دورة تدريبية في مصطلح الحديث [٢]
نشأ علم مصطلح الحديث لما ظهرت الفرق والبدع؛ للدفاع عن سنة النبي ﷺ، فقد اهتم العلماء بالحديث وتدوينه والبحث عن رجال إسناده، لحفظ سنة النبي ﷺ، فظهر علم الجرح والتعديل، وتوثيق الرواة وتضعيفهم حسب حالهم في ذلك.
وقد وضع علماء المصطلح مصطلحات لهذا العلم، يجب على كل من أراد دراسة هذا العلم دراستها وفهمها وإلا وقع في الخطأ؛ إذ إن معرفتها مهمة جدًا لمعرفة كلام العلماء وفهمه، ومن هذه المصطلحات ما هو مفتاح لعلم المصطلح وبداية الدخول فيه.
[ ٢ / ١ ]
أسباب نشأة الإسناد وظهور علم الجرح والتعديل
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
كان منشأ ومبدأ ظهور البدع والفرق أحد العوامل والأسباب والدوافع على ظهور الوضع في الحديث؛ لأجل نصر البدعة والهوى، وهذا شأن أصحاب البدع في كل زمان ومكان، فهم يختلقون ويصطنعون الكلام المزين ظاهرًا والمزيف باطنًا لأجل نصرة بدعتهم وهواهم.
وأصحاب الحديث والرواية قبل ظهور الفتن والبدع لم يكونوا يسألون عن الأسانيد، بل ولا يروون الحديث بإسناده، فلما ظهرت الفتن وظهر ما ظهر قالوا: سموا لنا رجالكم، وكما يقول ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما ظهرت الفتن قلنا لهم: سمّوا رجالكم، فمن كان من أهل السنة أخذنا حديثه، ومن كان من أهل الأهواء والبدع طرحنا حديثه.
وكان هذا هو بداية نشأة علم الجرح والتعديل.
فبداية نشأة علم الجرح والتعديل كان بظهور الفتن، وقد حث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث عن الرواة، وألا يأخذوا إلا حديث من يوثق به دينًا وحفظًا، والمقصود بالدين هنا العدالة، والمقصود بالحفظ الإتقان والضبط.
وشاع في عرف الناس هذه القاعدة: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم.
وهذا ثبت من قول عبد الله بن المبارك ﵀.
وروي مثل هذا القول عن مالك وغيره.
[ ٢ / ٢ ]
ألفاظ الجرح والتعديل
لما نشأ علم الجرح والتعديل -وهو علم ميزان الرجال- عدل من الرجال من كان مستحقًا للتعديل بألفاظ معروفة، منها ما هو على صيغة أفعل التفضيل، كأن يقولوا: أوثق الناس، أو أثبت الناس، أو أتقن الناس، ومنها ما هو ذو صيغة مكررة، كأن يقولوا: ثقة ثقة، وهذا التكرار للتأكيد والمبالغة في شدة توثيقه، ومنها ما يجمع فيه بين صفتين، كأن يقولوا: ثقة متقن، أو حافظ ضابط، وغير ذلك من الألفاظ التي تجتمع مع بعضها، وهناك من يقولون فيه: ثقة، أو صدوق، أو مقبول، أو لا بأس به، أو ليس فيه بأس، وغير ذلك من الألفاظ التي تدخل ضمن التعديل.
وأما المجروح فيقولون فيه: أكذب الناس، وهذا شر أنواع الجرح، أو أسرق الناس للحديث، أو وضّاع، أو كذّاب، أو منكر الحديث، أو سيئ الحفظ، أو ضعيف، أو متهم، أو يروي المناكير، أو فيه ضعف يحتمل، أو فيه ضعف يسير، أو مستور، أو مجهول.
وكل هذه الألفاظ تدخل في باب الجرح.
وفرق بين الجرح والجُرح، فالجُرح بضم الجيم هو: ما سال منه الدم، وهو في الأبدان.
وأما الجرح بفتح الجيم فهو: المصطلح الذي يُطلق على علم الجرح والتعديل.
وهناك من يسأل: ما رأيك في علم الجُرح والتعديل، فهذا لا بد من جرحه وضربه! وظهور الفتن كانت سببًا في نقد الرجال، وهذا النقد للرجال أطلق عليه علم الجرح والتعديل، وهو قطب الرحى بالنسبة للعلوم الحديثية.
[ ٢ / ٣ ]
الرسول ﷺ هو واضع قواعد علم المصطلح
الرسول ﷺ هو الذي وضع أسس وقواعد علم مصطلح الحديث، وأسس قواعد علم الجرح والتعديل، ففي حديث حفصة أم المؤمنين ﵂ أنها لما سألت النبي ﷺ عن أخيها عبد الله بن عمر قال: (إن عبد الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل).
فعلّق الصلاح هنا على قيام الليل في حق عبد الله.
فقوله هنا: (عبد الله رجل صالح) هذا تعديل وتزكية لـ عبد الله بن عمر ﵄ من الرسول ﷺ.
