نسخة الحافظ أبي علي الصدفي (٢) (ت ٥١٤هـ):
قال الحافظ محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي (ت ١٣٣٩هـ): وقد عثرت على أصل شيخه الحافظ الصدفي الذي طاف به في البلاد بخطه بطرابلس، في جلد واحد مدموج لا نقط به أصلًا على عادة الصدفي وبعض الكتاب، إلا أن بالهامش منه كثرة اختلاف الروايات والرمز إليها، وفي آخرها سماع القاضي عياض وغيره من الشيخ بخطه، وفي أوله كتابة بخط ابن جماعة، والحافظ الدمياطي، وابن العطار، والسخاوي قائلًا: هذا الأصل هو الذي ظفر به شيخنا ابن حجر العسقلاني وبنى عليه شرحه الفتح، واعتمد عليه، لأنه طيف به في مشارق الأرض ومغاربها: الحرمين، ومصر، والشام والعراق، والمغرب، فكان الأولى بالاعتبار كرواية تلميذه ابن سعادة (٣) .
كما وصف نسخة الصدفي الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الفاسي في رحلته الحجازية فقال: وقفت بمحروسة طرابلس على «نسخة» من البخاري في سفْر واحد ست عشرة كراسة، وفي كل
_________________
(١) . أشار إلى ذلك فؤاد سزكين: تاريخ التراث ١/٢٢٨.
(٢) . ترجمته في الغنية ١٩٤، الصلة ١/١٤٣، تذكرة الحفاظ ١٢٥٣.
(٣) . فهرس الفهارس ٢/٧٠٧، وانظر: المقالة التي كتبها الدكتور/ عبد الهادي التازي بعنوان: صحيح البخاري بخط الحافظ الصدفي" مجلة معهد المخطوطات العربية ١/٢١، المجلد التاسع عشر لعام ١٣٩٣هـ.
[ ٤٢ ]
ورقة خمسون سطرًا من كل جهة، وكلها مكتوبة بالسواد، لا حُمرة بها أصلًا، وهي مبتدأه بما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه (كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -)، وعند تمام كل حديث صورة: «اهـ» ولا نقط بها إلا ما قَلّ، وبآخرها، عند التمام ما صورته: آخر «الجامع الصحيح» الذي صنعه أبو عبد الله البخاري ﵀، والحمد لله على ما مَنّ به، وإياه أسأل أن ينفع به، وكتبه حسين بن محمد الصدفي، من نسخة بخط محمد بن علي بن محمود مقروءة على أبي ذر ﵀ وعليها خطه، وكان الفراغ من نسخه يوم الجمعة ٢١ محرم عام ثمانية وخمسمائة، والحمد لله كثيرًا كما هو أهله وصلواته على محمد نبيه ورسوله - ﷺ - كثيرًا كثيرًا، وعلى ظهرها: كتاب «الجامع الصحيح من حديث رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه» تصنيف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري - ﵁ - رواية أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري، ﵀ (١) .
قال الكتاني: وقد انقطع خبر هذه «النسخة» من عام ١٢١١هـ، ولم أر لها ذاكرًا، ولا ناعتًا من الرحالين، والبحاثين، ثم ذكر أنها موجودة لدى صديقه أحمد بن محمد الشريف السنوسي في الكتب التي بجغبوب (٢) .
ثم آلت إلى ملك ليبيا محمد إدريس المهدي السنوسي عام ١٣٨٨هـ، وكان الشيخ ابن عاشور قد استعار النسخة من ناظر مكتبة
_________________
(١) . فهرس الفهارس ١/٧٠٨.
(٢) . المصدر السابق ١/٧٠٩، وانظر: مقالة الدكتور التازي ١/٤٥، والجغبوب واحة بالقرب من مدينة طبرق بليبيا، انظر: المرجع السابق ٤٣.
[ ٤٣ ]
الأوقاف ببنغازي عام ١٣٧٦هـ ليصحح عليها نسخة «الصحيح» .
يقول الدكتور التازي: وأغلب الظن أن المخطوط ما يزال «بطبرق» (١) .
وقال الدكتور يوسف الكتاني: وبعد الشيخ عبد الحي وما نشره بكتابيه: «التنويه والإشادة» سنة ١٣٤٦هـ، و«فهرس الفهارس» بعدها سنة ١٣٤٧هـ، نشر الشيخ الطاهر بن عاشور مفتي الديار التونسية في «أخبار التراث العربي» بحثًا مركزًا مفصلًا عن هذا الأصل، الذي ظل بيده عن طريق الإعارة أكثر من عشر سنوات، ومنه استمد وكتب بحثه الرائع عن «أصل أبي علي الصدفي» .
وتوجد بالمغرب نسخة مقابلة على أصل الصدفي بالخزانة الملكية تحت رقم ٥٠٥٣ في مجلد ضخم، وقد نص على أنه وقعت معارضة النسخة ومقابلتها مع أصل الصدفي، المأخوذ عن نسخة الباجي.
قال الدكتور الكتاني: ومن ذلك يتبين أن الإمام الصدفي كتب بخطه نسختين من «الجامع الصحيح»، وقد كانتا معروفتين، إحداهما من أصل محمد بن علي بن محمود، وهي المشهورة والموجودة بليبيا، والثانية من أصل القاضي أبي الوليد الباجي، التي بقيت مجهولة إلى أن عثر على فرعها بالخزانة الملكية وهي المشار إليها (٢) .
_________________
(١) . المرجع السابق ٤٩، ٥٢.
(٢) . مدرسة الإمام البخاري في المغرب ١/٦٦-٦٨.
