لعل ما يتميَّز به أئمة العلم في الإسلام، ولا سيما أئمة الحديث وجامعوه كثرة الارتحال، وملازمة الأسفار، وقد جَرَوْا في ذلك على سُنَنِ الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لقد كان الواحد منهم يبلغه الحديث بطريق الرُواة الثقات فلا يكتفي بهذا، بل يرحل الأيام والليالي حتى يأخذ الحديث عمَّنْ رواه بلا واسطة، وقد ثبت في " صحيح البخاري " تعليقًا بصفة الجزم أنَّ جابر بن عبد الله الأنصاري رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنَيْسٍ (١) في حديث واحد، والقصة بتمامها - كما أخرجها البخاري في: " الأدب المفرد " وأحمد وأبو يعلى في " مُسْنَدَيْهِمَا " - من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: «بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله - ﷺ - فاشتريت بعيرًا، ثم شددت رحلي فَسِرْتُ إليه شهرًا حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أُنَيْسٍ»، فقلت للبوَّاب: «قل له: جابر على الباب»، فقال: «ابن عبد الله؟» قلت: «نعم»، فخرج فاعتنقني فقلتُ: «حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله - ﷺفخشيت أنْ أموت قبل أنْ أسمعه» فقال: «سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً » الحديث.
وَرُوِيَ عن جابر أيضًا أنه قال: «كان يبلغني عن النَّبِي - ﷺ - حديث في القِصَاصِ، وكان صاحب الحديث بمصر فاشتريت بعيرًا فَسِرْتُ حتى وردت مصر فقصدت إلى باب الرجل فذكر نحو القصة الأولى».
_________________
(١) بضم الهمزة مصغرًا، وهو جهني حليف للأنصار.
[ ٢٥ ]
وأخرج الطبراني من حديث مسلمة بن مخلد قال: أتاني جابر فقال لي: «حديث بلغني أنك ترويه في الستر على المسلم فذكره»، والظاهر أنها قصص مُتَعَدِّدَةٌ رحل فيها جابر - ﵁ - مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَة.
ورحل السيد الجليل أبو أيوب الأنصاري إلى عُقبة بن عامر الجُهَنِي بسبب حديث يرويه في الستر على المسلم، رواه أحمد بسند منقطع، وروى أبو داود في " سننه " من طريق عبد الله بن بُريدة أنَّ رجلًا من الصحابة رحل إلى فُضالة بن عبيد وهو بمصر في حديث.
وعلى هذا الدرب الواضح سار التابعون ومن جاء بعدهم من أئمة العلم والدين، روى الخطيب عن عبيد الله بن عدي قال: «بلغني حديث عند عليٍّ فخفت إنْ مات أنْ لا أجده عند غيره، فرحلت حتى قدمت عليه العراق». وروى الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: «إِنْ كُنْت لأَرْحَلُ الأَيَّام وَاللَّيَالِي فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ». وأخرج الخطيب عن أبي العالية قال: «كنا نسمع عن أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا نرضى حتى خرجنا إليهم فسمعنا منهم» (١) وقال الشَعْبِي في مسألة أفتى فيها: «أعطيناكها بغير شيء، كان يرحل فيما دونها إلى المدينة» وقد روى الدارمي بسند صحيح عن بُسر بن عبيد الله قال: «إنْ كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد» وقال أبو قلابة: «لقد أقمت بالمدينة ثلاثة أيام ما لي حاجة إِلاَّ رجل يقدم عنده حديث فأسمعه».
وقيل للإمام أحمد: «رجل يطلب العلم، يلزم رجلًا عنده علم كثير أو يرحل؟ قال: يرحل يكتب عن علماء الأمصار».
ومِمَّنْ ارتحل في سبيل العلم والرواية الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم ومن المُحَدِّثِينَ جَمٌّ غفير، ويأتي في الرعيل الأول منهم الأئمة
_________________
(١) " فتح الباري " ج ١ ص ١٤١ - ١٤٢.
[ ٢٦ ]
البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم، وإنَّ منهم من لم يذق طعم الراحة والإقامة والاستقرار طوال حياته.