وأما الجرح فمستنده من حديث رسول الله ﷺ ما رواه الخطيب بسنده عن عائشة ﵂ أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فقال: (ائذنوا له فبئس أخو العشيرة).
ثم لما دخل الرجل -وكان من المنافقين- على النبي ﷺ هش في وجهه وبش وضحك ومازحه ولاطفه، فقالت عائشة: يا رسول الله! رأيتك تصنع ما لم تكن تصنعه من قبل! قال: إن هؤلاء قوم تبغضهم قلوبنا، أي: لأنهم منافقون.
وقوله هنا: (فبئس أخو العشيرة) جرح.
[ ٢ / ٤ ]
مشروعية الجرح والتعديل
يقول الخطيب: في قول النبي ﷺ للرجل: (بئس أخو العشيرة) دليل على أن إخبار المخبر -والمخبر هنا بمعنى الناقد- بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين، فشرط إخبارك عن رجل بعيب فيه أن يكون ذلك من باب النصيحة في الدين، ولو لم يكن هذا الغرض من باب النصيحة في الدين فهذه غيبة.
يقول: إنه من النصيحة للسائل، وليس ذلك غيبة، إذ لو كان ذلك غيبة لما أطلقه النبي ﷺ، وإنما أراد ﵊ بما ذكر فيه -والله أعلم- أن يبين للناس الحالة المذمومة منه، وهي النفاق من ذلك الداخل والفحش، فيجتنبوها، لا أنه أراد الطعن والسب.
قال: ومما يؤيد ذلك حديث فاطمة بنت قيس حيث قال لها الرسول ﷺ: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه).
وذلك عندما ذهبت فاطمة بنت قيس تستشير النبي ﷺ في أبي جهم ومعاوية اللذين تقدما لخطبتها، فقال: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه).
ولا شك أن هذا نوع جرح، ولكنه هنا من باب النصيحة في الدين.
فالنبي ﷺ أراد أن يعلمها ويخبرها بما يعلمه عن أبي جهم فقال: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه)، أي: فإن قبلتيه على هذا فلكِ ذلك وهو شأنكِ، (وأما معاوية فصعلوك).
والصعلوك في اللغة هو من لا مال له.
ثم أشار النبي ﷺ عليها بأن تنكح أسامة بن زيد ﵄، فنكحها أسامة بن زيد وكان بينهما خير كثير، أي: أنها قبلت نصيحة النبي ﷺ.
ففي هذا الخبر دلالة على أن الجرح جائز في الضعفاء من جهة النصيحة؛ لتجتنب الرواية عنهم، وليُعدل عن الاحتجاج بأخبارهم؛ لأن رسول الله ﷺ ذكر عن أبي جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه، وأخبر عن معاوية أنه صعلوك لا مال له، ولكن بشرط ألا يتعدى ذلك المستشير.
وهنا فرق بين مسألتين، مسألة أن تأتي امرأة تسألك أنه تقدم لها فلان وتسألك عن رأيك فيه، فيجب عليك في هذا الوقت أن تنصحها بما تعلم إن كان يصلح لها أو لا يصلح.
ومسألة أن تتبرع وتتصدق بأن تذكر لها ذلك دون أن تسألك، فهذا غير جائز إلا إذا سُئلت، والنبي ﷺ يقول: (المستشار مؤتمن)، أي: أنه أمين على المشورة.
ويقول ﷺ: (أيما رجل استشير في مسألة فأشار فيها بأمر وهو يعلم أن الرشد في غير ما أشار به فقد خان).
وذكر العيوب الكاملة في بعض نقلة السنن التي يؤدي السكوت عن إظهارها عنهم وكشفها عليهم إلى تحريم الحلال وتحليل الحرام، وإلى الفساد والإفساد في شريعة الإسلام؛ أولى بالجواز وأحق بالإظهار.
أي: إذا كانت الغيبة مسموح بها شرعًا فيما يتعلق بزواج رجل من امرأة أو بدخول رجل أو خروجه، فلا شك أنها واجبة من باب أولى في راو يتعلق بنقل الحلال أو الحرام؛ لأنه ربما يأتي وضّاع فيروي رواية تحل حرامًا في الأصل، أو تحرم حلالًا في الأصل، فلو لم تكن النصيحة هنا -بمعنى جرحه وإظهار عيبه- واجبة في هذا الموطن فلا شك أنه سيغير الشريعة تمامًا، فيجعل الحلال حرامًا والحرام حلالًا، فالنصيحة هنا وإظهار العيب من أوجب الواجبات.
[ ٢ / ٥ ]
من تكلم من الصحابة والتابعين في الرجال
وقد تكلم الصحابة بعد النبي ﷺ في الرجال، ومنهم: عبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعائشة ﵃.
ثم تكلم من التابعين إمام التابعين سعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وابن سيرين، وكان كلامه قليلًا؛ لقلة الضعف وندرته في ذلك العصر، فـ ابن سيرين كان أقل الناس كلامًا في الرجال، والكلام في هذا العصر كان كله قليلًا؛ لعدم الحاجة إليه؛ لأنهم في هذه الأزمان لم يكونوا بحاجة إلى علم نقد الرجال.
