دورة تدريبية في مصطلح الحديث [٦]
من أقسام الحديث باعتبار القبول والرد الحديث المنقطع والحديث المرسل والحديث المعضل والحديث المعلق، وهي في الأصل من أقسام الحديث الضعيف، والضعف فيها يتعلق بالإسناد، وقد يطلق بعض العلماء نوعًا من هذه الأنواع على الآخر؛ لكن عند التحقيق فإن لكل نوع صفات وشروطًا تميزه عن غيره.
[ ٦ / ١ ]
الإبهام والانقطاع والفرق بينهما
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: إبهام الراوي كالانقطاع، فوجود الراوي على الإبهام يساوي عدم وجوده؛ لأنه يلحقه الضعف.
والعلماء يفرقون بين سقوط الراوي بالكلية وبين كونه مبهمًا، على الرغم من كون الحديث ضعيفًا في الحالتين؛ لأن كيفية الحكم على الإسناد مختلفة، ففي الصورة الأولى تقول: هذا إسناد ضعيف للانقطاع بين فلان وفلان.
وفي الصورة الثانية تقول: هذا إسناد ضعيف لجهالة الراوي الذي لم يسم.
ففي هذه الصورة يكون الراوي موجودًا ولكنه مجهول، وأما في الصورة الأولى فهو غير موجود بالكلية، وهذا فرق، وإن كان المآل في النهاية اتحاد الحكم وهو الضعف.
فإذا كانت عين الراوي أو حاله مجهولة فالحكم واحد واختلف اللفظ، وقياس الانقطاع على الجهالة على اعتبار أنهما نوع واحد قياس مع الفارق.
وفائدة ثالثة للفرق بين الانقطاع والإبهام وهي: أن طالب العلم إذا نظر في الحديث المنقطع لأول مرة حكم بصحته؛ لأنه ليس عنده علم بالانقطاع، ولكن إذا أبهم الشيخ توقف، وإذا رأى الإسناد الأول حكم بصحته؛ لأن الإسناد كله مستو.
أولًا: يعرف الانقطاع بمعرفة تراجم الرواة، وهل أدرك الراوي شيخه أو لم يدركه؟ وهل ثبت سماعه منه أو لم يثبت؟ وغير ذلك.
فمعرفة الانقطاع لا تأتي إلا بالبحث والتحري.
[ ٦ / ٢ ]
مثال الانقطاع في الإسناد
يقول: مثّل ابن الصلاح للنوع الأول -وهو السقط من الإسناد- بما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة مرفوعًا: (إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين).
ففيه انقطاع في موضعين.
والناظر إلى هذا الإسناد لا يدرك الانقطاع؛ لأن كل راو من هؤلاء أدرك الذي فوقه، ولكن هذا الإسناد بعينه منقطع في موضعين.
يقول: أحدهما: أن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما رواه عن النعمان بن أبي شيبة الجندي عنه، فبين عبد الرزاق وبين الثوري النعمان بن أبي شيبة الجندي، وهذا أول نوع من أنواع الانقطاع.
والانقطاع الثاني: أن الثوري لم يسمعه من أبي إسحاق، وإنما رواه عن شريك عنه، فبين الثوري وبين أبي إسحاق شريك.
فالانقطاع هنا في موضعين، والناظر إلى هذا الإسناد لأول وهلة لا يتفطن إلى هذا الانقطاع، ولكن لو قال عبد الرزاق: عن شيخه عن الثوري عن شيخ عن أبي إسحاق فلن يتوقف عن الحكم عليه بالضعف؛ للجهالة التي فيه.
وأما في حالة الانقطاع فقد ينظر إلى ترجمة رجاله، فإذا وجد أن جميعهم ثقات حكم بأنه صحيح، وهو لا يدري أن فيه انقطاعًا.
وقد يسقط الراوي من فوقه وهو ليس مدلسًا، وإنما من باب أن هذا الأمر كان معلومًا عندهم، وقد كانوا لا يلتزمون ذكر الإسناد لوجود الأمانة بينهم ومعرفة ذلك، ولم يكونوا يحتاجون إلى الإسناد أصلًا حتى وقعت الفتن فقالوا: سموا لنا رجالكم، ونسمي لكم رجالنا، فما كان من أهل السنة أخذوا عنه، وما كان من غيرهم طرحوا حديثه.
