٣٥٠ وَقَبِلُوا مِنْ مُسْلِمٍ تَحَمُّلاَ فِي كُفْرِهِ كَذَا صَبِيٌّ حُمِّلاَ
٣٥١ ثُمَّ رَوَى بَعْدَ الْبُلُوْغِ وَمَنَعْ قَوْمٌ هُنَا وَرُدَّ (كَالسِّبْطَيْنِ) مَعْ
٣٥٢ إِحْضَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلصِّبْيَانِ ثُمّْ قَبُوْلُهُمْ مَا حَدَّثُوا بَعْدَ الْحُلُمْ
[ ١ / ٣٧٩ ]
مَنْ تحمَّلَ قبلَ دخولهِ في الإسلامِ، وروى بعدَهُ قُبِلَ ذلك منهُ. مثالهُ: حديثُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ المتفقُ على صحتِهِ: أَنَّهُ سمعَ النبيَّ - ﷺ - يقرأُ في المغربِ بالطُّوْرِ. وكانَ جاءَ في فِدَاءِ أُسَارَى بدرٍ قَبلَ أَنْ يُسْلِمَ. وفي روايةٍ للبُخَاريِّ: وذلكَ أَوَّلُ ما وقرَ الإيمانُ في قلبي. وكذلك تُقْبلُ روايةُ مَنْ سمعَ قبلَ البلوغِ، وَرَوَى بعدَهُ. ومنعَ مِنْ ذلكَ قومٌ هنا، أي: في مسألةِ الصبيِّ، وهوَ خطأٌ مردودٌ عليهم.
وقولي: (كالسِّبْطَيْنِ)، أي: كروايةِ الحَسنِ والحُسينِ، وغيرهِما، مِمَّنْ تَحَمَّلَ في حالِ صباهُ، كعبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، والنُّعمانِ بنِ بَشِيرٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، والسائبِ بنِ يزيدَ، والمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، ونحوِهم.
وَقبِلَ الناسُ روايتَهُم مِنْ غيرِ فَرْقٍ بينَ ما تحمَّلُوهُ قبلَ البلوغِ وبعدَهُ. وكذلك كانَ أَهلُ العلمِ يُحضِرُونَ الصِّبيانَ مجالسَ الحديثِ وَيَعْتَدُّوْنَ بروايتِهِمْ بذلكَ بعدَ البلوغِ.
[ ١ / ٣٨٠ ]
٣٥٣ وَطَلَبُ الْحَدِيْثِ فِي الْعِشْرِيْنِ عِنْدَ (الزُّبَيْرِيِّ) أَحَبُّ حِيْنِ
٣٥٤ وَهْوَ الَّذِي عَلَيْهِ (أَهْلُ الْكُوْفَهْ) وَالْعَشْرُ فِي (الْبَصْرَةِ) كَالْمَألُوْفَهْ
٣٥٥ وَفِي الثَّلاَثِيْنَ (لأَهْلِ الشَّأْمِ) وَيَنْبَغِي تَقْيِيْدُهُ بِالْفَهْمِ
٣٥٦ فَكَتْبُهُ بالضَّبْطِ، والسَّمَاعُ حَيْثُ يَصِحُّ، وَبِهِ نِزَاعُ
٣٥٧ فَالْخَمْسُ لِلْجُمْهُورِ ثُمَّ الحُجَّهْ قِصَّةُ (مَحْمُوْدٍ) وَعَقْلُ الْمَجَّهْ
٣٥٨ وَهْوَ ابْنُ خَمْسَةٍ، وَقِيْلَ أَرْبَعَهْ وَلَيْسَ فِيْهِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَهْ
٣٥٩ بَلِ الصَّوَابُ فَهْمُهُ الْخِطَابَا مُمَيِّزًا وَرَدُّهُ الْجَوَابَا
حكى أبو محمَّدِ بنُ خَلاَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ في كتابهِ " المحدِّثِ الفاصلِ "، عن أبي عبدِ اللهِ الزُّبيريِّ من الشافعيةِ، واسمُهُ الزُّبيرُ بنُ أحمدَ، أَنَّهُ قالَ: يُستحبُ كَتْبُ الحديثِ في العشرينِ؛ لأَنَّها مُجتمعُ العقلِ، قالَ: وأحبُّ أَنْ يَشْتَغِلَ دونَها بحفِظِ القرآنِ، والفرائِضِ.
وقولي: (في العشرينِ) - بكسر النون - على لغةٍ كقولِ الشاعرِ:
وَقَدْ جاوزْتُ حَدَّ الأربعِيْنِ
وقالَ موسى بنُ إسحاقَ: كانَ أهلُ الكوفةِ لا يُخرِجُونَ أولادَهُم في طلبِ الحديثِ صِغَارًا، حَتَّى يستكمِلوا عشرينَ سنةً. وقالَ موسى بنُ هارونَ الحمَّالِ: أهلُ البصرةِ يكتبُوْنَ لعشرِ سنينَ، وأهلُ الكوفةِ لعشرينَ، وأهلُ الشَّامِ لثلاثينَ.
[ ١ / ٣٨١ ]
وقوليِ: (وَيَنْبَغِي تَقْييدُهُ)، أي: طلبُ الحديثِ وكتابتُهُ بالضبطِ، وسماعُهُ مِنْ حيثُ يصحُّ. فقولهُ: (والسَّماعُ)، مرفوعٌ عطفًا على قولهِ: (فكتبهُ) . قال ابنُ الصلاحِ: «وينبغي بعدَ أَنْ صار الملحوظُ إبقاءَ سلسلةِ الإسنادِ أن يُبَكَّرَ بإسماعِ الصغيرِ في أَولِ زمانٍ يَصِحُّ فيهِ سماعُهُ. وأمَّا الاشتغالُ بِكَتْبِهِ الحديثَ وتحصيلِهِ، وضبطِهِ، وتقييدِهِ، فمن حيثُ يتأهَّلُ لذلكَ ويستعدُ لهُ، وذلكَ يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ، وليس ينحصرُ في سِنٍّ مخصوصٍ» . وقولي: (وَبِهِ نِزَاعٌ)، أي: وفي الوقتِ الذي يصحُ فيه السماعُ نزاعٌ بين العلماءِ، وهي أربعةُ أقوالٍ: أحدُها: ما ذهبَ إليه الجمهورُ أَنَّ أقلَّهُ خمسُ سنينَ. وحكاهُ القاضي عياضٌ في " الإلماع " عن أَهلِ الصنعةِ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: هو الذي استقرَّ عليه عملُ أهلِ الحديثِ المتأخِّرينَ، وحجتُهُم في ذلكَ ما رواهُ البخاريُّ في صحيحِهِ والنسائيُّ وابنُ ماجه، من حديثِ محمودِ بنِ الرَّبيعِ قالَ: عَقَلْتُ مِنَ النبيِّ (مَجَّةً مَجَّهَا في وَجْهِي مِنْ دلوٍ وأنا ابنُ خمسِ سنينَ. بَوَّبَ عليهِ البخاريُّ: متى يصحُّ سماعُ الصغيرِ؟ قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: حَفِظَ ذلكَ عنهُ
[ ١ / ٣٨٢ ]
وهوَ ابنُ أربعِ سنينَ، أو خمسِ سنينَ.
وأثبْتُ هاءَ التأنيثِ في خمسةٍ أو أربعةٍ لإرادةِ الأعوامِ. وأثبْتُ مع حذفِ المعدودِ عَلَى إِحدى اللُّغتيْنِ. وليسَ في حديثِ محمود سُنَّةٌ مُتَّبعةٌ، إذ لا يلزمُ منه أَنْ يُمَيِّزَ كلُّ أَحدٍ تمييزَ محمودٍ، بلْ قد ينقصَ عنه وقدْ يزيدُ. ولا يلزمُ منه ألاَّ يعقِلَ مثلَ ذلكَ وسِنُّهُ أَقلُ من ذلكَ، ولا يلزمُ مِنْ عَقْلِ المَجَّةِ أَنْ يَعْقِلَ غيرَ ذلك مما يسمَعُهُ. والقولُ الثاني من الخلافِ في صحةِ سماعِ الصغيرِ اعتبارُ تمييزِهِ على الخصوصِ، فمتى كانَ يفهمُ الخطابَ، ويردُّ الجوابَ؛ كان سماعُهُ صحيحًا، وإنْ كانَ ابْنَ أقلّ مِنْ خمسٍ وإنْ لم يكنْ كذلك لم يصحَّ، وإنْ زادَ على الخمسِ. وهذا هو الصوابُ، وسيأتي القولانِ الآخرانِ في الأبياتِ التي تلي هذا.
٣٦٠ وَقِيْلَ: (لابْنِ حَنْبَلٍ) فَرَجُلُ قال: لِخَمْسَ عَشْرَةَ التَّحَمُّلُ
٣٦١ يَجُوْزُ لاَ فِي دُوْنِهَا، فَغَلَّطَهْ قال: إذا عَقَلَهُ وَضَبَطَهْ
٣٦٢ وَقِيْلَ: مَنْ بَيْنَ الْحِمَارِ وَالْبَقَرْ فَرَّقَ سَامِعٌ، وَمَنْ لاَ فَحَضَرْ
٣٦٣ قال: بِهِ الَحْمَّالُ، وابْنُ الْمُقْرِيْ سَمَّعَ لاِبْنِ أَرْبَعٍ ذِي ذُكْرِ
[ ١ / ٣٨٣ ]
وممَّا يدلُّ على اعتبارِ التمييزِ في صحةِ سماعِ الصبيِّ، قولُ أحمدَ وقدْ سُئِلَ: مَتَى يصحُّ سماعُ الصبيِّ للحديثِ؟ فقالَ: إذا عَقَلَ وَضَبَطَ. فَذُكرَ لهُ عَنْ رجلٍ أنَّهُ قالَ: لا يجورُ سماعُهُ حَتَّى يكونَ له خمسَ عَشْرَةَ سنةً، فأنكرَ قولَهُ، وقالَ: بئسَ القولُ. وهذا هو القولُ الثالثُ.
والقولُ الرابعُ: وهو قولُ موسى بنِ هارونَ الحمَّالِ، وقد سُئِلَ متى يجوزُ سماعُ الصبيِّ للحديثِ؟ فقالَ: إذا فَرَّقَ بَيْنَ البقرةِ والدابَّةِ، وفي روايةٍ بَيْنَ البَقَرَةِ والحِمَاْرِ. وقولي: (وابنُ الْمُقْرِيْ) هُوَ مبتدأٌ ليسَ معطوفًا عَلَى الحمَّالِ. والذي سمعَ لهُ ابنُ المقرئ هُوَ الْقَاضِي أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ اللَّبانِ الأصبهانيُّ. فروينا عَنْ الخطيبِ قالَ: سمعتُهُ يقولُ: حفِظْتُ القرآنَ ولي خمسُ سنينَ، وأُحْضِرْتُ عِنْدَ أبي بكرِ بنِ المقري، ولي أربعُ سنينَ، فأرادوا أن يُسَمِّعُوا لي فِيْمَا حَضَرْتُ قراءتَهُ، فَقَالَ بعضُهُم: إنَّهُ يصغرُ عَنْ السماعِ! فقالَ لي ابنُ المقرئ: اقرأْْ سورةَ «الكافرون»، فقرأتُها. فقالَ: اقرأْ سورةَ «التكويرِ»، فقرأتها. فقالَ لي غيرُهُ: اقرأْ سورةَ و«المرسلاتِ»، فقرأتها، وَلَمْ أَغلطْ فِيْهَا. فَقَالَ ابنُ المقرئ: سمِّعوا لَهُ والعُهْدَةُ عليَّ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: بَلَغَنَا عنْ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، قالَ: رأيتُ صبيًَّا ابنَ أربعِ
[ ١ / ٣٨٤ ]
سنينَ، قد حُمِلَ إلى المأمونِ، قد قَرأَ القرآنَ، ونظرَ في الرأيِ، غيرَ أَنّهُ إذا جاع يَبْكي! والذي يَغْلبُ على الظنِّ عدمُ صحةِ هذهِ الحكايةِ، وقد رواها الخطيبُ في الكفايةِ بإسنادِهِ، وفي سَنَدِها أحمدُ بنُ كاملٍ القاضي، وكان يعتمدُ على حفظِهِ فيهم. وقال الدَّارقطنيُّ: كانَ متساهلًا.
أَقْسَاْمُ التَّحَمُّلِ
وَأَوَّلُهَا: سَمَاْعُ لَفْظِ الشَّيْخِ
٣٦٤ أَعْلَى وُجُوْهِ الأَخْذِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ وَهْيَ ثَمَانٍ: لَفْظُ شَيْخٍ فَاعْلَمِ
٣٦٥ كتَابًا او حِفْظًا وَقُلْ: (حَدَّثَنَا) (سَمِعْتُ)، أَوْ (أَخْبَرَنَا)، (أَنْبَأَنَا)
[ ١ / ٣٨٥ ]
٣٦٦ وَقَدَّمَ (الْخَطِيْبُ) أَنْ يَقُوْلاَ: (سَمِعْتُ) إِذْ لاَ يَقْبَلُ التَّأْوِيْلاَ
٣٦٧ وَبَعْدَهَا (حَدَّثَنَا)، (حَدَّثَنِي) وَبَعْدَ ذَا (أَخْبَرَنَا)، (أَخْبَرَنِي)
٣٦٨ وَهْوَ كَثْيِرٌ وَ(يَزِيْدُ) اسْتَعْمَلَهْ وَغَيْرُ وَاحِدٍ لِمَا قَدْ حَمَلَهْ
٣٦٩ مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ، وَبَعْدَهُ تَلاَ: (أَنْبَأَنَا)، (نَبَّأَنَا) وَقَلَّلاَ
وجوهُ الأخذِ للحديثِ وتحمُّلهِ عن الشيوخِ ثمانيةٌ. فأرفعُ الأقسامِ وأعلاهَا عندَ الأكثرينَ: السماعُ مِنْ لفظِ الشيخِ، سواءٌ حَدَّثَ من كتابِهِ أو حفظهِ بإملاءٍ أو غيرِ إملاءٍ. وقولي: (وقُلْ: حَدَّثَنَا)، أي: وقُلْ في حالةِ الأداءِ لما سمعتَهُ هكذا من لفْظِ الشيخِ. قال القاضي عياضٌ: لا خلافَ أَنَّهُ يجوزُ في هذا أن يقولَ السامعُ منهُ: حَدَّثَنَا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعتُ فلانًا يقولُ، وقالَ لنا فلانٌ، وذكرَ لنا فلانٌ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: في هذا نظرٌ، وينبغي فيما شاعَ استعمالُهُ من هذهِ الألفاظِ مخصوصًا بما سمعَ من غيرِ لفظِ الشيخِ أن لا يُطْلَقَ فيما سَمِعَ من لفظهِ، لما فيهِ من الإيهامِ، والإلباسِ. قلت: ولم أذكرْ هذا في النَّظْمِ؛ لأنَّ القاضي حكى الإجماعَ على جوازهِ، وهو مُتَّجِهٌ، ولا شكَ أَنَّهُ لا يجبُ على السامعِ أَنْ يُبَيِّنَ هل كان السماعُ من لفظِ الشيخِ أو عَرْضَا؟ نَعَمْ، إطلاقُ أنبأنا بعد أنِ اشتهَرَ استعمالُها في الإجازةِ يؤدي إلى أَنْ يُظنَّ بما أدَّاهُ بها أنَّهُ إجازةٌ فيسقطُهُ مَنْ لا يحتجُ بالإجازةِ فينبغي أن لا تُستعملَ في المتصلِ بالسماعِ، لما حدثَ من الاصطلاحِ. وقال الخطيبُ: أرفعُ العباراتِ: سمعتُ، ثُمَّ حَدَّثَنَا وحَدَّثَني، ثُمَّ أخبرنا،
[ ١ / ٣٨٦ ]
وهو كثيرٌ في الاستعمالِ، ثم أنبأنا ونبأنا، وهو قليلٌ في الاستعمالِ. وقال أحمدُ بنُ صالحٍ: أخبرنا وأنبأنا دونَ حَدَّثَنَا. وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: أخبرنا أسهلُ من حَدَّثَنَا، حَدَّثَنَا شديدٌ. واستدلَ الخطيبُ على ترجيحِ سمعتُ بأَنَّهُ لا يكادُ أحدٌ يقولُها في أَحاديثِ الإجازةِ، والمكاتبةِ، ولا في تَدْليسِ ما لم يسمعْهُ. واستعملَ بعضهُمُ حَدَّثَنَا في الإجازةِ، ورُوِيَ عن الحسن، قال: حَدَّثَنَا أبو هريرة ويتأوَّلُ: حَدَّثَ أهلَ المدينةِ والحسنُ بها.
قال ابنُ دقيقِ العيدِ: وهذا إذا لمْ يَقُمْ دليلٌ قاطعٌ على أَنَ الحسنَ لم يسمعْ من أبي هريرةَ لم يَجُزْ أَنْ يُصَارَ إليه. قلتُ: قال أبو زرعةَ، وأبو حاتِم: مَنْ قال عن الحسن حَدَّثَنَا أبو هريرةَ، فقد أخطأ. انتهى. والذي عليهِ العملُ أَنَّهُ لم يَسْمَعْ منه شيئًا. قال أيوبُ وبَهْزُ بنُ أسدٍ ويونسَ بنُ عبيدٍ وأبو زُرْعَةَ وأبو
[ ١ / ٣٨٧ ]
حاتِمٍ والترمذيُ والنسائيُ والخطيبُ، وغَيْرُهُم. وزاد يونُسُ ما رآه قَطُّ. وقيل: سمعَ منه، وهو ضعيفٌ. وقال ابنُ القطانِ: واعلمْ أنَّ حَدَّثَنَا ليستْ بنصٍ في أَنَّ قائِلَها سمعَ، ففي مسلمٍ حديثُ الذي يقتلُهُ الدَّجَّالُ، فيقولُ: أنتَ الدَّجَّالُ الذي حَدَّثَنَا بهِ رسولُ اللهِ (؟ قَالَ: ومعلومٌ أَنَّ ذَلِكَ الرجلَ متأخِّرُ الميقاتِ. انتهى.
فيكونُ مرادُهُ حَدَّثَ أُمَّتَهُ وَهُوَ مِنْهُمْ. وَقَدْ قالَ مَعْمَرٌ: إِنَّهُ الخضرُ، فحينئذٍ لا مانعَ من سماعهِ. وقولي: (ويزيدُ استعمَلَه)، أي: ويزيدُ بنُ هارونَ وغيرُ واحدٍ استعملَ أخبرَنا فيما سَمِعَهُ من لفظِ الشيخِ. قالَ محمدُ بنُ أبي الفوارسِ: هُشَيْمُ ويزيدُ بنُ هارونَ وعبدُ الرزاقِ؛ لا يقولونَ إلا أخبرنا، فإذا رأيتَ حَدَّثَنَا فهو مِنْ خطأ الكاتبِ. وحكى الخطيبُ: أَنَّ مِمَّنْ كان يفعلُ ذلكَ أيضًا: حمَّادَ بنَ سلمةَ وابنَ المباركِ وهُشيمًا وعبيدَ اللهِ بنَ موسى وعمرَو بنَ عَوْنٍ ويحيى بنَ يحيى التَّمِيميَّ
[ ١ / ٣٨٨ ]
وابنَ رَاهَوَيْهِ وأحمدَ بنَ الفراتِ ومحمّدَ ابنَ أيوبَ الرازيَّيْنِ. وذُكِرَ عَنْ محمدِ بنِ رافعٍ أَنَّ عبدَ الرزاقِ كانَ يقولُ: أخبرنا، حتى قدمَ أحمدُ وإسحاقُ فقالا له: قُلْ حَدَّثَنَا، مما سمعتَ معَ هَؤلاءِ، قالَ: حَدَّثَنَا. وما قبل ذلكَ كانَ يقولُ: أخبرنا. وقالَ ابنُ الصلاحِ بعد حكايةِ كلامِ ابنِ أبي الفوارسِ: - قُلتُ: - وكان هذا كلُّهُ قبلَ أَنْ يشيعَ تخصيصُ أخبرنا بما قُرئَ على الشيخِ.
٣٧٠ وَقَوْلُهُ: (قَالَ لَناَ) وَنَحْوُهَا كَقُوْلِهِ: (حَدَّثَنَا) لَكِنَّهَا
٣٧١ الْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا مُذَاكَرَهْ وَدُوُنَهَا (قَالَ) بِلاَ مُجَارَرَهْ
٣٧٢ وَهْيَ عَلى السَّمَاعِ إِنْ يُدْرَ اللُّقِيْ لاَ سِيَّمَا مَنْ عَرَفُوْهُ فِي الْمُضِيْ
٣٧٣ أنْ لاَ يَقُوْلَ ذَا بِغَيْرِ مَا سَمِعْ مِنْهُ (كَحَجَّاجٍ) وَلَكِنْ يَمْتَنِعْ
٣٧٤ عُمُوْمُهُ عِنْدَ الْخَطيْبِ وَقُصِرْ ذَاكَ عَلى الَّذِي بِذَا الوَصْفِ اشْتُهِرْ
[ ١ / ٣٨٩ ]
قولُ الراوي: قالَ لنا فلانٌ، أو قالَ لي، أو ذَكَرَ لنا، أو ذَكَرَ لِي، ونحوُ ذلك؛ هو من قبيلِ قولِهِ: حَدَّثَنَا فلاَنٌ في أَنَّهُ متصلٌ. لكنَّهُم كثيرًا ما يستعملونَ هذا فيما سمعوهُ في حالةِ المذاكرةِ. قال ابنُ الصلاحِ: إنه لائقٌ بهِ وهو بهِ أشبهُ مِنْ حَدَّثَنَا. وخالف أبو عبدِ الله بنُ مَنْدَه في ذلك، فقالَ فيما رويناهُ في جزءٍ له: أَنَّ البخارِيَّ حيثُ قال: قالَ لي فلانٌ، فهو إجازةٌ، وحيثُ قال: قالَ فلانٌ، فهو تدليسٌ، ولم يقبلِ العلماءُ كلامَهُ هذا، وسيأتي كلامُ ابنِ حمْدَانَ بما يخالفُ هذا في كيفيةِ الروايةِ بالمناولةِ والإجازةِ، حيث ذكرَهُ ابنُ الصلاحِ. ولما ذكرَ أبو الحسنِ بنُ القطانِ تدليسَ الشيوخِ؛ قال: وأَما البخاريُّ فذلك عنه باطلٌ.
ودون هذهِ العبارةِ قولُ الراوي: قال فلانٌ وذكرَ فلانٌ منِ غيرِ ذِكْرِ الجارِ والمجرورِ، وهذا معنى قولي: (بلا مجارَرَه)، وهو براءَيْنِ، وهذهِ أوضعُ العباراتِ، كما قالَ ابنُ الصلاحِ، ومع ذلك فهي محمولةٌ على السماعِ بالشرطِ المذكورِ في الْمُعَنْعَنِ، وهو إذا عُلِمَ اللُّقِيُّ، أي: وسَلِمَ الراوي من التدليسِ، كما اشترطَ هناكَ وإِنْ لم يذكرْ هنا تبعًا لابنِ الصلاحِ، لا سِيِّما مَنْ عُرِفَ من حالِهِ أَنَّهُ لا يَرْوي إِلا ما سمعَهُ. كحجَّاجِ بنِ محمدٍ الأعورِ، فروى كُتبَ ابنِ جُرَيْجٍ بلفظِ: قالَ ابنُ جريجٍ، فحملَها الناسُ عنه واحتَجُّوا بها، هذا هو المحفوظُ المعروفُ، وخصَّصَ الخطيبُ ذلك بمَنْ عُرِفَ من عادتهِ مثلُ ذلك، فأمَّا مَنْ لا يُعْرَفُ بذلك، فلا يحملِهُ على السماعِ.
[ ١ / ٣٩٠ ]
الثَّاْنِي: القِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ
٣٧٥ ثُمَّ الْقِرَاءَةُ الَّتِي نَعَتَهَا مُعْظَمُهُمْ عَرْضًَا سَوَا قَرَأْتَهَا
٣٧٦ مِنْ حِفْظٍ او كِتَابٍ او سَمِعْتَا والشَّيْخُ حَافِظٌ لمِاَ عَرَضْتَا
٣٧٧ أولاَ، وَلَكِنْ أَصْلُهُ يُمْسِكُهُ بِنَفْسِهِ، أو ثِقَةٌ مُمْسِكُهُ
٣٧٨ قُلْتُ: كَذَا إنْ ثِقَةٌ مِمَّنْ سَمِعْ يَحْفَظُهُ مَعَ اسْتِماَعٍ فَاقْتَنِعْ
ثُمَّ القسمُ الثاني منْ أَقسامِ الأخذِ والتحمُّلِ: القراءةُ على الشيخِ، ويسمِّيها أكثرُ المحدِّثينَ عَرْضًَا، بمعنى أَنَّ القارئ يعرضُ على الشيخِ ذلكَ.
