_________________
(١) (*) هذا القسم ينشر للمرة الأولى عن الأصول الخطية للمؤلف - ﵀ -.
[ ٢٥١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[١] [هَلْ أَدْخَلَ مُسْلِمَةُ أَهْلِ الكِتَابِ أَقْوَالًا مِنَ الإِنْجِيلِ عَلَى أَنَّهَا أَحَادِيثَ؟]:
قال صاحب " ضحى الإسلام " ج ١ ص ٣٤٠ ط أولى:
«كذلك أدخل مسلمة أهل الكتاب أقوالا من الإنجيل دست على أنها أحاديث لرسول الله - ﷺ -، وقد مثل الأستاذ " جولدتسيهر " لما دخل على النصرانية في الحديث، بحديث «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» وحديث، قال لنا رسول الله - ﷺ - «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ» فقد أخذ مما ورد في إنجيل متى: «أُعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ، وَمَا للهِ للهِ»، وكذا الإمعان في تفضيل الفقراء على الأغنياء، فإذن هذا نظر نصراني، وقد ورد في الحديث «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهَا بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» إلى آخر ما قال.
ومع أن صاحب " الضحى " رَدَّ على أصل الفكرة لكنه سكت عن هذه الأحاديث التي مثل بها، ولم يبين أنها أحاديث صحيحة، فكان من اللازم عَلَيَّ - وأنا أَرُدُّ الشبهات عن السُنَّةِ - أن أَرُدَّ رَدًّا وافيًا مبينًا أن هذه الأحاديث ليست كما زعم " جولدتسيهر " ومتابعوه، فأقول مستعينًا بالله:
[١] إننا معاشر أهل الحديث - مع موافقتنا لجولدتسيهر في أن بعض الأفراد الإسرائيلية والمسيحية قد دس بعضها في الحديث، ولكنا نقول: إن علماء
[ ٢٥٢ ]
الإسلام ونقاده بينوا ذلك قبل أن يوجد " جولدتسيهر " ومتابعوه ببضعة قرون، ومن قرأ ما كتبه العلماء المؤلفون في علوم الحديث ومصطلحه، والمؤلفون في «علم الرجال»، والمؤلفون في " شروح الأحاديث "، والمؤلفون في " تخاريج الكتب " وما ألفه بعض العلماء الذين لهم بصر بالنقد، كابن كثير، وابن القيم، والذهبي، وشيخهم ابن تيمية وما ألفه الحافظ العراقي، وما ألفه الحافظ ابن حجر يقف على كثير مِمَّا بَيَّنُوا أن أصله من الإسرائيليات أو من غير الإسرائيليات، وقد وزنوا الروايات بميزان دقيق لا يحيف ولا يجور.
قال في " تدريب الراوي شرح تقريب النواوي: «وربما أسند الواضع كلاما لنفسه كأكثر الموضوعات، أو لبعض الحكماء أو الزهاد، أو الإسرائيليات (١)، كحديث " المَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالحمية رأس كل دواء " لا أصل له من كلام النبي - ﷺ -، وإنما هو من كلام بعض الأطباء قيل: إنه الحارث بن كلدة طبيب العرب ومثله العراقي في " شرح الألفية " بحديث " حُبُّ الْدُّنْيَا رَأُسُ كُلِّ خَطِيْئَةٍ " قال: فإنه إما من كلام مالك بن دينار، كما رواه ابن أبي الدنيا في " مكايد الشيطان " بإسناده إليه، أومن كلام عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، كما رواه البيهقي في " الزهد "، ولا أصل له من حديث النبي - ﷺ - " (٢) وقد قال الإمام ابن تيمية في الحديث المزعوم «مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلاَ أَرْضِي، وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ» هو من الإسرائيليات، وليس له أصل معروف عن النبي - ﷺ -.
ولكن الذي ننكره عليه وعلى متابعيه أنهم استدلوا بأحاديث صحيحة، ولو أنهم مثلوا بما قبل به العلماء المحدثون النقاد لما كان لنا اعتراض عليهم، ولكن كيف؟! وهم يريدون الإفساد في السنة والتشكيك فيها جملة؟ وهذا هو غرضهم الأول من بحوثهم الاستشراقية.
[٢] ليس من الإنصاف في شيء أن نقول: إن ما وجد في الدين الإسلامي، ووجد في اليهودية أو النصرانية أن يكون مأخوذا منها، فقد توافق القرآن الكريم الذي
_________________
(١) الإسرائيليات: هي أقاويل بني إسرائيل التي تلقوها عن علمائهم وكتبهم، وما ذكروه في " تُلْمُودِهِمْ " وقد تُوُسِّعَ فيها فأصبحت تطلق على كل ما دخل الحديث من معارف أهل الكتاب، ومن العلماء من يفرق بين الإسرائيليات والمسيحيات.
(٢) " تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي ": ص ١٨٧، ١٨٨.
[ ٢٥٣ ]
لا شك في تواتره، وصونه عن أي تحريف والتوراة والإنجيل في بعض التشريعات، والأخلاقيات والقصص، فهل معنى هذا أنه مأخوذ منها؟ أعتقد أن الجواب بالنفي ومما ينبغي أن يعلم أن الشرائع السماوية مردها إلى الله سبحانه، وأن العقائد، والفضائل الثابتة، والضروريات التي لا تختلف باختلاف الأزمان، ولا باختلاف الرسالات أمور مقررة في كل دين وصدق الله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وقال عز من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ (٣) وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ (٤) لكن هذه الأصول، والفضائل، والأخلاقيات، والضروريات جاءت في الدين الإسلامي أوفى ما تكون وأكمل ما تكون، وأصلح ما تكون لكل زمان ومكان ولما كان الأمر كذلك فليس في العقل، ولا في الشرع ما يمنع أن تتوافق في بعض التشريعات، وفي بعض الأخلاقيات، وما حرف من الكتب السماوية السابقة لم يحرف جميعه. وقد كان القرآن الكريم - بحكم أنه سلم من التحريف والتبديل وتوفرت الدواعي والأسباب لوصوله إلى الأمة الإسلامية كما أنزله الله ﵎ مهيمنا أي شاهدا على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل.
فمثلًا، مسألة العفو والتسامح جاءت بها النصرانية، وأكثر سيدنا عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - من الدعوة إليها وذلك ليكون بمثابة التقليل من شأن الظلم، والتعدي على الدماء والأعراض، والأموال التي بلغ فيها اليهود الغاية.
_________________
(١) [سورة الشورى، الآية: ١٣].
(٢) [سورة الأنبياء، الآية: ٢٥].
(٣) المراد بالكتاب الجنس فيشمل الكتب السماوية السابقة.
(٤) [سورة المائدة، الآية: ٤٨].
[ ٢٥٤ ]
ثم جاء الإسلام الدين العام الخالد فأباح الاقتصاص ومقابلة السيئة بالسيئة، ولكنه إلى جانب ذلك حَبَّبَ في العفو، وفي الترغيب في الصفح عن الإساءة في غير ما آية، فهل معنى هذا أن القرآن تأثر في هذا بالمسيحية في العفو والتسامح؟!
ومن ذلك تشريع إخفاء الصدقة، فهو أمر ليس خَاصًّا بالمسيحية، ولا بغيرها، وإنما هو من الأمور التي تتفق فيها الأديان، فهذا هو الله - ﵎ - يقول في القرآن الكريم: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) فكيف بعد هذا يدعي " جولدتسيهر " ومتابعوه أن ذلك من أثر المسيحية في الإسلام.
ومن ذلك تشريع تبجيل الفقير، والتنويه بشأنه ليست مسيحية صرفة كما زعم فالإسلام، واليهودية والنصرانية تشترك في ذلك، وقاعدة المجازاة على الأعمال أمر مشترك بين الأديان جميعا وصدق الله حيث يقول: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٢). والفقير والغني في هذا سواء، وقد يبلغ الفقير بصدق إيمانه، وإخلاصه وجهاده بنفسه، وبما قل من ماله ما لا يبلغه الغني، وقد يبلغ الغني الشاكر القائم بحقوق الله وحقوق العباد ما لا يبلغه الفقير، وقد بلغ بعض أثرياء المسلمين من الفضائل، والفضيلة والسبق ما لا يبلغه غيرهم من الفقراء وذلك كالصديق أبي بكر وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليهم أجمعين، فالأمر إذا ليس أمر غنى وفقر.
وفي القرآن الكريم آيات ترفع من شأن الفقير ومنزلته عند ربه، قال تعالى في الأنصار رضوان الله عليهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) وقال تعالى في شأن المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٤).
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ٢٧١].
(٢) [سورة النجم، الآيات: ٣٧ - ٣٩].
(٣) [سورة الحشر، الآية: ٩].
(٤) [سورة الحشر، الآية: ٨].
[ ٢٥٥ ]
وعلى غرار ما جاء في القرآن الكريم جاءت الأحاديث النبوية في " الصحيحين " وغيرهما من كتب الأحاديث والسنن.
وإذا كان الأمر كذلك فقد انهار الأساس الذي عليه بنى " جولدتسيهر " ومتابعوه رأيهم. فانهار كل ما مثلوا به، وإليكم بيان منزلة الأحاديث الذي ذكرها للتمثيل لفكرته.
[٣] أما حديث «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، فَأَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» فهو جزء من الحديث الشريف «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ » وقد رواه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم بالأسانيد الصحيحة المتصلة المرفوعة إلى النبي - ﷺ - (١).
وقد أخرجه اَيْضًا الترمذي في " كتاب الزهد " وأخرجه النسائي في " القضاء " " وفي الرقاق ".
والحديث الثاني: حديث عبد الله بن مسعود عن النَّبِيِّ - ﷺ - قال «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا » وقد رواه البخاري ومسلم اَيْضًا (٢) وهو حديث صحيح لا مطعن فيه في سنده، ولا في متنه والمراد به تحذير المسلمين من القيام بالفتن والثورات إذا ما وجدوا من الحكام استئثارًا بشيء من أمور الدنيا ومنعهم بعض حقوقهم، أو وجدوا منهم أمورًا ينكرونها مما يتعلق بالدين ما لم يروا كفرا بَوَاحًا عندهم فيه من الله برهان كما في الحديث الآخر الذي رواه الشيخان (٣) في " صحيحيهما "، وَالأَثَرَةُ بفتح الهمزة والثاء الاستئثار عليهم بحقوقهم أو ببعضها وهي نظرة حكيمة، فلو أن الإسلام أباح القيام في وجوه الحكام والأمراء لأدنى جور لصار المجتمع الإسلامي سلسلة من الدماء، إذ ما من حاكم مهما بلغ
_________________
(١) " صحيح البخاري ": - كتاب الأذان - باب من جلس ينتظر الصلاة وفضل المساجد. " صحيح مسلم ": - كتاب الزكاة - باب فضل إخفاء الصدقة.
(٢) " صحيح البخاري ": - كتاب الفتن - باب قول النبي: سترون بعدي أثرة تنكرونها. و" صحيح مسلم ": - كتاب الإمارة - باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة، واستئثارهم.
(٣) المرجعين السابقين.
[ ٢٥٦ ]
من العدل إلا وله هنات، ثم مَنْ مِنَ الحكام والأمراء من يكون مَرْضِيًّا عنه غاية الرضا من كل الرعية؟! والناس شأنهم كما قال الله: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (١).
والمراد بإعطائهم حقهم، أن يعطوهم ما ألزمهم به الشارع الحكيم نحوهم من حق خاص أو عام، كحق الزكاة والخروج في الجهاد، والإنفاق في سبيل الله، وتمكينهم من تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، والسمع والطاعة لهم ما لم يروا كُفْرًا بَوَاحًا عندهم من الله فيه برهان، والمراد بقوله - ﷺ -: " وَالعَدْلَ وَتَسْأَلُونَ اللهَ الذِي لَكُمْ " أي تسألون الله - ﷿ - أن يوفي الحق الذي لكم من الغنيمة والفيء، ونحوهما مما هو من حقوق الرعية على الراعي، ولا تقاتلوهم لاستيفاء حقكم، وكلوا أمرهم، إلى الله، وسينتصر الله تعالى لكم، ويقضي عليهم.
وهذا المعنى الذي أراده النبي - ﷺ - من الحديث غير المعني الذي أراد السيد المسيح - ﷺ - من قوله: «أُعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ، وَمَا للهِ للهِ» (٢). ولو سلمنا أنه هو فليس بلازم أن يكون مأخوذا منه، فكل من نبينا محمد - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - والسيد المسيح - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - نبي يوحى إليه من ربه، ويكون من الأمور التي توافقت فيها الشرائع وبحسبنا ما ذكرته آنفا في هدم الأساس الذي بنى عليه " جولدتسيهر " دعاواه، وادعاءاته وأما حديث «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهَا بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» فقد رواه الإمام أحمد والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - وقد قال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد قلت: إنه من الجائز جِدًّا أن تتوافق بعض الشرائع في مثل هذا وهو تكريم الفقراء، وبيان فضلهم، وذلك بشرط إيمانهم وصلاحهم، وتقواهم، واستقامتهم وتحملهم الشدائد، وصبرهم على المكاره، وإلا فالأغنياء الشاكرون مقدمون عليهم.
_________________
(١) [سورة التوبة، الآية: ٥٨].
(٢) مما ينبغي أن يعلم أن الغربيين يستدلون بهذا القول على الفصل بين الدين والدولة. وهذا إن جاز وفي غير الإسلام فلن يجوز ذلك في دين الإسلام الذي جاء بكل ما يسعد العباد في دينهم ودنياهم وما من شأن من شؤون الدولة من معاملات، وسياسات، واقتصاديات، ومعاهدات، وولايات، وزراعات، وصناعات، وتجارات إلا ونجد ذلك مبينًا في القرآن الكريم، أو السنة النبوية.
[ ٢٥٧ ]
[٢] [رَمْيُهُمْ لِلْمُحَدِّثَينَ وَالطَّعْنِ بِالجُبْنِ وَالخَوْفِ]:
في كتاب " ضحى الإسلام " ج ٢ ص ١٢٢:
وقد لاحظ بعض المستشرقين أن " مسند أحمد " تتجلى فيه الشجاعة وعدم الخوف من العباسيين بذكر أحاديث في مناقب بني أمية، مما كان منتشرًا بين الشاميين وكان على العكس من ذلك البخاري ومسلم فإنهما لم يذكراها مداراة للعباسيين، كما أن " مسند أحمد " لم يتحرج من ذكر أحاديث كثيرة في مناقب علي وشيعته.
وقد رد هذا الرأي صاحب " الضحى "، وقد رأيت أن أرد على هذا الافتراء رَدًّا مُفَصَّلًا فأقول:
الرَدُّ عَلَى هَذِهِ الشُبْهَةِ:
[١] إن الغرض الذي يهدف إليه هذا المستشرق من هذا الكلام هو الطعن في أئمة الحديث وجامعيه بالجبن والخوف، وأنهم كانوا يستميلون الحكام، ويطلبون رضاهم بوضع الأحاديث في فضائلهم ومثالب أعدائهم ليصل إلى ما يريد وهو الطعن في صحة هذه الكتب، والتشكيك فيها ليصلوا من ذلك إلى تقليل الثقة بكتب الأحاديث من صحاح، وسنن ومسانيد، ومعاجم وغيرها وإذا تم لهم ذلك فقد انهدم الركن الثاني من أركان التشريع في الإسلام، وإذا ما انهدم هذا الركن فقد يستعجم فهم القرآن الكريم على المسلمين وإذا ما انهدم الركن الثاني، واستعجم فهم القرآن فقل على الإسلام العفاء، ولن يكون ذلك أبدًا إن شاء الله تعالى ما دام هناك في المسلمين علماء عاملون محبون للسنن والأحاديث قادرون على رد الشبه عنها.
[٢] إن الأمر ليس أمر خوف وشجاعة ولا أمر مداراة ومداهنة ولكن الأمر أمر شروط والذين ألفوا في جمع الحديث والسنن قد شرطوا لتخريج الأحاديث في دواوينهم شروطا التزموا بها ولم يحيدوا عنها وهؤلاء ليسوا سواء فمنهم المبالغ المتشدد الذي لا يخرج إلا ما ثبتت صحته كأصحاب الصحاح وعلى رأسهم البخاري ومسلم
[ ٢٥٨ ]
ومنهم المتساهل بعض الشيء ولا سيما في الفضائل كأصحاب السنن والمسانيد وذلك مثل الإمام أحمد في " مسنده " والترمذي في " جامعه " وابن ماجه " في سننه " وهذا هو السر في أن الإمام أحمد خرج في فضائل بني أمية أكثر مما خرجه البخاري ومسلم في " صحيحيهما ".
[٣] مما ينقض هذا الزعم الباطل المبني على الحدس والتخمين لا على التحقيق العلمي الصحيح أن البخاري ومسلمًا أخرجا في " صحيحيهما " أحاديث في فضائل بني أمية، فقد ذكر في فضائل الخليفة الراشد عثمان - ﵁ - أحاديث كثيرة، وهو يعتبر من شجرة بني أمية (١) وبالانتصار له انحاز إليهم كثيرون.
وذكر البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب ذكر معاوية بن أبي سفيان، وما ذكره في فضائل معاوية - ﵁ - أكثر مما ذكره في فضائل كل من العباس وابنه - ﵄ -، وكما قال في معاوية: باب ذكر معاوية، قال في فضل العباس: باب ذكر العباس بن عبد المطلب، وكذلك قال في ابنه عبد الله: باب ذكر عبد الله بن العباس - ﵄ -، وما ذكره في فضائل معاوية أكثر مما ذكره في فضائل العباس وكذلك فعل مسلم فذكر فضائل أبي سفيان بن حرب والد معاوية، حيث ذكر حديث أبي سفيان بن حرب لما قال للنبي - ﷺ - بعد أن أسلم ليلة الفتح: «ثَلاَثٌ أَعْطِنِيهِنَّ » الحديث. فلو كان الأمر أمر خوف ومداهنة لأكثرا من فضائل العباس وابنه، لأنهما جَدَّا العباسيين، ولكن الأمر جاء على خلاف ذلك، ومن هذا العرض الوجيز يتبين لنا جَلِيًّا أن الأمر ليس أمر جبن وخوف ولا أمر شجاعة وصراحة، وإنما الأمر أن شروط الشيخين شديدة فمن ثم لم يصح عندهما في فضائل معاوية ولا أبيه: إلا أحاديث قليلة بخلاف الإمام الجليل أحمد فإن شروطه دون ذلك، وقد روى عنه - ﵁ - أنه كان يقول: «نَحْنُ إِذَا رَوِينَا فِي الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ شَدَّدْنَا،
_________________
(١) " صحيح البخاري ": - كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب عثمان، وقد ذكر في هذا الباب أكثر مما ذكر في مناقب عَلِيٍّ، و" صحيح مسلم ": - كتاب فضائل الصحابة رضوان الله عليهم - باب من مناقب عثمان ﵁.
[ ٢٥٩ ]
وَإِذَا رَوِينَا فِي الفَضَائِلِ تَسَاهَلْنَا» فمن ثم كانت أحاديثه في بني أمية أكثر من أحاديث الشيخين، البخاري ومسلم.
[٤] ومما ينقض هذا الزعم الباطل اَيْضًا أن البخاري ومسلما أخرجا في فضائل عَلِيٍّ - ﵁ - وآل بيته أحاديث كثيرة تعتبر أكثر مما ذكراه في فضائل العباس وابنه عبد الله - ﵄ -، ومن يرجع إلى فضل عَلِيٍّ وآل بيته في " الصحيحين " يتحقق ذلك غاية التحقق، فقد ذكر كل من البخاري ومسلم في " صحيحيهما " بابا لفضائل عَلِيٍّ، وبابا لفضائل الحسن والحسين (١)، وخلفاء بني العباس كانوا يعتبرون العلويين مناوئين لهم، فلو كان الأمر أمر خوف ومداهنة للعباسيين لما ذكرا في " صحيحيهما " شيئا من ذلك.
وذلك مثل ما روياه في " صحيحيهما " من قول النبي لعلي: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي» ومثل قوله - ﷺ - في حصار خيبر «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - أَوْ [قَالَ]: يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -» ثم بعد ذلك أعطاها لِعَلِيٍّ ففتح الله عليه ومثل ما رواه البخاري في قصة بنت حمزة واختصام علي، وجعفر، وزيد بن حارثة فيها فقد قال رسول الله - ﷺ - لِعَلِيٍّ: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ».
ومثل ما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث عَلِيٍّ نفسه قال: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ [الأُمِّيِّ] ﷺ إِلَيَّ: «أَنْ لاَ يُحِبَّنِي إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يُبْغِضَنِي إِلاَّ مُنَافِقٌ» (*) وله شاهد من حديث أم سلمة - ﵁ - عند الإمام أحمد (٢).
_________________
(١) " صحيح البخاري ": - كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب علي باب مناقب الحسن والحسين - ﵃ -. و" صحيح مسلم ": - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل علي - ﵁ - باب فضائل الحسن والحسين - ﵄ -.
(٢) " فتح الباري بشرح صحيح البخاري ": ج ٧ ص ٧٢ ط السلفية. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) " الجامع الصحيح " للإمام مسلم، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (١) كِتَابُ الإِيمَان (٣٣) بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأنْصَارِ وَعَلِيٍّ ﵃ مِنَ الإِيمَانِ وَعَلاَمَاتِهِ، وَبُغْضِهِمْ مِنْ عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ، حديث رقم ١٣١، ١/ ٨٥. الطبعة الثانية: ١٩٧٢ م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
[ ٢٦٠ ]
[٣] [قَوْلُهُمْ إِنَّ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَتَوَسَّعُوا فِي نَقْدِ المَتْنِ]:
قال صاحب " ضحى الإسلام " ج ٢ ص ١٣٠، ١٣١ في أثناء التكلم على نقد المحدثين للحديث: «لكنهم لم يتوسعوا كثيرا في النقد الداخلي - يعني نقد المتن - فلم يعرضوا لمتن الحديث: هل (كذا) ينطبق على الواقع أم لا؟.
مثال ذلك: ما رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الكَمْأَةُ (١) مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالعَجْوَةُ مِنَ الجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ» فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة، وهل فيها ترياق؟ نعم: إنهم رووا أن أبا هريرة قال: «أَخَذْتُ ثَلاَثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ فِي قَارُورَةٍ وَكَحَلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي عَشْمَاءُ فَبَرَأَتْ» (٢) ولكن هذا لا يكفي لصحة الحديث، فتجربة جزئية لا تكفي منطقيا لإثبات الشيء في ثبت الأدوية، وإنما الطريق أن تجرب مِرَارًا، وخير من هذا أن تحلل لتعرف عناصرها، فإذا لم يكن التحليل في ذلك العصر ممكنا فلتكن التجربة مع الاستقراء، فكان هذا طريقا لمعرفة صحة الحديث أو وضعه».
والجواب:
[١] إن هذا الحديث صحيح روي في أصح كتب الحديث وأوثقها، وهما
_________________
(١) الكمأة: واحدة الكمء، كتمرة، وتمر، وهي نبات لا ورق له ولا ساق يوجد في الأرض من غير أن تزرع وتمتد في الأرض امتدادًا كثيرًا، ولذلك بعض العرب يسميها: جدري الأرض تشبيهًا لها بالجدري في انتشارها.
(٢) " صحيح البخاري ": - كتاب الطب - باب المن شفاء للعين. و" صحيح مسلم ": - كتاب الأرشبة - باب فضل الكمأة ومداواة العين بها.
[ ٢٦١ ]
" الصحيحان " ورواه غيرهما كالترمذي في " جامعه " وابن ماجه في " سننه " وليس في سنده ما يدعو إلى الحكم بالوضع ولا في متنه ما يخالف عقلًا، ولا نقلًا، ولا واقعًا حتى يتشكك فيه العلماء والحديث إذا صح وثبت عن النبي - ﷺ - لا ينبغي التشكك فيه لأنه إن كان بوحي من الله فلا خلاف في قبوله واعتقاد الشفاء فيها، وإن كان باجتهاد وسكت عنه الوحي يعتبر إقرارا من الله تعالى لنبيه - ﷺ -، ويعتبر في منزلة الموحى إليه به من الله - جَلَّ وَعَلاَ -، لأنه يستحيل شرعًا وعقلًا أن يقر الله - ﵎ - نبيه محمدا - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - على أمر غير حق وغير صواب، وأيا كان الأمر فليس هناك ما يدعو إلى الشك أو التشكيك فيما دل عليه الحديث من كون الكمأة شفاء للعين والذي يتبادر من الحديث أن المراد أن ماءها شفاء للعين وهذا هو ما فهمه الصحابي أبو هريرة حيث عصر أكمؤًا وأقطر ماءها في عين جارية له عمشاء فبرأت بإذن الله تعالى.
[٢] إن المسلمين من عهد الصحابة إلى وقتنا هذا لم يقصروا في التجربة، فهذا هو سيدنا أبو هريرة قد فعل ذلك وقد ذكر ابن القيم في " زاد المعاد في هدي خير العباد " اعتراف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو البصر منهم المسيحي، وابن سينا، وغيرهما، وأن فيها جوهرًا لطيفًا يدل على حفتها، والاكتحال به نافع لظلمة البصر، والرمد الحار (١) وكذلك جاء في " تذكرة " داود الأنطاكي أن ماءها يجلو البياض اكتحالا، وقد حكى الإمام النووي في " شرح صحيح مسلم " (٢) أن بعض علماء عصره كان قد عمي وذهب بصره فاكتحل بماء الكمأة مجردًا فشفي، قال: وهو شيخ له صلاح ورواية للحديث، وبعضهم يرى أنها تستعمل مضمومة إلى غيرها وأيدوا قولهم ببعض التجارب، وهي أنهم أخذوا كمأة وعصروها، واكتحل منها فهاجت العين، وقد قال الغافقي في " المفردات " أن ماء الكمأة
_________________
(١) " زاد المعاد في هدي خير العباد ": جـ ٤ ص ٣٥٩ وما بعدها. طبعة مؤسسة الرسالة.
(٢) انظر " شرح صحيح مسلم " للنووي " على هامش " القسطلاني ": جـ ٨ ص ٣١٢. وانظر " فتح الباري بشرح صحيح البخاري ": جـ ١٠ ص ١٦٥.
[ ٢٦٢ ]
أصلح الأدوية للعين إذا عجن بالإثمد - أي الكحل - واكتحل به، فإنه يقوي الجفن، ويزيد الروح الباصرة حدة وقوة.
فها نحن نرى أن بعض المسلمين ولا سيما العلماء لم يقصروا في إجراء التجربة على حسب ما كان يتيسر لهم في هذه العصور المتوالية، فإن الأطباء: القدامى منهم من يرى أنها دواء وحدها، ومنهم من يرى أنها دواء إذا انضمت إلى غيرها.
[٣] في هذا العصر الذي تقدمت فيه العلوم، وجرى فيه علم الطب أشواطا بعيدة، حتى نجح الأطباء في علاج بعض الأمراض المستعصية، وتمكنوا من زرع بعض أجزاء الجسم المهمة من إنسان إلى إنسان آخر، لو قام جماعة من الأطباء المتخصصين في فروع من الطب شتى يعاونهم بعض العلماء المشتغلين بالحديث النبوي رواية، ودراية - وبحثوا في الطب النبوي لكان من وراء ذلك خير كثير، ولتبين لهم أن الكثير من الأحاديث التي شكك فيها بعض المستشرقين، ومن تابعهم من المسلمين - هو صحيح معنى ودراية، كما هو صحيح سندًا ورواية بل لتبين لهم أن هذه الأحاديث تعتبر من معجزات النبي - ﷺ -، إذ لم يكن النبي - ﷺ - طبيبًا، ولا متطببًا، ولم يكن هناك من المشتغلين بالطب من يعلم هذه الحقائق في زمن النبوة، ولا فيما بعدها، حتى يكون النبي - ﷺ - قد تأثر بأقوالهم فلم يبق إلا أن تكون هذه الأحاديث وَحْيًا أوحي به إليه من ربه، وصدق الله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١).
[٤] أن التجربة في هذا الحديث وأمثاله غير مفيدة للحكم على صحة الحديث أو عدم صحته، لعدم معرفة المراد من الحديث يقينًا، إذ ليس فيه نص على أن كل كمأة دواء لأنه يجوز أن يكون النبي - ﷺ - قال ذلك في كمأة خاصة أو في نوع من الكمأ ولا أنها دواء من كل داء للعين، ولا أنها دواء في جميع الأزمان، ولا لجميع الأشخاص.
والمسألة ليست من شرائع الدين التي لها صفة الثبوت والبقاء إلى يوم القيامة فيجوز أن يكون الدواء من كمأة خاصة كانت في زمنه - ﷺ -، من بقعة خاصة،
_________________
(١) [سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤].
[ ٢٦٣ ]
لمرض خاص، فلو أن التجربة فشلت لا يدل ذلك على عدم صحة الحديث، وعدم مطابقته للواقع لجواز أن لا يكون المرض الذي أجريت فيه التجربة من الأمراض العينية الذي لا تفيد فيه الكمأة أو أن الكمأة التي استخدمت في التجربة ليست هي المرادة من الحديث، ولجواز أن يكون فشل التجربة لأمر خارج عن طبيعة الكمأة.
وها نحن في عصر التقدم الطبي العجيب نجد أن العملية الطبية التي أصبحت في حكم المقررات العلمية الثابتة تنجح في بعض الأحيان ولا تنجح في البعض الآخر لظروف خارجة عن طبيعة الدواء أو لوجود بعض تلوثات في الجو، أو في الآلة، أو لخطأ الطبيب في تشخيص الداء، أو لعدم مصادفة الدواء مكان الداء، وإخواننا الأطباء النطاسيون يعرفون في هذا أكثر مما أعرف فكيف يقول قائل: إن التجربة هي كل شيء في تصحيح الحديث أو عدم تصحيحه.
أضف إلى ذلك أن النباتات الطبية قد تسلب خصائصها، فالكمأة وغيرها من المخلوقات خلقت في الأصل سليمة عن المضار، ثم عرضت الآفات بسبب أمور أخرى من مجاورة لغيرها أو امتزاج بغيرها أو غير ذلك من الأسباب، فلو أننا أجرينا التجربة على كمأة موجودة اليوم لا يكفي فشلها في الحكم على كذب الحديث لجواز أن تكون منافعها قد زالت، وكثير من النباتات تفقد خواصها بمرور الزمن أو بتغير البيئة المحيطة بها.
ويصدق ما أقول ما جاء في صحيفة " الأهرام " القاهرية الصادرة في يوم الجمعة الموافق ٦/ ٩ / ١٩٦١ تحت عنوان " حديقة النباتات الطبية " ما نصه: «والنظريات الطبية تعترف بأن النباتات الطبية حساسة جدا، وتفقد خصائصها مع اختلاف التربة أو الحرارة، أو الرطوبة، أو الارتفاع عن سطح البحر، ويحدث في بعض الأحيان أن ينتج النبات عناصر أخرى، لها صفات جديدة لسبب انتقالها من منطقة إلى أخرى، فقد حاولت بعض المناطق الزراعية في إيطاليا زراعة القنب لتحضير المادة المخدرة منه، ولكن النبات لم يعط أية مادة مخدرة وأعطى أليافا قوية تستعمل في صناعة، قلاع المراكب الشراعية فقط في حين أن هذه الألياف غير موجودة إطلاقا في النبات في منبته الأصلي».
[ ٢٦٤ ]
[٤] دَعْوَاهُمْ أَنَّ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا كَثِيرًا لِبَحْثِ الأَسْبَابِ السِّيَاسِيَّةِ التِي قَدْ تَحْمِلُ عَلَى الوَضْعِ فِي الحَدِيثِ النَّبَوِي الشَّريفِ:
قال صاحب ضحى الإسلام ج ٢ ص ١٣١، ١٣٢ في أثناء الكلام على النقد الداخلي، والخارجي:
«كذلك لم يتعرضوا كثيرًا لبحث الأسباب السياسية التي قد تحمل على الوضع فلم أرهم شكوا كثيرًا في أحاديث لأنها تدعم الدولة الأموية أو العباسية، ولا درسوا دراسة وافية البيئة الاجتماعية للشخص في عهد النبي - ﷺ -، والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، وما طرأ عليها من خلاف ليعرفوا: هل (كذا) الحديث متمشي مع البيئة التي حكي فيها أو لا؟ ولم يدرسوا كثيرًا بيئة الراوي الشخصية، وما قد يحمله منها على الوضع وهكذا».
نعم، رويت أشياء من هذا القبيل، فابن خلدون - مثلا - يقول: أسباب قلة رواية أبي حنيفة للحديث: «إنه ضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي» (١). وهي عبارة وإن كانت موجزة وغامضة بعض الغموض إلا أنها تدل على هذا الاتجاه وهو عدم الاكتفاء بالرواة، بل عرضها على الطبائع البشرية.
ومن هذا القبيل ما يروى عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، [نَقَصَ] مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» قالوا كان أبو هريرة يروي الحديث هكذا «إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ زَرْعً» ويزيد كلب الزرع " فقيل " لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: «أَوْ كَلْبَ زَرْعً» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا». وهو نقد من ابن عمر لطيف في الباعث النفسي، وهناك أشياء منثورة من هذا القبيل، ولكنها لم تبلغ من الكثرة والعناية مبلغ النقد الخارجي يعني نقد السند ولو اتجهوا هذا الاتجاه كثيرًا، وأوغلوا فيه إيغالهم في النوع الأول لانكشفت أحاديث كثيرة وتبين وضعها، مثل كثير من أحاديث الفضائل، وهي
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(٢) ذكر الترقيم لكن لم يذكر المصدر في الهامش. انظر: " تاريخ ابن خلدون "، تحقيق خليل شحادة، ١/ ٥٦٢، الطبعة الثانية: ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م، نشر دار الفكر. بيروت - لبنان.
[ ٢٦٥ ]
أحاديث رويت في مدح الأشخاص والقبائل والأمم والأماكن » إلخ ما قال.
وإليكم الجواب:
(١) إن أئمة الحديث نقدوا الروايات نقدًا صحيحًا، وبينوا الصحيح من غير الصحيح، والموضوع من غير الموضوع بحسب القواعد والأصول التي وضعوها لنقد السند - النقد الخارجي أو المتن - النقد الداخلي وفيما قدمت في هذا الكتاب ما يغني عن إعادته، والمحدثون في نقدهم متئدون ومتريثون، وهكذا شأن كل ناقد نزيه يخشى أن يطغى في الحكم أو يحيف عن طريق الحق والصواب، ولكن المستشرقين وأبواقهم ومتابعيهم يريدون من أئمة النقد والتعديل والتجريح أن يكونوا متسرعين وهذا مين، ولن يكون هذا منهم ولا أدري كيف يقول صاحب " الضحى " أنهم لم يتعرضوا كثيرًا لبحث الأسباب السياسية، وقد جعلوا من قواعدهم: عدم قبول رواية أهل الأهواء والمبتدعة من الطوائف المنتسبة إلى الإسلام ومنهم من فصل بين الداعية وغيره، فقبلوا رواية غير الداعية وردوا رواية الداعية وما ذلك إلا لأن احتمال تزيده احتمال قريب، بل أنظر إلى دقتهم في التعويل على البواعث في الجرح ويتمثل ذلك واضحًا جَلِيًّا في تفصيلهم في الراوي الداعية وهو: إن روى ما يؤيد بدعته أو يروي ما يخالفها، فردوا رواية الأول، وقبلوا الثاني، لأن الباعث على التزيد والاختلاق في الأول قريب محتمل، وفي الثاني بعيد جدًا، وكذلك تفصيلهم في الراوي غير الداعية، بين أن يروي ما يؤيد بدعته، أو يردها ويخالفها، فردوا رواية الأول دون الثاني.
كما جعلوا من قواعدهم التي تدل على الوضع: أن يكون الحديث في فضائل عَلِيٍّ، راويه شيعي، أو في ذمه وراويه نَاصِبِيٌّ (١)، أو في ذم أعدائهم وراويه رافضي إلى غير ذلك ولو رجع صاحب " الضحى " إلى الكتب المؤلفة في الموضوعات مثل " كتاب الموضوعات " لابن الجوزي و" اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة " للسيوطي، و" تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة " لابن
_________________
(١) ناصبي: هو الذي نصب نفسه لعداوة عَلِيٍّ.
[ ٢٦٦ ]
عراق - لوجد أن العلماء انتبهوا غاية الانتباه إلى أحاديث الفضائل في الأشخاص، والأمكنة، والأجناس، والأمم، وَبَوَّبُوا لذلك الأبواب في كتبهم، وقد استغرق ذكر الفضائل في " كتاب اللآلئ " ما يزيد عن مائة صحيفة فكيف بعد ما ذكرناه يستجيز لنفسه أن يقول: إن العلماء لو اتجهوا هذا الاتجاه لانكشفت أحاديث كثيرة، وتبين وضعها مثل كثير من أحاديث الفضائل إلخ!؟.
أما إذا كان يقصد أنهم لم يحكموا على كل ما ورد في الفضائل بالوضع فهذا ما لا نوافقه عليه وما لا نرتضيه لباحث.
واستمع أيها القارئ الحصيف إلى بعض الأمثلة غير ما قدمت ليزداد الأمر وضوحًا، حديث أنس «دَخَلْتُ الحَمَّامَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جَالِسًا وَعَلَيْهِ مِئْزَرٌ» حكم بوضعه ابن الجوزي وقال: في سنده مجهولون، ولم يدخل رسول الله - ﷺ - حمامًا قط، ولا كان عنده حمام. أقول: ولا كانت الحمامات العامة موجودة عند العرب آنذاك، بل استمع إلى قوله في الحديث المكذوب: «لا يُولَدُ بَعْدَ الْمِائَةِ مَوْلُودٌ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ» فإن قيل: فإسناده صحيح فالجواب أن العنعنة تحتمل أن يكون أحدهم سمعه من ضعيف أو كذاب فأسقط اسمه، وذكر من رواه عنه بلفظ عن، وكيف يكون صحيحًا وكثير من الأئمة السادة قد ولدوا بعد المائة!!
بل استمع إلى العلماء لما نقدوا حديث الهريسة وأنها تشد الظهر وتقوي على الباه، فقد قالوا: إن محمد بن الحجاج اللخمي هو الذي رواه لأنه كان صاحب هريسة وغير ذلك كثير ولكن صاحب " الضحى " لم يكلف نفسه أن يقرأ ويطلع على كتب القوم وكلامهم، وتابع المستشرقين فيما قال.
(٢) وأما حديث ابن عمر مرفوعا «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، [نَقَصَ] مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» وأن أبا هريرة كان يروي الحديث هكذا «إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ زَرْعً» فيزيد «كَلْبَ الزَّرْعِ»، فقيل لابن عمر: وإن أبا هريرة يقول: «أَوْ كَلْبَ زَرْعً» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا» ثم يعلق صاحب " الضحى " فيقول: «وهو نقد من ابن عمر لطيف في الباعث [النفسي]» فالجوابِ
[ ٢٦٧ ]
عنه من وجوه.
[أ] الزيادة ثابتة عن أبي هريرة - ﵁ - بالأسانيد الصحيحة القوية التي لا مطعن فيها عند البخاري ومسلم في " صحيحيهما " (١) وغيرهما ولم يتفرد بها أبو هريرة - ﵁ - بل جاءت من طرق قوية صحيحة عن غيره من الصحابة فقد رواها البخاري ومسلم في " صحيحيهما " عن غير أبي هريرة وهو الصحابي الجليل سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ (٢)، - وهو رجل من شنوءة من أصحاب رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، لاَ يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلاَ ضَرْعًا (٣)، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» قَالَ: أَنْتَ (٤) سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ».
كما روى هذه الزيادة الإمام مسلم اَيْضًا بسنده عن عبد الله بن المغفل عن النبي - ﷺ - من طريق يحيى بن سعيد القطان، وهو من هو في نقد المرويات ولفظها: وقال ابن أبي حاتم في حديث عند يحيى: «وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الغَنَمِ، وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ» (٥) وكذلك رواها الترمذي في " جامعه " عن عبد الله بن مغفل، والنسائي في " سننه " وابن ماجه في " سننه " ومن ذلك ترى أن الزيادة محفوظة عن غير أبي هريرة، وكل رواية من هذه الروايات وردت عن الصحابي الذي رواها عن النبي - ﷺ - من طرق عدة، مما يبعد كل البعد - إن لم يُحِلْ - أن يكون الصحابي الراوية الحافظ تزيد في الحديث بل قد وردت هذه الزيادة عن ابن عمر نفسه، روى مسلم في صحيحه من طريق شعبة عن أبي الحكم قال سمعت ابن عمر
_________________
(١) و(٢) " صحيح البخاري ": - كتاب المزارعة - باب اقتناء الكلب للحرث، و- كتاب الذبائح والصيد - باب من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية. و" صحيح مسلم ": - كتاب المساقاة - باب الأمر بقتل الكلاب - وبيان نسخه، وبيان تحريم اقتنائها: لا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك.
(٢) ولا ضرعًا: أي ماشية، والمعنى من اقتنى كلبًا لغير حراسة زرع وحراسة ماشية.
(٣) القائل قال: هو الراوي عن سليمان بن أبي زهير وهو السائب بن يزيد وهو من صغار الصحابة.
(٤) " صحيح مسلم ": - كتاب المساقاة - باب الأمر الخ.
[ ٢٦٨ ]
يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ، يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» (١) وكذلك روى هذه الزيادة عن ابن عمر النسائي قال الإمام النووي: " فَيُحَتَمَلُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا سَمِعَهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَحَقَّقَهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهَا عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَزَادَهَا فِي حَدِيثِهِ الَّذِي كَانَ يَرْوِيهِ بِدُونِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَذَكَّرَ فِي وَقْتٍ [أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ] فَرَوَاهَا وَنَسِيَهَا فِي وَقْتٍ فَتَرَكَهَا، وَالحَاصِلُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَيْسَ مُنْفَرِدًا بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بَلْ وَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَتِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوِ انْفَرَدَ بِهَ لَكَانَتْ مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً» (٢).