وفي أوائل القرن الثاني الهجري ظهر ما لم يظهر في القرن الأول، وبناء عليه احتيج إلى ما لم يكن موجودًا في القرن الأول.
[ ٢ / ٦ ]
بداية عصر تدوين الحديث
يقول: بدأ عصر تدوين الحديث بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز على يد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن زهرة المشهور والمعروف بـ الزهري، أو بـ ابن شهاب الزهري لما طلب إليه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أن يجمع السنة، فطلب منه الزهري ﵀ أن يجعل معه أبا بكر بن عمرو بن حزم -وهذا غير أبي محمد بن حزم الظاهري، فالأول متقدم والثاني متأخر- فانطلقا يجمعان السنة، فرحلا وسهرا وتعبا ونسخا، وواصلا الليل بالنهار في جمع السنة بأمر من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀.
وهنا يقال: إن أول من دون علم الحديث هو الزهري، وهذا تغليب، فهو أول من اشتهر بتدوين وكتابة السنة، وإلا فقد كانت السنة مكتوبة في عصر النبي ﷺ.
وقد أخذت كتابة الحديث أهمية عظيمة في عصر النبي ﷺ وبعد عصر النبوة.
[ ٢ / ٧ ]
اختلاف العلماء في حكم تدوين الحديث
اختلف أهل العلم في تدوين الحديث بين مجيز ومانع، وبين مجيز بشروط، وليس هذا وقت تفصيل هذه المسألة.
وفي حديث عبد الله بن عمرو حينما قال له أهل قريش: إنك تكتب عن رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا -وقصدوا بذلك أنه يتكلم بكلام لا يستحق أن يسجّل في وقت غضبه- فأخبر بذلك النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: (اكتب؛ فوالذي نفس محمد بيده لا يخرج منه إلا حقًا، وأشار إلى فيه ﷺ).
وفي حديث أبي شاة الرجل اليمني الذي حج مع النبي ﷺ حجة الوداع لما سمع منه تلك الخطبة المشهورة قال كما في حديث جابر في صحيح مسلم الطويل: (مر لي بكتابة هذا الكلام، فقال النبي ﷺ: اكتبوا لـ أبي شاة).
وجاء في حديث آخر النهي عن كتابة الحديث، فقد قال النبي ﷺ: (لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه).
وهذا ظاهره المعارضة للحديثين السابقين، ويمكن الجمع بين هذه الأدلة بأن النهي عن كتابة الحديث كان في صدر النبوة؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام وبكلام الله ﷿ وكلام النبي محمد ﷺ، فكان هناك خشية وخوفًا من اختلاط الكلام النبوي بكلام الله ﷿، فنهوا في أول الأمر عن التدوين، خاصة وأن العرب كانوا أهل حفظ وضبط وإتقان، فاستغنى الناس في أول الزمان بالحفظ والسماع عن الكتابة والتدوين، ولم يكن هناك حاجة لتدوين الحديث.
وقد أذن النبي ﷺ لبعض الصحابة بتدوين ونسخ القرآن الكريم، واتخذ النبي ﷺ له كُتّابًا سموا بكتاب الوحي، قيل: إنهم كانوا أربعة وعشرين رجلًا، وقيل: أربعين رجلًا.
فالنبي ﷺ أمر بنسخ القرآن وكتابته، ولكن الخلاف دار حول مسألة تدوين الحديث، فكان المنع ثم الإباحة بعد ذلك، وكان المنع لعلة، ثم لما انتفت العلة أبيحت الكتابة.
[ ٢ / ٨ ]
دور الإمام الزهري في نشأة علم مصطلح الحديث
بعد أن دون ابن شهاب الزهري علم الحديث وجمعه من الصحف وغير ذلك، عُني بوضع أصول علم الحديث الذي كان في عصره، وبيّن حدود الحديث المقبول من المردود، حتى قيل: إنه واضع علم مصطلح الحديث.
وقد قلنا: إن علم مصطلح الحديث له جذور في الكتاب والسنة، وله جذور أيضًا عند الصحابة، وكذلك علم الجرح والتعديل له جذور في الكتاب والسنة، وعند الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ لأنهم تكلموا في الرجال.
والإمام الشافعي أول من صنّف في علم أصول الفقه في كتاب الرسالة.
ولكن لا يقال: إن الشافعي هو أول من فهم وفقه وعرف هذا العلم، فقد كان هذا العلم معروفًا سليقة عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
فهناك فرق بين العلم بالشيء وبين تدوينه، فالعلم بأصول الفقه كان معروفًا عند من تقدم على الشافعي، ولكنه لم يدون كتابة إلا على يد الشافعي، وكذلك علم أصول الحديث كان معروفًا قبل الزهري من زمن فتنة الخوارج والشيعة، والفرق بين زمان الزهري وزمان علي بن أبي طالب طويل، وبناء عليه لا يمكن أن يقال: إن الزهري أول من عرف علم أصول الحديث، ولكن يقال: إنه أول من اعتنى به وسطره كعلم من العلوم.