[ ٦ / ٣ ]
مثال الجهالة في الإسناد
يقول: ومثَّل للنوع الثاني -وهو وجود الراوي مع جهالة اسمه- بما رواه أبو العلاء بن عبد الله بن الشخير عن رجلين عن شداد بن أوس، وذكر حديث: (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر).
فهذان الرجلان مجهولان ولا نعرفهما.
وجهالة الراوي ضعف يلحق الإسناد، فيكون الإسناد ضعيفًا بسبب جهالة الراوي الذي لم يسم.
[ ٦ / ٤ ]
جهالة الصحابي لا تضر
وكل جهالة في الإسناد تتسبب في ضعف الحديث، إلا أن يكون المجهول صحابيًا، مثل أن يقول التابعي: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ، أو قال: حدثتني إحدى نساء النبي ﷺ، أو إحدى أزواج النبي ﷺ، أو بعض نسائه، أو بعض أصحابه وغير ذلك، فهذا تصريح من التابعي بأن المحدّث الصحابي.
وجهالة الصحابي لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول، ومن تكلم فيهم كالشيعة نسأل الله تعالى أن يفضحه.
يقول: الفرق بين جهالة أي راو في الإسناد وبين جهالة الصحابي فرق كبير، فجهالة الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول على الصدق والأمانة والعدالة، وأما غيرهم فلا؛ لأنهم يخضعون للجرح والتعديل.
وهل رأيت راويًا أو محققًا يبحث في الإسناد للحكم عليه عن أبي داود؟ فـ أبو داود أشهر من أن يُبحث عن ترجمته، ولكنه يبحث من عند شيوخ أبي داود كـ قتيبة بن سعيد وعبد الله بن مسلمة وغيرهما في الإسناد، فإذا وصل إلى الصحابي وأراد البحث عنه فإنه يستحق الضرب، فهو قد تعود سماع كلمة: ثقة، وضعيف، وصدوق، وإمام، وحافظ، ومتقن، وغير ذلك، فإذا لم يجد في ترجمة الصحابي هذه الألفاظ -لأنه غني عنها- قال: لم نجد في هذا الرجل شيئًا، فهو مجهول الحال.
وهذا كما حصل مرة أن رجلًا ذهب يبحث عن ترجمة الإمام البخاري فوجد أن الحافظ ابن حجر عدله في كتاب التقريب بقوله: إمام الدنيا وجبل الحفظ، ولكن لما لم يجد ذلك الشيخ المحقق الألفاظ التي حفظها في التعديل قال: ونتوقف في هذا الإسناد لجهالة الراوي المسمى محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، حيث قال عنه الحافظ: إمام الدنيا وجبل الحفظ، وهذا ليس من ألفاظ التعديل.
[ ٦ / ٥ ]
التفريق بين المنقطع وبين غيره من أنواع الحديث
ومنهم من قال: إن المنقطع والمقطوع واحد، ويجعل مصطلح المقطوع نفس مصطلح المنقطع.
وهناك من يفرق بينهما، ويقول: المنقطع هو: سقوط راو بين راويين، وأما المقطوع فهو: وقف الكلام على التابعي فمن دونه، والموقوف هو: ما كان من قول الصحابي خاصة، والمرفوع هو: ما كان من قول النبي ﷺ خاصة.
فمن ساوى بين المقطوع والمنقطع فلا شك أن الصواب قد جانبه.
والصواب أن المنقطع هو: ما سقط فيه راو فأكثر في موطن أو في أكثر من موطن أثناء الإسناد.
وأما المقطوع فهو: ما كان من قول التابعي فمن دونه.
[ ٦ / ٦ ]
طرق معرفة الانقطاع
ويعرف الانقطاع بالطرق الآتية: فمثلًا ننظر في ترجمة عبد الرزاق ومن هم شيوخه، وهل مذكور فيهم الثوري أم لا؟ وننظر لكيفية رواية عبد الرزاق عن الثوري، وهل روايته عنه مستقيمة أم يرسل عنه، أم أنه يدلّس عليه أو غير ذلك؟ فإن ثبت أنه يدلس عنه أو يرسل عنه فيتوقف فيه، ولابد من التصريح بالسماع إن كان مدلّسًا أو مرسلًا عمن يرسل عنهم.