وقولي: (سَوَا) - بفتحِ السِّيْنِ وقُصِرَ للضَّرُوْرَةِ - أي: سواءٌ قرأتَ بنفسكَ على الشيخِ من حِفْظِكَ أو من كتابٍ أو سمعتَ بقراءةِ غيرِكَ من كتابٍ أو حفظه أيضًا، وسواءٌ كانَ الشَّيخُ حافظًا لما عرضْتَ أَمْ عَرَضَ غيرك عليهِ، أو غيرَ حافظٍ له، ولكنْ يُمسِكُ أصلَهُ هو أو ثقةٌ غيُره خلافًا لبعضِ الأُصوليينَ فيما إذا لم يُمْسِكْ أصلَهُ بنفسِهِ على ما سيأتي في التفريعاتِ التي بعدَ هذهِ الترجمةِ. وهكذا إنْ كان ثقةٌ من
[ ١ / ٣٩١ ]
السامعينَ يحفظُ ما يُقْرَأُ على الشيخِ، والحافظُ لذلك مُستمِعٌ لما يُقْرَأُ غيرُ غافلٍ عنهُ فذاكَ كافٍ أيضًا. ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ هذهِ المسألة الأخيرةَ. والحكمُ فيها مُتَّجِهٌ، ولا فرقَ بينَ إمساكِ الثِّقَةِ لأصلِ الشيخِ وبين حفظِ الثقةِ لما يقرأُ وقد رأيتُ غيرَ واحدٍ من أَهلِ الحديثِ وغيرِهم اكتفى بذلك سواءٌ كانَ الحافظُ هو الذي يقرأُ أو غيرُه.
٣٧٩ وَأَجْمَعوُا أَخْذًَا بِهَا، وَرَدُّوا نَقْلَ الخِلاَفِ، وَبِهِ مَا اعْتَدُّوا
٣٨٠ وَالخَلْفُ فِيْهَا هَلْ تُساوي الأوَّلاَ أو دُوْنَهُ أو فَوْقَهُ؟ فَنُقِلاَ
٣٨١ عَنْ (مَالِكٍ) وَصَحبْهِ وَمُعْظَمِ (كُوْفَةَ) وَ(الحِجَازِ أَهْلِ الْحَرَمِ)
٣٨٢ مَعَ (البُخَارِيِّ) هُمَا سِيَّانِ وَ(ابْنُ أبِي ذِئْبٍ) مَعَ (النُّعْمَانِ)
٣٨٣ قَدْ رَجَّحَا الْعَرَضَ وَعَكْسُهُ أَصَحّْ وَجُلُّ (أَهْلِ الشَّرْقِ) نَحْوَهُ جَنَحْ
أي: وأجمعُوا على صِحَّةِ الروايةِ بالعَرْضِ، وردُّوا ما حُكِىَ عَنْ بعضِ مَنْ لا يُعتَدُّ بخلافِهِ، أنَّهُ كانَ لا يَرَاها، وهو أبو عاصمٍ النَّبيلُ رواهُ الرَّامَهُرْمُزِيُّ عنه. وروى الخطيبُ عن وكيعٍ قالَ: ما أخذتُ حديثًا قطُّ عَرْضًَا. وعن محمدِ بنِ
[ ١ / ٣٩٢ ]
سَلامٍ: أَنَّهُ أدركَ مالكَ بنَ أنسٍ، والناسُ يَقْرَؤُونَ عليه فلم يَسْمَعْ منه لِذَلِكَ. وكذلك عبدُ الرحمنِ بنُ سَلاَّمٍ الجُمَحِيُّ لم يكتفِ بذلكَ. فقالَ مالكٌ: أخرجوهُ عَنِّي. وَمِمَّنْ قالَ بصحتِها مِنَ التَّابعينَ: عطاءٌ ونافعٌ وعروةُ والشعبيُّ والزهريُّ ومكحولٌ والحسنُ ومنصورٌ وأيوبُ، ومن الأَئِمَّةِ: ابنُ جريجٍ والثوريُّ وابنُ أبي ذِئْبٍ وشُعبةُ والأئمةُ الأربعةُ وابنُ مهدِيٍّ وشريكٌ والليثُ وأبو عُبيدٍ والبخاريُّ في خَلْقٍ لا يحصَوْنَ كثرةً. واستدلَّ البخاريُّ على ذلك بحديثِ ضِمَامِ بنِ ثعلبةَ.
واختلفوا في القراءةِ على الشيخِ هل تساوي القسمَ الأولَ -وهو السَّماعُ من لفظهِ- أو هي دونَهُ، أو فوقَه؟ عَلَى ثلاثةِ أقوالٍ: فذهبَ مالكٌ وأصحابُهُ ومعظمُ علماءِ الحجازِ والكوفةِ والبخاريُّ إِلَى التسويةِ بينَهما، وحكاهُ أبو بكرٍ الصيرفيُّ في كتابِ
[ ١ / ٣٩٣ ]
" الدلائلِ " عن الشافعيِّ، فَقَالَ: وبابُ الحديثِ عندَ الشافعيِّ ﵀ في القراءةِ عَلَى المحدّثِ، والقراءةِ مِنْهُ سواءٌ. وذهبَ ابنُ أبي ذِئْبٍ، وأبو حَنيفةَ النعمانُ بنُ
ثابتٍ، إِلَى ترجيحِ القراءةِ عَلَى الشَّيخِ عَلَى السَّماع ِمن لفظهِ، وحُكِيَ ذلكَ عن مالكٍ أيضًا، حكاهُ عَنْهُ ابنُ فارسٍ، وحكاهُ أيضًا عن ابنِ جُريج ٍوالحسنِ بنِ عمارةَ، ورواهُ الخطيبُ في " الكفاية " عن مالكٍ أيضًا، والليثِ بنِ سعدٍ وشعبةَ وابنِ لهيعةَ ويحيى بنِ سعيدٍ ويحيى بنِ عبدِ اللهِ بنِ بكيرٍ والعباسِ بنِ الوليدِ بنِ
مَزْيَدٍ وأبي الوليدِ وموسى بن داودَ الضبيَّ الخلقانيِّ وأبي عُبيدٍ القاسمِ بنِ سَلاَّمٍ وأبي حاتِمٍ. وذهب جمهورُ أهلِ الشرقِ إِلَى ترجيحِ السماعِ منْ لفظِ الشيخِ على القراءةِ عليهِ، وهو الصحيحُ.
[ ١ / ٣٩٤ ]
٣٨٤ وَجَوَّدُوا فِيْهِ قَرَأْتُ أو قُرِىْ مَعْ وَ(أَنَا أَسْمَعُ) ثُمَّ عَبِّرِ
٣٨٥ بِمَا مَضَى فِي أولٍ مُقَيِّدَا (قِرَاَءةً عَلَيْهِ) حَتَّى مُنْشِدَا
٣٨٦ (أَنْشَدَنَا قِرَاَءةً عَلَيْهِ) لاَ (سَمِعْتُ) لَكِنْ بَعْضُهُمْ قَدْ حَلَّلاَ
٣٨٧ وَمُطْلَقُ التَّحْدِيْثِ وَالإِخْبَارِ مَنَعَهُ (أَحْمَدُ) ذُوْ الْمِقْدَارِ
٣٨٨ (وَالنَّسَئِيُّ) وَ(التَّمِيْمِيْ يَحْيَى) وَ(ابْنُ الْمُبَارَكِ) الْحمِيْدُ سَعْيَا
٣٨٩ وَذَهَبَ (الزُّهْرِيُّ) وَ(الْقَطَّانُ) وَ(مَالِكٌ) وَبَعْدَهُ (سُفْيَانُ)
٣٩٠ وَمُعْظَمُ (الْكُوْفَةِ) وَ(الْحِجَازِ) مَعَ (الْبُخَارِيِّ) إلى الْجَوَازِ
٣٩١ وَابْنُ جُرَيِجٍ وَكَذَا الأوزَاعِيْ مَعَ (ابْنِ وَهْبٍ) وَ(الإمَامُ الشَّافِعِيْ)
٣٩٢ وَ(مُسْلِمٌ) وَجُلُّ (أَهْلِ الشَّرْقِ) قَدْ جَوَّزُوا أَخْبَرَنَا لِلْفَرْقِ
٣٩٣ وَقَدْ عَزَاهُ صَاحِبُ الإِنْصَافِ (للنَّسَئيْ) مِنْ غَيْرِ مَا خِلاَفِ
٣٩٤ وَالأَكْثَرِيْنَ وَهُوَ الَّذِي اشْتَهَرْ مُصْطَلَحًا لأَهْلِهِ أَهْلِ الأَثَرْ
[ ١ / ٣٩٥ ]
هذا بيانٌ لعبارةِ أداءِ مَنْ سمعَ بالعَرْضِ. وأجودُ العباراتِ فيه أنْ يقولَ قرأتُ على فلانٍ. هذا إِنْ كان هو الذي قَرأَ. فإِنْ سمعَ عليه بقراءةِ غيرهِ قالَ قُرِيء على فلانٍ وأنا أسمعُ، وهذا المرادُ بقولي: (وَجَوَّدُوا) - بالدال - أي: رأوا أجودَ. وقولي: (ثم عَبِّرِ)، أي: ويلي هذه مِنَ العباراتِ العباراتُ التي مضتْ في القِسْمِ الأولِ مقيّدةً بما تبينَ أنَّ السماعَ عرضٌ، فيقولُ: حَدَّثَنَا فلانٌ بقراءتِي، أو قراءةً عليه، وأنا أسمع وأخبرنا بقراءتي أو قراءةً عليه أو أنبأنا، أو نبأنا فلانٌ بقراءتِي أو قراءةً عليه، أو قالَ لنا فلانٌ قراءةً عليه، أو نحوَ ذلك، حتى استعملوهُ في الإنشادِ، فقالوا: أنشدَنا فلانٌ قراءةً عليه، أو بقراءتِي عليه، ولم يستثنوا مما يجوزُ في القِسْمِ الأول إلا لفظَ سمعتُ فلم يُجَوِّزُوْهَا في العَرْضِ، وقد صَرَّحَ بذلك أحمدُ بنُ صالحٍ فقال: لا يجوزُ أنْ يقولَ: سمعتُ. وقال القاضي أبو بكرٍ الباقلانيُّ: إنَّهُ الصحيحُ. قالَ: وقالَ بعضُهم: يجوزُ. وقال القاضي عياضٌ: وهو قولٌ رُوِيَ عَنْ مالكٍ والثوريِّ وابنِ عُيينةَ. والصحيحُ ما تقدَّمَ، وهو المرادُ بقولي: (لا سمعتُ) . فأمَّا إطلاقُ حَدَّثَنَا، وأخبرنا من غيرِ تقييدٍ
[ ١ / ٣٩٦ ]
بقوله: بقراءتي، أو قراءةً عليه، فقد اختلفوا فيه على مذاهبَ: فَذَهَبَ عبدُ الله بنُ المباركِ، ويحيى بنُ يحيى التميميُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، والنسائيُّ، فيما حكاه عنه ابنُ الصلاحِ. تبعًا للقاضي عياضٍ إلى مَنْعِ إطلاقِهِما. وقال القاضي أبو بكرٍ: إِنَّهُ الصحيحُ. وحكاهُ الخطيبُ عن ابنِ جُرَيْجٍ، خلافَ ما حكى عنه ابنُ الصلاحِ من التفرقةِ.
قال الخطيبُ: وهو مذهبُ خَلْقٍ كثيرٍ من أصحابِ الحديثِ، وذهبَ أبو بكرِ بنُ شهابٍ الزهريُّ، ومالكٌ، والثَّوريُّ،
[ ١ / ٣٩٧ ]
وأبو حنيفةَ، وصاحباهُ، وسفيانُ بنُ عيينةَ، ويحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ، ومعظمُ الحجازيين، والكوفيينَ، والبخاريُّ، إلى جوازِ إطلاقهِما. ومِمَّنْ ذهبَ إلى أنَّ حَدَّثَنَا وأخبرنا سواءٌ: يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، ويزيدُ بنُ هارونَ، والنَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، وأبو عاصمٍ النبيلُ، ووهبٌ بنُ جريرٍ، ومالكٌ في أحدِ القولينِ عنه، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وثعلبٌ، والطحاويُّ وصَنَّفَ فيه جزءًا سمعناهُ متصلًا وغيرُهم من أهلِ العلمِ وقد حكاهُ القاضي عياضٌ عن الأكثرينَ وكذا قالَ ابنُ فارسٍ: ذهب إليه أكثرُ علمائِنا، وذهبَ ابنُ جريجٍ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ وأصحابُهُ وابنُ
[ ١ / ٣٩٨ ]
وَهْبٍ وجمهورُ أهلِ المشرقِ إلى الفرقِ بين اللفظين، فَجَوَّزُوا إطلاقَ: أخبرنا، ولم يُجَوِّزُوا إطلاقَ: حَدَّثَنَا، وعزاهُ محمدُ بنُ الحسنِ التَّمِيْمِيُّ الجوهريُّ في كتابِهِ "الإنصافِ" للنسائيِّ ولأكثرِ أصحابِ الحديثِ، وهو الشائعُ الغالبُ على أهلِ الحديثِ، كما قال ابنُ الصلاحِ وكأنَّهُ اصطلاحٌ للتمييزِ بين النوعينِ.
فقولي: (وبعدَهُ سُفيانُ)، إشارةٌ إلى أَنّهُ ابنُ عيينةَ، لا الثَّوريُّ؛ لأَنَّ الثَّوريَّ متقدمُ الوفاةِ عَلَى مالكٍ، كَمَا سيأتي في تاريخِ الوفياتِ، وابنُ عيينةَ متأخرٌ، وقولي: (وابنُ جريج) مبتدأٌ وليسَ بمعطوفٍ.
٣٩٥ وَبَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَا أَعَادَا قِرَاءَةَ الصَّحِيْحِ حَتَّى عَادَا
٣٩٦ فِي كُلِّ مَتْنٍ قَائِلًا: (أَخْبَرَكَا) إِذْ كَانَ قال أوَّلًا: (حَدَّثَكَا)
٣٩٧ قُلْتُ وَذَا رَأْيُ الَّذِيْنَ اشْتَرَطُوا إِعادَةَ اْلإِسْنَادِ وَهْوَ شَطَطُ
أي: وبعضُ مَنْ قالَ بالفرقِ بينَ اللَّفْظَيْنِ، وهو أبو حاتِمٍ محمدُ بنُ يعقوبَ الهرويُّ، فيما حكاهُ البَرْقانيُّ عنهُ؛ أَنَّهُ قرأَ على بعضِ الشيوخِ عِن الفِرَبْرِيِّ صحيحَ البخاريِّ، وكان يقولُ لهُ في كلِ حديثٍ حدَّثَكُم الفِرَبْرِيُّ، فلمَّا فَرَغَ من الكتابِ سَمِعَ الشيخَ يذكرُ أنَّهُ إنَّمَا سَمِعَ الكتابَ من الفِرَبْرِيِّ قراءةً عليه، فأَعادَ قراءةَ الكتابِ كُلِّهِ، وقالَ لهُ في جميعهِ: أخبرَكُم الفِرَبْرِيُّ، قلتُ: وكأَنَّهُ كانَ يرى أَنَّهُ لابُدَّ مِنْ ذِكْرِ السَّنَدِ في كُلِّ
[ ١ / ٣٩٩ ]
إذا كان الشيخ الذي يقرأ عليه عرضا لا يحفظ ذلك المقروء عليه،
حديثٍ، وإنْ كانَ الإسنادُ واحدًا إلى صاحبِ الكتابِ، وهو من مذاهبِ أهلِ التشديدِ في الروايةِ، وإلاَّ لاكتفى بقولهِ لهُ: أخبرَكُم الفِرَبْرِيُّ بجميعِ صحيحِ البخاريِّ. والصحيحُ أنَّهُ لا يحتاجُ إلى إعادةِ السَّنَد في كلِّ حديثٍ على ما سيأتي في موضوعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
تَفْرِيْعَاتٌ
٣٩٨ وَاخْتَلَفُوا إِنْ أَمْسَكَ الأَصْلَ رِضَا وَالشَّيْخُ لاَ يَحْفَظُ مَا قَدْ عُرِضَا
٣٩٩ فَبَعْضُ نُظَّارِ الأُصُوْلِ يُبْطِلُهْ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثْيِنَ يَقْبَلْهْ
٤٠٠ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ فَإِنْ لَمْ يُعْتَمَدْ مُمْسِكُهُ فَذَلِكَ السَّمَاعُ رَدّْ
إذا كانَ الشيخُ الذي يُقْرَأُ عليه عَرْضًَا لا يحفظُ ذلك المقروءَ عليهِ، فإنْ كانَ أصلُهُ بيدِهِ، فالسَّماعُ صحيحٌ -كما تَقَدَّمَ- وإنْ كانَ القارئُ يقرأُ في أصلِهِ فهوَ صحيحٌ أيضًا، خلافًا لبعضِ أهلِ التشديدِ في الروايةِ. وإِنْ لَمْ تكنِ القراءةُ من الأَصلِ، ولكنَّ الأصلَ يُمسكُهُ أحدُ السامعينَ الثقاتِ، فاختلفوا في صحةِ السماعِ. فحكى القاضي عياضٌ: أنَّ القاضي أبا بكرٍ الباقلانيَّ تردَّدَ فيهِ. قالَ: وأكثرُ ميلِهِ إلى المنعِ. قال: وإليهِ نَحَا الجوينيُّ، يَعني: إمامَ الحرمينِ قالَ: وأجازَهُ بعضهُمْ، وصحَّحَهُ. وبهذا عملَ كافةُ الشيوخِ وأهلُ الحديثِ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنَّه المختارُ. أمَّا إذا كانَ المُمْسِكُ للأصلِ، والحالةُ هذه لا يُعتَمَدُ عليه ولا يُوْثَقُ به، فذلك السماعُ مردودٌ غيرُ مُعْتَدٍّ بِهِ.
[ ١ / ٤٠٠ ]
إذا قرأ القارئ على الشيخ، وسكت الشيخ على ذلك، غير منكر له مع إصغائه، وفهمه، ولم يقر باللفظ
٤٠١ وَاخْتَلَفُوا إنْ سَكَتَ الشَّيْخُ وَلَمْ يُقِرَّ لَفْظًَا، فَرآهُ الْمُعْظَمْ
٤٠٢ وَهْوَ الصَّحِيْحُ كَافِيًَا، وَقَدْ مَنَعْ بَعْضُ أولي الظَّاهِرِ مِنْهُ، وَقَطَعْ
٤٠٣ بِهِ (أبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ الرَّازِي) ثُمَّ (أبُو إِسْحَاقٍ الشِّيْرَازِيْ)
٤٠٤ كَذَا (أبُو نَصْرٍ) وَقال: يُعْمَلُ بِهِ وَألْفَاظُ الأَدَاءِ الأَوَّلُ
إذا قَرأَ القارئُ على الشَّيخِ، وسكتَ الشَّيخُ على ذلكَ، غيَر مُنْكِرٍ له مع إِصغائِهِ، وفهمِهِ، وَلمَ يُقِرَّ باللفظِ بقوله: نَعَمْ وما أشبهَ ذلك، فذهبَ جمهورُ الفقهاءِ، والمحدِّثِيْنَ، والنُّظَّارِ؛ - كَمَا قَالَ الْقَاضِي عياضٌ - إِلَى صحةِ السماعِ، وأَنَّ ذَلِكَ غيرُ شرطٍ، وقالَ: إنَّهُ الصحيحُ. قالَ: وشَرَطَهُ بعضُ الظاهريةِ. وبه عملَ جماعةٌ من مشايخِ أهلِ الشرقِ. وَقَالَ ابنُ الصلاحِ: وقَطَعَ بهِ أبو الفتحِ سُليمُ الرازيُّ، والشَّيخُ أبو إسحاقَ الشِّيْرَازيُّ، وأبو نصرٍ بنُ الصَّبَّاغِ من الشافعيِّينَ. قَالَ ابنُ الصباغِ: وله أَنْ يعملَ بِمَا قُرِئَ عليهِ، وإذا أرادَ روايتَهُ عنهُ، فليس لَهُ أَنْ يَقُوْل: حَدَّثَنِي، ولا أَخْبَرَنِي، بَلْ قرأتُ عَلَيْهِ، أو قُرِئَ عليهِ وَهُوَ يسمعُ. وهذا المرادُ بقولي: (وأَلْفَاظُ الأَدَاءِ الأُوَّلُ)، أي: ويعبرُ في الأداءِ بالرتبةِ الأولى من الأداءِ في العَرْضِ، وَهُوَ ما تَقدَّمَ مِنْ قولي: (وجَوَّدُوْا فيهِ قرأتُ أوقُرِيْ) . وما قالَهُ ابنُ الصَّبَّاغِ من أَنَّهُ لا يُطْلِقُ فيهِ حَدَّثَنَا ولا أخبرنا
[ ١ / ٤٠١ ]
بيان لألفاظ الأداء
هو الذي صحَّحَهُ الغزاليُّ وحكاهُ الآمديُّ عن المتكلمِيْنَ وصحَّحَهُ. وحَكَى الآمديُّ تجويزَهُ عن الفقهاءِ والمحدِّثِيْنَ، وصححهُ ابنُ الحاجبِ وحكى عن الحاكمِ أنه مذهبُ الأَئمةِ الأربعةِ. وإِنْ أشارَ الشيخُ برأسِهِ أو أصبُعِهِ للإقرارِ بهِ، ولم يتلفَّظْ، فجزمَ صاحبُ " المحصولِ ": بأَنَّهُ لا يَقولُ في الأَداءِ: حَدَّثَنِي ولا أخبرني ولا سمعْتُ، وفيهِ نظرٌ.
٤٠٥ وَالْحَاْكِمُ اخْتَارَ الَّذِي قَدْ عَهِدَا عَلَيْهِ أَكْثَرَ الشُّيُوْخِ فِي الأَدَا
٤٠٦ حَدَّثَنِي فِي الْلَفْظِ حَيْثُ انْفَرَدَا وَاجْمَعْ ضَمِيْرَهُ إذا تَعَدَّدَا
٤٠٧ وَالْعَرْضِ إِنْ تَسْمَعْ فَقُلْ أَخْبَرَنَا أو قَارِئًَا (أَخْبَرَنِي) واسْتُحْسِنا
٤٠٨ وَنَحْوُهُ عَنِ (ابْنِ وَهْبٍ) رُوِيَا وَلَيْسَ بِالْوَاجِبِ لَكِنْ رُضِيَا
هذا بيانٌ لأَلفاظِ الأَداءِ التي ينبغي استعمالُها بحسَبِ تحملِ الحديثِ. قالَ الحاكمُ: الذي أَخْتَارُهُ في الروايةِ وعهدْتُ عليهِ أكثرَ شُيوخي وأَئِمَّةَ عصرِي، أَنْ يقولَ في الذي
[ ١ / ٤٠٢ ]
الشك في الأخذ
يأْخذُهُ من المحدِّثِ لفظًا، وليسَ معهُ أَحدٌ: حَدَّثَنِي فلانٌ، وما كانَ مَعَهُ غيرُه: حَدَّثَنَا فلانٌ. وهذا معنى قولي: (واجْمَعْ ضَمِيرَه إذا تَعَدَّدَا) . قالَ الحاكمُ: وما قُرِئَ على المحدِّثِ بنفسِهِ: أخبرني فلانٌ، وما قُرِئَ على المحدِّثِ وهو حاضرٌ: أخبرنا فلانٌ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وهوَ حَسَنٌ رائِقٌ. ورَوَى الترمذيُّ في " العللِ " عن ابنِ وَهْبٍ قالَ: ما قلتُ: حَدَّثَنَا فهو ما سمعتُ مع الناسِ، وما قلتُ: حَدَّثَنِي فهو ما سمعتُ وحدي. وما قلتُ: أخبرنا فهو ما قُرِئَ على العالِمِ وأنا شاهدٌ. وما قلتُ: أخبرني فهو ما قرأتُ على العالمِ. وفي كلامِ الحاكمِ وابنِ وَهْبٍ أَنَّ القارئَ يقولُ: أخبرني سواءٌ سمعَ معهُ غيرُه، أَم لا. وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ": إنَّ القارئَ إذا كانَ مَعَهُ غيرُهُ يقولُ: أخبرنا فسوَّى بينَ مسألَتي التَّحْدِيثِ والإخبارِ في ذلكَ. ثُمَّ إِنَّ هذا التفصيلَ في أَلفاظِ الأَداءِ ليسَ بواجبٍ، ولكنَّهُ مستحبٌ، حكاهُ الخطيبُ عن أَهلِ العلمِ كافةً. فجائزٌ لِمَنْ سَمِعَ وحدَهُ أنْ يقولَ: أخبرنا وحَدَّثَنَا ولِمَنْ سَمِعَ معَ غيرهِ أَنْ يقولَ: أخبرني وحَدَّثَنِي، ونحوَ ذلكَ.