[ب] قول ابن عمر ليس فيه ما يدل على الشك فيما رواه أبو هريرة، ولا التشكيك فيه وليس فيه الطعن في صدق أبي هريرة وأمانته، وإنما فيه إشارة للباعث لأبي هريرة على حفظ هذه الرواية وهو أنه كان صاحب زرع، والعادة أن الشخص يحفظ ما يكون له مساس به، ويرحم الله الإمام النووي حيث قال: «[قَالَ الْعُلَمَاءُ]: لَيْسَ هَذَا تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلاَ شَكًّا فِيهَا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ وَحَرْثٍ اعْتَنَى بِذَلِكَ وَحَفِظَهُ وَأَتْقَنَه، وَالْعَادَةُ أَنَّ المُبْتَلَى بِشَيْءٍ يُتْقِنُهُ مَا لاَ يُتْقِنُهُ غَيْرُهُ وَيَتَعَرَّفُ مِنْ أَحْكَامِهَ مَا لاَ يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ».
[ج] مما يؤكد هذا الفهم ويقويه ما كان يكنه ابن عمر لأبي هريرة - ﵄ - من التقدير والإجلال له والاعتراف بالحفظ، وقد ثبت أنه كان يترحم عليه في جنازته، ويقول: «كَانَ يَحْفَظُ عَلَيْنَا حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -». وذكر البغوي في كتابه " الصحابة " بسند جيد عن ابن عمر أنه كان يقول: «إِنْ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَحْفَظَنَا لِحَدِيثِهِ»، وهل غاب عن ذهن صاحب " الضحى " أن صحابة رسول الله - ﷺ - ما كانوا يعرفون المداهنة، ولا المراوغة، ولا يخافون في الحق لومة لائم، فلو أن ابن عمر قصد تكذيب أبي هريرة في زيادته لصرح بذلك ولعنفه ابن عمر ما كان ليخشى أبا هريرة، وهو لا حول له ولا قوة!!!
_________________
(١) " صحيح مسلم ": - الكتاب والباب السابقان.
(٢) " شرح صحيح مسلم " للنووي: جـ ١٠ ص ٢٣٤ وما بعدها.
[ ٢٦٩ ]
ثم إني أقول: أليس المعنى الذي لأجله أباح الشارع الحكيم اقتناء كلب الماشية موجودًا اَيْضًا في كلب الزرع؟ فالزيادة ليست منكورة دراية، كما هي ثابتة رواية، ثم إذا كان هناك في الكلام احتمالان: أحدهما احتمال خير، والآخر احتمال شر، أليس الأولى والأليق بالمسلم فضلًا عن الصحابي أن يحمل الكلام على ما هو خير؟ بلى والله، ورضي الله عن الفاروق الملهم المحدث عمر بن الخطاب - ﵁ - حين قال: «لاَ تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِي أَخِيكَ المُؤْمِنِ شَرًّا، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيْرِ مَحْمَلًا»!!! الحق أن صاحب " الضحى " جافاه الحق والصواب فيما زعم.
(٣) قول صاحب " الضحى ": نعم رويت أشياء من هذا القبيل: فابن خلدون - مثلًا - يقول: قلة رواية أبي حنيفة للحديث: «إنه ضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي» وهي عبارة وإن كانت موجزة وغامضة بعض الغموض إلا أنها تدلنا على هذا الاتجاه، وهو عدم الاكتفاء بالرواة، بل عرضها على الطبائع النفسية والبيئة الاجتماعية "
والجواب:
الحق أن صاحب " الضحى " حرف النص الذي ذكره ابن خلدون في " مقدمته "، عن معناه المراد وحمله على غير محمله، وابن خلدون لم يرد ما أراده صاحب " الضحى " وهو عدم الاكتفاء بالرواة بل عرضها على الطبائع النفسية والبيئة الاجتماعية.
وإنما أراد مسألة أخرى وهي مسألة العمل بخبر الواحد (١) إذا كان الراوي قد عمل بخلاف مقتضى الحديث أو أفتى بخلاف ما يدل عليه، فأبو حنيفة وأصحابه في مثل هذا يحكمون بضعف الحديث ولو كان صحيحًا.
قال أحد علماء الأصول: «اشترط علماء الحنفية للعمل بخبر الواحد شروطا ثلاثة: أولها: ألا يعمل الراوي بخلاف ما رواه عن رسول الله - ﷺ - فإن خالف الراوي ما رواه بعمله أو فتواه فلا اعتبار لروايته، بل المعول عليه ما نقل عنه من عمل أو فتوى،
_________________
(١) المراد بخبر الواحد ما ليس بمتواتر ولا مشهور.
[ ٢٧٠ ]
ووجهوا هذا الاشتراط بأن المفروض أن الراوي من الصحابة عدل ولا يعقل أن يترك لعدل ما رواه رسول الله - ﷺ - إلا وقد صح عنده حديث آخر ناسخ له، وإلا كان ذلك طعنًا في عدالته (١) ومن هذا النص يتبين مراد ابن خلدون بمقالته ثم ذكر مذهب المالكية فقال: اشترط المالكية للعمل بخبر الواحد ألا يكون مخالفًا لعمل أهل المدينة (٢).
ثم قال: تحت عنوان «مذهب الشافعية» لم يشترط الإمام الشافعي في العمل بخير الواحد ما شرط المالكية، ولا ما شرطه الحنفية، بل شرط فيه صحة السند والاتصال، فإن صح السند واتصل الحديث عمل به خالف عمل أهل المدينة أو لا، اشتهر أو لا.
فإذا عارض الحديث غيره من الأحاديث بحث عن الناسخ فإن وجد عمل به، وترك المنسوخ وإذا لم نجده فإن أمكن الجمع جمع بينهما أو أُوِّلَ بعضها حتى يزول التعارض بينهما وبشرط الاتصال لم يعمل بالحديث المرسل، وهو الذي سقط من سنده الصحابي إلا إذا أنضم إليه دليل آخر يقويه، ومن ثم عمل بمراسيل سعيد بن المسيب لأنه وجدها كلها مروية من طرق أخرى متصلة (٣).
ثم ذكر مذهب الحنابلة فقال: إنهم يوافقون الشافعية في عدم اشتراط شيء مما شرطه الحنفية والمالكية وزادوا عليهم أنهم لم يشترطوا الاتصال، بل متى صح السند عملوا به سواء كان متصلًا أو غير متصل، ومن ثم عملوا بالمراسيل، وقدموها على القياس فمذهبهم أوسع المذاهب في العمل بالسنة (٤).
والحق في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام الجليل الشافعي وهو العمل بالحديث ما دام اتصل سنده، وكان رواته عدولاَ ضابطين سواء وافقه الراوي (٥) بعمله
_________________
(١) " أصول الفقه الإسلامي " للأستاذ الشيخ محمد شلبي: جـ ١ ص ١٤٢.
(٢) المرجع السابق: جـ ١ ص ١٤٦.
(٣) و(٤) المرجع السابق: ص ١٤٨.
(٤) " تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي ": ص ٣٠٩.
[ ٢٧١ ]
وفتياه أم لا.
رأي علماء الحديث وعلومه:
قالوا: وعمل العالم وفتياه على وفق حديث رواه ليس حكمًا منه بصحته ولا بتعديل رواته لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطا، أو لدليل آخر وافق ذلك الخبر، وصحح الآمدي وغيره من الأصوليين أنه حكم بذلك وقال إمام الحرمين: إن لم يكن في مسالك الاحتياط، وفرق ابن تيمية بين أن يعمل به في الترغيب وغيره.
ولا مخالفته له قدح منه في صحته، ولا في رواته، لإمكان أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره، وقد روى الإمام مالك حديث الخيار - يعني في البيع - ولم يعمل به لعمل أهل المدينة بخلافه، ولم يكن ذلك قدحًا في نافع راويه.
وقال ابن كثير: في القسم الأول نظر إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث وتعرض للاحتجاج به في فتياه، أو حكمه، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه.
وأجاب عن هذا العراقي فقال: إنه لا يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث أن لا يكون ثم دليل آخر من إجماع أو قياس، ولا يلزم الحاكم أو المفتي أن يذكر جميع أدلته ولا بعضها، ولعل له دليلا آخر، واستأنس بالحديث الوارد بالباب وربما كان يرى العمل بالضعيف وتقديمه على القياس.
***
[ ٢٧٢ ]
[٥] تَشْكِيكُ المُسْتَشْرِقِينَ بِأَنَّ الأَحَادِيثَ الدَالَّةَ عَلَى الزَّكَاةِ وَأَنْصِبَتِهَا تُنَاقِضُ الحَقَائِقَ التَّارِيخِيَّةَ:
هذه الشبهة من كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقة الإسلامي " (١).
قال في صفحة ١٦ في الطبعة الأولى، وفي ص ١٨ في الطبعة الثالثة، ما نصه:
وقد أمر الله بالزكاة في كتابه الكريم، وجعلها فريضة على كل مسلم، وعندما أخذ الفقهاء يبحثون عمن تجب عليه الزكاة، وهل (كذا) هي واجبة على كل مسلم، أو على من ملك نصابًا خاصًا؟ وما المقدارالذي يجب أن يؤدى. استدلوا على هذا بالروايات التي تفيد أن الرسول - ﷺ - قد وضع القواعد المفصلة للزكاة وحددها تحديدًا كاملًا
قال: وقد شكك في هذه الروايات بعض الباحثين (٢) قائلًا: إنها تناقض الحقائق التاريخية، ذلك أن المعروف تاريخيًا أن الصحابة كانوا يزكون كل على حسب طاقته ولم يكن هناك أمر مضبوط، أو مطالب مخصوصة، وقد فرضها القرآن من غير تحديد، وفعل المسلمون ذلك قديمًا، وأعطوا ما عندهم نَقْدًا وَحُلِيًّا وَمَالًا وَمَلْبَسًا وأشياء مختلفة كل بحسب ما عنده، وهذه الأحاديث تفيد أن الرسول وضع حدودًا مضبوطة لذلك على الجميع مثل أن من يملك كذا فعليه كذا، ومن ملك أقل من ٢٠ دينار فلا زكاة عليه، ومن ملك ٢٠ دينارا فعليه نصف دينار.
ومن الوثائق التي فصلت فيها أنواع الزكاة ما كتب به أبو بكر إلى عماله وفي بعض الروايات أن الرسول - ﷺ - قد كتب ذلك ولم يخرجه إلى عماله حتى توفي، فأخرجه أبو بكر من بعده فعمل به حتى توفي،
_________________
(١) مؤلفه هو الأستاذ الدكتور علي حسن عبد القادر، كان أستاذًا وعميدًا لكلية الشريعة - بجامعة الأزهر.
(٢) Juynboll،٩٥ (*) هكذا كتب اسمه المؤلف في هامش الكتاب. ------------------------------------ [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) - توماس جوينوبل: Thomas Juynboll: من كبار مُحَرِّرِي " دائرة المعارف الإسلامية ". انظر: " المبشرون والمستشرقون في موقفهم من الإسلام " للدكتور محمد البهي، ص ١٨، الناشر: مطبعة الأزهر.
[ ٢٧٣ ]
فأخرجه أبو بكر من بعده فعمل به حتى توفي، ثم أخرجه عمر من بعده فعمل به، وفيها تفصيلات محددة لزكاة الإبل والبقر والغنم، وهكذا أصبح مطلق التصدق لوجه الله محدودًا بشكل خاص هو الزكاة بقيودها، وتفصيلاتها، وجرى الناس عند أداء الزكاة المفروضة في القرآن على قواعد فقهية خاصة محدودة بالنسبة للنصاب، وما يؤخذ منه ومن يستحق ذلك من الناس أقول: وقد مر مؤلف هذا الكتاب - عَفَا اللهُ عَنَّا وَعَنْهُ - بهذا الكلام المتهافت، ولم يفند منه كلمة، وسكوته في مثل هذا يعتبر رضا بما ذكر هذا المستشرق المشكك، ووجود مثل هذا في كتاب رجل مسلم، بل وعالم أزهري أدعى إلى قبوله من الناشئة وطلاب العلم المبتدئين وإلى زيادة التشكيك في الأحاديث التي حددت أنصبة الزكاة ومقدار المخرج منها تحديدًا دقيقًا يدل على أنه بوحي من الله، إذ لم يكن النبي - ﷺ - من أهل الحساب، وقد نشأ في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب - كما في الحديث الصحيح - فتبين أن يكون هذا بوحي من الله - ﵎ -.
والجواب:
[١] من أين لهذا الباحث المستشرق المشكك أن الأحاديث الدالة على قيم الزكاة وأنصبتها تناقض الحقائق التاريخية، وكنا نحب من الباحث أو صاحب الكتاب الناقل لكلامه أن يرشدنا إلى المرجع في ذلك، وإذا لم نعتمد على الروايات الحديثية في الحقائق التاريخية فعلى أي الروايات نعتمد والمؤرخون؟ القدماء من أمثال الطبري مع مجاراتهم للمحدثين في ذكر الأسانيد للروايات التاريخية فإنهم لم يدققوا في المرويات تدقيق المحدثين ولم يدانوهم في هذا، وهذا أمر يشهد له الواقع وأعجب من ذلك أن هذا الباحث جعل كون الصحابة يزكون كل على حسب طاقته، ولم يكن هناك أمر مضبوط من المُسَلَّمَاتِ، وهو تهجم من غير علم، ومجازفة في القول من غير دليل، ولئن صح أن كلًا كان يزكي على حسب طاقته فقد كان ذلك في أول الأمر ثم لم يلبث الأمر إلا قليلا ثم فصل في القرآن مصارف الزكاة، وفصل كل ما يتعلق بالزكاة في السنن والأحاديث الصحيحة والحسنة المتكاثرة التي لا يحصيها العد، فَالسُنَّةُ هي الأصل الثاني من أصول التشريع، وهي التي فسرت القرآن
[ ٢٧٤ ]
ووضحته، وبينت مجمله، وخصصت عامه، وقيدت مطلقه، وهي التي تستقل بالتشريع أحيانًا، ولو أننا اعتمدنا على القرآن الكريم فحسب لما توصل الفقهاء والمجتهدون إلى هذه الثروة الطائلة من الأحكام، والآداب في أمور الدين والدنيا، ولكن الكثرة الكاثرة من المستشرقين المشككين في السنن والأحاديث يزعمون أنها من آثار التطور الديني والدنيوي والسياسي، والاجتماعي إلى آخر ما يزعمون، و" جولدتسيهر " المستشرق اليهودي المتعصب تدور أفكاره في السنة حول هذا وعن هذا المستشرق أخذ الكثيرون من المستشرقين هذا الكذب الصُّرَاحِ.
[٢] إن الروايات الموثوق بها والتي يعتمد عليها في التحقيق العلمي، والتاريخي دلت على أنه كان هناك نظام دقيق للزكاة يؤدي كل واحد بمقتضاه زكاته، شرعه الرسول - ﷺ - عن ربه، وكتب به إلى عماله، زود به كل من كان يرسلهم من المصدقين (١) وها هي كتب الحديث المعتمدة على قيد الذراع والباع تعرضت لبيان ذلك غاية البيان، ولو كلف هذا الباحث المشكك نفسه الرجوع إلى الصحيحين، أو إلى كتب السنن، والمسانيد لوجد من الروايات المتكاثرة ما يزيل تشككه.
روى البخاري ومسلم في " صحيحيهما " بسنديهما - واللفظ للبخاري - قال قال رسول الله - ﷺ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ (٢) مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (٣) صَدَقَةٌ » الحديث وروى البخاري في " صحيحه " بسنده عن أنس - ﵁ -: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، كَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، «فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا » الحديث (٤) وفيه ذكر نصاب الإبل والغنم إلى غير ذلك من الأحاديث
_________________
(١) المُصَدِّقُ: بضم الميم وفتح الصاد المخففة، وكسر الدال المشددة، آخره قاف، هو الذي يقوم بأخذ الزكوات من الناس.
(٢) الذود من الثلاث إلى العشر.
(٣) الوسق: ستون صاعًا.
(٤) " صحيح البخاري ": - كتاب [الزكاة]- باب زكاة الغنم.
[ ٢٧٥ ]
الكثيرة الثابتة، ومن أراد أن يرجع إلى كتاب في هذا، فليرجع إلى كتاب " جامع الأصول إلى أحاديث الرسول " لمجد الدين ابن الأثير الجزري (١).
وما روي من أن رسول الله - ﷺ - كان قد كتب ذلك ولم يخرجه إلى عماله حتى توفي فأخرجه أبو بكر فعمل به حتى توفي، ثم أخرجه عمر من بعده فعمل به حتى توفي لا ينافي أن تكون أنصبة الزكاة كانت معلومة مقدرة معروفة في عهد النبي - ﷺ - وكانوا يحفظونها كما كانوا يحفظون الأحاديث التي نهوا عن كتابتها كما في " صحيح مسلم " مرفوعا «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ».
لأنه يجوز أن يكون الرسول ألقى ذلك إلى عماله وعلمهم إياه مشافهة، وبقيت هذه الصحف المدون فيها الزكاة وأنصبتها لتكون ثبتًا أصليًا موثوقًا به، يرجع إليه، ولا سيما بعد وفاة الرسول، أو أنه - ﷺ - كتب لهم نُسَخًا أخرى من هذه النسخة وأرسل بها إلى العمال، وزود بها المُصَدِّقِينَ.
[٣] استناده في التشكيك، وإنكار الروايات إلى أن القرآن فرضها من غير تحديد أمر من الغرابة بمكان!! ومن قال إن القرآن قد تكفل بذكر كل شيء في أحكام الدين وفروعه؟ إن القرآن هو أصل الدين وهو منبع الصراط المستقيم، وقد كلف الله - ﷾ - الأمة بحفظ القرآن الكريم فكان من رحمة الله بالأمة أن جاء القرآن على هذا الإيجاز البالغ حد الإعجاز وقد وكل الله تعالى إلى رسوله محمد - ﷺ - بيانه قال - عَزَّ شَأْنُهُ - ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) وقد بينه النبي - ﷺ - غاية البيان بأقواله أحيانًا، وبأفعاله وأخلاقه وسلوكه في الحياة أحيانًا أخرى فكان من ذلك البيان هذه الثروة الضخمة، وهذه الذخائر الموجودة في الأحاديث والسنن وهل جاء القرآن بأعداد الصلوات،
_________________
(١) " جامع الأصول ": جـ ٤ من ص ٥٥ - ٧٥٠.
(٢) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
[ ٢٧٦ ]
والركعات، والسجدات، وأن صلاة كذا يجهر فيها، وصلاة كذا يسر بها؟ وماذا يقول في ركوعه؟ وماذا يقول في سجوده؟ وماذا يقول في الجلسة الأولى والثانية؟
والخلاصة: أن تحديد قيم الزكاة وأنصبتها أمر جاء به الشرع واستفاضت به الأحاديث والسنن عن رسول الله - ﷺ - وهو الذي بين ذلك وحدده عن الله - ﵎ -، وليس للخلفاء والصحابة إلا تطبيق ما جاء به الشرع وبينه رسول الله - ﷺ -.
***
[ ٢٧٧ ]
[٦] دَعْوَاهُمْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ اتَّجَهَ إِلَى تَقْلِيلِ رِوَايَةَ الحَدِيثِ وَالرُّجُوعِ إِلَى القُرْآنِ وَحْدَهُ:
قال صاحب " نظرة عامة في الفقه الإسلامي ": ص ٧١ ط الأولى، ص ٧٦ ط الثالثة: «ومن الحقائق ذات البال ما عهد عن عمر من الاتجاه إلى تقليل رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده، روى عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملي عليَّ أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها، ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعني القاسم يومئذ أن أكتب حديثا (الطبقات الكبرى لابن سعد) ج ٥ ص ١٤٠» (١).
كما روي عنه أنه حبس ثلاثة من الصحابة لأنهم أكثروا من الحديث عن رسول الله - ﷺ - (" الحفاظ للذهبي: ج ١ ص ٧ ") (٢).
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كثيرًا ما رد أحاديث لم تتفق ورأيه - روى أن فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب أنها كانت مطلقة الثلاث، فلم يجعل لها رسول الله - ﷺ - نفقة ولا سكنى، وقال: «لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ»، لها النفقة والسكنى.
ومثله ما روي من مذهب عمر أن التيمم لا يجزئ الجنب الذي لا يجد الماء فروى عنده عمار بن ياسر أنه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فأصابته جنابة، ولم يجد ماء، فتمعك في التراب، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَفْعَلَ هَكَذَا» وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه ويديه، فلم يقبل ذلك عمر ولم ينهض عنده حجة ولم يكن يقبل حديثا إلا ببينة " (" حجة الله البالغة ": ج ١ ص ١٤١) (٣).
_________________
(١) ، (٢)، (٣) هي مراجع المؤلف التي ذكرها.
[ ٢٧٨ ]
وإليكم الجواب:
[١] قول المؤلف: «ما عهد عن عمر من الاتجاه إلى تقليل رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده» غير مُسَلَّمٍ، وما كان عمر - ﵁ - يمنع الناس من رواية الحديث ولكنه كان يدعو إلى التثبت في الرواية، وقد أخذ الخلفاء الراشدون أنفسهم بهذا التثبت ودعوا الناس إليه، وليس أدل على أن الفاروق عمر ما أراد هذا، وإنما أراد زيادة الاطمئنان ما روي أنه قال لأبي موسى الأشعري بعد أن طلب منه أن يأتيه بمن يشهد معه أنه يسمع الحديث الذي رواه في الاستئذان، فجاء بمن شهد معه وهو الصحابي الجليل أبي بن كعب «سُبْحَانَ اللهِ إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ» وفي رواية أخرى أنه قال «خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ» (١) يعني الاشتغال بالتجارة والمعاملة في الأسواق عن التفرغ لسماع الحديث، وكذلك جاء في بعض الروايات في غير " الصحيحين " أنه قال لأبي موسى الأشعري «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -» رواه مالك في " الموطأ "، وفي رواية عبيد بن حنين عند البخاري في كتابه " الأدب المفرد " فقال عمر لأبي موسى: «وَاَللَّه إِنْ كُنْت لأَمِينًا عَلَى حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ، وَلَكِنْ أَحْبَبْت أَنْ أَسْتَثْبِ» (٢).
فكل هذه الأحاديث تدل على أن الفاروق عمر - ﵁ - ما كان يدعو إلى تقليل. رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده، ومعاذ الله أن يريد الاكتفاء بالقرآن عن السنن والأحاديث، وكيف يدعو عمر إلى الاكتفاء بالقرآن وحده وقد ثبت عنه في أقضيته أنه كان يلجأ إلى السنن والأحاديث إذا لم يجد في القرآن كما فعل في إملاص المرأة، وفي الوباء لما وقع ببلاد الشام، وقد وصل إلى سرغ، ورجوعه عن الإقدام عليه لما أخبره عبد الرحمن بن عوف بخبر رسول الله - ﷺ -: «[إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ] بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» رواه البخاري في " صحيحه "
_________________
(١) " صحيح البخاري ": - كتاب الآداب - باب الاستئذان.
(٢) " فتح الباري بشرح صحيح البخاري ": جـ ١١ ص ٣٠، طبعة السلفية.
[ ٢٧٩ ]
وروى مسلم في " صحيحه " عن المسور بن مخرمة قال: «اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي ملاص الْمَرْأَةِ (١)، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ»، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ» (٢). بل ثبت عنه أنه كان يسأل عن سُنَّةِ أبي بكر - ﵁ - إذا لم يجد الحكم في القرآن ولا في السنة النبوية.
[٢] أما رواية حبس الفاروق عمر لثلاثة من الصحابة فهي مكذوبة، وكان على المؤلف الفاضل أن لا يأخذ الروايات من غير تمحيص ولا تدقيق، والكتب فيها الغث وفيها السمين، وفيها المقبول، وفيها المردود، وهي رواية مكذوبة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -.
وإليكم ما قاله إمام من أئمة الحديث والسنن، والحفظ للأحاديث والفقه فيها وهو أبو محمد بن حزم الظاهري مؤسس المذهب بعد المؤسس الأول له وهو الإمام داود: قال - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَثَابَهُ - في أثناء ذكره لفضل الإكثار من الرواية للسنن: «وروي عن عمر أنه - ﵁ - حبس ابن مسعود، من أجل الحديث عن النبي - ﷺ - وأبا الدرداء، وأبا ذر» وطعن في الرواية [بالانقطاع] لأن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف راويه عن عمر لم يسمع منه، وقد وافقه على هذا البيهقي، وأثبت سماعه من عمر يعقوب بن شيبة، والطبري وغيرهما، والذي يظهر أنه لم يسمع منه، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " أنه مات سنة ٩٥ أو ٩٦ وعمره ٧٥ سَنَةً (٣) فتكون ولادته سنة عشرين للهجرة، وعلى هذا يكون له حين توفي الفاروق ثلاث سنوات، وهي سن دون سن التحمل وعلى هذا فلا تكون الرواية حُجَّةً للانقطاع، ولعل البلاء جاء من هذا الراوي المحذوف.
_________________
(١) هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم «ملاص» وهو جنين المرأة إذا وضعته قبل أوانه وهو السقط والمعروف في اللغة «الإِمْلاَصُ»، وقد صحح القاضي «ملاص» من ناحية اللغة.
(٢) " صحيح مسلم ":- كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - باب دية الجنين
(٣) " تهذيب التهذيب ": جـ ١ ص ١٣٩.
[ ٢٨٠ ]
بل قال ابن حزم: «إنه - أي الخبر - في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ السنن، وألزمهم كتمانها وجحدها، وهذا خروج من الإسلام وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلًا.
ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات المطعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء» (١).
ومن دواعي الشك في هذه الرواية وعدم الثقة بها أن ابن مسعود كان يتبع مذهب عمر، وطريقته، وكان يقول: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا، وَسَلَكَ عُمَرُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ عُمَرَ وَشِعْبَهُ " وقد أرسله عمر إلى الكوفة ليعلم أهلها وقال لهم: «لَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ اللهِ عَلَى نَفْسِي» وقال فيه وفي عمار بن ياسر «هُمَا مِنَ النُّجَبَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -».
فكيف يعقل أن يخالف عمر في منهجه في الرواية؟ وكيف يعقل من عمر أن يحبسه؟ وما ذكر في رواية فاطمة من الزيادة الباطلة وهي: «لاَ نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» (*) والحديث كما في " صحيح مسلم " (٢) قال عمر: «لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ [اللهِ] وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لاَ نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ». الحديث وإنما جاء الغلط من اعتماده وسلفه صاحب " الضحى " على ما قاله المستشرقون وأخذ كلامهم قضية مُسَلَّمَةً، وقد اعتمد هؤلاء وأولئك على ما جاء في كتاب " مسلم الثبوت " وهو كتاب في أصول الفقه، لا كتاب حديث وهذه الكتب لا يعول عليها في معرفة الصحيح من الحسن من الضعيف، قال صاحب كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ": ص ١٢٦ ط ثالثة ما نصه: «وضع الحديث، وأقوال المستشرقين في ذلك»:
«وهنا مسألة جد خطيرة نرى من الخير أن نعرض لها ببعض التفصيل، وهي
_________________
(١) " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم: جـ ٢ ص ١٣٩.
(٢) " صحيح مسلم ": - كتاب الطلاق - باب المطلقة ثلاثا لا نفقه لها. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) وفي هذا يقول الدكتور مصطفى السباعي - ﵀ -: إن قول عمر «لاَ نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» لم يرد في كتاب من كتب الحديث قاطبة، وقد بحثت في كل مصدر استطعت الوصول إليه من مصادر الحديث في مختلف دُورِ الكُتُبِ العامة فلم أعثر على من ذكره بهذا اللفظ، بل الذي فيها «حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ» ولم يرد ذلك اللفظ إلا في بعض كتب الأصول، كـ " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " مَعْزُوًا إلى " صحيح مسلم "، وليس في " مسلم " إلا «حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ» وقد نَبَّهَ شارح " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " إلى هذا فقال: «وَالمَحْفُوظُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ" " حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ "»، انظر " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٢٦٤، ٢٦٥ الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان. وانظر اَيْضًا: رأي الدكتور نور الدين عتر حيث يقول: «وأما زيادة "أصدقت أم كذبت" فلا أصل لها في رواية الحديث، وقد استغلها أعداء الإسلام، والعجب أن يذكرها بعض الكاتبين في "أصول الحديث" أو أصول الفقه، ثم يعزوها لمسلم اَيْضًا، ومسلم وغيره منها براء!!» " منهج النقد في علوم الحديث " للدكتور نور الدين عتر، ص ٥٣، الطبعة الثالثة: ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، نشر دار الفكر دمشق - سورية.
[ ٢٨١ ]
وضع الحديث في هذا العصر، ولقد ساد إلى وقت قريب في أوساط المستشرقين الرأي القائل: بأن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الديني، والسياسي، والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني، وأنه ليس صحيحًا ما يقال: من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول: عهد الطفولة، ولكنه أثر من أثار جهود الإسلام في عصر النضوج» (١).
وقد شرحوا هذا الرأي (٢):
أولًا: بأنه في هذا العصر الأول الذي اشتدت فيه الخصومة بين الأمويين والعلماء الأتقياء وأخذ هؤلاء يستغلون جمع الحديث والسنة، ونظرًا لأن ما وقع في أيديهم من ذلك لم يكن ليسعفهم في تحقيق أغراضهم أخذوا يخترعون من عندهم أحاديث رأوها مرغوبًا فيها، ولا تنافي الروح الإسلامية، وَبَرَّرُوا ذلك أمام ضمائرهم، بأنهم إنما يفعلون هذا في سبيل محاربة الطغيان والإلحاد، والبعد عن سنن الدين، ونظرًا لأنهم كانوا يؤملون في أعداء البيت الأموي، وهم العلويون، فقد كان محط اختراعهم من أول الأمر مُوَجَّهًا إلى مدح أهل البيت، فيكون هذا سبيلًا غير مباشر في ثلب الأمويين ومهاجمتهم، وهكذا سار الحديث في القرن الأول سيرة المعارضة الساكتة بشكل مؤلم ضد هؤلاء المخالفين للسنن الفقهية والقانونية.
ثانيًا: ولم يقتصر الأمر على هؤلاء فإن الحكومة نفسها لم تقف ساكتة إزاء ذلك، فإذا ما أرادت أن تعمم رأيًا، أو تسكت هؤلاء الأتقياء - تذرعت اَيْضًا بالحديث أو تدعو إلى وضعه، وإذا ما أردنا أن نتعرف ذلك كله فإنه لا توجد مسألة خلافية سياسية، أو اعتقادية إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي فالوضع في الحديث، ونشر بعضه أو اضطهاد بعضه نشأ في وقت مبكر.
_________________
(١) قال المؤلف: هذا الرأي الذي ننقله هو رأي جولدتسيهر في كتابه " دراسات إسلامية "، وقد حرصنا على ترجمة هذا النص، حتى يتسنى للذين أَلَمُّوا بشيء منه أن يعرفوه بالتفصيل، ويعرفوا الرد عليه.
(٢) وقد رأيت تفصيل قولهم إلى شبه ليسهل الرد عليه وهذا التفصيل مني لا من المؤلف.
[ ٢٨٢ ]
فالأمويون كانت طريقتهم، كما قال معاوية للمغيرة بن شعبة: «لاَ تُهْمِلْ فِي أَنْ تَسُبَّ عَلِيًّا، وَأنْ تَطْلُبَ الرَّحْمَةَ لِعُثْمَانَ، وَأَنْ تَسُبَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ، وَتَضْطَهِدَ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَعَلَى الضِدِّ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ تَمْدَحَ عُثْمَانَ، وَأَهْلَهُ، وَأَنْ تُقَرِّبَهُمْ، وَتَسْمَعَ إِلَيْهِمْ»، على هذا الأساس قامت أحاديث الأمويين ضد عَلِيٍّ، ولم يكن الأمويون وأتباعهم ليهمهم الكذب في الحديث الموافق لوجهات نظرهم فالمسألة كانت في إيجاد هؤلاء الذين تنسب إليهم.
ثالثًا: وقد استغل هؤلاء الأمويون أمثال الإمام الزهري بدهائهم في سبيل وضع أحاديث فمن ذلك حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» الذي يمثل ميولهم السياسية في تقديس بيت المقدس، وجعله مثل البيت الحرام، ومسجد المدينة حتى يكون مَحَجًّا للناس، وذلك في الوقت الذي حرم فيه ابن الزبير أهل الشام من الحج إلى الكعبة، ويتصل بهذا الأحاديث التي جاءت في بيان فضل بيت المقدس، ثم أحاديث فضل الشام والمدينة، ولقد سمى الأمويون المدينة بالخبيثة، وسماها بعضهم المنتنة على خلاف تسميتها بالطيبة.
رابعًا: قال: ولم يقتصر الأمر على وضع أحاديث سياسية أو لصالح البيت الأموي بل تعدى ذلك إلى الناحية الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة مثل ما هو معروف من أن خطبة الجمعة كانت خطبتين، وكان يخطب الخلفاء وقوفًا وأن خطبة العيد كانت تتبع الصلاة، فَغَيَّرَ الأمويون من ذلك، فكان يخطب الخليفة خطبة الجمعة جالسًا، وجعلوا خطبة العيد قبل الصلاة، واستدلوا لذلك بما رواه رجاء بن حيوة من أن الرسول والخلفاء كانوا يخطبون جلوسا، في حين قال جَابِرُ بْنَ سَمُرَة: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَطَبَ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ» ومثل ذلك ما حصل من زيادة معاوية في درجات المنبر، وما كان من جعله المقصورة التي أزالها العباسيون بعد ذلك، كما لم يقتصر الأمر على نشر أحاديث ذات ميول بل تعداه إلى اضطهاد أحاديث لا تمثل وجهات النظر والعمل
[ ٢٨٣ ]
على إخفائها وتوهيتها، فمما لا شك فيه أنه كانت هناك أحاديث في مصلحة الأمويين اختفت عند مجيء العباسيين.
خَامِسًا: وقد استدل في سبيل تأييد قوله بأدلة قدح بعض العلماء في بعض مما يخرجونه مخرج الجرح والتعديل، مما ورد كثير منه عن السلف القدماء (١)، يقول: فمن ذلك قول المحدث عاصم بن نبيل (٢) توفي (سَنَةَ ٢١٢ وَعُمُرُهُ تسعون سَنَةً): «مَا رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ»، ويقول مثل ذلك يحيى بن سعيد القطان توفي (سَنَةَ ١٩٢) ويقول وكيع عن زياد بن عبد الله: «إِنَّهُ مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ كَانِ كَذُوبًا» ويقول يزيد بن هارون: «إِنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ بِالكُوفَةِ فِي عَصْرِهِ، مَا عَدَا وَاحِدًا، كَانُوا مُدَلِّسِينَ، حَتَّى السُّفْيَانَانِ ذُكِرَا بَيْنَ المُدَلِّسِينَ».
سَادِسًا: قال: وقد شعر المسلمون في القرن الثاني بأن الاعتراف بصحة الأحاديث يجب أن يرجع إلى «الشكل» فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وساعدهم على هذا ما ورد من الحديث: «سَيَكْثُرُ الحَدِيثُ عَنِّي، فَمَنْ حَدَّثَكُمْ بِحَدِيثٍ فَطَبِّقُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا وَافَقَهُ فَهُوَ ِمنِّي، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ». وحديث ابن ماجه: «مَا [قِيلَ] (*) مِنْ قَوْلٍ حَسَنٍ فَأَنَا قُلْتُهُ» (٣) ويمكن أن نتبين شيئا من ذلك في الأحاديث الموثوق بها، فمن ذلك ما رواه مسلم «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلاَبِ، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ»، فأخبر ابن عمر أن أبا هريرة يزيد: " «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» " فقال ابن عمر: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَزْرَعٌهَا» (٤) فملاحظة ابن عمر تشير إلى أن ما يفعله المحدث لغرض نفسه.
_________________
(١) راجع شيئًا من هذا في " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر، و" تلبيس إبليس " لابن الجوزي: ص ١١٧.
(٢) هكذا قال والصحيح: أبو عاصم النبيل واسمه: الضحاك بن مخلد.
(٣) راجع ضعف هذه الأحاديث في " الموافقات " [للشاطبي]: جـ ٤ ص ١٨.
(٤) " صحيح مسلم ": كتاب الصيد. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) «قِيلَ» وليس «قُلْتُ»، انظر: ابن ماجه: " السنن "، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، المقدمة، (٢) بَابُ تَعْظِيمِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ عَارَضَهُ، حديث رقم ٢١، ١/ ١٠، طبعة سنة: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
[ ٢٨٤ ]
سَابِعًا: قال: «وفي سبيل إثبات بعض القواعد الفقهية طرقوا بابًا آخر غير الروايات الشفوية، وذلك بإظهار صحف مكتوبة تبين إرادة الرسول، وقد وجد هذا النوع تصديقًا في هذا العصر، وإذا ما دار الأمر حول نسخة من هذه الصحف فإنهم لا يسألون عن أصلها المنسوخة عنه، ولا يبحثون عن صحتها، ونستطيع أن نتبين جرأة الواضعين من هذا الخبر، ذلك أنه في عصر الأمويين حاول بعض الناس التوفيق بين عرب الشمال، وعرب الجنوب، وأظهروا حِلْفًا كان في عصر تُبَّعٍ بْنِ مَعْدِ يكَربْ بين اليمنية وربيعة، وقد وجدوا هذا محفوظا عند بعض أحفاد هذا الأمير الحميري، فهؤلاء الذين يقبلون مثل هذا لا يكون من الصعب عليهم أن يعترفوا بمثله، مما هو أقرب عهدًا، ونعني به مسألة " تعريف الصدقة " عن صغار البقر، وكبارها، فقد وردت في ذلك أحاديث مختلفة، ولكن لم يصح منها شيء ليأخذ منه جامعوا الحديث نصوصًا تحتوي على نظام للدفع مفصل، فرجع الناس إلى وصايا مكتوبة عن الزكاة، مما وصى به الرسول رسله إلى البلاد العربية، مثل وصيته إلى معاذ بن جبل، وكتابه إلى عمرو بن حزم (١) وغيرهما مما روى لنا محتوياتها رواة الحديث».
ولم يكتف الناس بهذه النسخ المنقولة عن أصول، بل أظهروا اَيْضًا بعض هذه الأصول القديمة، فهناك وثيقة كانت عند آل عمر، أمر عمر بن عبد العزيز بنقل نسخة منها، وقد روى أبو داود تصحيح الزهري لها، وهناك وثيقة أخرى بختم الرسول ذكرها أبو داود اَيْضًا، وقد أظهرها حماد بن أسامة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، وكان أبو بكر قد وجهها لأنس بن مالك عندما ذهب ليجمع الصدقات " قال المؤلف: «هذا هو الرأي الذي ساد أوساط المستشرقين في القرن الماضي، وفيه ما يرى من بناء نظرية مفروضة متخيلة على أخبار تصيدوها من أشتات الكتب، وجعلوا مما خرج مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله السلف مبالغة في تعريف الحديث - حقائق ثابتة وصورًا صحيحة».
_________________
(١) جعل مرجعه كتابًا لجولدتسيهر.
[ ٢٨٥ ]
أقول: هذه هي الأسطر القليلة التي رد بها المؤلف الفاضل: الأستاذ الدكتور علي حسن عبد القادر بعد بضع صحائف سودها بذكر نظرية هذا المستشرق اليهودي جولدتسيهر وهو عالم أزهري جمع بين الثقافتين الإسلامية والغربية، وكان عليه أن يفيض في الرد حتى تزول آثار هذا الرأي الغائل الباطل في نفس القارئ لكتابه، ويا ليته فعل ولو أنه فعل لكان له من الله - ﵎ - الجزاء الأوفى ولكان له منا معاشر المسلمين العارفين بمنزلة السنن والأحاديث من الإسلام ومن القرآن الشكر والثناء لذلك رأيت خدمة للسنن والأحاديث، وَدَرْءًا للشبه عنها أن أفيض في الرد وقد رأيت أن أقدم بين يدي الرد التفصيلي عن كل شبهة من الشبه التي اشتملت عليها نظرية المستشرق اليهودي الحاقد على الإسلام والقرآن والسنة، هذه النظرية التي سادت أوساط المستشرقين، والتزمها الأكثرون منهم، ولم يتحرر منها إلا القليلون فأقول وبالله التوفيق.
***
[ ٢٨٦ ]
الجَوَابُ الإِجْمَالِيُّ عَلَى هَذِهِ الاِفْتِرَاءَاتِ وَالشُّبُهَاتِ:
«حقائق مستمدة من خصائص الرسول والصحابة ومن بعدهم تهدم آراء جولدتسيهر».
الحقيقة الأولى:
نزل القرآن الكريم على رسول الله - ﷺ - وبلغه كما أوحي إليه من غير أن يزيد فيه حرفًا أو ينقص حرفًا، وتلقاه عنه الصحابة، وتفانوا في حفظه وفهمه، والعلم به ومع أنهم عرب خلص إلا أنهم لم يحيطوا علمًا بكل ما في القرآن فهناك المجمل الذي يحتاج إلى تفصيل، والمبهم الذي يحتاج إلى بيان وتفسير، والمشكل الذي يحتاج إلى إزالة ما فيه من إشكال، وهناك العام الذي يراد به الخصوص، والعام الذي يحتاج إلى تخصيص، والمطلق الذي يحتاج إلى تقييد، وهذه أمور لا يكفي فيها معرفة اللغة، ولا الإلمام ببعض قواعد الشريعة فكان لا بد لهم من الرجوع في تفسير هذه الآيات المشتملة على ذلك من المُشَرِّعِ وَالمُبَلِّغِ عن الله وهو النبي المعصوم - ﷺ -، وصدق الله ﵎ في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) هذه واحدة.