فإن لم نجد مثلًا في شيوخ عبد الرزاق الثوري نرجع إلى ترجمة الثوري ونبحث هل في تلاميذه عبد الرزاق أم لا.
ثانيًا: إن لم تُجْد هذه الوسيلة بحثنا في المواليد والوفيات للتلميذ وشيخه؛ لنعرف هل تعاصرا أم لم يتعاصرا.
ثالثًا: معرفة اللقاء.
فنبحث هل الثوري من نفس بلد عبد الرزاق أم لا؟ فإن كان الثوري كوفيًا وعبد الرزاق صنعانيًا، فربما رحل عبد الرزاق إلى الكوفة أو رحل الثوري إلى صنعاء، وربما لم يرحل كل منهما إلى بلد الآخر ولكنهما التقيا في بلد ثالث.
وهناك أساليب كثيرة لمعرفة ما إذا كان هذا الراوي لقي هذا الشيخ أم لم يلقه.
والله أعلم.
[ ٦ / ٧ ]
المساواة بين المنقطع والمقطوع والمرسل
والذين ساووا بين المنقطع والمقطوع ساووا بينهما من الناحية اللغوية، فالمنقطع بمعنى المقطوع لغة، وأما اصطلاحًا فينبغي التقيد والوقوف عند مصطلحات هذا الفن دون النظر إلى اللغة.
وهناك من ساوى بين المنقطع والمرسل؛ لأن الانقطاع في اللغة هو قطع الشيء وعدم وصله، والإرسال: هو الإطلاق بلا قيد.
وهذا من حيث اللغة، وأما في اصطلاح أهل هذا الفن فالإرسال هو: ما ذكره التابعي عن النبي ﷺ.
فعندما نتكلم في مصطلح من مصطلحات أهل فن معين فينبغي التقيد بمصطلحات أهل الفن من الناحية الاصطلاحية.
والإسناد المنقطع إن كان من قطعه لم يرم بالكذب حمل على الاتصال، وإن كان كذابًا حكم عليه بأنه كذاب، وحمل تصريحه بالتحديث على الكذب.
وتدليس الراوي أو إرساله أو معاصرته لمن روى عنه مذكورة في ترجمة كل راو، وبمراجعتها تستطيع معرفة ما إذا كان هذا الراوي أدرك أو لم يُدرك من روى عنه، لقيه أم لم يلقه، وهل سمع منه أم لم يسمع منه؟
[ ٦ / ٨ ]
الفرق بين الحديث المنقطع والمقطوع والمرسل
والمرسل أكثر ما يطلق على ما رواه التابعي عن رسول الله ﷺ.
والفرق بينه وبين المنقطع أن الانقطاع في المرسل يكون في موطن خاص من الإسناد، وهو ما فوق التابعي.
يقول ابن الصلاح: وهذا أقرب، وهو الذي صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية.
وحكى الخطيب عن بعضهم: أن المنقطع ما روي عن التابعي فمن دونه موقوفًا عليه من قوله أو فعله، وهذا بعيد غريب.
ولكن الصواب: أن المقطوع هو ما كان من قول التابعي فمن دونه، والمنقطع هو ما لا يتصل إسناده.
وهذا نوع من أنواع ضعف الإسناد بسبب سقط أحد الرواة؛ لأن التابعي معرّض للجرح والتعديل مثله مثل أي راو، ففي التابعين ضعفاء بخلاف الصحابة.
فالفرق بين المرسل والمقطوع أن المقطوع هو: ما كان موقوفًا على التابعي فمن دونه من قوله، كأن يقول مثلًا: قال الزهري كذا، أو قال سعيد بن المسيب، أو قال قيس بن أبي حازم.
فهذا مقطوع؛ لأنهم من التابعين.
وأما المرسل فهو: أن يقول التابعي: قال رسول الله ﷺ، فالتابعي أرسل هذا الكلام إرسالًا ولم يقيده بالصحابي الذي سمع منه.
والإرسال ضعف يلحق الإسناد؛ لأنا لا نتيقن أن الساقط هو الصحابي، ولو تيقنا أن الساقط صحابي لحكمنا بصحة الحديث، ولكن التابعي ربما يروي عن تابعي آخر، بل ربما يروي عن خمسة من التابعين، فقد يكون الساقط واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو حتى خمسة، كالحديث المدبج، والتدبيج هو: رواية الأقران بعضهم عن بعض.
