من أنواع الحديث: الحديث العزيز والحديث المشهور، وقد بين المحدثون أحكامهما والفرق بينهما، وبينوا أنواع الحديث المشهور، وذكروا الأمثلة على ذلك.
[ ٨ / ١ ]
الحديث العزيز
[ ٨ / ٢ ]
تعريف الحديث العزيز
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: [أبدأ بالحمد مصليًا على محمد خير نبي أرسلا وذي من أقسام الحديث عده وكل واحد أتى وحده أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده ولم يشذ أو يعل يرويه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله والحسن المعروف طرقًا وغدت رجاله لا كالصحيح اشتهرت وكل ما عن رتبة الحسن قصر فهو الضعيف وهو أقسام كثر وما أضيف للنبي المرفوع وما لتابع هو المقطوع والمسند المتصل الإسناد من راويه حتى المصطفى ولم يبن وما بسمع كل راو يتصل إسناده للمصطفى فالمتصل مسلسل قل ما على وصف أتى مثل أما والله أنباني الفتى كذاك قد حدثنيه قائمًا أو بعد أن حدثني تبسما عزيز مروي اثنين أو ثلاثه مشهور مروي فوق ما ثلاثه معنعن كعن سعيد عن كرم ومبهم ما فيه راو لم يسم].
يذكر المصنف قسمًا آخر من أقسام الحديث وهو الحديث العزيز.
وكلمة (العزيز) صفة مشبهة من عز يعز -بالكسر- بمعنى قل، ومن عز يعَز -بالفتح- بمعنى قوي واشتد؛ لأن المنفرد كان ضعيفًا فقوي جانبه بالآخر الذي تعزز به، وسمي بذلك إما لقلة وجود هذا الصنف وندرته، فهو نادر جدًا يعد على الأصابع، حتى وإن كان ضعيفًا أو موضوعًا فهو نادر جدًا لندرته وقلة وجوده، أو سمي بذلك لقوته لأنه قد جاء من طريق آخر، ودائمًا المنفرد إذا عزز بغيره يتقوى إذا جاء من طريق آخر.
والعزيز اصطلاحًا: هو ما انفرد بروايته عن راويه راويان في أي طبقة من طبقات السند.
وهذا القيد مهم جدًا.
يعني: إذا كان السند فيه راويان إما في أول السند أو في آخر السند أو في وسط السند فيمكن لنا أن نقول: هذا من قسم العزيز من الأحاديث.
وتوجد قاعدة عند أهل الحديث وهي: النظر في الطبقات لأقل طبقة، فإن كان أقل طبقة فيها راويان فإن هذا هو العزيز، حتى لو كانت طبقة الصحابة فيها راويان فهو عزيز.
إذًا: العزيز هو ما انفرد بروايته عن راويه راويان إما في جميع طبقات السند وإما في طبقة من طبقات السند.
ويشترط في العزيز شرط مهم جدًا وهو ألا يكون في طبقة من الطبقات أقل من اثنين، وإذا كان فيه أكثر فلا يضر، لكن لو كان يروي مالك عن نافع عن ابن عمر وعن أبي هريرة، فليس عزيزًا، هنا يوجد راويان لكن أقل طبقة موجودة في السند راو واحد، فهو حديث غريب، والعزيز أن يكون في أقل طبقة من طبقات السند راويان.
[ ٨ / ٣ ]
مثال العزيز
مثال العزيز: ما رواه الشيخان من حديث أنس عن رسول الله ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) وقد جاء هذا الحديث أيضًا عن أبي هريرة، فيعتبر راويان في طبقة واحدة.
ولو أخذنا سلسلة الإسناد لهذا الحديث من طريق أنس نجد أن أنسًا رواه عنه قتادة وعبد العزيز بن صهيب.
وقتادة هو قتادة بن دعامة السدوسي، ثقة ثبت مدلس، ومن أمتع ما قيل في قتادة: إن أنسًا سئل: صف لنا رسول الله، فقال: أما شعره فكشعر قتادة، فانهال قتادة بالبكاء حتى كاد يقتله انظروا إلى حب هؤلاء القوم لرسول الله ﷺ، وكان كثير من التابعين يقولون لـ ابن مسعود: أكنتم ترون رسول الله ﷺ بأعينكم؟ أكنتم تجلسون بجانب رسول الله؟ والله لو كنا في عصره لحملناه فوق رءوسنا وما مشى على الأرض! وهذا من شدة حبهم لرسول الله ﷺ، كان الواحد منهم يسهل عليه أن يضحي بأهله وماله وكل الدنيا من أجل لحظة واحدة يرى فيها وجه رسول الله ﷺ.
