وقد وضع المُحَدِّثُونَ شروطًا للرواية المقبولة بحيث تكفل هذه الشروط الضمانات الكافية لصدق الرُواة وسلامتهم من الكذب والخطأ والغفلة في النقل وإليك هذه الشروط.
١ - الإسلام: وهو الانقياد ظاهرًا وباطنًا، فيشمل التصديق بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقبول شرائعه وأحكامه، والتزام ذلك علمًا وعملًا، وإنما اشترطوا الإسلام وإنْ كان الكذب مُحَرَّمًا في سائر الأديان لأنَّ الأمر أمر دين والكافر يسعى في هدم غير دينه ما استطاع، وهو متهم فيما يتصل به، وما دام عنصر الاتهام موجودًا كان من الحق والعدل عدم قبول روايته فيما هو دين، أما إنْ تَحَمَّلَ وهو كافر ولكن أدى وهو مسلم قُبِلَتْ روايتُهُ.
٢ - التكليف: وذلك يتحقق بالبلوغ والعقل فلا تقبل رواية الصبي والمجنون، أما الأول فلأنه لا وازع له عن الكذب لعدم مؤاخذته شرعًا، وأما الثاني فلعدم إدراكه وتمييزه، نعم إنَّ تَحَمَّلَ الصبي المُمَيّز قبل البلوغ وأدَّى بعده تقبل روايته، يدل على هذا إجماع الصحابة - ﵃ - على قبول رواية جماعة من أحداث الصحابة كابن عباس وابن الزبير ومحمود بن الربيع وغيرهم وعلى هذا درج من جاء بعدهم، وقد حدَّدوا سِنَّ التمييز بخمس سنين، واستأنسوا في هذا بحديث محمود بن الربيع «عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ [مِنْ دَلْوٍ]» رواه البخاري.
[ ٣٠ ]
٣ - العدالة: وهي ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة.
والتقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وذلك بأنْ لا يفعل كبيرة ولا يُصِرُّ على صغيرة، ولا يكون مبتدعًا.
والمروءة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات.
وما يُخِلُّ بالمروءة قسمان:
[أ] الصغائر الدالة على الخسة كسرقة شيء حقير مثلًا.
[ب] المباحات التي تُوَرِّثُ الاحتقار وتُذْهِبُ الكرامة كالبول في الطريق وفرط المُزَاحِ الخارج عن حَدِّ الأدب، ومرجع هذا إلى العادة والعُرْفِ.
والمراد من العدل عند المُحَدِّثِينَ عدل الرواية فيدخل فيه الذكر والأنثى والحُرُّ والعبد والمُبصر والكفيف، وقد كان المُحَدِّثُونَ على حَقٍّ في عدم اشتراط الذكورة أو الحرِيَّةَ أو الإبصار، لأنَّ كثيرًا من الأحاديث رَوَتْهَا أمهات المؤمنين وغَيْرُهُنَّ من النساء، ورواها الموالي كزيد بن حارثة، والأكفاء كابن أم مكتوم.
٤ - الضبط وهو قسمان:
[أ] ضبط صدر.
[ب] ضبط كتاب.
فالأول: أنْ يحفظ ما سمعه من شيخه بحيث يتمكَّن من استحضاره والتحديث به متى شاء من حين سماعه إلى حين أدائه.
والثاني: هو محافظته على كتابه الذي كتب فيه الأحاديث وصيانته عن أنْ يتطرَّق إليه تغيير ما منذ سماعه فيه وتصحيحه إلى حين الأداء منه، ولا يعيره إِلاَّ لمن يثق فيه ويتأكد من أنْ لا يغيِّر فيه.
[ ٣١ ]
وضبط الصدر مُجْمَعٌ عليه، وأما ضبط الكتاب فخالف في قبول الرواية به بعض الأئمة الكبار كأبي حنيفة ومالك (١) - رَحِمَهُمَا اللهُ -، والجمهور على قبول رواية من روى من كتابه بشرط التحفُّظ عليه.
