٧٤٨ وَمَا بِهِ مُطْلَقًا الرَّاوِي انْفَرَدْ فَهْوَ الْغَرِيْبُ وَابْنُ مَنْدَةَ فَحَدْ
٧٤٩ بِالانْفِرَادِ عَنْ إِمَامٍ يُجْمَعُ حَدِيْثُهُ فَإِنْ عَلَيْهِ يُتْبَعُ
٧٥٠ مِنْ وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ فَالْعَزِيْزُ أَوْ فَوْقُ فَمَشْهُوْرٌ وَكُلٌّ قَدْ رَأَوْا
٧٥١ مِنْهُ الصَّحِيْحَ وَالضَّعِيْفَ ثُمَّ قَدْ يَغْرُبُ مُطْلَقًا أَوِ اسْنَادًا فَقَدْ
ج
قالَ ابنُ الصلاحِ: «الحديثُ الذي ينفردُ به بعضُ الرواةِ، يوصَفُ بالغريبِ، قالَ: وكذلكَ الحديثُ الذي ينفردُ فيهِ بعضهم بأمرٍ لا يذكرُهُ فيهِ غيرُهُ، إمَّا في متنِهِ، وإمَّا
[ ٢ / ٧٢ ]
في إسنادِهِ» . وروينا عَنْ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَه قالَ: الغريبُ من الحديثِ كحديثِ الزهريِّ وقتادةَ وأشباهِهِمَا مِنَ الأَئِمَّةِ ممَّنْ يُجْمَعُ حديثُهُم إذا انفردَ الرجلُ عنهم بالحديثِ يُسمَّى غريبًا، فإذا روى عنهم رجلانِ، أو ثلاثةٌ، واشتركوا يُسمَّى عزيزًا، فإذا روى الجماعةُ عنهم حديثًا، يُسَمِّي مشهورًا، وهكذا قالَ محمدُ بنُ طاهرٍ المقدسيُّ، وكأنَّهُ أخذَهُ من كلامِ ابنِ مَنْدَه.
وقولي: (وَكُلٌّ قَدْ رَأَوْا، مِنْهُ الصَّحِيْحَ وَالضَّعِيْفَ) أي: إنْ وُصِفَ الحديثُ بكونِهِ مشهورًا، أو عزيزًا، أو غريبًا، لايُنافي الصِّحَّةَ، ولا الضعفَ، بل قد يكونُ مشهورًا صحيحًا، أو مشهورًا ضعيفًا، أو غريبًا صحيحًا، أو غريبًا ضعيفًا، أو عزيزًا صحيحًا، أو عزيزًا ضعيفًا. ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ كونَ العزيزِ يكونُ منهُ الصحيحُ والضعيفُ، بل ذَكَرَ ذلكَ في المشهورِ والغريبِ فقطْ. ومَثَّلَ المشهورَ الصحيحَ بحديثِ: «الأعمالُ بالنِّيَّاتِ» وتبعَ في ذلكَ الحاكمَ، وفيهِ نظرٌ، فإنَّ الشهرةَ إنَّما طَرَأَتْ لهُ مِنْ عندِ يحيى بنِ سعيدٍ، وأوَّلُ الإسنادِ فردٌ، كما تقدَّمَ. وقد نَبَّهَ على ذلكَ ابنُ الصلاحِ في آخرِ النوعِ الحادي والثلاثينَ، وهو الذي يلي نوعَ المشهورِ، وكانَ ينبغي لهُ أنْ يُمثِّلَ بغيرِهِ مما مَثَّلَ بهِ الحاكمُ أيضًا، كحديثِ: «إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ
[ ٢ / ٧٣ ]
انْتِزَاعًا، » وحديثِ: «مَنْ أتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ، »، وحديثِ رفعِ اليدينِ في الصلاةِ، وغيرِ ذلكَ. وَمَثَّلَ ابنُ الصلاحِ المشهورَ الذي ليسَ بصحيحٍ، بحديثِ: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كُلِّ مُسلمٍ»، وتبعَ في ذلكَ أيضًا الحاكمَ، وقد صَحَّحَ
[ ٢ / ٧٤ ]
بعضُ الأئِمَّةِ بعضَ طرقِ الحديثِ، كما بَيَّنْتُهُ في تخريجِ أحاديثِ " الإحياءِ ". ومَثَّلَهُ الحاكمُ أيضًا، بحديثِ: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» . وبأمثلةٍ كثيرةٍ بعضُها صحيحٌ، وإنْ لم تُخَرَّجْ في واحدٍ من الصحيحينِ.