[ ٤٤ ]
ومن مخطوطاته أيضًا:
نسخة الحافظ ابن سعادة الأندلسي (ت ٥٦٦هـ) (١):
قال التلمساني: سمع أبا علي الصدفي واختص به، وأخذ عنه، وإليه صارت دواوينه وأصوله العتاق، وأمهات كتبه الصحاح (٢) .
وقد نسخ ابن سعادة نسخة من «الصحيح» قابلها على نسخة الحافظ الصدفي السابق ذكرها، وتكتسب هذه النسخة أهميتها من ارتباطها الدقيق بنسخة الصدفي.
قال الكتاني: هي من أحباس مكتبة القرويين بفاس، وهي الآن بمكتبة المدرسة العليا بالرباط، وقفت عليها مرارًا، ونقلت منها (٣) .
وفي بيان أهمية هذه النسخة وقيمتها العلمية ألف الكتاني كتاب: «التنويه والإشادة بمقام رواية ابن سعادة» (٤) .
ويوجد بالخزانة العامة بالمغرب تحت رقم (١٣٣٩/د) السفر الثاني والثالث والرابع والخامس.
أما السفر الأول فقد فُقِدَ منذ فترة طويلة.
أما السفر الثالث فقد استعاره المستشرق ليفي بروفنسال لدراسته وتحقيقه، غير أنه توفى قبل أن يعيده إلى مكانه، فبقي ضائعًا، وقد نشر المستشرق المذكور الخمس الثاني من الرواية منقولًا بالتصوير الشمسي من خط ابن سعادة الأصلي وقد صدر هذا السفر بمقدمتين:
_________________
(١) . ترجمته في الوافي بالوفيات ٥/٢٥٠، نفح الطيب ٢/١٥٨، الأعلام ٨/٢٣.
(٢) . نفح الطيب ٢/١٥٨.
(٣) . فهرس الفهارس ٢/٧٠٦.
(٤) . فهرس الفهارس ٢/١٠٣٢.
[ ٤٥ ]
الأولى: باللغة العربية وهي كتاب «التنويه والإشادة برواية ابن سعادة» للشيخ عبد الحي الكتاني.
والثانية: باللغة الفرنسية للمستشرق المذكور، وقد نشر ذلك بباريس سنة ١٣٤٧هـ (١) .
ومن مخطوطاته أيضًا:
نسخة عبد الله بن سالم البصري، المكي (١٠٥٠-١١٣٤هـ):
هو الإمام المحدث الحافظ جمال الدين عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عيسى البصري أصلًا، المكي مولدًا ومدفنًا، الشافعي مذهبًا (٢) .
قال الجمال البصري: جمع مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀ بعد أن تفرق، وصارت نسخته أُمًا (٣) .
وقال الكتاني: واقراؤه لمسند الإمام أحمد في الروضة النبوية كان في ٥٦ مجلسًا، عام ١١٢١هـ (٤) .
ونسخة الإمام عبد الله بن سالم البصري أحد فروع النسخة اليونينية هي مشهورة بمكة، وقد رواها الروداني وغيره (٥) .
قال الجمال البصري: ومن مناقبه: تصحيحه للكتب الستة، حتى
_________________
(١) . مدرسة الإمام البخاري ١/٨٣-٨٤.
(٢) . ترجمته في تاريخ الجبرتي ١/٤٨، النفس اليماني ٦٨، الحطة في ذكر الصحاح الستة ١٩٧، فهرس الفهارس ١/١٩٣، وله ترجمة في ذيل فهرس الإمداد بمعرفة علو الإسناد كتبها الشيخ سالم أحمد الشماع ٨٩.
(٣) . النفس اليماني ٦٨.
(٤) . فهرس الفهارس ١/١٩٨.
(٥) . صلة الخلف بموصول السلف ل/١٠/أ.
[ ٤٦ ]
صارت نسخته يرجع إليها من جميع الأقطار، ومن أعظمها: «صحيح البخاري» الذي وجد فيه ما في اليونينية وزيادة، أخذ في تصحيحه نحوًا من عشرين سنة (١) .
وذكر السيد صديق حسن القنوجي أن النسخة التي نسخها الشيخ بيده هي أصل الأصول للنسخ الشائعة في الآفاق، كانت عند الشيخ محمد أسعد المكي ببلدة آركات - من بلاد الهند - اشتراها من ولد المصنف، وأنها موجودة حاليًا ببلده أورنق آباد (٢) .
وقال الكتاني: رأيت في المدينة المنورة عند المسند الشيخ طاهر سنبل نسخة عبد الله بن سالم البصري بخطه من «الصحيح» ثمانية، وهي في نهاية الصحة والمقابلة والضبط، والخط الواضح، وأخبرني أنه أحضرها إلى الآستانة ليصحح عليها النسخة الأميرية، التي طبعت من «الصحيح» وفرقها السلطان عبد الحميد على المساجد والآفاق، وعليها ضبطت، ولا أدري من أين اتصلت بسلفه؟ (٣)، وقد استفيد من نسخة عبد الله بن سالم في مقابلة النسخة «السلطانية» وقد أُشير إلى ذلك في مواضع متعددة، في هوامش النسخة المطبوعة، وربما عُبر عنها بالفرع المكي (٤) .
_________________
(١) . فهرس الفهارس ١/١٩٨، وذيل كتاب الإمداد بمعرفة علو الإسناد ٩١.
(٢) . الحطة في ذكر الصحاح الستة ١٩٧.
(٣) . فهرس الفهارس ١/١٩٩.
(٤) . انظر الطبعة السلطانية ١/١٣، ٢/٨١، ٩/١١٤، ١٣٥، ١٦٣.
[ ٤٧ ]