فـ قتادة يروي عن أنس، وأيضًا في نفس طبقة قتادة متابعة تامة من عبد العزيز بن صهيب، فهو أيضًا يروي عن أنس متابعًا لـ قتادة.
إذًا: حديث أنس له طريقان، الطريق الأول: عن قتادة، والطريق الثاني: عن عبد العزيز بن صهيب، ويرويه عن قتادة أيضًا راويان: شعبة بن الحجاج وسعيد بن أبي عروبة.
وشعبة قد كفانا تدليس قتادة.
ونأتي إلى طريق عبد العزيز بن صهيب فيرويه عنه راويان: إسماعيل بن علية وعبد الوارث وكل هؤلاء من رجال الصحيح.
إذا نظرت إلى هذا التخطيط وجدت الطبقة الأولى فيها راويان، والطبقة الثانية فيها راويان، والطبقة الثالثة فيها راويان، إذًا كل الطبقات فيها راويان، فهذا الحديث حديث عزيز؛ لأن كل الطبقات فيها راويان.
إذًا: العزيز هو ما كان في طبقة من طبقات الإسناد راويان ولم يقل عن ذلك في أي طبقة من طبقات الإسناد، وإن وجد في طبقة من الطبقات أكثر من راويين فهو أيضًا عزيز إن كان أقل الطبقات فيها راويان.
[ ٨ / ٤ ]
الحديث المشهور
[ ٨ / ٥ ]
تعريف الحديث المشهور
المشهور لغة: هو اسم مفعول من شهرت الأمر أي: أعلنته وأظهرته، سمي بالمشهور لوضوحه وانتشاره بين الناس.
واصطلاحًا كما رجح الحافظ ابن حجر: هو ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقات السند، ولو رواه اثنان لا يدخل في حد المشهور، بل يكون الحديث عزيزًا.
فالشرط الأول: أن يرويه ثلاثة فأكثر، وشرط آخر: ألا يبلغ حد التواتر.
إذًا: المشهور له شرطان: الشرط الأول: أن يرويه أكثر من ثلاثة في طبقة من طبقات السند.
الشرط الثاني: ألا تبلغ الكثرة إلى حد التواتر.
وبعض العلماء يقول: المشهور هو المستفيض، وبعضهم يغاير بينهما، فيجعل المستفيض الذي ابتداؤه كانتهائه، يعني كل طبقات السند ثلاثة عن ثلاثة، وبعضهم لا يغاير بينهما.
[ ٨ / ٦ ]
مثال الحديث المشهور
مثال ذلك: حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالمًا) وفي رواية: (لم يَبق عالم) والفرق بينهما أن (لم يُبق عالمًا) الذي لم يبق هو الله جل في علاه، وعالمًا مفعول به، ورواية (لم يبق عالم) يكون عالم هو الفاعل، وتعريف الفاعل هو من أسند إليه الفعل، فإذا قلنا: مات محمد، فقد أسند الفعل إلى محمد.
من أمثلة المشهور هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رواه أكثر من ثلاثة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ولا يشترط أن كل سلسلة الإسناد يكون فيها ثلاثة رواة، الشرط الوحيد أن يكون في أقل طبقة من طبقات الإسناد ثلاثة فأكثر؛ لكن بشرط ألا يبلغ حد التواتر.
[ ٨ / ٧ ]
أنواع الحديث المشهور
للمشهور أنواع: مشهور عند الفقهاء، ومشهور عند الأصوليين، ومشهور عند العوام، ومشهور عند المحدثين، فالمشهور بين أهل الحديث مثل حديث أنس: (قنت النبي ﷺ شهرًا بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان)، فهذا حديث مشهور جدًا عند المحدثين، وليس بمشهور على الاصطلاح الذي يكون في إسناده ثلاثة رواة، بل قد يكون في الإسناد عزيزًا أو غريبًا لكن هو مشهور عند المحدثين بمعنى أنه اشتهر على ألسنة المحدثين.