وذكرَ ابنُ الصلاحِفي أمثلتهِ ما بلغَهُ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، قالَ: أربعةُ أحاديثَ تَدُورُ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - في الأسواقِ، ليس لها أصلٌ: «مَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ آذارَ بَشَّرْتُهُ بالجنَّةِ»، «ومَنْ آذى ذمِّيًَّا، فَأَنَا خَصْمُهُ يومَ القيامةِ»، «ويومُ نَحْرِكُم يومُ صَوْمِكُم»، «وللسَّائلِ حقٌّ، وإنْ جاءَ على فَرَسٍ»، قلتُ:
[ ٢ / ٧٥ ]
وهذا لا يصحُّ عن أحمدَ، وقد أخرجَ أحمدُ في " مُسْنَدِهِ " هذا الحديثَ الرابعَ عن وكيعٍ، وعبدِ الرحمن بنِ مهديٍّ، كلاهما عن سفيانَ، عن مصعبِ بنِ محمدٍ، عن يعلى ابنِ أبي يحيى، عن فاطمةَ بنتِ الحُسَينِ عن أبيهَا حسينِ بنِ عليٍّ، عن النبيِّ - ﷺ -، وهو إسنادٌ جَيِّدٌ. ويَعْلَى وإنْ جَهَّلَهُ أبو حاتِمٍ، فقد وَثَّقَهُ أبو حاتمِ بنِ حبَّانَ. وأمَّا مصعبٌ، فوثَّقَهُ يحيى بنُ مَعِيْنٍ، وغيرُهُ. وأخرجه أبو داودَ في " سُنَنِهِ " وسكتَ عنهُ، فهو عندَهُ صالحٌ. وأخرجهُ أيضًا من حديثِ عليٍّ، وفي إسنادِهِ مَنْ لم يُسَمَّ. ورويناهُ أيضًا من حديثِ ابنِ عباسٍ، ومن حديثِ الهِرْمَاسِ بنِ زيادٍ.
وأمّا حديثُ: «مَنْ آذى ذِمِّيًّا» فقد رواهُ بنحوِهِ أبو داودَ أيضًا، وسكتَ عليهِ، من روايةِ صَفْوانَ بنِ سُليمٍ، عن عدةٍ مِنْ أبناءِ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - عن آبائِهِم دِنْيَةً عَنْ
[ ٢ / ٧٦ ]
رسولِ اللهِ - ﷺ -، قالَ: «أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أو انْتَقَصَهُ، أو كَلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا من غيرِ طِيْبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يومَ القيامةِ» . وهذا إسنادٌ جَيِّدٌ، وإنْ كانَ فيهِ مَنْ لم يُسَمَّ، فإنَّهُم عِدَّةٌ مِنْ أبناءِ الصحابَةِ يبلغونَ حَدَّ التواترِ الذي لا يُشتَرطُ فيهِ العدالةُ. فقد روينا في سننِ البيهقيِّ، وفيهِ: «عن ثلاثينَ مِن أبناءِ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -» .
