفضي إلى تعذر الأحكام ووجود حوادث بلا أحكام - ليس بصحيح؛ فإن العامي ينبغي أن يرجع إلى البراءة الأصلية، ويستصحب حال الحكم السابق الذي يعرفه؛ لأنه لا طريق له إلى المعرفة.
_________________
(١) إتحاف ذوي البصائر ج ٣/ ١٩٢-١٩٦.
[ ٥٢ ]
المبحث الثاني: أدلة منكري الاحتجاج بخبر الواحد في الأحكام والرد عليها
ذهب محمد بن داود الظاهري ومحمد بن إسحاق الكاساني -ونسبه الغزالي إلى جماهير القدرية (١) وقوم من أهل البدعة من الرافضة ومن المعتزلة (٢) - إلى منع العمل بخبر الواحد في الأحكام فأنكروا الاحتجاج به، وقال الجبائي: لا يقبل في الشرعيات أقل من اثنين: (٣) وهؤلاء استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
[الإسراء آية:٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة آية:١٦٩] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم آية:٢٨] .
وجه الدلالة: حيث ذكر ذلك في معرض الذم وهو يقتضي التحريم والعمل بخبر الآحاد عمل بغير علم.
أجيب عن ذلك بما يلي:
١ - أن وجوب العمل بخبر الآحاد معلوم؛ لأن الدليل على وجوب العلم بخبر الواحد موجب للعلم قاطع للعذر - وهذا ينقلب عليهم في إبطالهم القول
_________________
(١) المستصفى ج١ / ١٥٣. إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ج ٣ / ١٥٢.
(٢) خبر الواحد وحجيته. د. أحمد الشنقيطي / ٤٥٢. العدة ج ٣ / ٨٦١.
(٣) العدة ج ٣/ ٨٦١. المستصفى ج ١ / ١٥٤. الإحكام للآمدي ج ٢ / ٤٦.
[ ٥٣ ]
بخبر الواحد فإنهم حكموا بذلك، وهو غير معلوم عندهم (١) .
٢ - أن المراد من الآيات من الشاهد عن الجزم بالشهادة فيما لم يبصر ولم يسمع والفتوى بما يرد ولم ينقله العدول. وأن وجوب العمل بخبر الآحاد معلوم بالإجماع، وهو دليل قاطع، وأن إنكارهم للعمل به حكم بغير علم والحكم بغير علم باطل، ولأن تجويز الكذب والخطأ لو كان مانعًا من العمل لمنع العمل بشهادة الاثنين والأربعة والرجل والمرأتين، وقد دل النص القرآني على وجوب الحكم بها مع جواز الكذب والخطأ فيها أو إذا كنا متفقين على العمل بها فما صح عن رسول الله أولى بالعمل (٢) .
ثانيًا: لو جاز التعبد به في الفروع (الأحكام)؛ لجاز في الأصول والعقائد وهو خلاف الإجماع بيننا وبينكم، فكما لا يُقبل في العقائد لا يقبل في الأحكام.
أجيب عن ذلك بما يلي:
قد دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة على العمل بخبر الآحاد متى صح وتوافرت فيه شروط القبول فيما تضمنه من أحكام وعقائد من غير تفريق، وما ادَّعاه المخالف من إجماع على عدم قبول خبر الآحاد في العقائد يحتاج إلى إثبات حتى يكون إجماعًا قطعيًا تقوم به الحجة (٣) .
أما ولم يرد غير دعوى مجردة عن الدليل فلا يُتْرك العمل بالحديث
_________________
(١) العدة ج ٣ / ٨٤٧. شرح العضد ج ٢ / ٠٥٧ تيسير التحرير ج ٣ / ٤٦.
(٢) خبر الواحد وحجيته. د. أحمد الشنقيطي / ٢٥٥.
(٣) خبر الواحد وحجيته. د. أحمد الشنقيطي / ٢٥٥.
[ ٥٤ ]
الصحيح عن النبي ﷺ في كل ما دل عليه سواء كان أصولًا أو فروعًا لأنه مقتضى ما دلت عليه آيات الكتاب وأحاديث السنة وما نقل من إجماع الأمة.
ويؤيد ذلك ابن حزم بقوله: "فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ يجري على ذلك كل فرقة في عملها كأهل السنة والخوارج والشيعة والقدرية حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك" (١) .
ثالثًا: لم يقبل النبي ﷺ خبر ذي اليدين، حيث توقف في خبر ذي اليدين حين سلَّم النبي ﷺ عن اثنتين وهو قوله: "أقصرت الصلاة أم نسيت" حتى أخبره أبو بكر وعمر ومن كان في الصف فصدقه فأتم وسجد للسهو، ولو كان خبر الواحد حجة لأتم النبي ﷺ من غير توقف ولا سؤال.
