من رحلات التابعين للصحابة
١ - الرحلة لأبي بن كعب ﵁-:
عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قَالَ: وَفَدْتُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَإِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى الْوِفَادَةِ لُقْيُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^١).
عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: أتيت المدينة ابتغاء العلم فدخلت مسجد رسول الله، ﷺ، فإذا الناس فيه حلق يتحدثون، فجعلت أمضي الحلق حتى أتيت حلقة فيها رجل شاحب عليه ثوبان كأنما قدم من سفر، قال: فسمعته يقول: هلك أصحاب العقدة ورب الكعبة ولا آسى عليهم، أحسبه قال مرارا. قال: فجلست إليه فتحدث بما قضي له، ثم قام، قال: فسألت عنه بعدما قام، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا سيد المسلمين أبي بن كعب. قال فتبعته حتى أتى منزله، فإذا هو رث المنزل رث الهيئة، فإذا رجل زاهد منقطع يشبه أمره بعضه بعضًا، فسلمت عليه فرد علي السلام، ثم سألني: ممن أنت؟ قلت: من أهل العراق، قال: أكثر مني سؤالا، قال: لما قال ذلك غضبت، قال: فجثوت على ركبتي ورفعت يدي - هكذا وصف - حيال وجهه، فاستقبلت القبلة، قال: قلت: اللهم نشكوهم إليك إنا ننفق نفقاتنا وننصب أبداننا ونرحل مطايانا ابتغاء العلم فإذا لقيناهم تجهموا لنا. وقالوا لنا.
_________________
(١) حسن: سبق تخريجه (ص/ ٢٤).
[ ١٠٣ ]
قال: فبكى أبي وجعل يترضاني ويقول: ويحك لم أذهب هناك، لم أذهب هناك. قال: ثم قال: اللهم إني أعاهدك لئن أبقيتني إلى يوم الجمعة لأتكلمن بما سمعت من رسول الله لا أخاف فيه لومة لائم. قال: لما قال ذلك انصرفت عنه وجعلت أنتظر الجمعة، فلما كان يوم الخميس خرجت لبعض حاجتي فإذا السكك عاصة من الناس لا أجد سكة إلا يلقاني فيها الناس. قال: قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: إنا نحسبك غريبا، قال: قلت: أجل، قالوا: مات سيد المسلمين أبي بن كعب. قال جندب: فلقيت أبا موسى بالعراق فحدثته حديث أبي قال: والهفاه! لو بقي حتى تبلغنا مقالته (^١).
٢ - صفوان بن عسال ﵁-:
عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ، أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فَقُلْتُ: ابْتِغَاءَ العِلْمِ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ حَكَّ فِي صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ بَعْدَ الغَائِطِ وَالبَوْلِ، وَكُنْتَ امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفرًا أَوْ مُسَافِرِينَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٥٠١)، قال: أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا جعفر بن سليمان، أخبرنا أبو عمران الجوني، عن جندب به. وجعفر مختلف فيه، وباقي الإسناد ثقات.
(٢) حسن: أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٩)، والترمذي (٩٦، ٣٨٧٨)، والنسائي (١٢٧)، وابن ماجه (٤٧٨)، وابن خزيمة (١٧)، وابن حبان (١١٠٠) وغيرهم من طرق عن عاصم عن زر عن صفون به. وعاصم حسن الحديث.
[ ١٠٤ ]
٣ - الرحلة لزيد بن ثابت ﵁-:
عن مسروق قَال: أتيت المدينة فسألت عن أصحاب النبي ﷺ فإذا زيد من الراسخين في العلم (^١).
عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَزِيَّةَ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَجَاءَهُ ابْنُ فهْدٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّ عِنْدِي جَوَارِيَ لِي، لَيْسَ نِسَائِي اللاَّتِي أُكِنُّ بِأَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهُنَّ، وَلَيْسَ كُلُّهُنَّ يُعْجِبُنِي أَنْ تَحْمِلَ مِنِّي، أَفَأَعْزِلُ؟ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَفْتِهِ يَا حَجَّاجُ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكَ، إِنَّمَا نَجْلِسُ عِنْدَكَ لِنَتَعَلَّمَ مِنْكَ. قَالَ: أَفْتِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هُوَ حَرْثُكَ، إِنْ شِئْتَ سَقَيْتَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَعْطَشْتَهُ. قَالَ: وَكُنْتُ أَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْ زَيْدٍ، فَقَالَ زَيْدٌ: صَدَقَ (^٢).
٤ - الرحلة لا بن عمر ﵁-:
عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ - أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ - فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤٨٤) قال: حَدَّثَنَا سليمان بن حرب، قَال: حَدَّثَنَا شُعبة، عن أبي إسحاق، عن مسروق به.
(٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٢٤٣) عن ضمرة بن سعيد المازني عن الحجاج بن عمرو به.
[ ١٠٥ ]
شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ».
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: «فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ»، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: «صَدَقْتَ»، قَالَ: «فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ»، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: «فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ»، قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» قَالَ: «فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا»، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (^١).
عبد العزيز بن حكيم يقول: شهدت ابن عمر وأتاه رجل من أهل البصرة فقال: إني جئت من عند قوم يصرفون الدراهم الصغار فيأخذون بها كبارًا،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨).