٤٠٩ وَالشَّكُ فِي الأَخْذِ أكَانَ وَحْدَهْ أو مَعْ سِوَاهُ؟ فَاعِتَبارُ الْوَحْدَهْ
٤١٠ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ رأى الْقَطَّانُ اَلْجَمْعَ فِيْمَا أوْ هَمَ الإِْنْسَانُ
٤١١ فِي شَيْخِهِ مَا قَالَ وَالْوَحْدَةَ قَدْ اخْتَارَ فِي ذَا الْبَيْهَقِيُّ وَاعْتَمَدْ
[ ١ / ٤٠٣ ]
إذا شكَّ الراوي هلْ كانَ وحدَهُ حالةَ التحمُّلِ فيقولُ في الأَداءِ: حَدَّثَنِي، أو كانَ معهُ غيرُهُ، فيقولُ: حَدَّثَنَا؟! فيحتملُ أَنْ يُقالَ: يؤدى بلفظِ مَنْ سَمِعَ وحدَهُ؛ لأَنَّ الأصلَ عدمُ غيرِهِ. أَمَّا إذا شكَّ في تحمَّلِهِ هلْ هوَ مِنْ قَبيلِ: أَخبرنا، أو أَخْبَرَنِي؟ فقدْ جمعها ابنُ الصلاحِ معَ مسألةِ الشكِّ هلْ هوَ من قبيلِ: حَدَّثَنَا، أو حَدَّثَنِي؟! وأنه يحتملُ أن يقولَ: أخبرني؛ لأَنَّ عدمَ غيرهِ هو الأصلُ. وفيه نظرٌ؛ لأَنَّ قبيلَ أخبرني أن يكونَ هو الذي قَرَأَ بنفسِهِ على الشيخِ على ما ذكرهُ ابنُ الصلاحِ، وعلى هذا فهو يتحقَّقُ سماعَ نفسِهِ، ويشكُّ هل قَرَأَ بنفسِهِ أم لا؟ والأصلُ: أنَّهُ لَمْ يقرَأْ. وَقَدْ حَكَى الخطيبُ في " الكفايةِ " عن البَرْقانيِّ: أَنَّهُ ربُّما شَكَّ في الحديثِ هَلْ قرأَهُ هُوَ أو قُرِئَ وَهُوَ يَسْمَعُ فيقولُ فيهِ: قرأْنَا عَلَى فلانٍ؟! وهذا حَسَنٌ فإِن إِفرادَ الضميرِ يقتضي قراءَتَهُ بنفسِهِ، وجَمْعُهُ يُمكنُ حَمْلهُ على قراءةِ بعضِ مَنْ حَضَرَ لسماعِ الحديثِ، بل لو
[ ١ / ٤٠٤ ]
تحققَ أَنَّ الذي قَرَأَ غيرُهُ فلا بأْسَ أَنْ يقولَ: قرأْنَا. قالَهُ أحمدُ بنُ صالحٍ حين سُئِلَ عنهُ. وقال النُفَيْليُّ: قرأْنَا على مالكٍ، وإنَّما قُرِئَ على مالكٍ، وهو يَسمَعُ.
وأما مسألةُ الشكِّ هلْ هوَ من قَبِيلِ: حَدَّثَنَا أو حَدَّثَنِي، فقدْ رأَى يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ: الإتيانَ بضميرِ الجمعِ حَدَّثَنَا في مسألةٍ تُشْبِهُهَا، وهيَ إذا شكَّ في لفظِ شيخِه، هلْ قالَ: حَدَّثَنِي أو حَدَّثَنَا؟ ومقتضاهُ هنا أَنْ يقولَ: حَدَّثَنَا، وكَأَنَّ وَجْهَهُ: أَنَّ حَدَّثَنِي أَكملُ مرتبةً فيُقتصَرُ في حالةِ الشكِّ على الناقصِ، وقدِ اختارَ البيهقيُّ - بعد حكايتِهِ كلامَ ابنِ القَطَّانِ -: أَنَّهُ يوحِّدُ فيقولُ: حَدَّثَنِي. وقولي: (فيما أوهَمَ)، أي: شَكَّ، ومنهُ حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ: «إذا أَوهَمَ أَحدُكُم في صلاتِهِ فلم يَدْرِ أَزادَ أو نَقَصَ، » الحديثَ. وقالَ ثعلبٌ: أوهَمَ: تَرَكَ. وهذا لا يمشي في هذا الحديثِ، وحَكَى صاحبُ " المُحْكَمِ " عن ابنِ الأَعرابيِّ، قالَ: أوهَمَ وَوَهَم سواءٌ، وأَنشدَ:
[ ١ / ٤٠٥ ]
اتباع لفظ الشيخ
فَإنْ أخْطَأْتُ أَوْ أوهَمْتُ شَيْئًَا فَقَدْ يَهِمُ المُصَافِيْ بالحبَيِبِ
وقال: قولُهُ: (شيئًا) منصوبٌ على المصدرِ.
٤١٢ وَقَالَ (أَحْمَدُ): اتَّبِعْ لَفْظًَا وَرَدْ لِلشَّيْخِ فِي أَدَائِهِ وَلاَ تَعَدْ
٤١٣ وَمَنَعَ الإبْدَالَ فِيْمَا صُنِّفَا - الشَّيْخُ - لَكِنْ حَيْثُ رَاوٍ عُرِفَا
٤١٤ بِأَنَّهُ سَوَّى فَفِيْهِ مَا جَرَى فِي النَّقْلِ باِلْمَعْنَى، وَمَعْ ذَا فَيَرَى
٤١٥ بِأَنَّ ذَا فِيْمَا رَوَى ذُو الطَّلَبِ بِالْلَفْظِ لاَ مَا وَضَعُوا فِي الْكُتُبِ
قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: اتَّبِعْ لفظَ الشيخِ في قولهِ: حَدَّثَنَا وحَدَّثَنِي وسمعتُ وأَخبرنا ولا تَعْدَهُ. ومنعَ ابنُ الصلاحِ إبدالَ أخبرنا: بحَدَّثَنَا ونحوهِ في الكُتُبِ المصنَّفةِ، وإنْ كانَ في إِقامةِ أحدهِما مُقامَ الآخرِ خلافٌ؛ لاحتمالِ أَنْ يكونَ قائلُ ذلكَ لا يَرَى التسويةَ بينهُمَا، فإنْ عرفْتَ أنَّ قائلَ ذلك سَوَّى بينهُمَا ففيهِ الخلافُ في جوازِ الروايةِ بالمعنى -كما قالَ الخطيبُ - قالَ ابنُ الصلاحِ: الذي نراهُ الامتناعَ من إِجراءِ مثلِهِ فيما وُضِعَ في الكُتُبِ المصنَّفَةِ. وما ذكَرَه الخطيبُ محمولٌ عندَنا على ما يَسْمَعُهُ الطالبُ من لفظِ المحدثِ غيرَ موضوعٍ في كتابٍ مؤلفٍ. قال ابنُ دقيقِ العيدِ: وهذا
[ ١ / ٤٠٦ ]
كلامٌ فيه ضَعْفٌ. قال: وأَقلُّ ما فيهِ أَنَّهُ يقتضِي تجويزَ هذا فيما ينقلُ مِنَ المصنفاتِ المتقدِّمَةِ إلى أجزائِنَا وتخاريجِنَا، فإنَّهُ ليسَ فيهِ تغييرُ التصنيفِ المتقدِّمِ. قالَ: وليسَ هذا جاريًا على الاصطلاح. قلتُ: لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يقتضي ذلك، بلْ آخرُ كلامِ ابنِ الصلاح يُشْعِرُ: أَنَّهُ إذا نُقِلَ حديثٌ مِنْ كتابٍ وعُزِيَ إليه، لا يجوزُ فيه الإبدالُ سواءٌ أَنقلَناهُ في تأَليفٍ لنا أَم لفظًا؟ واللهُ أعلمُ.
٤١٦ وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ السَّمَاعِ مِنْ نَاسِخٍ، فَقَالَ بَامْتِنَاعِ
٤١٧ (الإِسْفَرَاييِنِيْ) مَعَ (الْحَرْبِيِّ) وِ (ابْنِ عَدِيٍّ) وَعَنِ (الصِّبْغِيِّ)
٤١٨ لاَ تَرْوِ تَحْدِيْثًا وَإِخْبَارًا، قُلِ حَضَرْتُ وَالرَّازِيُّ وَهْوَ الْحَنْظَلِيْ
٤١٩ وَ(ابْنُ الْمُبَارَكِ) كِلاَهُمَا كَتَبْ وَجَوَّزَ (الْحَمَّالُ) وَالشَّيْخُ ذَهَبْ
٤٢٠ بِأَنَّ خَيْرًا مِنْهُ أَنْ يُفَصِّلاَ فَحَيْثُ فَهْمٌ صَحَّ، أولاَ بَطَلاَ
٤٢١ كَماَ جَرَى لِلدَّارَقُطْنِي حَيْثُ عَدْ إِمْلاَءَ (إِسْمَاعِيْلَ) عَدًّا وَسَرَدْ
اختلفَ أهلُ العلمِ فيمَنْ ينسخُ في حالةِ السماعِ سواءٌ في ذلكَ الشيخُ المسُمِعُ، والطالبُ السامعُ؛ هَلْ يصحُّ السماعُ أم لاَ؟ فذهبَ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ الأُستاذُ،
[ ١ / ٤٠٧ ]
وإبراهيمُ الحربيُّ، وأبو أحمدَ بنُ عديٍّ وغيرُ واحدٍ من الأَئِمَّةِ إلى مَنْعِ الصحةِ مطلقًا، وذهبَ الإمامُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ إِسحاقَ الصِّبْغيُّ إلى أَنَّهُ لا يقولُ في الأَداءِ: حَدَّثَنَا ولا أَخْبرنا، بلُ يقولُ: حَضَرْتُ، وذهبَ موسى بنُ هارونَ الحمَّالِ إلى الصحةِ
مطلقًا. وقد كتبَ أبو حاتِمٍ محمدُ بنُ إدريسَ الرازيُّ الحنظليُّ في حالةِ السماعِ عند عارمٍ، وعندَ عمرِو بنِ مرزوقٍ، وكتبَ أيضًا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ وهو يَقْرَأُ عليهِ شيئًا آخرَ غيرَ ما يُقرأُ عليهِ. قال ابنُ الصلاحِ: وخيرٌ من هذا الإطلاقِ التفصيلُ، فنقولُ: لا يصحُّ السماعُ إذا كانَ النَّسْخُ بحيثُ يمتنعُ معهُ فَهْمُ الناسخِ لما يُقرأُ حَتى يكونَ الواصلُ إلى سمعِهِ كأَنّهُ صوتٌ غُفْلٌ، ويصحُّ بحيثُ إذا كانَ لا يمتنعُ معهُ الفهمُ كقصةِ الدارقطنيِّ إذْ حضرَ في حَدَاثَتِهِ مجلسَ إِسماعيلَ الصَّفَّارِ، فجلسَ ينسخُ جُزءًَا كانَ معَهُ وإِسماعيلُ يُمْلي فقالَ لهُ بعضُ الحاضرينَ: لا يصحُّ سماعُكَ وأنتَ تنسخُ، فقالَ: فَهْمِي للإملاءِ خِلافُ فَهْمِكَ، ثُمَّ قالَ: تحفظُ كمْ أَملى الشيخُ مَنْ حديثٍ إلى الآنَ؟
[ ١ / ٤٠٨ ]
عزب عن السامع الكلمة والكلمتان،
فقالَ: لا. فقالَ الدَّارقطنيُّ: أَملى ثمانيةَ عَشَرَ حديثًا، فعدَدْتُ الأحاديثَ فوجدْتُ كما قالَ. ثُمَّ قالَ: الحديثُ الأولُ منها: عن فلانٍ عن فلانٍ، ومتنُهُ كذا، والحديثُ الثاني عن فلانٍ عن فلانٍ، ومتنُهُ: كذا، ولم يزلْ يَذْكُرُ أسانيدَ الأحاديثِ ومتونَها على ترتيبهَا في الإملاءِ حتى أَتَى على آخِرِها فعجِبَ الناسُ منه.
٤٢٢ وَذَاكَ يَجْرِي فِي الْكَلاَمِ أو إذا هَيْنَمَ حَتَّى خَفِيَ الْبَعْضُ، كَذَا
٤٢٣ إِنْ بَعُدَ السَّامِعُ، ثُمَّ يُحْتَمَلْ فِي الظَّاهِرِ الْكَلِمَتَانِ أو أَقَلْ
أي: وما ذُكِرَ في النَّسْخِ من التفصيلِ يجري في الكلامِ في وقتِ السماعِ مِنَ السامعِ، أو الشيخِ. وكذا إذا هَيْنَمَ القارئُ والْهَيْنَمَةُ: الصوتُ الخفيُّ، قاله الجوهريُّ. وكذا إذا أَفْرَطَ في الإسراعِ بحيثُ يخفى بعضُ الكَلِمِ، أو كان السامعُ بعيدًا عن القارئ وما أَشْبَهَ ذلكَ. ثُمَّ الظاهرُ أنَّهُ يُعْفَى في كلِّ ذلكَ عن القَدَرِ اليَسِيْرِ، نحوِ الكلمةِ والكلمتَيْنِ.
٤٢٤ وَيَنْبَغِي لِلشَّيْخِ أَنْ يُجِيْزَ مَعْ إِسْمَاعِهِ جَبْرًَا لِنَقْصٍ إنْ يَقَعْ
٤٢٥ قَالَ: ابْنُ عَتَّابٍ وَلاَ غِنَى عَنْ إِجَازَةٍ مَعَ السَّمَاعِ تُقْرَنْ
لما ذَكَرَ أَنَّهُ رُبَّما عَزَبَ عن السامعِ الكلمةُ والكلمتانِ، لعجلةِ القارئِ، أو هينمتِهِ، أو كلامٍ، ونحوِ ذلكَ، ذَكَرَ ما يَجْبُرُ ذلك، وهو أنَّهُ يُسْتَحَبُّ للشيخِ أَنْ يجيزَ للسامعيَن
[ ١ / ٤٠٩ ]
: الشيخ يدغم الحرف
روايةَ الكتابِ أو الجزءِ الذي سمعُوْهُ وإنْ شملَهُ السَّماعُ لاحتمالِ وقوعِ شيءٍ ممَّا تقدَّمَ فينجَبرُ بذلكَ. وكذلكَ ينبغي لكاتبِ السماعِ أَنْ يَكْتُبَ إِجازةَ الشَّيخِ عَقِبَ كتابةِ السَّماعِ، ويقالُ: إنَّ أولَ مَنْ كَتَبَ الإجازةَ في طِبَاقِ السَّماعِ: أبو الطاهرِ إسماعيلُ بنُ عبدِ المحسنِ الأنماطيُّ، فجزاهُ الله خَيْرًا في سَنِّهِ ذلكَ لأَهْلِ الحديثِ، فلقدْ حَصَلَ به نفعٌ كثيرٌ، ولقدِ انقطعَ بسببِ تَرْكِ ذَلِكَ، وإهمالِهِ اتصالُ بعضِ الكُتُبِ في بعضِ البلادِ، بسببِ كونِ بعضِهِمْ كَانَ لَهُ فَوْتٌ، ولَمْ يذكرْ في طبقةِ السَّماعِ إجازةَ الشيخِ لهم، فاتَّفَقَ أنْ كانَ بعضُ المفوتينَ آخرَ مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ سَمِعَ بعضَ ذلك الكتابَ فَتَعَذَّرَ قراءةُ جميعِ الكتابِ عليه كأبي الحسنِ بنِ الصَّوَّافِ الشَّاطبيِّ، راوي غالبِ سُنَنِ النسائيِّ عن ابنِ باقا، واللهُ أعلمُ. وقالَ أبو عبدِ الله بنُ عتابٍ الأندلسيُّ: «لا غنَى في السماعِ عن الإجازَةِ؛ لأَنَّهُ قدْ يغلَطُ القارئُ، ويغفلُ الشيخُ، أو يَغلطُ الشيخُ إن كان القارئُ، ويغفلُ السامعُ فينجبِرُ لَهُ ما فاتهُ بالإجازةِ» . واللهُ أعلمُ.
٤٢٦ وَسُئِلَ (ابْنُ حنبلٍ) إِن حَرْفَا أدْغَمَهُ فَقَالَ: أَرْجُو يُعْفَى
٤٢٧ لَكِنْ (أبو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ) مَنَعْ فِي الْحَرْفِ تَسْتَفْهِمُهُ فَلاَ يَسَعْ
٤٢٨ إِلاَّ بَأَنْ يَرْوِيَ تِلْكَ الشَّارِدَهْ عَنْ مُفْهِمٍ، وَنَحْوُهُ عَنْ (زَائِدَهْ)
قال صالحُ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: قلتُ لأبي: الشَّيْخُ يُدْغِمُ الحرفَ يَعْرفُ أَنَّهُ
كذا وكذا ولا يُفْهَمُ عنه، تَرَى أنْ يُروى ذلك عنه؟ قال: أرجو ألاَّ يُضَيَّقَ
[ ١ / ٤١٠ ]
هذا. وأما أبو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ فكانَ يَرَى فيما سَقَطَ عنهُ من الحرفِ الواحدِ والاسمِ مما سمعَهُ من سفيانَ والأعمشِ، واستفهمَهُ من أصحابهِ أَنْ يرويهِ عن أَصَحابِهِ لا يَرَى غيرَ ذلك واسعًا.
فقولي: (تلكَ الشَّارِدَهْ)، أي: تلكَ الكلمةُ أو الحرفُ الذي شردَ عنه، فلم يَفْهَمْهُ عن شيخِهِ، وإنَّماْ فهِمَهُ عَنِ الشيخِ غيرُه، وهكذا جاءَ عن زائدةَ بنِ قُدامةَ، قال خَلَفُ بنُ تميم: سمعتُ من الثَّوريِّ عشرةَ آلافِ حديثٍ، أو نحوَها، فكنتُ أَستفهمُ جليسيَ، فقلتُ لزائدةَ: فقالَ لي: لا تُحَدِّثْ منها إلاّ بما تحفَظُ بقلبِكَ وسَمْع أُذُنِكَ. قالَ: فألْقَيْتُهَا.
٤٢٩ وَ(خَلَفُ بْنُ سَاِلمٍ) قَدْ قال: نَا إِذْ فَاتَهُ حَدَّثَ مِنْ حَدَّثَنَا
٤٣٠ مِنْ قَوْلِ سُفْيَانَ، وَسُفْيَانُ اكْتَفَى بِلَفْظِ مُسْتَمْلٍ عَنِ الْمُمْلِى اقْتَفَى
٤٣١ كَذَاكَ (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أَفْتَى: إِسْتَفْهمِ الَّذِي يَلِيْكَ، حَتَّى
٤٣٢ رَوَوْا عَنِ (الأَعْمَشِ): كُنَّا نَقْعُدُ (لِلنَّخَعِيْ) فَرُبَّمَا قَدْ يَبْعُدُ
٤٣٣ البَعْضُ - لاَ يَسْمَعُهُ - فَيسأَلُ البَعْضَ عَنْهُ، ثَمَّ كُلٌّ يَنْقُلُ
٤٣٤ وَكُلُّ ذَا تَسَاهُلٌ، وَقَوْلُهُمْ: يَكْفِيِ مِنَ الْحَدِيْثِ شَمُّهُ، فَهُمْ
٤٣٥ عَنَوا إذا أَوَّلَ شَيءٍ سُئِلاَ عَرَفَهُ، وَمَا عَنَوْا تَسَهُّلاَ
[ ١ / ٤١١ ]
نا
قالَ الخطيبُ: بلغني عَنْ خَلَف بنِ سالمٍ الْمُخَرِّميِّ، قالَ: سمعتُ ابنَ عُيينةَ يقولُ: (نا) عمرُو بنُ دينارٍ، يريدُ: حَدَّثَنَا، فإذا قيِلَ له: قُلْ: حَدَّثَنَا عمرٌو، قالَ: لا أَقولُ لأَنِّي لم أَسْمَعْ مِنْ قولِهِ -حَدَّثَنَا- ثلاثَةَ أحْرُفٍ؛ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ، وهي ح د ث. وعن ابنِ عُيينةَ أَنهُ قالَ له أبو مُسْلِمٍ الْمُسْتَمْلي: إنَّ الناسَ كثيرٌ لا يسْمَعُونَ. قالَ: تسمعُ أَنْتَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأَسْمِعْهُم. قالَ: وهذا هوَ الذي عليهِ العملُ،
أي: أنَّ مَنْ سَمِعَ الْمُسْتَمْلي دونَ سَماعِ لفظِ المُمْلي جازَ له أَنْ يَرْوِيَهُ عن المُمْلي كالعَرْضِ، سواءٌ؛ لأَنَّ الْمُسْتَمْلي في حُكْمِ مَنْ يقرأُ على الشيخِ ويعرِضُ حديثَهُ عليه ولكن يُشْتَرَط أَنْ يَسْمعَ الشيخُ المُمْلي لَفْظَ الْمُسْتَمْلي، كالقارئِ عليه. ومَعَ هذا فليسَ لِمَنْ لم يسمعْ لفظَ المُمْلي أَنْ يقول: سمعْتُ فلانًا يقولُ - كما تقدَّمَ في العَرْض - سواءٌ، ولكنَّ الأَحوطَ أن يُبَيِّنَ حالةَ الأَداءِ أنَّ سماعَهُ لذلكَ، أو لبعضِ الأَلفاظِ، من الْمُسْتَمْلي، كما فَعَلَهُ الإمامُ أبو بكرِ بنُ خُزيمةَ، وغيرُهُ من الأَئِمَّةِ.
[ ١ / ٤١٢ ]
وقالَ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنُ عَمَّارٍ الموْصليُّ: ما كتبتُ قطُّ مِنْ في المُسْتَمْلي، ولا التفَتْتُ إليهِ، ولا أَدْري أَيَّ شيءٍ يقولُ، إنَّما كنتُ أكتبُ عن فِي المحُدِّثِ. وأمَّا قولُ حَمَّادِ بنِ زيدٍ لمن استفهَمَهُ، كيف قُلتَ؟ فقالَ: استفهِم الذي يليكَ. وقولُ الأعمَشِ: كُنَّا نجلسُ إلى إبراهيمَ النخعيِّ فتتسعُ الحلقةُ فَرُبَّمَا يُحَدِّثُ بالحديثِ فلا يسمَعُهُ مَنْ تَنَحّى عنهُ، فَيَسْأَلُ بعضُهُم بَعْضًَا، عمَّا قالَ، ثُمَّ يروُونَهُ عنهُ، وما سمعُوهُ منهُ، فهذا وما أشبههُ تساهلٌ ممنْ فَعلَهُ، وقد قالَ أبو زُرْعَةَ - بعدَ أَنْ رَوَى حكايةَ الأعمشِ هذهِ-: رأيتُ أبا نُعَيمٍ لا يُعْجِبُهُ هذا، ولا يَرْضَى به لنفسِهِ، وأَمَّا قولُ عبدِ الرحمنَ بنِ مهديٍّ: يكفيكَ من الحديثِ شَمُّهُ، فقال حمزة بنُ محمدٍ الكنانيُّ: إنَّهُ يعني بهِ إذا سُئِلَ عن أوَّلِ شيءٍ عَرَفَهُ، وليسَ يعني التسهيلَ في السماعِ.