وأمَّا الحديثانِ الآخرانِ فلا أَصْلَ لهما كما ذَكَرَ. وأمَّا مثالُ الغريبِ الصحيحِ، فكأفرادِ الصحيحِ، وهي كثيرةٌ، منها حديثُ مالكٍ عن سُمَيٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، مرفوعًا: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ من العذابِ» . وأمَّا الغريبُ الذي ليسَ بصحيحٍ فهو الغالبُ على الغرائبِ. وقد روينا عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، قالَ: «لا تكتبوا هذهِ الأحاديثَ الغرائبَ، فإِنَّها مَنَاكِيرُ، وعامَّتُها عنِ الضُّعَفَاءِ» . وروينا عن مالكٍ قالَ: شرُّ العلمِ الغريبُ، وخَيْرُ العلمِ الظاهرُ الذي قد رواهُ الناسُ. وروينا عن عبدِ الرزاقِ قالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّ غريبَ الحديثِ خيرٌ، فإذا هو شرٌ. وَقَسَّمَ الحاكمُ الغريبَ إلى ثلاثةِ أنواعٍ: غرائبُ الصحيحِ، وغَرَائبُ الشُّيُوخِ، وغَرَائبُ المتونِ. وقَسَّمَهُ ابنُ طاهرٍ إلى خمسةِ أنواعٍ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: إِنَّ مِنَ الغريبِ ما هو
[ ٢ / ٧٧ ]
غريبٌ متنًا، وإسنادًا، وهو الحديثُ الذي تفرَّدَ بروايةِ مَتْنِهِ راوٍ واحدٌ. ومنهُ ما هو غريبٌ إسنادًا لا متنًا، كالحديثِ الذي متنُهُ معروفٌ، مرويٌّ عن جماعةٍ من الصحابةِ، إذا تفرَّدَ بعضُهُم بروايتِهِ عن صحابيٍّ آخرَ، كانَ غريبًا مِنْ ذلكَ الوجهِ. قالَ ومِنْ ذلكَ: غرائبُ الشيوخِ في أسانيدِ المتونِ الصحيحةِ، قالَ: وهذا الذي يقولُ فيه الترمذيُّ: غريبٌ من هذا الوجهِ، قلتُ: وأشرتُ إلى القسمِ الأولِ بقولي: (ثُمَّ قَدْ يَغْرُبُ مُطْلَقًَا)، وإلى الثاني بقولي: (أو اسْنَادًا فَقَدْ) أي: فقطْ.
قالَ ابنُ الصلاحِ: ولا أرى هذا النوعَ ينعكسُ، فلا يوجدُ إذًا ما هو غريبٌ متنًا، وليسَ غريبًا إسنادًا، وإلاَّ إذا اشتهَرَ الحديثُ الفردُ عَمَّنْ تفرَّدَ بهِ، فرواهُ عنهُ عددٌ كثيرونَ، فإنَّ إسنادَهُ متصفٌ بالغرابةِ في طرفِهِ الأوَّلِ، متصفٌ بالشهرةِ في طرفِهِ الآخِرِ، كحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ»، وكسائرِ الغرائبِ التي اشْتَمَلَتْ عليها التصانيفُ المشتهرةُ، هكذا قالَ ابنُ الصلاحِ: إنَّهُ لا يوجدُ ما هو غريبٌ متنًا لا سندًا، إلاَّ بالتأويلِ الذي ذكرَهُ. وقد أطلقَ أبو الفتحِ اليَعْمريُّ ذِكْرَ هذا النوعِ في جملةِ أنواعِ الغريبِ من غيرِ تقيّدٍ بآخِرِ السندِ، فقالَ في " شرح الترمذيِّ ": «الغريبُ على أقسامٍ: غريبٌ سندًا ومتنًا، ومتنًا لا سندًا، وسندًا لا متنًا، وغريبٌ بعضَ السندِ فقطْ، وغريبٌ بعضَ المتنِ فقطْ» . فالقسمُ الأوَّلُ واضحٌ، والقسمُ الثاني هو الذي أطلقَهُ أبو الفتحِ، ولم يذكرْ لهُ مِثالًا، والقسمُ الثالثُ مثالُهُ حديثٌ رواهُ عبدُ المجيدِ بنُ عبدِ العزيزبنِ أبي روَّادٍ، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قالَ: «الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ» . قالَ الخليليُّ في
[ ٢ / ٧٨ ]
" الإرشادِ ": «أخطأَ فيهِ عبدُ المجيدِ، وهو غيرُ محفوظٍ من حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ بوجهٍ، قالَ: فهذا مِمَّا أخطأَ فيهِ الثِّقةُ عَنِ الثِّقةِ» . وقالَ أبو الفتحِ اليعمريُّ: «هذا إسنادٌ غريبٌ كُلُّهُ، والمتنُ صحيحٌ»، والقسمُ الرابعُ مثالُهُ حديثٌ رواه الطبرانيُّ في " المعجمِ الكبيرِ " من روايةِ عبدِ العزيزِ بنِ محمدٍ الدَّراوَرْدِيِّ، ومن روايةِ عبَّادِ بنِ منصورٍ، فرَّقهُمَا كلاهُما عن هِشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ بحديثِ أمِّ زَرْعٍ.