[ ٢ / ٩ ]
تشدد الزهري في الإتيان بسند الحديث
روى ابن أبي حاتم بسنده إلى الزهري قال: كان ابن شهاب إذا حدّث أتى بالإسناد، ويقول: لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة، يعني: لا يمكن أحد يصعد إلى السطح إلا بسلّم.
وروى الحاكم بسنده إلى الزهري أنه سمع إسحاق بن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ، فقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة! ما أجرأك على الله، ألا تسند حديثك؟ تقول: قال رسول الله، قال رسول الله؟ -وبين إسحاق بن أبي فروة وبين النبي ﷺ ما لا يقل عن ثلاث طبقات- تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة؟ أي: ليس لها إسناد.
[ ٢ / ١٠ ]
أسباب التوسع في نقد الحديث ونشاط التأليف في الحديث
وفي أوائل هذا القرن -أي: القرن الثاني- وجد من يروي المرسل والمنقطع، ووجد الضعفاء من صغار التابعين، وأما في منتصفه فازداد أهل البدع والأهواء، وكثرت الفرق التي منها ما كان داخلًا في الإسلام، ومنها ما هو مارق بالكلية، كالإسماعيلية والباطنية والفاطمية وغيرهم، فإنهم لا حظ لهم في الإسلام البتة، وظهر من يتعمد الكذب، واضطر أئمة الحديث إلى توسيع النظر والاجتهاد في التفتيش عن الرواة، ونقد الأسانيد، فتكلم الإمام مالك في الرواة وصنّف كتابًا سمّاه الموطأ بإذن المنصور، ولم يرو فيه إلا الأحاديث المقبولة -أي: التي ثبتت عدالة رواتها عنده، ولم يأخذوا إلا عن الموثوقين الضابطين للحديث، كما تكلم شعبة بن الحجاج ومعمر وهشام الدستوائي، ثم ابن المبارك وابن عيينة، وكل هؤلاء كانوا من أئمة نقد الرجال والأحاديث.
[ ٢ / ١١ ]
ازدهار علم الحديث في القرن الثاني والقرن الثالث
لم ينته هذا القرن حتى وجد كثير من أنواع علوم الحديث، ووضعت له الضوابط والاصطلاحات، ولكن لم يدون منها إلا شيء قليل، ومعظمها كان محفوظًا في الصدور، كشأن أي علم من علوم الإسلام، إلا ما كتبه الإمام الشافعي من فصول وأبحاث داخل كتابه الرسالة، وشروط الحديث الصحيح، فالإمام الشافعي هو واضع شروط الحديث الصحيح في كتاب الرسالة، وتكلم عن شروط حفظ الراوي والرواية بالمعنى، والمدلِّس وقبول حديثه، كما أنه ذكر في كتابه الأم الحديث الحسن، وتكلم في الحديث المرسل، وناقش الاحتجاج به بقوة، وبحث في غير ذلك من علوم الحديث، ثم نشطت حركة التدوين في القرن الثالث.
فالقرن الثاني كان بداية حركة التدوين، ثم نشطت حركة التدوين في القرن الثالث، وخاصة تدوين الحديث، ولو نظرت إلى كتب الحديث والسنن المعتمدة -الصحاح منها والمسانيد والمعاجم- لوجدت أن معظمها صنّف في القرن الثالث، ومنها الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرها من الكتب المعتمدة في الحديث.
ثم استقل كل علم بذاته في القرن الثالث، فاستقل علم الفقه، وعلم العقيدة، وعلم الجرح والتعديل، وظهر علم المصطلح.
ففي القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني لم يكن تقسيم العلوم معروفًا، ولكن بظهور القرن الثالث ظهرت الاستقلالية التامة لكل العلوم بعضها عن بعض.
يقول: واستقل كل علم من العلوم استقلالًا متميزًا عن غيره، فصار يقال: علم الحديث الصحيح، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم الجرح والتعديل، وعلم أصول الفقه، وغير ذلك من العلوم.
[ ٢ / ١٢ ]
تصنيف العلماء لعلوم المصطلح في القرن الثالث الهجري
كان القرن الثالث هو عصر الازدهار في التدوين والتصنيف، وقد صُنّفت هذه العلوم مفردة ولكل علم مصنف خاص.
فألّف يحيى بن معين كتاب تاريخ الرجال، وأحمد بن حنبل صنّف كتابًا في العلل، والبخاري صنّف في الرجال التاريخ الكبير والأوسط والصغير، ويعقوب بن شيبة السدوسي صنّف المسند المعلل ولم يكمله، بل جمع فيه ما يقارب ثلاثين جزءًا، ولو أكمله لجاء في مائتي مجلد.