[ ١ / ٤١٣ ]
السماع من وراء حجاب،
٤٣٦ وَإِنْ يُحَدِّثْ مِنْ وَرَاءِ سِتْرِ - عَرَفْتَهُ بِصَوْتِهِ او ذِي خُبْرِ -
٤٣٧ صَحَّ، وَعَنْ شُعْبَةَ لاَ تَرْوِ لَنَا إنَّ بِلاَلًا، وَحَدِيْثُ أُمِّنَا
يَصحُّ السَّماعُ من وراءِ حجابٍ، إذا عرفَ صَوْتَ المحدِّثِ، أو اعتمدَ في معرفةِ صوتِهِ وحضورِهِ على خَبرِ ثقةٍ مِنْ أَهْلِ الخبرَةِ بالمحدِّثِ، وقالَ شعبةُ: إذا حدَّثَكَ المحدِّثُ فلمْ تَرَ وَجْهَهُ فلا تروِ عنهُ، فلَعَلَّهُ شيطانٌ قد تَصَوَّرَ في صورتِهِ، يقولُ: حَدَّثَنَا وأمرنا.
وقولي لنا إنَّ بلالًا إلى آخرِهِ، أي الْحُجَّةُ لنا في صحةِ السماعِ من وراءِ حِجَابٍ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ الْمُتَّفَقُ عليهِ أَنَّ النبي - ﷺ - قال إنَّ بلالًا يُؤَذِّنُ بليلٍ
[ ١ / ٤١٤ ]
سمع من شيخ حديثا ثم قال له: لا تروه عني،
فكلُوا واشربُوا حتى تسمعُوا آذانَ ابنِ أُمِّ مكتومٍ فأَمَرَ بالاعتمادِ على صوتِهِ مع غَيْبَةِ شَخْصِهِ عمَّنْ يَسْمَعَهُ وكذلكَ حديثُ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ وغيرِها مِن أُمَّهاتِ المؤمنينَ كنَّ يُحدِّثْنَ مِنْ وراءِ حجابٍ، وينقلُ عنهنَّ مَنْ سمعَ ذلكَ، واحْتَجَّ به في الصحيحِ. وهذا معنى قولي: (وحديثُ أُمِّنَا) .
٤٣٨ وَلاَ يَضُرُّ سَامِعًا أنْ يَمْنَعَهْ الشَّيْخُ أَنْ يَرْوِيَ مَا قَدْ سَمِعَهْ
٤٣٩ كَذَلِكَ التَّخْصِيْصُ أو رَجَعْتُ مَاَ لمْ يَقُلْ: أَخْطَأْتُ أو شَكَكْتُ
إذا سمعَ من شيخٍ حديثًا ثم قال له: لا تَرْوِهِ عَنِّي، أو ما أَذنْتُ لكَ في روايتهِ عني ونحوَ ذلكَ، فلا يضرُّهُ ذلكَ ولا يمنعُهُ أَنْ يرويَهُ عنهُ. وكذلكَ إذا خصَّصَ قومًا بالسَّماعِ، وسَمِعَ غيرُهُمْ مِنْ غيرِ أَنْ يَعْلَمَ المحدِّثُ بهِ، كما صَرَّحَ بهِ الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ. وكذلكَ لوْ قالَ: إنِّي أخُبِرُكُم ولا أُخْبِرُ فلانًا فلا يضرُّ ذلكَ فلانًا في صحَّةِ سماعِهِ، وكذا إِنْ قالَ: رجعتُ عمَّا حدَّثْتُكُمُ بهِ ونحوَ ذلكَ مما لا ينفي أنَّهُ من حديثِهِ ما لم يكنِ المنعُ مُستندًا إلى أَنَّهُ أَخْطَأَ فيما حدَّثَ بهِ، أو شَكَّ في سماعِهِ ونحوِ ذلكَ، فليسَ لهُ أَنْ يرويَهُ عنهُ والحالةُ هذهِ.
[ ١ / ٤١٥ ]
وهي على تسعة أنواع:
الثَّالِثُ: الإجَاْزَةُ
٤٤٠ ثُمَّ الإِجَازَةُ تَلىِ السَّمَاعَا وَنُوّعَتْ لِتِسْعَةٍ أَنْوَاعَا
٤٤١ أرْفَعُهَا بِحَيْثُ لاَ مُنَاولَهْ تَعْيِيْنُهُ الْمُجَازَ وَالْمُجْازَ لَهْ
٤٤٢ وَبَعْضُهُمْ حَكَى اتِّفَاقَهُمْ عَلَى جَوَازِ ذَا، وَذَهَبَ (الْبَاجِيْ) إِلَى
٤٤٣ نَفْي الْخِلاَفِ مُطْلَقًَا، وَهْوَ غَلَطْ قال: وَالاخْتِلاَفُ فِي الْعَمَلِ قَطْ
٤٤٤ وَرَدَّهُ الشَّيْخُ بأَِنْ للشَّافِعِي قَوْلاَنِ فِيْهَا ثُمَّ بَعْضُ تَابِعي
٤٤٥ مَذْهَبِهِ (الْقَاضِي حُسَيْنٌ) مَنَعَا وَصَاحِبُ (الْحَاوي) بِهِ قَدْ قَطَعَا
٤٤٦ قَالاَ كَشُعْبَةٍ وَلَو جَازَتْ إِذَنْ لَبَطَلَتْ رِحْلَةُ طُلاَّبِ السُّنَنْ
٤٤٧ وَعَنْ (أبي الشَّيْخِ) مَعَ (الْحَرْبِيِّ) إِبْطَالُهَا كَذَاكَ (لِلسِّجْزِيِّ)
٤٤٨ لَكِنْ عَلى جَوَازِهَا اسْتَقَرَّا عَمَلُهُمْ، وَالأَكْثَرُوْنَ طُرَّا
٤٤٩ قَالُوا بِهِ، كَذَا وُجُوْبُ الْعَمَلِ بِهَا، وَقِيْلَ: لاَ كَحُكْمِ الْمُرْسَلِ
القسمُ الثالثُ من أَقسامِ الأَخذِ والتحمُّلِ: الإجازةُ. وهيَ دونَ السماعِ. وهيَ على تسعةِ أنواعٍ: النوعُ الأولُ: إجازةُ مُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ: كأَنْ يقول: أجزتُ لكُم، أو لفلانٍ الفلانيِّ: - ويصفُهُ بما يميّزُهُ - الكتابَ الفلانيَّ، أو ما اشتملَتْ عليهِ فِهْرِستي، ونحوَ ذلكَ. وهذا أرفعُ أنواعِ الإجازةِ المجردةِ عن المناولةِ. وسيأتي حُكْمُ المناولةِ مَعَ الإِجازةِ.
[ ١ / ٤١٦ ]
قالَ القاضي عياضٌ: «فهذهِ عندَ بعضهِمِ التي لم يُخْتَلَفْ في جوازهِا، ولا خالفَ فيه أهلُ الظاهرِ، وإِنَّما الخلافُ بينهُم في غيرِ هذا الوجهِ» . وقالَ القاضي أبو الوليدِ الباجيُّ: لا خلافَ في جوازِ الروايةِ بالإجازةِ من سلفِ هذهِ الأمةِ وخَلَفِهَا، وادَّعَى فيها الإجماعَ، ولم يُفَصِّلْ، وذَكَرَ الخلافَ في العملِ بها. فقولي: (قالَ)، أي: الباجيُّ، وما حكاهُ الباجيُّ من الإجماعِ في مُطْلَقِ الإجازةِ غَلَطٌ، قالَ ابنُ الصلاحِ: هذا باطلٌ فقدْ خالَفَ في جوازِ الروايةِ بالإجازةِ جماعاتٌ من أهلِ الحديثِ والفقهاءِ والأصوليينَ وذلكَ إِحدَى الروايتينِ عن الشافعيِّ، وقطعَ بإبطالِها القاضي حُسَيْنٌ، والماورديُّ، وبهِ قَطَعَ في كتابهِ " الحاوي " وعزاهُ إلى مذهبِ الشافعيِّ، وقالا جميعًا كما قالَ شُعبةُ: لو جازتِ الإجازةُ لبطلتِ الرِّحْلَةُ. وَمِمَّنْ قالَ بإبطالِها إبراهيمُ الْحَرْبيُّوأبو الشيخِ عبدُ اللهِ بنُ محمّدٍ الأصبهانيُّ وأبو نصرٍ الوائليُّ السجزيُّ، وأبو طاهرٍ الدَّبَّاسُ من الحنفيةِ، وأبو بكرٍ محمَّدُ بنُ ثابتٍ الخُجَنْدِيُّ من الشافعيةِ، وحكاهُ الآمديُّ، عن أبي حنيفةَ، وأبي يوسُفَ. لكنَّ الذي استقرَّ عليه العملُ، وقالَ بهِ جماهيرُ أهلِ العلمِ من أَهْلِ الحديثِ وغيرِهم: القولُ بتجويزِ الإجازةِ وإِجازةِ الروايةِ بها، وحكاهُ
[ ١ / ٤١٧ ]
الآمديُّ عن أصحابِ الشافعيِّ وأكثرِ المحدِّثينَ.
وكما تجوزُ الروايةُ بالإِجازةِ، كذلكَ يجبُ العملُ بالمرويِّ بها. وقالَ بعضُ أهلِ الظاهرِ ومَنْ تَابَعَهُمْ: لا يجبُ العملُ بهِ كالحديثِ المرسلِ، قالَ ابنُ الصلاحِ: «وهذا باطلٌ؛ لأَنَّهُ ليس في الإِجازةِ ما يقدحُ في اتِّصَالِ المنقولِ بها وفي الثقةِ بهِ»، واللهُ أَعْلَمُ.
٤٥٠ وَالثَّانِ: أَنْ يُعَيِّنَ الْمُجَازَ لَهْ دُوْنَ الْمُجَازِ، وَهْوَ أَيْضًَا قَبِلَهْ
٤٥١ جُمْهُوْرُهُمْ رِوَايَةً وَعَمَلاَ وَالْخُلْفُ أَقْوَى فِيْهِ مِمَّا قَدْ خَلاَ
النوعُ الثاني منْ أَنواعِ الإِجازةِ: أَن يُعَيِّنَ الشخصَ المجُازَ له دونَ الكتابِ المجازِ، فيقول: أجزتُ لك جميعَ مسموعاتي، أو جميعَ مرويَّاتي، وما أَشْبَهَ ذلكَ. والجمهورُ على تجويزِ الروايةِ بها، وعلى وُجوبِ العملِ بما رُوِيَ بها بشرطِهِ، ولكنَّ الخلافَ في هذا النوعِ أَقوى مِنَ الخلافِ في النوعِ المتُقدِّمِ.
٤٥٢ وَالثَّالِثُ: التَّعْمِيْمُ فِي الْمُجَازِ لَهُ، وَقَدْ مَالَ إِلى الْجَوَازِ
٤٥٣ مُطْلَقًَا (الْخَطِيْبُ) (وَابْنُ مَنْدَهْ) ثُمَّ (أبو الْعَلاَءِ) أَيْضًَا بَعْدَهْ
٤٥٤ وَجَازَ لِلْمَوْجُوْدِ عِنْدَ (الطَّبَرِيْ) وَالشَّيْخُ لِلإِبْطَالِ مَالَ فَاحْذَرِ
والنوعُ الثالثُ من أنواعِ الإجازةِ: أَنْ يَعُمَّ المجُازَ لهُ فلا يُعيِّنُهُ، كأجزْتُ للمسلمينَ، أو لكلِّ أَحدٍ، أو لِمنْ أدْرَكَ زماني، ونحوِ ذلكَ، وقد فعلَهُ أبو عبدِ الله بنُ
[ ١ / ٤١٨ ]
مَنْدَه، فقالَ: أجزتُ لمنْ قالَ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ. وجَوَّزهُ أيضًا الخطيبُ وحكى الحازميُّ عَمَّنْ أَدرَكَهُ من الحفَّاظِ كأبي العلاءِ الحسنِ بنِ أحمدِ العطارِ الهمدانيِّ وغيرِهِ: أنَّهُم كانوا يميلون إلى الجوازِ. وحكى الخطيبُ عن القاضي أبي الطيِّبِ الطبريِّ: أَنَّهُ جوَّزَ الإجازةَ لجميعِ المسلمينَ مَنْ كان منهُم موجودًا عند الإِجازةِ. قال ابنُ الصلاحِ: ولم نَرَ، وَلَم نَسْمَعْ عن أَحدٍ ممَّن يُقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ هذهِ الإجازةَ، فَرَوَى بها، ولا عن الشِرْذِمَةِ المُستأخِرَةِ الذين سوَّغوها. والإجازةُ في أَصْلِها ضعيفةٌ وتزدادُ بهذا التوسُّعِ والاسترسالِ ضَعْفًَا كثيرًا، لا ينبغي احتمالُهُ. قلتُ: مِمَّنْ أَجازَها أبو الفضلِ أحمدُ بنُ الحسينِ بنِ خَيْرُونَ البغداديُّ، وأبو الوليدِ بنُ رُشدٍ المالِكيُّ، وأبو طاهرٍ السِّلَفِيُّ، وغيرُهم. ورجَّحَهُ أبو عمرِو بنُ الحاجبِ، وصحَّحَهُ النَّوَوِيُّ من زياداتِهِ فِي "الرَّوضةِ". وقد جَمعَ بعضُهم مَنْ أَجَازَ هذهِ الإجازةَ العامّةَ في تصنيفٍ لهُ، جَمَعَ فيه خَلقًا كثيرًا رتَّبَهُم على حروفِ المُعْجَمِ؛ لكَثرتِهِم، وهُو الحافظُ أبو جَعْفَرٍ محمدُ بنُ الحسينِ ابنِ أبي البدرِ الكاتبِ البغداديُّ، ومِمَّنْ حَدَّثَ بِهَا مِنَ الحُفَّاظِ: أبو بكرِ بنُ خيرٍ الإشبِيليُّ، ومن الحفَّاظِ المتأخرينَ: الحافظُ شرفُ الدينِ عبدُ المؤمنِ بنُ خَلَفٍ الدمياطيُّ، بإجازَتِهِ العامةِ من المؤيِّدِ الطوسيِّ.
وسمعَ بِهَاالحفَّاظُ: أبو الحجَّاجِ المِزِّيُّ، وأبو عبدِ اللهِ الذهبيُّ، وأبو محمدٍ البِرْزَاليُّ عَلَى الركْنِ الطَّاوسي بإجازتِهِ العامَّةِ من أبي جعفرٍ
[ ١ / ٤١٩ ]
الصَّيدلانيِّ وغَيرِهِ. وقرأَ بِهَا الحافظُ أبو سعيدٍ العلائيُّ عَلَى أبي العباسِ بنِ نعمةَ بإجازتهِ العامَّةِ من داودَ بنِ مَعْمَرِ بنِ الفاخرِ. وقرأْتُ بِهَا عدَّةَ أجزاءٍ عَلَى الوجيهِ عبدِ الرحمنِ العوفيِّ بإجازتِهِ العامَّةِ من عبدِ اللَّطيفِ بنِ القُبَّيْطِيِّ، وأبي إسحاقَ الكَاشْغَرِيِّ، وابنِ رواجِ، والسِّبْطِ، وآخرينَ من البغداديِّينَ والمصريِّينَ. وفي النفسِ من ذَلِكَ شئٌ وأنا أَتوقفُ عن الروايةِ بِهَا، وأهلُ الحديثِ يقولونَ: إذا كتبتَ فَقَمِّشْ، وإذا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ.
٤٥٥ وَمَا يَعُمُّ مَعَ وَصْفِ حَصْرِ كَالْعُلَمَا يَوْمَئِذٍ بِالثَّغْرِ
٤٥٦ فَإِنَّهُ إِلى الْجَوَازِ أَقْرَبُ قُلْتُ (عِيَاضٌ) قالَ: لَسْتُ أَحْسِبُ
٤٥٧ فِي ذَا اخْتِلاَفًَا بَيْنَهُمْ مِمَّنْ يَرَى إِجَازَةً لِكَوْنِهِ مُنْحَصِرَا
والإجازةُ العامَّةُ إذا قُيِّدَتْ بوصفٍ حاصرٍ، فهي إلى الجوازِ أقربُ. قالهُ ابنُ الصلاحِ، وَمثَّلَهُ القاضي عِياضٌ بقولهِ: أجزتُ لِمَنْ هوَ الآنَ من طلبةِ العلمِ ببلدِ
[ ١ / ٤٢٠ ]
كذا، أو لِمَنْ قرأَ علَيَّ قبلَ هذَا. وقالَ: فما أَحسَبُهُم اختلفوا في جَوَازِهِ ممَّنْ تَصحُّ عندَهُ الإجازةُ، ولا رأيتُ مَنْعَهُ لأَحدٍ؛ لأَنَّهُ محصورٌ موصوفٌ كقولهِ، لأولادِ فلانٍ، أو إخوةِ فلانٍ.
٤٥٨ وَالرَّابعُ: الْجَهْلُ بِمَنْ أُجِيْزَ لَهْ أو مَا أُجِيْزَ كَأَجَزْتُ أَزْفَلَهْ
٤٥٩ بَعْضَ سَمَاَعاِتي، كَذَا إِنْ سَمَّى كِتَابًا او شَخْصًَا وَقَدْ تَسَمَّى
٤٦٠ بِهِ سِوَاهُ ثُمَّ لَمَّا يَتَّضِحْ مُرَادُهُ مِنْ ذَاكَ فَهْوَ لاَ يَصِحْ
٤٦١ أَمَّا الْمُسَمَّوْنَ مَعَ الْبَيَانِ فَلاَ يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَانِ
٤٦٢ وَتَنْبَغِي الصِّحَّةُ إِنْ جَمَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ عَدٍّ وَتَصَفُّحٍ لَهُمْ
والنوعُ الرابعُ من أنواعِ الإِجازةِ: الإِجازَةُ للمجهولِ، أو بالمجهولِ. فالأولُ كقولهِ: أجزتُ لجماعةٍ من الناسِ مسموعاتي. والثاني كقولِهِ: أجزتُ لَكَ بعضَ مَسْمُوْعَاتي. وقد جمعْتُ مثالَ الْجَهْلِ فيهما في مثالٍ واحدٍ، وهو: أجزتُ أَزْفَلَةً بعضَ مَسْمُوْعَاتي. والأَزْفَلةُ - بفتحِ الهمزةِ وإِسكانِ الزاي وفتحِ الفاءِ -: الجماعةُ مِنَ الناسِ. ومنه: أَنَّ عائِشةَ ﵂ أَرسلَتْ إلى أَزْفَلَةٍ من الناسِ، وذلك في قِصَّةِ خُطبةِ عائشةَ في فضلِ أبيهَا. ومِنْ أَمثلةِ هذا النوعِ: أَنْ يُسَمِّيَ شخصًا، وقد تَسَمَّى به غيرُ واحدٍ في ذلكَ الوقتِ كأجزتُ لمحمدِ بنِ خالدٍ الدِّمَشْقيِّ - مثلًا - ويُسَمِّي كتابًا، كنحوِ: أجزتُ
[ ١ / ٤٢١ ]
لك أَنْ تَرويَ عَنِّي كتابَ السننِ وهُو يروي عدةً من السننِ المعروفةِ بذلك، ولم يَتِّضحْ مرادُهُ في المسألتينِ، فإِنَّ هذهِ الإجازةَ غيرُ صحيحةٍ. أَمَّا إذا اتَّضَحَ مرادُه بقرينةٍ بأَنْ قيلَ لهُ: أجزتَ لمحمَّدِ بنِ خالدِ بنِ عليِّ بنِ محمودٍ الدمشقيِّ - مثلًا - فحيثُ لا يلتبسُ فقالَ: أجزتُ لمحمدِ بنِ خالدٍ الدِّمَشْقِيِّ، أو قِيْلَ لَهُ: أجزْتَ لي روايةَ كتابِ السننِ لأبي داودَ - مثلًا - فقالَ: أجزتُ لكَ روايةَ السُّننِ. فالظاهرُ صحَّةُ هذهِ الإجازةِ، وأَنَّ الجوابَ خَرَجَ عَلَى الْمَسْؤُوْلِ عنهُ. وكذلكَ إذا سُمِّيَ للشَّيخِ المسؤولِ منهُ المجَازَ لهُ معَ البيانِ المزيلِ للاشتباهِ، ولكنَّ الشيخَ لا يعرفُ المسؤولَ لهُ بلْ يجهلُ عينَهُ، فلا يَضُرُّ ذلكَ، والإجازةُ صحيحةٌ.
كما لا يُشترَطُ معرفَةُ الشيخِ بِمَنْ سمعَ من الشَّيخِ، وإذا سُئِلَ الشيخُ الإجازةَ لجمَاعةٍ مُسمَّيْنَ مع البيانِ في استدعاءِ كما جرتْ بهِ العادةُ فأجازَ لهم مِنْ غيرِ معرفةٍ بهم، ولم يَعْرِفْ عددَهم ولا تصفَّحَ أسماءَهُم واحدًا واحدًا. قال ابنُ الصلاحِ: فينبغي أَنْ يَصحَّ ذلكَ أيضًا كما يصحُّ سماعُ مَنْ سمعَ منهُ على هذا الوصفِ.
٤٦٣ وَالْخَامِسُ: التَّعْلِيْقُ فِي الإِجَازَهْ بِمَنْ يَشَاؤُهَا الذَّيِ أَجَازَهْ
٤٦٤ أو غَيْرُهُ مُعَيَّنًَا، وَالأُولَى أَكْثَرُ جَهْلًا، وَأَجَازَ الْكُلاَّ
٤٦٥ مَعًَا (أبو يَعْلَى) الإِمَامُ الْحَنْبَلِيْ مَعَ (ابْنِ عُمْرُوْسٍ) وَقَالاَ: يَنْجَلِي
٤٦٦ الْجَهْلُ إِذْ يَشَاؤُهَا، وَالظَّاهِرُ بُطْلاَنُهَا أَفْتَى بِذَاك (طَاهِرُ)
٤٦٧ قُلْتُ: وَجَدْتُ (ابنَ أبي خَيْثَمَةِ) أَجَازَ كَالَّثانِيَةِ الْمُبْهَمَةِ
٤٦٨ وَإِنْ يَقُلْ: مَنْ شَاءَ يَرْوِي قَرُبَا وَنَحْوَهُ (الأَزْدِي) مُجِيْزًَا كَتَبَا
٤٦٩ أَمَّا: أَجَزْتُ لِفُلاَنٍ إِنْ يُرِدْ فَالأَظْهَرُ الأَقْوَى الْجَوَازُ فَاعْتَمِدْ
[ ١ / ٤٢٢ ]
النوعُ الخامسُ من أنواعِ الإجازةِ: الإجازةُ المعُلَّقةُ بالمَشِيئةِ. ولم يُفردْ ابنُ الصلاحِ هذا بنوعٍ وأدخلَهُ في النوعِ قبلَهُ، وقال: فيهِ جهالةٌ وتعليقٌ بشرطٍ. وأفردتُهُ بنوعٍ، لأَنَّ بعضَ الأجائِزِ المعلَّقةِ لا جهالةَ فيها كما ستقفُ عليهِ هنا؛ وذلك لأَنَّ التعليقَ قد يكونُ مع إِبهام المُجَازِ، أو مع تعيينِهِ، وقد يُعَلَّقُ بمشيئةِ المُجازِ، وقد يُعَلَّقُ بمشيئةِ غيرِه مُعَّينًا، وقد يكونُ التعليقُ لنفسِ الإجازةِ، وقد يكونُ للروايةِ بالإجازةِ. فأمَّا تعليقُها بمشيئةِ المجازِ مبهمًا، كقولهِ: مَنْ شاءَ أَنْ أُجِيزَ له فقدْ أَجزتُ له، أَو أَجزتُ لمنْ شاءَ فهو كتعليقِها بمشيئةِ غيرِه، وسيأتي حكمُهُ. قال ابنُ الصلاحِ: بلْ هَذِهِ أكثرُ جهالةً وانتشارًا من حيثُ إنَّها معلقةٌ بمشيئةِ من لا يُحَصرُ عددُهم بخلافِ تعليقِها بمشيئةِ معيَّنٍ. وأما تعليقُها بمشيئةِ غيرِ المجازِ: فإِنْ كان المُعَلَّقُ بمشيئتِهِ مبهمًا فهذهِ باطلةٌ قطعًا، كقولهِ: أَجَزْتُ لِمَنْ شاءَ بعضُ الناسِ أَنْ يرويَ عنِّي، وإِنَ كانَ مُعَّينًا، كقولهِ: مَنْ شاء فلانٌ أَنْ أُجيزَهُ فقد أجزتُهُ، أو أجزتُ لِمَنْ يشاءُ فلانٌ ونحوُ ذلك؛ فقد حكى الخطيبُ في جزءٍ لهُ في «الإجازةِ للمعدومِ والمجهولِ» عن أبي يعلى محمدِ بنِ الحسينِ بنِ الفراءِ الحنبليِّ وأبي الفَضْلِ محمّدِ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمْرُوسٍ: أنَّهُمَا أَجازَا ذلكَ واستُدِلَّ لهما بأنَّ هذهِ الجهالةَ ترتفعُ عندَ وجودِ المشيئةِ، ويتعَيَّنُ المُجَازُ لهُ عندَها. قالَ ابنُ الصلاحِ: والظاهرُ أَنَّه لا يصحُّ وبذلكَ أفتى القاضي أبو الطيبِ طاهرُ بنُ عبدِ اللهِ الطبريُّ إِذْ سألهُ الخطيبُ عن ذلكَ وَعَلَّلَهُ: بأَنَّهُ إجازةٌ لمجهولٍ، كقولهِ: أجزتُ لبعضِ الناسِ.