والمحفوظُ ما رواه عيسى بنُ يونُسَ عن هِشامِ بنِ عُرْوةَ عن أخيهِ عبدِ اللهِ بنِ عُروةَ، عن عُروةَ عن عائشةَ. هكذا اتفقَ عليهِ الشيخانِ. وكذا راوهُ مسلمٌ من روايةِ سعيدِ بنِ سلمَةَ بنِ أبي الْحُسَامِ، عن هِشامٍ. قالَ أبو الفتحِ: «فهذهِ غَرَابةٌ تخصُّ موضعًا من السندِ، والحديث صحيحٌ» قلتُ: ويصلحُ ما ذكرناهُ من عندِ الطبرانيِّ مثالًا للقسمِ
الخامسِ؛ لأنَّ عبدَ العزيزِ وعبَّادًا جعلا جميعَ الحديثِ مرفوعًا، وإنَّما المرفوعُ مِنْهُ
قولُهُ - ﷺ -: «كنتُ لكِ كأبي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ»، فَهَذَا غَرَاْبَةُ بعضِ المتنِ، أيضًا.
واللهُ اعلمُ.
[ ٢ / ٧٩ ]
٧٥٢ كَذَلِكَ الْمَشْهُوْرُ أَيْضًا قَسَّمُوْا لِشُهْرِةٍ مُطْلَقَةٍ كَـ «الْمُسْلِمُ
٧٥٣ مَنْ سَلِمَ الْحَدِيْثَ» وَالْمَقْصُوْرِ عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ مِنْ مَشْهُوْرِ
٧٥٤ «قُنُوتُهُ بَعْدَ الرُّكُوْعِ شَهْرَا» وَمِنْهُ ذُوْ تَوَاتُرٍ مُسْتَقْرَا
٧٥٥ فِي طَبَقَاتِهِ كَمَتْنِ «مَنْ كَذَبْ» فَفَوْقَ سِتِّيْنَ رَوَوْهُ وَالْعَجَبْ
٧٥٦ بِأَنَّ مِنْ رُوَاتِهِ لَلْعَشَرَهْ وَخُصَّ بِالأَمْرَيْنِ فِيْمَا ذَكَرَهْ
٧٥٧ الشَّيْخُ عَنْ بَعْضِهِمْ، قُلْتُ: بَلَى «مَسْحُ الخِفَافِ» وَابْنُ مَنْدَةَإلى
٧٥٨ عَشْرَتِهِمْ «رَفْعِ اليَدَيْنِ» نَسَبَا وَنَيَّفُوْا عَنْ مِائَةٍ «مَنْ كَذَبَا»
أي: كما أَنَّ المشهورَ ينقسمُ إلى صحيحٍ وضعيفٍ، كذلكَ ينقسمُ من وجهٍ آخرَ إلى ما هوَ مشهورٌ شُهرةً مطلقةً بينَ أهلِ الحديثِ، وغيرِهمِ، كحديثِ: «المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ»، وما أشبهَ ذلكَ في الشهرةِ المطلقةِ، وإلى ما هو مشهورٌ بينَ أهلِ الحديثِ خاصّةً، كحديثِ أنسٍ «أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَنَتَ شَهْرًا بعدَ الركوعِ، يَدْعُو على رِعْلٍ؛ وذَكْوَاْنَ» فهذا حديثٌ اتفقَ عليهِ الشيخانِ من روايةِ سُليمانَ التَّيْمِيِّ، عن أبي مِجْلَزٍ واسمُهُ: لاحقُ بنُ حُميدٍ، عن أنسٍ، وَقَدْ رواهُ عن أنسٍ غيرُ أبي مجلزٍ
[ ٢ / ٨٠ ]
، وعن أبي مجلزٍ غيرُ سليمانَ التيميِّ، وعن سليمانَ التيميِّ جماعةٌ، وهو مشهورٌ بينَ أهلِ الحديثِ، وقد يستغربُهُ غيرُهم؛ لأَنَّ الغالبَ على روايةِ التَّيْميِّ، عن أنسٍ، كونُها بغيرِ واسطةٍ، وهذا الحديثُ بواسطةِ أبي مجلزٍ.