وهناك من أكثر في هذا القرن من التأليف في أنواع علوم الحديث كـ علي بن المديني، فقد ألّف في فنون كثيرة حتى بلغت مؤلفاته مائتا كتاب، كما وجد في هذا القرن من كان يكتب شيئًا في علوم الحديث، ويجعله كمقدمة لكتاب في الحديث، كالإمام مسلم في صحيحه، ومسلم توفي سنة (٢٦١هـ)، والبخاري توفي سنة (٢٥٦هـ)، والإمام أحمد بن حنبل توفي سنة (٢٤١هـ)، والشافعي ولد سنة (١٥٠هـ)، أي: في نفس العام الذي توفي فيه أبو حنيفة، وتوفي سنة (٢٠٤هـ)، ومالك توفي سنة (١٧٤هـ).
ومعرفة تاريخ المواليد والوفيات مهم جدًا، فإذا قال شخص: حدثني الشافعي عن الخطيب البغدادي كذبناه؛ لأن التاريخ يكذّبه، وقد دخل رجل على الخطيب البغدادي فقال: حدثني فلان ببلاد الشام، وظل يقول هكذا في عشرين حديثًا، فلما انتهى استدعاه الخطيب البغدادي وقال: من أين أنت؟ قال: أنا من العراق، قال له: ومتى لقيته؟ قال له: سنة (٢٠٤هـ)، قال له: وكيف لقيته وهو قد مات سنة (١٩٨هـ)! أي: أن بين رحلتك وبين موته ست سنوات.
فمعرفة التواريخ مسألة مهمة جدًا في نقل الأخبار.
والإمام مسلم عندما اشترط الصحة في صحيحه شرطه على أصل الصحيح لا على المقدمة؛ لأن المقدمة فيها الضعيف والصحيح، ولما صنّف الإمام مسلم المقدمة لم يقصد بها عين الكتاب، وإنما حث الناس على التحري في نقل الأخبار، وذكر الجرح والتعديل، ومن كان مجروحًا ومن كان معدّلًا، وغير ذلك من المسائل التي ذكرها واهتم بها.
يقول: وكذلك ما كتبه الإمام أبو داود في رسالة مستقلة إلى أهل مكة، يصف فيها المنهج الذي سار عليه في تصنيف كتابه السنن.
وقد أفرد الإمام مسلم بالتصنيف كتبًا مستقلة في أبواب مصطلح الحديث، ككتاب الوحدان، وكتاب الطبقات، وكتاب المخضرمين، وكتاب الكنى والأسماء.
ومنهم من كان يجعل تلك الكتابة كملحق لكتاب من كتب الحديث كالإمام الترمذي، فقد جعل كلامه في العلل في آخر كتاب الجامع، وكذا ما بثه من الكلام على أحاديث جامعه في طيات الكتاب من تصحيح وتضعيف وتقوية وتعليل.
إن الكلام في مقدمة هذا العلم لا ينتهي، وهذه إنما هي نبذة عن هذا العلم، وعن مراحل تدوينه، واهتمام أهل العلم به بقدر الإمكان.
[ ٢ / ١٣ ]
تعريف المصطلحات الأولية في علوم الحديث
لكل علم وفن مصطلحات لابد من معرفتها، ومن لم يعرفها لا يستطيع فهم هذا العلم، فأصحاب الفقه لهم مصطلحات من لم يعرفها فلن يعرف توجيه كلامهم، وأصحاب الحديث لهم مصطلحات تخصهم دون غيرهم، من لم يتعرف عليها لا يستطيع أن يفهم مقصود كلامهم.
وهذه المصطلحات بدائيات للعلوم، ومن مصطلحات علم مصطلح الحديث: مسألة السند، ومسألة المتن.
[ ٢ / ١٤ ]
أولًا: السند
أولًا: السند: والسند في اللغة: هو ما يعتمد عليه غيره.
واصطلاحًا هو: سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن.
وذلك مثل: قال الربيع: حدثني الشافعي عن مالك قال: أخبرني نافع عن ابن عمر، فسلسلة الرواة هؤلاء تسمى السند.
[ ٢ / ١٥ ]
ثانيًا: المتن
ثانيًا: المتن وهو في اللغة: ما صلب وعلا وارتفع من الأرض، فكل ما ارتفع من الأرض يسمى متنًا، والمتن هو: الشيء العالي، ومتن البعير أعلى شيء فيه، ومتن السفينة أعلاها.
وفي الاصطلاح هو: ما انتهى إليه السند من الكلام.
فالمتن في الاصطلاح هو الكلام، وهذا الكلام مشروط بأن ينتهي إليه السند.
فلا نقول: المتن هو كلام النبي ﷺ؛ لأنه بالإمكان أن يكون كلام النبي أو من دون النبي، ولذلك قلنا: هو ما انتهى إليه السند من الكلام؛ لأنه يمكن أن ينتهي السند إلى الصحابي أو التابعي، فيكون كلام التابعي أو الصحابي متنًا ما دام قد روي بإسناد، فنقول: إن هذا الكلام الذي قاله الزهري أو ابن سيرين أو سعيد أو غيرهم كلام روي مسندًا.
وبعض أهل العلم اشترطوا ألا يُطلق لفظ سند إلا إذا كانت طبقات الإسناد لا تقل عن ثلاث طبقات.
