لقد اهتم المحدثون بكتاب «الجامع الصحيح» للإمام البخاري، وأولوه عناية خاصة تليق بمكانته الكبيرة في نفوسهم، وقد تجلت أولى مظاهر هذا الاهتمام في كثرة المتلقين لهذا الكتاب المبارك عن مصنفه، يقول تلميذه الفربري: سمع كتاب «الصحيح» لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل، وفي رواية سبعون ألف رجل (٢)
ثم كانت العناية به وضبطه وفق قواعد المحدثين والحرص على تبليغه جيلًا بعد جيل، وقد تمثل ذلك في روايات هذا الكتاب.
ورواة الصحيح هم:
أولًا: المُحَدِّثُ الثِّقَةُ، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر، الفَرَبْرِيُّ (٣) .
_________________
(١) . ينظر: «اختلاف الروايات وأثره في توثيق النصوص وضبطها» للدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر، بحث نشر في مجلة الدّرعية، التي تصدر بالرياض السنة الثانية، العدد الثامن شوال ١٤٢٠هـ.
(٢) . تاريخ بغداد ٢/٩، سير أعلام النبلاء ١٥٠/١١٢، التقييد ١/١٣١، معجم البلدان ٤/٢٤٦.
(٣) . ترجمته في: إفادة النِّصيح ١٠، سير أعلام النبلاء ١٥/١٠، التقييد ١/١٣١.
[ ١٩ ]
ورواة الصحيح عن الفَرَبْرِيِّ هم:
١ - الإمام المحدث أبو إسحاق، إبراهيم بن احمد بن إبراهيم بن احمد بن داود البلخي، المستمليّ (ت٣٧٦هـ) (١) .
كان سماعه للصحيح في سنة أربع عشرة وثلاثمائة.
قال المستمليّ: انتسخت كتاب البخاري من أصله، كما عند ابن يوسف فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيَّضة كثيرة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعضٍ.
قال الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق، ورواية أبي محمد، ورواية أبي الهيثم، ورواية أبي زيد - وقد نسخوا من أصل واحد - فيها التقديم والتأخير، وإنما ذلك بحسب ما قدّر كل واحد منهم فيما كان في طرَّةٍ، أو رقعةٍ مضافة أنه من موضع ما فأضافه إليه، وبيان ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث (٢) .
٢ - الإمام المحدث الصدوق المسند، أبو محمد، عبد الله بن احمد بن حمُّويه بن يوسف بن أعين، الحمُّويي خطيب سرخس (ت٣٨١هـ) (٣) .
_________________
(١) . ترجمته في: التقييد ١/٢٢٠، سير أعلام النبلاء ١٦/٤٩٢، إفادة النِّصيح بسند الجامع الصحيح ٢٥.
(٢) . التعديل والتجريح ١/٣١٠، وإفادة النصيح ٢٦، وقال الحافظ ابن حجر بعد إيراده هذه المقالة: قال الباجي: وإني أوردت هذا هنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها وتكلفهم من ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ. قال الحافظ ابن حجر: وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضيع قليلة جدًا، هدي الساري ٨.
(٣) . ترجمته في: إفادة النصيح ٢٩، سير أعلام النبلاء ١٦/٤٩٢.
[ ٢٠ ]
٣ - المحدث الثقة، أبو الهيثم، محمد بن مكي بن محمد بن مكي بن زُراع الكشميهني (ت٣٨٩هـ) (١) .
٤ - الشيخ الثقة الفاضل، أبو علي، محمد بن عمر بن شَبُّويه الشَّبويُّ، المروزيُّ (٢) .
٥ - الإمام الحافظ المجوِّد الكبير، أبو علي، سعيد بن عثمان بن سعيد ابن السِّكن المصري البزِّاز، البغدادي الأصل (ت٣٥٣هـ) (٣) .
٦ - الشيخ الإمام المفتي، القدوة الزاهد، شيخ الشافعية، أبو زيد محمد بن احمد بن عبد الله بن محمد المروزي (ت٣٧١هـ) (٤) .
٧ - الإمام أبو أحمد، محمد بن محمد بن يوسف بن مكي، الجرجاني (ت٣٧٣ أو ٣٧٤هـ) (٥) .
ثانيا: ومن رواة الصحيح، عن البخاري الإمام الحافظ الفقيه، القاضي، أبو إسحاق، إبراهيم بن مَعْقِل بن الحجاج، النسفي، قاضي نسف (ت٢٩٥هـ) (٦) .