فقد روى أبو هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله إحدى صلاتي العشي فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: قصرت الصلاة. وفي القوم
أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين فقال: يا رسول الله نسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: "لم أنس ولم تقصر". فقال ﷺ: "أكما قال ذو اليدين؟ ". فقالوا: نعم، فقام فصلى ما ترك ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه ثم سلم (٢) .
_________________
(١) الإجماع لابن حزم ج ٤٠١/١٠٣.
(٢) صحيح البخاري ج ٢/٢٠٥. كتاب الأذان. باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس رقم /٧١٤.
[ ٥٥ ]
وجه الدلالة: حيث لم يقبل النبي خبر الواحد (ذي اليدين) بل طلب ما يؤيده ويقويه حيث قال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " فلما شهدوا معه بقولهم: (نعم) قبل الخبر (١) .
أجيب عن ذلك الدليل بما يلي:
١ - أن النبي ﷺ إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهم غلطه لبعد انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير، ومع ظهور الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه، فحيث وافقه الباقون على ذلك ارتفع حكم الأمارة الدالة على وهم ذي اليدين وعمل بموجب خبره (٢) .
٢ - أن توقف النبي ليس لكونه يردُّ خبر الواحد، ولكن توقَّف لسبب ذلك الخبر، وهو أن النبيَّ وإن علم صدق ذي اليدين أراد أن يعلم الأمة أن الحكم للإمام إذا نبهه واحد من المأمومين هو وجوب التوقف حتى يؤيده كثير من المأمومين، إذ لو لم يتوقف لصار التصديق مع سكوت الجماعة سنة ماضية فحسم النبي ذلك وبينه (٣) .
رابعًا: ورد عن عدد من الصحابة ردُّ خبر الآحاد، فرد أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة، وردَّ عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان، وردَّ عليٌّ خبر أبي سنان الأشجعي في المفوضة - وأنه كان لا يقبل خبر الواحد حتى يحلفه سوى أبي بكر - وردَّت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه (٤) .
_________________
(١) إتحاف ذوي البصائر ج ٣ /١٧٦.
(٢) الإحكام للآمدي ج ٢ /٦٢.
(٣) إتحاف ذوي البصائر ج ٣ /١٨٤.
(٤) إتحاف ذوي البصائر ج ٣ /١٨٤. إرشاد الفحول / ٤٨. المستصفى ج ١ /١٥٣. الإحكام للآمدي ج٢ /٦٠. المعتمد ج ٢ / ٦٠٤. العدة ج ٣ / ١٧٤. خبر الواحد وحجيته / ٢٥٤.
[ ٥٦ ]
أجيب عن ذلك الدليل بما يلي:
١ - يحتمل أن الصحابة ردُّوا خبر الآحاد في هذه الوقائع احتياطًا، ويؤيد ذلك ما رواه عمر أنه لما فعل ذلك قال: خفت أن يُجترأ على رسول الله (فكأنه احتاط فأما أن يكون فعله على الوجوب فلا (١) .
٢ - أن هذا الدليل يعتبر دليلًا على الاحتجاج بخبر الآحاد في الأحكام؛ وذلك لأن شهادة محمد بن مسلمة مع المغيرة، وشهادة أبي سعيد مع أبي موسى لا تنقل الخبر عن كونه آحادًا؛ لأن خبر الاثنين خبر آحاد.
٣ - توقفهم كان لمعان مختصة بهم؛ فأبو بكر عندما توقف في قبول خبر المغيرة في ميراث الجدة - لم يتوقف بناء على عدم قبوله خبر الواحد مطلقًا، بل إنه توقف في قبول خبر المغيرة لسبب خاص بهذه الحادثة، وهو أنه ﵁ أراد أن يتأكد ويستظهر من الخبر ليعلم هل عند غيره مثل ما عنده ليكون الحكم آكد. وذلك لأن الخبر يخص المال والحقوق فيكون في معنى الشهادة على المال، ولا سيما إذا كان الحكم الثابت به مؤبدًا، وهو ميراث الجدة، فكان توقفه وجيهًا للاحتياط والاستظهار.
وأما توقف عمر في خبر أبي موسى أيضًا لم يتوقف بناء على عدم قبوله خبر الواحد مطلقًا، ولكن توقفه كان لسبب خاص بهذه الواقعة وهو أن أبا موسى لما استأذن عمر ثلاث مرات انصرف عن بابه. ثم سأله عمر لماذا تصرَّفت هذا التصرف؟ فروى الحديث، فلما رآه عمر قد روى حديثًا يوافق الحال ويخلص به، خشي أن كل واحد إذا نابه أمر أن يصنع حديثًا بحسب
_________________
(١) العدة ج ٣ /٨٧٢.
[ ٥٧ ]
حاله ليتخلص به، فطالبه بالشاهد، ويؤيد ذلك أن أبا موسى لما رجع مع أبي سعيد الخدري وشهد له قال عمر: إني لا أتهمك لكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ.