وثانية: وهي أن المسلمين كانت تعرض لهم مشكلات دينية ودنيوية شأن كل جماعة [مُتَمَدِّنَةٍ] لها مطالب وحاجات، وانتقلت من حياة ساذجة بدوية إلى حياة أخرى تقوم على تشريعات إلهية في العقائد، والعبادات والمعاملات، والأخلاق، ونحوها، وعلى وحدة إسلامية، وجدت لهم آفاقًا في فهم العقائد والشرائع ولم يكن القرآن الكريم الذي هو أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم بالتفصيل الذي يسعفهم بكل ما يحتاجون إليه في حياتهم الدينية والدنيوية، وما يجد لهم من أمور لم تكن معروفة لهم من قبل، لأن الله ﵎ كلف الأمة الإسلامية بحفظه فضلا عن فهمه
_________________
(١) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
(٢) [سورة النحل، الآية: ٦٤].
[ ٢٨٧ ]
والعمل به، فلو أن القرآن جاء مشتملًا على كل شيء على التفصيل لشق على الأمة حفظه بل ولما استطاعوا.
إِذًا كان لا بد لهم، لكي يعرفوا حكم الله فيما يعرض لهم من أمور دينية ودنيوية، ولكي يشبعوا رغبتهم في العلم بالقرآن وأسراره، والعلم بكل ما اشتمل عليه من عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاقيات، وسياسات وغيرها، من الرجوع إلى الرسول - ﷺ - الذي بعث مبشرًا ونذيرًا، ومعلما، وهاديا إلى الصراط المستقيم
ولقد استفاض وتواتر أن الرسول - ﷺ - كان المرجع للمسلمين في كل شيء سواء في ذلك رجالهم ونساؤهم حتى لقد كانوا يسألون الرسول - ﷺ - عن أمورهم الخاصة التي تتعلق بالغسل، والحيض، والنفاس، وكيفية التطهر بل والاحتلام وكان النبي - ﷺ - يبين لهم كل ذلك بصراحة عن غير خدش للحياء، ولا انتهاك لحرمات، وكانت النساء كثيرًا ما يستعن بأمهات المؤمنين في معرفة ما يمنعهن الحياء من المصارحة به، والنبي - ﷺ - يجيب في كل ذلك بما يوحى إليه به وهو الغالب والكثير أو بما يؤديه إليه اجتهاده، وهو - ﷺ - كان يجتهد على ما عليه المحققون من العلماء، ولكن ما كان يقر على الخطأ في الاجتهاد وسكوت الوحي على ما اجتهد فيه يقوم مقام تقرير الله تعالى له على اجتهاده.
وعلى هذا الأساس كان ينظر الصحابة إلى ما يصدر عن الرسول - ﷺ - مِمَّا مَرَدُّهُ إلى التشريع بل وكانوا يجوزون في أمور دنياهم كأمور الحرب والسياسة أن تكون بوحي من الله، وليس أدل على هذا من قول الحُبَابِ بْنِ المُنْذِرِ للنبي - ﷺ - في غزوة بدر: «أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَمَ أوْ نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟» فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «بَلِ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ» فأشار عليه الْحُبَابُ (١) بمنزل آخر فنزل النبي على مشورته إذا لا بد بعد التسليم بهذا - ولا بد من التسليم - من أن نعتقد أنه كانت هناك ثروة طائلة تتعلق بتفسير القرآن الكريم وبيانه بشتى وجوه البيان، وبغير تفسير القرآن وبيانه من الأحكام التي استقلت السنة
_________________
(١) الحُبَابُ: بضم الحاء، وفتح الباء المخففة الممدودة، آخره باء موحدة. الحقيقة الثانية: حرص الصحابة رضوان الله عليهم حرصا بالغا عما يصدر عن الرسول المشرع - ﷺ -، وإحلاله محل النفس والروح، وقد كان من دواعي حفظ الصحابة ما يرد عن الرسول وفهمه والعلم به، والعمل، وحرصهم عليه أمور:
[ ٢٨٨ ]
والأحاديث ببيان أحكامها مما لم يجر له في القرآن الكريم ذكر، هذه الثروة الطائلة النافعة المفيدة هي ما تعرف بالأحاديث والسنن سواء أكانت قولية، أم فعلية، أم تقريرية.
الحقيقة الثانية:
حرص الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - حرصًا بالغًا عما يصدر عن الرسول المشرع - ﷺ -، وإحلاله محل النفس والروح، وقد كان من دواعي حفظ الصحابة ما يرد عن الرسول وَفَهْمِهِ وَالعِلْمِ بِهِ، وحرصهم على أمور:
[١] أ، التقوى ما كانت تنال إلا بالعمل بما جاء به والشرف ما كان ينال في الإسلام إلا بالتقوى وصدق الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) والتقوى لا تنال إلا بالعمل بكتاب الله، وبسنة رسوله - ﷺ - فمن ثم كانت عنايتهم بحفظ سنن رسول الله مثل عنايتهم بحفظ كتاب الله - ﵎ -، ولما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأمير مكة في عصره: مَنْ اِسْتَخْلَفْتَ؟ قَالَ: ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ: [فَاسْتَخْلَفْتَ] عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ ﷿، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ!!، قَالَ عُمَرُ: [أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ قَدْ قَالَ]: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ». رواه مسلم، وكان الواحد منهم يقول لصاحبه وهو ذاهب إلى مجلس الرسول - ﷺ - «تَعَالَ نُؤْمِنْ سَاعَةً».
[٢] إن كثيرًا من شرائع الدين، وما جاء عن سيد المرسلين قد ارتبط بحوادث مشهورة أو بحوادث خاصة ببعضهم أو بأسئلة من جهتهم إلى غير ذلك مما له أكبر الأثر في حفظ ما يتعلق به، وإذا كان هذا أمرًا معروفًا مُسَلَّمًا فلماذا يستبعد جولدتسيهر ومن على شاكلته من المستشرقين أن يحفظ الصحابة قدرًا كبيرًا من سنن رسول الله - ﷺ - وأحاديثه ويبلغوها لمن جاء بعدهم، ومن بعدهم يبلغونها لمن بعدهم حتى وصلت إلينا كما تلقوها عن الرسول الكريم - ﷺ -.
[٣] حُبُّهُمْ للرسول - ﷺ - حُبًّا صادقًا صار مضرب الأمثال، وَأَقَرَّ بِهِ الموافق والمخالف، حتى قال بعض [أَعْدَاءِ] الرسول - ﷺ - في صلح الحديبية لقومه المشركين
_________________
(١) [سورة الحجرات، الآية: ١٣].
[ ٢٨٩ ]
«وَاللهِ لَقَدْ أَتَيْتُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِمَا، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُحِبُّهُ أَصْحَابُهُ كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا» وإذا كان بلغ حبهم للرسول - ﷺ - أنهم كانوا يتزاحمون على فضل وضوئه، وما يسيل منه وأنه ما كان يتنخم نخامة، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه ووقع في يد رجل منهم فإلى أي حد نتصور أثر هذا الحب في حفظ حديثه وسننه، إن بعض الزعماء اليوم، ورجال السياسة يحفظ الناس من مأثور كلامهم الشيء الكثير، فكيف يستبعد مستبعد أن يحفظ أصحاب رسول الله - ﷺ - عنه الكثير والكثير ويبلغوه إلى من بعدهم على الفرق الشاسع ما بين النبوة والزعامة، وما بين الصحابة أتباع النبي - ﷺ - وبين أتباع الزعماء
الحقيقة الثالثة:
نشاط الصحابة ومن بعدهم على العناية الفائقة بالسنة وجمعها وحفظها بعد وفاة الرسول - ﷺ - وأوفوا في ذلك على الغاية.
فهذا هو جابر بن عبد الله - ﵄ - يرحل في سماع حديث من راويه عن النبي - ﷺ - شهرًا كاملًا، ويشتري بعيرًا لذلك، رواه البخاري تعليقًا، وهذا ابن عباس - ﵄ - يبلغه الحديث عن أحد الصحابة فيذهب إليه ليسمعه منه فوجده نائمًا فيتوسد رداءه على بابه تسفي الريح عليه التراب فخرج الصحابي فوجده: فقال: «مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟، هَلاَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟»، فيقول: «أَنَا أَحَقُّ أَنْ [آتِيَكَ]»، فيسمع منه الحديث وينصرف وأمثال جابر بن عبد الله وأمثال ابن عباس - ﵄ - كثيرون وكثيرون من الصحابة.
وكذلك حافظ على العناية بالسنن والأحاديث من جاء بعدهم من التابعين روي عن سعيد بن جبير أنه يكون مسافرًا مع ابن عباس فيسمع منه الحديث فيكتبه في مقدمة الرحل حتى إذا نزل قيده في كتابه.
الحقيقة الرابعة:
ما امتاز به علماء الإسلام من لدن الصحابة إلى أن تم جمع السنة وتدوينها تدوينا عاما من حفظ لألفاظها، وفهم لمعانيها، وتفقه لأحكامها، ومناهضتهم لحركة
[ ٢٩٠ ]
الوضع في الحديث، وتعقبهم للكذابين والوضاعين، والكشف عن عوارهم وعارهم حتى أظهروهم على حقيقة أمرهم، فتجنبهم الناس، ولم ينخدعوا بظواهرهم.
قال العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة: «لما لم يمكن أحدا أن يزيد في القرآن أخذ أقوام يزيدون في أحاديث رسول الله - ﷺ -، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ الله قومًا يذبون عن النقل ويوضحون الصحيح ويفضحون القبيح، وما يخلي الله منهم عصرا من الأعصار».
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيَّ المتوفى (سنة ١٦١ هـ): «الْمَلاَئِكَةُ حُرَّاسُ السَّمَاءِ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ حُرَّاسُ الأَرْضِ»، وروي عن عبد الله بن المبارك المتوفى (سنة ١٨١) أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ!! فقال: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ» (١). وذكر الإمام الذهبي في " تذكرة الحفاظ " أَنَّ الخَلِيفَةَ الرَّشِيْدُ أَخَذَ زِنْدِيقًا لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ وَضَعْتُهَا؟» فَقَالَ الرَّشِيْدُ: «فَأَيْنَ أَنْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ (٢)، وَابْنِ المُبَارَكِ يَنْخُلاَنِهَا، فَيُخْرِجَانِهَا حَرْفًا حَرْفًا».
وروي عن ابن المبارك: «لو هم رجل في الصحراء أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: كذاب».
فهذه النقول تدل على يقظة أهل الحديث ورجاله للكذابين والوضاعين وقعودهم لهم بالمرصاد، وعلى تزييفهم لما وضعوه والإبانة عنه، وبذلك ردوا كيدهم في نحرهم كل هذه الحقائق وغيرها مما لا يتسع المقام لذكرها تؤدي إلى العلم، بل والاعتقاد أن الأحاديث النبوية والسنن قامت على عمد ثابتة، ودعائم قوية، وأنها ليست كما يزعم جولدتسيهر من آثار التطور الديني، والاجتماعي والسياسي للمسلمين، ولا أدري كيف تكون جل الأحاديث من آثار التطور مع اتفاق الأمصار الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في معظم العبادات والتشريعات في المعاملات
_________________
(١) جمع جهبذ - بكسر الجيم - وهو العالم الناقد البصير ز
(٢) هو الإمام العالم الحافظ شيخ الإسلام إبراهيم بن محمد بن الحارث الكوفي المتوفى سَنَةَ ١٨٥ أو ١٨٦.
[ ٢٩١ ]
وغيرها فلو أن الأمر أمر تطور، كما زعموا - وبئس ما زعموا - لما اتفقوا هذا الاتفاق، ومعظم الخلافات في الفروع الفقهية إنما ترجع لاعتبارات أخرى معظمها يرجع إلى طريقة الاجتهاد، واختلاف أنظارهم في الدليل الواحد، وإلى أن بعض الأحاديث قد تكون في مصر ولا تكون في مصر آخر، وذلك لأن بعض الصحابة كان معهم من الأحاديث ما ليس عند الآخرين، ثم إننا لا نعتبر العصر الأول عصر طفولة في الفقه كَلاَّ وَحَاشَا، وإنما نعتبره عصر الاكتمال الديني والتشريعي، ومهما اختلف العلماء في الفروع فمرجعهم في الأحكام إلى الكتاب الكريم، والسنة النبوية، أو القياس عليهما، أو الإجماع.
وليس أدل على أن عصر النبي - ﷺ - هو عصر الاكتمال الديني والفقهي من قول الله - ﵎ - في حَجَّةِ الوَدَاعِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١) وقوله - ﷺ -: «تَرَكْتُ فِيكُمْ [أَمْرَيْنِ] لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» رواه مالك في " الموطأ " بلاغًا، ورواه الحاكم في " المستدرك "، وقوله - ﷺ -: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ» (*).
فما من حكم يطلبه المسلمون في دينهم ودنياهم مهما تقدمت العصور والأزمان. إلا ويجدونه في القرآن فإن لم يجدوه في القرآن ففي السُنَّةِ. فإن لم يجدوه في السُنَّةِ قاسوا على ما في القرآن، أو على ما في السُنَّةِ، وإلا اجتهدوا في معرفة الحكم في حدود القواعد الأصولية المستنبطة من القرآن والسُنَّةِ، والاجتهاد في الإسلام باق إلى يوم القيامة، ولكن له شروط لا بد من توافرها فيمن يجتهد حتى يكون أهلا للاجتهاد، وليس الاجتهاد في الإسلام بَابًا يدخله أي أحد، ومن لوازم كون الإسلام دينًا عامًا للناس جميعا، وباقيًا خالدًا إلى يوم القيامة أن يكون باب الاجتهاد مفتوحًا، باقيًا إلى يوم القيامة حتى يكون فيه كفاء حاجات البشر في دينهم ودنياهم، وصدق من قال: «تَحْدُثُ لِلْنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الفُجُورِ» (**).
_________________
(١) [سورة المائدة، الآية: ٣]. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) لم ترد لفظة (المحجة) في " المستدرك "، انظر " المستدرك " للحاكم النيسابوري، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ١/ ١٧٥، حديث رقم ٣٣١، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م، نشر دار الكتب العلمية - بيروت. (**) قول مأثور عن الإمام مالك - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «يُحْدِثُ النَّاسُ فُجُورًا فَتَحْدُثُ لَهُمْ أَقْضِيَةٌ»، انظر " تفسير القرطبي " تحقيق هشام سمير البخاري، ١٦/ ١٨١، طبعة سنة ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م، نشر عالم الكتب. بيروت - لبنان. وانظر اَيْضًا: " شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك "، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري، ٤/ ٧١، تحقيق طه عبد الرءوف سعد، الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م، نشر مكتبة الثقافة الدينية - القاهرة. كذلك ينسب القول إلى عمر بن عبد العزيز - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، انظر " الفروق " للقرافي، ٤/ ١٧٩، الطبعة بدون تاريخ، نشر عالم الكتب. بيروت - لبنان.
[ ٢٩٢ ]
وتقسيم الأطوار التي مر بها التشريع الإسلامي إلى عصر الطفولة وعصر الشباب وعصر الكهولة فالاكتمال لا ينطبق على الشرع الإسلامي لأن أصوله هي الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، وإنما ينطبق على المذاهب الإنسانية، والقوانين الوضعية.
والمستشرقون أو معظمهم لا ينظرون إلى التشريعات الإسلامية على أنها تشريعات إلاهية من لدن عليم حكيم وإنما ينظرون إليها على أنها كغيرها من المذاهب البشرية والقوانين الوضعية، فمن ثم وقعوا في مثل هذه الأخطاء.
نعم قد يكون حصل التطور في تدوين كتب الفقه والأحكام وهذه سنة الله في العلوم تبدأ قليلة ثم تكثر، وصغيرة ثم تكبر، فالفقه مبناه على التشريع الإلهي من كتاب وسنة وإجماع وقياس، ولكن فيه جهود كبيرة للفقهاء على توالي العصور في الفهم، والترجيح، واستنباط الأحكام والآداب.
وإذا رجعت إلى أي كتاب من كتب الفقه على كثرتها، وتعدد مذاهب أصحابها في الاجتهاد والاستنباط تجدها ممتلئة بالآيات القرآنية، والأحاديث والسنن النبوية، والله أعلم.
***
[ ٢٩٣ ]
[(٧)]
الجَوَابُ التَّفْصِيلِي عَلَى الشُبَهِ التِي أَثَارَهَا المُسْتَشْرِقُونَ:
الشُّبْهَةُ الأُولَى: «وهي الشبهة السابعة في تسلسل الشبه».
والجواب:
[١] إننا لا نوافق المستشرقين على أن العلماء الأتقياء قاموا بحركة وضع قط ضد الأمويين، وإرغام أنوفهم بمدح أعدائهم، ثم كيف تجامع التقوى الوضع في الحديث؟ إن التقوى كما يعرفها الخاصة والعامة هي الاستقامة على الدين ظاهرًا وباطنًا، أجيبونا يا أصحاب العقول!!.
إن كلمة الأتقياء دَسَّهَا المستشرق المتعصب " جولدتسيهر " لِيُهَوِّنَ على القارئ، ويسهل عليه الغرض الدنيء، والاتهام الجريء الذي يرمي إليه فإنه إذا حكم أن هذا حال العلماء الأتقياء فكيف يكون حال غير الأتقياء!؟ لا شك أنهم يفوقونهم ويزيدون عليهم في الوضع في الحديث.
وقد كنا نود من المستشرق المتعصب أن يذكر لنا بعضًا من هؤلاء العلماء الأتقياء لنرى مبلغ صدقه فيما زعم، ولنبين له أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم ولنعلم أهم حَقًّا علماء أم أشباه علماء، أم ليسوا من العلم في شيء؟! لكن الكاتب اليهودي الحاقد على الإسلام والمسلمين أبهم، وهول لحاجة في نفسه.
ونحن معاشر العلماء المسلمين لا ننكر أنه وضعت أحاديث في مدح الأمويين،
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: ورد بالخطأ في الكتاب المطبوع ذكر الهامش في التعريف بابن سيرين في هذه الصفحة، فانظره في الصفحة الموالية.
[ ٢٩٤ ]
وَذَمِّهِمْ، وَمَدْحِ أَعْدَائِهِمْ، وَذَمِّهِمْ، وكيف؟ وهذه كتب الأحاديث الموضوعة قد بينت الكثير من ذلك، ولكن الذي ننكره أشد الإنكار أن يكون من فعل هذا تَقِيًّا!! أو تكون هذه الموضوعات قد جازت عليهم من غير أن يدركوها ويبينوا عوارها وعارها على واضعيها، فهذا ابن سيرين (١) يقول: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ». وأهل السنة كانوا مثال الاستقامة في العقيدة والسلوك، بينما أهل البدع كانوا على الضد من ذلك، ويقول اَيْضًا: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» " رواها مسلم في مقدمة " صحيحه "، وروى مسلم بسنده عن عبد الله - بن المبارك أنه قال: «الإِسْنَادُ مِنَ الْدِّينِ، وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» وروي عنه اَيْضًا أنه قال: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الْقَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ (٢). وروى اَيْضًا بسنده عن عبد الله بن ذكوان المكنى بأبي الزناد قال: «أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ» (٣) وهذا يدل على اليقظة التامة من العلماء الذين تَصَدَّوْا لِلْرِّوَايَةِ، وتعقبوا الوضاعين والكذابين حتى كشفوا عن خبيئة أمرهم، ودخيلة نفوسهم وقد بينت آنِفًا في الرد الإجمالي على مقالة المستشرقين كيف كان جهاد العلماء الأتقياء في مقاومة حركة الوضع لا في الاشتراك فيها.
[٢] وأمر آخر أحب أن أنبه إليه وهو أن العصر الأول كان الوازع الديني فيه قويًا على الرغم مما حدث من فتن وخلافات، وهذا الوازع الديني نلمحه قويًا ظاهرًا في العلماء الأتقياء، ومن على شاكلتهم ممن لا يخافون في الحق لومة لائم، فما كان ليخيفهم زجر ولا وعيد، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر ثابت معروف وكثيرًا ما كان ينصح العالم الخليفة والأمير، ويبين له مخالفته للحق والدين.
_________________
(١) هو الإمام التابعي الجليل محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر بن أبي عمرة، ثقة، ثبت، عابد، كان لا يرى الرواية بالمعنى مات سنة عشر ومائة. (*)
(٢) شبه الإسناد التي تقوم عليه الأحاديث بالقوائم أي الأرجل التي تقوم عليها الدابة فكما أن الدابة لا ينتفع بها إلا بقوامها كذلك لا ينتفع بالأحاديث إلا بأسانيدها.
(٣) " صحيح مسلم بشرح النووي ": جـ ١ ص ٧٨ - ٨٨. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ورد هذا الهامش في الكتاب المطبوع خطأ في الصفحة ٢٩٤.
[ ٢٩٥ ]
وإذا كان الأمر كما ترى فلماذا ينافق العلماء الأتقياء ويتوصلون إلى أغراضهم عن طريق الدس والكذب، وهم أتقياء كما يعترف بذلك " جولدتسيهر " والتقوى عند جماهير المسلمين تنافي الكذب على رسول الله - ﷺ -، ولا تجامعه، وهذا الوضع لأجل إرضاء الخلفاء والأمراء إنما يفعله ضعاف الدين والأخلاق، وضعاف النفوس الذين يبيعون دينهم بدنياهم.
وأيضًا فقد كان الخلفاء والأمراء على دين، وعلى خلق فما كانوا يرضون الكذب لأجلهم قط في الحديث النبوي، ومن أمثلة ذلك ما روي عن غياث بن إبراهيم أنه دخل على المهدي وهو يلعب بالحمام فروى له «لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ، أَوْ جَنَاحٍ» فزاد في الحديث «أَوْ جَنَاحٍ»، والموضوع هو اللفظ الأخير فقط، وأما الحديث فثابت رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة بدون لفظ «أَوْ جَنَاحٍ» فلما قام غياث ليخرج وأدبر أدرك أنه كذب لأجله، فقال: «أَشْهَدُ أَنَّ قَفَاكَ قَفَا كَذَّابٍ»، وأمر بذبح الحمام حتى لا يكون سَبَبًا لاختلاق أمثال غياث من المنافقين وأرقاء الدين.
ومن ذلك ما ذكره الخطيب في ترجمة أبي البختري الكذاب أنه دخل وهو قاص على الرشيد وهو إذ ذاك يطير الحمام، فاختلق حديثا مكذوبا وهو «أن النَّبِيَّ كَانَ يُطَيِّرُ الحَمَامَ» وقد أدرك الرشيد كذبه وزجره وقال: «أُخْرُجْ عَنِّي، لَوْلاَ أَنَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ لَعَزَلْتُكَ»، أقول، ويا ليته عزله، بل وَعَزَّرَهُ.
فانظروا إلى المهدي والرشيد كيف أنكرا على من اختلق بعض الأحاديث إرضاء لهما مما يدل على أن ضمير الخلفاء ووجدانهم الديني كان لا يزال متيقظًا قويًّا.
***
[ ٢٩٦ ]
[(٨)]
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: «وهي الشبهة الثانية في تسلسل الشبه».
والجواب:
أَوَّلًا: إن هذه الشبهة لا تخرج عن سالفتها في التخمين والتظنن والافتراض في المسائل العلمية الخطيرة، وكنا نحب من هذا المشكك في الأحاديث والسنن أن يضع نصب أعيننا جملة من النصوص الصحيحة تدل على أن خلفاء بني أمية وحكوماتهم كانوا يُرَغِّبُونَ الناس في الوضع وأنهم كانوا يؤيدون كل ما يريدون بوضع الأحاديث ومن العجيب من " جولدتسيهر " العالم المحقق عند المخدوعين به من المستشرقين وأبواقهم من المسلمين، الأمين في النقل عندهم، أنه وقد أراد أن يؤيد دعواه، من أن الوضع بدأ في وقت مبكر يذكر ما قاله الصحابي معاوية، للمغيرة بن شعبة «لاَ تُهْمِلْ فِي أَنْ تَسُبَّ عَلِيًّا، وَأنْ تَطْلُبَ الرَّحْمَةَ لِعُثْمَانَ، وَأَنْ تَسُبَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ، وَتَضْطَهِدَ مِنْ حَدِيثِهِمْ » فيزيد كلمة أحاديثهم ليصل إلى غرضه، وهاكم النص كما في تاريخ الطبري (١):
«لاَ تَتَرَحَّمْ عَمَّنْ شَتَمَ عَلِيًّا وَذَمَّهُ، وَالتَّرَحُّمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَالاِسْتِغْفَارِ لَهُ وَالعَيْبَ عَلَى أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَالإِقْصَاءَ لَهُمْ وَتَرْكِ الاِسْتِمَاعِ مِنْهُمْ، وَإِطْرَاءَ شِيعَةِ عُثْمَانَ، وَالإِدْنَاءَ لَهُمْ وَالاِسْتِمَاعِ مِنْهُمْ».
فنحن لا نرى في النص ما يشهد له في دعواه، وهكذا تكون أمانة المستشرقين في النقل!! والذي يقرأ هذا الكلام يخيل إليه أن الأمة الإسلامية كانت هُمَّجًا رُعَاعًا في العصر الأول وأن الضمير الإسلامي كان متلاشيًا أو مضمحلًاّ، وإلا فبماذا نفسر أن
_________________
(١) " تاريخ الأمم والملوك ": ج ٦ ص ١٤١.
[ ٢٩٧ ]
العلماء الأتقياء كانوا يضعون أحاديث ضد الأمويين، وأن الأمويين كانوا يقابلونهم بالمثل، ولو أنه في مزاعمه اقتصر على «باب الفضائل والمثالب» لهان الأمر بعض الشيء ولكنه صور للقارئ هذه الصورة الخيالية في جميع شؤون الدين.
ثَانِيًا: ما استند إليه من أنه لا توجد مسألة خلافية دينية أو اعتقادية إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي فردنا عليه:
أننا نمنع أن تكون كل مسائل الخلاف اعتمد فيها أصحابها على أحاديث قوية من الجهتين فكثير من المسائل الخلافية اعتمد فيها أصحابها على أحاديث لا تنهض للاحتجاج بها.
كما أن مجرد الاختلاف والاستناد إلى أحاديث قوية لا ينبغي أن يفسر بالوضع والاختلاف، فللاختلاف في المسائل الفقهية أسباب معقولة، ومحامل صحيحة أفاض في ذكرها العلماء (١).
١ - فمنها أن يكون الاختلاف من قبيل حكاية الفعل فيما هو من قبيل التوسعة على العباد، فحكى صحابي أنه فعل فعلًا، وحكى آخر أنه فعل غيره، فمثل هذا ليس في الحقيقة تناقضًا لأن الفعلين قد يكونان مباحين جائزين، أو أحدهما مُبَاحًا والآخر مُسْتَحَبًّا، أو مستحبين، أو واجبين يكون في أحدهما كفاية عن الآخر، ومثل ذلك الوتر بإحدى عشرة ركعة، أو بتسع، أو بسبع، أو بخمس، أو بثلاث، أو بواحدة، والثلاث أهي بجلوس واحد وتشهد واحد، أم هي بجلوسين وَتَشَهُّدَيْنِ، ونحو ذلك، فكل ذلك فعله النبي - ﷺ - على سبيل الاختيار والتوسعة على الأمة، وبكل منها وردت الأحاديث الصحيحة فمن روى أنه أوتر بواحدة فهو صادق، ومن روى أنه أوتر بثلاث فهو صادق وهكذا.
٢ - ومنها أن يكون صحابي سمع حُكْمًا من النبي - ﷺ - في قصة، ولم يسمعه
_________________
(١) انظر: " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " لشيخ الإسلام ابن تيمية، و" حجة الله البالغة ": ج ١ ص ١١٠ وما بعدها للدهلوي.
[ ٢٩٨ ]
الآخر واجتهد برأيه في حدود القواعد الشرعية والالتزام بالأصول الاجتهادية، وقد يوافق اجتهاده الحديث، وقد يخالفه، والصحابة لم يكونوا في الملازمة سواء
ولما جاور النبي - ﷺ - الرفيق الأعلى تفرق الصحابة في الأمصار الإسلامية وقد كان عند بعضهم من الأحاديث ما ليس عند الآخر، وَقَدْ تُعْرَضُ القضية في المدينة أو غيرها من الأمصار فيجدون فيها حَدِيثًا فيحكمون بمقتضاه، ثم تُعْرَضُ فِي مِصْرٍ آخر فلا يجدون فيها عند أحد من الصحابة الموجودين في هذا المصر حَدِيثًا، فيحكم بالاجتهاد ثم يظهر أن في المسألة حَدِيثًا عن النبي - ﷺ - موجودًا عند صحابي آخر فإذا ما نقل عن الصحابة أنهم حكموا في هذه المسألة بما يخالف الحديث الذي لم يطلعوا عليه ونقل إلينا الحديث فلا يكون ذلك قادحًا في الحديث لأنه لم يبلغهم.
٣ - وقد يكون منشأ الخلاف في الرواية اختلاف وجهة النظر في حكاية حال شاهدوها من رسول الله، وإلى هذا السبب يرجع كثير من الخلاف في الرواية وذلك مثل اختلافهم في حجة رسول الله - ﷺ -، وهي حَجَّةُ الوَدَاعِ: أكان النبي - ﷺ - قَارِنًا، أَمْ كَانَ مُفْرِدًا، أَمْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، فقد رآه بعضهم وقد أحرم بالحج فروى أنه كان مُفْرِدًا، ورآه بعضهم بعد ما أدخل العمرة على الحج فروى أنه كان قَارِنًا، ومن روى أنه كان مُتَمَتِّعًا فإنما أراد به التمتع اللغوي لا الشرعي.
٤ - وقد يكون منشأ اختلاف الرواية عن الصحابة الاختلاف في فهم المروي عن رسول الله - ﷺ - أو في طريقة الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض أو في علة الحكم أو في ترجيح نص على نص.
٥ - وقد يكون الاختلاف لأن في الحديث عَامًّا، وَخَاصًّا، وَمُطْلَقَا، وَمُقَيَّدًا، وَمُجْمَلًا، وَمُبَيِّنًا فمنهم من يرى أنه على عمومه، ومنهم من يرى أنه عام مخصوص، ومنهم من يرى أنه على إطلاقه، ومنهم من يرى أنه مقيد إلى غير ذلك، فمن لم يتعمق في الدراسات الإسلامية الأصيلة يظن بادئ الرأي أنه تناقض، وأنه أثر من آثار الوضع والاختلاق، ولو تعمق وَبُحِثَ بَحْثًا مُجَرَّدًا عن الهوى والتعصب لظهر له الحق.
[ ٢٩٩ ]
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةِ:
أما الجواب عن الشبهة الثالثة:
وهي ما زعمه " جولدتسيهر " من أن الأمويين استغلوا أمثال الزهري، فوضعوا لهم أحاديث مثل حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» فغرضه تقويض الدعامة الأساسية التي قام عليها علم الرواية في الإسلام، وهم الرواة وأنهم قوم كانوا يتبعون هوى الخلفاء والأمراء، وإذا كان هذا حال الزهري وهو علم الحفاظ، ومن كبار العلماء الذين نشروا الحديث، على هذه الحال، فما بالك بغيره من الرواة الذين هم دون الزهري عِلْمًا وَجَلاَلَةً، ويستهويهم رضا الخلفاء، والأمراء؟ فهم قصدوا بالطعن في الزهري وأمثاله الطعن فيه بخاصة وفي الرواة بعامة وقد أكثرت القول في الرد على هذه الشبهة فيما سبق، وافترائه على هذا الحديث بأنه موضوع، وكذلك ما زعموا أنه وضع في بيت المقدس، والصخرة وبلاد الشام ولعل القارئ على ذكر منه.
***
[ ٣٠٠ ]
[(٩)]
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: وهي «الشبهة التاسعة».
الجواب عن هذه الشبهة:
(أولًا) أما ما زعمه جولدتسيهر، المستشرق اليهودي الحاقد على السُنَّةِ ورجالها وحملتها من الوضع في الأحكام التي لا تتفق هي وما يراه أهل المدينة في أحكام العبادات فهو كلام كسابقه مبني على الحدس والتخمين والتهجم والتجني، وهو كلام من لم يعرف شيئًا عن المجتمع الإسلامي في هذا العصر، أو عرف ولكنه يتجنى.
لقد كان هناك كثيرون من صغار الصحابة، وكثيرون من التابعين الذين يضحون بأنفسهم وبأعز عزيز لديهم في سبيل دينهم، والذين ما كانوا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يخشون إلا الله - ﵎ -، وما كان يمكن لخليفة أو غيره أن يتزيد في أمور الدين، أو يُغَيِّرَ منه، وهو في مأمن من غضب الناس ونقمتهم عليه، لقد كان المسلمون لهم بالمرصاد، وكانوا ينكرون عليهم بعض التغييرات التي أحدثوها في بعض العبادات مع أنهم كانوا متأولين فيما يفعلون كما ستعلم قريبا وهاك بعض الأمثلة التي تدل على شدة مراقبة العلماء للخلفاء والأمراء ومعارضتهم أشد المعارضة إذا حاولوا شيئًا مما أحدثوا.
روى الذهبي في " تذكرة الحفاظ " في ترجمة الصحابي الجليل ابن عمر - ﵄ - أَنَّهُ قَامَ، وَالحَجَّاجُ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «عَدُوُّ اللهِ اسْتَحَلَّ حَرَمَ اللهِ وَخَرَّبَ بَيْتَ اللهَ، وَقَتَلَ أَوْلِيَاءَ اللهِ»!! فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» فَقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ:
[ ٣٠١ ]
«اسْكُتْ يَا شَيْخًا قَدْ خَرِفَ» (١) وروي عنه اَيْضًا أَنَّ الحَجَّاجَ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كَلاَمَ اللهِ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَذَبَ (٢) لَمْ يَكُنِ ابْنُ الزُّبَيْر يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَدِّلَ كَلاَمَ اللهِ وَلاَ أَنْتَ».!!! فَقَالَ الحَجَّاجُ: «أَنْتَ شَيْخٌ خَرِفٌ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ عُدْتَ لَعُدْتُ» (٣). والحجاج هُوَ مَنْ هُوَ قَسْوَةً عَلَى الأَمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ ومحاولة إذلالها، وإسكات أَلْسِنَةَ الحَقِّ فيها وقد سمعت ما قاله له الصحابي ابن عمر.
فكيف يعقل أن يصبغ بنو أمية حكمهم بالوضع في الأحكام، ولا ينكر عليهم، أشد الإنكار أن الوضع في الأحكام لم يكن في هذا الوقت المبكر، إنما حدث بعد لما وجدت العصبية المذهبية، واشتدت الخلافات الفقهية ولئن كانت أحاديث الفضائل يتساهل فيها بعض العلماء، فأحاديث الأحكام أجمع العلماء على التشدد فيها وعدم التساهل فيها، لأن عليها يتوقف معرفة الحلال والحرام.
(ثانيًا) من العجيب حَقًّا أنه وقد أراد أن يؤيد افتراءه ذكر بعض مخالفات أحصيت على بني أمية، وليست في واحدة منها ما يشهد لدعواه.
أما مسألة أن رسول الله - ﷺ - كان يخطب خطبة الجمعة واقفًا، حتى جاء معاوية فخطب قاعدًا - فهذا أمر لا ينكر، ومعاوية لم يفعله إلا لعذر:
روى ابن أبي شيبة «أَنَّ مُعَاوِيَةُ - ﵁ - خَطَبَ قَاعِدًا لَمَّا كَثُرَ شَحْمُ بَطْنِهِ وَلَحْمُهُ»، وروى البيهقي في " سُنَنِهِ " «أَنَّ ضَعْفَهُ كَانَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ» وكنا نحب من هذا المتجني على الأحاديث أن يضع يدنا على حديث واحد فيه ما يبرر ذلك.
وروى البيهقي بسنده عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ
_________________
(١) " تذكرة الحفاظ ": جـ ١ ص ٣٧.
(٢) في " طبقات ابن سعد ": «كَذَبْتَ» وهي أولى.
(٣) " تذكرة الحفاظ ": جـ ١ ص ٣٧.
[ ٣٠٢ ]
اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾» الآية (١). ولم نسمع أن ابن الحكم احتج على جلوسه بحديث قط.
وأما حديث رجاء بن حيوة فلم أطلع عليه وكان عليه أن يدلنا على مرجعه في هذا، ورجاء بن حيوة من الحفاظ النبلاء ولم يتهم بوضع ولا اختلاق في الأحاديث.
وحديث جابر بن سمرة لا يدل على أنه وُضِعَ حديث بالفعل في هذا الأمر، بل هو رَدٌّ لما يحتمل أن يظنه بعض الناس من أن هذا التغيير كان له أصل في الأحاديث النبوية، أو لما يحتمل أن يفعله بعض ضعفاء الإيمان المتزلفين إلى الخلفاء والأمراء وقد يلجأ الشخص إلى مثل هذا الإسلوب لتقوية كلامه وليقطع على الخصم أن يكون لما فعلوه سندا من السنة الثابتة.
وأما خطبة العيد فقد قدمها على الصلاة معاوية وعماله، لأن الناس ما كانوا يجلسون إليهم بعد الصلاة لاستماع الخطبة، ولم يسلموا من إنكار الأمة والتشنيع عليهم بسببه ولم نسمع أن معاوية وعماله احتجوا لما فعلوه بحديث:
روى البخاري في " صحيحه " أن أبا سعيد الخدري أنكر على مروان بن الحكم وإلى المدينة من قبل معاوية تقديم الخطبة على صلاة العيد، وجذبه من ثوبه، فجذبه مروان، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «فَقُلْتُ لَهُ غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ!!»، فَقَالَ: «أَبَا سَعِيدٍ قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ»، فَقُلْتُ: «مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لاَ أَعْلَمُ»، فَقَالَ مَرْوَانُ: «نَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلاَةِ».
فها هو مروان قد اعتذر بما يراه مُبَرِّرًا لعمله، ولم يختلق حَدِيثًا أو أوعز إلى من يختلق حَدِيثًا كما زعم " جولدتسيهر " مع أن هذا كان أنسب الأوقات للاختلاق.
_________________
(١) [سورة الجمعة، الآية: ١١].
[ ٣٠٣ ]
وكذا زيادة درجات المنبر النبوي بالمدينة صيرها مروان ست درجات، وقال: إنه فعل ذلك لما كثر الناس.
وهي وجهة نظر لا غبار عليها من جهة الشرع، ولم نر مروان وضع في ذلك حَدِيثًا، الحق أني في عجب بالغ من هذا المستشرق!! يأتي بالدعوى العريضة ويستدل عليها، فيأتي بما ينقضها من أساسها.
ألا فليسمع المخدوعون بجولدتسيهر وأبحاثه ليروا كيف يكون المنطق الأعرج وكيف يكون الإدلاء بالحجة، حتى إذا عركها الباحث المنصف فإذا هي سراب في سراب.
***
[ ٣٠٤ ]
[(١٠)]
الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: وهي «الشبهة العاشرة».
والجواب عن هذه الشبهة:
[١] ما استند إليه مما ذكره أهل الجرح والتعديل في بعض الضعفاء، والكذابين، والمغفلين فهو يشهد لنا، ويرجع بالنقض على كلامه، أليس فيه أكبر حجة على يقظة العلماء المعدلين، والمجرحين، وجهادهم في نفي الدخيل على الحديث، ورد الموضوعات، وعلى دقة أنظارهم، وَبُعْدِ غورهم في النقد، حتى إنهم ليعرفون دخيلة الشخص، وطويته مهما كان ظاهره صالحًا، ومهما حاول إخفاء ما في باطنه.
ومن شروطهم التي اشترطوها في الراوي العدل أن يكون عدل الظاهر، والباطن وهؤلاء الذين ورد فيهم قول أبي عاصم النبيل - لا عاصم بن نبيل - كما زعم الطاعن وقول يحيى بن سعيد الأنصاري هم فئة متزهدة، متصوفة، لا تميز بين الحلال والحرام، وبين ما يجوز وما لا يجوز، فأجازوا! الوضع في الترغيب والترهيب، أو هم فئة غلب عليهم الزهد والتصوف عن الحفظ، والتلقي والسماع من الشيوخ، فهم يَرْوُونَ كل ما يسمعون، فيقعون في الكذب وهم لا يشعرون، ومثل هؤلاء ما كان يؤخذ عنهم الحديث وهذا الكلام إنما يسوقه العلماء للتحذير من ضرر هؤلاء المغفلين (١) والأخذ منهم، وقد ساق هذا الكلام الإمام مسلم في " صحيحه " للتثبت في رواية الأخبار، والإعراض عن روايات المتهمين، والضعفاء، فيأتي المستشرقون فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويجعلون من الفضيلة رذيلة، ومن المنقبة مذمة!!!
_________________
(١) المُغَفَّلُ: هو غير اليقظ، والذي لا يميز بين ما تجوز روايته، وما لا تجوز روايته، ولا يميز بين ما هو من حديثه وما ليس من حديثه وهؤلاء المغفلون يغلب على حديثهم الغلط، والخطأ.
[ ٣٠٥ ]
[٢] ما ذكره عن زياد بن عبد الله البكائي قد خانه فيه التحقيق، أو علم الحق ولكنه دلس وكذب على العلماء، وزياد ليس بكذاب، ولا متهم بالكذب.
قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: «لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، حَدِيثُهُ حَدِيثَ أَهْلِ الصِّدْقِ». وقال فيه الإمام أبو داود صاحب " السنن " نقلا عن ابن معين: «زيَادٌ البَكَّائِيُّ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ، ثِقَةٌ، وَكَانَ يُضَعِّفُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ أَثْبَتُ مَنْ رَوَى المَغَازِي عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ» وعبارة وكيع التي نقلها الطاعن رواها الترمذي في " كتاب النكاح " عن البخاري بسنده عن وكيع قال: «زِيَادُ مَعَ شَرَفِهِ يَكْذِبُ فِي الحَدِيثِ» ولكن الذي في " تاريخ البخاري " يخالف هذا، فقد روى بسنده عن وكيع قال: «زِيَادُ مَعَ شَرَفِهِ لاَ يَكْذِبُ فِي الحَدِيثِ» وإذا اختلف كلام الناقل والمنقول عنه فالعبرة بالمنقول عنه، ودقة البخاري في النقل مستغنية عن التنبيه، ولا سيما إذا كان هناك ما يرجح كما هنا، فزياد لم يتهم بكذب قط، كما أن الحاكم أبا أحمد ساقه في " الكنى " بإسناده إلى وكيع كما نقله البخاري، والظاهر أن رواية الترمذي سقطت منها «لاَ» (١).