فإذا لم نتأكد أن الساقط هو الصحابي حكمنا بضعف الإسناد، وإذا تيقنا أن الساقط هو الصحابي حكمنا بصحة الحديث.
[ ٦ / ٩ ]
الحديث المعضل والحديث المعلق
هو: سقوط راويين على التوالي في أي موطن من مواطن الإسناد.
فيشترط في الإعضال أن يسقط منه اثنان على التوالي.
والإعضال في اللغة بمعنى: الإعياء.
وفي الاصطلاح وهو: أن يسقط منه راويان على التوالي.
والمعلق هو: سقوط راو فأكثر من أول الإسناد -أي: من جهة المصنّف- والمصنّف هو: من أخرج الحديث في كتابه، مثل: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
فلو قال ابن ماجه مثلًا: وقال الزهري، فقد أسقط بينه وبين الزهري ثلاثة، وأول الساقطين شيخ المصنّف، وإذا قال مسلم: وقال يحيى بن أبي كثير فهذا الإسناد فيه انقطاع؛ لأن مسلمًا لم يدرك يحيى بن أبي كثير، وهذا الانقطاع في طبقة شيوخ مسلم، فيسمى هذا الحديث معلقًا؛ لسقوط شيخ المصنف.
وإذا سقط الصحابي أو التابعي سمي الحديث مرسلًا.
[ ٦ / ١٠ ]
العلاقة بين المعلق والمعضل
بين الحديث المعلق والمعضل عموم وخصوص، فلو قال أبو داود مثلًا: حدثني عبد الله بن مسلمة القعنبي عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر فـ القعنبي هو شيخ أبي داود، فلو سقط سمي الحديث معلقًا؛ لسقوط شيخ المصنّف، ولو سقط القعنبي والشافعي ثم ذُكر الإسناد بتمامه بعد ذلك سمي الحديث معضلًا ومعلقًا؛ لأن الإعضال هو سقوط راويين على التوالي في أي موطن من مواطن السند، وهنا تحقق الإعضال في أول السند، وقد اجتمع في هذه الصورة الإعضال مع التعليق.
فالحديث المعلّق هو: سقوط راو من مبدأ الإسناد من جهة المصنّف فأكثر، وقد تصل الصورة بالمعلق إلى أن يحذف الإسناد كله فتقول أنت: قال رسول الله؛ لأن السقط هنا بدأ من جهة المصنّف إلى النبي ﷺ، فيستوي أن يكون الساقط واحدًا من جهة المصنف أو أكثر، حتى لو سقط الإسناد بكامله.
والمعضل يتفق مع المعلق في هذه الصورة، وهي سقوط أكثر من راو من مبدأ الإسناد من جهة المصنّف.
ففي هذه الصورة يتحد الإعضال مع التعليق.
فإذا لم يسقط القعنبي وإنما سقط الشافعي وشيخه مالك فهذا إعضال وليس تعليقًا.
فالإعضال والتعليق يتفقان فيما لو كان الساقط من مبدأ الإسناد من جهة المصنف، ويختلفان فيما لو ذُكر شيخ المصنّف.
يقول: كل معلق معضل، وهذا خطأ، فلنفرض أن الساقط شيخ واحد فقط وهو شيخ المصنف، فكل تعليق بأكثر من واحد إعضال وليس كل إعضال تعليقًا.
[ ٦ / ١١ ]
حكم الحديث المعلق والمعضل
والمعلقات على العموم حكمها الضعف، وكذلك المعضلات؛ لسبب السقط في الإسناد، ولما كان هذا الساقط مجهولًا لدينا كان الحكم مناسبًا لأن نقول: إن هذا الإسناد ضعيف لجهالة الراوي الذي لم يسم، أو لسقوط الراوي الذي لم يُذكر من الأصل في الإسناد، فإذا ذُكر في مكان آخر جبر الضعف الأول.
[ ٦ / ١٢ ]
حكم الأحاديث المعلقة في الصحيحين
المعلقات في الصحيحين تختلف عن المعلقات في غيرها، فمنها ما يروى بصيغة الجزم، ومنها ما يروى بصيغة التمريض.
فصيغة الجزم تشعر بثبوت الكلام عن قائله، كأن يقول: قال فلان، وذَكَر فلان، وقال لي فلان، وحكى فلان، أي: القطع بثبوت هذا الكلام عن قائله.