ثُمَّ إنَّ المشهورَ أيضًا ينقسمُ باعتبارٍ آخرَ إلى ما هو متواترٌ، وإلى ما هو مشهورٌ غيرُ متواترٍ. وقد ذكرَ المتواترَ الفقهاءُ والأصوليونَ وبعضُ أهلِ الحديثِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: «وأهلُ الحديثِ لا يذكرونَهُ باسمهِ الخاصِّ المشعرِ بمعناهُ الخاصِّ، وإنْ كانَ الخطيبُ قد ذكرَهُ في كتابهِ " الكفايةِ " ففي كلامهِ ما يُشْعِرُ بأنَّهُ اتَّبَعَ فيهِ غيرَ أهلِ الحديثِ» . قلتُ: قد ذكرَهُ الحاكمُ، وابنُ حَزْمٍ وابنُ عبدِ البَرِّ. وهو الخبرُ الذي ينقلُهُ عددٌ يَحْصُلُ العِلْمُ بصدْقِهِمْ ضَرُوْرَةً. وعبَّرَ عنه غيرُ واحدٍ بقولِهِ: عددٌ يستحيلُ تواطؤُهم على الكذبِ. ولا بُدَّ مِنْ وجودِ ذلكَ في رواتِهِ منْ أَوَّلِهِ إلى منتهاهُ، وإلى ذلكَ أشرتُ بقولي: (في طبقاتِهِ) . قالَ ابنُ الصلاحِ: ومَنْ سُئِلَ عن إبرازِ مثالٍ لذلكَ أعياهُ تَطَلُّبُهُ. ثُمَّ قالَ: نعمْ.. حديثُ: «منْ كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا فليتَبَوَّأْ مقعدَهُ من النارِ»، نراهُ مثالًا لذلكَ فإنَّهُ نقلَهُ من الصحابةِ - ﵃ - العددُ الجمُّ، وهو في " الصحيحينِ " مرويٌّ عن جماعةٍ منهم. قالَ: وذكرَ أبو بكرٍ البزَّارُ في " مسندِهِ ": أنَّهُ رواهُ نحوٌ من أربعينَ رجلًا منَ الصحابةِ. قالَ: وذكرَ بعضُ الحفَّاظِ: أنَّهُ رواهُ اثنانِ وستونَ نفسًا من الصحابةِ، وفيهم العشرةُ المشهودُ لهم بالجنَّةِ. قالَ: وليسَ في الدنيا حديثٌ اجتمعَ على روايتِهِ العشرةُ غيرَهُ
[ ٢ / ٨١ ]
ولا يُعْرَفُ حديثٌ يُروَى عن أكثرِ من ستينَ نفسًا من الصحابةِ عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، إلاَّ هذا الحديثُ الواحدُ قالَ: وبلغَ بهمبعضُ أهلِ الحديثِ أكثرَ من هذا العددِ، وفي بعضِ ذلكَ عددُ التواترِ! انتهى.
وما حكاهُ ابنُ الصلاحِ عن بعضِ الحفَّاظِ، وأبهمَهُ، هو في كلامِ ابنِ الجوزيِّ، فإنَّهُ ذكرَ في مقدّمةِ "الموضوعاتِ"، أنَّهُ رواهُ من الصحابةِ أحدٌ وستون نفسًا، ثُمَّ رَوَى بعدَ ذلكَ بأَورَاقٍ عن أبي بكرٍ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الوهابِ الإسفرايينيِّ، أنَّهُ ليسَ في الدنيا حديثٌ اجتمعَ عليهِ العشرةُ غيرَهُ. ثُمَّ قالَ ابنُ الجوزيِّ قلتُ: ما وقَعَتْ إليَّ روايةُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ إلى الآنَ. قالَ: ولا عرفتُ حديثًا رواهُ عَنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - أحدٌ وستونَ نفسًا، وعلى قولِ هذا الحافظِ اثنانِ وستونَ نفسًا، إلاَّ هذا الحديثَ» . هذا كلامُهُ في النسخةِ الأُولى من الموضوعاتِ، ومن خَطِّ الحافظِ أبي محمدٍ المنذريِّ نقلتُ. وأمَّا كلامُهُ المحكيُّ عن الكتابِ المذكورِ في آخرِ الفصلِ، فهو في النسخةِ الأخيرةِ، فاعلمْ ذلكَ. قلتُ: وما ذكرَهُ ابنُ الصلاحِ عن بعضِ الحفَّاظِ، من تخصيصِ هذا الحديثِ بهذا العددِ، وبكونِهِ من روايةِ العشرةِ منقوضٌ
بحديثِ المَسْحِ على الْخُفَّيْنِ، فقدْ رواهُ أكثرُ من ستينَ من الصحابةِ، ومنهم العشرةُ، ذكرَ ذلكَ أبو القاسمِ عبدُ الرحمنِ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ مَنْدَه في كتابٍ لهُ سَمَّاهُ " المستخرَج من كتبِ الناسِ ". وذكرَ صاحبُ " الإمامِ " عن ابنِ
[ ٢ / ٨٢ ]
الْمُنْذِرِ قالَ: روينا عن الحسنِ أنَّهُ قالَ: حَدَّثَني سبعونَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - مسحَ لى الْخُفَّينِ. انتهى. وجعلَهُ ابنُ عبدِ البرِّ متواترًا، فقالَ: رَوَى عن رسولِ اللهِ - ﷺ - المسحَ على الْخُفَّينِ، نحوُ أربعينَ من الصحابةِ، واستفاضَ، وتواترَ. قلتُ: فهذا مثالٌ آخرُ للمتواترِ، صرَّحَ بوصفِهِ بذلكَ. وإلى ذلكَ أشرتُ بقولي: (قُلْتُ: بَلَى مَسْحُ الخِفَافِ) .