وأيضا فقد روى له البخاري في - كتاب الجهاد - متابعة، وليس له في " صحيح البخاري "غيره وأخرج له الإمام مسلم في مواضع من كتابه " الصحيح " فلو كان كذابا أو متهما بالكذب لما أخرج له البخاري في المتابعات، ولما أخرج له مسلم في الأصول، وبحسب زياد توثيقًا له تخريج الشيخين له، وكفى بهما مزكيين وموثقين، على أنه إن وجد في الرواة كذابون فقد وجد أضعاف أضعافهم من الرواة الثقات العدول الضابطين.
[٣] ما حكاه عن يزيد بن هارون أن أهل الحديث بالكوفة في عصره ما عدا واحدا كانوا مدلسين حتى السفيانان ذكرا بين المدلسين فكلام يسوقه أهل الجرح
_________________
(١) " تهذيب التهذيب ": جـ ٣ ص ٣٧٥ - ٣٧٧، و" تقريب التهذيب ": جـ ١ ص ٢٣٨ [قال أبو حذيفة شرف الدين حجازي - كان الله له -: «وفي " علل الترمذي الكبير " (٢/ ٩٧٤) قال محمد - يعني ابن إسماعيل البخاري: " زياد بن عبد الله البكائي صدوق». قلت: وهذا مما يؤيد ما ذهب إليه الشيخ أبو شهبة من أن «لاَ» سقطت من طبعة " السنن " للترمذي والله أعلم].
[ ٣٠٦ ]
لِيُنْتَبَهَ إِلَى المُدَلِّسِ فلا يؤخذ عنه ما رواه بالعنعنة إلا إذا أثبت أنه سمعه من المروي عنه، على أن التدليس لَيْسَ كَذِبًا، وإنما هو الرواية بعبارة موهمة تحتمل اللقاء، وعدم اللقاء والسفيانان: سفيان بن سعيد الثوري، وسفيان بن عيينة تدليسهما من النوع المحتمل، الذي يزول بمجيئه من طريق آخر تفيد اللقاء والسماع وعلى هذا جرى أصحاب الصحاح وغيرهم في تخريج أحاديثهم وأحاديث من هم مثلهم على أن الكوفة ما هي إلا مصر من الأمصار الإسلامية أما غيرها من الأمصار فقد كان فيها الكثيرون من الرواة الذين لم يعرفوا بتدليس قط
قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه "علوم الحديث " (*) «غَيْرَ أَنِّي أَدُلُّ عَلَى جُمْلَةٍ يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْبَاحِثُ، عَنِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ دَلَّسُوا، وَالَّذِينَ تَوَرَّعُوا عَنِ التَّدْلِيسِ: وَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ وَالْحَرَمَيْنِ، وَمِصْرَ وَالْعَوَالِي، لَيْسَ التَّدْلِيسُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ وَأَصْبَهَانَ، وَبِلادُ فَارِسَ، وَخَوْزِسْتَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهَرِ لا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسَ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ».
وأما السفيانان فهما من كبار الأئمة وما أخذ عليهما ليس من النوع المرذول، فسفيان بن عيينة كان يدلس عن الثقات، وقد حكى ابن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يقبل التدليس ابن عيينة لأنه إذا دلس أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، وهذا ما رجحه ابن حبان وقال: «هَذَا شَيْءٌ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ» (١).
وأما سفيان الثوري فكان تدليسه من قبيل إبدال الاسم بالكنية أو العكس، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَدْخَلِ "، «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَامِرٍ: كَانَ الثَّوْرِيُّ يُدَلِّسُ؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: أَلَيْسَ إِذَا دَخَلَ كُورَةً يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَهَا لاَ يَكْتُبُونَ حَدِيثَ رَجُلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، وَإِذَا عُرِفَ الرَّجُلُ بِالاسْمِ كَنَّاهُ، وَإِذَا عُرِفَ بِالْكُنْيَةِ سَمَّاهُ؟، قَالَ: هَذَا تَزْيِينٌ لَيْسَ بِتَدْلِيسٍ».
_________________
(١) " شرح ألفية العراقي ": جـ ١ ص ٨٤. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) اسم الكتاب " معرفة علوم الحديث " للحاكم النيسابوري (المتوفى سَنَةَ ٤٠٥ هـ)، حققه السيد معظم حسين، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الطبعة الثانية: ١٣٨٥هـ - ١٩٦٦ م، وعن هذه الطبعة المصورة نشرته دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان. [الطبعة: الثانية: ١٣٩٧هـ - ١٩٧٧م].
[ ٣٠٧ ]
ومهما يكن من شيء فقد احتاط أئمة الحديث في قبول رواية المدلس، وجعلوا من التدليس ما يجرح به راويه كتدليس التسوية بأن يحذف الراوي الضعيف ويبقى الثقة (١) ومنه ما لم يجرح به راويه (٢) كالذي أثر عن السفيانين وبذلك ظهر أن ما تمسك به " جولدتسيهر " أوهام لا تغني عن الحق شيئًا.
_________________
(١) هذا أخطر أنواع التدليس لأنه بحذف الضعيف يصبح السند من رواية الثقة عن الثقة فربما يغتر به من لم يعلم فيصححه، ويحتج به وليس كذلك.
(٢) ومن أمثلة ذلك ما رُوِيَ عن أبي بكر بن مجاهد أحد أئمة القراء: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله يريد أبا بكر بن أبي داود السجستاني صاحب " السنن " وفيه تضييع للمروي عنه والمروي أيضًا، لأنه قد لا يتفطن له فيحكم عليه بالجهالة.
[ ٣٠٨ ]
[(١١)]
الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: وهي «الشبهة الحادية عشر».
والجواب عن هذه الشبهة:
وأما قول " جولدتسيهر ": «وقد شعر المسلمون في القرن الثاني بأن الاعتراف بصحة الحديث يجب أن يرجع إلى الشكل فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة ». إلخ.
فَرَدُّنَا عليه أن هذا الكلام من افتراءات المستشرقين، ولم نقف عليه في كلام إمام من الأئمة، ولا في كتاب من الكتب الموثوق بها، وكيف يبذلون الجهد، ويقضون العمر في معرفة الأحاديث الصحيحة، والتمييز بينها وبين الأحاديث المردودة وعلى رأسها الموضوعات، ثم يوجبون أن يكون فيما صَحَّحُوهُ ما هو موضوع مختلق مكذوب، هذا ما لا يقبله عقل!!!
وغاية ما قالوه أن الحكم على الحديث بالصحة، أو الحسن، أو الضعف إنما هو بحسب الظن الغالب وبحسب الظاهر الذي أمرنا بالحكم به، لا بحسب الواقع ونفس الأمر لجواز أن يصدق الكذوب، ويكذب الصدوق وهو تجويز عقلي، دعاهم إليه المبالغة في الإنصاف والمبالغة في التواضع، وهضم النفس، لأنه لا يعلم ما في الواقع ونفس الأمر إلا الله - ﵎ - ومع هذا فقد قطعوا بصدق أحاديث كثيرة، كما قطعوا بكذب أحاديث كثيرة، ومن اطلع على قواعد المحدثين، وشروطهم، وشرب من معينهم عللًا بعد نهل، وغاص في بحار العلم كما غاصوا يكاد يتيقن ويجزم بما حكموا بصحته أو ضعفه ومن ذاق عرف، ومن عرف اعترف.
ومن العجيب حقا أن يؤيد تجنيه على الحديث وأهله بأنهم ساعدهم على ذلك
[ ٣٠٩ ]
ما روي من الحديث المزعوم «سَيَكْثُرُ الحَدِيثُ عَنِّي فَمَا وَافَقَ القُرْآنَ فَهُوَ ِمنِّي، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ» وهو موضوع لا محالة، [أَدْرَكَ] وَضْعَهُ وَنَبَّهَ إِلَيْهِ جهابذة المحدثين والعلماء والنقاد كيحيى بن معين المُتَوَفَّى سَنَةَ ثلاث وثلاثين ومائتين، وقال: «إِنَّهُ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ»، وكذا حكم بوضعه عبد الرحمن بن مهدي المُتَوَفَّى سَنَةَ ثمان وتسعين ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة قال فيه الحافظ ابن حجر في " التقريب ": «ثِقَةٌ ثَبْتٌ، حَافِظٌ عَارِفٌ بِالرِّجَالِ وَالْحَدِيثِ» ومثل هذا الحديث في الضعف والنكارة، والاختلاق الحديث [المزعوم]:
«إِذَا حَدِّثْتُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ فَصَدِّقُوهُ، وَخُذُوا بِهِ، حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أُحَدِّثْ» قال السخاوي: رواه الدارقطني في " الأفراد " والعقيلي في " الضعفاء " وأبو جعفر بن البحتري في " فوائده " عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: وَالحَدِيثُ مُنْكَرٌ جِدًّا، وقال العقيلي: ليس له إسناد يصح، ومن طرقه ما عند الطبراني عن ابن عمر مرفوعا: «سُئِلَتِ الْيَهُودُ عَنْ مُوسَى فَأَكْثَرُوا فِيهِ، وَزَادُوا، وَنَقَصُوا حَتَّى كَفَرُوا، وَسُئِلَتِ النَّصَارَى عَنْ عِيسَى فَأَكْثَرُوا فِيهِ، وَزَادُوا وَنَقَصُوا حَتَّى كَفَرُوا، وَإِنَّهُ سَتَفْشُو عَنِّي أَحَادِيثُ، فَمَا أَتَاكُمْ مِنْ حَدِيثِي فَاقْرَءُوا كِتَابَ اللَّهِ، وَاعْتَبِرُوا، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْتُهُ، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ كِتَابَ اللَّهِ فَلَمْ أَقُلْهُ» قال: وقد سئل شيخنا يعني الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث فقال: «إِنَّهُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ لاَ تَخْلُو مِنْ مَقَالٍ»، وقد جمع طرقه البيهقي في كتابه " المدخل " وقال الصغاني: «إِذَا رَوَيْتُمْ - وَيُرْوَى (إِذَا حَدَّثْتُمْ) عَنِّي حَدِيثًا فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَإِنْ وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ وَإِنْ خَالَفَ فَرُدُّوهُ» قَالَ: «هُوَ مَوْضُوعٌ» (١).
وكذلك قال غيره في حديث «عَرْضِ السُنَّةِ عَلَى القُرْآنِ» إنه موضوع، ويكاد يجمع على ذلك العلماء العارفون بالحديث وَعِلَلِهِ والتمييز بين مقبوله ومردوده، وصحيحه وضعيفه ونحن لا نشك - ولا أي عاقل - في أن هذا الحديث الذي ذكره " جولدتسيهر " (٢) وحديث ابن ماجه «مَا قِيلَ مِنْ قَوْلٍ حَسَنٍ فَأَنَا قُلْتُهُ» موضوعان
_________________
(١) " كشف الخفاء ومزيل الألباس فيما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ": جـ ١ ص ٨٦.
(٢) " إرشاد الفحول إلى علم الأصول " للشوكاني: ص ٢٩.
[ ٣١٠ ]
مختلقان ومتونهما متناقضة متهافتة، وإن نظرة فاحصة في متن الحديثين لتدلنا أن هذا لا يصدر من معصوم فضلًا عن عاقل وكيف يتأتى من أعقل العقلاء بشهادة الموافق والمخالف والصديق والعدو أن ما لم يقله ما دام حسنًا فقد قاله؟ بل كيف يأمر بالأخذ بحديث حَدَّثَ به أو لم يحدث!؟ إن هذا للعجب العجاب.
وأما قوله: «ويمكن أن نتبين شيئًا من ذلك في الأحاديث الموثوق بها فمن ذلك ما رواه مسلم من «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلاَبِ، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ» فأخبر ابن عمر أن أبا هريرة يزيد «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» فقال ابن عمر: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَزْرَعٌهَا»، فملاحظة ابن عمر تشير إلى ما يفعله المُحَدِّثُ لغرض في نفسه».
فقد قدمت ما فيه الكفاية في الرد على أحمد أمين في هذا، وأحب من القارئ الحصيف أن يتأمل في قول جولدتسيهر فملاحظة ابن عمر الخ، وقول المتابع له أحمد أمين في قوله: " فهذا نقد من ابن عمر لطيف " (*) لترى مقدار متابعة بعض الكُتَّابِ والباحثين المسلمين للمستشرقين وحذوهم لهم حذو الفعل بالفعل، ومن دهاء أحمد أمين في البحث أنه لا يستعلن، ويغلف السم بالدسم.
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) قول أحمد أمين مقلدًا فيه جولدتسيهر: «وهو نقد من ابن عمر لطيف في الباعث النفسي»، انظر صَفْحَتَيْ: ٢٦٥ و٢٦٧ من هذا الكتاب.
[ ٣١١ ]
[(١٢)]
الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: وهي «الشبهة الثانية عشر».
والجواب عن هذه الشبهة:
[١] يظهر لي أن هذا المستشرق الذي تابعه على أفكاره وآرائه الخاطئة معظم المستشرقين - قرأ في كتب المحدثين ولكن لم يجد القراءة، وقذف بنفسه في بحر السُنَّةِ الواسع حتى كاد أن يبتلعه اليم، فصار يسبح على غير هُدًى، ويضرب ذات اليمين، وذات الشمال يحاول أن يصل إلى بر السلامة، وما هو بمستطيع.
ولئن أصاب المستشرقون في بعض المباحث الأدبية فما أكثر خطأهم حين يبحثون في السُنَّةِ، وإذا كان علماء الإسلام المشتغلين بالحديث اليوم ممن وضعوا العلوم الإسلامية من لدن نشأتهم لا يصلون إلى بعض الحقائق المتعلقة بالحديث إلا بعد طول الدرس والبحث واستفراغ الوسع فما بالك بهؤلاء الغرباء عن الإسلام وعلومه حينما يتعرضون للبحث في الحديث، فإذا اجتمع إلى ذلك خُبْثُ الطَّوِيَّةِ، وسوء الغرض من دراساتهم الإستشراقية وحرصهم على النيل من القرآن ومن السُنَّةِ تكون النتيجة كثرة الأغلاط والأخطاء في بحوثهم منها ما هو عن عمد وتحريف للكلام عن مواضعه، ومنها ما هو عن جهل، وقصور في العلم والمعرفة.
إن هذه الصحف المنسوخة التي وجدت محتوية على جملة من الأحاديث قد أعارها العلماء المحدثون اهتمامهم، وَبَيَّنُوا الصحيح من الضعيف، والموضوع منها من غير الموضوع، وقد نَبَّهَ العلماء إلى النسخ الموضوعة المكذوبة، وذلك مثل نسخ أبي هدبة، ودينار، والأشج، ونسطورا، ويسر، ونعيم وغيرها.
ومن النسخ التي اكتسبت عناية المحدثين صحف تحديد أنصبة الزكاة وبيان المخرج منها التي وجدت مكتوبة عن رسول الله - ﷺ - أو اكتتبها خلفاؤه من بعده،
[ ٣١٢ ]
فقد قالوا في كتاب الخليفة الأول أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - الذي وجه به أنس بن مالك إلى البحرين والذي اعتمد فيه على ما فرضه رسول الله - ﷺ -: إنه أصح الكتب وفيه أنصبة الإبل والغنم.
قال الإمام أبو محمد بن حزم الأندلسي في هذا الكتاب: «هَذَا الكِتَابُ فِي غَايَةِ الصِحَّةِ عَمِلَ بِهِ الصِدِّيقُ بِحَضْرَةِ العُلَمَاءِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ» وقد أخرج حديث هذا الكتاب أحمد، والبخاري، والنسائي، وأبو داود، والدارقطني وقال: هذا إسناد صحيح رواته كلهم ثقات وكذا رواه الشافعي والبيهقي والحاكم، واختلفوا في صحة رواية الزهري عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله - ﷺ - قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفاه الله، فأخرجها أبو بكر من بعده، فعمل به حتى توفي رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن.
وقد ورد مُرْسَلًا، قال الزهري: «هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَتَبَهُ فِي الصَّدَقَةِ، وَهِيَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَهِيَ الَّتِي انْتَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَالِمِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ»، وقد سئل عنه البخاري فقال: «أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا» ونقل عن ابن معين تضعيفه للحديث.
فكيف يقال: إنهم لم يبحثوا عن صحة الصحف، ولا عن مصدرها؟!
[٢] أحاديث زكاة البقر:
وأما أحاديث زكاة البقر التي حاول أن يشكك فيها، وأنه لم يكن للعلماء أن يستخلصوا منها نِصَابًا للدفع - كما زعم - فهي مروية في الكتب المعتمدة ففي " منتقى الأخبار " عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلاَثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةُ». الحديث رواه الخمسة، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ، أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أُصَدِّقُ (١) أَهْلَ
_________________
(١) المُصَدِّقُ: بفتح الصاد وتشديد الدال المكسورة: وهو آخذ الصدقات والعامل عليها وأما المُصَّدِّقُ بتشديد =
[ ٣١٣ ]
اليَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلاَثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً». الحديث رواه أحمد وكذا أخرجه ابن حبان وصححه، والدارقطني وصححه اَيْضًا من رواية أبي وائل عن مسروق عن معاذ، وأكثر العلماء على تصحيح هذه الروايات، وتصحيح هذه النسخ.
وخالف بعضهم كابن حزم، فحكم بالانقطاع وقال: «إِنَّ مَسْرُوقًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ»، وقد بالغ في تقرير ذلك.
وحكى الحافظ ابن حجر عن عبد الحق أنه قال: " في زكاة البقر حديث متفق على صحته " يعني في النصب
وقال ابن عبد البر في " التمهيد " في حديث معاذ: «إسْنَادُهُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ ثَابِتٌ» وقال في " الاستذكار ": وَلاَ خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ [عَلَى] مَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ [هَذَا] وَأَنَّهُ النِّصَابُ [الْمُجْتَمَعُ] عَلَيْهِ [فِيهَا]» (١).
فلماذا نغلب قول ابن حزم بالانقطاع على أقوال هؤلاء الحاكمين على حديث معاذ بالصحة والاتصال؟!
ولو سلمنا الانقطاع، فانقطاع السند شيء، وكون الحديث موضوعًا شيء آخر، فكيف يبني هذا المستشرق الحكم بالوضع على الاختلاف في رواية بالصحة وعدمها؟ على أن هذه الرواية إن كان قد وقع فيها الاختلاف في الحكم بالصحة أو الضعف فهناك غيرها من الروايات التي صحت في أنصبة زكاة البقر، وكان القول بصحتها موضع اتفاق.
وروى البيهقي في " سننه " بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ، وَالسُّنَنُ، وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَقُرِئَتْ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، وَهَذِهِ نُسْخَتُهَا الحديث.
_________________
(١) = الصاد وكسر الدال المشددة فهو مُعْطِي الصدقة، وأصله المتصدق قلبت التاء صادًا وأدغمت الصاد في الصاد.
(٢) " نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ": جـ ٤ من ص ١٨٢ - ١٩٢، طبعة منير الدمشقي.
[ ٣١٤ ]
وفيها زكاة الإبل، والبقر، والغنم.
وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل عن حديث الصدقات هذا، فقال: «أَرْجُو أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا» وعدم الجزم بالصحة في هذا نوع من ورع الإمام أحمد ومن بعد ذلك كله فهل يليق بباحث أن يأخذ من اختلاف العلماء في صحة جملة من الأحاديث أو عدم صحتها أو اختلافهم في الاعتماد على نسخة أو عدم الاعتماد - هذا الحكم الجائر، وهو أن العصر الأول كان مطبوعًا بطابع الوضع ومما ينبغي أن يعلم اَيْضًا أن هناك فرقا بين الحكم على الحديث بعدم الصحة وبين كونه موضوعًا فقد يكون الحديث غير صحيح، ولكنه حسن أو ضعيف، ولكنه لا يصل إلى حد الوضع.
[٣] يظهر لي أن " جولدتسيهر " ظن أن الاعتماد في هذه الكتب والنسخ على الكتاب فقط وهو زعم غير صحيح فقد ثبتت هذه الكتب بالروايات الصحيحة المتصلة كما بينت آنِفًا وكتاب أبي بكر - ﵁ - في الصدقات رواه البخاري بسنده عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسا حدثه «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - كَتَبَ لِي هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ » الحديث، وفي رواية الزهري السابق «أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا» فالعمدة على التلقي، والرواية لا على وجدانها مكتوبة.
ولست أدري أي ضير في الرجوع إلى وصايا مكتوبة ما دام شرط الوثوق بها متوافرًا، وما دامت تلقيت بالرواية عن الثقات، ولكي يؤثر جولدتسيهر في القارئ الذي لا ضلع له في العلم بالسنة ينظر بحلف عرب الشمال والجنوب وسرعة تصديق الناس له، وما درى أن الحلف بين عرب الشمال والجنوب ليست له من الأهمية في الدين والعلم بالحلال والحرام مثل ما للعلم بالزكاة وأنصبتها، فالسنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع وبالعلم بها يعلم الحلال والحرام، فلا عجب إذا حلت من نفوس المسلمين المحل الممتاز اللائق، فقياس صحف الحديث على الصحيفة التي اشتملت على هذا الحلف قياس مع الفارق الكبير.
***
[ ٣١٥ ]
«وَبَعْدُ»:
فما رأي القارئ الحصيف المنصف بعد هذه الردود الطويلة بعد ما ظهر له أن هذا الثوب الذي حاكه «جولدتسيهر» حول السُنَّةِ ثوب مهلهل، لا يقوى أمام البحث الصحيح الذي لا يتحيف على أحد، ولا يتجنى على أحد وإذا كان شُبَهُهُ كما ترى من الضعف والهلهلة، ولا تزيد عن كونها افتراضات وتخيلات، وتخمينات فقد بطل ما ذهب إليه من أن الحديث إنما هو نتيجة للتطور الديني والسياسي، والاجتماعي عند المسلمين.
وثبت ما ذهبنا إليه من أن الحديث النبوي الشريف قام على أسس ثابتة ودعائم قوية، وأنه صورة صادقة للإسلام في عهده الأول: عهد النبوة، لأنه إما أقوال وإما أفعال، وإما تقريرات للنبي - ﷺ -، أَوْ وَصْفٌ خَلْقِيٌّ، أَوْ خُلُقِيٍّ، أو إن شئت فقل هو صورة صادقة أمينة لسيرة النبي - ﷺ - بمعناها الشامل للعقيدة، والشريعة والآداب والأخلاق الإسلامية والمغازي والسرايا التي قام عليها نشر الإسلام، ودعوة الملوك والأمراء في العالم المعروف حينئذ إلى الدخول في الإسلام، ولسير أصحابه الغر الميامين فالقرآن الكريم والسنة النبوية بمعناها العام الشامل هما الوثيقتان الصادقتان الدالتان على الإسلام في عهده الأول: عهد النبي - ﷺ -، أما الوثيقة الأولى: فقد ثبتت في جملتها وتفصيلها بالتواتر المفيد للقطع واليقين، وأما الوثيقة الثانية: فقد نقلت إلينا بأدق وأوثق طرق النقل الصحيح كما تبين ذلك وَاضِحًا جَلِيًّا مما ذكرناه في هذه الدراسات الأصيلة والتي سيكون منها هذا الكتاب الذي أرجو أن يكون ذُخْرًا لي عند الله - ﵎ -.
فقد نقل الحديث بأنواعه عن النبي - ﷺ - الصحابة العدول الثقات البالغون الغاية في الضبط، وعن الصحابة حمله التابعون، وعن التابعين حمله تابعو التابعين وهكذا
[ ٣١٦ ]
حتى لم ينته القرن الثالث الهجري إلا والأحاديث والسنن مدونة في الصحاح، والمسانيد، والسنن، والجوامع، والمعاجم وغيرها، لذلك لا يسعني إلا أن أقول إن الكثرة الكاثرة من الأحاديث ثابتة، والقليل منها مختلق موضوع وقد بين العلماء كل ذلك وكان هذا مصداقا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
_________________
(١) [سورة الحجر، الآية: ٩].
[ ٣١٧ ]
نَظَرِيَّةُ المُسْتَشْرِقِينَ المُعَاصِرِينَ فِي الحَدِيثِ:
وقد أحسن مؤلف كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي " فذكر لنا نظرية المستشرقين المعاصرين في الحديث، فقال في ص ١٣١ وما بعدها: «وقد سادت في العصر الحديث في أوساطهم نظرية أخرى تخالف النظرية الأولى، وتتفق في نتيجتها مع وجهات النظر الإسلامية:
يقول " فينك " في بحث له عند الدور الذي قام به أهل الحديث بعد أن ذكر جهود المحدثين في دراسة الحديث ونقده: " إذا لم يستطع النقاد المسلمون لأسباب داخلية، وخارجية أن يميزوا كل الأجزاء غير الصحيحة من الحديث فإنه ليس من الحق أن نسلبهم كل الثقة، وذلك أن الحديث الإسلامي يحتوي على أساس صحيح، والرأي القائل بأن الحديث ليس إلا من وضع أهل القرنين الأول، والثاني، وأنه لا يدل إلا على ما صورته الأجيال الإسلامية لعصر الرسول وأصحابه، هذا الرأي يجهل كل الجهل ما لشخصية الرسول من تأثير كبير في المسلمين، والجهود التي تحاول إبطال آثار الرسول التاريخية في السنة والحديث، إنما جاءت من فهم تاريخي مادي، وهذا الفهم اَيْضًا لا يريد أن يتبين ما في القرآن من أمور إلهية اعتقادية ويرى أن ذلك يستقصى من آلاف الصور والمثل، والتأثيرات المختلفة والاختلاط بالشعوب الأخرى وغير ذلك، مما يؤدي في آخر الأمر إلى أن يكون تراث الإسلام مختلف الأشكال والألوان لا بصور رابطة متماسكة.
وهذه الأبحاث التي تقوم على مثل هذا النظر، وتدور حول هذه الفكرة، والتي يؤخذ منها «أن كل حديث فقهي موضوع حتى تقوم البينة على خلاف هذا» تكون نتيجتها الأخيرة فتح باب للشك لا نهاية له على أساس الفرض، والظن، وحينئذ لا يمكن أن نعتبر نَقْدًا ما، لأمر صحيح عام معتبر.
ومع هذا فكيف اتفق هؤلاء اتفاقًا عًَاّما في الأمور التي لا تتفق مع الرسول ومكانته مثل ما نراهم يتفقون على هذه المسألة المتناقضة تناقضًا قَوِيًّا، وهي مسألة
[ ٣١٨ ]
الغرانيق (١) في الوقت الذي نراهم يشكون فيما عداها.
والراوون المسلمون لا يعدون متعصبين لجانب واحد، هؤلاء الذين يروون مثل أن الرسول قال: «أَهْدَيْتُ لِلْعُزَّى شَاةً عَفْرَاءَ وَأَنَا عَلَى دِينِ قَوْمِي» ويروون أن الرسول سمى أبناءه عبد العزى، وعبد مناف، والقاسم، ومثل كتابه لعبد الله بن جحش عند تل نخلة.
ثم هذه الأخبار التي تتناول بيت الرسول وأموره الشخصية مثل: قصة زينب بنت جحش، ومسألة الإفك، ومسألة حفصة، التي نجدها في كتب الحديث المعتمدة مما لا تقوم الحجج من أولئك ضد صحتها فإذا ما اعترف مَبْدَئِيًّا بأن الحديث فيه جزء صحيح فإنه يكون من قبيل الرأي الباطل أن يعترف هذه الأمور القليلة التي رواها المحدثون مما لا يتناسب مع الرسول - صحيحة، وأن ما عدا ذلك كله على عكس هذا حتى يقوم الدليل على صحته!!!
وفي الحق أن الاتفاق القويم في شكل حياة المسلمين في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل قطر وبلد هو خير دليل على أن التحديث الذي دار حول التمسك بالسنة في كل وقت، وجعل ذلك غايته التي لا تتحول، ليس مَبْنِيًّا على الأفكار المتناقضة التي ساقتها الظروف وجمعتها الأجيال المتأخرة.
ثم ذكر " فينك " بعض الأخطاء المشهورة التي وقع فيها جولدتسيهر، وأتباعه المتعصبين ونقدها نَقْدًا صَحِيحًا وخطأهم فيما ذهبوا إليه (٢).
_________________
(١) هي قصة مختلقة اختلقها الزنادقة وأعداء الإسلام وخلاصتها: أن النبي - ﷺ - قرأ سورة النجم بمكة فلما بلغ قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [سورة النجم، الآيتان: ١٩، ٢٠]، ألقى الشيطان على لسانه «تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى»، ولم ينتبه النبي - ﷺ - ولا المسلمون حتى نبهه جبريل إلى ما كان، وهي قصة باطلة عقلًا ونقلًا، ومن أراد معرفة ذلك فليقرأ ما كتبته في " السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة " ج ١ من ص ٣٧٥ - ٣٨٧ ففيها ما يشبع ويقنع (*). وقد بلغ من عدم أمانة المستشرق الفرنسي «بلاشير» (*) صاحب ترجمة للقرآن أنه دس هذا الكذب في النص القرآني عند ترجمته سورة النجم، وهذا مع كونه لا أمانة فيه هو كذب صراح على الله، ودس سمح رخيص مكشوف من «بلاشير».
(٢) " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي " من ص ١٣١ - ١٣٦. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، محمد أبو شُهبة: ص ٢٣٦، الطبعة الثامنة: ١٤٢٧ هـ، نشر دار القلم - دمشق. وانظر اَيْضًا: " رد شبهات حول عصمة النبى ﷺ فى ضوء السنة النبوية الشريفة "، عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى، ص ١٠٥. (**) ريجيس بلاشير (Régis Blachère) م (١٣١٨ - ١٣٩٣ هـ=١٩٠٠ - ١٩٧٣ م) من أشهر مستشرقي فرنسا في القرن العشرين ومن أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق. ولد في مونروج Mont rouge (من ضواحي باريس). تعلم العربية في الدار البيضاء (بالمغرب الأقصى) وتخرج في كلية الآداب في الجزائر (١٩٢٢م). عُيِّنَ أستاذًا في معهد الدراسات المغربية العليا في الرباط (١٩٢٤ - ١٩٣٥م) وانتقل إلى باريس محاضرا في السوربون (١٩٣٨م)، فمديرًا لمدرسة الدراسات العليا العلمية (١٩٤٢م) وأشرف على مجلة "المعرفة" الباريسية، بالعربية والفرنسية. وألف بالفرنسية كتبا كثيرة ترجم بعضها إلى العربية، ونجح في فرض تدريسها في بعض المعاهد الثانوية الفرنسية. من كتبه:
(٣) ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية في ثلاثة أجزاء، أولها مقدمة القرآن الكريم. ثم نشر الترجمة وحدها في عام ١٩٥٧م ثم أعيد طبعها عام ١٩٦٦م.
[ ٣١٩ ]
«التَّعْلِيقُ عَلَى كَلاَمِ فِينِكْ»:
وفي الحق أن كلام " فينك " ومن وافقه يعتبر تَحَوُّلًا مهما في تاريخ الاستشراق، فبعد أن سادت نظرية " جولدتسيهر " التي وافقه عليها الكثيرون من المستشرقين حقبا من الزمان وجدنا من المستشرقين أنفسهم كـ " فينك " من يرد عليهم ويبطل نظريتهم في الحديث والمحدثين ويصدع بما هو الحق في الحديث، وهو أنه قام على أسس ثابتة ودعائم قوية تضرب في القدم إلى عهد النبوة وأنه ليس نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي كما زعم " جولدتسيهر " وفي الحق اَيْضًا أن ما قاله " فينك " وموافقوه يعتبر أقرب النظريات إلى الحقيقة التي صدع بها العلماء المسلمون ولا سيما المحدثون، وأنه يلتقي معها في النتيجة والغاية، أقول:
ومن الملاحظات الدقيقة التي لاحظها فينك على معظم المستشرقين أنهم اتفقوا على تصحيح قصة الغرانيق، وهي من أبطل الباطل، وأمحل المحال لأن فيها إِخْلاَلًا بعصمة النبي - ﷺ -، وَطَعْنًا في نبوته - ﷺ - على حين نجدهم يحكمون بالوضع أو يشككون على الأقل في أخبار صحيحة بل هي من أصح الصحيح كما زعموا في الحديث المتفق عليه «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» رواه البخاري ومسلم.
أقول: وهكذا الشأن في معظمهم أنهم يصححون الموضوع ويضعفون الصحيح ولا حامل لهم في هذا وذاك إلا الهوى والتعصب، والاستجابة للحقد الدفين في نفوسهم على الإسلام وعلى نبي الإسلام، وعلى القرآن الكريم، وعلى السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
ومن الملاحظات الدقيقة اَيْضًا في كلام " فينك ": أن الرواة المسلمين لا يعدون متعصبين لجانب، فهم كما يَرْوُونَ الأحاديث الدالة على عصمة الرسول عن كل ما يخل بالنبوة وبالتوحيد يَرْوُونَ كذلك الأحاديث التي قد يكون فيها خدش للعصمة ولمقام النبي - ﷺ - ولو أنهم اقتصروا على القسم الأول لما كان عليهم ضير، ولكنها الأمانة الفائقة في النقل وعدم إخفاء شيء من الروايات حتى لو كان فيه مساس
[ ٣٢٠ ]
بالعقيدة الصحيحة أو فيه ما يخل بالعصمة.
ولكن ليس معنى هذا أنهم يَرْوُونَ وَلاَ يُبَيِّنُونَ درجة ما يرون من الصحة أو الحس أو الضعف، أو الوضع كَلاَّ وَحَاشَا، إنهم يَرْوُونَ وَيُبَيِّنُونَ، أو يبين ذلك غيرهم من العلماء المحدثين فقد أجمع العلماء المحدثون وغيرهم على أن الحديث الموضوع لا يروى إلا مقترنًا ببيان وضعه، وإلا كان راويه العارف آثِمًا غاية الإثم.
" حديث موضوع بإجماع أهل العلم ":
ومما ينبغي أن يعلم أن الحديث الذي ذكره في أثناء كلامه وهو:
«أَهْدَيْتُ لِلْعُزَّى شَاةً عَفْرَاءَ وَأَنَا عَلَى دِينِ قَوْمِي» وجعل مرجعه فيه كتاب " الأصنام " للكلبي: ص ١٩ " حديث مختلق موضوع بإجماع أهل العلم بالحديث.
وهو يحمل في ثناياه دليل وضعه، فقد كانت حياته - ﷺ - قبل البعثة فَضْلًا عما بعدها أمثل حياة عرفتها الدنيا: عقيدة وشريعة، وَعِلْمًا، وَعَمَلًا، وأخلاقًا وسلوكًا، هذا إلى قيام الأدلة العقلية والنقلية على استحالة ذلك، وقد ذكر هذا الحديث المزعوم المختلق " درمنغم " (*) في كتابه: " حياة محمد " (١) وهو تصديق لما ذكرت من أنهم يصححون الضعيف والموضوع ما دام ذلك يصادف هوى في نفوسهم ومثل ذلك ما روى زُورًا وَكَذِبًا أن النبي - ﷺ - قد تمسح بالصفراء (٢) وقد أخطأ محمد حسين هيكل خطأ بَيِّنًا حينما أورد ذلك في كتابه: " حياة محمد ".
ومثل ذلك ما روى كَذِبًا وَزُورًا " أنه - ﷺ - كان يشهد مع المشركين مشاهدهم فهذه وأمثالها من البلايا والطامات التي اشتملت عليها بعض الكتب التي لا يعتمد عليها في الرماية، وجاء بعض المستشرقين والذين تابعوهم من الكتاب المسلمين فنقلوها في كتبهم من غير تمحيص، وتحقيق.
وما بغض إلى النبي - ﷺ - شيء ما بغض إليه عبادة الأصنام حتى التمسح بها
_________________
(١) " حياة محمد " لدرمنغم، ترجمة عادل زعيتر: ص ٢٠.
(٢) الصفراء صنم كان في الجاهلية. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) درمنجم (درمنغهام) Dermenghem، E. مدير مكتبة الجزائر. آثاره: بمعاونة محمد الفاسي: قصص من فاس، وقصص جديدة من فاس (باريس ٢٨)، وله: " حياة محمد "، وهو خير ما صنفه مستشرق عن النبي، ويرجع إليه -١٩٢٦ علماء المسلمين (باريس ١٩٢٩، والطبعة الثانية ١٩٥٠ وقد نقله إلى العربية الأستاذ عادل زعيتر و" قصص القبيلة " (١٩٤٥)، و" أروع النصوص العربية " (باريس ١٩٥١)، و" تكريم أولياء الإسلام في المغرب " (باريس ١٩٥٤)، و" محمد والسنة الإسلامية " (باريس ١٩٥٥)، و" سيرة الأولياء المسلمين " (الجزائر ١٩٥٦) وغيرها [انظر " معجم أسماء المستشرقين "، يحيى مراد، ص ٥٠٨، الطبعة بدون تاريخ، كتب عربية].
[ ٣٢١ ]
كان يبغضه غاية البغض وينهى من يتمسح بها عن ذلك.
رَوَى البَيْهَقِي بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: «كَانَ صَنَمٌ مِنَ النُّحَاسٍ يُقَالُ لَهُ إِسَافُ، وَصَنَمٌ يُقَالُ لَهُ نَائِلَةُ، تَمَسَّحُ بِهِمَا الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا. فَطَافَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لاَ تَمْسُّهُ»، قَالَ زَيْدٌ فَطُفْنَا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لأَمُسَنَّهُ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَكُونُ فَمَسَحْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَلَمْ تُنْهَ» قَالَ زَيْدٌ: فَوَالَّذِي أَكْرَمَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ مَا اسْتَلَمَ صَنَمًا قَطُّ حَتَّى اللهُ تَعَالَى بِالذِي أَكْرَمَهُ بِالَّذِي أَكْرَمَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ.
" حديث موضوع آخر بإجماع أهل العلم ":
وأما الحديث الآخر الذي ذكر المستشرق المنصف " فينك " للاستدلال به على أن الرواة المسلمين غير متعصبين لجانب واحد: أنهم يَرْوُونَ «أَنَّ الرَّسُولَ - ﷺ - (١) سَمَّى أَوْلاَدَهُ عَبْدَ العُزَّى، وَعَبْدَ مَنَافٍ، وَالقَاسِمَ» فهو حديث موضوع بإجماع أهل العلم بالحديث، وفي سنده الهيثم بن عدي الطائي أبو عبد الرحمن المَنْبِجِيِّ (٢) ثم الكوفي قال فيه البخاري: «لَيْسَ بِثِقَةٍ كَانَ يَكْذِبُ» وروى عباس عن يحيى «لَيْسَ بِثِقَةٍ كَانَ يَكْذِبُ» وقال أبو داود: «كَذَّابٌ» وقال ابن عدي: «مَا أَقَلَّ مَا لَهُ مِنَ المُسْنَدِ، إِنَّمَا هُوَ صَاحِبُ أَخْبَارٍ».
أقول: ومعظم [الإخباريين] يَرْوُونَ الغث والسمين، ولا يميزون بين الحسن والضعيف لأن همهم جمع الأخبار، فهم كحطاب ليل (٣) وعلماء الحديث إذا قالوا: فلان إخباري يعنون أنه ليس من أهل الحديث الذين يوثق بهم، ويعتمد عليهم.
وقال النسائي: «الهَيْثَمُ مُنْكَرُ الحَدِيثِ وَالذِي رَوَى فِي تَسْمِيَةِ أَوْلاَدِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - مُحَالٌ أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -
_________________
(١) الصلاة والسلام مني لا من فينك وضعتها بين شرطتين.
(٢) مَنْبِجِي كمجلس - بفتح الميم وسكون النون، وكسر الباء الموحدة آخر جيم بلد ببلاد الشام.
(٣) وذلك لأن حاطب الليل لا يميز بين الغث والسمين، والنافع والضار وقد يضع يده على عقرب فتلدغه.
[ ٣٢٢ ]
وَسَلَّمَ -» ثم قال: «وَقَدْ رَوَاهُ الهَيْثَمُ عَنْ هِشَامِ بْنَ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ وَهَذَا مِنْ افْتِرَاءِ الهَيْثَمِ عَلَى هِشَامٍ وَاللهُ أَعْلَمُ».
وقال أبو حاتم: «مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، مَحَلُّهُ الوَاقِدِي» يعني في الضعف وكونه متروك الحديث، وقال العجلي «كَذَّابٌ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ» وقال يعقوب بن شيبة «كَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأُمُورِ النَّاسِ وَأَخْبَارِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الحَدِيثِ بِالقَوِيِّ وَلاَ كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي صِدْقِهِ»، وقال الساجي: «سَكَنَ مَكَّةَ. وَكَانَ يَكْذِبُ» وقال الإمام أحمد: «وَكَانَ صَاحِبَ أَخْبَارٍ وَتَدْلِيسٍ»، وقد ذكره ابن السكن، وابن شاهين، وابن الجارود، والدارقطني في الضعفاء.
وَكَذَّبَ الحديث لكون الهيثم تكلم فيه جماعة منهم الطحاوي في " مشكل الحديث " والبيهقي في " السنن " والنقاش، والجوزجاني، فيما صنفا من الموضوعات وغيرهم وكانت وفاة الهيثم سَنَةَ ست ومائتين كما ذكر المسعودي في " مروج الذهب " وقيل كانت وفاته سَنَةَ سبع ومائتين (١) فهل يشك أحد بعد كل ما قدمنا أن هذا الحديث مختلق موضوع مكذوب؟.