فإذا اجتمع في الراوي هذه الشروط كان أهلًا لقبول روايته، وليس من شك في أنَّ مَنْ توفَّرت فيه هذه الشروط ترجَّح ترجُّحًا قويًّا صدقه على جانب كذبه، بل مَنْ اطَّلع على منهج المُحَدِّثِينَ في النقد وطريقتهم في التعديل والتجريح ومُبالغتهم في التحري عن معرفة حقيقة الراوي وطويَّة نفسه، والأخذ بالظنَّة والتُّهمة في رَدِّ مروياته، يكاد يجزم بأنَّ تجويز الكذب على الراوي المستجمع لهذه الشروط أمر فَرَضِيٌّ واحتمالٌ عقليٌّ، وهذه الحقيقة قد تبدو لبعض مَنْ لَمْ يدرس كتب الرجال والنقد عند المُحَدِّثِينَ فيها شيء من المُغالاة ولكن الحق ما ذكرتُ، ومن أبعد النجعة في كتب القوم عرف، ومن عرف اعترف.
وكذلك بعد اشتراطهم للضبط - على المعنى الذي قدَّمناهُ - يكون احتمال الغلط أو الخطأ في روايته احتمالًا بعيدًا، وقد رَدُّوا رواية من كثر غلطه وغفلته وساء حفظه، وكذا من تساوى صوابه وغلطه واعتبروا حديثه مُنكرًا، ومن ثَمَّ نرى أنَّ المُحَدِّثِينَ احتاطوا غاية الاحتياط في الرواية، ولم يأخذوا إِلاَّ عن العدل الفطن اليقظ، ونبذوا أحاديث المُغَفَّلِينَ والغالطين وأصحاب الأوهام، ولم يتسامحوا إِلاَّ في الغلط أو الغفلة النَّادِرَيْنِ اللَّذَيْنِ لا يسلم منها غالب البشر (٢) وكم من رجل من أهل الديانة والأمانة ولكنه في نظرهم ليس أهلًا للرواية، وإليك بعضًا مِمَّا رُوِيَ عنهم في هذا.
صَحَّ عن ابن سيرين أنه قال: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» وهذا هو إمام دار الهجرة مالك بن أنس - ﵀ - يقول: «لَقَدْ أَدْرَكْنَا فِي هَذَا الْمَسْجِد سَبْعِينَ مِمَّنْ يَقُولُونَ: قَالَ فُلاَنٌ: قَالَ رَسُولُ
_________________
(١) " مقدمة ابن الصلاح ": ص ١٨٥.
(٢) " جامع الأصول ": ج ١ ص ٧٢، " شرح نخبة الفكر ": ص ٣٢ مطبعة الاستقامة.
[ ٣٢ ]
الله - ﷺ - وإنَّ أحدهم لو اؤتمن على بيت مالٍ لكان أمينًا عليه، فما أخذت عنهم شيئًا، ولم يكونوا مِنْ أهل هذا الشأن» وقال يحيى بن سعيد القطان: «كم مِنْ رجل صالح لو لم يُحَدِّثُ لكان خيرًا له» يريد مَنْ عنده غفلة وسُوءِ حفظٍ، وقال الإمام أحمد: «يكتب الحديث عن الناس كُلِّهِمْ إِلاَّ عن ثلاثة: صاحب هوى يدعو إليه، أو كذَّاب، أو رجل يغلط في الحديث فَيُرَدُّ عليه فلا يُقْبَلُ» وقال سليمان بن موسى: «كانوا يقولون - يعني أئمة الحديث -: لا تأخذوا العلم عن الصُحُفِيِّينَ» (١)، يعني الذين يأخذون الأحاديث عن الصحف لا بالرواية لكثرة ما يقع لهم من الخطأ والتصحيف وعدم التمييز، والأئمة الذين جمعوا الأحاديث في كتبهم المشهورة كان الاعتماد عندهم فيها على الرواية، والتلقِّي شِفَاهًا من الرُواة العُدُولِ الضابطين، وإنما كانت الكتابة زيادة في الوُثُوقِ والضبط، وحتى يرجع إليها مَنْ لم يكن في درجتهم مِنْ طالبي الحديث مِمَّنْ سيأتي بعدهم.