وأيضًا فحديثُ رَفْعِ اليدينِ قد عزاهُ غيرُ واحدٍ من الأئمة إلى رواية العشرَةِ أيضًا، منهم ابنُ مَنْدَه المذكورُ في كتابِ " المستخرج "، والحاكمُ أبو عبدِ اللهِ، وجعلَ ذلكَ مما اختصَّ بهِ حديثُ رَفْعِ اليدينِ، قالَ البيهقيُّ: سمعتُهُ يقولُ: لا نعلمُ سُنَّةً اتَّفَقَ على روايتِها عن رسولِ اللهِ - ﷺ - الخلفاءُ الأربعةُ، ثُمَّ العشرةُ الذين شَهِدَ لهم رسولُ اللهِ - ﷺ - بالجنَّةِ، فمَنْ بعدَهُم مِنْ أَكابرِ الصحابةِ، على تفرُّقِهِم في البلادِ الشاسِعَةِ؛ غيرَ هذهِ السُّنَّةِ. قالَ البيهقيُّ: وهو كما قالَ أستاذُنا أبو عبدِ اللهِ - ﵁ -. فقد روى هذهِ السُّنَّةَ عن العشرَةِ وغيرِهِم، وأَمَّا عِدَّةُ مَنْ رواهُ من الصحابةِ، فقالَ ابنُ عبدِ البرِّ في " التمهيدِ ": رواهُ ثلاثةَ عَشَرَ رجلًا مِن الصحابةِ. وقالَ السِّلَفِيُّ: رواهُ سبعةَ عشرَ. قلتُ: وقدْ جمعتُ رواتَهُ فبلغوا نحوَ الخمسينَ، وللهِ الحمدُ.
وقولي: (وَنَيَّفُوا عَنْ مِائَةٍ) أي: وَرَوَوْا حديثَ «مَنْ كَذَبَ عَليَّ متعمِّدًا» عن مائةٍ ونَيِّفٍ من الصحابةِ. وقالَ ابنُ الجوزيِّ في مقدمةِ " الموضوعات ": رواهُ من الصحابةِ
[ ٢ / ٨٣ ]
ثَمَانيةٌ وتسعونَ نفسًا. انتهى. هكذا نقلتُهُ مِنْ خَطِّ عليٍّ، وَلَدِ المصنِّفِ، وهي النسخةُ الأخيرةُ منِ الكتابِ المذكورِ وفيها زوائدُ ليستْ في النسخةِ الأولى التي كُتِبَتْ عنه. وقد جَمَعَ الحافظُ أبو الحجَّاجِ يوسفُ بنُ خليلٍ الدِّمشقيُّ طُرُقَهُ في جزأينِ، فبلغَ بهم مائةً واثنينِ، وأخبرني بعضُ الحفَّاظِ: أنَّهُ رَأى في كلامِ بعضِ الحفَّاظِ: أنَّهُ رواهُ مائتانِ من الصحابةِ، وأنا أستبعدُ وقوعَ ذلكَ، واللهُ أعلمُ.