وأما قول " فينك " «وإذا لم [يَسْتَطِعْ] النُقَّادُ المسلمون لأسباب داخلية وخارجية أن يميزوا كل الأجزاء غير الصحيحة من الحديث فإنه ليس من الحق أن نسلبهم كل الثقة، ذلك أن الحديث الإسلامي يحتوي على أساس صحيح» فلست على وفاق معه في هذا، فما من رواية رويت إلا وَبَيَّنَ العلماء درجتها من الصحة أو الحسن أو الضعف، والوضع ولكن الوقوف على ذلك يحتاج إلى صبر وأناة وإلى طول بحث وقراءة، وليس أدل على هذا من أن الكتب المتكاثرة التي ألفت في بيان الحديث الصحيح، والكتب المتكاثرة في بيان الأحاديث الحسان، والكتب المتكاثرة في بيان الأحاديث الضعاف، والكتب الكثيرة التي ألفت في بيان الأحاديث الموضوعة ولكن استيعاب ذلك والوقوف عليه يحتاج إلى صبر وأناة طويلين.
_________________
(١) " لسان الميزان " للحافظ ابن حجر: جـ ٦ ص ٢٠٩، ٢١٠.
[ ٣٢٣ ]
وقد سبق أَنْ بَيَّنْتُ في الردود السابقة السبب في أن المحدثين لم يبالغوا في نقد المتن مثل ما بالغوا في نقد الأسانيد وأنهم لم يتوسعوا في الأول مثل ما توسعوا في الثاني، وأن العلماء النقاد المحدثين كانوا على حق في اتئادهم وحذرهم في نقد المتون لأن المتن قد يكون من الأحاديث المتشابهة، وقد يكون المتن من الأسرار التي أظهرها الله فيما بعد، وقد يكون المتن من قبيل المجاز لا من قبيل الحقيقة إلى غير ذلك من الوجوه التي ذكرتها.
ونرجو بفضل الله ثم جهود العلماء المسلمين في الحاضر، رد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين الذين نصبوا من أنفسهم أَبْوَاقًا لَهُمْ، ونشاط العلماء المحدثين في خدمة السنن والأحاديث أن يفيء الكثيرون من المستشرقين من تلاميذ " جولدتسيهر " إلى كلمة الحق في هذا الموضوع الهام والخطير الذي يتعلق بالأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام وهي السنن والأحاديث النبوية.
وأن يسلموا بالحق الظاهر الواضح، وأن يصدعوا به كما صدع " فينك " وموافقوه في هذا، وهو أن الأحاديث النبوية قامت على أصول ثابتة وأسس راسخة ترجع إلى عصر النبوة، وليست نتيجة للتطور الديني، والسياسي والاجتماعي.
والله الموفق والمعين.
***
[ ٣٢٤ ]
نِهَايَةُ المَطَافِ:
وهذه الشبهات هي بعض ما وقفت عليه في " دائرة المعارف الإسلامية " التي ألفها المستشرقون ومعظمهم متعصبون وحاقدون على الإسلام والمسلمين، وفي " كتب المستشرقين " التي ترجمها العارفون باللغات التي ألفت بها، وفي " كتب الباحثين والمؤلفين المسلمين " الذين تابعوا المستشرقين في معظم ما قالوا، أو في بعض ما زعموا.
وهناك شُبَهٌ أخرى لم أقف عليها ولكني لن أكتفي بما قدمت، وسأجد وَأُغِذُّ السير (١) في البحث حتى أقف عليها وأرد على ما فيها مما فيه نيل من السٌنَّةِ وَالحَدِيثِ وأهله حتى يكون من هذا الكتاب، ومما سيجد ديوان حافل يستوعب كل ما قاله أعداء السنن والأحاديث من طعون فيها، مقرونة بالرد عليها رَدًّا عِلْمِيًّا صَحِيحًا فقد أخذت على نفسي من عهد الطلب أن أنصب من نفسي مدافعًا ومنافحًا عن الأصلين الشريفين: القرآن الكريم، وَالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
وهذا النوع من الجهاد من أعظم أنواع الجهاد في الإسلام، وإذا كنا في حاجة إلى ذلك في القديم والإسلام هو المسيطر على معظم العالم، وله السيادة التامة في الأرض - فنحن اليوم أشد حاجة إلى هذا اللون من الجهاد الواجب وفي الحديث المروي عن النبي - ﷺ -: «جَاهِدُوا [الْمُشْرِكِينَ] بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» رواه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح، والنسائي، وابن حبان والحاكم.
فقد تكالبت قوى الشر اليوم على المسلمين من كل جانب، وكشروا عن أنيابهم الحادة الشرسة، وكثيرًا ما يختلف الكفار فيما بينهم، ويحاول كل منهم إهلاك الآخر بشتى الوسائل، وليس أدل على ذلك مما هو قائم اليوم من خلاف بين المعسكرين: المعسكر الغربي المسيحي اسمًا، والمعسكر الشرقي الشيوعي
_________________
(١) يقال: [أغَذَّ] السَّيْرَ إذا أسْرَعَ. " القاموس ". [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: انظر " القاموس المحيط "، الفيروزآبادى (المتوفى: ٨١٧هـ): ١/ ٣٣٦، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، الطبعة: الثامنة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م، نشر مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان.
[ ٣٢٥ ]
اللاديني، وقد يهادن بعضهم بعضًا ريثما يوقع به الهزيمة والهلاك والدمار.
ولكن إذا كان الأمر متعلقًا بالإسلام والمسلمين فالكل سواء في عداوة الإسلام والمسلمين، وهذا ما يصدقه الواقع اليوم، وإذا كان بعضهم يتودد إلى المسلمين فلأجل مصالحهم، ومنافعهم الدنيوية.
وقد كنا نحفظ من كلام علمائنا الصادقين الأخيار الكبار: «إِنَّ الكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ» نعم - والله - إن الكفر ملة واحدة، وما أصدقها من كلمة ألقاها الله - ﵎ - على لسان أسلافنا العلماء الأبرار.
ويحاول بعض ضعفاء المسلمين اليوم ممن صنعهم الغرب أو الشرق على يديه أن يتملصوا من هذه الكلمة، ويعتبرونها من آثار التعصب، وما هي - عَلِمَ اللهُ - من التعصب في شيء، وإنما هي الحقيقة الصادقة والواقع الحق.
وليس أدل على ذلك مما وقع في فلسطين السليبة، فلولا الإنجليز وأعوانهم لما كان لليهود وجود في فلسطين وهم الذين مَكَّنُوا لهم من احتلالها، ولما قامت هذه الدويلة التي صنعها الإنجليز كان أول من اعترف بها روسيا الشيوعية فهل بعد ذلك يشك شاك في أن الكفر ملة واحدة؟!!.
وإذا كان الله أخذ الميثاق على العلماء من قديم الزمان أن يبينوا الحق ولا يكتموه وأن يجاهدوا في سبيل الحق وإزهاق الباطل فهذا البيان أوجب وأوجب على العلماء المسلمين الذين تكالبت على ديارهم، وعلى دينهم، وعلى كتابهم، وسنة نبيهم - ﷺ - دول الكفر والبغي، والعدوان.
فليشمر العلماء المسلمون فِي كُلِّ قُطْرٍ وَمِصْرٍ عن سواعدهم في سبيل إظهار محاسن دينهم، وشريعتهم، والدفاع عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولنقابل باطلهم بحقنا وسفسطاتهم بِحُجَجِنَا، وَبَرَاهِينِنَا.
إن هذا الدين الإسلامي العظيم لم يقم على الراحة والكسل، والتواكل والدعة وإنما قام على الجهاد والكفاح، وحب الاستشهاد، والتضحيات بالنفس والأهل
[ ٣٢٦ ]
والولد، والمال، وقام على الجهاد بالكلمة قبل أن يقوم على الجهاد بالسيف.
وإني لأهيب بإخواني، وأبنائي العلماء أن يقوم كل في مجال علمه وتخصصه بالمنافحة عن الإسلام، وعن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وعن علوم الإسلام وعن تراثه الذي لولاه لما وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه من تقدم فكري فالعالم مدين إلى الإسلام في هذا.
وبحسب العلماء المنافحين عن الإسلام، والدعاة إليه، والمظهرين لفضائله ومحاسنه - وما أكثرها - هذا التاج الذي تَوَّجَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حيث قال: «العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلاَ دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
وإذا كان لا رتبة فوق النبوة، فلا شرف فوق وراثة هذه الرتبة، إن هذه الوراثة للأنبياء - وَاللهِ - لدونها كل ما في الدنيا من ملك، وسلطان وجاه ومال وأهل وولد.
«وبعد» فإن كان ما قلته صَوَابًا فمن الله وبتوفيقه، وإن كان فيما قلته خطأ فمني ومن الشيطان، والخير أردت ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١).
_________________
(١) [سورة هود، الآية: ٨٨].
[ ٣٢٧ ]
أُمْنِيَاتٌ وَتَوْصِيَاتٌ:
كتاب " العقيدة والشريعة " لجولدتسيهر:
وكنت قد طلبت هذا الكتاب من مدة لأقف عليه وأرد على ما فيه، ولكن لم يرد الله ذلك وأغلب الظن عندي أن الكتاب فيه طامات، وبلايا، وتخمينات وتظنفات، وأنه يحتاج إلى الرد عليه في كتاب مثله
فمن وقف على هذا الكتاب واطلع على ما فيه من ترهات، وأباطيل فلينتدب نفسه للرد عليه، وبذلك يكون أدى واجب الإسلام عليه، وأدخل نفسه في زمرة الخالدين ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١) (*).
كتاب " مذاهب التفسير الإسلامي " لجولدتسيهر:
ومن الكتب الخطيرة حَقًّا على الثقافة الإسلامية الأصيلة هذا الكتاب الذي يعتبر من أخطر الكتب التي ألفها صنم المستشرقين الأكبر: جولدتسيهر.
وقد ترجمه إلى العربية الدكتور عبد الحليم النجار - ﵀ - (**) ولكنه لم يعلق عليه تعليقات مقنعة تدرأ ما اشتمل عليه من ترهات وأباطيل، وتجن على تفسير القرآن، وقد كنت قرأت هذا الكتاب في أول عهدي بالتدريس بكلية أصول الدين: إحدى كليات جامعة الأزهر العتيقة التي تعتبر أم الجامعات الإسلامية والعربية، بل والجامعات الأوروبية والغربية، وما من صحيفة فيه إلا وتحتاج إلى تعليق وتحقيق، ورد.
_________________
(١) [سورة النساء، الآية: ٦٩]. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) هناك ردود عليه لعل أبرزها ما قام به الدكتور مصطفى السباعي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في كتابه القيم " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " ومن خص كتاب جولدتسيهر وآراءه في السنة النبوية، كتاب " دراسات جولدتسيهر في السنة ومكانتها العلمية "، الدكتور محسن عبد الناظر، رسالة دكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية، بإشراف الدكتور عبد الحميد محمد منيف، الجامعة الزيتونية، تونس، سَنَةَ ١٩٨٤ م. (**) " مذاهب التفسير الإسلامي " لجولدتسيهر، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار. الطبعة الثانية: ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، نشر دار إقرأ. بيروت - لبنان. (٤١٦ صفحة).
[ ٣٢٨ ]
وقد كنت عزمت على أَنْ أَرُدَّ على ما فيه من تجنيات، وتشويهات، وتحريفات للثقافة الإسلامية، ولكن شغلني عن ذلك الاشتغال بتدريس السنة النبوية، ودراستها دراسة متعمقة، واتصل اشتغالي بالأحاديث والسنن باشتغالي بشرح " الجامع الصحيح " للإمام البخاري، فهل من أحد من أهل العلم، وطلبته المتخصصين في علوم الكتاب والسنة - يقوم بالرد على ما جاء في هذا الكتاب من آراء مبتسرة ومن أفكار خاطئة إن الرد على ما في هذا الكتاب الخطير يصلح أن يكون موضوع أطروحة - أي رسالة - لنيل درجة " الدكتوراه " فهل من طلاب " الدكتوراه " من يقوم بهذا الواجب هذا؟ ما أرجو، وما ذلك على إرادة الله بعزيز.
وقد رأيت أن يكون الفصل الأخير من هذا الكتاب الذي يعتبر عصارة ذهني وعقلي، وقلبي، وخلاصة عمر طويل في دراسة السنة النبوية المطهرة والردود على ما يثار حولها من شبه، وتجنيات، وأباطيل، ما يزيد عن ثلث قرن من الزمان - وللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ - ذكر جملة من الأحاديث التي كثرت إثارة الشُّبَهِ حولها، ولن أذكر شَيْئًا من الأحاديث التي بينت مفصل الحق فيها في هذا الكتاب فيما سبق، ولكني سأذكر أحاديث أخرى قد أثيرت حولها الشبه، واشتدت الخصومة فيها بين أنصار السنة المنصفين، وبين أعدائها الحاقدين على الإسلام والمسلمين، فإلى هذا الفصل الأخير مستمدًا من الله - ﵎ - العون والتوفيق والسداد.
***
[ ٣٢٩ ]
أَحَادِيثَ ثَارَتْ حَوْلَهَا شُبَهٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا:
وقد رأيت أن أذكر بعض الأحاديث التي ثارت حولها الشبه قَدِيمًا وَحَدِيثًا وبعضها قد أثير حولها في وقت مبكر يرجع إلى القرن الثاني والثالث فقد ذكرها الإمام محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) في كتابه " تأويل مختلف الحديث " وهي التي أثارها النَظَّامُ وغيره من أهل الاعتزال، وَالنَظَّامُ كانت وفاته سنة بضع وعشرين ومائتين للهجرة وذلك مثل «حَدِيثِ الذُّبَابِ» الذي لا تزال إلى اليوم تثار حوله الشُّبَهُ وقد أظهر التقدم العلمي الطبي أن الحديث يعتبر من معجزات النبي - ﷺ - فقد كشف التحليل الطبي عن بعض أسراره وسيأتي بيان ذلك قريبًا. ومثل «حَدِيثِ سِحْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -» المروي في " الصحيحين "وغيرهما من كتب الحديث ودواوينه، ومثل «حَدِيثِ الجَسَّاسَةِ» الذي رواه الإمام مسلم في " صحيحه ".
ومثل «أَحَادِيثِ المَسِيحِ الدَجَّالِ الذِي سَيَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ» الذي رواه " البخاري " و" مسلم " وغيرهما.
ومثل «أَحَادِيثِ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ»، وقد رواه " البخاري " و" مسلم " وغيرهما من أئمة الحديث.
ومثل «حَدِيثِ مَجِيءِ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وَصَكَّهُ فِي عَيْنِهِ» الذي رواه " البخاري " و" مسلم " وغيرهما من أئمة الحديث وأصحاب الدواوين وبيان المحمل الصحيح.
ومثل «حَدِيثِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ» الذي رواه الشيخان وغيرهما من أئمة الحديث وزعم بعض الزاعمين أنه من الإسرائيليات.
ومثل «أَحَادِيثِ شَقِّ صَدْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ صَغِيرٌ، وَشَقِّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ قُبَيْلَ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ».
ومثل الحديث الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم (*) وهو «كُلُّ [بَنِي] آدَمَ يَطْعُنُ
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) رواية الإمام البخاري التي أثبتها: انظر: البخاري " الجامع الصحيح ": (٥٩) كتاب بدء الخلق (١١) باب صفة إبليس وجنوده، حديث رقم ٣٢٨٦، [" فتح الباري بشرح صحيح البخاري "، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ٦/ ٣٣٧، طرفا الحديث: ٣٤٣١، ٤٥٤٨، نشر دار المعرفة - بيروت، طبعة سَنَةَ ١٣٧٩ هـ]. أما رواية الإمام مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ» ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، " الجامع الصحيح " للإمام مسلم، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (٤٣) كتاب الفضائل (٤٠) باب فضائل عيسى ﵇، حديث رقم ٢٣٦٦، ٤/ ص ١٨٣٨. الطبعة الثانية: ١٩٧٢ م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
[ ٣٣٠ ]
الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ يُولَدُ، إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا» واعتباره من المسيحيات التي دست في الأحاديث، إلى غير هذه من الأحاديث التي أثيرت حولها الشبه، والله المستعان، وعليه التكلان.
مَا أُثِيرَ مِنْ شُبُهَاتٍ حَوْلَ حَدِيثِ الذُّبَابِ:
هذا الحديث رواه الإمام الجليل البخاري من طريقين:
الطريق الأولى: قال البخاري: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ (١)، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً» وفي رواية " «وَفِي الأُخْرَى شِفَاءً» بزيادة حرف الجر: «فِي» (٢).
الطريقة الثانية: قال البخاري: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ - يعني ابن سيعد -، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، مَوْلَى بَنِي
_________________
(١) خالد بن مخلد - بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، وفتح اللام - القَطَوَانِيُّ - بفتح القاف، والطاء، والواو، نسبة إلى قَطَوَانْ موضع بالكوفة، أبو الهيثم الكوفي من كبار شيوخ البخاري روى عنه بالمباشرة وروى عنه بالواسطة. وقد اختلفوا فيه فمنهم من وَثَّقَهُ، ومنهم من تكلم فيه كالإمام أحمد بن حنبل وقال: له مناكير، وكل ما أخذوه عليه أنه كان يتشيع، والمتشيع لا يُرَدُّ حديثه إلا إذا كان داعية، والحديث يشهد لبدعته. أما إذا لم يكن كذلك فلا، ولا سيما إذا كان معروفًا بالصدق والأمانة كما حقق ذلك الحافظ ابن حجر في " شرح النخبة ". قال الحافظ: وأما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه، وأوردها في " كامله " وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد وهو حديث أبي هريرة: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا » الحديث. أقول: أما غير هذا الحديث فقد وافقه في روايته غيره كما هنا فقد وافقه قتيبة بن سعيد وهو إمام كبير مُجْمَعٌ على توثيقه، وقد قال فيه الحافظ ابن حجر: «صَدُوقٌ يَتَشَيَّعُ» وهي من مراتب التوثيق عنده، وروى له الأئمة: مسلم والترمذي، والنسائي وابن ماجه، وأبو داود في " مسند مالك "، فكلام من تكلم فيه معارض بتوثيق هؤلاء [" هدي الساري مقدمة فتح الباري ": ص ٤٠٠ ط. السلفية، و" تقريب التهذيب ": ج ١ ص ٢١٣].
(٢) " صحيح البخاري ": - كتاب بدء الخلق - باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم .
[ ٣٣١ ]
زُرَيْقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً» وفي رواية أبي ذر الهروي «وَفِي الأُخْرَى» (١) والحديث رواه اَيْضًا الأئمة: أحمد وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.
رواية الإمام أحمد:
" الحديث رواه الإمام أحمد في " مسنده " عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - " قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وهو ابن سعيد القطان - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ» (٢) وسنده صحيح.
وقال أحمد: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - هو ابن أبي هارون - قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ فَأَتَانَا بِزُبْدٍ وَكُتْلَةٍ (٣)، [فَأُسْقِطَ] ذُبَابٌ فِي الطَّعَامِ، فَجَعَلَ أَبُو سَلَمَةَ يَمْقُلُهُ بِأُصْبُعِهِ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا خَالُ مَا تَصْنَعُ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَنِي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ سُمٌّ، وَالآخَرَ شِفَاءٌ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ، وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» (٤) وسنده صحيح.
رواية أبي داود:
والحديث رواه الإمام أبو داود في " سننه " اَيْضًا في: " كتاب الأطعمة - باب في الذباب يقع في الطعام " قال أبو داود: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ - عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ
_________________
(١) " صحيح البخاري ": - كتاب الطب - باب إذا وقع الذباب في الإناء.
(٢) " مسند أحمد ": ج ٣ ص ٣٤.
(٣) هكذا وقع في الأصل ولعله «كثبة»، والكثبة - كما في " النهاية " القليل من اللبن.
(٤) " مسند أحمد ": ج ٣ ص ٦٧.
[ ٣٣٢ ]
عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَامْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً، وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ» (١).
رواية النسائي:
ورواه الإمام النسائي في " سننه " قال:
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، [عَنْ] أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، [عَنِ النَّبِيِّ] ﷺ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ (٢) (*) الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْقُلْهُ» (٣). والسند صحيح
رواية ابن ماجه:
والحديث رواه الإمام ابن ماجه في " سننه " قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ [قَالَ]: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ [قَالَ]: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ - أَيْ الخُدْرِيِّ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «فِي أَحَدِ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ سُمٌّ، وَفِي الآخَرِ شِفَاءٌ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ، فَامْقُلُوهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ، وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» (٤) وسنده صحيح.
وقال ابن ماجه: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، [قَالَ]: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِكُمْ، فَلْيَغْمِسْهُ فِيهِ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً» (٥).
_________________
(١) انظر " عون المعبود شرح سنن أبي داود ": ج ٣ ص ٤٣٠.
(٢) ورد في الكتاب المطبوع [وَلَغَ] ولغ يلغ من باب نفع ينفع، وفي لغة من باب وعد بعد، وفي أخرى من باب ورث. اهـ. " المصباح المنير " أي شرب بأطراف لسانه، وأكثر ما يستعمل في ولوغ الكلب، وعلى هذا يكون استعماله في الذباب مجازًا، وقيل: ليس شيء من الطيور يلغ غير الذباب.
(٣) " سنن النسائي ": كتاب الفرع والعتيرة - باب الذباب يقع في الإناء: ج ٧ ص ١٧٨، ١٧٩.
(٤) " سنن ابن ماجه ": كتاب الطب - باب يقع الذباب في الإناء.
(٥) المرجع السابق: حديث ٣٥٠٥. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) لم ترد رواية فيها (وَلَغَ) للذباب وإنما ورد ذلك في كتب اللغة. والرواية التي في " سنن النسائي (المجتبى) " ورد فيها (وَقَعَ) وليس (وَلَغَ)، انظر النسائي: " السنن "، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ٧/ ١٧٨، - كِتَابُ الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ - الذُّبَابُ يَقَعُ فِي الإِنَاءِ، حديث رقم ٤٢٦٢، الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م. نشر مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب. كذلك ورد بلفظ (وَقَعَ) في " السنن الكبرى " للنسائي.
[ ٣٣٣ ]
رواية الدارمي: (١)
قال الإمام الدارمي: خْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُبَيْدٍ بْنَ حُنَيْنٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَقَطَ الذُّبَابٌ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» (٢).
رواية البزار (٣):
رَوَى البَزَّارُ بِسَنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ عَمِّهِ ثُمَامَةُ (٤) أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَقَعَ ذُبَابٌ فِي إِنَاءٍ فَقَالَ (٥) أَنَسٌ بِإِصْبَعِهِ فَغَمَسَهُ فِي الْمَاءِ ثَلاثًا وَقَالَ: بسم الله، وَقَالَ: «إِن رَسُول الله ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ» قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: «أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَرِجَاله ثِقَات» (٦). قَالَ الهَيْثَمِي: «رِجَالُهُ رِجَالِ الصَّحِيحِ» (٧)، وَرَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثُمَامَة فَقَالَ: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَة» وَرَجَّحَهَا أَبُو حَاتِم، وَأَمَّا الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ: «الطَّرِيقَانِ مُحْتَمَلاَنِ».
_________________
(١) هو شيخ الإسلام بسمرقند أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي الدارمي وهو صاحب " المسند " و" التفسير " و" الجامع "، و" المسند " مرتب على الأبواب لا على الصحابة وكانت وفاته عام ٢٥٠ هـ.
(٢) كتاب الأطعمة - باب الذباب يقع في الطعام: ج ٢ ص ٩٨.
(٣) هو الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري صاحب " المسند الكبير المعلل "، ارتحل في آخر عمره إلى أصفهان والشام وغيرهما ينشر علمه. توفي بالرملة سَنَةَ اثنتين وتسعين ومائتين.
(٤) هو ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك صاحب رسول الله - ﷺ - وخادمه.
(٥) فقال: أي فعل بإصبعه والقول يطلق على الفعل مجازًا.
(٦) " فتح الباري ": ج ١٠ ص ٢٥٠ طبعة السلفية.
(٧) " مجمع الزوائد ": ج ٥ ص ٣٨.
[ ٣٣٤ ]
الحَدِيثُ صَحِيحٌ وَفِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِحَّةِ:
ومن ثم نرى أن الحديث رواه سبعة من أئمة الحديث وسند كل منها صحيح فلا جرم أن أقول: إن حديث الذباب صحيح غاية الصحة، من ناحية السند، وأما من ناحية المتن فقد أثبت الطب الحديث بما لا يدع مجالًا للشك أن الحديث صحيح في معناه.
ولو أن الذين أجروا التجارب على الذباب حتى توصلوا إلى أن في الذباب مادة قاتلة للجراثيم التي تسبب الأمراض كانوا أطباء مسلمين لربما قال قائل: إنهم متحيزون للحديث ولكنهم جميعًا أطباء لا يمتون إلى الإسلام الحنيف بصلة، ولكن البحث وإثراء البحوث الطبية هو الذي حداهم إلى هذا، وكل ما فعله الأطباء المسلمون هو ترجمة ما أجراه الأطباء الأجانب من تجارب وما قاموا به من بحوث من المراجع العالمية فلهم من الله تعالى الجزاء الأوفى. (*).
وقوله: «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً»: الفاء لتعليل الغمس ثم الطرح، وقد ورد في رواية " أبي داود " «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ» بالتذكير، وكذلك جاء في بعض روايات " الجامع الصحيح "، وذلك لأن الجناح يذكر ويؤنث فالروايتان صحيحتان، وحقيقة الجناح للطائر ويقال لغيره على سبيل المجاز كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (١).
وقد وقع في رواية " أبي داود " - وصححه ابن حبان - من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة زيادة: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ» أقول: لأنه بمنزلة السلاح له. قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٢): «وَلَمْ يَقَع لِي فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق [تَعْيِين] الْجَنَاح الَّذِي فِيهِ الشِّفَاء مِنْ غَيْره، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ تَأَمَّلَهُ فَوَجَدَهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الأَيْسَر فَعُرِفَ أَنَّ الأَيْمَن هُوَ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاء، وَالْمُنَاسَبَة فِي ذَلِكَ ظَاهِرَة». أقول: لأن جهة اليمين يكون فيها الخير، ولذلك كان النبي - ﷺ -
_________________
(١) [سورة الإسراء، الآية: ٢٤].
(٢) انظر: " فتح الباري ": ج ١٠ ص ٢٥١، طبعة السلفية. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ورد في الكتاب المطبوع (أخرجه البزار ورجاله ثقات) وهذا التعليق لا علاقة بما سبق من الكلام، قد يكون خطأ طباعي فتجاوزته.
[ ٣٣٥ ]
يحب التيامن في طهوره، وترجله، وفي شأنه كله، أما جهة الشمال ففيها الرمز إلى الشر، وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه ابن ماجه «أَنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ، وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» والمراد بالسم ما يحمله من الجراثيم التي تسبب الداء والمرض.
وقوله - ﷺ -: «دَاءٌ» أي سبب داء، «شِفَاءٌ» أي سبب شفاء وهذا كما أيدته وبينته التحليلات الطبية الحديثة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قوله - ﷺ -: «وَفِي الآخَرِ شِفَاءٌ» في رواية أبي ذر الهروي أحد رواة " الجامع الصحيح «وَفِي الأُخْرَى» وهي صحيحة لأن الجناح - كما ذكرت آنِفًا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
وقد جاءت بعض الروايات بدون ذكر حرف الجر: «وَالأُخْرَى شِفَاءً» وكذا جاء في رواية سليمان بن بلال بلفظ: «فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالآخَرِ شِفَاءً» وقد استدل به لمن يجيز العطف على معمولي عاملين مختلفين كالأخفش، وعلى هذا فيقرأ لفظ «الآخَرِ» بالجر، و«شِفَاءً» بالنصب وذلك على عطف الآخر على الأحد، وعطف شفاء على داء والعامل في إحدى حرف الجر «فِي» والعامل في «دَاءً» إن، وهما عاملان في الآخر، وفي شفاء
[ ٣٣٦ ]
شَرْحُ حَدِيثِ الذُّبَابِ بِرِوَايَاتِهِ:
قوله - ﷺ -: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ ».
الذُّبَابُ: بضم الذال المعجمة وباءين موحدتين مع التخفيف. قال أبو هلال العسكري: الذُّبَابُ واحد والجمع ذباب كغربان والعامة يقولون ذباب للجمع وللواحد ذبابة بوزن قرادة وهو خطأ، وكذا قال أبو حاتم السجستاني: إنه خطأ.
وقال الجوهري اللغوي: الذباب واحده ذبابة، ولا تقل ذُبَانَةٌ، ونقل في " الحكم " عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عن خلف الأحمر تجويز ما زعم العسكري أنه خطأ. وعلى هذا تكون ذبابة للواحدة ويجمع على ذباب، وجمع الجمع ذبان في الكثرة وفي القلة أذبة، وحكى سيبويه في الجمع اَيْضًا ذُبٌّ - بضم الذال المعجمة، وتشديد الباء (١)، وللذباب خواص، وصفات عجيبة وسمي ذبابا لكثرة ذبه ودفعه، وقيل لكثرة حركته واضطرابه وقد جاء ذكر الذباب في الكتاب الكريم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (٢). ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الإمام الشافعي: لأَي عِلَّةٍ خَلَقَ اللَّهُ الذُّبَابَ؟ فَقَالَ: «مَذَلَّةٌ لِلْمُلُوكِ»، وكان ألحت عليه ذبابة، وضايقته، فأخذ الجواب من الهيئة الحاصلة.
«إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» هكذا جاءت هذه الرواية بلفظ «إِنَاءِ» وفي حديث " بدء الخلق " بدء الخلق المذكور آنفا جاء بلفظ «شَرَابِ» ووقع في حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان: «إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ» والتعبير بـ «الإِنَاءِ» أشمل لأنه يدخل تحته الطعام والشراب وسواء فيهما أن يكونا ساخنين أو باردين،
_________________
(١) انظر: " القاموس المحيط " مادة «ذَبَّ»، و" المختار الصحاح " مادة «ذَبَّ».
(٢) [سورة الحج، الآية: ٧٣].
[ ٣٣٧ ]
، وكذلك جاء بلفظ «الإِنَاءِ» في حديث أنس عند البزار.
«فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ» الأمر هنا أمر إرشاد لمقابلة الداء بالدواء، وفائدة قوله «كُلَّهُ» رفع توهم المجاز بغمس بعضه وفي رواية ابن ماجه «فَامْقُلُوهُ فِيهِ» من المقل وهو الغمس قال أبو عبيد: «أي اغمسوه في الطعام أو الشراب ليخرج الشفاء كما أخرج الداء وذلك بإلهام الله تعالى».
«ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ» في رواية سليمان بن بلال التي في بدء الخلق «ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ» وقد وقع في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ عَمِّهِ ثُمَامَةُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَقَعَ ذُبَابٌ فِي إِنَاءٍ فَقَالَ (١) أَنَسٌ بِإِصْبَعِهِ فَغَمَسَهُ فِي الْمَاءِ ثَلاثًا وَقَالَ: بسم الله، وَقَالَ: «إِن رَسُول الله ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ».
وسيبويه لا يجيز ذلك ويقول: إن حرف الجر حذف وبقي العمل، وقد وقع ذكره صريحًا في الرواية الأخرى «وَفِي الأُخْرَى شِفَاءً» ويجوز أن يقرأ بالرفع فيهما يعني: «وَالآخَرِ شِفَاءٌ» على الاستئناف ويكون الآخر مبتدأ، وشفاء خبر.
الحَدِيثُ صَحِيحٌ سَنَدًا وَمَتْنًا:
ومما ذكرناه من الروايات في " صحيح البخاري " وفي كتب " سنن أبي داود السجستاني "، و" النسائي "، و" ابن ماجه "، و" ابن حبان " و" البزار " وغيرهم يتبين لكل منصف وباحث ينشد الحق ويطلبه أن حديث الذباب روي من طرق عدة وعن غير واحد من الصحابة.
ولم أجد لأحد من النقاد وأئمة الحديث طَعْنًا في سنده فهو في درجة عالية من الصحة، وكل ما وقع فيه من الطعن من بعض المتساهلين والجهلاء والمبتدعة إنما هو من جهة متنه ومدلوله وذلك بأن قالوا:
«كيف يكون الذباب الذي هو مباءة الجراثيم ويقع على القذارات فيه دواء؟
_________________
(١) ففعل أو أشار والقول يستعمل في الفعل وفي الإشارة وذلك كثير في الأحاديث.
[ ٣٣٨ ]
وكيف يجمع الله الداء والدواء في الشيء الواحد؟ وهل الذباب يعقل حتى يقدم أحد الجناحين على الآخر؟!»!!!.
وهذا الحديث من الأحاديث التي أثيرت حولها الشبه من قديم الزمان فقد ذكره الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ - ﵀ وَأَثَابَهُ -، ولم يزد في الرد من أنه قال إن الحديث صحيح وإنه قد روي بغير هذه الألفاظ وذكر بسنده رواية أنس بن مالك - ﵁ - وقد ذكرتها آنفا.
ثم ذكر أن الطعن في الأحاديث بغير وجه حق يعتبر إنسلاخًا من الإسلام وتعطيلًا للأحاديث، وأن دفع الأخبار والآثار مخالف لما جاء به الرسول - ﷺ - ولما درج عليه الخيار من صحابته والتابعين (١).
وبحسبه من الخير أنه أنكر على الطاعنين بلسانه، وبقلبه، ونسأل الله - ﵎ - أن يثيبه على غيرته على الأحاديث والسنن.
رَدُّ العُلَمَاءِ الأَوَائِلِ أَثَابَهُمْ اللهُ تَعَالَى:
وقد بذل بعض علمائنا الأوائل - أَثَابَهُمْ اللهُ - الجهد في رَدِّ هَذِهِ الشُّبَهِ فقال الإمام حَمَدُ بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُسْتِيُّ أحد الأئمة الجماعين بين المعقول والمنقول المُتَوَفَّى سنة ٣٨٨هـ: «تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فَقَالَ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ الشِّفَاءَ وَالدَّاءَ فِى جَنَاحَيْ الذُّبَابِ، وَكَيْفَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى يُقَدِّمَ جَنَاحَ الدَّاءِ (٢)، وَيُؤَخَّرَ جَنَاحُ الشِّفَاءِ؟ وَمَا أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِكَ؟.
قال: «وَهَذَا سُؤَالُ جَاهِلٍ أَوْ مُتَجَاهِلٍ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الحَيَوَانِ قَدْ جَمَعَ الصِّفَاتِ الْمُتَضَادَّةِ. وَقَدْ أَلَّفَ اللَّهُ بَيْنهَا وَقَهَرَهَا عَلَى الاجْتِمَاعِ وَجَعَلَ مِنْهَا قُوَى
_________________
(١) " تأويل مختلف الحديث ": ص ٢٢٨، ٢٢٩.
(٢) " فتح الباري ": جـ ١٠ ص ٢٥٢: «حَتَّى يُقَدِّم جَنَاح الشِّفَاء». وهو خطأ فصححته إلى ما ذكرته والظاهر أن في الشرح سقطًا، وقد جاء الاعتراض في " تأويل مختلف الحديث " على الصحة والله أعلم.
[ ٣٣٩ ]
الحَيَوَانِ، وَإِنَّ الَّذِي أَلْهَمَ النَّحْلَةَ اِتِّخَاذَ البَيْتِ الْعَجِيبِ الصَّنْعَةِ لِلتَّعْسِيلِ فِيهِ، وَأَلْهَمَ النَّمْلَةَ أَنْ تَدَّخِرَ قُوتَهَا أَوَانَ حَاجَتِهَا، وَأَنْ تَكْسِرَ الحَبَّةَ نِصْفَيْنِ لِئَلاَّ تَسْتَنْبِتَ، لَقَادِرٌ عَلَى إِلْهَامِ الذُّبَابَة أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ آخَرَ» (١).
وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ: المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٩٧ هـ، سبع وتسعين وخمسمائة وألف للهجرة: «مَا نُقِلَ عَنْ هَذَا الْقَائِل لَيْسَ بِعَجِيبٍ، فَإِنَّ النَّحْلَة تُعَسِّلُ مِنْ أَعْلاَهَا وَتُلْقِي السُمَّ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَالْحَيَّةُ الْقَاتِلُ سُمُّهَا تَدْخُل لُحُومَهَا فِي التِّرْيَاقِ الَّذِي يُعَالَجُ بِهِ السُمَّ، وَالذُّبَابَةُ تُسْحَقُ مَعَ الإِثْمِد (٢) لِجَلاَءِ البَصَر».
وَذَكَرَ بَعْضُ حُذَّاقِ الأَطِبَّاءِ: «أَنَّ فِي الذُّبَابِ قُوَّةً سُمِّيَّةً يَدُلُّ عَلَيْهَا الوَرَم وَالحَكَّةَ الْعَارِضَةَ عَنْ لَسْعِهِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السِّلاَحِ لَهُ، فَإِذَا سَقَطَ الذُّبَابُ فِيمَا يُؤْذِيهِ تَلَقَّاهُ بِسِلاَحِهِ، فَأَمَرَ الشَّارِعُ أَنْ يُقَابِلَ تِلْكَ السُّمِّيَّةَ بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الجَنَاحِ الآخَرَ مِنْ الشِّفَاءِ فَتَتَقَابَلُ المَادَّتَانِ فَيَزُولُ الضَّرَرُ بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى». (٣).
وقال الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة:
«وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الذُّبَابِ عِنْدَهُمْ قُوَّةً سُمِّيَّةً يَدُلُّ عَلَيْهَا الْوَرَمُ، وَالْحِكَّةُ الْعَارِضَةُ عَنْ لَسْعِهِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السِّلاحِ، فَإِذَا سَقَطَ فِيمَا يُؤْذِيهِ، اتَّقَاهُ بِسِلاَحِهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقَابِلَ تِلْكَ السُّمِّيَّةَ بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي جَنَاحِهِ الآخَرِ مِنَ الشِّفَاءِ، فَيُغْمَسُ كُلُّهُ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ، فَيُقَابِلُ الْمَادَّةَ السُّمِّيَّةَ الْمَادَّةُ النَّافِعَةُ، فَيَزُولُ ضَرَرُهَا، وَهَذَا طِبٌّ لاَ يَهْتَدِي إِلَيْهِ كِبَارُ الأَطِبَّاءِ وَأَئِمَّتُهُمْ، بَلْ هُوَ خَارِجٌ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، وَمَعَ هَذَا فَالطَّبِيبُ الْعَالِمُ الْعَارِفُ الْمُوَفَّقُ يَخْضَعُ لِهَذَا الْعِلاَجِ، وَيُقِرُّ لِمَنْ جَاءَ
_________________
(١) " فتح الباري ": جـ ١٠ ص ٢٥١، ٢٥٢.
(٢) هو حجر أسود يميل إلى الزرقة يدق فيكتحل به.
(٣) " فتح الباري ": جـ ١٠ ص ٢٥٢.
[ ٣٤٠ ]
بِهِ بِأَنَّهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَأَنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِوَحْيٍ إِلَهِيٍّ خَارِجٍ عَنِ الْقُوَى الْبَشَرِيَّةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَطِبَّاءِ أَنَّ لَسْعَ الزُّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ إِذَا دُلِكَ مَوْضِعُهُ بِالذُّبَابِ نَفَعَ مِنْهُ نَفْعًا بَيِّنًا، وَسَكَّنَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِلْمَادَّةِ الَّتِي فِيهِ مِنَ الشِّفَاءِ، وَإِذَا دُلِكَ بِهِ الْوَرَمُ الَّذِي يَخْرُجُ فِي شَعْرِ الْعَيْنِ الْمُسَمَّى شَعْرَةً بَعْدَ قَطْعِ رُؤُوسِ الذُّبَابِ [أَبْرَأَهُ] (١).
الطِبُّ النَّبَوِيُّ مِمَّا أُوحِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -:
وقبل أن أذكر رأي الطب الحديث في حديث الذباب أحب أن أقول: إنني لست مع النابتة التي نبتت - وبعضهم من أهل العلم - فزعمت أن الطب النبوي من قبيل الأمور الدنيوية التي يجوز على النبي - ﷺ - فيها الخطأ، ويجعلونه من قبيل قصة تأبير النخل التي رواها الإمام مسلم في " صحيحه " عن أنس «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ - يعني النخل بوضع طلع الذكر على طلع الأنثى - فَقَالَ: " لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ ". قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا (٢)، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: " مَا لِنَخْلِكُمْ؟ " قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: " أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ "».
وفي الرواية الأخرى عن رَافِعٍ بْنُ خَدِيجٍ قال: قَالَ: قَدِمَ [نَبِيُّ اللهِ] ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ (٣) النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ؟» قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا» فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ (٤)، قَالَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ
_________________
(١) " زاد المعاد في هدي خير العباد ": جـ ٤ ص ١١١.
(٢) هو البسر الرديء الذي إذا يبس صار حسفًا.
(٣) يقال: أبر يأبر ويأبر - بكسر الباء الموحدة وضمها - كبذر يَبْذِرُ ويقال اَيْضًا: أَبَّرَ - بفتح الباء الموحدة المشددة - يُؤَبِّرُ تَأْبِيرًا وهو إدخال شيء من طلع النخلة الذكر في طلع الأنثى فتثمر بإذن الله تعالى.
(٤) «فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ» أي فأسقطت ثمرها. قال أهل اللغة: ويقال لذلك المتساقط النفض كالخبط =
[ ٣٤١ ]
دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ [رَأْيِي] (١)، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ».
ولا أدري كيف يُقَالُ ذلك في حديث الذباب مع قوله - ﷺ - فيه: «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ دَوَاءً»؟ وقد أتى رسول الله بـ «إِنَّ» التي هي للتأكيد!!!.
