من أنواع الحديث الضعيف: الحديث المضطرب، وهو أنواع، ولا يحكم باضطرابه إلا بشروط بينها أهل العلم ﵏.
[ ١٣ / ١ ]
معنى الحديث المضطرب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
من أنواع الحديث الضعيف الحديث المضطرب.
قال الناظم رحمه الله تعالى: [وذو اختلاف سند أو متن مضطرب عند أهيل الفن] المضطرب لغة: اسم فعل من الاضطراب، وأصله من اضطراب الموج إذا كثرت حركته وضرب بعضه بعضًا، فالاضطراب اختلاف.
والاضطراب اصطلاحًا هو: الحديث الذي جاء من وجوه مختلفة متساوية مع تعذر الجمع.
إذًا: الحديث المضطرب اصطلاحًا له أربعة شروط: الشرط الأول: أن يأتي من أكثر من وجه.
الشرط الثاني: الاختلاف.
الشرط الثالث: أن يكون الاختلاف متساويًا في القوة، يعني رواة الوجه الأول ثقات، ورواة الوجه الثاني ثقات، ورواة الوجه الثالث ثقات، ورواة الوجه الرابع ثقات.
والشرط الرابع: عدم إمكان الجمع.
فلا يكون الاضطراب إلا إذا لم نستطع أن نجمع بين هذه الروايات التي ظاهرها التعارض.
وينقسم الاضطراب إلى قسمين: اضطراب في السند.
واضطراب في المتن.
[ ١٣ / ٢ ]
مثال الحديث المضطرب
حديث أبي بكر ﵁ وأرضاه قال: (يا رسول الله! أراك شبت؟ قال: شيبتني هود وأخواتها) هذا الحديث أعله الدارقطني وضعفه في العلل وقال: هذا حديث مضطرب.
ثم بين علة الاضطراب فقال: لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو من عشرة أوجه، فبعضهم من رواه مرسلًا، وبعضهم رواه موصولًا، وبعضهم رواه من مسند أبي بكر، وبعضهم رواه من مسند أبي سعيد، وبعضهم رواه من مسند عائشة.
وهذه الأوجه متساوية في القوة، فلم يمكن الجمع بين هذه الاختلافات، فقلنا: هذا الحديث فيه علة الاضطراب مع صحة السند، فكل سند مجرد وحده صحيح؛ لأن رجاله ثقات، ومع ذلك نقول: هذا الحديث ضعيف؛ لأنه جاء من أوجه مختلفة، ولم نتمكن من الجمع بين هذه الأوجه.
مثال آخر: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه مرفوعًا: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فليضع عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط بين يديه خطًا ثم لا يضره ما مر أمامه).
هذا الحديث فيه اضطراب، فقد اختلف الرواة على إسماعيل بن أمية اختلافًا كثيرًا، فقيل: عنه عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده عن أبي هريرة، وقيل عنه: عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو عن جده، وقيل: عن فلان بن فلان إلى أكثر من عشرة وجوه أيضًا، أيضًا.
وهذه الطرق كلها طرق متساوية، فلما تساوت وما استطعنا أن نفرق بين هذه الاختلافات ولا نجمع بينها قلنا: تعارضا فتساقطا.
والاحتياط في رواية حديث النبي ﷺ أن نعل الحديث بالاضطراب، ونقول: هذا حديث ضعيف.
هذا مثال الاضطراب في الإسناد، أما الاضطراب في المتن فمثاله ما رواه الترمذي عن شريك بن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بيت قيس ﵂ وأرضاها قالت (سئل رسول الله ﷺ عن الزكاة فقال: إن في المال لحقًا سوى الزكاة)، والرواية الأخرى التي رواها ابن ماجة أيضًا وفيها: (ليس في المال حق سوى الزكاة).
انظر إلى الاضطراب في المتنين: المتن الأول قال: (إن في المال حقًا سوى الزكاة)، والمتن الثاني: (ليس في المال حق سوى الزكاة)، ولا يمكن الجمع؛ ولذا قال الإمام العراقي: هذا الحديث مضطرب المتن، ولا يحتمل التأويل.
إذًا: يكون هذا الحديث فيه علة الاضطراب.
[ ١٣ / ٣ ]