ثالثا: الإمام المحدث الصدوق، أبو محمد، حماد بن شاكر بن سوِّية، النسفي (ت٣١١هـ) (٧) .
_________________
(١) . ترجمته ومصادرها في: التقييد ١/١١٠، إفادة النصيح ٣٦، قيد: زراع: بزاي في أوله مضمومة، بعدها راء مفتوحة خفيفة، سير أعلام النبلاء ١٦/٤٩١، ورسم «زراع»، انظر ضبط الكشميهني في: الأنساب ١٠/٤٣٦، معجم البلدان ٤/٤٦٣.
(٢) . ترجمته في التقييد ١/٧٧، سير أعلام النبلاء ١٦/٤٢٣.
(٣) . ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٦/١١٧، تذكرة الحفاظ ٢/٩٣٧.
(٤) . ترجمته في: تاريخ بغداد ١/٣١٤، التقييد ١/٣٥، السير ١٦/٣١٣.
(٥) . ترجمته في: تاريخ جرجان ٤٢٧ (٧٦٧)، تاريخ بغداد ٣/٢٢٢، الأنساب ٣/٢٢٣، التقييد ١/١٠٢.
(٦) . ترجمته ومصادرها في: سير أعلام النبلاء ١٣/٤٩٣، الجواهر المضية ١/١١١ (٥٢) .
(٧) . ترجمته في: التقييد ١/٣١٤، سير أعلام النبلاء ١٥/٥.
[ ٢١ ]
رابعا: الشيخ المسند، أبو طلحة، منصور (١) بن محمد بن علي بن قرينة ابن سوية البزديُّ، ويقال: البزدويُّ، النسفي (ت٣١٩هـ) .
خامسا: الإمام القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي (ت٣٣٠هـ) (٢) .
رواية علماء المغرب لكتاب «الجامع الصحيح»:
لعل أشهر روايات المغاربة لـ «الجامع الصحيح» هي التي ذكرها الإمام أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي الإشبيلي (ت٥٧٥هـ)، في كتابه «الفهرست»، فقال: مصنف الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وهو «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه» .
أما رواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الهروي الحافظ، ﵀، فحدثني بها شيخنا الخطيب أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح المقرئ ﵀، قراءةً عليه بلفظي مرارًا وسماعًا مرارًا، قال: حدثني به أبي ﵀، سماعًا من لفظه، وأبو عبد الله محمد بن احمد بن عيسى بن منظور القيسيُّ، رحمه الله تعالى، سماعاُ عليه، قالا: حدثنا بها أبو ذر عبد ابن أحمد بن محمد الهروي، سماعًا عليه، قال: محمد بن شريح: سمعته عليه في المسجد الحرام عند باب الندوة سنة ٤٠٤، وقال ابن منظور: سمعته عليه في المسجد الحرام عند باب الندوة، سنة ٤٣١، وقرئ عليه مرة ثانية وأنا أسمع والشيخ أبو ذر ينظر في أصله وأنا أصلح في كتابي هذا في المسجد الحرام عند باب
_________________
(١) . ترجمته ومصادرها في: الإكمال ٧/٢٤٣، التقييد ٢/٢٥٨ (٦٠٣)، سير أعلام النبلاء ١٥/٢٧٩.
(٢) . ترجمته في: تاريخ بغداد ٢/٥ وسير أعلام النبلاء ١٥/٢٥٨.
[ ٢٢ ]
الندوة، في شوال من سنة ٤٣١، قالا: وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن احمد بن حمُّويه السرخسي بهراة سنة ٣٧٣، وأبو إسحاق إبراهيم بن احمد بن إبراهيم المستملي، ببلخ سنة ٣٧٤، وأبو الهيثم محمد بن المكي بن زراع الكشميهني، بها سنة ٣٨٧، قالوا كلهم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي، ﵀.
وأما رواية ابن السكن فحدثني بها شيخنا أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث ﵀، قراءة مني عليه، قال: حدثني بها القاضي أبو عمر احمد بن محمد بن الحذَّاء التميمي، سماعًا عليه بقراءة أبي علي الجياني، قال: نا بها أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني، قراءة عليه سنة ٣٩٤، قال: نا أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ في منزله بمصر سنة ٣٤٣، قال: نا محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر بفربر، من ناحية بخارى، قال: نا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري سنة ٢٥٣.