وكيف يكون هذا الأسلوب المؤكد من قبيل الظن والتخمين في أمر دنيوي؟!.
بل كيف يكون قوله - ﷺ - «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» رواه الشيخان من قبل الظن والتخمين في أمر دنيوي؟!.
وفرق كبير في الأسلوب بين هذين الحديثين وأمثالهما من أحاديث الطب، وبين قصة تأبير النخل، لأن النبي - ﷺ - لم يسقها مساق القطع واليقين وإنما ساقها مساق الرجاء «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا».
ومعظم أحاديث الطب - إن لم تكن كلها - إنما ساقها النبي - ﷺ - مساق القطع واليقين مما يدل على أنها بوحي من الله - ﷾ -.
والطب طبان: طب القلوب والأديان، وبه جاء الأنبياء والمرسلون - عَلَيْهِمْ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.
وطب الأبدان، وهذا نوعان: نوع روحاني كالرقى والدعوات، ونوع مادي جسماني كالاستشفاء بالعسل والتمر والقسط الهندي والحبة السوداء والكمأة ونحوها.
_________________
(١) = بمعنى المخبوط، وأنفض القوم فنى زادهم و«أَوْ» للشك.
(٢) قال العلماء: قوله - ﷺ - «مِنْ رَأْيِي» أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ورآه شرعًا فيجب العمل به وليس تأبير النخل من هذا النوع بل من هذا النوع المذكور قبله. قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرًا وإنما كان ظنا كما بينه في هاتين الروايتين والله أعلم.
[ ٣٤٢ ]
ووظيفة النبي - ﷺ - أولًا وبالذات هو طب القلوب والأديان، ولكن شريعته وَسُنَّتُهُ قد اشتملت على الكثير من طب الأبدان سواء أكان روحانيًا أم جسمانيًا، وليس أدل على ذلك مما اشتمل عليه الصحيحان: " صحيح البخاري " و" صحيح مسلم " وغيرهما من كتب الصحاح والسنن والمسانيد والجوامع من " كتاب الطب " ضمن كتبها، وقد جمع بعض العلماء المحدثين في ذلك كتبًا مستقلة، ككتاب " الطب النبوي " لأبي نعيم، وكتاب " الطب النبوي " للسيوطي، وكتاب " الطب النبوي " لابن القيم.
والذي يهمني من كل هذا أن أنزع من نفوس النابتة التي نبتت فزعمت أن الطب النبوي من قبيل الأمور الدنيوية التي تحتمل الخطأ والصواب - هذا الزعم الباطل الذي لم يقم عليه دليل، بل قامت ضده كثير من الأدلة.
ففي حديث أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ - يعني فلم يبرأ - فَقَالَ - ﷺ -: «صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا» فَسَقَاهُ - يعني في المرة الرابعة - فَبَرَأَ. أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
ويعجبني في هذا المقام ما قاله الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية قال ﵀ وأثابه: «وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَاهُنَا أَمْرًا آخَرَ نِسْبَةُ طِبِّ الأَطِبَّاءِ إِلَيْهِ كَنِسْبَةِ طِبِّ الطَّرْقِيَّةِ (١) وَالْعَجَائِزِ إِلَى طِبِّهِمْ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِهِ حُذَّاقُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ، فَإِنَّ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [بِالطِّبِّ] مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ قِيَاسٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ تَجْرِبَةٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ إِلْهَامَاتٌ، وَمَنَامَاتٌ، وَحَدْسٌ صَائِبٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أُخِذَ كَثِيرٌ مِنْهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ» إلى أن قال:
_________________
(١) يريد بعض المتصوفة الذين لا علم لهم بالطب.
[ ٣٤٣ ]
وَأَيْنَ [يَقَعُ] هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْوَحْيِ الَّذِي يُوحِيهِ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ وَيَضُرُّهُ، فَنِسْبَةُ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الطِّبِّ إِلَى هَذَا الْوَحْيِ كَنِسْبَةِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعُلُومِ إِلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الأَنْبِيَاءُ بَلْ هَاهُنَا مِنَ الأَدْوِيَةِ الَّتِي تَشْفِي مِنَ الأَمْرَاضِ مَا لَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهَا عُقُولُ أَكَابِرِ الأَطِبَّاءِ، وَلَمْ تَصِلْ إِلَيْهَا عُلُومُهُمْ وَتَجَارِبُهُمْ وَأَقْيِسَتُهُمْ مِنَ الأَدْوِيَةِ الْقَلْبِيَّةِ، وَالرُّوحَانِيَّةِ، وَقُوَّةِ الْقَلْبِ وَاعْتِمَادِهِ عَلَى اللَّهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالالْتِجَاءِ إلَيْهِ، وَالانْطِرَاحِ وَالانْكِسَارِ بَيْنَ يَدْيِهِ، وَالتَّذَلُّلِ لَهُ، وَالصَّدَقَةِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالاسْتِغْفَارِ، وَالإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَالتَّفْرِيجِ عَنِ الْمَكْرُوبِ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَدْوِيَةَ قَدْ جَرَّبَتْهَا الأُمَمُ عَلَى اخْتِلاَفِ أَدْيَانِهَا وَمِلَلِهَا، فَوَجَدُوا لَهَا مِنَ التَّأْثِيرِ فِي الشِّفَاءِ مَا لاَ يَصِلُ إِلَيْهِ عِلْمُ أَعْلَمِ الأَطِبَّاءِ، وَلاَ تَجْرِبَتُهُ، وَلاَ قِيَاسُهُ.
وَقَدْ جَرَّبْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا مِنْ هَذَا أُمُورًا [كَثِيرَةً]، وَرَأَيْنَاهَا تَفْعَلُ مَا لاَ تَفْعَلُ الأَدْوِيَةُ الْحِسِّيَّةُ، بَلْ تَصِيرُ الأَدْوِيَةُ الْحِسِّيَّةُ عِنْدَهَا بِمَنْزِلَةِ أَدْوِيَةِ الطَّرْقِيَّةِ، عِنْدَ الأَطِبَّاءِ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى قَانُونِ الْحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ، لَيْسَ خَارِجًا عَنْهَا، وَلَكِنَّ الأَسْبَابَ مُتَنَوِّعَةٌ، فَإِنَّ الْقَلْبَ مَتَى اتَّصَلَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَخَالِقِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ، وَمُدَبِّرِ الطَّبِيعَةِ وَمُصَرِّفِهَا عَلَى مَا يَشَاءُ كَانَتْ لَهُ أَدْوِيَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الأَدْوِيَةِ الَّتِي يُعَانِيهَا الْقَلْبُ الْبَعِيدُ مِنْهُ الْمُعْرِضُ عَنْهُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الأَرْوَاحَ مَتَى قَوِيَتْ، وَقَوِيَتِ النَّفْسُ وَالطَّبِيعَةُ تَعَاوَنَا عَلَى دَفْعِ الدَّاءِ وَقَهْرِهِ، فَكَيْفَ يُنْكَرُ لِمَنْ قَوِيَتْ طَبِيعَتُهُ وَنَفْسُهُ، وَفَرِحَتْ بِقُرْبِهَا مِنْ بَارِئِهَا، وَأُنْسِهَا بِهِ، وَحُبِّهَا لَهُ، وَتَنَعُّمِهَا بِذِكْرِهِ، وَانْصِرَافِ قُوَاهَا كُلِّهَا إلَيْهِ، وَجَمْعِهَا عَلَيْهِ، وَاسْتِعَانَتِهَا بِهِ، وَتَوَكُّلِهَا عَلَيْهِ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهَا مِنْ أَكْبَرِ الأَدْوِيَةِ، وَأَنْ تُوجِبَ لَهَا هَذِهِ الْقُوَّةُ دَفْعَ الأَلَمِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلاَ يُنْكِرُ هَذَا إِلاَّ أَجْهَلُ النَّاسِ، وَأَغْلَظُهُمْ حِجَابًا، وَأَكْثَفُهُمْ نَفْسًا، وَأَبْعَدُهُمْ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ حَقِيقَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ السَّبَبَ الَّذِي بِهِ أَزَالَتْ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ دَاءَ اللَّدْغَةِ عَنِ اللَّدِيغِ الَّتِي رُقِيَ بِهَا، فَقَامَ حَتَّى كَأَنَّ مَا بِهِ قَلَبَةٌ (١).
فَهَذَانِ نَوْعَانِ مِنَ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ، نَحْنُ بِحَوْلِ اللَّهِ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِمَا بِحَسْبِ الْجَهْدِ وَالطَّاقَةِ، وَمَبْلَغِ عُلُومِنَا الْقَاصِرَةِ، وَمَعَارِفِنَا الْمُتَلاَشِيَةِ جِدًّا، وَبِضَاعَتِنَا الْمُزْجَاةِ، وَلَكِنَّا
_________________
(١) القَلَبَةُ: داء أو ألم يتقلب منه صاحبه.
[ ٣٤٤ ]
نَسْتَوْهِبُ مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَنَسْتَمِدُّ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهُ الْعَزِيزُ الْوَهَّابُ» (١).
رَأْيُ الطِبِّ الحَدِيثِ فِي حَدِيثِ الذُّبَابِ:
وقد شاء ربك العالم بما كان وبما يكون أن يظهر سر هذا الحديث، وأن يتوصل بعض نطس (٢) (*) الأطباء إلى أن في الذباب مادة قاتلة للميكروبات فبغمسه في الإناء تكون هذه المادة سَبَبًا في إبادة ما يحمله الذباب من الجراثيم التي ربما تكون عالقة به، أو تكون في جوفه، وبذلك أصبح ما قاله العلماء الأقدمون - تَجْوِيزًا - حقيقة مقررة.
مُحَاضَرَةٌ قَيِّمَةٌ لأَحَدِ الأَطِبَّاءِ المُسْلِمِينَ فِي " جَمْعِيَّةِ الهِدَايَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ ":
وإليكم ما ذكره أحد الأطباء المصريين العصريين في محاضرة بـ " جمعية الهداية الإسلامية " (٣) بالقاهرة قال - ﵀ رَحْمَةً وَاسِعَةً -:
يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضًا آخر، فتتكون في جسمه مادة سامة يسميها علماء الطب «مبعد البكتيريا» وهي تقتل كثيرًا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية، أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتيريا هذا، وأن هناك خاصية في أحد الجناحين هي أنه يحول مبعد البكتيريا إلى ناحيته.
وعلى هذا إذا سقط الذباب في طعام أو شراب وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه فإن أقرب مبعد لتلك الجراثيم وأول واق منها هو مبعد البكتيريا الذي يحمله الذُّبَابُ
_________________
(١) " زاد المعاد في هدي خير العباد ": جـ ٤ ص ١١، ١٢.
(٢)
(٣) هي جمعية كانت تقوم بنشاط كبير في الدعوة إلى الله، والمنافحة عن الإسلام. وكان رئيسها أستاذنا الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين، الذي تولى مشيخة الأزهر الشريف حقبة من الزمن، وكنت أحد أعضائها وكانت لها مجلة وكنت أشترك في تحريرها. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) لم يقع التعليق على الهامش رقم (٢). نطس: رَجُلٌ نَطْس ونَطُسٌ ونَطِسٌ ونَطِيس ونِطاسِيٌّ: عَالِمٌ بالأُمور حَاذِقٌ بِالطِّبِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ بِالرُّومِيَّةِ النِّسْطاسُ، يُقَالُ: مَا أَنْطَسَه والنُّطُسُ: الأَطباء الحُذَّاق. وَرَجُلٌ نَطِس ونَطُس: لِلْمُبَالِغِ فِي الشَّيْءِ. وتَنَطَّسَ عَنِ الأَخبار: بَحَثَ. وَكُلُّ مُبالغ فِي شَيْءٍ مُتَنَطِّس. وتَنَطَّسْتُ الأَخبار: تَجَسَّسْتُها. والنَّاطِسُ: الْجَاسُوسُ. وتَنَطَّس: تَقَزَّزَ وتَقَذَّرَ. والتَنَطُّسُ: الْمُبَالَغَةُ فِي التَّطَهُّرِ. والتَنَطُّس: التَقَذُّرُ]. انظر: " لسان العرب " لابن منظور: ٦/ ٢٣٢، الطبعة الثالثة: ١٤١٤ هـ، نشر دار صادر - بيروت.
[ ٣٤٥ ]
في جوفه قريبًا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه وقد استشهد بما جاء في أحد المجلات الطبية المتخصصة فقال:
" مَجَلَّةُ التَّجَارِبِ الطِبِيَّةِ الإِنْجْلِيزِيَّةِ ":
«وقد جاء في مجلة التجارب الطبية الإنجليزية عدد ١٣٠٧ سَنَةَ ١٩٢٧ ما ترجمته: لقد أطعم الذباب من زرع ميكروبات بعض الأمراض، وبعد حين من الزمن ماتت تلك الجراثيم واختفى أثرها وَتَكَوَّنَ في الذباب مادة سَامَّةً تسمى " بكتريوفاج " ولو عملت خلاصة من الذباب لمحلول ملحي لاحتوت على " بكتريوفاج التي يمكنها إبادة أربعة أنواع من الجراثيم المولدة للأمراض.
وقد كتب بعض الأطباء الغربيين نحو ذلك، وبذلك ظهر أن هذا الحديث الذي انتقده بعض ضعفاء الدين وذوي الأهواء والملاحدة وَعَدُّوهُ حَدِيثًا مَوْضُوعًا من أظهر المعجزات العلمية على صدق الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -».
" كَلِمَةُ الطِبِّ المُعَاصِرِ وَالأَحْدَاثِ ":
ولما ثارت عجاجة الخلاف في مصر القاهرة بين علماء الحديث والدين المنتصرين للحديث والمدافعين عنه، وبين بعض الأطباء الذين علموا ظاهرًا من الحياة الدنيا المكذبين لأن يكون في الذباب دواء، وقد استمرت هذه المعركة الكلامية بضعة شهور، ما بين " مجلة الدكتور " وغيرها من المجلات الإسلامية كمجلة " الأزهر " ومجلة " لواء الإسلام " - قيض الله للحديث من ينافح عن صحة الحديث وصدق معناه من الأطباء أنفسهم وبذلك «قطعت جهيزة قول كل خطيب» وقد كتب طبيبان فاضلان (١) ونطاسيان بارعان من نطس الأطباء بَحْثًا قَيِّمًا جِدًّا حول حديث الذباب مُدَعَّمًا بالأدلة، وَذَكَرَا المراجع العلمية التي رَجَعَا إليها في إثبات صدق هذا الحديث بما لا يدع مجالًا للشك وإليكم هذا البحث المدعم بالتجارب بنصه.
_________________
(١) سيأتي اسمهما عن كثب، وكنا نود من الأطباء الذين تطاولوا على الحديث بألسنة حِدَادٍ أن يكونوا مثل هذين الطبيبين البارعين وأن لا يدسوا أنوفهم فيما لا علم لهم به ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، [الزمر: ٢٣، ٣٦]، [غافر: ٣٣].
[ ٣٤٦ ]
" كَلِمَةُ الطِبِّ فِي حَدِيثِ الذُّبَابِ ": (١)
البحوث والمراجع العلمية تؤيد الحديث الشريف: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، [ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ]، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً».
" تحقيق علمي د. محمود كمال، ود: محمد عبد المنعم حسين ":
كثر التعرض لهذا الحديث، وخصوصًا من جانب أطباء مكذبين للحديث، لعلمهم بأن الذباب ينقل العدوى والجراثيم الحاملة للمرض، ونحن نعلم أن من الأحاديث التي رويت عن النبي - ﷺ - ما هو صحيح، وما هو مكذوب، وكان على فقهاء الحديث أَنْ يُبَيِّنُوا الصحيح، ويستبعدوا المكذوب (٢)، وتمسك رجال الحديث والفقهاء الأعلام بصحة الحديث لاستناده للثقات من الرواة وتمسك بعض الأطباء بالناحية الصحية وكذبوا الحديث، وكنا نود أن نفهم الحديث على أسس ثلاثة:
[١] عدم التعرض لصحة الحديث فهذا من اختصاص فقهاء الحديث، والعلماء الذين درسوا العلم والحديث، وهم أعلم كيف يستبعدون الأحاديث المكذوبة.
[٢] محاولة البحث العلمي بافتراض صحة الحديث للوصول إلى حقائق أنبأنا عنها النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣) قرآن كريم.
[٣] عدم الخوض في موضوع مادة الحديث قبل الرجوع إلى المراجع العلمية الكافية عن الحشرات، وعن طفيليات الحشرات، لهذا رأينا بعد قراءة الموضوع والمجادلات المتبادلة بين الفريقين في الصحف والمجلات منذ مدة طويلة أن نحاول
_________________
(١) نشر هذا البحث القيم في " مجلة الأزهر "، عدد رجب لسنة ١٣٧٨ هـ.
(٢) أقول: وهذا هو ما قام به أئمة الحديث وعلماء النقد كما بينت ذلك بالدليل في هذا الكتاب.
(٣) [سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤].
[ ٣٤٧ ]
أن نرد الحق إلى نصابه، ذلك أن بعضنا بعد قراءة آراء فقهاء الحديث عن صحة الحديث، لم يتردد في تصديقه وحاول أن يرجع إلى المراجع العلمية التي تؤيد صحة الحديث.
مَا جَاءَ فِي المَرَاجِعِ العِلْمِيَّةِ:
وقد جاء في المراجع العلمية أن الأستاذ الألماني " بريفيلد " من جامعة " هال " بألمانيا وجد في عام ١٨٧١ م أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الطفيليات سماها: " أموزا موسكي " من عائلة " أنتر موفترالي " من تحت فصيلة " سيجومايسيس " من فصيلة " فيكو مايسيس "، ويقضي هذا الفطر حياته في الطبقة الدهنية داخل بطن الذبابة، على شكل خلايا خميرة مستديرة، ثم يستطيل ويخرج على نطاق البطن بواسطة الفتحات التنفسية، أو بين المفاصل البطنية وفي هذه الحالة يصبح خارج جسم الذبابة، وهذا الشكل يمثل الدور التناسلي لهذا الفطر، وتتجمع بذور الفطر في داخل الخلية إلى قوة معينة تمكن الخلية من الانفجار وإطلاق البذور خارجها، وهذا سيكون بقوة دفع شديدة لدرجة تطلق البذور إلى مسافة حوالي ٢سم من الخلية بواسطة انفجار الخلية، واندفاع السائل على هيئة رشاش ويوجد دائمًا حول الذبابة الميتة والمتروكة على الزجاج مجال من البذور لهذا الفطر ورؤوس الخلية المستطيلة التي يخرج منها البذور موجودة حول القسم الثالث والأخير من الذبابة على بطنها وظهرها، وهذا القسم الثالث، أو الأخير دائمًا يكون مرتفعًا عندما تقف الذبابة على أي مسند لتحفظ توازنها، واستعدادها للطيران، والانفجار كما ذكرنا يحدث بعد ارتفاع ضغط السائل داخل الخلية المستطيلة إلى قوة معينة، وهذا قد يكون مسببًا من وجود نقطة زائدة من السائل حول الخلية المستطيلة وفي وقت الانفجار يخرج من السائل والبذور جزء من السيتوبلازم من الفطر.
كما ذكر الأستاذ " لانجيرون " أكبر الأساتذة في علم الفطريات في عام ١٩٤٥ م أن هذه الفطريات كما ذكرنا تعيش في شكل خميرة مستديرة داخل أنسجة الذبابة وهي تفرز أنزيمات قوية تحلل، وتذيب أجزاء الحشرة الحاملة للمرض ومن
[ ٣٤٨ ]
جهة أخرى تم في سَنَةِ ١٩٤٧ م عزل مادة مضادة للحيوية بواسطة " آدنشتين " و" كوك " من إنجلترا، و" رولبوس " من سويسرا في سَنَةِ ١٩٥٠ م تسمى: " جافاسين " من فطر من نفس الفصيلة التي ذكرناها، والتي تعيش في الذبابة، وهذه المادة المضادة للحيوية تقتل جراثيم مختلفة، من بينها الجراثيم السالبة والموجبة لصبغة جرام، وجراثيم الدوسنتاريا والتيفويد، وفي سنة ١٩٤٨ م عزل " بريان " و" كورنيس " و" هيمخ " و" حيفيريس " و" مايكون " من بريطانيا مادة مضادة للحيوية تسمى: " كلوتينيزين " من فطريات من نفس فصيلة الفطر الذي يعيش في الذبابة، وتؤثر على الجراثيم السالبة لصبغة جرام من بينها جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد.
وفي سنة ١٩٤٩ م عزل " كوكس " و" فارمر " من انجلترا، و" حرمان " و" دوث ". و" أتلنجر " و" بلاتنر " من سويسرا مادة مضادة للحيوية، تسمى " أنياتين " من فطريات من صنف الفطر الذي يعيش في الذبابة، تؤثر بقوة شديدة على جراثيم جرام موجب، وجرام سالب، وعلى بعض فطريات أخرى ومن بينها جراثيم الدوسنتاريا، والتيفويد، والكوليرا.
ولم تدخل هذه المواد المضادة للحيوية بعد الاستعمال الطبي، ولكنها فقط من العجائب العلمية لسبب واحد، وهو أنها بدخولها بكميات كبيرة في الجسم قد تؤدي إلى حدوث بعض المضاعفات، بينما قوتها شديدة جِدًّا، وتفوق جميع مضادات الحيوية المستعملة في علاج الأمراض المختلفة، وتكفي كمية قليلة جِدًّا لمنع معيشة، أو نمو جراثيم التيفويد، والدوسنتاريا، والكوليرا، وما يشبهها.
وفي سَنةَ ِ١٩٤٧ م عزل " موفنيش " مواد مضادة للحيوية من مزرعة الفطريات الموجودة على جسم الذبابة، ووجد أنها ذات مفعول قوي في بعض الجراثيم السالبة لصبغة جرام مثل جراثيم التيفويد، والدوسنتاريا وما يشبهها وبالبحث عن فائدة الفطريات لمقاومة الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات التي يلزمها وقت قصير للحضانة وجد أن واحد جرام من هذه المواد المضادة للحيوية يمكن أن يحفظ أكثر من ١٠٠ لتر لبن من التلوث من الجراثيم المرضية المزمنة، وهذا أكبر دليل على
[ ٣٤٩ ]
القوة الشديدة لمفعول هذه المواد.
أما بخصوص تلوث الذباب بالجراثيم المرضية كجراثيم " الكوليرا " و" التفويد " و" الدوسنتاريا " وغيرها التي ينقلها الذباب بكثرة. فمكان هذه الجراثيم يكون فقط على أطراف أرجل الذبابة أو في بُرَازِهَا وهذا ثابت في جميع المراجع البكتريولوجية، وليس من الضروري ذكر أسماء المؤلفين أو المراجع لهذه الحقيقة المعلومة.
ويستدل من كل هذا على أنه إن وقعت الذبابة على الأكل فستلمس الغذاء بأرجلها الحاملة للميكروبات المرضية: التيفويد، أو الكوليرا، أو الدوسنتاريا، أو غيرها وإذا تبرزت على الغذاء سيلوث الغذاء اَيْضًا كما ذكرنا بأرجلها.
أما الفطريات التي تفرز المواد المضادة للحيوية والتي تقتل الجراثيم المرضية الموجودة في براز الذبابة وفي أرجلها - فتوجد على بطن الذبابة ولا تنطلق مع سائل الخلية المستطيلة من الفطريات، والمحتوي على المواد المضادة للحيوية إلا بعد أن يلمسها السائل الذي يزيد الضغط الداخلي لسائل الخلية، ويسبب انفجار الخلية المستطيلة، واندفاع البذور والسائل.
نَتِيجَةُ البَحْثِ المُوَفَّقَةِ:
وبذلك يحقق العلماء بأبحاثهم تفسير الحديث النبوي الذي يؤكد ضرورة غمس الذبابة كلها في السائل، أو الغذاء إذا وقعت عليه لإفساد أثر الجراثيم المرضية التي تنقلها بأرجلها أو ببرازها، وكذلك يؤكد الحقيقة التي أشار إليها الحديث، وهي: أن في أحد جناحيها داء أي (أحد أجزاء جسمها الأمراض المنقولة بالجراثيم المرضية التي حملتها) وفي الآخر شفاء وهو المواد المضادة للحيوية التي تفرزها الفطريات الموجودة على بطنها والتي تخرج وتنطلق بوجود سائل حول الخلايا المستطيلة للفطريات.
[ ٣٥٠ ]
تَعْلِيقِي عَلَى هَذَا البَحْثِ المُدَعَّمِ بِالمَرَاجِعِ وَالتَّجَارِبِ:
وإنها - وَأَيْمُ الحَقِّ - لنتيجة موفقه حَقًّا، وقاطعة في الدلالة على صدق هذا الحديث الذي طَبَّلَ من أجله أعداء السنن والأحاديث وَزَمَّرُوا من أمثال النظام وأتباعه من المستشرقين، والقساوسة وبعض أرقاء الدين من المسلمين وما ذهب إليه الدكتوران الكبيران، والطبيبان النطاسيان، مِنْ حَمْلِ أَحَدِ الجَنَاحَيْنِ الذي فيه الداء على بعض أجزاء جسم الذبابة، وحمل الجناح الآخر الذي فيه الدواء على ما يوجد على بطنها من الفطريات وهي المواد المضادة للحيوية والقاتلة للجراثيم والتي تنطلق وتخرج بسبب وجود سائل حول الخلايا المستطيلة للفطريات. لتأويل قريب مستساغ وجار على سنن اللغة العربية وكم لهذا التأويل من أمثلة كثيرة في الأحاديث النبوية، فجازى الله هذين الطبيبين العالمين حَقًّا اللذين أظهرا شَيْئًا من أسرار اللهِ، في شيء من أضعف خلق الله وهو الذباب ومن يدري؟ فلعله لولا هذه المادة التي تتكون في جسم الذباب، والتي تقتل الجراثيم العالقة بالذباب، والتي تكون في بُرَازِهَا لكان الذباب أداة سحق وهلاك للناس، ولا سيما في البلاد الفقيرة والمتخلفة، وهذا من رحمة الله بالخلق وصدق الله - ﵎ - حيث يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١).
الحَدِيثُ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -:
وبعد إجراء التجارب والبحوث العلمية الطبية من عام ١٩٢٧ م الذي نشر فيه أول بحث يتعلق بما في الذباب من دواء في " المجلة الطبية الإنجليزية " وتوالت التجارب والبحوث إلى وقتنا هذا يتبين بكل جلاء ووضوح.
أَنَّ حَدِيثَ الذُّبَابِ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ -:
وبعد: فلعلك أيها القارئ الفطن والباحث المتبصر قد ازددت يقينًا بصحة هذا الحديث رواية ودراية - يعني من جهة المعنى وصدقه - واطمأننت إلى أن
_________________
(١) [سورة الأعراف، الآية: ١٥٦].
[ ٣٥١ ]
الإذعان والقبول لما صح عن الرسول - ﷺ - أحرى بالمؤمن المتثبت وأولى وفي كل يوم تتقدم فيه العلوم والمعارف البشرية يظهر الله - ﵎ - من الآيات الأنفسية والآفاقية والكونية ما يدل على صدق القرآن الكريم، وصدق نبينا محمد - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وصدق الله حيث يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ (١) الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢) بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين!!!
تَوْضِيحٌ وَتَنْبِيهٌ:
أحب أن أقول إن الأمر في قوله - ﷺ - «فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ» وفي قوله «ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ» إنما هو للإرشاد والتعليم وليس على سبيل الوجوب.
وأيضًا فليس في الحديث أمر بالشرب من الشراب، ولا أمر بالأكل من الطعام بعد الغمس والإخراج بل هذا متروك لنفس كل إنسان فمن أراد أن يأكل منه أو يشرب بعد فله ذلك، ومن عافت نفسه ذلك فلا حرج عليه في ذلك، والشيء قد يكون حَلاَلًا ولكن تعافه النفس، وذلك كالضب فقد كان أكله حَلاَلًا، ومع ذلك عافته نفس رسول الله - ﷺ -، ولم يأكل منه، لأنه لم يكن بديار قومه، ثم أليس فيما أرشد إليه المُشَرِّعُ الحَكِيمُ - ﷺ -، والموحي إليه من رب العالمين ما يعتبر حِفْظًا للمال من الإضاعة؟! بلى، والله.
إن الكثيرين من الناس في البيئات الفقيرة لا يريقون الشراب ولا الطعام الذي سقط فيه الذباب، وإنما يخرجونه، ثم يشربون منه ويأكلون ولا يرون في ذلك حَرَجًا، وتعافه نفوسهم لأنهم لم يحصلوا على هذا الشراب أو الطعام إلا بعد الكد والتعب والعرق، وقد رأيت بعيني من يفعل ذلك، وهو راض بما صنع قرير العين
_________________
(١) الضمير يعود على القرآن ويدخل اَيْضًا السُنَّةُ النَّبَوِيَّةُ التي هي شارحة للقرآن ومفسرة له، والتي تعتبر الأصل الثاني من أصول التشريع.
(٢) [سورة فصلت، الآية: ٥٣]. ومعنى شهيد: عليم وخبير لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
[ ٣٥٢ ]
بطعامه وشرابه.
ومما ينبغي اَيْضًا أن أوضحه وأنبه إليه أننا معاشر العلماء المحدثين حينما ننتصر للحديث الشريف الصحيح رواية ومعنى، ليس معنى هذا أننا لا نحض الناس على مقاومة الذباب، وتطهير البيوت والمنازل، والشوارع والطرقات، وعلى حماية طعامهم وشرابهم منه، كَلاَّ وَحَاشَا، فالإسلام دين النظافة بكل ما تحتمله هذه الكلمة من معان ودين الوقاية من الأمراض والشرور، وقد جاء الإسلام بالطب الوقائي كما جاء بالطب العلاجي، وسبق إلى بعض ما لم يعرف ولم يتوصل إليه إلا في العصور الحديثه، ثم أليس في الحديث الصحيح الذي رواه " البخاري " و" مسلم " عن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «خَمِّرُوا الآنِيَةَ - أي غطوها - وَأَوْكِئُوا الأَسْقِيَةَ - يعني اربطوا أفواهها حتى لا يتقذر الماء أو تدخل فيه بعض الحشرات الضارة -، [وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ]، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ» الحديث، فها هو النبي - ﷺ - أرشدنا إلى صيانة أطعمتنا، وصيانة أوعية مياهنا والمحافظة على أولادنا الصغار من ظلمة الليل، وما عسى ينالهم في الظلمة من أذى أو شر وقد بلغ من سفاهة بعض الذين حكموا على الحديث بالكذب من الأطباء ومن الجهلاء أدعياء العلم أنهم رموا العلماء المنتصرين لصحة الحديث مبنى ومعنى " بِالذُّبَابِيِّينَ " ولا يضيرنا معاشر العلماء إِنْ نُرْمَى بِمَا يَسُوءُ وَيُؤْلِمُ فِي سَبِيلِ دَعْوَتِنَا إِلَى اللهِ ومنافحتنا عن كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله - ﷺ -، ثم أين ما ينال العلماء والدعاة اليوم مما نال رسول الله - ﷺ - من رميه بالكذب حِينًا والشعر حِينًا آخر، والكهانة حِينًا ثالثا، وما نال أصحاب رسول الله - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - في سبيل نشر الإسلام وفي سبيل دعوتهم، إن ما نال من جاء بعدهم لا يبلغ عُشْرَ مِعْشَارِ ما نالهم من الأذى والسباب والسفاه ثم ما رأى هؤلاء الذين كانوا يريدون منا أن نسارع إلى تكذيب الأحاديث الصحاح أو توهينها لأية شبهة، ثم جاء العلم والطب الحديث فكشف عما تنطوي عليه هذه الأحاديث الصحاح مثل حديث الذباب، من أسرار اعتبرها المنصفون والعقلاء ومن معجزات النبي - ﷺ -؟!.
[ ٣٥٣ ]
أنرجع فنصححها بعد أن كذبناها وحكمنا بوضعها؟ أم ماذا نصنع؟.
إن هؤلاء الحاقدين على السنن والأحاديث يريدون أن نتخذ من الأحاديث ملعبة وملهاة، نكذب اليوم ما صححه العلماء بالأمس، ونصحح اليوم ما كنا كذبناه بالأمس!! هذا ما لا يكون ولن يكون - إِنْ شَاءَ اللهُ - ما دامت سنة الله في الكون أن لا يخلى أي عصر من دعاة إلى الحق ومنافحين عنه حتى يأتي أمر الله، وصدق المبلغ عن رب العالمين حينما قال: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ [لاَ يَضُرُّهُمْ] مَنْ خَالَفَهُمْ» «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ» " رواه البخاري ومسلم (١) وهذه الطائفة ستبقى ظاهرة على الحق بالإيمان واليقين، والحجج والبراهين، ولن يضيرهم من خالفهم بإذن الله وتأييده ونصره إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.
أَحَادِيثُ سِحْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -:
ومن الأحاديث التي ثار حولها الجدل، وأثيرت عليها الشبه من قديم الزمان إلى يومنا هذا أحاديث سحر النبي - ﷺ - وهي أحاديث صحيحة في غاية الصحة رواها الشيخان: " البخاري " و" مسلم " وغيرهما من أصحاب كتب الحديث ودواوينه وإليكم بيان ما أثير حولها، وبيان وجه الحق في هذا
رِوَايَاتُ الشَّيْخَيْنِ: البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٍ:
روى البخاري، ومسلم في " صحيحيهما " بسنديهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - واللفظ للبخاري - قالت: قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ (٢)، يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ (٣) بْنُ الأَعْصَمِ،
_________________
(١) " صحيح البخاري ": - كتاب المناقب - باب ٢٨، و- كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب قول النبي - ﷺ - «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ » الخ، ورواه الإمام مسلم في: - كتاب الإمارة - باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ز
(٢) بنو زريق: بطن من الأنصار مشهورين من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار، وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حلف، وإخاء وود، فلما جاء الإسلام ودخل الأنصار فيه تبرأوا منهم، وكانت هذه القصة بعد مرجعه - ﷺ - من الحديبية في ذي الحجة، ودخول المحرم عام سبع.
(٣) لَبِيدٌ: بفتح اللام وكسر الباء الموحدة.
[ ٣٥٤ ]
حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ - أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ (١) - وَهُوَ عِنْدِي، لَكِنَّهُ دَعَا، وَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: " يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ (٢) أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ (٣) [فِيهِ]؟، أَتَانِي رَجُلاَنِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا (٤) عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ (٥) عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ (٦) [فَقَالَ]: مَطْبُوبٌ (٧)، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ (٨) قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ (٩)، وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ (١٠). قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ (١١) " فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ (١٢)، أَوْ كَأَنَّ رُؤُوسَ نَخْلِهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ» (١٣) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلاَ اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «قَدْ عَافَانِي اللَّهُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا» (١٤) فَأَمَرَ بِهَا (١٥) [فَدُفِنَتْ] (١٦).
_________________
(١) أو: شك من الراوي.
(٢) أي أعملت.
(٣) أي أجابني فيما دعوته فجعل الدعاء بمثابة الاستفتاء، والجواب بمثابة الفتوى، والمجيب بمثابة المفتي، أو المعنى أجابني [فيما] سألته عنه، لأن دعاءه كان لأجل أن يطلعه الله على حقيقة ما هو فيه.
(٤) هو جبريل.
(٥) هو ميكائيل.
(٦) يريد النبي - ﷺ - وهو يفيد التفخيم أي: الرجل الكامل في الرجولية وفي كل شيء.
(٧) أي مسحور.
(٨) أي سحره.
(٩) مشط: بضم الميم وتكسر وسكون الشين المعجمة فيهما، والمشاطة: بضم الميم وفتح الشين المعجمة ما يسقط من الشعر إذا سرح.
(١٠) الجُفُّ: بضم الجيم والفاء المشددة: وعاء الطلغ ويقال له: الحب اَيْضًا بالباء الموحدة.
(١١) بئر كان للأنصار.
(١٢) النُقَاعَةُ: بضم النون وفتح القاف المخففة، هو الماء الذي تنقع فيه الحناء ويكون أحمر.
(١٣) العرب يشبهون الشيء القبيح المستكره برؤوس الشياطين وفي الكتاب المعجز المبين في وصف الشجرة الزقوم ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [سورة الصافات، الآية: ٦٥].
(١٤) أي خشية أن يقع بين المسلمين وبين اليهود وحلفائهم من الأنصار شر لو أني أظهرت ذلك وأعلنته.
(١٥) بها أي البئر فدفنت أي فطمت وعفي عليها.
(١٦) " صحيح البخاري ": - كتاب الطب - باب السحر، و" صحيح مسلم ": - كتاب الطب والمرض والرقيا - =
[ ٣٥٥ ]
وروى الشيخان بسنديهما في " صحيحيهما " عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - قالت: واللفظ للبخاري:
سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي، دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟» قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ [يَا رَسُولَ اللَّهِ؟] قَالَ: " جَاءَنِي رَجُلاَنِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ » الحديث، إلا أنه قال في هذه الرواية: «فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ» (١) وفيها قول عائشة - ﵂ - قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «لاَ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ وَشَفَانِي، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ (٢) عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا» وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ.
وروى البخاري قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ (٣)، يَقُولُ: حَدَّثَنِي آلُ عُرْوَةَ (٤)، عَنْ عُرْوَةَ، فَسَأَلْتُ هِشَامًا، عَنْهُ، فَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ (٥)، قَالَ سُفْيَانُ (٦): وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ، إِذَا كَانَ كَذَا، فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟، أَتَانِي رَجُلاَنِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ كَانَ
_________________
(١) = باب السحر.
(٢) هو بئر ذروان عينه ولكثرة الاستعمال خففوا الهمزة، ثم حذفوها وحذفوا الياء فصار: ذروان.
(٣) أُثَوِّرَ: بضم الهمزة وفتح الثاء المثلثة وكسر الواو المشددة، آخره راء أي أثير وأسبب.
(٤) ابْنُ جُرَيْجٍ: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الإمام العدل الثقة.
(٥) هذا يدل على أن الحديث رواه غير هشام، وأنه كان مشهورًا معروفًا عند آل عروة.
(٦) يعني يظن أنه يقدر على مباشرة نسائه فإذا قرب لم يجد شيئًا كما هو شأن المعقود، وهذه الرواية أزالت الإبهام بغير المراد في الروايات الأخرى.
(٧) معنى بالسند المذكور للحديث، وليس من قبيل التعليق وهو نص على أنه مدرج في الحديث. ُُُُُ
[ ٣٥٦ ]
مُنَافِقًا (١) - قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ (٢)، تَحْتَ رَعُوفَةٍ (٣) فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ " قَالَتْ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ البِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ، فَقَالَ: «هَذِهِ البِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا (٤)، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا (٥) رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ» قَالَ: فَاسْتُخْرِجَ (٦)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَفَلاَ - أَيْ تَنَشَّرْتَ؟ (٧) - فَقَالَ: «أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا».
وقد روى الإمام البخاري حديث السحر في كتب وأبواب أخرى من " صحيحه " (*): وراه في كتاب (بدء الخلق) باب ١٧. وفي (كتاب الأدب) باب ٥٦. وفي (كتاب الدعوات) باب ٥٧، تكرير الدعاء. ورواه البخاري في (كتاب الأدب) عن شيخه الحميدي، عن سفيان بن عيينة تخريج الحديث. وقد روى حديث سحر
_________________
(١) لا خلاف بين قوله هذا: «مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ» وبين قوله في رواية أبي أسامة عن هشام: قال: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ اليَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ». لأنه كان من اليهود أصلًا فيكون حليفًا لبني زريق فنسب إليهم، وإن كان من بني زريق أصلًا فلهم في اليهود حلف في الجاهلية، فلما جاء الإسلام نبذ الأنصار حلفهم وبذلك تتوافق الروايات ولا تتخالف.
(٢) الطلع أو الطلعة هو ما يكون في جوز الخف أو الخف وهو ما يعرف في اللغة بالكُفَرِيِّ فيؤخذ من طلع الذكر ويوضع على طلع النخلة الأنثى فيثمر بإذن الله تعالى وإلا كان شيصًا، وذكر: صفة لجف لأن هذا الوعاء يقال للنخلة الذكر وللنخلة الأنثى.
(٣) رَعُوفَةٌ:، ويقال: رَاعُوفَةٌ بزيادة الألف. قال أبو عبيد: هي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت يجلس عليها الذي ينظف البئر وهي أولى من قول بعضهم: حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه ليجلس عليه المستقي.
(٤) أُرِيتُهَا: يعني في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي.
(٥) في الكلام محذوف، والتقدير: وكأن رؤوس نخلها.
(٦) كذا في رواية ابن عيينة وفيها اَيْضًا: «حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ» وفي رواية ابن نمير عند " مسلم "، وفي رواية أبي أسامة عن " الشيخين " أنه لم يستخرج وقد رجح ابن بطال رواية ابن عيينة لأنه أحفظ وأضبط، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بالاستخراج المثبت هو استخراج الجف، وبالاستخراج المنفي ما كان في وسط الجف، ويعكر على هذا أن في بعض الروايات أنهم استخرجوا ما في الجف وكان فيه تمثال من شمع للنبي - ﷺ - وبه عقد وإبر مغروزة، والذي يترجح عندي - واللهُ أَعْلَمُ - أن المثبت هو استخراج الجف وما فيه، والاستخراج المنفي عدم إشاعته وإعلانه بين الناس حتى لا يثير بينهم شَرًّا وهو أولى من جمع ابن بطال، ولا يرد عليه أي اعتراض.
(٧) تنشرت أي استعملت النشرة، بضم النون وسكون الشين المعجمة وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحر أو مَسًّا من الجن، وقد أجمعت الروايات على أنه - ﷺ - لم يستعملها. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر: " دليل القارئ إلى مواضع الحديث في صحيح البخاري " للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، ص ٢٣٩، (١١٠٨) - ٢٠ من حديث عائشة - ﵂ -، الطبعة الثانية: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م نشر مؤسسة الرسالة. بيروت - لبنان.