[ ٢ / ١٦ ]
ثالثًا: الإسناد
ثالثًا الإسناد: بعض العلماء يقولون: الإسناد مرادف للسند، والبعض الآخر يقولون: بل الإسناد يختلف عن السند، فالسند هو سلسلة الرواة، والإسناد حكاية السند، أي: رواية السند بالتحديث أو بالإخبار أو بالعنعنة، أو بالإجازة أو بالوجادة، أو بغير ذلك من صنوف الرواية أو التحمل والأداء.
فالإسناد هو: تبيين الحال التي روي عليها الحديث، وهل سمعها الراوي الذي رواها أم رواها إجازة؟ والإجازة مثل أن يبعث بكتاب له إلى آخر ويقول له: خذ هذا الكتاب فقد أجزتك أن ترويه عني.
والسند والإسناد في الواقع العملي سواء، وهذا هو الغالب من أقوال أهل العلم، فتجدهم عند الحكم على الحديث يقولون: هذا الحديث سنده صحيح، وأحيانًا يقولون: هذا الحديث إسناده ضعيف.
[ ٢ / ١٧ ]
رابعًا: المسنَد
رابعًا: المسند، وهو لغة: اسم مفعول من أسند.
وأما في الاصطلاح فله ثلاثة معان: المعنى الأول: هو كل كتاب جُمع فيه مرويات كل صحابي على حدة، فإذا جمعت مرويات أبي هريرة عن النبي ﷺ في كتاب واحد سمي مسند أبي هريرة، كما في مسند أحمد.
والمعنى الثاني: هو الحديث المرفوع المتصل سندًا، أي: المروي بالإسناد.
والمعنى الثالث: هو بمعنى السند، يعني: أن المسند والسند بمعنى واحد.
[ ٢ / ١٨ ]
خامسًا: المسنِد
خامسًا: المسنِد: وهو من يروي الحديث بإسناده، كـ أحمد بن حنبل وأبي داود والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وكالمصنفين الذين صنفوا الكتب المسندة، فكل مصنف من هؤلاء مسنِد؛ لأنه يروي الحديث بإسناده.
ولا يشترط في المسنِد أن يكون عالمًا بما يرويه؛ لقول النبي ﷺ: (فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
ومن نوادر طلبة الحديث التي تروى: أن امرأة دخلت الجامع الكبير في الشام، فسألت التلاميذ عن مسألة في الطلاق، فدلوها على الشيخ فسألته فقال لها: لقد وقع الطلاق بدليل قول النبي ﷺ كذا وكذا، فلما سمع الطلبة هذا الحديث قالوا: هذا الحديث رواه فلان عن فلان، وفلان عن فلان عن فلان، وأتى كل واحد منهم بإسناده، ولم يفهموا فقه الرواية.
[ ٢ / ١٩ ]
شبهة أعداء الإسلام في عدم وجود علاقة بين أهل الحديث وبين أهل العفة والرد عليهم
وأعداء الإسلام يستدلون بهذه الروايات وأمثالها وأشكالها على أن أهل الحديث لا علاقة لهم بالفقه، كما أن أهل الفقه لا علاقة لهم بالحديث، فمن قال هذا القول فهو جاهل جهلًا مطلقًا، وليس له دراية بأهل العلم، فالإمام أحمد بن حنبل كان محدثًا فقيهًا، وكذلك الشافعي ومالك والحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري، وكان الأئمة العظام أئمة في السنة وكانوا فقهاء.
وقد قيل: إن للفقه أكثر من مائتي مذهب، وليس أربعة أو خمسة كما هو مشهور عند الناس، ولكن هذه المذاهب الأربعة لما اشتهرت عن طريق تلاميذ هؤلاء الأئمة المتبوعين وكان هؤلاء التلاميذ من أهل الحديث، دخل فقههم داخل هذه المذاهب، فلم يكن هناك حاجة لتمييز مذهب كل منهم على حدة.
وإذا كانت المذاهب أربعة ويحدث هذا القلق في الأمة كلها ما بين مقلّد جاهل أحمق دون نظر، وما بين مجتهد ومجتهد مطلق وغير ذلك؛ فما بالك لو كانت المذاهب مائتي مذهب، كيف سيصير حال الأمة؟
[ ٢ / ٢٠ ]
اجتهاد أهل العلم في مصطلحاتهم
لا يسأل أهل العلم عن مصطلحاتهم التي اصطلحوا عليها، فمصطلحهم راجع إلى اجتهادهم في المسألة الواحدة، أو في العلم بعينه، فلا يقال: ما هو الدليل على أن أمير المؤمنين هو من أحاط بالسنة؟ لأنا نقول: إن هذا مصطلح اصطلح عليه أهل العلم في هذا الفن، وليس عليه دليل من الكتاب أو السنة، وإنما هو اجتهاد، ولأهل كل فن مصطلحات وأصول تعارفوا عليها.