قالَ
[ ١ / ٤٢٣ ]
ابنُ الصلاحِ: وقد يُعَلَّلُ أيضًا بما فيهِ مِنَ التَّعليقِ بالشرطِ فَإِنَّ ما يَفْسُدُ بالجهالةِ يَفْسُدُ بالتعليقِ عندَ قومٍ. قلتُ: وقد وجدْتُ عن جماعةٍ من أئمةِ الحدِيثِ المتقدِّمِينَ والمتأخِّرِينَ استعمالَ هذا. فمِنَ المتقدِّمِينَ: الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ ابنُ أبي خَيْثَمَةَ زُهيرِ بنِ حَرْبٍ صاحبِ يحيى بنِ معينٍ، وصاحبِ " التاريخِ ". قالَ الإمامُ أبو الحسنِ محمَّدُ ابنُ أبي الحسينِ بنِ الوزَّانِ: أَلْفَيْتُ بخطِ أبي بكرِ ابنِ أبي خيثمةَ: قد أَجَزْتُ لأبي زكريا يحيى بنِ مَسْلَمةَ أَنْ يرويَ عَنِّي ما أَحبَّ من كتابِ " التاريخِ " الذي سمعَهُ مِنِّي أبو محمَّدٍ القاسمُ ابنُ الأصبَغِ، ومحمدُ بنُ عبدِ الأعلى، كما سمعاهُ مِنِّي. وأذنتُ له في ذلكَ ولِمَنْ أحبَّ من أصحابهِ فإن أحبَّ أَنْ تكونَ الإجازةُ لأحدٍ بعدَ هذا فأنا أجزتُ له ذلك بكتابي هذا وكَتَبَ أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي خيثمةَ بيدِهِ في شَوَّالٍ منْ سنةِ ستٍّ وسبعينَ ومائتينِ. وكذلكَ أجازَ حفيدُ يعقوبَ بنِ شيبةَ، وهذه نسختُها - فيما حكاهُ الخطيبُ - يقولُ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يعقوبَ بنِ شيبةَ: قد أجزتُ لعمرَ بنِ أحمدَ الخلاَّلِ وابنِهِ عبدِ الرحمن بنِ عُمَرَ وَلِخَتَنِهِ عليِّ بنِ الحسنِ جميعَ ما فاتَهُ من حَدِيْثِي، مِمَّا لَمْ يُدْرِكْ سماعَهُ من المُسْنَدِ وغيرِهِ، وقد أجزتُ ذلكَ لِمَنْ أَحَبَّ عمرُ فلْيَرْوُوهُ عَنِّي إِنْ شَاؤُوا. وكَتَبْتُ لهم ذلكَ بخطِّي في صَفَرٍ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وثلاثينَ وثلاثمائةٍ. قالَ الخطيبُ بعدَ حكايةِ هذا: ورأيتُ مثلَ
[ ١ / ٤٢٤ ]
هذهِ الإجازةِ لبعضِ المتقدمينَ، إلاَّ أَنَّ اسمَهُ ذهبَ من حفظِي. انتهى. وكأَنَّه أرادَ بذلكَ ابنَ أبي خيثمةَ، واللهُ أعلمُ.
وأمَّا إذا كانَ الْمُعَلَّقُ هُوَ الروايةَ كقولهِ: أجزتُ لمنْ شاءَ الروايةَ عنِّي، أَنْ يرويَ عنِّي، فقالَ ابنُ الصَّلاحِ: هذا أَولى بالجوازِ من حيثُ إِنَّ مُقْتَضَى كُلِّ إِجازةٍ تفويضُ الروايةِ بها إلى مشيئةِ المجُازِ لَهُ، فكانَ هذا مَعَ كونِهِ بصيغةِ التعليقِ تصريحًا بما يقتضيهِ الإطلاقُ، وحكايةً للحالِ، لا تعليقًا في الحقيقةِ. قالَ: ولهذا أجازَ بعضُ أَئِمَّةِ الشَّافعيِّيْنَ في البيعِ أن يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هذا بكذا إِن شئتَ، فيقولُ: قَبِلْتُ. قُلْتُ: الفَرْقُ بَيْنَهُمَا تَعْيِيْنُ الْمُبتاعِ هنا، بخلافِهِ في الإجازةِ، فإنَّهُ مُبْهَمٌ. نَعَمْ.. وِزَانُهُ في الإجازةِ أَنْ يقولَ: أجزتُ لك أَنْ ترويَ عَنِّي إِنْ شئتَ الروايةَ عنِّي. وأمَّا المثالُ الذي ذكرهُ فالتعليقُ وإِنْ لم يَضُرَّهُ فالجهالةُ مُبطِلةٌ لَهُ. وكذلكَ ما وُجِدَ بخطِ أبي الفتحِ الأَزْدِيِّ: أجزتُ روايةَ ذلكَ لجميعِ مَنْ أَحبَّ أَنْ يرويَ ذلكَ عنِّي. وأمَّا تعليقُ الروايةِ مَعَ التصريحِ بالمجُازِ لَه وتعيينِهِ، كقولِهِ: أجزتُ لكَ كذا وكذا إِنْ شئتَ روايتَهُ عَنِّي، أو أَجَزْتُ لكَ إِنْ شِئْتَ أَنْ ترويَ عَنِّي، أو أجزْتُ لفلانٍ إِنْ شَاْءَ الروايةَ عَنِّي، ونحوَ ذلكَ؛ فالأظهرُ الأقوى أَنَّ ذلك جائزٌ إذْ قد انتفتْ فيه الجَهالةُ، وحقيقةُ التعليقِ، وَلَمْ يَبْقَ سوى صِيغتِهِ.
فقولي: (إنْ يرد)، أي: إنْ يُرِدِ الروايةَ يَدُلُّ عليهِ قولي في البيتِ قبلَهُ: (مَنْ شاءَ يَرْوِي)، ويجوزُ أنْ يُرَادَ الأمرانِ معًا، أي: إِنْ أرادَ الروايةَ، أو الإجازة. والظاهرُ: أنَّهُ لا فرقَ وإِنْ لَمْ يُصَرِّحِ ابنُ الصَّلاحِ بتعليقِ الإِجازةِ في الْمُعَيَّنِ فتعليلُهُ وبعضُ أمثلتِهِ يقتضي الصحَّةَ فيه لعمومِهِ.
[ ١ / ٤٢٥ ]
٤٧٠ وَالسَّادِسُ: الإِذْنُ لِمَعْدُوْمٍ تَبَعْ كَقَوْلِهِ: أَجَزْتُ لِفُلاَنِ مَعْ
٤٧١ أَوْلاَدِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهْ حَيْثُ أَتَوْا أَوْ خَصَّصَ الْمَعْدُوْمَ بِهْ
٤٧٢ وَهْوَ أَوْهَى، وَأَجَازَ الأَوَّلاَ (ابْنُ أبي دَاوُدَ) وَهْوَ مُثِّلاَ
٤٧٣ بِالْوَقْفِ، لَكِن (أَبَا الطَّيِّبِ) رَدْ كِلَيْهِمَا وَهْوَ الصَّحِيْحُ الْمُعْتَمَدْ
٤٧٤ كَذَا أبو نَصْرٍ. وَجَازَ مُطْلَقَا عِنْدَ الْخَطِيْبِ وَبِهِ قَدْ سُبِقَا
٤٧٥ مِنِ ابْنِ عُمْرُوْسٍ مَعَ الْفَرَّاءِ وَقَدْ رَأَى الْحُكْمَ عَلى اسْتِوَاءِ
٤٧٦ فِي الْوَقْفِ في صِحَّتِهِ مَنْ تَبِعَا أَبَا حَنِيْفَةَ وَمالِكًا مَعَا
والنوعُ السادسُ من أنواعِ الإِجازة: الإِجازةُ للمعدومِ، وهي على قسمينِ:
الأولُ: أَنْ يَعْطِفَ المعدومَ على الموجودِ، كقولهِ: أجزتُ لفلانٍ ولولدهِ وعَقِبهِ ما تَنَاسَلُوا، أو أجزتُ لكَ ولمنْ يولدُ لكَ، ونحوِ ذلكَ. وقد فعلَهُ أبو بكرٍ عبدُ الله ابنُ أبي داودَ السجستانيُّ، وقد سُئِلَ الإجازةَ، فقالَ: قَدْ أجزتُ لكَ ولأولادكَ ولِحَبَلِ الْحَبَلةِ، يعني: الذينَ لَمْ يُوْلَدُوا بَعْدُ.
[ ١ / ٤٢٦ ]
والقسمُ الثاني: أَنْ يُخصِّصَ المعدومَ بالإجازةِ من غَيْرِ عَطْفٍ على موجودٍ، كقولهِ: أجزتُ لمنْ يُولدُ لفلانٍ، وهو أضعفُ من القسمِ الأولِ والأولُ أَقربُ إلى الجوازِ، وقد شُبِّهَ بالوقفِ على المعدومِ. وقد أجازهُ أصحابُ الشافعيِّ في القسمِ الأولِ دونَ الثاني، وحَكَى الخطيبُ عن القاضي أبي الطيبِ الطبريِّ: أَنَّهُ منعَ صِحَّةَ الإجازةِ للمعدومِ مطلقًا، قالَ: وقدْ كانَ قالَ لي قديمًا: إِنَّه يَصحُّ. وحكى ابنُ الصلاحِ عن أبي نَصْرِ بنِ الصَّبَّاغِ: أنَّهُ بَيَّنَ بُطلانَها، قالَ ابنُ الصلاحِ: وذلكَ هوَ الصحيحُ الذي لا ينبغي غيرُهُ؛ لأَنَّ الإِجازةَ في حُكمِ الإِخبارِ جملةً بالمُجازِ، فكما لا يصحُّ الإخبارُ للمعدومِ، لا تصحُ الإِجازةُ لهُ. وأَجازَ الخطيبُالإجازةَ للمعدومِ مطلقًا، وحَكَاهُ عن أبي يعلى بنِ الفَرَّاءِ وأبي الفَضْلِ بنِ عُمْرُوْسٍ، وقالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أجازهُ معظَمُ الشُّيُوْخِ المتأخِّرِينَ. قالَ: وبهذَا اسْتَمَرَّ عَمَلُهُمْ بَعدُ شرقًا وغربًا. انتهى وحَكَى الخطيبُ: أَنَّ أصحابَ أبي حنيفةَ ومالكٍ، قَدْ أَجَازُوا الوَقْفَ عَلَى المعدومِ، وإِنْ لَمْ يكنْ أصلُهُ موجودًا حالَ الإيقافِ، مثلَ أَنْ يقولَ: وقفتُ هَذَا عَلَى مَنْ يُولد لفلانٍ وإِن لَمْ يَكُنْ وَقَفَهُ عَلَى فلانٍ.
٤٧٧ وَالسَّاِبعُ: الإِذْنُ لِغَيْرِ أَهْلِ لِلأَخْذِ عَنْهُ كَافِرٍ أو طِفْلِ
٤٧٨ غَيْرِ مُمَيِزٍ وَذَا الأَخِيْرُ رَأَى (أَبُو الطَّيِّبِ) وَالْجُمْهُوْرُ
٤٧٩ وَلَمْ أَجِدْ فِي كَافِرٍ نَقْلًا، بَلَى بِحَضْرَةِ (الْمِزِّيِّ) تَتْرَا فُعِلا
[ ١ / ٤٢٧ ]
٤٨٠ وَلَمْ أَجِدْ فِي الْحَمْلِ أَيْضًَا نَقْلاَ وَهْوَ مِنَ الْمَعْدُوْمِ أولَى فِعْلاَ
٤٨١ وَ(لِلْخَطِيْبِ) لَمْ أَجِدْ مَنْ فَعَلَهْ قُلْتُ: رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ قَدْ سَأَلَهْ
٤٨٢ مَعْ أبويْهِ فَأَجَازَ، وَلَعَلْ مَا اصَّفَّحَ الأَسماءَ فِيْهَا إِذْ فَعَلْ
٤٨٣ وَيَنْبَغِي الْبِنَا عَلى مَا ذَكَرُوْا هَلْ يُعْلَمُ الْحَمْلُ؟ وَهَذَا أَظْهَرُ
والنوعُ السابعُ من أنواعِ الإجازةِ: الإجازةُ لمنْ ليسَ بأهلٍ حِيْنَ الإجازةِ للأَدَاءِ والأخذِ عنهُ، وذلكَ يشملُ صُورًا لَمْ يذكرِ ابنُ الصلاحِ مِنْهَا إلاَّ الصبيَّ، وَلَمْ يُفْرِدْهُ بنوعٍ، بلْ ذَكَرَهُ في آخرِ الكلامِ عَلَى الإجازةِ للمعدومِ، وزدتُ عليهِ في النَّظْمِ الإجازةَ للكافرِ. فأمَّا الإجازةُ للصبيِّ فَلاَ يخلوا إِمَّا أنْ يكونَ مُمَيَّزًَا أو لا، فإنْ كَانَ مُمَيِّزًا فالإجازةُ لَهُ صحيحةٌ كسماعهِ، وإن تَقَدَّمَ نقلُ خلافٍ ضعيفٍ في صحةِ سماعهِ فإنَّهُ لا يُعْتَدُّ بهِ. وإنْ كَانَ غيرَ مُمَيِّزٍ، فاختُلِفَ فيهِ. فَحَكَى الخطيبُ: أنَّ بعضَ أصحابِنَا قالَ: لا تصحُّ الإجازةُ لمنْ لا يصحُّ السماعُ لهُ. قالَ: وسألتُ القاضيَ أبا الطيبِ الطبريَّ، هلْ يُعتبرُ في صِحَّتِهَا سِنُّهُ أو تمييزُهُ كَمَا يعتبرُ ذلكَ في صحَّةِ سماعِهِ؟ فقالَ: لا يُعتبرُ ذلكَ. فذكرَ له الخطيبُ قولَ بعضِ أصحابِنا المتقدّمِ فقالَ: يصحُّ أَنْ يُجيزَ للغائبِ ولا يصحُّ سماعُهُ. قالَ الخطيبُ: وعلى هذا رأينا كافةَ شيوخِنا يجيزونَ للأطفالِ الغُيَّبِ عنهم مِن غيرِ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مَبْلَغِ أسْنَانِهِم، وحَالِ تمييزِهِم. واحْتَجَّ لذلكَ بأَنَّ الإجازةَ إنَّما هيَ إباحةُ المجيزِ للمُجَازِ لهُ، أَنْ يرويَ عنهُ، والإبَاحةُ تصحُّ للعاقلِ، وغيرِ العاقلِ وقالَ ابنُ الصلاحِ: وكأَنَّهُم رَأَوا الطِّفْلَ أهْلًا لتحمُّلِ هذا النوعِ ليؤدِّيَ بهِ بعدَ حصولِ أَهليتهِ لبقاءِ
[ ١ / ٤٢٨ ]
الإسنادِ.
وأمَّا الإجازةُ للكافرِ فلم أجدْ فيها نَقْلًا، وقد تَقَدَّمَ أَنَّ سماعَهُ صحيحٌ ولم أَجدْ عن أَحدٍ من المتقدِّمِيْنَ والمتأخِّرِينَ الإجازةَ للكافرِ، إلاَّ أنَّ شخصًا من الأَطباءِ بدمشقَ ممن رأيتُهُ بدمشقَ ولم أسمعْ عليهِ، يُقالُ لهُ محمَّدُ بنُ عبدِ السيدِ بنِ الدَّيَّانِ، سَمِعَ الحديثَ في حالِ يهوديتِهِ على أبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ عبدِ المؤمنِ الصوريِّ، وكتبَ اسمهُ في طبقةِ السماعِ معَ السامعينَ وأَجازَ ابنُ عبدِ المؤمن لمنْ سمعَ وهوَ من جملتهِم. وكَاْنَ السماعُ والإجازةُ بحضورِ الحافظِ أبي الحجاجِ يوسف بنِ عبدِ الرحمنِ المِزِّيِّ، وبعضُ السماعِ بقراءتهِ وذلكَ في غيرِ ما جزءٍ منها: "جزءُ ابنِ عترةَ" فلولاَ أنَّ المِزِّيَّ يرى جوازَ ذلكَ ما أَقرَّ عليهِ. ثُمَّ هَدَى اللهُ ابنَ عبدِ السيدِ المذكورِ للإِسلامِ وحَدَّثَ وسَمِعَ منهُ أصحابُنا. ومن صُوَرِ الإجازةِ لغيِر أهلِ الأداءِ الإجازةُ للمَجْنُونِ، وهيَ صحيحةٌ وقد تقدَّمَ ذكرُها في كلامِ الخطيبِ. ومِنْ صُوَرِها الإجازةُ للفاسقِ والمبتدعِ، والظاهرُ جوازُها، وأولَى من الكافرِ، فإذا زالَ المانعُ من الأَداءِ صحَّ الأداءُ، كالسماعِ سواءٌ. وأمَّا الإجازةُ للحَمْلِ فلَمْ أَجدْ فيها أيضًا نَقْلًا غيرَ أنَّ الخطيبَ قالَ: لَمْ أَرَهُم أجازُوا لمنْ لَمْ يكنْ مولودًا في الحالِ، ولم يَتَعَرَّضْ؛ لكونهِ إذا وقعَ تصحُّ أو لا؟ ولا شكَّ أَنَّهُ أولى بالصِّحَّةِ مِنَ المعدومِ. والخطيبُ يرى صحتَها للمعدومِ - كما تقدَّمَ - وقدْ رأيتُ بعضَ شيوخِنَا المتأخِّرِينَ سُئِلَ الإجازةَ لِحَمْلٍ بعدَ ذِكْرِ أبويهِ قبلَهُ وجماعةٍ معهُم، فأجازَ فيها، وهوَ الحافظُ أبو سعيدٍ العلائيُّ.
ورأيتُ بعضَ أهلِ الحديثِ قدْ احترزَ عنِ الإجازةِ لهُ، بلْ عَمَّنْ
[ ١ / ٤٢٩ ]
لَمْ يُسمَّ في الإجازةِ، وإِنْ كانَ موجودًا، فكتبَ: أجزْتُ للمسمِّيْنَ فيهِ، وهوَ المحدِّثُ الثقةُ أبو الثناءِ محمودُ بنُ خَلَفٍ المنبجيُّ. ومَنْ عَمَّمَ الإجازَةَ للحَمْلِ وغيرِهِ أَعْلَمُ وأَحفظُ وأَتقنُ. إلا أنهُ قد يُقالُ: لعلَّهُ ما اصَّفَّحَ أسماءَ الإجازةِ حتى يَعلمَ هلْ فيها حملٌ أم لا؟ فقدْ تقدَّمَ أَنَّ الإجازةَ تصحُّ وإِنْ لَمْ يَتَصَفَّحِ الشيخُ الْمُجيزُ أسماءَ الجماعةِ المسؤولِ لَهُمْ الإجازةَ. إلاَّ أَنَّ الغالبَ أَنَّ أَهْلَ الحديثِ لا يُجيزونَ إلاَّ بعدَ نَظَرِ المسؤولِ لَهُمْ، كَمَا شاهدناهُ مِنْهُمْ. قلتُ: وينبغي بناءُ الحكمِ في الإجازةِ للحملِ عَلَى الخلافِ في أَنَّ الحَمْلَ هلْ يُعْلَمُ أو لا؟ فإِن قلنا: إِنَّه لا يُعلمُ، فتكونُ كالإجازَةِ للمعدومِ ويجري فيهِ الخلافُ وإِن قُلنا: إِنَّهُ يُعْلَمُ - وهو الأَصَحُّ كما صحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ - صَحَّتِ الإجازةُ. ومعنى قولهِم: إِنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ، أي: يُعامَلُ مُعامَلةَ المعلومِ وإِلاَّ فقدْ قالَ إِمامُ الحرمينِ: لا خلافَ أَنَّهُ لا يُعلمُ وقد جزمَ بهِ الرافعيُّ بعد هذا بنحوِ صفحةٍ في أثناءِ فَرقٍ ذَكَرَهُ. وقولي: (وَهَذَا أَظْهَرُ)، أي: في أَنَّ الحملَ يُعْلمُ، وفي بناءِ الإجازةِ للحملِ على هذا الخلافِ، ففيهِ ترجيحٌ للأَمرينِ معًا.
[ ١ / ٤٣٠ ]
٤٨٤ وَالثَّامِنُ: الإِذْنُ بِمَا سَيَحْمِلُهْ الشَّيْخُ، وَالصَّحِيْحُ أَنَّا نُبْطِلُهْ
٤٨٥ وبعضُ عَصْرِيِّ عِيَاضٍ بَذَلَهْ وَ(ابْنُ مُغِيْثٍ) لَمْ يُجِبْ مَنْ سَأَلَهْ
٤٨٦ وَإِنْ يَقُلْ: أَجَزْتُهُ مَا صَحَّ لَهْ أو سَيَصِحُّ، فَصَحِيْحٌ عَمِلَهْ
٤٨٧ (الدَّارَقُطْنِيْ) وَسِواهُ أوحَذَفْ يَصِحُّ جَازَ الكُلُّ حَيْثُمَا عَرَفْ
والنوعُ الثامنُ من أنواعِ الإجازةِ: إجازةُ ما سَيَحْمِلُهُ المجُيزُ ممَّا لم يسمعْهُ قبلَ ذلكَ، ولم يتحمَّلْهُ، لِيَرْوِيَهُ الْمُجَازُ لهُ بعدَ أَنْ يتحمَّلَهُ المجُيزُ، قالَ القاضي عياضٌ في "الإلماع": «فهذا لم أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ فيهِ من المشايخِ»، قالَ: «ورأيتُ بعضَ المتأخِّرينَ والعَصْرِيينَ يَصْنَعُونَهُ، إلاَّ أَنِّي قرأتُ في فهرسةِ أبي مروانَ عبدِ الملكِ بنِ زيادةِ اللهِ الطُّبْنيِّ، قالَ: كنتُ عندَ القاضي بقُرْطُبَةَ أبي الوليدِ يونسَ بنِ مُغيثٍ، فجاءَهُ إنسانٌ فسأَلَهُ الإجازةَ لهُ بجميعِ ما رواهُ إلى تاريخِها، وما يرويهِ بَعْدُ، فلمْ يجبْهُ إلى ذلكَ، فغضبَ السائلُ، فنظرَ إليَّ يونُسُ فقلتُ لهُ: يا هذا يُعطيكَ ما لَمْ يأْخُذْ؟!! هذا محالٌ. فقالَ يُونُسُ: هذا جوابي. قالَ القاضي عياضٌ: وهذا هو الصَّحيحُ فإنَّ هذا يُخْبرُ بما لا خَبَرَ عندهُ منهُ، ويأذنُ لهُ بالحديثِ بما لَمْ يحدَّثْ بهِ بعدُ ويُبيحُ ما لا يَعْلَمُ، هلْ يصحُّ لهُ
[ ١ / ٤٣١ ]
الإذنُ فيهِ؟! فَمَنْعُهُ الصوابُ» . وقالَ ابنُ الصلاحِ: «ينبغي أنْ يُبنَى هذا على أَنَّ الإجازةَ في حُكمِ الإخبارِ بالمجُازِ جملةً، وهي إِذْنٌ. فإنْ جُعِلَتْ في حُكمِ الإخبارِ لم يصحَّ، إذْ كيفَ يخبرُ بما لا خَبرَ عندهُ منه؟ وإنْ جُعِلَتْ إذنًا انْبَنَى على الإذْن في الوكالةِ فيما لم يملكْهُ الآذنُ بعدُ. وأجازَ ذلكَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ، قالَ: والصحيحُ بطلانُ هذهِ الإجازةِ. وقالَ النوويُّ: إنَّهُ الصوابُ. وعلى هذا يتعيَّنُ على مَنْ يَرْوِي عَنْ شيخٍ بالإجازةِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ ذلكَ سمِعَه أو تحمَّلَهُ قَبْلَ الإجازةِ له.