وأما صيغة التمريض فكأن يقول: يروى عن فلان، أو يحكى عن فلان، أو يُذكر عن فلان.
وصيغ التمريض يعبر عنها لغة بالبناء للمجهول، أما البناء للمعلوم فهو الذي يعبّر عنه بصيغة الجزم.
وصيغة التمريض مشعرة بضعف الكلام عن قائله على العموم، وأما صيغ الجزم فهي مشعرة بثبوت الكلام عن الذي نسب إليه.
والمعلقات في الصحيحين إما أن تكون بصيغة الجزم وإما أن تكون بصيغة التمريض.
فإن كانت بصيغة الجزم فهي حكم بصحة هذا الكلام عن قائله، والخلاف الدائر حول هذا النوع من المعلقات في الصحيحين إنما ينصب على توفر شروط الصحة المشترطة في الصحيحين، وليس في أصل صحة هذا الكلام.
فالمعلقات في الصحيحين إن كانت بصيغة الجزم فهي مشعرة بثبوت هذا الكلام عن قائله، ومع هذا ففيها إشكال، وهو أنها على غير شرط الاتصال وغير ذلك، وإن كانت في نفس الأمر صحيحة.
وأما ما روي بصيغة التمريض -كيروى، ويُذكر، ويُحكى- فينظر بعد ثبوت الإسناد له، أو إغلاقه بعد تعليقه؛ فإن كان الطريق بعد إغلاقه رجاله ثقات فلا شك أنه يحكم له بالصحة، وإن كان فيهم مجروح أو سقط ولم يعلم فلا شك أنه خاضع لقواعد المصطلح، فما كان صحيحًا فهو صحيح، وما كان حسنًا فهو حسن، وما كان ضعيفًا فهو ضعيف.
ومن الناس من رد ونفى تمامًا أن يكون في الصحيحين ضعيف، سواء كان في المسندات أو في المعلقات، وهذا من باب تبجيل الصحيحين تبجيلًا زائدًا عن الحد، والأمر كله متعلق بمدى توفر قواعد الصحة والضعف وقواعد هذا الفن من أصول الحديث على إسناد ما، سواء كان هذا الإسناد في داخل الصحيحين أو في خارجهما.
[ ٦ / ١٣ ]
تلقي الأمة للصحيحين بالقبول
والصحيحان تلقتهما الأمة بالقبول على الإجمال دون التفصيل، فلا يتجرأ أن أحد على أن يتهجم على الصحيحين بالحكم على أحاديثهما؛ سواء المتصلة أو المعلقة بالضعف أو الصحة؛ لأن ولوج هذا الباب يؤدي إلى الطعن فيما هو أعلى من الصحيحين، ألا وهو القرآن.
وقد ولج هذا الباب بعض المعتزلة، فطعنوا في النهاية في القرآن الكريم.
والمعتزلة في زماننا هذا يرفضون أن يسمو أنفسهم معتزلة، مع أنهم عقلانيون (١٠٠%)، ومنهم من يقول: أنا أحكم على الحديث بالصحة إذا اتفق مع عقلي، فإذا قلنا له: أنت معتزلي؟ قال: لا.
وهو قد تحققت فيه أصول المعتزلة ولكنه يجهل المصطلح، ويجهل أنه معتزلي، وليس بلازم أن يقر أنه معتزلي، ولكن العبرة بأنه يتبنى أصولهم.
ومن أصول المعتزلة تقديم العقل على النقل الذي هو الكتاب والسنة، فالذي يدّعي أن هذا الحديث لا يتفق مع عقله فقبّح الله ذلك العقل، وإن كان عقل أعقل العقلاء، ولا شك أنه لو كان عاقلًا لما قال بهذا المبدأ، وما ضل كثير من علماء عصرنا إلا بسبب ضلال عقولهم! يقول علي بن أبي طالب ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه.
وهذا نص من مئات النصوص الواردة عن السلف، فإعمال العقل في قبول الأخبار وردها ليس من منهج السلف، وإنما هو من منهج المعتزلة الذين ضلوا عن الصراط المستقيم.
والكلام على المعلقات فيه مباحث كثيرة وكلام كثير، يرجع فيه إلى كتب المصطلح كالباعث الحثيث، وتدريب الراوي، والألفيات وغير ذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
[ ٦ / ١٤ ]