[ ٢٥٧ ]
لبيد بن الأعصم للنبي، غير الشيخين: البخاري ومسلم - الإمام أحمد في " مسنده " (١) وابن سعد في " الطبقات " (٢) وابن ماجه (٣).
ذِكْرُ الشُّبَهِ التِي أُثِيرَتْ حَوْلَ الحَدِيثِ وَرَدِّهَا:
وإثارة الشبه حول حديث السحر تضرب في القدم إلى العصور الأولى، فقد ذكره الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث " (٤) ضمن الأحاديث التي طعن فيها النَظَّامُ وأمثاله من أرقاء الدين في السنن والأحاديث.
وكذلك رَدَّ بعض أهل العلم في العصر الأخير، وهم الذين يحكمون العقل الجامح في كل شيء، وليس عندهم من العلم بالسنن والأحاديث وروايتها عدالة، وضبط رواتها ما يعصمهم من الوقوع في الزلل.
وجاء بعض أدعياء العلم في هذا العصر (٥) اَيْضًا فألف كتابًا في السُنَّةِ جمع فيه كل شاردة وورادة في الطعن في السُنَّةِ والأحاديث واعتمد في رده لهذا الحديث على أن الأستاذ الشيخ محمد عبده قد أنكر حديث السحر ورده بالحجج والبراهين (٦).
وقد اعتمد هو ومن سبقه من أئمة الاعتزال إلى الأمور الآتية قالوا:
[١] إن الحديث وإن رواه البخاري ومسلم فهو حديث آحادي فلا يؤخذ به في العقائد وعصمة النبي - ﷺ - من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد فلا يؤخذ في إثبات
_________________
(١) " مسند أحمد ": جـ ٤ ص ٣٦٧، وجـ ٦ ص ٥٧، ٦٣، ٦٦.
(٢) جـ ٢ ق ٢ ص ٤.
(٣) كتاب الطب - باب ٤٥.
(٤) " تأويل مختلف الحديث ": ص ١٧٧ وما بعدها.
(٥) هو محمود أَبُو رَيَّةَ في كتابه " أضواء على السنة المحمدية ".
(٦) سموها حُجَجًا وَبَرَاهِينَ على حسب زعمهم وذلك لأنها صادفت هوى في نفوسهم.
[ ٢٥٨ ]
ما يخالفها إلا باليقين كالحديث المتواتر، ولا يكتفي في ذلك بالظن.
[٢] إن الحديث يخالف القرآن الكريم الذي هو متواتر ويقيني في نفي السحر عن النبي - ﷺ -، حيث نسب القول بإثبات السحر له إلى المشركين وَوَبَّخَهُمْ على زعمهم هذا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ (١) تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (٢).
وقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ، إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، وَإِذْ هُمْ نَجْوَى، إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (٣).
[٣] إنه لو جاز على النبي - ﷺ - أن يتخيل أنه يفعل الشيء، وما فعله لجاز عليه أن يظن أنه بلغ شَيْئًا وهو لم يبلغه أو أن شَيْئًا ينزل عليه، ولم ينزل عليه، واستحالة ذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان.
الرَدُّ عَلَى شُبُهَاتِهِمْ:
إن الحق لا يُعْرَفُ بالرجال ولكن الرجال هو الذين يعرفون بالحق، وفي كلام أبي الحسن على: «اعْرِفْ الحَقَّ تَعْرِفْ أَهْلَهُ».
والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ليس أبا عذرتها (٤) في هذا إنما هو متابع لمن سبقه من رؤساءا الاعتزال وأمثالهم ومن نهج نهجهم، وإذا كان هذا الذي يتمسح بأقوال العلماء لا يعرف الحق إلا بالرجال فلنجاره في هذا ولنبين له ولأمثاله أن الأخذ بالحديث الصحيح وعدم رده وتأويله بما يوافق العقل، والنقل المتواتر مذهب جماهير العلماء سَلَفًا وَخَلَفًا، ورد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة، ولتوهم مخالفتها للعقل،
_________________
(١) إِنْ: بكسر الهمزة وسكون النون نافية.
(٢) [سورة الفرقان، الآيتان: ٨، ٩].
(٣) [سورة الإسراء، الآيتان: ٤٧، ٤٨].
(٤) يقال: فلا أبو عُذْرَتِهَا يعني أول من قاله.
[ ٣٥٩ ]
أو القرآن أو العلم ليس من التحقيق العلمي في شيء، والأحاديث الصحيحة الموثوق بها، وإن كانت لا تفيد يقينًا في العقائد الثانوية (١) لكنها تفيد غلبة الظن فيها، ونحن لا نخالف في أن العقائد الأساسية في الإسلام كإثبات الصانع - جَلَّ جَلاَلُهُ -، والتوحيد، وإثبات البعث وإثبات رسالة الرسل لا يكتفى فيها إلا بما يفيد القطع واليقين.
ولئن كان الإمام الشيخ محمد عبده قد أنكر حديث السحر فقد أثبته واعترف بصحته رواية ودراية أئمة كِبَارٌ، هم أرسخ قَدَمًا في العلم، والجمع بين المعقول، والمنقول منه، كالأئمة المازري، والخطابي، والقاضي عياض، وابن تيمية: تقي الدين أحمد الحافظ الناقد المُحَدِّثُ، وابن القيم، وابن كثير، والنووي، والحافظ الناقد ابن حجر، والقرطبي والآلوسي وغيرهم ممن لا يحصيهم العد.
[٢] إن الذين صححوا حديث السحر كالبخاري ومسلم وغيرهما من أهل الحديث وكل من جاء بعدهم من أهل العلم قالوا: إن ما حدث للنبي - ﷺ - نوع من الأمراض الجسمانية والعوارض البشرية التي تجوز على الأنبياء - عَلَيْهِمْ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وقد روى الحديث من طرق عدة في " الصحيحين " وغيرهما، وعن غير واحد من الصحابة منهم: عائشة، وابن عباس، وزيد بن أرقم وغيرهم مما يبعد عنه احتمال الغلط أو السهو أو الكذب ن وقد رُوِيَ [الحديث] من طرق بلفظ: «حَتَّى [إِنَّهُ] لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُُُُُ» ولكن قد وردت بعض الروايات في " الصحيح " بما يزيل ما في هذه الرواية من إيهام، وهي رواية الإمام العادل الثقة سفيان بن عيينة أحد جبال الحديث والعلم في هذه الأمة الإسلامية وقد رواها إمامان كبيران من شيوخ الإمام البخاري: أحدهما شيخه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر الجعفي أبو جعفر البخاري المعروف بِالمُسْنَدِيِّ - بفتح النون - قال فيه ابن حجر: «ثِقَةٌ حَافِظٌ جَمَعَ المُسْنَدَ مِنَ العَاشِرَةِ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ» (٢) وذلك في كتاب الطب
_________________
(١) وذلك كسؤال الملكين وإثبات عذاب القبر ونعيمه، وما ورد في وصف الحشر، والنشر والصراط وأنه مضروب بين ظهراني جهنم، أما العقائد الأساسية أو إن شئت فقل الأولية فقد بينتها.
(٢) " تقريب التهذيب ": جـ ١ ص ٤٤٧.
[ ٣٦٠ ]
باب هل يستخرج السحر. وثانيهما هو الإمام الحُميدي عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي القرشي المكي أبو بكر ثقة حافظ، يعتبر من أجل أصحاب ابن عيينة من العاشرة، مات سَنَةَ تسع وعشرة ومائتين (١) وقيل بعدها، قال الحاكم: «كَانَ البُخَارِيُّ إِذَا وَجَدَ الحَدِيثَ عَنْ الحُمَيْدِيِّ لاَ يَعْدُوهُ إِلَى غَيْرِهِ» ولفظ رواية سفيان: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يُرَى (٢) أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ» قَالَ سُفْيَانُ: «وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ» (٣).
وهذه الرواية هي التي بنبغي أن يُعَوَّلَ عليها، ولذلك قال الإمام القاضي عياض: «يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد [بِالتَّخْيِيلِ] الْمَذْكُور أَنَّهُ يَظْهَر لَهُ مِنْ نَشَاطه مَا أَلِفَهُ مِنْ سَابِق عَادَته مِنْ الاِقْتِدَار عَلَى الوَطْء، فَإِذَا دَنَا مِنَ المَرْأَة فَتَرَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ شَأْن المَعْقُود» (٤) وقواعد البحث العلمي الصحيح فيما إذا كانت هناك روايتان: إحداهما موهمة خلاف المراد والثانية: ليست موهمة أن نحكم ف المراد الرواية الغير الموهمة.
وعلى هذا لا يكون هناك إخلال بعصمة النبي - ﷺ -، وينهار الأساس الذي بنوا عليه إنكار الحديث.
[٣] وأما أن الحديث مخالف للقرآن فغير مُسَلَّمٌ، لأن المشركين لم يريدوا بقولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (٥). أن النبي - ﷺ - سحر حتى أدركه بعض التغير مدة، ثم شفاه الله، وإنما أرادوا أنه يصدر عن خيال وجنون في كل ما يقول وما يفعل، وآن ما جاء به ليس من الوحي فغرضهم إنكار رسالته - ﷺ -، وأنه ليس بنبي، ومعروف من شأن الكفار أنهم ما كانوا يثبتون على قول ولا على حال فمرة كانوا يقولون شاعر، ومرة يقولون كاهن، وثالثة كانوا يقولون ساحر، وأخرى أنه مسحور،
_________________
(١) " تقريب التهذيب ": جـ ١ ص ٤١٥.
(٢) روى: يُرَى بضم الياء أي يُظَنُّ، وروي بالفتح أي يعلم ومعنى «يَأْتِي النِّسَاءَ» أي يقدر على إتيانهن أي مباشرتهن وهذا قد يحدث من غير مرض فما بالكم مع وجود المرض الجسماني.
(٣) لأنه يخالف طبيعة الإنسان وفطرته في سكنه إلى زوجته، واطمئنانه إليها، وصدق سفيان فيما قال.
(٤) " فتح الباري بشرح صحيح البخاري ": جـ ١٠ ص ٢٢٧ طبعة السلفية.
(٥) [سورة الفرقان، الآية: ٨].
[ ٣٦١ ]
وهكذا الباطل لجلج لا يثبت أهله على قول ولا حال.
[٤] وأما قولهم: إذا جاز أن يتخيل ما ليس بواقع واقعًا في غير أمور الدين لجاز ذلك في أمور الدين فهو مردود بما قدمناه في بيان المراد من الحديث وأن السحر أَثَّرَ في جسمه لا في عقله، ولو سلمنا لهم ما تدل عليه الرواية بحسب ظاهرها لما تم لهم ما أرادوا، لأن قياس أمور الوحي والرسالة على أمور الدنيا قياس مع الفارق فإنه بالنسبة لأمور الدين معصوم من الخطأ والتغيير والتبدل، ولا عصمة له في أمور الدنيا، فللرسول - ﷺ - اعتباران: اعتبار كونه بشرًا، واعتبار كونه رسولًا، فبالاعتبار الأول يجوز على سائر البشر، ومنه أن يسحر وبالاعتبار الثاني لا يجوز ما يخل بالرسالة لقيام الدليل العقلي، والنقلي على العصمة منه.
ثم ما رأى المنكرين للحديث فيما ثبت في القرآن منسوبًا إلى نبي الله موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - من أنه تخيل في حبال السحرة وعصيهم أنها حيات تسعى، فهل ينكرون القرآن القطعي المتواتر؟! وهل أخل تخيله هذا بمنصب الرسالة والتبليغ؟!.
وإذا كان لا مناص لهم من التسليم بما جاء به القرآن، فلم اعتبروا التخيل في حديث السحر مُنَافِيًا للعصمة ولم يعتبروه في قصة سيدنا موسى - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - منافيًا للعصمة؟! أفيدونا يا قوم!!!.
لقد شاء اللهُ سُبْحَانَهُ - ولله الحكمة البالغة - أن يبتلي أنبياءه بشتى أنواع الابتلاء ليعلم الناس أنهم بشر مثلهم فلا يرفعوهم إلى درجة الألوهية، وليزداد ثواب الأنبياء، وتعظم منازلهم عند الله تعالى بما يقاسونه وما يتحملونه في سبيل تبليغ الدين والرسالات.
ولا أحب أن أطيل بذكر بعض أقوال الأئمة الجامعين بين علمي المعقول والمنقول ولكني سأجتزئ بنقلين اثنين:
[ ٣٦٢ ]
كَلاَمٌ قَوِيمٌ لِلإِمَامِ المَازَرِي (١) - ﵀ -:
قَالَ الإِمَامُ المَازِرِيُّ: «أَنْكَرَ [المُبْتَدِعَةُ] هَذَا الحَدِيثِ - يريد حديث السحر - وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَحُطُّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ، وَيُشَكِّكُ فِيهَا، قَالُوا وَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ [فَهُوَ] بَاطِلٌ، وَزَعَمُوا أَنَّ تَجْوِيز هَذَا يَعْدَمُ الثِّقَةَ بِمَا [شَرَعَهُ] مِنْ الشَّرَائِعِ إِذْ يُحْتَمَل عَلَى هَذَا أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى جِبْرِيلَ وَلَيْسَ هُوَ ثَمَّ (٢)، وَأَنَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ»، قَالَ: «وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ، لأَنَّ الدَّلِيل قَدْ قَامَ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى عِصْمَتِهِ فِي التَّبْلِيغِ، وَالْمُعْجِزَاتُ شَاهِدَاتٌ بِتَصْدِيقِهِ، فَتَجْوِيزُ مَا قَامَ الدَّلِيل [عَلَى خِلاَفه] بَاطِل.
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِبَعْضِ الأُمُور الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لأَجْلِهَا، وَلاَ كَانَتْ الرِّسَالَةُ مِنْ أَجْلهَا فَهُوَ فِي ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِمَا [يَعْتَرِضُ] البَشَر كَالأَمْرَاضِ، فَغَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مَا لاَ حَقِيقَةَ لَهُ مَعَ عِصْمَتهِ عَنْ مِثْل ذَلِكَ فِي أُمُورِ الدِّينِ»، قَالَ: «وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنَّ المُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَاتَهُ وَلَمْ يَكُنْ وَطِأَهُنَّ، وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَعُ تَخَيُّلُهُ لِلإِنْسَانِ فِي المَنَام فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي اليَقِظَةِ» (٣).
كَلاَمٌ فِي المَوْضُوعِ قَيِّمٌ لابْنِ القَيِّمِ (٤):
قال الإمام ابن القيم بعد أن ذكر الأحاديث الدالة على سحر النَّبِيِّ - ﷺ -: «وهذا الحديث
_________________
(١) هو الإمام أبو عبد الله بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري - بفتح الزاي - نسبة إلى مازرة أو مازر بلد بجنوب جزيرة صقلية، الفقيه المالكي، وقد وصل إلى درجة الاجتهاد في المذهب وقد شارك في علوم كثيرة وله مؤلفات منها " المعلم بشرح صحيح مسلم " وقد أكمله القاضي عياض وسماه " إكمال المعلم ". توفي سَنَةَ ست وثلاثون وخمسمائة.
(٢) ثَمَّ: اسم يشار به إلى المكان البعيد مثل: هنالك، وهو ظرف لا يتصرف.
(٣) " فتح الباري ": جـ ١٠ ص ٢٢٦، ٢٢٧.
(٤) هو الإمام المحدث المفسر الفقيه شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي المتوفى سَنَةَ ٧٥١ هـ وهو من أصحاب الإمام ابن تيمية، له كتب كثيرة، نافعة، مفيدة منها: " زاد المعاد في هدي خير العباد "، و" إعلام الموقعين " و" الطرق الحكمية "، و" مفتاح السعادة "، و" طريق الهجرتين "، وغيرها.
[ ٣٦٣ ]
الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الإنكار وقابلوه بالتكذيب، وصنف بعضهم فيه مُصَنَّفًا مُنْفَرِدًا حمل فيه على هشام - يعني ابن عروة بن الزبير - وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال: غلط واشتبه عليه الأمر ولم يكن من هذا شيء قال: لأن النَّبِي - ﷺ - لا يجوز أن يسحر فإنه تصديق لقول الكفار ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.
قالوا: فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين.
قال: وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رَدَّ حديثه فما للمتكلمين وما لهذا الشأن؟ (١).
وقد رواه غير هشام عن عائشة (٢)، وقد اتفق أصحاب " الصحيحين " على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة، والقصة مشهورة عن أهل التفسير والسنن، والحديث، والتاريخ، والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله - ﷺ - وأيامه من المتكلمين إلى أن قال: والسحر الذي أصابه كان مَرَضًا من الأمراض عارضًا شفاه الله منه، ولا نقص في ذلك، ولا عيب بوجه، فإن المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء، فقد أغمي عليه - ﷺ - في مرضه، ووقع حين انفكت قدمه، وجحش شقه، وهذا من البلاء الذي يزيد الله به رفعة في درجاته وقيل كرامته، وأشد الناس بلاء الأنبياء، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا من القتل والضرب والشتم، والحبس، فليس ببدع أن يبتلى النبي - ﷺ - من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتلي بالذي رماه فشجه، وابتلي بالذي ألقى على ظهره السلا (٣) وهو ساجد
_________________
(١) يعني علم الحديث رواية ودراية، وصدق ابن القيم فهم لا يعرفون من الحديث وعلومه إلا ظاهرًا منه، وأغلب أخطائهم في رد الأحاديث ناتج - علم الله - من جهلهم.
(٢) يعني بالواسطة فإن هشامًا يرويه عن أبيه، عن عائشة. أقول: وممن رواه عن عائشة عمرة بنت عبد الرحمن التابعية العالمة الفقيهة.
(٣) هو الكيس الذي يكون فيه جنين الناقة: المشيمة
[ ٣٦٤ ]
، فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم، وعلو درجاتهم عند الله، ثم أخذ في الإجابة عما أورده المنكرون للحديث من شبه بما لا يخرج عما ذكرناه (١).
نَتَائِجُ البَحْثِ:
والآن وبعد هذا المطاف الطويل حول الشبه التي أوردها أعداء الإسلام على السنن النبوية والأحاديث من لدن النظام المعتزلى وأضرابه إلى يومنا هذا أرى لِزَامًا عَلَيَّ أن أجمل النتائج التي توصلت إليها بعد هذا البحث المستفيض فأقول وبالله التوفيق:
[١] الإسلام - وهو الدين العام الخالد الذي ارتضاه الله للبشرية جميعًا حسبما صدع الحق - ﵎ - في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) قد تعرض لعداوات ظاهرة باطلة من المشركين والوثنيين وأضرابهم من اليهود والنصارى وغيرهم في العهد النبوي، وإلقاء الشبه التي وسوس إليهم بها شياطين الإنس، والجن، ولكن هذه العداوات لم تلبث بعد جهاد وكفاح مريرين أن خبت جذوتها وانطفأت ذبالتها، فذهب الشرك والمشركون، وذهب الباطل والمبطلون، وبقي الحق الظاهر المبين وصدق الله - ﵎ - حيث قال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا﴾ (٤) وقال: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٥).
_________________
(١) " التفسير القيم " لابن القيم: ص ٥٦٤ - ٥٧٢.
(٢) [سورة آل عمران، الآية: ١٩].
(٣) [سورة آل عمران، الآية: ٨٥].
(٤) [سورة الإسراء، الآيتان: ٨١، ٨٢].
(٥) [سورة الأنبياء، الآية: ١٨]
[ ٣٦٥ ]
وبعد أن جاور الرسول - ﷺ - الرفيق الأعلى وانتشر الإسلام على يد الصحابة الأبرار الأطهار - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - حتى بلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار ظهرت عداوات أخرى من بعض المنافقين واليهود والنصارى، وزنادقة اليهود والفرس، والرومان وأضرابهم الذين تظاهروا بالإسلام وتبطنوا الكفر كي يكونوا في مأمن من حكم الله فيهم لمحاربتهم دين الله الذي أصبح سائدًا في الأرض، وشريعته التي أصبح الحكم بها في كل بلد دخله الإسلام.
ولم يلجأوا إلى القوة فهم أضعف من أن يناوئوا سلطان الله العادل الرحيم في الأرض، وإنما لجأوا إلى الدس، والاختلاق، والكذب على الله ورسوله، وقد بالغ بعضهم في التخفي والتستر تحت الشعارات الزائفة، فمنهم من تظاهر بحب آل بيت النبي - ﷺ - ولا سيما فتى الإسلام عَلِيٌّ، وقد كان على رأس هذه الفئة الضالة المضلة عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث الماكر الداهية الذي تظاهر بحب عَلِيٍّ - ﵁ - ووضع حديث «لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيٌّ، وَوَصِيِّي عَلِيٌّ» وهو حديث مختلق مكذوب بإجماع أهل العلم.
ولم تقف به ضلالته هو وأتباعه عند هذا الحد بل ادعى ما هو أشد وأنكى، وأضر بالعقيدة، فزعم هو وأتباعه أن الله - ﵎ - عما يصفه به الكافرون والملحدون، قد حل في سيدنا عَلِيٍّ - ﵁ -.
وقد تعقبهم الخليفة الراشد ذو النورين عثمان - ﵁ - وكذا الخليفة الراشد من بعده عَلِيٌّ - ﵁ -، فقضى على من قضى عليه منهم، وَفَرَّ منهم واختفى عن الأنظار من فَرَّ، وعبد الله بن سبا اليهودي هذا هو سبب من الأسباب التي أدت إلى هذا الشرخ الكبير في تاريخ الإسلام وأدى إلى الفتنة الكبرى التي انتهت بقتل ذي النورين عثمان - ﵁ -، وأدت إلى هذه الحروب الدامية بين عَلِيٍّ - ﵁ - وأنصار سيدنا عثمان، وبينه وبين معاوية بن أبي سفيان - رَضِيَ اللهُ عَنْ الجَمِيعِ - فما كان خلافهم إلا عن اجتهاد فللمصيب منهم أجران وللمخطئ منهم أجر.
[ ٣٦٦ ]
ومن ثم نجد الضرر العظيم الذي لحق بالوحدة الإسلامية بسبب هذا اليهودي الخبيث الماكر الداعر الفاجر، وبسبب الزنادقة من كل لون وجنس.
ومما ينبغي أن يعلم أن الكثرة الكاثرة جِدًّا من الذين دخلوا في الإسلام دخلوا فيه عن طواعية واختيار وقد صهرهم الإسلام وصير منهم أناسًا مخلصين للإسلام ولعقيدة الإسلام، ولسلطان الإسلام، ولعلوم الإسلام، ولثقافة الإسلام.
وليس أدل على هذا من أن خدمة الإسلام والجهاد في سبيله، ونشره في أرض الله الواسعة وخدمة العلوم الإسلامية والثقافة الإسلامية قام بها من المسلمين غير العرب من هم أكثر من المسلمين العرب.
وهؤلاء الذين حملوا الحقد على الإسلام والمسلمين ولم يمكنهم التخلص من رواسب العقائد الباطلة الموروثة والعادات الجاهلية الممقوتة، والتقاليد البالية الفاسدة وتسلطت عليهم العصبية للجنس، والدين، واللغة كانوا قلة بالنسبة إلى الأولين، وهذه القلة كان لهم الخلفاء والأمراء والعلماء بالمرصاد أما الخلفاء والأمراء فقتلوهم وصلبوهم، وأما العلماء فقد زيفوا مزاعمهم وكشفوا عن وجه الباطل فيها.
[٢] الطَّعْنُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ:
لما كان الإسلام بأصوله وفروعه يتمثل في الأصلين الشريفين:
أ - القرآن الكريم: الذي هو أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم.
ب - السنن والأحاديث النبوية التي هي شارحة للقرآن، ومفسرة له: توضح مجمله، وتخصص عامه، وتقيد مطلقه، وتستقل بالتشريع في بعض الأحيان اتجهت حملات أعداء الإسلام والمسلمين إلى الطعن وإثارة الشبه حول هذين الأصلين الشريفين ولما كان القرآن الكريم كان يحفظه الألوف تلو الألوف، بل يحفظه ألوف الألوف من الرجال، والنساء، والصبيان في الكتاتيب وطلاب العلم في المعاهد والمدارس، والجامعات، والجوامع كان من المتعذر جِدًّا إن لم يكن مستحيلًا التزيد فيه أو النقص، فمن ثم لجأ أعداء الإسلام إلى الاختلاق في تفسيره، والتحريف في
[ ٣٦٧ ]
معانيه فمن ثم كان هذا الركام المتكاثر من الموضوعات المكذوبة والإسرائيليات الباطلة، والخرافات والأباطيل التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير سواء في ذلك كتب التفسير بالمأثور: الذي هو أسبق في الوجود من التفسير بالرأي والاجتهاد، وكتب التفسير بالرأي والاجتهاد (١).
ولغلاة الشيعة، والقرامطة، والباطنية، وجهال المتصوفة وأشباههم من الزنادقة والمبتدعة وذوي الأهواء المضلة والأغراض السيئة والعداوات الباطنة للإسلام في كل عصر ومصر في هذا الباب، تأويلات باطلة تشتمل على العجب العجاب في تفسير آيات القرآن الكريم لا تتفق هي ولغة القرآن، ودعوة القرآن وجمال القرآن وبلاغة القرآن، وليس هناك ما يشهد لها من شرع أو عقل ومما يؤسف أن هذه التأويلات الجاهلة الباطلة لقيت آذانا صاغية من بعض ذوي القلوب المريضة، والدين الرقيق، والعقول السخيفة وعملوا على ترويجها وإشاعتها بين الناس.
ولكن أصحاب القلوب المؤمنة والعقول السليمة، والأفكار النيرة من علماء هذه الأمة سَلَفًا وَخَلَفًا كانوا لهذه الأباطيل والتحريفات بالمرصاد فكشفوا عن عارها وعوارها، وَبَيَّنُوا وجه بطلانها وبذلك ردوا كيد هؤلاء في نحرهم وبقي القرآن كما قال رسول الله - ﷺ -: «لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ» (٢) الحديث، وقد روى قوله «لاَ تَزِيغُ» بفتح التاء أي لا تميل عن الحق باتباعه الأهواء وَرُوِيَ بضمها، أي لا تميله الأهواء المضلة عن نهج الاستقامة إلى الاعوجاج، من الإزاغة يعني الإملة،
_________________
(١) من أراد تفصيلًا في ذلك فليرجع إلى كتابي " الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير " وقد صدرت حديثًا الطبعة الرابعة من هذا الكتاب النافع المفيد عن مكتبة السنة بالقاهرة - فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات [الناشر].
(٢) هو من حديث رواه الترمذي من حديث الحارث الأعور عن النبي - ﷺ - وقال: إسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال، وقد ذكره السيوطي في " الإتقان " وقال: أخرجه الترمذي والدارمي وغيرهما. وسكت عنه، وكذا ذكره الحافظ ابن كثير في " فضائل القرآن " وتعقب كلام الترمذي بما يدل على اعتماده للحديث، والله أعلم.
[ ٣٦٨ ]
والباء لتأكيد التعدية.
ومعنى «وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ» أي لا تتعسر عليه ألسنة المؤمنين، ولو كانوا من غير العرب، وصدق الله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١) وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٢) ولقد تعرض القرآن الكريم في القديم والحديث للطعون وإلقاء الشبه والأباطيل وقد تحطمت كل هذه السهام الخائبة على صخرة القرآن الصلبة العاتية فكان هؤلاء الطاعنون كما قيل:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَا * * * فَلَمْ [يُضِرْها] وأوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ.
وقد بقي القرآن أربعة عشر قرنًا أو تزيد مصدر هداية وتبشير وإنذار وإشعاع نور، والمعجزة العظمى للنبي - ﷺ - على توالي العصور والدهور وسيستمر كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
فليرح الطاعنون أنفسهم وليكفوا عن هذياناتهم وأباطيلهم فإن هذا القرآن هو الكتاب الإلهي الذي سلم من التحريف والتبديل وهو الكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) [الحجر: ٩] إن هذا الكتاب الإلهي الكريم قد بقي مشغلة الفكر الإنساني أربعة عشر قرنا للمسلمين وغير المسلمين.
أما المسلمون فلأنه مصدر هدايتهم، والمصدر الأول لعقيدتهم ولتشريعاتهم وأخلاقهم، وآدابهم ولسياساتهم واقتصادياتهم وو الخ.
وأما غير المسلمين فلما يستفيدون من دراسته من الوقوف على الأصول الدينية والخلقية والاجتماعية، والسياسية، والعلمية، والنفسية التي كانت السبب في تكوين
_________________
(١) [سورة القمر، الآيات: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠].
(٢) [سورة مريم، الآية: ٩٧].
(٣) [سورة الحجر، الآية: ٩].
[ ٣٦٩ ]
أمة هي خير أمة أخرجت للناس قديمًا وحديثًا، والأمة الوسط في عقيدتها، وفي تشريعاتها وفي أخلاقها، وفي مناهجها في الحياة، وصدق الله - ﵎ - حيث قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢) وما من شبهة أوردت على القرآن إلا وقيض الله لها من علماء الأمة من ردها وكشف عن بطلانها (٣).
[٣] الطَّعْنُ فِي السُّنَنِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ:
وكما طعنوا في القرآن الكريم طعنوا كذلك في الأحاديث والسنن النبوية وقد ظنوا أن الطعن فيها أيسر عليهم من الطعن في القرآن الكريم لأن القرآن الكريم ثابت في جملته وتفصيله بالتواتر (٤) المفيد للقطع واليقين، وله القداسة الأولى في نفوس المسلمين بخلاف الأحاديث والسنن فإن معظمها ثابت بالأسانيد الآحادية (٥)، وقداستها في النفوس دون قداسة القرآن الكريم!!.
وقد اتخذ هذا الطعن في السنن والأحاديث سُبُلًا متعددة وإليكم بيانها:
[أ] الطعن في حَمَلَةِ الأحاديث والسنن من الصحابة فمن بعدهم لأنه إذا قَلَّتْ الثِّقَةُ
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ١٤٣].
(٢) [سورة آل عمران، الآية: ١١٠].
(٣) في كتابي " المدخل لدراسة القرآن الكريم " ذكرت نحوًا من خمسين شبهة أوردت على جمع القرآن، وكتابته، ورسمه، وَمَكِيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ، وقد رددتها رَدًّا عِلْمِيًّا صحيحًا فلله الحمد والمنة على ما وفق وألهم. [وقد صدر هذا الكتاب النافع في طبعة جديدة مصححة ومزيدة - عن مكتبة السنة بالقاهرة في طبعته الرابعة] الناشر.
(٤) المتواتر: في اصطلاح العلماء: هو ما رواه جمع كثير عن جمع كثير بحيث تحيل العادة أو العقل المستند إلى العادة تواطؤهم واتفاقهم على الكذب في نسبة القول إلى قائله.
(٥) المراد بالآحادية: كل ما ليس بمتواتر فيدخل فيه المشهور، والمستفيض والعزيز والغريب.
[ ٣٧٠ ]
بنقلة الأحاديث والسنن النبوية قلت الثقة بالمنقول، وهذا هو ما يريدون وذلك كما فعلوا في الطعن في بعض الصحابة من أمثال الصحابي الجليل أبي هريرة - ﵁ -، أكثر الصحابة رواية للأحاديث، وكما فعلوا في الطعن في إمام الحجاز والشام الإمام محمد بن شهاب الزهري، وإذا قَلَّتْ الثقة بهذين الإمامين قَلَّتْ الثقة بغيرهم من باب أولى.
[ب] الطعن في الأسانيد والتقليل من شأنها وزعمهم أن نقد الأسانيد عند المسلمين وإن كان بلغ الغاية في البحث في تاريخ الرجال إلا أنهم قد خفيت عليهم في نقد الأسانيد أمور لم يلتفتوا إليها، ولم يعيروها العناية الكافية.
قالوا هذا مع أن علم الأسانيد في الإسلام يعتبر بِدَعًا في بابه، ولم يكن معروفًا عند أمة من الأمم قبل الإسلام مثل ما هو معروف في الإسلام حتى أجمع الباحثون والعلماء المحققون على أن الإسناد الصحيح المتصل من خصائص هذه الأمة الإسلامية.
[ج] إن العلماء والنقاد المسلمين كانت جُلُّ عنايتهم بنقد الأسانيد وتاريخ الرجال، أما نقدهم للمتون فكان دون ذلك بقليل.
وأيدوا ما زعموه من أن بعض الأحاديث يخالف بعضها بعضًا ويناقض بعضها بعضًا، وأن بعض الأحاديث تردها المشاهدة، وأن بعضها يرده ما وصل إليه العلم ولا سيما الطبي والفلكي وأن بعضها كان يحتاج إلى استعمال الكثير من الملاحظات والتجارب وقد عرضت في هذا البحث المستفيض لكل ما قالوه، وَرَدَدْتُهُ رَدًّا عِلْمِيًّا صَحِيحًا.
[ ٣٧١ ]
[٤] المستشرقين وأضرابهم من قساوسة النصارى وأحبار اليهود قد وقعوا على هذه الشبه والطعون التي افتجرها أعداء الإسلام من اليهود، وزنادقة الفرس والرومان، وأفراخ الفلاسفة اليونانيين، وصاروا يزيدون فيها، ويعيدون ما شاء لهم هواهم أن يزيدوا ويعيدوا حتى صيروا من الحبة قُبَّةً.
وقد حمل إثم هذا الإفك المستشرق اليهودي الأصل " جولدتسيهر " وتابعه على ذلك كثيرون، واعتبروا أقواله في الحديث قضايا مُسَلَّمَةً لا تحتاج إلى مناقشة، وأذاعوا هذا الإفك في الأوساط الأوربية وغيرها.
واغتر بأقوالهم بعض الذين ذهبوا لأجل الحصول على الدرجات العلمية:
الماجستير، والدكتوراه من الجامعات الغربية فلما عادوا نقلوا عنهم هذا الزور والبهتان، ولقنوه لطلبة الجامعات في البلاد الإسلامية والعربية حتى انتشرت هذه الأفكار الاستشراقية على مدى واسع في بلادنا الإسلامية والعربية ولم يقف الأمر عند حد الطلاب بل قد وجدنا بعض الباحثين الذين أصبحت لهم مراكز مرموقة، وتربعوا على كراسي الجامعات، يتابعون هؤلاء المستشرقين، وينشرون سمومهم في كتب لهم انتشرت في بلادنا الإسلامية والعربية انتشارًا واسعًا.
[٥] إن بعض المستشرقين من اليهود والقساوسة كانت أخطاؤهم في دراسة الحديث النبوي الشريف متعمدة بقصد الإفساد في الإسلام، وخلع المسلمين من عروتهم الوثقى: عروة الإسلام، وتقليل الثقة بهذا الدين الإلهي العظيم وذلك عن طريق الطعن في الأصلين الشريفين اللذين يرجع إليهما الإسلام: القرآن الكريم، والسنة والأحاديث النبوية، وقد ضربنا لذلك أمثلة كثيرة مما سبق في أثناء الكتاب.
وفكرة الاستشراق في أصلها لم تكن متمحصة لخدمة العلم والثقافة الإسلامية وإنما هي في أصلها سياسية يقصد بها الطعن في الإسلام وصرف المسلمين عنه ولا
[ ٣٧٢ ]
سيما عن الأصلين الشريفين: القرآن الكريم، والأحاديث النبوية لأنهم يعتقدون أنهم لا يتم لهم ما يريدون من تملك البلاد الإسلامية والعربية والانتفاع بخيراتها ومواردها إلا عن طريق إضعاف فريضة الجهاد في نفوسهم، وفي القرآن الكريم، والأحاديث النبوية من النصوص المتكاثرة ما يزكي روح الجهاد والمقاومة في نفوسهم، وإذا ما قَلَّتْ الثقة بهذين الأصلين الشريفين فقد فترت فيهم فريضة الجهاد وسهل على الأعداء تملك البلاد والعباد، وهذا ما كان فإن الغرب لم يتمكن من «الاستخراب» في البلاد الإسلامية والعربية إلا لما ضعف فيهم فريضة الجهاد، وانصرفوا عنها إلى الحرث والزرع. والاشتغال عنه بأمور الدنيا، روى الإمام البخاري في " صحيحه " بسنده عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ: - وَرَأَى سِكَّةً (١) وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ -، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لاَ يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ» (٢) والحديث لا ينهى المسلمين عن الاشتغال بالحرث والزراعة، وكيف؟ وفي الأحاديث الصحيحة ما يرد هذا الفهم؟ وفي " الصحيحين " وغيرهما - واللفظ للبخاري - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».
وإنما يريد النبي - ﷺ - بهذا الحديث الذين ينصرفون عن الجهاد إلى الاشتغال بالحرث والزرع وغيرها من أمور الدنيا، وصدق رسول الله - ﷺ - فإن المسلمين ما تمكن منهم أعداؤهم إلا لما ضعفت فيهم روح الجهاد وحب الاستشهاد في سبيل الله، وانصرفوا عنه إلى الاشتغال بغيره، وقد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار يشتغلون بالعمل في تجاراتهم، أو زراعاتهم وبساتينهم، لكن قلوبهم كانت دائما مشدودة إلى الجهاد فإذا دعا داعي الجهاد لَبُّوا سِرَاعًا ولا يلوون على شيء من أهل أو ولد أو دار، أو مال.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ
_________________
(١) سكة: بكسر السين المهملة هي آلة الحرث.
(٢) " صحيح البخاري ": - كتاب الحرث - باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به.
[ ٣٧٣ ]
لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ (١)، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً (٢)، أَوْ فَزْعَةً (٣) طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ» رواه مسلم.
وتأملوا معي في قوله: «[يَطِيرُ] عَلَى مَتْنِهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ» فإذا أراد المسلمون أن تعود لهم عزتهم، وأن يعود لهم سلطانهم في الأرض فعليهم بالاستعداد للجهاد، وحب الاستشهاد، وإعداد العدة للأعداء.
[٦] إن بعض المستشرقين والدارسين لِلْسُنَّةِ من غير المسلمين، بله بعض الدارسين من المسلمين كانت أخطاؤهم عن جهل بعلوم السنة، وعدم التعمق في فهمها وعدم فهم كلام العلماء المحققين الذين أفنوا أعمارهم في دراسة الأحاديث والسنن وذلك لأن العلم بالسنة بحر واسع عميق يحتاج إلى صبر وأناة، وطول سهر وبحث ومواصلة لهذا البحث، ويحتاج السبح فيه إلى سباح ماهر يعرف كيف يسبح وعلى أي شاطئ يستقر ويحتاج الغوص والبحث عن لآلئه ويواقيته ومرجانه إلى غَوَّاصٍ مَاهِرٍ لا يكتفي بما هو على السطح عن القاع، ولا بالحجر عن الأصداف والدرر، ولو أنهم نفذوا إلى الأعماق، وعلموا المغازي والمرامي لما وقعوا فيما وقعوا فيه من الأخطاء وإذا كان بعض المشتغلين بالأحاديث والسنن من المسلمين لم يصلوا إلى هذا الحد فكيف لغيرهم ممن ليسوا بمسلمين؟!.
[٧] لقد مكث سلطان المستشرق اليهودي جولدتسيهر وسلطان مدرسته متسلطًا على كثير من المستشرقين، واعتبروه صنمهم الأكبر فيما قال، واعتبروا كتبه المرجع الأساسي في دراساتهم للأحاديث والسنن، ولم يخرج عن متابعته في كل ما قاله إلا فئة قليلة جِدًّا من المستشرقين المتأخرين عنه فقد تحرروا من متابعته وناقشوه في بعض ما قال، ورأوا في أحكامه على السُنَّةِ جَوْرًا وظلمًا ولعل السبب في ذلك استقلالهم في التفكير، وتأبيهم عن المتابعة ولو كانت فيما هو خطأ صراح، وما
_________________
(١) كناية عن شدة ملازمته لظهره.
(٢) أي صيحة بحضور العدو.
(٣) أي نهضة للخروج إلى العدو.
[ ٣٧٤ ]
قام به بعض علماء المسلمين الغيارى على السنن والأحاديث من ردود على هذا المستشرق الذي يحمل الحقد والضغن على الإسلام والمسلمين، وذلك بما كتبه حول القرآن وتفسيره، وما كتبه حول السنن والأحاديث.
إن " جولدتسيهر " ما هو إلا امتداد لعبد الله بن سبإ اليهودي الخبيث، وأشياعه الذين أخذوا على أنفسهم الإفساد في الإسلام، وتقويض دعائمه وإذهاب سلطانه.
قلبكن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ولا سيما مثقفوهم وشبابهم في الجامعات الإسلامية والعربية على بينة من هذا وليحذروا السموم، والأباطيل التي يدسها هذا المستشرق ومدرسته في بحوثهم حول القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد أعذر من أنذر.
[٨] إن بعض المستشرقين كانت لهم في دراساتهم للسنة والأحاديث أعمال مذكورة غير منكورة ومشكورة غير مجحودة، وذلك بإحيائهم بعض الكتب الحديثية، وتأليفهم بعض الكتب التي قربت إلى الباحثين، والدارسين الوقوف على الأحاديث في مظانها، ومواضعها وذلك مثل ما صنع " فنسنك " في " مفتاح كنوز السنة " وكما فعل جماعة من المستشرقين بتأليفهم كتاب " المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي " وهذا يدل على تقديرنا للأعمال العلمية النافعة، وإنا لا نكره المستشرقين كافة، ولا نمدحهم بعامة، وإنما نقول للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت، ولمن أحسن في مكان، وأساء في آخر: لقد خلطت عملًا صالحًا وآخر سَيِّئًا وفي الحق أن هؤلاء الذين قاموا بهذه الأعمال المذكورة المشكورة أتيحت لهم من التيسرات والمساعدات المادية والأدبية ما جعلهم يتفرغون تفرغًا كاملًا لأعمالهم تلك ولو أن هذه التيسيرات والمساعدات أتيحت لكثير من العلماء المسلمين بالسنة لكان من وراء ذلك خير كثير للإسلام والمسلمين، ولخدمة الثقافة الإسلامية الأصيلة.