وأمّا إذا قالَ: أجزتُ له ما صحَّ ويصِحُّ عندَه من مَسْمُوْعَاتي فهيَ إجازةٌ صحيحةٌ، وفَعَلَهُ الدَّارقطنيُّ وغيرُهُ ولهُ أنْ يرويَ عنهُ ما صحَّ عندَهُ بعدَ الإجازةِ أَنَّهُ سمعَهُ قبلَها، وكذلكَ لو لمْ يقلْ: ويصحُّ، فإنَّ المرادَ بقولهِ: مَا صَحَّ، أي: حالةَ الروايةِ، لا حالةَ الإجازةِ.
فقولي: (جَازَ الكُلُّ)، أي: ما عَرَفَ حالةَ الأداءِ أَنُّه سماعُهُ.
وقولي: بذلَهُ بذالِ معجمةٍ، أي: أعطاهُ لِمَنْ سألَهُ.
٤٨٨ وَالتَّاسِعُ: الإِذْنُ بِمَا أُجِيْزَا لِشَيْخِهِ، فَقِيْلَ: لَنْ يَجُوْزَا
٤٨٩ وَرُدَّ، وَالصَّحِيْحُ: الاعْتِمَادُ عَلَيْهِ قَدْ جَوَّزَهُ النُّقَّاْدُ
٤٩٠ أبو نُعَيْمٍ، وَكَذَا ابْنُ عُقْدَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَنَصْرٌ بَعْدَهْ
[ ١ / ٤٣٢ ]
٤٩١ وَالَى ثَلاَثًَا بإِجَازَةٍ وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ وَالَى بِخَمْسٍ يُعْتَمَدْ
٤٩٢ وَيَنْبَغِي تَأَمُّلُ الإِجازَهْ فحيثُ شَيْخُ شَيْخِهِ أَجَاْزَهْ
٤٩٣ بَلِفْظِ مَا صَحَّ لَدَيْهِ لَمْ يُخَطْ مَا صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ مِنْهُ فَقَطْ
والنوعُ التاسعُ من أنواعِ الإجازةِ: إجازةُ المجُازِ، كقولِهِ: أجزتُ لكَ مُجَازَاتي، ونحوَ ذلكَ. فمَنَعَ جوازَ ذلكَ الحافظُ أبو البركاتِ عبدُ الوهابِ بنُ المباركِ بنِ الأنماطيِّ - أحدُ شيوخِ ابنِ الجوزيِّ- وصنَّفَ جزءًا في مَنْعِ ذلكَ. وذلكَ أَنَّ الإجازةَ ضعيفةٌ؛ فيقْوَى الضَّعْفُ باجتماعِ إجازتينِ، وحكاهُ الحافظُ أبو عليٍّ البَرَدَانيُّ عن بعضِ مُنتحلي الحديثِ، وَلَمْ يُسمِّهِ، وقدْ أبهمَهُ ابنُ الصلاحِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بقولِهِ: بعضُ منْ لا يُعتدُّ بِهِ من المتأخِّرينَ، قالَ: والصحيحُ الَّذِيعليهِ العملُ أَنَّ ذلكَ جائزٌ، ولا يُشْبِهُ ذلكَما امتنعَ مِنْ توكيلِ الوكيلِ بغيرِ إذنِ المُوكِّلِ. وحَكَى الخطيبُ تجويزَهُ عن الدارقطنيِّ وأبي العباسِ بنِ عُقْدَةَ، وفعلَهُ الحاكمُ في "تأرْيخِهِ". قالَ ابنُ طاهرٍ: ولا يُعْرَفُ بين القائلينَ بالإجازةَ خلافٌ في العملِ بإجازةِ الإجازةِ، وقال أبو نُعيم: الإجازةُ على الإجازةِ قويةٌ جائزةٌ.
[ ١ / ٤٣٣ ]
وقولي: (وَنَصْرٌ) هو مبتدأٌ، خبرُه: (وَالَى ثلاثًا)، أي: بينَ ثلاثِ أجائزَ، ويجوز أَنْ يكونَ نصرٌ معطوفًا على الدارقطنيِّ، فإنَّ فِعْلَ نصرٍ له دالٌ على جوازهِ عندَهُ، وهوَ الفقيهُ: نصرُ بنُ إبراهيمَ المقدسيُّ، قالَ محمدُ بنُ طاهرٍ: سمعتُه ببيتِ المقدسِ يروي بالإجازة عنِ الإجازةِ، وربَّما تابعَ بين ثلاثٍ منها. وذكرَ أبو الفضلِ محمدُ بنُ ناصرٍ الحافظُ، أَنَّ أَبا الفتحِ ابنَ أبي الفوارسِ، حدَّثَ بجزءٍ من العلِلِ لأَحمدَ بإجازته من أبي عليًّ بنِ الصَّوَّافِ، بإجازتهِ من عبدِ الله بنِ أحمدَ، بإجازتهِ من أبيهِ. قلتُ: وقد رأَيتُ في كلامِ غيرِ واحدٍ مِنْ الأَئمة وأَهلِ الحديثِ، الزيادةَ على ثلاثِ أجائزَ، فرَوْوا بأربعِ أجائزَ متواليةٍ، وخمسٍ، وقدْ روى الحافظُ أبو محمدٍ عبدُ الكريمِ الحلبيُّ في " تاريخِ مصرَ " عن عبدِ الغنيِّ بنِ سعيدٍ الأزديِّ بخمسِ أجائزَ متواليةٍ في عدَّةِ مواضعَ. وينبغي لِمَنْ يروِي بالإِجازةِ عن الإجازَةِ، أَنْ يتأَمَّلَ كيفيةَ إجازةِ شيخِ شيخِهِ لشيخهِ، ومُقْتَضَاهَا حَتَّى لا يروي بها ما لم يندرجْ تحتها، فربما قَيَّدَهَا بعضُهم بما صحَّ عند المجازِ، أو بما سمعهُ المجيزُ فقط، أو بما حدَّثَ به من مَسْمُوْعَاتِهِ أو غيرِ ذلكَ. فإنْ كان أجازَهُ بلفظِ: أجزتُ له ما صحَّ عندَهُ من سماعاتي؛ فليسِ للمجازِ الثاني أَنْ يروي عن المجُازِ الأولِ إلاّ ما علمَ أَنَّهُ صحَّ عنده أنَّهُ مِن سماعِ شيخِهِ الأَعْلَى. ولا يَكتَفي بمجرَّدِ صحةِ الإجازة»، وكذلك إنْ قيَّدَها بسماعهِ، لم يتعدَّ إلى مجازاتهِ.
وقد غلطَ غيرُ واحدٍ من الأئمة، وعَثَرَ بسببِ هذا. فمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الإمامَ أبا عبدِ اللهِ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ محمدٍ الأَنْدَرَشِيَّ، المعروفَ بابنِ اليَتِيْمِ، - أحَد مَنْ رحلَ وجالَ
[ ١ / ٤٣٤ ]
في البلادِ، وسمعَ ببلادِ المغربِ، ومصرَ، والشامِ، والعراقِ، وخراسانَ، وأخذَ عن السِّلفيِّ وابنِ عساكرَ والسهيليِّ وابنِ بَشْكَوالَ وعبدِ الحقِّ الإشبيليِّ وخلقٍ - ذكرَ إسنادهُ في الترمذيِّ عن أبي طاهرٍ السِّلفيِّ عن أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ سعيدٍ الحدَّادِ، عن إسماعيلَ بنِ يَنَالَ الْمَحْبُوْبيِّ، عن أبي العباسِ الْمَحْبُوْبيِّ، عن الترمذيِّ، هكذا ذكرَ الحافظُ أبو جعفرِ بنُ النَّرْسِيِّ: أَنَّهُ وجدَهُ بخطِّ ابنِ اليتيمِ.
وَوَجْهُ الغَلَطِ فيهِ: أَنَّ فيهِ إجازتينِ: إحداهُما: أنَّ ابنَ يَنَالَ أجازَ للحدَّادِ، ولم يسمعْهُ منهُ. والثانيةُ: أَنَّ الحدَّادَ أجازَ للسِّلَفيِّ ما سمعَهُ فقطْ، فلم يُدْخِلْ الترمذيَّ في إجازتِهِ للسِّلَفيِّ. وذكرَ النَّرْسِيُّ: أنَّ السِّلَفِيَّ وَهِمَ في ذلكَ قديمًا ثمَّ تذكرَ ورجعَ عن هذا السندِ. قالَ: ومنْ هُنا تكَلَّمَ أبو جعفرِ بنُ الباذشِ في السِّلَفِيِّ، وعذرَ الناسُ السِّلَفِيِّ، فقدْ رجعَ عنهُ. قالَ: وتكلَّمَ الناسُ في ابنِ اليتيمِ: قالَ: وما أظنُّ الباعثَ لذلكَ إلاَّ ما ذكرتُهُ. انتهى. وقدْ بَيَّنَ السِّلَفِيُّ صورةَ إجازةِ الحدَّادِ له في " فهْرستِهِ " فيما أخبرني به محمدُ بنُ محمدِ بنِ يحيى القرشيُّ، قالَ: أخبرنا عيسى بنُ يحيى السبتيُّ، قالَ: أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ المجيدِ الصفراويُّ، أخبرني أبو طاهر السِّلَفيُّ، قال: كانَ أبو الفرجِ الحدَّادُ يرويهِ، أي: كتابَ الترمذيِّ، قالَ: ولم يُجِزْ لي ما أُجيزَ لهُ، بلْ ما سمعَهُ فقطْ، قال: كتبَ إليَّ إسماعيلُ بنُ يَنَالَ المحْبُوْبيُّ من مَرْو. انتهى.
[ ١ / ٤٣٥ ]
قلتُ: وكانَ الشيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ دقيقِ العيدِ، لا يُجيزُ روايةَ سماعِهِ كُلِّهِ بلْ يُقَيّدُهُ بما حَدَّثَ بهِ مِنْ مَسْمُوْعَاتهِ، هكذا رأيتُهُ بخطِّهِ في عِدَّةِ إجازاتٍ، ولم أَرَ لهُ إجازةً تَشملُ مسموعَهُ؛ وذلك أَنَّهُ كَاْنَ شكَّ في بعضِ سماعاتهِ فَلَمْ يحدِّثْ بِهِ وَلَمْ يُجزْهُ، وَهُوَ سماعُهُ عَلَى ابنِ الْمُقَيَّرِ، فمَنْ حدَّثَ عنهُ بإجازتِهِ مِنْهُ بشيءٍ مِمَّا حَدَّثَ بهِ من مَسْمُوْعَاتِهِ فَهُوَ غيرُ صحيحٍ، وينبغي التنبهُ لهذا وأمثالِهِ.
لَفْظُ الإجَازَةِ، وَشَرْطُهَاْ
٤٩٤ أَجَزْتُهُ (ابْنُ فَارِسٍ) قَدْ نَقَلَهْ وَإِنَّمَا الْمَعْرُوْفُ قَدْ أَجَزْتُ لَهْ
قالَ أبو الحُسينِ أحمدُ بنُ فارسٍ: «معنى الإجازةِ في كلامِ العربِ مأخوذٌ مِنْ جوازِ الماءِ الذي يُسْقَاهُ المالُ من الماشيةِ والْحَرْثِ، يُقالُ منهُ: استجزتُ فلانًا فأجازني، إذا سَقَاكَ ماءً لأرضِكَ أو ماشيتِكَ، كذلكَ طالبُ العلمِ يسألُ العالِمَ أنْ يجيزَهُ عِلْمَهُ،
[ ١ / ٤٣٦ ]
فيجيزَهُ إيَّاهُ» . قال ابنُ الصلاحِ: فللمجيزِ - على هذا - أنْ يقولَ: أجزتُ فلانًا مَسْمُوْعَاتي، أو مَرْوِيَاتي، فيُعَدِّيهِ بغيرِ حرفِ جرٍ، من غيرِ حاجةٍ إلى ذِكْرِ لفظِ الروايةِ، أو نحوِ ذلكَ. ويحتاجُ إلى ذلكَ مَنْ يجعلُ الإجازةَ بمعنى التسويغِ والإذنِ والإباحةِ، قالَ: وذلكَ هو المعروفُ. فيقولُ: أجزتُ له روايةَ مَسْمُوْعَاتي مثلًا. قالَ: وَمنْ يقولُ: أجزتُ له مَسْمُوْعَاتي فعلى سبيلِ الحذفِ الذي لا يَخْفَى نظيرُهُ.
٤٩٥ وَإِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ الإِجَازَهْ مِنْ عَالِمٍ بِهِ، وَمَنْ أَجَازَهْ
٤٩٦ طَالِبَ عِلْمٍ (وَالْوَلِيْدُ) ذَا ذَكَرْ عَنْ (مَالِكٍ) شَرْطًَا وَعَنْ (أبي عُمَرْ)
٤٩٧ أَنَّ الصَّحِيْحَ أَنَّهَا لاَ تُقْبَلُ إِلاَّ لِمَاهِرٍ وَمَا لاَ يُشْكِلُ
٤٩٨ وَالْلَفْظُ إِنْ تُجِزْ بِكَتْبٍ أَحْسَنُ أو دُوْنَ لَفْظٍ فَانْوِ وَهْوَ أَدْوَنُ
هذا بيانٌ لشرطِ صحةِ الإجازة عند بعضهِمِ على الخلافِ المذكورِ. قال ابنُ الصلاحِ: إنَّمَا تُستَحْسَنُ الإجازةُ إذا كانَ الْمُجيزُ عالمًا بما يُجيزُ، والمجازُ لهُ مِنْ أهلِ العلمِ؛ لأَنَّها تَوَسُّعٌ وترخيصٌ، يتأَهلُ لَهُ أهلُ العلمِ لِمسيسِ حاجتِهِم إليها. قَالَ: وبالغَ بعضُهم في ذَلِكَ فجعلَه شرطًا فِيْهَا، وحكاهُ الوليدُ بنُ بكرٍ المالكيُّ عن مالكٍ، وَقَالَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ: الصحيحُ أَنَّها لا تجوزُ إلاّ لماهرٍ بالصناعةِ، وفي شيءٍ مُعيَّنٍ لا
[ ١ / ٤٣٧ ]
يُشْكِلُ إسنادُهُ. ثُمَّ الإجازةُ قد تكونُ بلفظِ الشيخِ وقد تكونُ بالخطِّ، سواءٌ أجازَ ابتداءً أَمْ كتبَ بهِ على سؤالِ الإجازةِ؟ كما جرتِ العادةُ. فإنْ كانتِ الإِجازةُ بالخطِّ فالأحسنُ والأَولى أن يتلفَّظَ بالإجازةِ أيضًا، فإنِ اقتصرَ على الكتابةِ ولم يتلفظْ بالإجازةِ أيضًا، صحتْ إذا اقترنتِ الكتابةُ بقصدِالإجازةِ؛ لأنَّ الكتابةَ كتابةٌ وهذهِ دون الإجازةِ الملفوظِ بها في المرتبةِ. فإنْ لم يقصدِ الإجازةَ فالظاهرُ عدمُ الصحةِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وغيرُ مستبَعدٍ تصحيحُ ذلك بمجردِ هذهِ الكتابةِ في بابِ الروايةِ التي جُعلتْ فيه القراءةُ على الشيخِ، مع أَنَّهُ لم يلفظْ بما قُرِئَ عليه اخبارًا منه بذلك.
الرَّاْبِعُ: الْمُنَاولَةُ
٤٩٩ ثُمَّ الْمُنَاولاَتُ إِمَّا تَقْتَرِنْ بِالإِذْنِ أَوْ لاَ، فَالَّتِي فِيْهَا إِذِنْ
٥٠٠ أَعْلَى الإْجَازَاتِ، وَأَعْلاَهَا إذا أَعْطَاهُ مِلْكًَا فَإِعَارَةً كَذَا
٥٠١ أَنْ يَحْضُرَ الطَّالِبُ بِالْكِتَابِ لَهْ عَرْضًا وَهَذَا الْعَرْضُ لِلْمُنَاولَهْ
٥٠٢ وَالشَّيْخُ ذُوْ مَعْرِفَةٍ فَيِنَظُرَهْ ثُمَّ يُنَاولَ الْكِتَابَ مُحْضِرَهْ
٥٠٣ يقول: هَذَا مِنْ حَدِيْثِي فارْوِهِ وَقَدْ حَكَوْا عَنْ (مَالِكٍ) وَنَحْوِهِ
[ ١ / ٤٣٨ ]
وهي على نوعين
٥٠٤ بِأَنَّهَا تُعَادِلُ السَّمَاعَا وَقَدْ أَبَى الْمُفْتُوْنَ ذَا امْتِنَاعَا
٥٠٥ إِسْحَاقُ وَالثُّوْرِيْ مَعَ النُّعْمَانِ وَالشَّافِعيْ وَأحْمَدُ الشَّيْبَانِيْ
٥٠٦ وَ(ابْنُ الْمُبَارَكِ) وَغَيْرُهُمْ رَأوْا بِأَنَّهَا أَنْقَصُ، قُلْتُ: قَدْ حَكَوْا
٥٠٧ إِجْمَاعَهُمْ بِأَنَّهَا صَحِيْحَهْ مُعْتَمَدًا، وَإِنْ تَكُنْ مَرْجُوْحَةْ
القسمُ الرابعُ من أقسامِ الأَخذِ والتحمُّلِ: المناولةُ، وهي على نوعينِ: الأولُ: المناولةُ المقرونةُ بالإجازةِ، وهي أَعلى أنواعِ الإجازةِ على الإطلاقِ.
ثُمَّ لهذهِ المناولةِ العاليةِ صورٌ، أعلاها أنْ يُناولَهُ شيئًا من سماعِهِ، أصلًا أو فرعًا مقابلًا به، ويقولَ: هَذا مِنْ سَمَاعِي، أو رِوَايَتِي عن فلانٍ فاروهِ عنِّي، ونحو ذلكَ. وكذا لو لم يذكرْ شيخَهُ وكان اسمُ شيخِهِ في الكتابِ المُنَاول، وفيهِ بيانُ سماعِهِ منهُ، أو إجازتِهِ منهُ، ونحوِ ذلكَ، ويُمَلِّكُهُ الشيخُ لهُ، أو يقولُ له: خُذْهُ وانتسخْهُ، وقابلْ به، ثم رُدَّهُ إليَّ، ونحَو ذلك. ومنها أَنْ يناولَهُ له ثُمَّ يَرْتَجِعَهُ منهُ في الحالِ، وسيأتي حكمُ هذهِ الصورةِ في الأبياتِ التي تلي هذهِ، ومنها أَنْ يُحضِرَ الطالبُ الكتابَ - أَصْلَ الشيخِ أو فرعَهُ المُقابلَ بهِ - فيعرضَهُ عليهِ، وسَمَّاهُ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ عَرْضًَا، فيكونُ هذا عَرْضَ المناولِة، وقد تقَدَّمَ عَرْضُ السَّماعِ. فإذا عَرَضَ الطالبُ الكتابَ على الشَّيْخِ، تأَمَّلَهُ الشَّيْخُ، وهوَ عارفٌ مُتَيَقِّظٌ، ثمَّ يُنَاولُهُ للطالبِ، ويقولُ: هوَ روايتي عن فلانٍ أو عمَّنْ ذُكِرَ فيه، أو نحوَ ذلك، فاروِهِ عنِّي، ونحوَ ذلكَ. ولم يتعرضِ ابنُ الصلاحِ لكونِ الصورةِ الأُوْلى من صُوَرِ المناولةِ أعلى، ولكنَّهُ قَدَّمَها في الذِّكْرِ، وقالَ القاضي عياضٌ: أَرفعُها أَنْ يدفعَ الشَّيْخُ كتابَهُ للطالبِ فيقولَ: هذهِ روايتي فارْوِها عنِّي، ويدفَعَها إليهِ، أو يقولَ له: خذْها فَانْسَخْهَا، وقابلْ بها ثمَّ اصْرِفْهَا إليَّ، أو يأتيهِ الطالبُ بنسخةٍ
[ ١ / ٤٣٩ ]
صحيحةٍ إلى آخرِ كلامِهِ. وهذهِ المناولةُ المقرونةُ بالإجازةِ حَالَّةٌ محلَّ السَّماعِ عندَ بعضهِم، كما حكاهُ الحاكمُ عن ابنِ شهابٍ، وربيعةَ الرأي، ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، ومالكٍ في آخرينَ مِن أهلِ المدينةِ، ومَكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشامِ ومصرَ وخُراسانَ.
وفي كلامِهِ بعضُ تخليطٍ؛ إذْ خلطَ عَرْضَ المناولةِ بعرْضِ السَّمَاعِ، وقالَ الحاكمُ في هذا العرضِ: أما فقهاءُ الإسلامِ الذين أَفتوْا في الحلالِ والحرامِ فإنَّهم لم يَرَوْهُ سماعًا، وبهِ قالَ الشافعيُّ والأوزاعيُّ والبويطيُّ والْمُزَنيُّ وأبو حنيفةَ وسفيانُ الثوريُّ وأحمدُ بنُ حنبلٍ وابنُ المباركِ ويحيى بنُ يحيى وابنُ راهويهِ. قالَ: وعليهِ عَهِدْنَا أَئمَتَنا، وإليهِ ذهبوا، وإليهِ نَذْهَبُ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنَّهُ الصحيحُ وإنَّ هذا مُنْحَطٌّ عن التَّحْدِيثِ والإخبارِ.
وقولي: (قُلتُ: قَدْ حَكَوَا إجماعَهُمْ)، أي: أجماعَ أهلِ النقلِ، وإنما زدْتُ نَقْلَ اتفاقِهم هنا؛ لانَّ الشيخَ حكى الخلافَ المتقدِّمَ في الإجازةِ، ولم يحكِ هنا إلاَّ كونَها مُوازيةً للسَّمَاعِ أولا، فأردْتُ نَقْلَ اتفاقِهِم على صَحَّتِهَا، وقد حكاهُ القاضي عياضٌ في " الإِلماعِ " بعد أنْ قالَ: وهي روايةٌ صحيحةٌ عند معظمِ الأئَمةِ والمحدِّثينَ، وسَمَّى جماعةً، ثُمَّ قالَ: وهو قولُ كافةِ أهلِ النقلِ والأَداءِ والتحقيقِ من أهلِ النَّظَرِ. انتهى.
وقولي: (مُعتَمَدًا)، هو بفتحِ الميمِ، وهو تمييزٌ، أي: صحيحةً اعتمادًا.
[ ١ / ٤٤٠ ]
٥٠٨ أَمَّا إذا نَاولَ وَاسْتَرَدَّا فِي الْوَقْتِ صَحَّ وَالْمُجَازُ أَدَّى
٥٠٩ مِنْ نُسْخَةٍ قَدْ وَافَقَتْ مَرْوِيَّهْ وَهَذِهِ لَيْسَتْ لَهَا مَزِيَّهْ
٥١٠ عَلَى الذَّيِ عُيَّنَ فِي الاجَازَهْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ لَكِنْ مَازَهْ
٥١١ أَهْلُ الْحَدِيْثِ آخِرًا وَقِدْمَا أَمَّا إذا مَا الشَّيْخُ لَمْ يَنْظُرْ مَا
٥١٢ أَحْضَرَهُ الطَّالِبُ لَكِنْ اعْتَمَدْ مَنْ أَحْضَرَ الْكِتَابَ وَهْوَ مُعْتَمَدْ
٥١٣ صَحَّ وَإِلاَّ بَطَلَ اسْتِيْقَانَا وَإِنْ يَقُلْ: أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا
٥١٤ ذَا مِنْ حَدِيْثِي، فَهْوَ فِعْلٌ حَسَنُ يُفِيْدُ حَيْثُ وَقَعَ التَّبَيُّنُ
هذا أحدُ صورِ المناولةِ الذي تقدمَ الوعدُ بذكرِهِ، وهو أَنْ يُنَاولَهُ الشيخُ الكتابَ، ويجيزُ له روايتَهُ ثم يرتجِعَهُ منه في الحالِ. فالمناولةُ صحيحةٌ ولكنها دونَ الصُّوَرِ المتقدمَةِ لعدمِ احتواءِ الطالبِ عليهِ وغيبتِهِ عنهُ.
