من أنواع الحديث: الحديث المقلوب، والقلب قد يكون في المتن، وقد يكون في السند، وقد بين المحدثون هذا بالأمثلة، وميزوا الأحاديث المقلوبة، وحكموا عليها.
[ ١١ / ١ ]
الحديث المقلوب
[ ١١ / ٢ ]
تعريف الحديث المقلوب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: من الأحاديث الضعيفة: الحديث المقلوب.
والمقلوب لغة: القلب، والقلب لغة: تحويل الشيء عن وجهه.
واصطلاحًا: هو إبدال لفظ بآخر في سند الحديث أو في متنه بتقديم أو تأخير، أو هو أن يبدل الراوي شيئًا بآخر في سند الحديث أو في متن الحديث.
[ ١١ / ٣ ]
أنواع الحديث المقلوب
والحديث المقلوب نوعان: قلب في السند وقلب في المتن.
أما القلب في السند: فهو إبدال راو بآخر، سواء عن قصد أو عن غير قصد، سهوًا أو عمدًا، والعمد يشبه الوضع، لكن قد يكون العمد لقصد الإغراب، وهذا فيه تدليس، ويدخل في الكذب، كأن يكون الحديث قد اشتهر بين الناس من رواية سالم بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله وأرضاه، فيأتي آخر يغرب على الناس، حتى يلتف حوله الناس ليرووه عنه، فيأتي بهذا الحديث من رواية نافع عن ابن عمر لا من رواية سالم عن ابن عمر، وهذا محرم بالإجماع.
مثال آخر: حديث عن عمرو بن دينار مشهور بين الناس، فيجعله عن عبد الله بن دينار، فهذا القلب في الإسناد.
والصورة الثانية من القلب في الإسناد: أن يبدل اسم الراوي باسم أبيه، فيقدم ويؤخر كأن يروي عن مرة بن كعب فيقول: عن كعب بن مرة، فهذا جعل الأب بدل الابن، أو يروي عن عيينة بن حصن فيقول: حصن بن عيينة، فهذا من باب القلب في الإسناد.
القسم الثاني: مقلوب المتن، وهذا أيضًا له صورتان: الصورة الأولى: أن يقدم الراوي في بعض متن الحديث ويؤخر، كحديث مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله) فهذا الحديث مقلوب، والصحيح في الحديث: (فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه).
مثال آخر: حديث أبي هريرة في النزول على الركبتين قال: (وليضع يديه قبل ركبتيه)، وابن القيم قال: هذا الحديث مقلوب على الراوي، والصحيح: (وليضع ركبتيه قبل يديه) وهذا يعتبر من المقلوب في المتن.
الصورة الثانية: أن يجعل الراوي متن الحديث لإسناد غير إسناد هذا الحديث، مثلًا يأخذ متن الحديث ويترك إسناده، ويأخذ إسناد حديث آخر فيركبه على هذا المتن، وهذا يقول عنه العلماء: يسرق الحديث.
وهذا من أنواع الجرح والتعديل، يعني يقال: فلان سارق للحديث، ومن صور سرقة الحديث أن يأخذ المتن الذي هو بإسناد فيركبه على إسناد آخر، ويأخذ إسناد الآخر ويركبه على المتن الآخر، كحديث عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر فيأخذ متنه فيجعله عن أبي صالح عن أبي هريرة، ويأخذ إسناد حديث أبي صالح عن أبي هريرة فيجعله عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر فيركب عليه المتن الثاني.
وأوضح مثل يضرب لهذا الباب هو قصة البخاري عندما ورد بغداد، فأراد جماعة من المحدثين أن يختبروه، فكل واحد منهم أخذ عشرة أحاديث، وقلب فيها المتن والإسناد، فكان كل واحد يسأل البخاري عن الحديث، فيقول: لا أعرف، لا أعرف، لا أعرف، حتى انتهوا، فقال: أما أنت فهذا المتن لهذا الإسناد.