وأما رواية الأصيلي، فحدثني بها الشيخ الفقيه أبو القاسم احمد بن محمد ابن بقي ﵀، قراءة مني عليه، والشيخ الفقيه أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث، ﵀، سماعًا لجملة منه، ومناولة لي لجميعه، قالا: حدثنا بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن فرج، مولى محمد بن يحيى البكري المعروف بابن الطلاع، أما ابن بقي فقال: سمعت جميعه عليه، وأما ابن مغيث فقال: حدثنا به قراءة منه علينا لأكثر الكتاب، وإجازة لسائره، قال: سمعت جميعه على الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عابد المعافري، في سنة ٤٢٣، بقراءة أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي سنة ٣٨٣، قال: قرأتها
[ ٢٣ ]
على أبي زيد محمد بن احمد المروزي بمكة سنة ٣٥٣، قال أبو محمد الأصيلي: وسمعتها على أبي زيد أيضًا ببغداد في شهر صفر سنة ٣٥٩، قرأ أبو زيد بعضها، وقرأت أنا بعضها حتى كمل جميع المصنف، قال أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربري بفربر سنة ٣١٨، قال: أنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري سنة ٢٥٣.
قال الأصيلي: وقرأتها على أبي أحمد محمد بن محمد بن يوسف الجرجاني، قال: نا محمد بن يوسف الفربري، قال: نا محمد بن إسماعيل البخاري.
وحدثني أيضا بهذه الرواية الشيخ أبو محمد ابن عتاب ﵀، إجازةً فيما كتب به إليّ، قال: حدثني بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن عابد المذكور إجازة، فيما كتبه لي بخط يده، قال: أبو محمد الأصيلي بالإسناد المتقدم.
وحدثني أيضًا براوية أبي زيد المروزي المذكور شيخنا القاضي أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز اللخمي الباجي، ﵀، سماعًا عليه لأكثرها ومناولةً لجميعها، قال: حدثني بها أبي، وعمَّاي أبو عمر احمد، وأبو عبد الله محمد، وابن عمي صاحب الصلاة أبو محمد عبد الله بن عليّ بن محمد بن احمد بن عبد الله، قالوا كلهم: حدثنا بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن احمد بن عبد الله، قال: كتب أبي أبو عمر احمد بن عبد الله كتاب البخاري، عن بعض ثقات أصحابه المصريين، وسمعته بقراءته عليه، حدثنا به عن أبي زيد محمد بن احمد المروزي، عن محمد بن يوسف الفربري، عن محمد بن إسماعيل البخاري.
أما رواية القابسي، فحدثني بها الشيخ أبو محمد ابن عتاب ﵀، إجازة، قال: حدثني بها أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي، قراءةً
[ ٢٤ ]
عليه، قال: أنا أبو الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي الفقيه، قال: نا أبو زيد محمد بن احمد المروزي، بالسند المتقدم.
وحدثني بها أيضا الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القيسي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز اللخمي، وغيرهما من شيوخي، ﵏، قالوا: حدثنا بها أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغساني ثم الجياني، ﵀، قال: قرأتها على أبي القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي، ﵀، مرات، وحدثني بها عن أبي الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي الفقيه، عن أبي زيد محمد بن احمد المروزي، عن أبي عبد الله الفربري، عن البخاري ﵀.
أما رواية النسفي، فحدثني بها الشيخ أبو بكر محمد بن احمد بن طاهر القيسي، قال: نا أبو علي حسين بن محمد بن احمد الغساني، قال: حدثني بها القاضي حكم بن محمد بن حكم الجذامي، إجازة، قال: نا أبو الفضل احمد بن أبي عمران الهروي بمكة سنة ٣٨٢، سمعت بعضه وأجاز لي سائره، قال: نا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام البخاري، نا إبراهيم بن معقل ابن الحجاج النسفي، قال: نا البخاري.
قال أبو علي: وروينا عن أبي الفضل صالح بن محمد بن شاذان الأصبهاني، عن أبي إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي، أن البخاري أجاز له آخر الديوان، لأن في رواية محمد بن يوسف الفربري، زيادة على الموضع من كتابي نحوًا من تسع أوراق من نسختي، وقد أعلمت على الموضع من كتابي، قال أبو علي: وهذه الروايات كلها متقاربة، وأقرب الروايات إلى رواية أبي ذر رواية أبي الحسن القابسي، عن أبي زيد المروزي (١) .
_________________
(١) . فهرست ابن خير ٩٤-٩٨.
[ ٢٥ ]