أما توقف عائشة عن قبول خبر ابن عمر أيضًا: ليس لأنها لا تقبل خبر الواحد، وإنما لسبب خاص وهو أنها رأت ابن عمر قد وهم في رواية الحديث ونسب إلى النبي شيئًا لم يَقُله عن طريق الوهم، فأرادت أن تبين الحق في ذلك، فبينت أنَّ المراد بذلك الحديث هو "الكافر" وليس المؤمن. وهذا وارد بنص حديث رسول الله ﷺ: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" (١) .
وذكر ابن حجر: "أن عائشة ﵂ توقفت عن قبول خبر ابن عمر لأنه عارض القطعي حيث استدلت بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة فاطر آية:١٨] فهي لم تردَّه لكونه خبرَ واحدٍ.
أما توقف عمر في خبر فاطمة بنت قيس أيضًا فليس لأنه لا يقبل خبر الآحاد، وإنما لسبب خاص بفاطمة ويؤيد ذلك قوله: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري صدقت أم نسيت" فقوله: "نسيت" صريح في سبب الرد (٢) .
وأما استحلاف عليٍّ للمخبر ليس لأنه لا يقبل خبر الواحد، وإنما كان عليٌّ ﵁ يحتاط لنفسه، فكان لا يقبل خبر الواحد، إلا إذا حلف
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٣ / ١٥٠. كتاب الجنائز. باب قول النبي صلي الله عليه وسلم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته رقم /١٢٨٨.
(٢) الإحكام للآمدي ج ٢ / ٦١. المستصفى ج ١ / ١٥٤.
[ ٥٨ ]
هذا الراوي أنه سمعه من رسول الله - ومع ذلك قبل خبر أبي بكر ﵁ بغير يمين. فلو لم يكن خبر الواحد حجة مطلقًا لما قبل خبر أبي بكر ﵁ بمفرده، ولأن من لا يقبل خبر الواحد مطلقًا لا يقبله مع اليمين (١) .
خامسًا: أن الرسول ﷺ لم يقتصر في الإشهاد على عقوده على اثنين، فدل على أن الواحد غير مقبول (٢) .
أجيب عن ذلك الدليل بما يلي:
أنه لم يشهد على عقوده النساء والعبيد ولم يدل ذلك على امتناع قبول خبرهم (٣) .
سادسًا: قياس الخبر على الشهادة فكما أن الشهادة لا تقبل إلا من اثنين فكذلك الخبر.
أجيب عن ذلك الدليل بما يلي:
أن الشهادة قد تقبل من واحد في رؤية الهلال وفي شهادة القابلة، وأن الشهادة مؤكدة بما لم يؤكد به الخبر، وهو أنها لا تسمع حتى يبحث عن حال الشهود، وقبل الخبر ممن ظاهره العدالة من غير بحث عنه.
ويقبل خبر العنعنة، وهو قول الراوي عن فلان كذلك إلى النبي ﷺ، وشهادة العنعنة لا تقبل حتى ينقل اللفظ فيقال: أشهدني فلان على شهادته بكذا واللفظ يعتبره في الشهادة دون الخبر، وتقبل فيه النساء ولا تقبل في كثير
_________________
(١) إتحاف ذوي البصائر ج ٣ /١٨٥.
(٢) العدة ج ٣ / ٨٧٥.
(٣) العدة ج ٣ / ٨٧٥.
[ ٥٩ ]
من الشهادات فكانت الشهادات أقوى فاعتبر فيها العدد، ولم يُعتبر في الخبر وإنما كان كذلك؛ لأن حكم الخبر يستوي فيه المخبر والمختبر - والشهادة لا يستوي فيها الشاهد والمشهود له. فلهذا قبلنا الواحد في هلال رمضان لأنه يستوي فيه الشاهد والمشهود له فبان الفرق بينهما (١) .
تعقيب: ذكره الشوكاني في إرشاده بقوله: "وعلى الجملة فلم يأت من خالف في العمل بخبر الواحد بشيء يصلح للتمسك به، ومن تتبع عمل الصحابة من الخلفاء وغيرهم وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد وجد ذلك في غاية الكثرة، بحيث لا يتسع له مصنف بسيط، وإذا وقع من بعضهم التردد في العمل في بعض الأحوال فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبة في الصحة أو تهمة الراوي أو وجود معارض راجح ونحو ذلك" (٢) .
وبالتالي فأخبار الآحاد جزء لا يتجزأ من السنة النبوية بل هي الجزء الأغلب منها، نظرًا لندرة المتواتر بسبب صعوبة توافر شروطه، لذلك فإن حجية أخبار الآحاد لا ينفك عن إثبات حجية السنة.
_________________
(١) العدة ج ٣ / ٨٧٨.
(٢) إرشاد الفحول/ ٤٩.
[ ٦٠ ]