وهذه القصة متكلم فيها لأن فيها انقطاعًا، قال ابن حجر: ليس العجب من أن يعرف البخاري أن هذه الأسانيد مقلوبة أو المتون غير مركبة، العجب كل العجب أن يحفظ كل إسناد ويحفظ كل متن ويرتبه على نفس الإسناد، ويأخذ المتن ويضعه على الإسناد!
[ ١١ / ٤ ]
حكم الحديث المقلوب
إن كان القلب بقصد الإغراب للشهرة والظهور فهذا باتفاق العلماء أنه يحرم؛ لأنه من باب الغش، وقد قال النبي ﷺ: (من غشنا فليس منا)، وأيضًا هو من باب التدليس، وقد قال النبي ﷺ: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)، وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران:١٨٨].
وإن كان يقصد بالقلب الاختبار كقصة البخاري، فهذه جائزة ومطلوبة بشرط أن يبين الأسانيد والمتون الصحيحة في نفس المجلس، حتى لا يهم أحد فيأخذ هذا الحديث فيحسبه حديثًا صحيحًا فيرويه للناس.
وإن وقع القلب في الحديث بسهو دون عمد ودون قصد، فالحديث يكون ضعيفًا؛ لأنه لم يرو على نفس الصورة التي رواها النبي ﷺ.
أما حكم الراوي فله حالتان: الحالة الأولى: أن يقل عنه الخطأ، فيوصف بالوهم، وكثيرًا ما يقول ابن معين وغيره: ثقة ولكنه يهم.
الحالة الثانية: أن يكثر عنه هذا الزلل وهذا الخطأ وهذا القلب، فهنا يضعف؛ ولذلك الذهبي كثيرًا ما يقول في الراوي: خالف كثيرًا فترك، أو يقول: وهم كثيرًا، أو كثر وهمه وكثر خطؤه فترك.
فمن ظهر القلب في أحاديثه فهذا يترك ولا يحتج بحديثه.
[ ١١ / ٥ ]
مثال للحديث المقلوب
من الأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح في الأحاديث المقلوبة: حديث في البخاري عن إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا أبو النضر جرير بن حازم حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني).
قال الطباع: فسألت حماد بن زيد عن هذا الحديث فقال: وهم أبو النضر، قد كنا في مجلس نحن وثابت وحجاج بن أبي عثمان فحدثنا حجاج عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن رسول الله ﷺ بالحديث، قال حماد بن زيد: فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت البناني.
فهذا قلب الإسناد، لكن المتن صحيح.
فالآن الوهم الذي وقع فيه أبو النضر ننظر فيه، فنقول: هذا الإسناد متكلم فيه؛ لأن فيه وهم من أبي النضر، وهو ثقة ثبت، فلم يضره هذا الوهم؛ لأنه ما من إمام إلا وله أوهام.
فـ شعبة كان يخطئ في الرجال، والثوري كانت له أوهام، وابن عيينة كانت له أوهام، ومالك له أخطاء؛ ولذلك قال العلماء: بحثنا أحاديث مالك وابن عيينة فوجدنا أخطاء مالك أقل من أخطاء ابن عيينة.
إذًا: الأخطاء تقع من الثقة، والوهم يقع من الثقة، ولا معصوم إلا رسول الله ﷺ؛ ولذلك توجد قاعدة، وهي: إذا اختلف مالك مع ابن عيينة قدم مالك؛ لأن أخطاءه أقل من أخطاء ابن عيينة.
ولو اختلف الثوري مع شعبة قدم الثوري؛ لأن الثوري أخطاؤه أقل من أخطاء شعبة.
وهنا أبو النضر وهم وقلب الإسناد، ومع ذلك فإننا لا نضعفه؛ لأن وهم أبي النضر كان قليلًا بالنسبة لرواياته.
[ ١١ / ٦ ]