وهناك بعض الأحاديث اشتهرت على ألسنة الفقهاء كحديث: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، وهذا حديث ضعيف، بل بعضهم قال: موضوع، والصواب أنه حديث ضعيف، لكن المعنى صحيح؛ لأن الله جل وعلا يبغض ذلك ويكره ذلك، إلا في حالات الضرورة أو الحاجات الشديدة.
ومثال المشهور عند الأصوليين حديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فهذا الحديث مشهور جدًا عند الأصوليين؛ لأنه يتفرع عليه أبواب كثيرة جدًا وأحكام كثيرة جدًا؛ ولذلك اشتهر جدًا عند الأصوليين، وهم يجعلون الجهل مثل النسيان، ولذلك ترى أنهم لا يؤثمون من وقع في الخطأ إن كان جاهلًا، وأيضًا لا يجعلونه يعيد العبادة مرة ثانية، فلو تعبد أحد لله عبادة بجهل فقد وقعت خطأ ولا يجعلونه يعيدها مرة ثانية، ويقولون: أنت معذور.
وهذه المسألة فيها تفصيل: فإذا كانت العبادة من الواجبات رفع عنه الإثم ويؤمر بالإعادة، وإن كان الفعل في المحظورات رفع عنه الإثم ولا يؤمر بالإعادة، وبالمثال يتضح المقال: لو صلى الظهر أربعًا لكن لم يسجد إلا سجدة واحدة، ثم بعد وقت طويل علم أنه سجد سجدة واحدة، فماذا نقول له؟ نقول: نسيت أو جهلت، والنسيان والجهل سواء، فرفع عنك الإثم لكن عليك أن تعيد الصلاة عند طول الفاصل، مثل ساعة ونصف أو ساعتين، فنقول له: أعد الصلاة؛ لأنك تركت واجبًا، وحديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ينفعك في رفع الإثم فقط.
مثال آخر: رجل كان يصلي العشاء فقال: زوجتي طالق، وكان مذهولًا، فلما انتهت الصلاة سلم الإمام وقال له: أكنت أقرأ في سورة البقرة أم في سورة الطلاق؟ فجاء الرجل وقال: سامحني، قد سهوت وذهلت عن نفسي أني في صلاة، فطلقت امرأتي بسبب مشاجرة وقعت بيني وبينها، فما حكم صلاتي؟ وما سأل عن امرأته، فهو لا يريدها، بل قال: الحمد لله أنا فصلت في المسألة، هي طالق بالثلاث، لكن ما حكم صلاتي؟ هنا يأتي الجواب فنقول له: أنت الآن عندما قلت: هي طالق هل كنت ناسيًا أنك في صلاة؟ قال: والله كنت ناسيًا أنني في صلاة، قلنا: يأتي الحديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فأنت صلاتك صحيحة ولا إعادة عليك؛ لأنك أتممت أركان الصلاة وشروط الصلاة، والدليل على ذلك حديث معاوية بن الحكم السلمي عندما دخل فعطس رجل فقال: الحمد لله، فقال له: يرحمك الله، فالرجل ضرب على فخذه والصحابة ينظرون إليه شزرًا لأنه تكلم في الصلاة، فقال: ويل أمي! لماذا تنظرون إلي؟ يعني: ما سكت، بل تكلم كثيرًا، وبعدما انتهى من الصلاة وتكلم كثيرًا أتى به النبي ﷺ، قال الرجل: والله ما كهرني ولا نهرني ولا زجرني ولا سبني ولا شتمني، قال له: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس).
وجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يأمره بالإعادة مع أنه تكلم، فنقول للرجل: هنيئًا لك، طلقت امرأتك، ووقعت طلقة واحدة ولك أن تردها، واتق الله ربك وأحسن إليها، وصلاتك صحيحة.
ومثال المشهور عند النحاة حديث: (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه).
ومثال الحديث المشهور عند عامة الناس حديث: (العجلة من الشيطان)، وبعض العلماء رفع هذا الحديث للنبي وصححه.
[ ٨ / ٨ ]