ويؤسفني أن أقول: إن العلماء المسلمين هم الذين كانوا الأولى بتأليف أمثال هذين الكتابين النافعين، وأن أقول اَيْضًا: إن جامعاتنا الإسلامية والعربية لا تقوم بما تقوم به الجامعات الغربية في مضمار تشجيع العلم والعلماء وهي حقيقة ما كنت أريد
[ ٣٧٥ ]
أن أقولها، ولكن الاعتراف بالحق فضيلة.
[٩] إن بعض الباحثين في السنة والأحاديث من المسلمين كَدَعِيِّ العلم محمود أبي رية قد تابعوا المستشرقين في كل ما قالوا حذو النعل بالنعل بل وحاولوا أن يزخرفوا كلامهم ويقربوه إلى القراء، وأسرفوا في إلباس كلامهم ثوب الحق، وبذلك كانوا كلابس ثوبي زور (١).
وقد أسف هذا الدَّعِيُّ إسفافًا بلغ حد السباب والفحش في القول في تناوله للصحابي الجليل أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وفي الحق أن المستشرق اليهودي جولدتسيهر، في نقده لهذا الصحابي الجليل كان أعف منه في النقد، وآدب منه في القول، ولم يسف إسفاف أبي رية وقد عرضت لبيان ذلك في أثناء هذا الكتاب، وفي كتابي " دفاع عن السنة " (٢).
[١٠] إن بعض الباحثين المسلمين الذي كتبوا في الحياة العقلية عند المسلمين وفي تاريخ العلوم الإسلامية ونشأتها وتطورها قد تابعوا المستشرقين في كثير مما كتبوا، وخالفوهم في بعض ما قالوا وناقشوهم مناقشة جادة نافعة وذلك كما فعل الأستاذ أحمد أمين في كتبه: " فجر الإسلام " و" ضحاه " وبذلك خلطوا في كتاباتهم عملًا صالحًا، وآخر سيئًا، وقد وصل إلى مرتبة العمادة في كلية الآداب إحدى كليات الجامعة المصرية، أو إن شئت فقل جامعة القاهرة، وقد أخذ شهرة واسعة في البلاد الإسلامية والعربية وكنا نحب من أحمد أمين وأمثاله أن يربأوا بأنفسهم عن الأخذ عن المستشرقين وأن يدرسوا كتب الأحاديث والسنن كما درسنا، ولو أنهم فعلوا لوصلوا إلى ما وصلنا إليه من أن السنة قد قامت على أساس ثابت مستقر وأن الكثرة الكاثرة من الأحاديث تضرب في القدم إلى عهد النبي - ﷺ -، وأن الله قيض لهذه السنن والأحاديث من الأئمة العدول الضابطين من حملها عن النبي - ﷺ -، وهم
_________________
(١) ذلك أن ما نقله زور في نفسه، ومحاولته ادعاء ذلك لنفسه، وأنه من بنات أفكاره زور آخر.
(٢) " دفاع عن السنة ": من ص ١٠٧ إلى ص ١٣١.
[ ٣٧٦ ]
أصحاب النبي - ﷺ -، وعن هؤلاء الصحابة حملها الأئمة العدول الضابطون من التابعين وعن التابعين حملها الأئمة العدول الضابطون من أتباع التابعين حتى تم جمعها في الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، والجوامع.
وإن النقد للأحاديث وتمييز صحيحها من حسنها من ضعيفها لم ينفك عن الرواية من لَدُنْ الصحابة ومن جاء بعدهم، وإن الجمع للأحاديث ونقدها سَارَا جَنْبًا إلى جنب، ورضي الله عن الصحابي الجليل ابن مسعود حينما قال: «بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم (١).
ورضي الله - ﵎ - عن الصحابي الجليل ابن عباس حينما قال: «إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ (٢)، لَمْ نَأْخُذْ مِنْ النَّاسِ إلاَّ مَا نَعْرِفُ» رواه مسلم في مقدمة " صحيحه ".
وقال الإمام الجليل مالك - ﵁ -: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلاَ يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم. وعن أبي الزناد قال: «أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ» رواه مسلم.
وعن ابن سيرين قال: " لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ" رواه مسلم.
وعن عبد الله بن المبارك قال: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» وعنه قال: " «بَيْنَنَا [وَبَيْنَ الْقَوْمِ] الْقَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ (٣). رواه مسلم.
_________________
(١) وقد روى هذا الأثر مسلم في مقدمة " صحيحه " عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -.
(٢) الأصل في الصعب والذلول أن يكون في الإبل، فالصعب العسر المرغوب عنه، والذلول السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه، والمعنى: سلك الناس كل مسلك في الرواية مما يحمد ويذم.
(٣) المراد بالقوائم الأسانيد وإذا كان الحيوان لا يقوم بغير قوائم فكذلك الحديث لا يقوم ولايقبل بغير =
[ ٣٧٧ ]
وقال سفيان الثوري: «الإِسْنَادُ سِلاَحُ الْمُؤْمِنِ» رواه مسلم (*)، وقال عبد الرحمن بن مهدي: «لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ» (١) وقال الإمام الشافعي: «مَثَلُ الذِي يَطْلُبُ الحَدِيثَ بِلاَ إِسْنَادٍ كَحَاطِبش لَيْلٍ». إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالأسانيد ونقد الرواة، وتشريحهم تشريحًا علميًا دقيقًا، ولولا هذا لوجد الزنادقة وأعداء الإسلام الفرصة سانحة للإفساد في الدين والاختلاق في الأحاديث من غير أن يجدوا من يكشف عن زيفهم وكذبهم ويرد عليهم كيدهم.
فكيف غابت هذه النصوص الكثيرة وغيرها على الباحثين المسلمين؟!.
وما كنا نحب لأحمد أمين وأمثاله أن يكونوا ذيولًا للمستشرقين، وكنا نحب منهم أن تكون لهم شخصيتهم المستقلة في البحث.
[١١] إن بعض من يتسمون بأسماء المسلمين اليوم قد أحيا البدعة القديمة بدعة الاكتفاء بالقرآن عن السنن والأحاديث، وقالوا: حسبنا كتاب الله وقد خالفوا كتاب الله بمقالتهم تلك فهذا كتاب الله - ﵎ - يصدع بالحق في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٤)، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية المتكاثرة التي لا يحصيها العَدُّ
_________________
(١) = إسناد وهذا من المجازات البديعة حقا.
(٢) مقدمة " صحيح مسلم ": جـ ١ من ص ١٠ - ١٦.
(٣) [سورة الحشر، الآية: ٧].
(٤) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
(٥) [سورة النحل، الآية: ٦٤]. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) لم يرد في " صحيح مسلم "، انظر " شرف أصحاب الحديث " للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور محمد سعيد خطيب أوغلي، ص ٤٢، ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م، نشر دار إحياء السنة النبوية - أنقرة - تركيا. وانظر اَيْضًا: انظر: " تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي " للإمام السيوطي، تحقيق الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف: ٢/ ١٦٠، الطبعة الثانية: ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، نشر دار إحياء السُنَّةِ النبوية.
[ ٣٧٨ ]
ولهذه البدعة المنكرة أنصار في بعض البلاد الإسلامية، وهي بدعة من الحمق بمكان، ومن النكارة بمكان، وأقل ما يترتب على هذه البدعة المنكرة أن يستعجم فهم القرآن الكريم على الأمة الإسلامية، وإذا تركت السنن والأحاديث واستعجم فهم القرآن فقل على الإسلام العفاء!! ولن يكون هذا إن شاء الله تعالى وإذا كانت هذه الدعوة النكراء مستنكرة من الأفراد فهي أشد استنكارًا وأكثر حمقًا إذا وقعت من بعض أولياء الأمور في بعض البلاد الإسلامية المغلوبة على أمرها فصاروا يهرفون بما لا يعرفون، ويتكلمون بما لاَ يَعُونَ.
إن هذه الدعوة المستهجنة ستقبر - إن شاء الله - في العصر الحديث كما قبرت مثيلتها في العهد القديم، ولن تقوم لها قائمة بإذن الله تعالى اليوم، ما دامت الكثرة الساحقة من المسلمين، ومن علماء المسلمين يدعون إلى الحق الظاهر المبين وإلى الصراط المستقيم.
إن في العالم الإسلامي اليوم صحوة مشكورة، وصرخة مخلصة في الدعوة إلى العمل بكتاب الله وبسنة رسول الله - ﷺ -، وأنه لا نجاة للمسلمين فيما يحيط بهم من أخطار، إلا بالتمسك بهذين الأصلين الشريفين، وقد ظهرت آثار هذه الصحوة وهذه الصرخة المؤمنة المدوية في كثير من بلاد الإسلام، وتجاوبت الأصداء بالعمل بكتاب الله - ﵎ -، وسنة رسول الله - ﷺ -.
إن الشعوب الإسلامية إذا احتكمت إلى كتاب الله وسنة رسول الله فقد نصرت دين الله، ومن نصر دين الله نصره الله وصدق الله ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).
إن الشعوب الإسلامية إذا احتكمت إلى كتاب الله تعالى، وإلى سنة رسوله - ﷺ - فقد عرفت ذاتها، وعادت إلى شخصيتها الإسلامية المتميزة عن غيرها من الشخصيات بالعقيدة، والشريعة، والأخلاق، وَالسَّمْتِ الحَسَنِ، والدل الجميل، والهدي الأصيل.
_________________
(١) [سورة الحج، الآية: ٤٠].
[ ٣٧٩ ]
فيا قومي المسلمين والعرب عَضُّوا بِالنَّوَاجِذِ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وبحسبكم قول المبلغ عن رب العالمين: «تَرَكْتُ فِيكُمْ [أَمْرَيْنِ] لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» رواه الإمام مالك بَلاَغًا، ورواه الحاكم في " مستدركه " موصولًا عن ابن عباس - ﵄ -.
[١٢] لقد أقام الله - ﵎ - للدفاع عن دينه وإظهار محاسنه وفضائله والدفاع عن كتابه، وسنة رسوله - ﷺ -، من علماء هذه الأمة الإسلامية في كل عصر ومصر من دحض هذه الشبه التي أوردها أعداء الإسلام على كتاب الله - ﵎ - وسنة رسوله - ﷺ -، وهذه الطائفة القائمة على الحق والمنافحة عنه لن يخلو منها عصر من العصور كما هي سنة الله في الأكوان: أن الحق لا بد له من أنصار وأعوان حتى ولو ظهر الباطل على الحق، وكثر ناصروه، وهذه الطائفة القائمة على الحق والناصرة له.
وذلك حسبما صدع به الصادق المصدوق - ﷺ -.
روى البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما بسنديهما عن المغيرة بن شعبة، عن النبي - ﷺ - قال: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» وفي رواية لمسلم بلفظ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ » ورويا في " صحيحيهما " بسنديهما عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى [يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ]».
والمراد بالظهور: الظهور بالحجة والبرهان وهذا الظهور في كل عصر وزمان،
_________________
(١) " صحيح البخاري ": - كِتَابُ المَنَاقِبِ - باب بعد علامات النبوة ببابين. و- كِتَابُ الاِعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ» [يُقَاتِلُونَ] وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ ".
(٢) " صحيح مسلم ": - كِتَابُ الإِمَارَةِ - بَابُ قَوْلِهِ ﷺ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ».
[ ٣٨٠ ]
ومكان وقد ينضم إلى الظهور بالحجة الظهور بالقوة والسلطان كما كان الشأن في العصور الأولى، وقد مكثت دولة الإسلام وهي صاحبة السلطان في العالم اثني عشر قَرْنًا أو تزيد حتى دب إلى الأمة الإسلامية ما دب إلى الأمم قبلها من الفرقة والانقسام، وعدم الاعتصام بحبل الله فكان ما كان من انحلال هذه الأمة وضعفها حتى صارت نَهْبًا مُقَسَّمًا بين الأعداء.
وها هي الأمة قد صحت من نومتها واستيقظت من غفلتها، وتخلصت من قيود الأسر والاستعباد، ومن سلطان الغاصب المستبد، وما من دولة من دول الإسلام إلا وقد أصبحت مستقلة وأصبح أمرها بيدها وكنا [نرجو] أن تتوحد الصفوف، وتجتمع الكلمة وتعتصم هذه الدول بحبل الله، ولكن لا زالت بينها الفرقة، والانقسام، بل وصل الأمر أن بعض المسلمين صار يقاتل البعض الآخر، ويشهر في وجهه السلاح ولا حول ولا قوة إلا بالله فهو القادر على أن يرأب الصدع، ويجمع الكلمة ويوحد الصفوف وحينئذ ستعود للأمة الإسلامية عزتها وقوتها، ويعود لها سلطانها المرهوب في الأرض.
وروى الشيخان عن معاوية - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَلاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ (١) مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ (٢)، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وروى مسلم في " صحيحه بسنده عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ [وَهُمْ كَذَلِكَ]». وقد حرصت على ذكر هذه الأحاديث المُبَشِّرَةُ كلها حتى لا يتسرب اليأس إلى قلوب بعض المسلمين لما وصلت إليه حال الأمة الإسلامية من الضعف والتفرق والانقسام
_________________
(١) أي جماعة.
(٢) أي عاداهم.
[ ٣٨١ ]
واليأس من رحمة الله ومن تداركه هذه الأمة ليس من خُلُقِ المسلم، ولا من خُلُقِ المؤمن، وصدق الله في حكايته لمقالة نبيه يعقوب - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) ولتكون مُثَبِّتَةً لقلوب المؤمنين المجاهدين والمضحين بأنفسهم في سبيل الدين الحق: دين الإسلام والدعوة الحقة: الدعوة إلى الله، وحاثة لهم على الاستمرار في هذا الطريق الواضح المبين مهما نزل بهم من بلاء، ومهما صادفوا من عقبات.
وقد اختلف في المراد بهذه الفئة الثابتة على الحق فقال الإمام الجليل البخاري: «هُمْ أَهْلُ العِلْمِ»، وقال الإمام الجليل أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ الْحَدِيثِ فَلاَ أَدْرِي مَنْ هُمْ؟» قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: «إِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ»، وقال غيرهم غير ذلك، فمن ثم نرى أن كل طائفة من طوائف أهل العلم حاولت أن تبين أنها هي المعنية بالأحاديث.
والحق هو ما قاله الإمام الجليل النووي في " شرحه لصحيح مسلم " قال الحافظ نقلًا عنه مع بعض الزيادة:
«يَجُوز أَنْ تَكُون الطَّائِفَة جَمَاعَة مُتَعَدِّدَة مِنْ أَنْوَاع الْمُؤْمِنِينَ: مَا بَيْن شُجَاعٍ وَبَصِيرٍ بِالْحَرْبِ وَفَقِيهٍ وَمُحَدِّثٍ وَمُفَسِّرٍ وَقَائِمٍ بِالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَزَاهِدٍ وَعَابِدٍ، وَلاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَجُوزُ اِجْتِمَاعُهُمْ فِي قُطْرٍ وَاحِدٍ وَافْتِرَاقُهُمْ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي البَلَدِ الوَاحِدِ وَأَنْ يَكُونُوا فِي بَعْضٍ مِنْهُ دُونَ بَعْضٍ، وَيَجُوزُ إِخْلاَءُ الأَرْضِ كُلِّهَا مِنْ بَعْضِهِمْ أَوَّلًا فَأَوَّلًا إِلَى أَنْ لاَ يَبْقَى إِلاَّ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ فَإِذَا اِنْقَرَضُوا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ» (٢).
_________________
(١) [سورة يوسف، الآية: ٨٧].
(٢) " فتح الباري ": جـ ١٣ ص ٢٩٥.
[ ٣٨٢ ]
إن شرف الدفاع عن كتاب الله، وعن سنة رسول الله - ﷺ - لا يدانيه أي [شَرَفٍ]، والشيء يشرف بشرف موضوعه، وكلام الله - ﵎ - هو أشرف الكلام، وكلام رسول الله - ﷺ - هو أشرف الكلام بعد كلام الله. إن هذا الشرف لا يدانيه شرف من نسب، أو جاه، أو مال، ولو كان مال قارون، أو منصب إمارة، أو وزارة. إن هذه كلها ما هي إلا أعراض زائلة، وفانية، أما المنافحة عن كتاب الله وعن سنة رسول الله - ﷺ - فهو أمر باق دائم، ومن أعظم السبل الموصلة إلى الجنة
وأرجو أن تعوا ذلك يا أهل العلم بعامة ويا أهل الحديث بخاصة، إن المنافحة عن كتاب الله - ﵎ - وعن سنة رسوله - ﷺ - هي نوع من أنواع الجهاد، كما صدع بذلك الصادق المصدوق - ﷺ - حينما قال: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
ويدخل في جهاد الكفار بالألسنة الجهاد بالقلم: بالكتاب أو بالمقال، أَلاَ أَشَدَّ حَاجَتِنَا [مَعَاشِرَ] المسلمين في هذا العصر الذي تقوم فيه المجاهدة بالكتاب وبالمقال مقام القتال بالنفس، وبذل المال، والذي تكالبت فيه على المسلمين عوامل الشر والإفناء، والذي أصبح التصارع فيه بالكلمة حتى أصبح لها شأن وأي شأن عن طريق الصحافة حِينًا، وعن طريق المذياع حِينًا آخر، وعن طريق التلفاز حِينًا ثَالِثًا.
[١٣] إن من أعجب العجب أن كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ - لا يزالان من القوة والثبوت وَالحَقِّيَّةِ وَالصَّلاَبَةِ التي تكسرت عليها شبه المبلسين وأباطيل المبطلين وتأويلات الجاهلين، كما كانا من منذ أربعة عشر قرنًا، لم يعترهما شيء من الضعف أو الوهن، أو الرخاوة، وذلك لأن القرآن حق نزل من عند الحق، والسنة النبوية حق أَوْحَى بِهَا اللهُ الحق، والرسول الذي جاء بهما من عند الله حق ومحال في منطق العقل والشرع أن يتخلى الله الحق عن رسوله الحق، وعن كتابه الحق، وعن سنة نبيه - ﷺ - الحقة وقد لاحظ ذلك أحد المستشرقين الإيطاليين وهو الأستاذ " كارادي
[ ٣٨٣ ]
فو " فقال: «لَقَدْ مَرَّ عَلَى القُرْآنِ بِضْعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، وَلاَ يَزَالُ غَضًّا طَرِيًّا كَأَنَّ عَهْدَهُ بِالحَيَاةِ أَمْسَ» وهي كلمة حق، وشهادة صدق ألقاها الله على لسان رجل باحث غير مسلم.
وقد يسألني سائل فيقول: ومن أين جاء ذلك؟ وهو سؤال حسن ويحتاج إلى جواب.
والجواب: أن في الإسلام - وهو الدين العام الخالد الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء - قوى روحية خارقة كامنة فيه تحمل من اعتنقه عن إيمان واختيار أن يتحمل كل أصناف البلاء وأنواع الأذى في سبيله، والتضحية بالنفس والأهل والولد، والمال، وكل عزيز في هذه الدنيا في سبيله، وهذه القوى الروحية الكامنة الخارقة تتمثل في كتاب الله - ﵎ - وسنة رسوله - ﷺ -، والتاريخ الحق شاهد صدق على هذا، ولو تتبعنا تاريخ الإسلام، وما تعرض له منذ أربعة عشر قرنًا من هجمات وحشية، وحروب شرسة، وتحديات بقصد النيل منه، والقضاء عليه - لوجدنا لذلك مثلًا متكاثرة لا يحصيها العد.
هذه القوى الروحية الخفية الكامنة في الإسلام أو إن شئت فقل في كتاب الله - ﵎ -، وسنة رسوله - ﷺ - هي التي جعلت الإسلام وقد قام في أول أمره على نبي، وامرأة، وحر، وعبد، وصبي أن ينتشر حتى أصبح منتشرًا في قارات الدنيا الخمس اليوم.
هذه القوى الروحية الخفية الخارقة هي التي جعلت بلال بن رباح وأمثاله من المُعَذَّبِينَ فِي اللهِ أن يتحملوا العذاب الذي يخرج عن طاقات التحمل وهم أبطال صامدون، لا يرجعون عن دينهم.
لقد كان أمية بن خلف الطاغية المتجبر يأخذ بلال بن رباح كما ولدته أمه في اليوم الصائف القائظ، وَحَرُّ مكة كان ينضج اللحم الطري، أو يذيب دماغ الضب
[ ٣٨٤ ]
كما يقال فيضعه على الرمال المحرقة ويضع على صدره الصخرة العظيمة، ويقول له: «لاَ أَدَعَكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، وَإِلَهِ مُحَمَّدٍ»، فما يزيده ذلك إلا استمساكًا بدينه وثباتًا على عقيدته فلا ينفك أن يقول: «أَحَدٌ أَحَدٌ» فتمتزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، فتغلب حلاوة الإيمان مرارة العذاب، فكأنما العذاب يصير عليه بَرْدًا وَسَلاَمًا.
والأسرة الياسرية: عمار بن ياسر، وأبوه، وأمه قد تحملوا من العذاب والآلام ما لم تتحمله أسرة، أما أبوه، وأمه فقد مَاتَا تحت وطأة العذاب، وقد طعن أبو جهل - عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللهِ - أُمَّهُ بحربة في ملمس العفة منها فماتت فكانت أول شهيدة في الإسلام، ثم لم يلبث أبوه أن لحق بها شهيدًا في سبيل عقيدته.
وكان النبي - ﷺ - يمر عليهم وهم يعذبون في الله فما يملك لهم إلا أن يقول: «صَبْرًا آلَ ياسر، فإن مَوْعِدُكُمْ الْجَنَّةُ» فتكون هذه الكلمات المؤمنة بَرْدًا وَسَلاَمًا على قلوبهم.
وكان مما عُذِّبُوا به أنه كانت تحمى لهم الدروع من الحديد في النار فيلبسونهم إياها ويطول العذاب بعمار بن ياسر حتى كان لا يدري ما يقول، فيظهر كلمة الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، وَيَجِيءُ عَمَّارُ - وَهُوَ يَبْكِي - إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فقال له: «مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ: «شَرٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، قَالَ: «كَيْفَ كَانَ قَلْبُكَ؟» قَالَ: «مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ»!! فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: «إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ»!!.
ولهج بعض الناس بأن عمارًا قد كفر، ولكن رسول الله - ﷺ - الذي لا ينطق عن الهوى قال: «كَلاَّ إِنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إِيمَانًا مِنْ مَفْرَقِ رَأْسِهِ إِلَى أَخْمُصِ قَدَمِهِ، وَاخْتَلَطَ الإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ»!!!.
ثم ينزل الوحي بشهادة السماء على صدق عمار، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا
[ ٣٨٥ ]
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
فكانت الآية الكريمة إعدادًا لهؤلاء المعذبين في الله بأنه لا حرج عليهم إن جاروا الكفار بطرف اللسان، ما دام القلب عامرا بالإيمان، ورخصة يترخص بها من خاف على نفسه الهلاك.
وغير هؤلاء من المعذبين في الله كثيرون!!!
ولم تكن هذه البطولات في تحمل العذاب في سبيل العقيدة خَاصًّا بالرجال فقد أوذي في الله كثيرات من المعذبات في الله وأظهرن صَبْرًا وتجلدًا وبطولة، وتحملًا وذلك مثل زنيرة جارية عمر بن الخطاب كان يضربها حتى تكل يده وتتعب من الضرب ويشاركه في الضرب أبو جهل فما يزيدها ذلك إلا تمسكًا وثباتًا على دينها.
ومثل أم عُنَيْسٍ (٢) أمة لبني زهرة، وحمامة أم بلال بن رباح، وجارية بني المؤمل من بني عدي بن كعب، والنهدية وابنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار وكان أبو جهل يقول: «أَلاَ تَعْجَبُونَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، لَوْ كَانَ مَا أَتَى مُحَمَّدٌ خَيْرًا وَحَقًّا مَا سَبِقُونَا إِلَيْهِ!! أَفَتَسْبِقُنَا زِنِّيرَةُ (٣) إِلَى رَشَدٍ».
نعم يا أبا جهل - ولا كرامة لك - لقد سبقتك زنيرة إلى الرشد، وبقي لها الذكر والترضي عليها ما بقي مسلم على وجه الأرض، وبقي لك اللعن على كل لسان إلى ما شاء الله، لقد ذهبت يا أبا جهل - الأحساب والأنساب، وبقيت التقوى، وصدق الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٤).
_________________
(١) [سورة النحل، الآية: ١٠٦].
(٢) بضم العين، وفتح النون وسكون الياء على صيغة المصغر وقيل: بباء موحدة، فباء تحتية، فسين مهملة.
(٣) زنيرة كسكينة كما في " القاموس "، وكذلك قال في " الإصابة "، ويقال: «زنبرة» بفتح الزاي وسكون النون فموحدة كما في " الاستيعاب ".
(٤) [سورة الحجرات، الآية: ١٣].
[ ٣٨٦ ]
وهذه القوى الروحية الخارقة الخفية التي أودعها الله في الإسلام، وفي قلب المسلم المؤمن الصادق، هي التي جعلت المسلمين يصمدون أمام جحافل أوروبا وجيوشها في الحروب الصليبية التي أثارها التعصب المسيحي على الإسلام والمسلمين ممثلا في " بُطْرُسْ " الفاسق ولا أقول: " الناسك " ومن على شاكلته من المسيحيين، والتي حاول فيها الصليبيون الاستيلاء على بلاد الشام وعلى بيت المقدس، وقد تم لهم الاستيلاء عليه تسعين عَامًا أو تزيد ولكن الجيوش الإسلامية المظفرة بقيادة البطل الإسلامي الشهير الناصر لدين الله صلاح الدين الأيوبي تمكنت من استرجاع بيت المقدس وبلاد الشام، وردهم على أعقابهم خاسرين، خاسئين، وقد أسر أحد ملوكهم وقائدهم الأكبر في " المنصورة " إحدى بلاد مصر، ثم لم تلبث الجيوش الإسلامية في مصر وفي الشام أن قهرتهم وأذلتهم، وقذفت بهم في البحر، ولقنتهم الجيوش الإسلامية درسا لن ينسوه.
وهذه القوى الخفية الكامنة في الإسلام هي التي جعلت المسلمين يستردون قوتهم بعد غزو التتار لبلاد الإسلام، وتخريبهم البلاد، وتقتيلهم العباد وقضائهم على مظاهر الحضارة الزاهية في بلاد الإسلام.
وهذه القوى الخفية الكامنة في الإسلام هي التي حملت ملك التتار على الدخول في الإسلام!! ولم يكن للمسلمين حينئذ حول ولا طول، وإنما كان الحول والقوة، والغلبة للتتار، وبدخوله في دين الإسلام دخل الكثيرون من التتار، وأصبحوا دعاة للإسلام وحماة له بعد أن كانوا حَرْبًا على الإسلام، والمسلمين وصدق الله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ (١). وصدق الله حيث يقول اَيْضًا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٢).
_________________
(١) [سورة الأنعام، الآية: ١٢٥].
(٢) [سورة ق، الآية: ٣٧].
[ ٣٨٧ ]
وهذه القوى الروحية الخارقة الكامنة في الإسلام وفي قلوب المسلمين هي التي جعلت الإسلام والمسلمين يصمدون أمام تكالب قوى الشر والبغي والعدوان عليهم في القرنين الأخيرين، وعادت الصليبية المسيحية كما كانت، بل وأكثر مما كانت، وظهرت قوى شر أخرى غير الصليبية، وهي الصهيونية المخربة المدمرة، التي فاق تخريبها للبلاد، وتقتيلها للعباد كل تخريب وتقتيل وتدمير في القديم والحديث.
إن هذه القوى الروحانية الخارقة الكامنة في الإسلام، وفي قلوب المسلمين هي التي ستجعل الإسلام يستعصى على كل نائل منه، ويستعظم على كل من يريدون به شَرًّا، وهي التي ستجعل المسلمين يصمدون أمام الأعداء، وسيستمر هذا الدين الحق والفئة المعتنقة له المنافحة عنه حتى تقوم الساعة، وها أنا ذا قد بلغت، فاللهم فاشهد.
تَوْصِيَاتٌ وَتَمَنِّيَاتٌ:
[١] على المشتغلين بالسنن والأحاديث في كل قُطْرٍ، وَمِصْرٍ وما أكثرهم أن تكون بينهم رابطة تجمعهم، ووشيجة توحد بين صفوفهم، ومقاصدهم، والعالم الإسلامي من المحيط الهادي شَرْقًا إلى المحيط الأطلسي غَرْبًا فيه جماعات كثيرة قائمة على خدمة السنة النبوية الشريفة، ولو أن هذه الجماعات تعارفت وتآلفت، وتعاونت على خدمة السنة النبوية لكان من وراء ذلك خير كثير.
إن خدمة السنة النبوية من هذه الجماعات المنتشرة في كل قطر ومصر يحتاج إلى التخطيط، ووضع المناهج التي تتبعها في خدمة الأصل الثاني من أصول التشريع، وكلما كان التخطيط مُحْكَمًا، وكلما كانت المناهج واضحة، والسبل إلى ذلك محددة، أثمرت هذه الجماعات المتعددة ثمرتها وآتت أكلها كل حين بإذن ربها.
فلو أن هذه الجماعات التي قامت لخدمة سنة رسول الله - ﷺ - جعلت لها لقاءات واجتماعات سنوية في كل قطر من أقطار الإسلام لكان من وراء ذلك التعارف
[ ٣٨٨ ]
وعدم التناكر، والتعاون على هذا العمل الجليل والله - ﵎ - يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) وأي بر أبر من خدمة كتاب الله، ومن خدمة سنة رسوله - ﷺ -؟
إن علماء الحديث في العصور الأولى حققوا هذا التعاون وهذا التعارف عن طريق الرحلات المتعددة والشاقة في سبيل لقاء الشيوخ، وتلقي الحديث، وجمعه، إن علماء الحديث وأمثالهم قد ضربوا في باب الارتحال في هذا المضمار الشريف مِنْ لَدُنْ عصر الصحابة إلى أن تم جمع الأحاديث والسنن - مثلا عليا لا تزال تعرفها لهم الأجيال المتعاقبة بالإعظام والإكبار، وهو أمر تنفرد به الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم.
وقد رحل سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري شَهْرًا في سبيل سماع حديث ممن سمعه من رسول الله - ﷺ - مباشرة وهو الصحابي الجليل عبد الله بن أُنَيْسٍ (٢) رواه البخاري في " الصحيح " تَعْلِيقًا.
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ اَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ يَبْلُغْنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ فِي الْقِصَاصِ (٣)، وَكَانَ صَاحِبُ الْحَدِيثِ بِمِصْرَ، فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلًا فَسِرْتُ حَتَّى وَرَدْتُ مِصْرَ، فَقَصَدْتُ إِلَى بَابِ الرَّجُلِ [الَّذِي بَلَغَنِي عَنْهُ الْحَدِيثُ]»، فذكر القصة.
وأخرج الطبراني من حديث مسلمة بن مخلد (٤) قال: «أَتَانِي جَابِرٌ، فَقَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَرْوِيهِ فِي السَّتْرِ عَلَى المُسْلِمِ»، فذكره.
ورحل السيد الجليل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر الجهني بسبب حديث واحد اَيْضًا، رواه أحمد بسند منقطع.
_________________
(١) [سورة المائدة، الآية: ٢].
(٢) بضم الهمزة وفتح النون، وسكون الياء على صيغة المصغر الجهني حليف الأنصار.
(٣) المراد بالقصاص المقاصة في الأعمال.
(٤) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وفتح اللام المشددة، صحابي صغير سكن مصر، ووليها مدة، وكانت وفاته سنة اثنتين وستين.
[ ٣٨٩ ]
وروى أبو داود في " سننه " مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ فِي حَدِيثٍ.
وعلى هذا الدرب الواضح، وعلى هذه السنة الحميدة سار التابعون ومن جاء بعدهم من أئمة العلم في الحديث.
روى الخطيب البغدادي عن عبيد الله بن عدي قال: «بَلَغَنِي حَدِيثٌ عِنْدَ عَلِيٍّ فَخِفْتُ إِنْ مَاتَ أَنْ لاَ أَجِدهُ عِنْدَ غَيْرهِ، فَرَحَلْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الْعِرَاقَ».
وروى الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: «إِنْ كُنْت لأَرْحَلُ الأَيَّام وَاللَّيَالِي فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ».
وأخرج الخطيب عن أبي العالية قال: «كُنَّا نَسْمَع عَنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ فَلَا نَرْضَى حَتَّى خَرَجْنَا إِلَيْهِمْ فَسَمِعْنَا مِنْهُمْ».
قال الشعبي في مسألة أفتى فيها: «أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ».
وقد روى " الدارمي " بسند صحيح عن بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «إِنْ كُنْتُ لأَرْكَبُ إِلَى المِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، [لأَسْمَعَهُ]» (١).
وقال أبو قلابة: «لَقَدْ أَقَمْتُ بِالْمَدِينَةِ ثَلاَثًا مَالِي حَاجَةً إِلاَّ رَجُلٌ عِنْدَهُ حَدِيثٌ يَقْدَمُ فَأَسْمَعُهُ مِنْهُ».
فإذا كان هذا حدث في العصور الأولى على قلة الظهر، وقلة المال، وبعد الشقة، وعذاب السفر فما بالنا لا يحدث بيننا التعارف والتعاون في هذا العصر الذي توفرت فيه وسائل الراحة في الأسفار، وقربت فيه وسائل الأسفار البعيد، ويسرت العسير، وأذهبت الكثير من عذاب الأسفار.
_________________
(١) " فتح الباري ": جـ ١ ص ١٧٤، ١٧٥.
[ ٣٩٠ ]
[٢] على هذه الجماعات التي تقوم بخدمة السنن والأحاديث النبوية أن تكون فيما بينها جماعات، كل جماعة تقوم بخدمة السنن والأحاديث في ناحية من النواحي فجماعة تقوم على إحياء كتب التراث الإسلامي في الحديث وعلومه وجماعة تقوم على شرح كتب الحديث التي لم تشرح إلى الآن، أو شرحت ولكن الشروح جاءت موجزة وغير وافية ويأتي في المقدمة من هذه الكتب " صحيح مسلم "، و" مسند أحمد "، و" سنن النسائي " و" سنن ابن ماجه " ونحوها. وجماعة تقوم على دراسة الأحاديث المشكلة سواء أكان إشكالها من حيث تعارض ظواهرها، أو من حيث ما يبدو ظاهرًا من مخالفتها للعقول أو مخالفتها للمشاهدة، أو مخالفتها لما وجد ويجد من علوم فلكية وكونية وتكوين رأي فيها موحد بعد الدراسة والبحث والتمحيص، والموازنة وذلك حتى لا يتعرض الشباب الإسلامي اليوم لبلبلات فكرية بسبب ما يقع بين الكاتبين في هذه الأحاديث المشكلة من اختلاف في الجواب بناء على الاختلاف في الثقافة والاختلاف في التفكير.
إن أعداء الإسلام أو إن شئت فقل: أعداء الأحاديث والسنن إنما يدخلون إلى الطعن فيها من هذه الأحاديث المشكلة، وذلك كما رأيتم فيما ذكرنا من شبه.
والشباب المسلم اليوم ليس عنده من الثقافة والعلم بالأحاديث ومن الحصانة الدينية ما يدرأ عن قلبه، وعقله، وتفكيره هذه الشبه.
وهؤلاء الشباب أمانة في أعناقنا نحن الشيوخ، وإذا تركناهم تتناوشهم هذه الشبهات وتلك التشكيكات فقد عرضناهم للفتنة، وهؤلاء الشباب هم ذخيرة الإسلام وعدته في المستقبل فعلينا المحافظة على عقائدهم ما استطعنا، والحيلولة بينهم وبين أسباب الفتنة.
وجماعة تقوم على تيسير دراسة الحديث وعلومه على الشباب اليوم وإذا كان الطلبة المتخصصون في الحديث يصعب عليهم الرجوع إلى مصادر الحديث الأولى، وإلى قراءة كتب الشروح لاستعصاء فهمها عليهم فما بالكم بغيرهم ممن ليسوا من طلبة الحديث؟!.
[ ٣٩١ ]
وذلك بتأليف كتب أو كتيبات يراعى فيها عدم التعقيد في العبارة وإشراقة الأسلوب وحسن البيان وجودة العرض حتى نحبب دراسة الحديث وعلومه.
[٣] أن تقوم جماعات من العلماء المتخصصين في السُنَّةِ وعلومها، والمشتغلين بخدمتها عن طريق الحب لها، والاقتناع بفوائدها وجدواها بقراءة كتب الأحاديث والسنن على غرار ما كان يقوم به العلماء المحدثون في القرون الأولى ابتغاء وجه الله تعالى لا رغبة في مال ولا في وظيفة.
فهذا يقرأ " صحيح البخاري "، بسنده ومتنه، وبيان ما فيه من فوائد حديثية ويشرح غريبه، وما فيه من فقه، وعلم، وتوجيهات تربوية واجتماعية وخلقية، ونفسية، وذاك يقرأ " صحيح مسلم " بسنده ومتنه وما يشتمل عليه من الأسرار الحديثية التي تتبدى في المتابعات والشواهد، وما يشتمل عليه من الأحكام الشرعية والآداب الإسلامية
وثالث يقرأ " سنن أبي داود " على هذا الغرار، ورابع يقرأ " سنن النسائي " على هذا الغرار، وخامس يقرأ " جامع الترمذي " على هذا الغرار وسادس يقرأ " سنن ابن ماجه "، ويحاول شرحها ما استطاع.
وسابع يقرأ " مسند أحمد "، وثامن يقرأ " سنن الدارقطني "، وتاسع يقرأ " مستدرك الحاكم "، وعاشر يقرأ " سنن البيهقي ".
وهكذا كل كتاب من كتب الحديث يقوم بدراسته حق الدراسة عالم خبير به أو جملة من العلماء.
ويا حبذا لو ألقيت هذه الدروس في الجوامع والمساجد التي يغشاها جميع الناس، ولا يرد عنها أحد.
[ ٣٩٢ ]
وقد يسألني سائل فيقول: ومن أين يتعيش هؤلاء المنقطعون لدراسة الحديث؟!
والجواب: أنهم يتعيشون مما كان يتعيش منه السلف الصالح من علماء هذه الأمة وكانت الكثرة الكاثرة منهم ترى حرمة أخذ الأجرة على التحديث بل وعلى العلم، وكثير من الأئمة في التفسير والحديث والفقه والأصول وغيرها كانوا يرضون بالقليل وبحسبهم الأجر من الله، والخلود مع الخالدين في جنات النعيم، على أن في أموال الكثيرين من المسلمين، وفي خزائن الدول الإسلامية من أموال الزكوات وغيرها ما يقوم بهذا الواجب، ومن الأموال التي فاضت عليها من بركات الأرض والسماء ما يجعل هؤلاء العلماء في رغد من العيش وبحبوحة في الحياة.
بل وفي الأموال المخصصة للجامعات الإسلامية - وما أكثرها - ما يقوم بحاجات هذه الجماعات من العلماء.
وإن خدمة كتاب الله، وخدمة سُنَّةِ رسوله - ﷺ - من أوجب الواجبات على الدول الإسلامية وعلى الجامعات الإسلامية.
[٤] أن تقوم كل جامعة من الجامعات الإسلامية بتفريغ جماعة من العلماء الكبار المخلصين لخدمة كتاب الله وخدمة سُنَّةِ رسول الله - ﷺ - على أن توفر لهم كل وسائل الراحة المالية والنفسية والمعيشية، وذلك على غرار ما تصنع الدول الغير إسلامية في رعاية أعضاء المجالس العلمية، وتهيئة كل الوسائل لعلمائهم الكبار المتفرغين للدراسة والبحث فمن ثم عظم إنتاجهم، وكثرت مباحثهم المفيدة، وأثروا العلم إثراء نافعًا عظيمًا.
[٥] إن الجامعات الإسلامية - وما أكثرها - بوضعها الحالي لن تخرج عالمًا يرجع إليه في العلم في أي فرع من فروعه، والقضاء والفتوى والخطابة والوعظ، وذلك لأن الدراسة فيها لم تقم على دراسة العلم للعلم كما هو الشأن في العصور الإسلامية الذهبية الأولى وإنما أضحت الدراسة في الجامعات تقوم على خطف العلم خطفًا،
[ ٣٩٣ ]
وذلك لإيجاد جيل من المدرسين والموظفين الذين يشتغلون في وظائف الدولة.
إن الكثير من المتخرجين اليوم من الجامعات الإسلامية لا تهمهم إلا الورقة أو إن شئت فقل الإجازة، أو الشهادة التي تهيئ لهم العمل في الدولة وماذا تعني ساعات، أو سويعات في دراسة علم من العلوم تحتاج دراسته دراسة تحقيقية إلى سنوات؟.
بل ماذا تغني المذكرات التي عم داؤها الجامعات الإسلامية - ولا أستثني عن الكتب المطولات؟ إلا كما تغني الذبالة عن المصباح، والوشل عن البحر.
إن من الشجاعة الأدبية والفضيلة الإنسانية أن تراجع الجامعات نفسها في مناهجها وفي طريقة تدريسها، وفي الغرض من إنشائها وأذكر القائمين على هذه الجامعات ولا أستثني - بمقالة الفاروق - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - في خطابه لسيدنا أبي موسى الأشعري في القضاء وآدابه «وَلاَ يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالأَمْسِ ثُمَّ هُدِيتَ فِيهِ إِلَى رُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ نَفْسَكَ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الحَقَّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ» أو كما قال.
وصلى الله ﵎ على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
وكتبه
خادم القرآن وعلومه والسنة وعلومها
محمد بن محمد أبو شهبة
***
[ ٣٩٤ ]