ولو سأل شخص النجار مثلًا: ما هو الدليل على أن اسم هذه الآلة (شاكوش)؟ لكان السائل أحمق، فالنجارون اصطلحوا على أن هذا اسمه (شاكوش)، كما اصطلحنا اليوم على أن الرغيف إذا وضع فيه شيء يسمى (سندويتش)، والمجمع اللغوي عجز عن أنه يأتي بكلمة واحدة تساوي نظيراتها في اللغات الأخرى لكلمة (سندويتش)، بل قال: هو كل مشقوق وضع في وسطه شيء.
[ ٢ / ٢١ ]
سادسًا: المحدث والحافظ وأمير المؤمنين والحاكم
سادسًا: المحدث، وهو: كل من أتقن علوم الحديث رواية ودراية، وعرف الرواة في كل طبقة وفي كل عصر، واهتم بجمع الروايات والنظر فيها تصحيحًا وتضعيفًا وحفظًا وغير ذلك.
والحافظ قيل: هو من حفظ من السنة ثلاثمائة ألف حديث.
وأمير المؤمنين قيل: هو من حفظ من السنة ثمانمائة ألف حديث.
والحاكم قيل: هو من أحاط بالسنة.
ومن أمراء المؤمنين في علم الحديث البخاري وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم، وآخرهم إمارة في الحديث هو الحافظ ابن حجر.
وأما مصطلح الحاكم فهو مصطلح دخيل، وفي النفس منه شيء، لم يعرفه المتقدمون، والخلاف فيه كثير.
[ ٢ / ٢٢ ]
سابعًا: الحديث
سابعًا: الحديث: وهو في اللغة: الجديد أو الكلام.
يقال: هذا شيء حديث، أي: جديد ومحدث، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١]، أي: ما كان كلامًا يفترى.
فالحديث في اللغة يحمل على معنى الجديد أو الكلام.
وفي الاصطلاح: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية.
وهذا التعريف متفق عليه.
والحديث على هذا التعريف إما أن يكون حديثًا قوليًا، أو فعليًا أو تقريريًا، أو وصفيًا.
فالحديث القولي هو: ما قال فيه الصحابي: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، كقول النعمان بن بشير: قال رسول الله ﷺ: (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن)، الحديث.
وأما الحديث الفعلي فهو ما كان من فعل النبي ﷺ، كحديث علي بن أبي طالب: (لما توضأ من ماء زمزم قام فوقف، وشرب ما فضل منه، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل).
[ ٢ / ٢٣ ]
تقديم الحديث القولي على الحديث الفعلي عند التعارض
والحديث القولي أقوى من الحديث الفعلي، وهو عام للأمة ما لم يأت ما يقيده أو يخصصه.
وهذا من أحد المرجحات بين الأحاديث، فإذا وقع التعارض بين دليلين نظرنا ما إذا كان أحدهما ضعيفًا أو قوليًا.
والمرجحات تبلغ أكثر من خمسين مرجحًا.
وأما الحديث الفعلي فقد يكون خاصًا بالنبي ﷺ، وليست أفعال النبي ﷺ تشريعًا للأمة إلا إذا كانت في مجال التشريع لا الخصوصية، فإن كانت في مجال الخصوصيات -أي: فيما يمس شخص النبي ﷺ- فلا شك أنها مقصورة عليه، وهذا أيضًا يحتاج إلى دليل.
والشاهد: أن الحديث القولي أقوى من الحديث الفعلي، فعند التعارض يقدّم القولي على الفعلي إذا لم يكن الجمع بينهما ممكنًا، فإعمال الدليلين خير من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، وإعمال الدليلين أي: أخذهما والجمع والتأليف بينهما، فالعمل بهما خير من اختيار أحدهما ورد الآخر.
ومثال ذلك: قول النبي ﷺ: (من شرب قائمًا فليستقئ)، وهذه الرواية فيها نظر، وهي في صحيح مسلم.
ولما رأى رجلًا يشرب قائمًا قال: (أتحب أن يشرب معك الهر؟ قال: لا يا رسول الله! قال: والذي نفس محمد بيده لقد شرب معك من هو شر منه، الشيطان).
وروي الشرب قائمًا من فعل علي بن أبي طالب ورفع هذا الفعل إلى النبي ﷺ.
فنقول: إن القولي مقدم على الفعلي، والأحاديث التي ورد فيها النهي عن الشرب قائمًا أحاديث قولية، والأحاديث التي ورد فيها جواز الشرب فعلية، فنقدم الأحاديث القولية التي تنهى عن الشرب قائمًا على الفعلية التي تجيز ذلك، والجمهور قالوا بكراهة الشرب قائمًا كراهة تنزيه، والظاهرية قالوا بالحرمة، وتبعهم على ذلك شيخنا الشيخ ناصر الدين الألباني.
واستدل الظاهرية الذين قالوا بحرمة الشرب قائمًا بأن النبي ﷺ إنما شرب قائمًا في موسم الحج، فلعله لم يستطع أن يشرب قاعدًا من الزحام فشرب قائمًا، وقالوا: وهذا فعل منه ﷺ وليس قولًا، فقوله للأمة بالتحريم وفعله لنفسه بالجواز، وهذا مقصور عليه هو دون الأمة.