وقولي: (والمجُازُ)، أي: والمجازُ له، وهو مبتدأٌ خبرُهُ: أدَّى، أي: ومَنْ تناولَ على هذهِ الصُّورَةِ فَلَهُ أَن يُؤَدِّيَ مِنَ الأَصْلِ الذي ناولَهُ لهُ الشيخُ واستردَّهُ، إذا ظَفَرَ بهِ، معَ غَلبَةِ ظنِّهِ بسلامتِهِ من التغييرِ، أو مِنْ فَرْعٍ مُقَاْبَلٍ بهِ كذلكَ، وهو المرادُ بقولي: (قَدْ وَافَقَتْ مَرْوِيَّهْ) أي: الكتابَ الذي تناولَهُ، إمَّا بكونِهِ من الكتابِ المُنَاولِ نفسِهِ، مَعَ غَلَبَةِ السلامةِ، أو مِنْ نسخةٍ توافِقُهُ بمقابَلَتِهِ، أو إخبارِ ثقةٍ بموافقَتِها، ونحوِ ذلكَ.
وقولي: (وَهَذِهِ)، أي: وهذهِ الصورةُ من صُوَرِ المناولةِ ليستْ لها مزيةٌ على الإجازةِ بكتابٍ مُعَيَّنٍ، قالَ القاضي عياضٌ: وعلى التحقيقِ فليسَ هذا بشيءٍ زائدٍ على
[ ١ / ٤٤١ ]
معنى الإجازَةِ للشيءِ المُعَيَّنِ من التصانيفِ المشهورةِ والأَحاديثِ المعروفةِ المُعَيَّنَةِ، ولا فرقَ بين إجازتِهِ إيَّاهُ أَنْ يُحَدِّثَ عنه بكتابِ " الموطأ " وهوَ غائبٌ أو حاضرٌ، إذ المقصودُ تعيينُ ما أَجَازَهُ لهُ. لكنْ قديمًا وحديثًا شيوخُنُا من أَهلِ الحديث يَرَوْنَ لهذا مزيةً على الإجازةِ. قال: - ولا مزيةَ له عند مشايخِنا من أَهلِ النظرِ والتحقيقِ، بخلاف الوُجُوْهِ الأُوَلِ.
فقولي: (عِنْدَ المُحَقِّقينَ) مما زِدْتُهُ على ابنِ الصَّلاحِ من كلامِ القاضي عياضٍ. وابنُ الصلاحِ إنَّمَا حَكَى هذا عن غيرِ واحدٍ من الفقهاءِ والأُصوليينَ لا عن أَهلِ التحقيقِ، كما قالَ عياضٌ، واللهُ أعلمُ.
ومن صُوَرِ المناولةِ: أنْ يُحْضِرَ الطالبُ الكتابَ للشيخِ، فيقولَ: هذا روايتُكَ فناولْنِيْهِ وأَجِزْ لي روايتَهُ فلا ينظرُ فيه الشيخُ، ولا يتحقَقُ أَنَّهُ روايتُه، ولكنِ اعتمدَ خبرَ الطالبِ، والطالبُ ثقةٌ، يُعتمَدُ على مثلِهِ، فَأجابَهُ إلى ذلكَ؛ صحتِ المناولةُ والإجازةُ. وإنْ لم يكنِ الطالبُ موثوقًا بخبرِهِ ومعرفتِهِ، فإنَّهُ لا تجوزُ هذهِ المناولةُ، ولا تصحُّ، ولا الإجازةُ فإنْ ناولَهُ وأَجازَهُ، ثُمَّ تبيَّنَ بعدَ ذلكَ بخبرِ ثقةٍ يُعتمدُ عليه: أَنَّ ذلك كان من سماعِ الشيخِ أو مِنْ مرويَّاتِه فهل يُحكَمُ بصحةِ المناولةِ والإجازة السابقتَيْنِ؟ لَمْ يَنُصَّ عَلَى هذهِ صريحًا ابنُ الصلاحِ، وعمومُ كلامهِ يقتضي: أنَّ ذَلِكَ لا يصحُّ. وَلَمْ أرَهَ أيضًا في كلامِ غيرِهِ، إلاَّ في عمومِ كلامِ الخطيبِ الآتي. والظاهرُ الصحَّةُ؛ لأَنَّهُ تبيَّنَ بعدَ ذلكَ صحَّةُ سماعِ الشيخِ لما ناولَهُ وأجازَهُ، وزالَ ما كنَّا نخشى من عدمِ ثقةِ المُخْبِرِ، واللهُ أعلمُ. قالَ الخطيبُ: ولو قالَ: حَدِّثْ بما في هذا الكتابِ عنِّي إنْ كانَ مِنْ حَدِيْثِي، مع براءَتي
[ ١ / ٤٤٢ ]
مِنَ الغَلَطِ والوَهْمِ، كانَ ذلكَ جائزًا حسنًا. انتهى. ويدخلُ في كلامِ الخطيبِ الصورتانِ: ما إذا كان مَنْ أحضرَ الكتابَ ثقةً معتمدًا؛ وما إذا كان غيرَ موثوقٍ به. فإنْ كانَ ثقةً، جازتِ الروايةُ بهذهِ المناولةِ والإجازةِ، وإن كانَ غيرَ موثوقٍ بهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ الإجازةِ بخبرِ مَنْ يوثَقُ به أَنَّ ذلك الذي ناولَهُ الشيخُ كانَ مِنْ مرويَّاتِهِ؛ جازتْ روايتُهُ بذلك. وأشرتُ إلى ذلكَ بقولي: (يُفيدُ حَيْثُ وَقَعَ التَّبَيُّنُ) . وهذا النصفُ الأخيرُ من الزوائدِ على ابنِ الصلاحِ.
٥١٥ وإنْ خَلَتْ مِنْ إذْنِ المُنَاْولَهْ قِيْلَ: تَصِحُّ والأَصَحُّ بَاْطِلَهْ
هذا النوعُ الثاني من نوعَيْ المناولةِ: وهو ما إذا تجرَّدَتِ المناولةُ عن الإجازة بأَنْ يُنَاولَهُ الكتابَ، ويقول: هذا مِنْ حَدِيْثِي، أو من سَمَاعَاتي، ولا يقولُ لهُ: ارْوِهِ عنِّي، ولا أَجزتُ لكَ روايتَهُ، ونحوَ ذلكَ. وقدِ اخْتُلِفَ فيها، فحكى الخطيبُ عن طائفةٍ من أهلِ العلمِ: أنَّهم صَحَّحُوها وأَجازوا الروايةَ بها، وقالَ ابنُ الصلاحِ: هذهِ إجازةٌ مختلةٌ، لا تجوزُ الروايةُ بها، قالَ: وعابَها غيرُ واحدٍ مِنَ الفقهاءِ والأصوليينَ على المحَُدِّثِيْنَ الَّذِيْنَ أَجازوها، وسَوَّغُوا الروايةَ بِهَا. وَقَالَ النوويُّ في "التقريبِ والتيسيرِ": لا تجوزُ الروايةُ بِهَا عَلَى الصحيحِ الَّذِي قَالَهُ الفقهاءُ، وأصحابُ الأصولِ. قلتُ: ما أطلقَهُ من أَنَّهُ قالَهُ الفقهاءُ وأصحابُ الأصولِ معَ كونهِ مخالفًا لكلامِ ابنِ الصَّلاَحِ في حكايتهِ لذلكَ عنْ غيرِ واحدٍ، فهوَ مخالِفٌ لما قالهُ جماعةٌ من أهلِ الأصُولِ، مِنْهُمْ صاحبُ "
[ ١ / ٤٤٣ ]
المحصولِ"، فإنَّهُ لَمْ يشترطِ الإذنَ، بلْ ولا المناولةَ، بلْ إذا أشارَ الشيخُ إِلَى كتابٍ، وقالَ: هَذَا سَمَاعي من فلانٍ، جازَ لمنْ سمعَهُ أن يرويَهُ عنهُ، سواءٌ أَناولَهُ أم لا؟ خلافًا لبعضِ المحَُدِّثِيْنَ، وسواءٌ قالَ لهُ ارْوِهِ عنِّي أمْ لا. نعمْ..، مقتضى كلامِ السيفِ الآمِدِيِّاشتراطُ الإذْنِ في الروايةِ، وقدْ قالَابنُ الصَّلاحِ بعد هذا: إنَّ الروايةَ بها تترجَّحُ على الروايةِ بمجردِ إعلامِ الشيخِ، لما فيهِ مِنَ المناولةِ، فإنَّها لا تخلو من إشعارٍ بالإذْنِ في الروايةِ.
كَيْفَ يَقُوْلُ مَنْ رَوَى بِالمُنَاولَةِ وَالإِجَاْزَةِ؟
٥١٦ وَاخْتَلَفُوا فِيْمَنْ رَوَى مَا نُوْوِلاَ (فَمَالِكٌ) وَ(ابْنُ شِهَابٍ) جَعَلاَ
٥١٧ إِطْلاَقَهُ (حَدَّثَنَا) وَ(أَخْبَرَا) يَسُوْغُ وَهْوَ لاَئِقٌ بِمَنْ يَرَى
٥١٨ الْعَرْضَ كَالسَّمَاعِ بَلْ أَجَازَه بَعْضُهُمُ في مُطْلَقِ الإِجَازَهْ
٥١٩ وَ(الْمَرْزُبَانِيْ) وَ(أبو نُعَيْمِ) أَخْبَرَ، وَالصَّحِيْحُ عِنْدَ القَوْمِ
٥٢٠ تَقْيِيْدُهُ بِمَا يُبيِنُ الْوَاقِعَا إِجَازَةً تَنَاولًا هُمَا مَعَا
٥٢١ أَذِنَ لِي، أَطْلَقَ لِي، أَجَازَنِي سَوَّغَ لِي، أَبَاحَ لِي، نَاولَنِي
٥٢٢ وَإِنْ أَبَاحَ الشَّيْخُ لِلْمُجَازِ إِطَلاَقَهُ لَمْ يَكْفِ فِي الْجَوَازِ
اختلفوا في عبارةِ الراوي لما تحمَّلَهُ بطريقِ المناولةِ، فحُكِيَ عن جماعةٍ، منهم: أبو
[ ١ / ٤٤٤ ]
بكرِ ابنُ شهابٍ الزهريُّ، ومالكُ بنُ أنسٍ، جوازُ إطلاقِ حدثنا وأخبرنا، وهو لائقٌ بمذهبِ مَنْ يرى عرضَ المناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ سماعًا، ممَّنْ تَقَدَّمَتْ حكايتُهُ عنهم. وحُكِيَ عن قومٍ آخرينَ: جوازُ إطلاقِ: حدَّثَنا وأخبرنا في الروايةِ بالإجازَةِ مطلقًا، قالَ القاضي عياضٌ: وحُكِيَ ذلك عن ابنِ جُرَيْجٍ، وجماعةٍ من المتقدمينَ، وَحَكَى الوليدُ بنُ بكرٍ: أنَّهُ مذهبُ مالكٍ، وأهلِ المدينةِ، وذهبَ إلى جوازهِ إمامُ الحرمينِ، وخالفَهُ غيرُهُ من أهلِ الأُصُولِ. وأَطلقَ أبو نُعَيمٍ الأصبهانيُّ، وأبو عُبيدِ اللهِ الْمَرْزُبانيُّ في الإجازةِ: أخبرنا من غيرِ بيانٍ. وحَكَى الخطيبُ: أَنَّ الْمَرْزُبانيَّ عِيْبَ بذلكَ.
فقولي: (والمَرْزُباني وأبو نُعَيم أَخْبَرَ) أي: أطلقا لفظَ أخبرَ في الإجازة، والصحيحُ المختارُ الذي عليهِ عملُ الجمهورِ، واختارهُ أهلُ التَّحَرِّي، والورعِ: المنعُ من إطلاقِ حَدَّثَنا وأخبرنا، ونحوهِما في المناولةِ والإجازةِ، وَتقييدُ ذلكَ بعبارةٍ تُبيِّنُ الواقعَ في كيفيةِ التحمُّلِ، وتُشْعِرُ بهِ، فنقولُ: أخبرنا أو حَدَّثَنا فلانٌ إجازةً، أو مناولةً،
[ ١ / ٤٤٥ ]
أو إجازةً ومناولةً، أو إذْنًَا، أو في إذنهِ، أو أذِنَ لِي، أو أطلَقَ لي روايتَهُ عنه، أو أجازني، أو أجازَ لي، أو سوَّغَ لي أنْ أرويَ عنه، أو أباحَ لي، أو ناولَني، وما أشبهَ ذلكَ مِنَ العباراتِ الْمُبَيِّنَةِ لكيفيةِ التحمُّلِ. وإنْ أباحَ المجيزُ للمُجَازِ إطلاقَ أخبرنا أو حَدَّثَنَا في الإجازةِ، أو المناولةِ، لم يجزْ لهُ ذلكَ، كما يفعلُهُ بعضُ المشايخِ في إِجازتهِمِ، فيقولونَ عَمَّنْ أجازُوا لَهُ: إنْ شاءَ قالَ: حَدَّثَنا، وإنْ شاءَ قالَ: أخبرنا.
٥٢٣ وَبَعْضُهُمْ أَتَى بِلَفَظٍ مُوْهِمْ (شَافَهَنِي) (كَتَبَ لِي) فَمَا سَلِمْ
٥٢٤ وَقَدْ أَتَى بِـ (خَبَّرَ) الأوزَاعِيْ فِيْهَا وَلَمْ يَخْلُ مِنَ النِّزَاعِ
٥٢٥ وَلَفْظُ «أَنَّ» اخْتَارَهُ (الْخَطَّابي) وَهْوَ مَعَ الإِسْنَادِ ذُوْ اقْتِرَابِ
٥٢٦ وَبَعْضُهُمْ يَخْتَارُ فِي الإِجَازَهْ (أَنْبَأَنَا) كَصَاحِبِ الْوِجَازَهْ
٥٢٧ وَاخْتَارَهُ (الْحَاكِمُ) فِيْمَا شَافَهَهْ بِالإِذْنِ بَعْدَ عَرْضِهِ مُشَافَهَهْ
٥٢٨ وَاسْتَحْسَنُوْا لِلْبَيَهْقَيْ مُصْطَلَحا (أَنْبَأَنَا) إِجَازَةً فَصَرَّحَا
٥٢٩ وَبَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ اسْتَعْمَلَ عَنْ إِجَازَةً، وَهْيَ قَرِيْبَةٌ لِمَنْ
٥٣٠ سَمَاعُهُ مِنْ شَيْخِهِ فِيْهِ يَشُكّْ وَحَرْفُ (عَنْ) بَيْنَهُمَا فَمُشْتَرَكْ
٥٣١ وَفِي الْبُخَارِيْ قَالَ لِي: فَجَعَلَهْ حِيْرِيُّهُمْ لِلْعَرْضِ وَالمُنَاولَهْ
هذهِ الألفاظُ استعملَها بعضُ أهلِ العلمِ في الروايةِ بالإجازةِ. فاستعملَ بعضُهم فيها: شَافَهَنِي فُلاَنٌ، أو أخبرنا مُشَافَهةً، إذا كانَ قدْ شَافهَهُ بالإجازةِ لفظًا. واستعملَ بعضُهُم في الإجازةِ بالكتابةِ كَتَبَ لي، أو إليَّ فلانٌ، أو أخبرنا كتابةً، أو في كتابهِ. وهذهِ الألفاظُ وإنِ استعملَهَا طائفةٌ من المتأخِّرِينَ، فلا يَسْلَمُ مَنِ استعملَها مِنَ الإيهامِ، وطَرَفٍ مِنَ التَّدْلِيْسِ. أمَّا الْمُشَافَهَةُ فَتُوْهِمُ مُشافهتَهُ بالتَّحْدِيثِ. وأمَّا الكتابةُ فَتُوْهِمُ أَنَّهُ كَتَبَ إليهِ
[ ١ / ٤٤٦ ]
بذلكَ الحديثِ بعينِهِ، كما كانَ يفعلُهُ المتقدِّمُوْنَ، ومِنْهَا لَفْظُ: خَبَّرَنا، وقد ورَدَ عَنِ الأوزاعيِّ: أَنَّه خَصَّصَ الإجازةَ بقولهِ: خَبَّرَنا -بالتشديدِ-، والقراءةَ عليهِ، بقولهِ: أخبرنا.
وقولي: (ولم يَخْلُ مِنَ النِّزَاعِ) أي: إنَّ معنى خَبَّرَ وأَخْبَرَ واحدٌ من حيثُ اللغةُ، ومن حيثُ الاصطلاحُ المتعارفُ بين أهلِ الحديثِ. ومنها لفظُ: «أن» فيقولُ في الروايةِ بالسماعِ عن الإجازةِ: أخبرنا فلانٌ أنَّ فلانًا حَدَّثَهُ، أو أخبرهُ. وحُكِيَ عن الْخَطَّابِيِّ: أنَّهُ اختارَهُ، أو حَكَاهُ. وهوَ بعيدٌ مِنَ الإشعارِ بالإجازةِ. وحَكَاهُ القاضي عياضٌعن اختيارِ أبي حاتِمٍ الرازيِّ، قالَ: وأَنكرَ هذا بعضُهُم، وحقُّهُ أَنْ يُنْكِرَ، فلا معنى لهُ يُتَفَهَّمُ منهُ المرادُ، ولا اعْتِيدَ هذا الوضْعُ في المسألةِ لغةً ولا عرفًا ولا اصطلاحًا. قالَ ابنُ الصلاحِ: وهو فيما إذا سمعَ منهُ الإسنادَ فحسبُ، وأجازَ لهُ ما رواهُ قريبٌ؛ فإنَّ فِيْهَا إشعارًا بوجودِ أصلِ الإخبارِ، وإنْ أَجْمَلَ المُخْبَرَ بهِ وَلَمْ يذكرْهُ تفصيلًا. ومنها: أَنْبَأَنَا، وَهِيَ عِنْدَ المتقدمين بمنْزِلةِ: أَخْبَرَنَا. وحَكَى الْقَاضِي عياضٌعن شعبةَ: أنَّهُ قَالَ في الإجازةِ مرةً: أَنْبَأَنَا، قَالَ: ورُوِي عَنْهُ أيضًا: أَخْبَرَنَا. قلتُ: وكلاهما بعيدٌ عَنْ شُعْبَةَ فإنَّهُ كَانَ مِمَّنْ لايرى الإجَاْزَةَ كَمَا تقدَّمَ نَقْلُهُ عنهُ. واصطلحَ قومٌ من المتأخِّرينَ عَلَى إطلاقِها في الإجازةِ، واختارَهُ صاحبُ " الوِجَازَةِ "، وَهُوَ الوليدُ بنُ بكرٍ، وَقَالَ الحاكمُ: الَّذِي أَخْتَاْرُهُ وعهدْتُ عليهِ أكثرَ مشايخي، وأَئِمَّةَ عَصْرِي، أَنْ يقولَ فِيْمَا عُرِضَ عَلَى المحدِّثِ فأَجازَ لهُ روايتَهُ شفاهًا: أنبأني فلانٌ. وكانَ البيهقيُّ يقولُ في الإجازةِ: أَنْبَأَنَا إجازةً. وفي هَذَا التصريحُ بالإجازةِ معَ رعايةِ
[ ١ / ٤٤٧ ]
اصطلاحِ المتأخِّرينَ.
ومنها لفظُ «عَنْ»، وكثيرًا ما يأتي بِهَا المتأخِّرُون في موضعِ الإجازةِ، قالَ ابنُ الصلاحِ: وذلكَ قريبٌ فِيْمَا إذا كانَ قدْ سمعَ منهُ بإجازتِهِ من شيخِهِ إنْ لَمْ يكنْ سماعًا فإنَّهُ شاكٌّ. (وحرفُ (عَنْ»: مشتركٌ بين السماعِ والإجازةِ صادقٌ عليهما.
قولي: (فَمُشْتَرَكْ)، دخلتِ الفاءُ في الخبِر على رأيِ الكسائيِّ. ومنها: قالَ لي فلانٌ، وكثيرًا ما يُعبِّرُ بها البخاريُّ، فقالَ أبو عمرٍو محمدُ بنُ أبي جعفرٍ أحمدَ بنِ حَمْدَانَ الحِيْرِيُّ: كُلُّ مَا قالَ البخاريُّ: قالَ لي فلانٌ، فهو عَرْضٌ ومناولةٌ. وقد تقدَّمَ أَنَّها محمولةٌ على السَّماعِ، وأَنَّها كـ (أَخبرنا) وأَنَّهم كثيرًا ما يستعملونها في المُذاكرةِ، وأنَّ بعضَهم جعلَها مِنْ أَقسامِ التعليقِ، وأَنَّ ابنَ مَنْدَه جعلَها إجازَةً.
[ ١ / ٤٤٨ ]
الخَاْمِسُ: المُكَاتَبَةُ
٥٣٢ ثُمَّ الْكِتَابَةُ بِخَطِّ الشَّيْخِ أَوْ بِإِذْنِهِ عَنْهُ لِغَائِبٍ وَلَوْ
٥٣٣ لِحَاضِرٍ فَإِنْ أَجَازَ مَعَهَا أَشْبَهَ مَا نَاوَلَ أَوْ جَرَّدَهَا
٥٣٤ صَحَّ عَلى الصَّحِيْحِ وَالْمَشْهُوْرِ قَالَ بِهِ (أَيُّوْبُ) مَعْ (مَنْصُورِ)
٥٣٥ وَالْلَيْثُ وَالسَّمْعَانِ قَدْ أَجَازَهْ وَعَدَّهُ أَقْوَى مِنَ الإِجَازَهْ
٥٣٦ وَبَعْضُهُمْ صِحَّةَ ذَاكَ مَنَعَا وَصَاحِبُ الْحَاوِيْ بِهِ قَدْ قَطَعَا
القسمُ الخامسُ من أقسامِ تحمُّلِ الحديثِ: المكاتبةُ، وهيَ: أَنْ يكتُبَ الشيخُ شيئًا من حديثِهِ بخطِّهِ، أو يأْمرَ غيرَهُ فيكتُبَ عنهُ بإذْنِهِ، سواءٌ كتَبَهُ أو كَتَبَ عنهُ إلى غائبٍ عنهُ أو حاضرٍ عندَهُ، وهيَ أيضًا تنقسمُ إلى نوعينِ:
أحدُهما: الكتابةُ المقترنةُ بالإجازةِ بأَنْ يكتُبَ إليه ويقولَ: أَجزتُ لكَ ما
كتبتُهُ لكَ، ونحوِ ذلكَ. وهيَ شبيهةٌ بالمناولةِ الَمَقْرُونةِ بالإجازةِ في الصِّحَّةِ والقُوَّةِ.
والنوعُ الثاني: الكتابةُ المجرَّدَةُ عنِ الإجازةِ. وإليها أَشرتُ بقولي: (أو جَرَّدَهَا) أي: مِنَ الإجازةِ فإنِّها صَحِيْحَةٌ تجوزُ الروايةُ بها على الصحيحِ المشهورِ بينَ أهلِ الحديثِ، وهوَ عندَهم معدودٌ في المُسْنَدِ الموصولِ، وهو قولُ كثيرٍ من المتقدِّمِينَ والمتأخِّرِيْنَ، منهم:
[ ١ / ٤٤٩ ]
أيوبُ السِّخْتِيَانيُّ، ومَنصورٌ، والليثُ بنُ سعدٍ، وغيرُ واحدٍ من الشَّافِعيِّيْنَ، منهم: أبو المظفَّرِ السَّمْعَانيُّ، وجعلَها أَقوى من الإجازةِ. وإليهِ صارَ جماعةٌ من الأُصوليينَ منهم: صاحبُ "المحصولِ". وفي الصحيحِ أحاديثُ من هذا النوعِ، منها عندَ مسلمٍ: حديثُ عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، قالَ: كتبتُ إلى جابرِ بنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلاَمي نافعٍ، أَنْ أَخْبَرَني بشيءٍ سمعتَهُ مِنْ رسولِ اللهِ - ﷺ -. قالَ: فكتبَ إليَّ: سمعتُ مِنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - يومَ جُمُعَةٍ، عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ، فذكرَ الحديثَ. وقالَ البخاريُّ في كتابِ الأَيْمانِ والنُّذُورِ: كتَبَ إِليَّ محمَّدُ بنُ بشَّارٍ. ومنعَ صحَّةَ ذلكَ قومٌ آخرونَ، وبهِ قَطَعَ الماوَرِديُّ في " الحاوي ". وقالَ السيفُ الآمديُّ: لا يرويهِ إلا بتسليطٍ مِنَ الشَّيْخِ، كقولِهِ: فارْوِهِ عَنِّي. أو أجزْتُ لكَ
[ ١ / ٤٥٠ ]
روايتَهُ. وذهبَ ابنُ القَطَّانِ إلى انقطاعِ الروايةِ بالكتابةِ، قالَهُ عَقبَ حديثِ جابرِ بنِ سَمُرَةَ المذكورِ، وَرَدَّ ذلكَ عليهِ أبو عبدِ اللهِ ابنُ الموَّاقِ.