[ ١٠٦ ]
قال: أيزدادون؟ قال: نعم، قال: لا إلا وزنًا بوزن (^١).
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ
رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ»، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ» (^٢).
٥ - الرحلة لعبد الله بن مسعود ﵁ -:
عَنْ عَبْدِ اللهِ قال: «لَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ» قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حِلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَا يَعِيبُهُ (^٣).
عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ؟ أَلِفًا تَجِدُهُ أَمْ يَاءً ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، أَوْ «مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ»؟ قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: وَكُلَّ الْقُرْآنِ قَدْ أَحْصَيْتَ غَيْرَ هَذَا، قَالَ: إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: «هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ، إِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢٢٩٤٩)، حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عبد العزيز بن حكيم به. ومعتمر ثقة، وعبد العزيز روى عنه جماعة، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه.
(٢) أخرجه البخاري (٧٢)، واللفظ له، ومسلم (٢٨١١).
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٥٠٠٠)، ومسلم (٢٤٦٢).
[ ١٠٧ ]
يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ»، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اللهِ، فَدَخَلَ عَلْقَمَةُ فِي إِثْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرَنِي بِهَا.
قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَجِيلَةَ إِلَى عَبْدِ اللهِ، وَلَمْ يَقُلْ نَهِيكُ ابْنُ سِنَانٍ (^١).
٦ - الرحلة لعبد الله بن عمرو ﵁-:
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ - الَّذِي كَانَ يَسْكُنُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ - أَنَّهُ رَكِبَ فِي طَلَبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: قَدْ سَارَ إِلَى مَكَّةَ، فَاتَّبَعَهُ فَوَجَدَهُ فِي زَرْعِهِ الَّذِي يُسَمَّى الْوَهْطُ، قَالَ ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي بَلَغَنَا عَنْكَ؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: إِنَّكَ تَقُولُ: صَلَاةٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهَا إِلَّا الْكَعْبَةَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، إِنَّ سُلَيْمَانَ حِينَ فَرَغَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَرَّبَ قُرْبَانًا، فَتُقُبِّلَ مِنْهُ، فَدَعَا اللَّهَ بِدَعَوَاتٍ مِنْهُنَّ: اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مُؤْمِنٍ زَارَكَ فِي هَذَا الْبَيْتِ تَائِبًا إِلَيْكَ إِنَّمَا جَاءَ يَتَنَصَّلُ عَنْ خَطَايَاهُ وَذُنُوبِهِ أَنْ تَتَقَبَّلَ مِنْهُ، وَتَتْرُكَهُ مِنْ خَطَايَاهُ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (^٢).
٧ - الرحلة لزياد بن جارية ﵁-:
عن عبيد الله بن عبيد أبي وهب قال: سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ: كُنْتُ عَبْدًا بِمِصْرَ لاِمْرَأَةٍ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ فَأَعْتَقَتْنِي، فَمَا خَرَجْتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إِلاَّ حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِجَازَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلاَّ حَوَيْتُ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٢٢).
(٢) إسناده صحيح: سبق تخريجه (ص/ ٥١).
[ ١٠٨ ]
عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الْعِرَاقَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلاَّ حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الشَّامَ فَغَرْبَلْتُهَا، كُلُّ ذَلِكَ أَسْأَلُ عَنِ النَّفْلِ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُنِي فِيهِ بِشَىْءٍ، حَتَّى أَتَيْتُ شَيْخًا يُقَالُ لَهُ: زِيَادُ بْنُ جَارِيَةَ التَّمِيمِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ فِى النَّفْلِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ النَّبِىَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ فِى الْبَدْأَةِ وَالثُّلُثَ فِى الرَّجْعَةِ (^١).
عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْجَارِ قَدِمُوا، فَسَأَلُوا مَرْوَانَ ابْنَ الْحَكَمِ (أمير المدينة) عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ، فَقَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأبِي هُرَيْرَةَ فَاسْأَلُوهُمَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ائْتُونِي فَأَخْبِرُونِي مَاذَا يَقُولَانِ، فَأَتَوْهُمَا فَسَأَلُوهُمَا، فَقَالَا: لَا بَأْسَ بِهِ. فَأَتَوْا مَرْوَانَ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ مَرْوَانُ: قَدْ قُلْتُ لَكُمْ (^٢).
* * *
_________________
(١) إسناده حسن إلى مكحول، وزياد وحبيب مختلف فيهما: أخرجه أبو داود (٢٧٥٠)، والبيهقي (٦/ ٣١٣)، والحاكم (٦/ ٢٠٤)، من طريق يحيى بن حمزة - وهو ثقة - عن أبي وهب، به. وأبو هب: قال فيه ابن معين: لا بأس به، ووثقه دحيم. وزياد روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه النسائي، وقال أبو حاتم: مجهول، ووافقه ابن القطان الفاسي، وَهُوَ كَمَا ذكر لَا تعرف حَاله، وَإِنْ كَانَ قد روى عَنهُ جمَاعَة. وحبيب بن مسلمة: مختلف في صحبته، وقال ابن معين: أهل المدينة يقولون: لم يسمع من النبي ﷺ، وأهل الشام يقولون: قد سمع.
(٢) صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٤٣٠)، ومن طريقه البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ١٨٤) عن أبي الزناد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، به.
[ ١٠٩ ]