فأولوا الحديث الفعلي في الشرب بأنه مخصوص بالنبي ﷺ، ولكن هذا التأويل يرد عليه فعل علي أنه قام فشرب، ولو كان مخصوصًا بالنبي ﷺ لكان علي بن أبي طالب أفهم لهذه الرواية منهم.
وكانت القرب عند العرب تعلق على الأشجار والجدران حتى لا تمسها الهوام والدواب وغيرها، وكانوا يشربون منها قيامًا للعذر، إذ كان يتعذّر عليهم فك الحبل أو قطعه حتى يجلسون للشرب ثم يربطونه مرة أخرى؛ لأن الحبل لو انقطع مرارًا في اليوم الواحد فسينتهي بكامله، وهذا عذر يبيح الشرب قائمًا.
والراجح فيها جواز الشرب قائمًا مع الكراهة، وهذا رأي الجمهور.
[ ٢ / ٢٤ ]
السنة التقريرية
وأما التقرير: فهو أن يرى الرسول ﷺ أحد الصحابة يعمل شيئًا ويسكت عنه؛ لأن النبي ﷺ لا يسكت على باطل قط، فإذا رأى صحابيًا يفعل فعلًا وسكت عليه نُسب هذا الفعل تقريرًا إلى النبي ﷺ؛ لأنه لو لم يكن مباحًا أو جائزًا لأنكره النبي ﷺ أشد الإنكار، فالنبي ﷺ منزّه عن الباطل، فما فُعل أمامه أو قيل وهو يسمع فلم ينكر؛ دل على رضاه ﷺ عنه، فينسب إليه من باب أنه سنة؛ لأنه رآه أو سمعه وأقره ولم يغيره، ولو كان باطلًا لغيره ولم يقره، وهذا كحديث لعب الحبشة، فقد جاء في حديث عائشة عند البخاري ومسلم: أن الحبشة كانوا يلعبون بالحراب في المسجد، فوقفت عائشة خلف النبي ﷺ تنظر إليهم، وأسندت ذقنها على كتف النبي ﷺ، والنبي ﷺ يسترها، ثم سألها: أما يكفيك؟ فقالت: لا، فانتظر حتى قالت: كفى يا رسول الله! ودخلت بيتها.
فهذا إقرار من النبي ﷺ لهذا الفعل؛ لأنه أقر عائشة في أن تنظر إلى الحبشة، وكذلك هو إقرار للحبشة بجواز اللعب داخل المسجد.
[ ٢ / ٢٥ ]
السنة الوصفية
وأما الصفة فإما أن تكون خلقية، أي: في أصل خلقة النبي ﷺ، أو خُلُقية، أي: في صفات النبي ﷺ المتعلقة بخُلُقه.
وقد قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وهذه الآية لا يقال فيها سنة خلقية ولا خُلُقية.
وفي حديث عائشة: (كان خُلُقه القرآن).
وهذا الحديث ينسب إلى النبي ﷺ؛ لأنه يصف خُلُق النبي ﷺ.
وأما الأحاديث الخلقية كالأحاديث التي رويت في شمائل ووصف بدن النبي ﷺ وشعره، وطوله، وأنه لم يكن بالطويل ولا بالقصير، ووصف منكبيه وذراعيه ووجهه، وأنه كان إذا ضحك انبسط وجهه، وإذا غضب أحمر وجهه كأنما فقئ في وجهه حب الرمان وغير ذلك.
[ ٢ / ٢٦ ]
ثامنًا: السنة
ثامنًا: السنة، وهي في اللغة: الطريقة، سواء كانت محمودة أو مذمومة، والدليل على ذلك حديث النبي ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا).
ولكنها عند الإطلاق تنصرف إلى السنة المحمودة، كإطلاق الماء في الفقه يقصد به الماء المطلق، أي: الذي اجتمعت فيه شروطه وصفاته، فلو قيد خرج عن الماء المطلق، مثل ماء الورد.
وكذلك السنة إذا أطلقت قصد بها الطريقة المحمودة، فإذا قيل: هذه سنة سيئة دل ذلك على عدم قصد الأصل، وإنما يقصد التقييد.
أما السنة في الاصطلاح فهي: ما أضيف إلى النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته والصفات الخلقية والخُلُقية.
فهي مرادفة للحديث.
وبعض العلماء أدخلوا في مسمى السنة حياة النبي ﷺ وزمنه وأيامه قبل البعثة وبعدها، وأدخلوا فيها المغازي والسير، بل وأدخلوا فيها ما نُسب إلى الصحابة والتابعين من الأقوال والأفعال والسنن، وغير ذلك.
فليس هناك كبير فرق بين الحديث والسنة في مصطلح المحدثين.
والسنة تطلق عند الفقهاء على ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
فهي بمعنى المندوب.
والمندوب هو: ما طلبه الشارع من المكلف طلبًا غير جازم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
[ ٢ / ٢٧ ]