٥٣٧ وَيَكْتَفِي أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوْبُ لَهْ خَطَّ الَّذِي كَاتَبَهُ وَأَبْطَلَهْ
٥٣٨ قَوْمٌ لِلاشْتِبَاهِ لَكِنْ رُدَّا لِنُدْرَةِ اللَّبْسِ وَحَيْثُ أَدَّى
٥٣٩ فَاللَّيْثُ مَعْ مَنْصُوْرٍ اسْتَجَازَا (أَخْبَرَنَا)، (حَدَّثَنَا) جَوَازَا
٥٤٠ وَصَحَّحُوْا التَّقِيْيْدَ بِالْكِتَابَهْ وَهْوَ الِذَّي يَلِيْقُ بِالنَّزَاهَهْ
يُكتفى في الروايةِ بالكتابةِ أن يَعْرِفَ المكتوبُ لهُ خطَّ الكاتبِ، وإنْ لم تَقُمْ البَيِّنَةُ عليهِ، ومنهُم مَنْ قالَ: الخطُّ يُشْبِهُ الخطَّ، فلا يجوزُ الاعتمادُ على ذلك، قال ابنُ الصلاحِ: وهذا غيرُ مرضي؛ لأنَّ ذلك نادرٌ، والظاهرُ أَنَّ خطَّ الإنسانِ لا يَشْتَبِهُ بغيرِهِ، ولا يَقَعُ فيه إِلْبَاسٌ. واختلفوا في اللَّفْظِ الذي يُؤدي به مَنْ تحملَ بالكتابةِ. فذهبَ غيرُ واحدٍ، منهم: الليثُ بنُ سعدٍ، ومنصورٌ، إلى جوازِ إطلاقِ: حَدَّثَنا
[ ١ / ٤٥١ ]
وأخبرنا، والمختارُ الصحيحُ اللائقُ بمذاهبِ أهلِ التحرِي والنَّزَاهةِ، أنْ يُقَيَّدَ ذلكَ بالكتابةِ، فيقول: حدَّثَنا أو أخبرنا كتابةً، أو مُكاتبةً، أو كَتَبَ إليَّ، ونحَو ذلك. وقالَ الحاكمُ: الذي أَخْتَارُهُ وعهدْتُ عليهِ أَكثرَ مشايخي وأَئِمَّةِ عَصْرِي أَنْ يقولَ فيما كَتَبَ إليهِ المحدِّثُ من مدينةٍ، ولم يُشَافِهْهُ بالإجازَةِ: كَتَبَ إليَّ فلانٌ.
السَّاْدِسُ: إعْلاَمُ الشَّيْخِ
٥٤١ وَهَلْ لِمَنْ أَعْلَمَهُ الشَّيْخُ بِمَا يَرْوِيْهِ أَنْ يَرْوِيَهُ؟ فَجَزَمَا
٥٤٢ بِمَنْعِهِ (الطُّوْسِيْ) وَذَا الْمُخْتَارُ وَعِدَّةٌ (كَابْنِ جُرَيْجٍ) صَارُوْا
٥٤٣ إلى الْجَوَازِ وَ(ابْنُ بَكْرٍ) نَصَرَهْ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ جَزْمًَا ذَكَرَهْ
٥٤٤ بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ لَوْ مَنَعَهْ لَمْ يَمْتَنِعْ، كَمَا إذا قَدْ سَمِعَهْ
٥٤٥ وَرُدَّ كَاسْتِرْعَاءِ مَنْ يُحَمَّلُ لَكِنْ إذا صَحَّ، عَلَيْهِ الْعَمَلُ
القسمُ السادسُ من أقسامِ أَخْذِ الحديثِ وتحمُّلِهِ: إعلامُ الشَّيخِ للطالبِ أَنَّ هذا الحديثَ، أو الكتابَ سماعُهُ من فلانٍ، أو روايتُهُ؛ من غيرِ أَنْ يأذنَ لهُ في روايتِهِ عنهُ، وقدِ اختُلِفَ في جوازِ روايتهِ لهُ بمجردِ ذلكَ: فذهبَ غيرُ واحدٍ من المحدِّثينَ وغيرِهِم، إلى المنعِ من ذلكَ، وبهِ قَطَعَ أبو حامدٍ الطوسيُّ مِنَ الشَّافِعِيِّيْنَ، ولم يذكرْ غيرَ ذلكَ،
[ ١ / ٤٥٢ ]
فيما حكاهُ ابنُ الصلاحِ عنهُ. والظاهرُ أنَّهُ أرادَ بأبي حامدٍ هذا الغزاليَّ، فإنَّهُ كذلكَ في " المستصفى"، فقالَ: أمَّا إذا اقتصرَ على قولِهِ: هذا مسمُوعي مِنْ فلانٍ، فلا تجوزُ الروايةُ عنهُ؛ لأَنَّهُ لم يأذنْ في الروايةِ، فلعلَّهُ لا يُجَوِّزُ الروايةَ لخللٍ يعرفُهُ فيهِ، وإنْ سَمِعَهُ. انتهى كلامُه. وفي الشَّافِعِيِّيْنَ غيرُ واحدٍ يُعْرَفُ بأبي حامدٍ الطّوسيِّ لكنْ لم يَذْكُرْ لهُ مصنفاتٍ ذَكَرَ فيها هذهِ المسألةَ. ومَا قالَهُ أبو حامدٍ مِنَ المنعِ، هو المختارُ، كما قالَ ابنُ الصلاحِ، وقد تقدَّمَ أنَّ مقتضى كلامِ السيفِ الآمديِّ اشتراطُ الإذنِ فيهِ. وذهبَ كثيرونَ، منهم: ابنُ جريجٍ، وعبيدُ اللهِ العُمَريُّ، وأصحابُهُ المدنيُّونَ، وطوائفُ من المحدِّثينَ، والفقهاءِ والأصوليِّيْنَ والظَّاهِريِّيْنَ، إلى الجوازِ. واختارَهُ ونَصَرَهُ الوليدُ بنُ بكرٍ الغَمْريُّ - بفتح الغين المعجمة - في كتابِ " الوِجَازِة " له. وبه قطعَ أبو نَصْرٍ ابنُ الصَّبَّاغِ صاحبُ " الشاملِ "، وحَكَاهُ القاضي عياضٌ عن الكثيرِ.
واختارَهُ أبو محمدِ بنُ خَلاَّدٍ الرامَهُرْمُزيُّ، وهوَ مذهبُ عبدِ الملكِ بنِ حبيبٍ من المالكيَّةِ - وهو
[ ١ / ٤٥٣ ]
الذي ذكرهُ صاحبُ " المحصولِ " واتباعه، بل زادَ بعضُهم على هذا، وهو القاضي أبو محمَّدِ بنُ خَلاَّدٍ الرامَهُرْمُزيُّ، فقالَ: حَتَّى لو قالَ لهُ: هذهِ روايتي، ولكنْ لا تروِها عنِّي، ولا أُجيزُهُ لكَ، لم يضرَّهُ ذلكَ. قالَ القاضي عياضٌ: ومَا قالَهُ صحيحٌ لا يقتضي النظرُ سواهُ؛ لأَنَّ مَنْعَهُ أنْ لا يُحَدِّثَ بما حَدَّثَهُ لا لعلةٍ ولا ريبةٍ في الحديثِ لا يُؤَثِّرُ؛ لأَنَّهُ قَدْ حدَّثَهُ، فهو شيءٌ لا يُرْجَعُ فيهِ، وردَّهُ ابنُ الصلاحِ بأنْ قالَ: إنَّمَا هذا كالشاهدِ إذا ذَكَرَ في غيرِ مجلسِ الحُكْمِ شهادتَهُ بشيءٍ، فليس لمنْ سمعَهَ أنْ يَشْهَدَ على شهادتهِ، إذا لم يَأذَنْ له ولم يُشْهِدْهُ على شهادتِهِ، قال: وذلك مما تساوَتْ فيه الروايةُ والشهادةُ؛ لأَنَّ المعنى يجمعُ بينهما فيهِ، وإنِ افترقتا في غيرِهِ. وقالَ القاضي عياضٌ: قياسُ مَنْ قاسَ الإذنَ في الحديثِ في هذا الوجهِ وعدمِهِ على الإذنِ في الشهادةِ وعدمِهِ غيرُ صحيحٍ؛ لأَنَّ الشهادةَ على الشهادةِ لا تصحُّ إلاَّ مَعَ الإشْهادِ والإذنِ في كلِّ حالٍ، إلاَّ إذا سَمِعَ أَداءَها عندَ الحاكمِ، ففيهِ اختلافٌ، والحديثُ عن السماعِ والقراءةِ لا يُحتاجُ فيهِ إلى إذْنٍ باتِّفَاقٍ، فهذا يَكْسِرُ عليهم حُجَّتَهُم بالشهادةِ في مسألتِنا هنا، ولا فرقَ. وأيضًا فالشهادةُ مُفْترقةٌ مِنَ الروايةِ في أكثرِ الوُجُوْهِ. ثم عدَّدَ أشياءَ ممَّا يفترقانِ فيهِ.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وقولي: (ورُدَّ) أي: القولُ بالجوازِ، كمسألةِ استرعاءِ الشاهدِ لِمَنْ يُحَمِّلُهُ شهادتَهُ فلا يكفي إعلامَهُ، بل لابدَّ لهُ أَنْ يأذنَ لهُ أنْ يشهدَ على شهادتهِ، إلاَّ إذا سَمِعَهُ يؤدي عندَ الحاكمِ، كما تقدَّمَ، فهو نظيرُ ما إذا سمعَهُ يُحدِّثُ بالحديثِ فحينئذٍ لا يحتاجُ إلى إذْنِهِ في أن يَرْوِيَهُ عنهُ، ولا يضرُّهُ مَنْعُهُ إذا مَنَعَهُ، وهذا كُلُّه في الروايةِ بإعلامِ الشيخِ. أَمَّا العملُ بما أخبرَهُ الشيخُ أنَّهُ سماعُهُ فإنَّهُ يجبُ عليهِ إذا صحَّ إسنادُهُ، كما جزمَ به ابنُ الصلاحِ، وحكاهُ القاضي عياضٌ عن مُحَقِّقِي أصحابِ الأُصولِ: أَنَّهُم لا يختلفونَ في وجوبِ العملِ بهِ.
السَّاْبِعُ: الْوَصِيَّةُ بالكِتَاْبِ
٥٤٦ وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ لِلْمُوْصَى لَهُ بالْجُزْءِ مِنْ رَاوٍ قَضَى أَجَلَهُ
٥٤٧ يَرْوِيْهِ أَوْ لِسَفَرٍ أَرَادَهْ وَرُدَّ مَا لَمْ يُرِدِ الْوِجَادَهْ
القسمُ السابعُ من أقسامِ الأَخْذِ والتَّحَمُّلِ: الوصيةُ بالكُتُبِ، بأَنْ يُوصِيَ الراوي بكتابٍ يرويهِ عندَ مَوتِهِ، أو سَفَرِهِ لشخصٍ، فهل له أَنْ يروَيهُ عنهُ بتلكَ الوصيَّةِ؟ فرَوَى الرامَهُرْمُزِيُّ من روايةِ حَمَّادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ قالَ: قلتُ لمحمدِ بنِ سيرينَ:
[ ١ / ٤٥٥ ]
إنَّ فلانًا أَوْصَى لي بكتبهِ، أَفأُحَدِّثُ بِهَا عنهُ؟ قالَ: نَعَمْ.. ثمَّ قالَ لي بعدَ ذلكَ: لا آمُرُكَ ولا أنهاكَ. قالَ حمَّادٌ: وكانَ أبو قِلابةَ قالَ: ادفعوا كُتُبي إلى أيوبَ إنْ كانَ حَيًَّا، وإلاّ فاحرقُوهَا. وعلَّلَهُ القاضي عياضٌ: بأَنَّ في دَفْعِهَا لهُ نَوعًا من الإذْنِ وشَبَهًا من العَرْضِ والمناولةِ. قالَ: وهو قريبٌ من الضَّرْبِ الذي قبلَهُ. قالَ ابنُ الصَّلاَحِ: «هذا بعيدٌ جدًَّا وهو إمَّا زَلَّةُ عالِمٍ، أو مُتأوَّلٌ على أَنَّهُ أرادَ الروايةَ على سبيلِ الوِجَادةِ. قالَ: وإنَّهُ لا يصحُّ تشبيهُهُ بقسمِ الإعلامِ وقسمِ المناولةِ» .
الثَّاْمِنُ: الْوِجَاْدَةُ
ثُمَّ الوِجَادَةُ وَتِلْكَ مَصْدَرْ وَجَدْتُهُ مُوَلَّدًَا لِيَظْهَرْ
٥٤٩ تَغَايُرُ الْمَعْنَى، وَذَاكَ أَنْ تَجِدْ بِخَطِّ مَنْ عَاصَرْتَ أَوْ قَبْلُ عُهِدْ
مَا لَمْ يُحَدِّثْكَ بِهِ وَلَمْ يُجِزْ فَقُلْ: بِخَطِّهِ وَجَدْتُ، وَاحْتَرِزْ
٥٥١ إِنْ لَمْ تَثِقْ بِالْخَطِّ قُلْ وَجَدْتُ عَنْهُ، أَوْ اذْكُرْ قِيْلَ أَوْ ظَنَنْتُ
القسمُ الثامنُ من أقسامِ أَخْذِ الحديثِ وَنقْلِهِ الوِجَادَةُ بكسر الواو وهي مصدرٌ مُوَلَّدٌ لِـ وَجَدَ - يَجِدُ قالَ الْمُعَافَى بنُ زكريا النَّهْرَوَانيُّ إنَّ المولَّدِينَ
[ ١ / ٤٥٦ ]
فَرَّعُوا قولَهم وِجَادَةً فيما أُخِذَ مِنَ العِلْمِ مِنْ صَحِيْفَةٍ من غيرِ سماعٍ ولا إجازةٍ ولا مُنَاوَلةٍ، من تفريقِ العَرَبِ بين مصادرِ وَجَدَ، للتمييزِ بينَ المعاني المختلفةِ قالَ ابنُ الصلاحِ يعني قولَهم وَجَدَ ضالَّتَهُ وِجْدَانًا، ومطلوبَهُ وُجُودًا، وفي الغَضَبِ مَوْجِدَةً، وفي الغِنى وُجْدًَا، وفي الحُبِّ وَجْدًا قلتُ وَلِـ وَجَدَ مصدرانِ آخرانِ، لم يذكرْهُما وهما جِدَةٌ في الغَضَبِ وفي الغنى، وإِجْدَانٌ - بكسرِ الهمزةِ - حَكاهما ابنُ الأعرابيِّ، قالَ ابنُ سِيْدَه وهذا على بَدَلِ الهمزةِ من الواوِ، وليسَ معنى من المعاني التي ذكرَها مقتصرًا على مصدرٍ واحدٍ إلاّ في الحُبِّ؛ فإنَّ مصدَرَهُ وَجْدٌ - بالفتح لا غيرُ كما قالَ ابنُ سِيْدَه وكذلكَ هو مصدرُ وَجَدَ بمعنى حَزِنَ قالَهُ الجوهريُّ وغيرُهُ وأمَّا في المَطْلُوبِ فلهُ مصدرانِ وُجُوْدٌ، ووِجْدانٌ حَكَاهما صاحبُ المشارقِ وأمَّا في الضَّالةِ فلهُ إجْدَانٌ أيضًا، كمَا تقدَّمَ وأمَّا بمعنى الغَضَبِ، فله مصادرُ مَوْجِدَةٌ وجِدَةٌ ووَجْدٌ -بالفتح- ووِجْدَانٌ، حَكَاها ابنُ سِيْدَه وأمَّا بمعنى الغِنَى، فلَهُ أيضًا مصادرُ
[ ١ / ٤٥٧ ]
أربعةٌ وَُِجْدٌ - مثلَّثُ الواوِ - وَجِدَةٌ، حَكَاها الجوهريُّ وابنُ سِيْدَه وقُرِئَ بالثلاثةِ في قولهِ تعالى ﴿أَسْكِنُوْهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾
وقولي وذَاكَ أي والوِجادةُ أن تجدَ بخطِّ مَنْ عاصرْتَهُ لقيتَهُ أوْ لم تلْقَهُ أو لم تُعاصِرْهُ، بلْ كانَ قبلَكَ؛ أحاديثَ يرويها، أو غيرَ ذلكَ ممَّا لم تسمَعْهُ منهُ، ولم يُجِزْهُ لكَ، فلكَ أنْ تقولَ وجدْتُ بخطِّ فلانٍ، أخبرنا فلانٌ، وتسوقَ الإسنادَ والمتنَ أو ما وجدْتَهُ بخطِّهِ، أو نحو ذلكَ هذا إذا وَثِقَ بأنَّهُ خطُّهُ، فإِنْ لم يَثِقْ بأنَّهُ خطُّهُ فليحترِزْ عن جَزْمِ العبارةِ بقولِهِ بلغني عَنْ فلانٍ، أو وجدْتُ عنهُ، أو وجدْتُ بخطٍّ قِيْلَ إنَّهُ خطُّ فلانٍ، أو قالَ لي فلانٌ إنَّهُ خطُّ فلانٍ، أو ظننْتُ أنَّهُ خطُّ فلانٍ، أو ذَكَرَ كُنَاتُهُ أنَّهُ فلانُ بنُ فلانٍ، ونحوِ ذلكَ مِنَ العباراتِ الْمُفْصِحَةِ بالْمُستَنَدِ في كونهِ خطَّهِ قلتُ هكذا مَثَّلَ ابنُ الصلاحِ الوِجادةَ بما إذا لَمْ يكنْ لَهُ إجازةٌ ممَّنْ وَجَدَ ذلكَ بخطِّهِ وقدِ استعملَ غيرُ واحدٍ من أهلِ الحديثِ الوِجادةَ معَ الإجازةِ، وهو واضحٌ كقولِهِ وجدْتُ بخطِّ فلانٍ وأَجَازَهُ لي، وكذلكَ لم يذكرْهُ القاضي عياضٌ في الإلماعِ في مثالِ الوِجَادةِ، وإنِّما أرادَ الشيخُ أَنْ يَتَكَلَّمَ على الوِجَادَةِ الخاليةِ عن الإجازةِ، هلْ هيَ مُسْتَنَدٌ صحيحٌ في الروايةِ، أو العملِ؟ واللهُ اعلمُ
وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ، وَالأَوَّلُ قَدْ شِيْبَ وَصْلًا مَا، وَقَدْ تَسَهَّلُوْا
٥٥٣ فيْهِ بِعَنْ، قالَ وَهَذَا دُلْسَهْ تَقْبُحُ إِنْ أَوْهَمَ أَنَّ نَفْسَهْ
حَدَّثَهُ بِهِ، وَبَعْضٌ أَدَّى (حَدَّثَنَا)، (أَخْبَرَنَا) وَرُدَّا
[ ١ / ٤٥٨ ]
٥٥٥ وَقِيْلَ فِي الْعَمَلِ إِنَّ الْمُعْظَمَا لَمْ يَرَهُ، وَبالْوُجُوْبِ جَزَمَا
بَعْضُ الْمَحُقِّقِيْنَ وَهْوَ الأَصْوَبُ وَ(لاِبْنِ إِدْرِيْسَ) الْجَوَازَ نَسَبُوْا
أي: وكُلُّ ما ذُكِرَ منَ الرّوايةِ بالوِجادةِ منقطعٌ، سواءٌ وَثِقَ بأنَّهُ خَطُّ مَنْ وَجَدَهُ عنهُ، أَم لا. ولكنَّ الأوَّلَ وهو إذا ما وثِقَ بأنَّهُ خطُّهُ أَخَذَ شوبًا من الاتصالِ بقولهِ: وجدْتُ بخطِّ فلانٍ، وقد تَسَهَّلَ مَنْ أَتى بلفظةِ: «عَنْ فلانٍ» في موضعِ الوِجادةِ، قالَ ابنُ الصلاحِ: وذلكَ تَدْلِيْسٌ قبيحٌ، إذا كانَ بحيثُ يُوهِمُ سماعَهُ منه على ما سبقَ في نوعِ التدليسِ.
فقولي: (أَنَّ نَفْسَهْ) أي: نَفْسَ مَنْ وَجَدَ ذلكَ بخطِّهِ حدَّثَهُ بِهِ. وجازَفَ بعضُهُمْ فأطْلَقَ في الوِجادةِ: حَدَّثَنَا وأخبرنا، وانتُقِدَ ذلكَ على فاعِلِه، قالَ القاضي عياضٌ: لا أعْلَمُ مَنْ يُقْتَدَى بهِ أجازَ النقلَ فيهِ بـ: حَدَّثَنَا، وأخبرنا، ولا مَنْ يَعُدُّهُ مَعَدَّ المُسْنَدِ. انتهى.
هذا الحكمُ في الروايةِ بالوِجادةِ، وأَمّا العملُ بها، فقالَ القاضي عياضٌ: اختلفَ أَئمةُ الحديثِ والفِقْهِ والأُصولِ فيهِ، مع اتفاقِهِم على مَنْعِ النَّقْلِ، والروايةِ بهِ، فمعظُمُ المحدِّثينَ والفقهاءِ من المالكيةِ وغيرِهم، لا يَرَوْنَ العملَ بهِ، قالَ: وحُكِيَ عن الشافعيِّ - ﵀ - جوازُ العملِ بهِ، وقالَتْ بهِ طائفةٌ مِنْ نُظَّارِ أَصحابهِ، قالَ: وهوَ الذي
[ ١ / ٤٥٩ ]
نصرَهُ الْجُوينيُّ وَاخْتَارَهُ غيرُهُ مِن أربابِ التحقيقِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: قطعَ بعضُ المحقِّقِينَ من أصحابهِ في أُصولِ الفِقْهِ بوجوبِ العملِ بهِ عندَ حصولِ الثقةِ بهِ، وقالَ: لو عُرِضَ ما ذكرناهُ على جُملةِ المحدِّثينَ لأَبَوْهُ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وما قطعَ بهِ هوَ الذي لا يَتَّجِهُ غيرُهُ في الأعصارِ المتأخِّرةِ، وقالَ النوويُّ: هذا هو الصحيحُ.
٥٥٧ وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ خَطّهِ فَقُلْ قالَ وَنَحْوَهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ
بِالنُّسْخَةِ الْوُثُوْقُ قُلْ: (بَلَغَنِيْ) وَالْجَزْمُ يُرْجَى حِلُّهُ لِلْفَطِنِ
إذا أردْتَ نقلَ شَيءٍ من كتابٍ مُصَنَّفٍ، فإنْ كانتِ النُّسْخَةُ بخطِّ المُصَنِّفِ، وَوَثِقْتَ بأَنَّهُ خطُّهُ، فقُلْ: وجدْتُ بخطِّ فلانٍ، واحْكِ كلامَهُ، كما تَقدَّمَ. وإنْ كانتْ بغيرِ خطِّ المُصَنِّفِ، فإنْ وَثِقْتَ بصِحَّةِ النسخةِ بأَنْ قابلَها المُصَنِّفُ، أو ثقةٌ غيرُهُ بالأَصلِ، أو بفرعٍ مُقَابَلٍ على ما تقدَّمَ؛ فقُلُ: قالَ فلانٌ، أو ذَكَرَ فلانٌ، ونحوَ ذلكَ مِنْ أَلفاظِ الجزمِ. وإنْ لَمْ تَثِقْ بصحَّةِ النسخةِ فقُلْ: بلغني عن فلانٍ، أو: وجدْتُ في نسخةٍ من الكتابِ الفلانيِّ، ونحوَ ذلكَ مِمَّا لا يقتضي الجزمَ. قالَ ابنُ الصلاحِ: فإنْ كانَ المطالِعُ عالمًا فطنًا بحيثُ لا يخفى عليهِ في الغالِبِ مواضعُ الإسقاطِ والسَّقَطِ، أَو ما أُحِيْلَ عَن
[ ١ / ٤٦٠ ]
اختلف الصحابة والتابعون في كتابة الحديث:
ْ جِهَتِهِ مِنْ غيرِها رجونا أَنْ يجوزَ له إطلاقُ اللَّفْظِ الجازِمِ فيما يحكيهِ من ذلكَ. قالَ: وإلى هذا فيما أَحسَبُ استروَحَ كثيرٌ من المصنِّفِينَ فيما نقلوهُ من كُتُبِ الناسِ، والعِلْمُ عندَ اللهِ تعالى.